عرض مشاركة واحدة
قديم 25-04-2018, 02:38 AM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
خالد يوسف أبو طماعه
عضو تجمع الأدب والإبداع
مستشار مجلس الادارة لشؤون السرد
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو تجمع أدب الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الاردن

الصورة الرمزية خالد يوسف أبو طماعه

افتراضي رد: روايتي الساخرة ( فردة حذائي الضائعة)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ثناء حاج صالح مشاهدة المشاركة




الفصل الأول



سوريا – حلب- حي مساكن هنانو
الساعة الخامسة بعد الظهر من شهر آب أغسطس عام2012 .

.
.
.


الغارة الخامسة عشرة

كان لدي ما أفعله ذلك المساء، كنت أبرد.
لا. لا أتّهم الجو بالبرد ولا أحمِّله مسؤولية شعوري. فلا تحمِّلوا أقوالي فوق طاقتها.
حسنا : لقد كان الجو حارا في شهر آب . وأنا التي كنت أَبْرُد من تلقاء نفسي ،وبكامل إرادتي، وبمحض اختياري . هل يرضيكم هذا ؟
كنت أبرد . وكانت الزهرة الصفراء التي نبتت صباح الأمس بين الأعشاب ما تزال في الحديقة ، رأيتها من نافذتي في الطابق الرابع ، بدت في هذا المساء الشاحب أكثر شحوبا وكأنها تعاني من شحوب مرض ما ! "لعلها متوعكة ، مصابة بالدوار ، هل تسعل مثلا ، كفاك هراء ! وكفاك شعرا ! لم يبق إلا أن يذهب خيالك - وهو وحده المريض -إلى أنها قد تصاب بأعراض التجفاف ، وقد تصاب بالإسهال مثلا هههههههه"
هذا لم يكن رد زوجي على تخيلاتي. والحق يقال، ولا أريد أن أظلمه بادعائي أنه قد تكلم بهذا ، وهو الذي لم يكلمني منذ أسبوعين ، بل أنا التي كنت أتخيل ما يمكنه قوله . ولا شك أنه محق بهذا الذي أتخيله من رده من وجهة نظر ما . فمن ذا الذي يفكر في زهرة صفراء شاحبة نبتت في العشب وهو يعيش تحت خطر البراميل.
الساعة الخامسة تماما، بدأت الغارة .
أصوات المروحيات تصم الآذان وهي تحوم في سماء حي مساكن هنانو. وهو أول حيّ معترف به من الجهة الشرقية لمدينة حلب ، وقد كان أول منطقة تدفقت إليها أرتال الجيش الحر القادمة من قرى الشمال عبر كتائب( لواء التوحيد ) منذ وصول الثورة إلى حلب .
علت أصوات القصف وعلا معها الصراخ في الشارع ،وصرخ زوجي من الداخل :
-اهبطوا بسرعة إلى الشارع ، بسرعة بسرعة .هيا
وارتفعت في الشوارع هتافات التكبير(الله أكبر، الله أكبر). وسمعت ضجيج الجيران سكان البناية يهبطون على الدرج. زوجي يحمل على ظهره الحقيبة التي وضعنا فيها كل شهاداتنا العلمية، وكل وثائقنا وكل ما لدينا من مال ويهبط مع ابنينا . من يعلم؟ لعل الخارج من بيته لن يجده قائما ليعود إليه بعد دقائق قليلة .
أما أنا فلم أنزل بعد ، ومازلت أبحث عن فردة حذائي الأخرى في خزانة الأحذية خلف باب الشقة . أين هي؟ أين اختفت ؟
هيا ، زوجي يصرخ غاضبا على درج البناية :
- قل لأمك أن تنزل حافية كل الناس أصبحوا في الشارع.
(قل لأمك ) ! حتى في لحظات الذعر من الموت ينتبه ولا يخاطبني مباشرة ! يا لشدة وعيه!
أما أنا فقد أوصتني أمي أن لا أسير حافية أبدا ، تقول أمي : "إن تفسير رؤية المرأة حافية في المنام يدل على أنها ستصبح مطلقة ", وأنا على الرغم من أنني لا أرى نفسي في المنام إلا وأنا حافية . فسوف أحافظ على وصية أمي . ثم دعوا وصية أمي جانبا، وفكروا معي ! كيف سأنزل إلى الشارع وتراني طالباتي حافية وكلهن يسكن في الجوار - ؟ هذا مستحيل! لن أسمح لهذه الذكرى المحتملة أن تعلق في ذاكرة طالبتي ريم على الأقل.
يا جماعة ! لا تفهموني خطأ. أنا أرغب بارتداء الحذاء ليس بسبب تفكيري بالأناقة ، وإنما كي أصون صورة العلم وهيبته عن كل ما يزدريها في أذهان الطلاب .وهروبي حافية يتعارض مع الاتزان والثقة والهيبة ، فإذا رآني طلابي أهرب حافية إلى الشارع فسوف تهتز ثقتهم بي وبالعلم الذي أمثله ، وسيشعرون بمزيد من الذعر تحت خطر الموت . وأنا التي لطالما حذرتهم من الذعر تحت خطر الموت .ها أنتم ترون أن الأمر لا يتعلق بي ولا بتفكيري بالأناقة.وإنما هو قضية تربوية خطيرة.
ولكن المشكلة الآن أنني لا أجد أمامي سوى الحذاء الذي ألبسه يوميا إلى المدرسة، صحيح أنه ممتاز لحفظ هيبة المعلمة وعلمها. ولكن ارتفاع كعبه المتوسط (7سم) لا يصلح لا للركض ولا للفرار من البراميل .
مرت دقيقتان ربما، وها وأنا لم أجد سوى فردة واحدة من حذائي (الزحف) الذي اشتريته خصيصا للفرار ، الأفضل الإسراع بالنزول ولو بفردة حذاء واحدة بعد أن ارتجفت نوافذ البناية وأبوابها على صوت خبطة انفجار أحد البراميل يدوي في الأرجاء القريبة . لم يبق لدي خيار . أخذت ألبس فردة الحذاء بسرعة :
- فردة حذاء واحدة تكفي ، وهكذا لن يفقد الطلاب كامل ثقتهم بي .بل سيفقدون نصف ثقتهم فقط!
ووجد جزئي العاقل الفرصة سانحة للسخرية مني فتكلم، وما كان بي لكلامه حاجة :
- ثم لا تنسي أن العيون كلها ستكون معلقة بالسماء ولن يجد أحد الفرصة كي يحدق في قدميك. فردة حذاء واحدة أفضل من الحفاء!...هيا . فالطيار الذي في الأعلى لن ينتظرك أكثر لتجدي فردة حذائك حتى يقذف البرميل .
تهافتُّ على الدرج تهافتا إلى الأسفل . وأنا أتابع الحوار :
-الطيار؟ ماذا لو فكر بإن إحداهن تريد الهروب ولكنها لا تجد فردة حذائها؟ هل يعني هذا أن ضميره مازال يعمل ! ولكن لماذا يرغب حقا بترويعنا وقتلنا ؟ هل يشعر بالفخر بتدميرنا ؟ من المحتمل أنه يتخيل نفسه محلقا في سماء فلسطين كي يستطيع أداء عمله ؟ وربما يشعر بأنه يقذف البراميل على الإسرائليين ؟ هل يعقل أنه يعرف أنه يصول في سماء حلب ؟ ويقصف ويدمر بيوت حلب ؟ ويقتل أهل حلب ؟ كيف يمكن تصديق ذلك ؟ أنا أجزم بأنه ليس حلبيا. ربما ليس سوريا. هل هو عربي ؟ هل هو مسلم؟
يا إلهي ! ماذا لو كان لديه ضمير وكان يتمزق ألما وهو يرمي البرميل ؟ ماذا لو كان عذاب معاناته وشعوره بالذنب يفوق معاناتنا ؟ ماذا لو كان يريد الانشقاق عن جيش النظام ولكنه يخشى على أهله ، على أطفاله ، على أمه من التنكيل بهم . هل يقتلنا ليحميهم مثلا ؟ لماذا بدأت أشعر بالشفقة عليه؟
هبط جميع سكان البناية من طوابقهم العالية إلى الشارع. هبط جميع الجيران .. وأنا هبطت أخيرا كالعرجاء أمشي بفردة الحذاء اليمنى بينما اتكأ بقدمي اليسرى على رؤوس أصابعي. كي أحفظ ما أمكنني من الثقة بمظهر العلم!
ثماني مروحيات تحلق يوميا في سماء حي المساكن وتفرغ حمولتها من البراميل فوق الأبنية. كل خمس دقائق برميل منذ عشرة أيام. تتضارب أصوات الانفجارات، تهز الأبنية كالزلازل، تتضخم فوق الأبنية وتتصاعد غيوم وهالات من الغبار الأبيض والدخان الأسود. تتناثر الحجارة والشظايا والزجاج في كل مكان .
وقفت بجانب زوجي وولدينا حيث اصطف الناس ،كل عائلة بجانب الأخرى، على الرصيف المقابل للبناية،على الأقل نحن عائلة أمام الناس, والناس لا يعلمون ما بأنفسنا ، عيونهم تتابع الطائرات في السماء ،وفي أيديهم حقائبهم التي وضعوا فيها ما يحتاجونه من أوراق ووثائق وأموال تحسبا من قصف بيوتهم .
بعد نصف ساعة من الرعب ومواصلة النظر إلى الأعلى، أعتقد أنهم شعروا جميعا بآلام الرقبة ، يا رب خفف عن الشعب السوري آلام الرقاب !
لماذا أراقبهم بدلا من أن أراقب الخطر المحدق في السماء ؟ فجأة، هاجوا دفعة واحدة، وأخذوا يتصارخون ويكبرون ويحوقلون ويسبحون ويتصارخون : ابتعدوا عن الشارع! إحدى المروحيات أصبحت الآن تحلق فوقنا في سماء الشارع !
معظم الناس أخذوا يتراكضون باتجاه جامع العباس . لكن نحن كنا مع الناس الذين ركضوا باتجاه مبنى الإطفائيّة قرب منطقة الملعب، في الجهة الأخرى من الشارع . وتجمعنا هناك في آخر الشارع ،وهو أمر يعرضنا لخطر الإصابة بقديفة هاون محتملة ،قد تأتينا على حين غرة من جهة مناطق النظام. كما قال أحدهم، وهو يندس بيننا ليقف في وسطنا، قبل أن يصمت لأن أحدا لم يعره اهتماما سواي ، الآن الكل ينظر إلى الخطر المحدق من الأعلى . لماذا نشعر بالحاجة لأن نقف معا في مكان واحد؟ و لماذا وقف هذا الرجل معنا وهو يحذرنا من التجمع ؟ يذكرني هذا بتجربتي التي أجريتها لاختبار سلوك التجمع الغريزي عند طيور الحمام .
هههههههه يا للطيور المسكينة ! أخفتها بصوت مواء القطط . فتجمعت على بعضها، وتجمدت وسكنت سكونا غريبا ، أشعر الآن بشعورها تماما . وهل نحن الآن أشبه بالحمامات الخائفة ؟ لا بل نحن أشبه بالحشرات الضارة التي تخاف من الإبادة ! أشبه بالصيراصير مثلا . ولن نرتقي لنكون أشبه بالنمل ، فحينما يسحق المارة النمل بأحذيتهم فإنهم يفعلون ذلك عن غير قصد. أما الصراصير فالقصد متوفر دائما في مطاردتها وقتلها. إذن فنحن في حالتنا هذه كبشر سيّان مع الصراصير من حيث المحنة الإنسانية .
لنفكر جديا في مأساة الصراصير ، أليست مخلوقات الله ؟وهل خلقت نفسها بنفسها ؟ إن لم تكن الحياة حقا شرعيا لها فلماذا خلقها الله ؟ وما ذنبها كي تخاف وتعيش طوال حياتها مذعورة وفي محاولة مستمرة للفرار من القتل ؟
لكن لحظة لحظة ، أعتقد أن الوضع الإنساني للصراصير أفضل من وضعنا . فهي حتما غافلة عن المبيدات الحشرية التي أعدت لها . وهذا يخفف من شدة خوفها وذعرها من الموت. لكن نحن ،نحن نعلم ونشاهد المبيدات الحشَ/بشرية الخاصة بنا .لذا فنحن نخاف أكثر، ولكننا والحق يقال، نستفيد من معلوماتنا أكثر .فعلى سبيل المثال: نحن نستفيد من المعلومات التي تقول بأن احتمال الخطأ في تحديد نقطة سقوط البرميل إذا كنتَ تراقبه من الأسفل يقدر بحوالي مئتي متر فقط، هو مقدار انحراف البرميل بعد سقوطه بتأثير الرياح وتأثير سرعة حركة المروحية لحظة إسقاطه. فنحن نستفيد من معلوماتنا، و نقف تحت جزء من السماء يبعد على الأقل ثلاثمئة متر عن البقعة التي تحلّق فيها المروحيات لحماية أنفسنا .
أرأيتم ؟ صحيح أن احتمال الإصابة بالشظايا الناجمة عن الانفجار وارد ،وقوي جدا. ولكن لا بأس! المهم أننا نستفيد من المعرفة . ولسنا كالصراصير ،( يا غافلْ إِلَكْ ألله) .
لكن لحظة من فضلكم ، أنا أنظر حولي هكذا لأنني أريد أن أصحح لكم بعض المعلومات المفيدة ، فأنا أعتقد بأن المروحية تقف ساكنة في الجو في لحظة قذف البراميل، ما يعني أن سرعتها ستكون صفر ، وهذا يجعل قيمة قوة الدفع التي ستعطيها المروحية للبرميل لحظة سقوطه صفرا أيضا. إذن فالبرميل يسقط سقوطا حرا. صحيح أن البرميل لا يختار سقوطه بكامل حريته ! ولكنني أظنه مع ذلك يسقط سقوطا حرا .
- " هل هذا هو وقت علم الأحياء ووقت الفيزياء ؟ اللعنة عليكِ وعلى الفيزياء وعلى اليوم الأسود الذي تعرفت به عليك !" ، هذا هو ردّ زوجي الذي أتخيله . ولعلمكم ،هو لم يردّ علي به فقط لسبب واحد بسيط ، وهو أنني أصلا لا أستطيع أن أخبره بما فكرت به قبل قليل تجنبا لردّه هذا . والحمد لله أنني لم أخبره ولم يردّ، لأنني ما كنت لأدعه يهنأ برده.
مرّت ساعة .وكل ما فكّرت به مر كلمح الخاطر، والغارة لم تنته بعد .وكلما سقط برميل هاج الناس وكبروا وتشبثوا بأنفسهم وبأرواحهم . وأنا أشعر بالعطش وبالدوار ، وأشعر بالبرد يجتاحني ، وأخشى أن يتجاوزني البرد إلى الواقفين بجواري فيبردوا مثلي ، على الرغم من أن درجة الحرارة اليوم لا تقل عن أربعين درجة مئوية ،ستكون مصيبة لو شعروا بالبرد مثلي ، جسمي الذي يرتجف بدأ يخور ،وقد أتهاوى على الأرض بعد لحظات .
لو لم أكن صائمة لاستغثت، وطلبت كأسا من الماء .أي ماء والماء في البيوت ونحن في الشوارع ؟! لكن هذا وقت تحضير طعام الإفطار . ألن يفكر الناجون من الغارة بتحضير طعام الإفطار .
يا لقسوتي ! يا لقسوة البشر!يا لعدم ضميري ! أناس تنسحق أشلاؤهم وتنطمر في بيوتهم تحت أسقفها وجدرانها المنهارة فوقهم، وأناس يخططون لتناول طعام الإفطار! يا لفظاعتي ! من سيشتهي الأكل في جوار الموت والدم واللحم المحشور تحت الأنقاض!
آه لا تذكّروني بصورة العجين المختلط بالدم في المجزرة التي حدثت في الأمس جراء سقوط الصواريخ على الفرن! شاهدتها على التلفاز قبيل أذان المغرب فلم أستطع وضع الخبز في فمي عند الإفطار.
-"ولهذا تشعرين بالجوع يمزق أحشاءك اليوم" خاطبني الجزء العاقل في نفسي، وتابع محاولا إقناعي :
-الأكل أمر ضروري ولا مفر منه. كيف سيصوم الناس غدا إن لم يأكلوا اليوم ؟ كيف سيتابعون حياتهم بدون طعام ؟
-هل تعلم أنك أقنعتني أيها الجزء العاقل ؟ قلت له ، وتابعت : أعلم أنهم سيأكلون مضطرين حتى ولو كان ابتلاع الطعام صعبا عليهم .وحتى لو كان طعمه كطعم هذا التراب الذي دخل مع استنشاقنا الهواء إلى أفواهنا . ..
الغبار يملأ الشوارع ، ورائحة البارود تختلط مع الغبار . وأنظار الناس تنسحب من السماء، وهي تودّع الطائرات المغادرة خفيفة بعد أن فرّغت حمولتها اليوم ، الطائرات تبتعد ، والناس يتوجعون من رقابهم . انتهت الغارة.
وجوه الناس من حولي صفراء مشدوهة ، أتفقّد وجوههم بحذر، خشية أن يصرخ أحدهم في وجهي لسبب أجهله ، ماذا لو صرخ أحدهم في وجهي ؟ولماذا سيصرخ بي ؟ كم أنتِ مذعورة ! ما بك؟
الرعب يملأ العيون، الاضطراب يسكن أحداق الأطفال، واحسرتاه على الأطفال. ما بهم الناس ؟
لا أحد يتكلم ، لا أحد يجد ما يقوله للآخر ، وكأن الخوف قد ربط الألسن . الصمت متواصل عميق هادر ، يشبه هذا الهدوء هدوء ما قبل العاصفة ، لكنني سأسميه بهدوء ما بعد الغارة. وهو هدوء ممزوج بالخيبة والعار والعتب ،
-ولماذا العتب يا حبيبتي ؟ (سألني جزئي الحنون )
-لأن الكل يشعر بالحاجة للمواساة ، ولكن لا أحد يواسي أحدا. أودّ أن أواسيهم حقا ، وأنا المشنوقة بحبال الصمت والعتب ، ولكنني لا أستطيع ، لا أستطيع، ليتني أرى بعض طالباتي لأواسيهن، لكن أينهن ؟ لماذا لا أراهن؟
تفرّق الناس . الكثير منهم ذهبوا لاستطلاع نتائج ما حصدته الغارة من قتلى وجرحى ومن تدمير وحرق .
أصوات العويل تمزق قلوبنا، تصل متقطعة إلى آذاننا مع هبات الرياح من منطقة السوق الجديد خلفنا، حيث تركز القصف اليوم ، ونحن عائدون باتجاه البناية . ترى كم روح أزهقت هذه الساعة؟ كم بيت هبط على رؤوس أصحابه ؟ كم قصة حياة وجدت خاتمتها المفاجئة ؟ كم رغبة تحولت إلى رماد؟ ماذا كانوا يفعلون قبل أن يسقط البرميل؟ هل كانوا ينزلون على الأدراج فلم يمهلهم الموت ؟
ليتني أطلب من زوجي أن نذهب مع الذاهبين إلى مكان القصف ، وليت زوجي يرفض طلبي ويمنعني من الذهاب ،كي أخفف عن روحي المزيد من الألم ،وعن دماغي المزيد من الكوابيس .
- وما زال الخطر قائما! (قال زوجي مخاطبا ابننا الكبير) . ونظر إلى قدمي برهة ،ولم يتكلم. وأنا اقتربت منه حتى كاد كتفي يصطدم بكتفه. وقلت:
- أسمع أصوات سيارات إسعاف ! الحمد لله أن سيارات الإسعاف مازالت تعمل . أردته أن يظن أنني أخاطبه فيرد ولكنه لم يرد. وهي محاولة يائسة مني على كل حال لجعله يتكلم معي بعد خمسة عشر يوما من الصمت القاتل، وقد باءت بالفشل كما ترون، ولكنني جاهدت أكثر، وتابعت:
-وسيأتي يوم نفتقدها فيه ولا نجدها ، (...وفي الليل الظلماء يُفتقَد البدر... ) .قلت الجملة الأخيرة ساخرة كعادتي، لكن هذه المرة قلتها دونما صوت ،حرصا مني، كي لا يسمعها زوجي، وكي لا يرد . ولكنني أظنه قد توقعها مني ،وتخيل أنه قد سمعها)، ولم يرد مع ذلك .
سحب ابني الصغير أصابعه من يدي .الآن أشعر بأن جسمي كان يرتجف بكامله حقا ،وبأنني كنت أضغط أصابع ابني في راحتي حتى أوجعته فتملص مني .
-هيا لنعد إلى البيت. قال زوجي ، وهو الذي يصبح أكثر لطفا بعد الغارات الجوية، موجها كلامه لولدينا ، ثم نظر إلى قدمي مرة أخرى ولم يعقب.
كان الدم ينزف من قدمي اليسرى بدون هوادة وحتى فردة حذائي الوحيدة قد اصطبغت بالدم الذي شكل بركة صغيرة تحتي . لعلها قطعة زجاج كبيرة حادة شرطت قدمي وجرحته هكذا ونحن نركض .لكنني لم أشعر بالألم إلا في هذه اللحظة ، هذا يعني أن مستوى تدفق الأدرينالين قد انخفض في دمي الآن ، كيف مشيت على الزجاج وانجرحت قدمي هذا الجرح العميق الكبير ولم أشعر بالألم ؟ قطع الزجاج تتناثر في الشوارع بعد تحطم زجاج النوافذ في إثر القصف منذ شهر، وليس ثمة عمال نظافة ينظفون شوارع المساكن ، وقد لا تتمكن نافذة من الاحتفاظ بزجاجها بعد أسبوع واحد في المساكن كلها . بائس حي مساكن هنانو ! منذ بدء الثورة ،أكياس القمامة تحيط بحاويات القمامة الممتلئة على محيط يصل إلى عدة أمتار على مقربة من الرصيف قرب البناية , وهناك الجرذان والفئران والقطط والحشرات والروائح.
بعد وصولنا للبناية ، وخلال عبورنا لحديقتها حاولت بعيني فقط ومن البعيد فقط أن أتفقد الزهرة الصفراء التي نبتت في الأمس في مكانها على العشب، لكنني لم أرها . ما الذي حل بها ؟ أخشى أن أحد السكان قد داس عليها وسحقها بحذائه وهو يهرول بينما عيناه محلقتان في البراميل الهابطة من السماء ؟
وعلى ذكر الحذاء، أريد أن أعرف حقا : أين اختفت فردة حذائي ؟

سرد درامي بأسلوب جميل وبضمير المتكلم الواحد
سرد تفاصيل التفاصيل لأحداث دامية في يوم ومشهد واحد
من أصوات الصراخ لمشاهد البراميل المتفجرة في أحد أحياء حلب
حي هنانو ووصف خاطف للسوق من مشاهد اختلاط الماء بالطحين
لكن هنا يبرز سؤال هل هذه رواية ساخرة فعلا؟
هل تتجسد الآلام في سرد ساخر؟
أظنها رواية جادة ذات أبعاد كبيرة لمصيبة لم تتوقف
أنتظر رأي الأخت ثناء بالنسبة لما طرحت من استفهام
تحياتي ولي عودة بإذن الله تعالى







حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
  رد مع اقتباس
/