« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: هكذا تكلمت أميرة الآشوريين................؟؟؟!!! (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: ولاضررٌ وإن جعتمْ بغزّة * حسام المقداد (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: عجبي على أمة بلهاء (آخر رد :آمال محمد)       :: همسة (آخر رد :آمال محمد)       :: هايكو (آخر رد :آمال محمد)       :: من التراث البغدادي لوحاتٍ رائعة (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: شعاع بحلكة الظلام ......يقع على اسرانا؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: الوطنية (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: قد القلب --- (آخر رد :انجي يوسف)       :: موعدٌ مع الشمسْ (آخر رد :فيصل عبد الوهاب)       :: الساحر (آخر رد :فيصل عبد الوهاب)       :: إصرار (آخر رد :عبد الرحيم عيا)       :: حب "عن بعد" (آخر رد :عبد الرحيم عيا)       :: إشـــــــاعة .... (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: بلّغوها عني ولو..قُبلة !! (آخر رد :عبد الرحيم عيا)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘

¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-07-2012, 06:39 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
هبه الشايب
فريق العمل
تحمل وسام الأكاديميّة للعطاء
تحمل ميدالية الأكاديمية للتميز 2011
رابطة الفينيق / عمون
الاردن

الصورة الرمزية هبه الشايب

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

هبه الشايب غير متواجد حالياً


افتراضي الفينيق صلاح عبد الصبور يليق به الضوء*هبه الشايب




سلام الله

تعودنا أن نضع نصاً تحت الضوء
ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربةٍ فذّة
سنستميح روح الفينيق صلاح عبد الصبور
لنضعه تحت الضوء
إذ به يليق الضوء








نبذه عن حياته
ــــــــــــــــــــــــــ

يعدّ صلاح عبد الصبور (1931 - 1981) أحد أهم رواد حركة الشعر الحر العربي. ومن رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي !! كما يعدّ واحداً من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي, وفي التنظير للشعر الحر.

وُلد الشاعر في إحدى قرى شرقيّ دلتا النيل, وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية. ثم درس اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا), وفيها تتلمذ على الرائد المفكر الشيخ أمين الخولي الذي ضم تلميذه النجيب إلى جماعة (الأمناء) التي كوّنها, ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت مهام الجماعة الأولى. وكان للجماعتين تأثير كبير على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.

التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية في عام1947 وفيها تتلمذ علي يد الشيخ أمين الخولي الذي ضمه إلى جماعة (الأمناء) التي كوّنها, ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت مهام الجماعة الأولى. كان للجماعتين تأثير كبير على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.

على مقهى الطلبة في الزقازيق تعرف على أصدقاء الشباب مرسى جميل عزيز وعبد الحليم حافظ، وطلب عبد الحليم حافظ من صلاح أغنية يتقدم بها للإذاعة وسيلحنها له كمال الطويل فكانت قصيدة لقاء. تخرج صلاح عبد الصبور عام 1951 وعين بعد تخرجه مدرسا في المعاهد الثانوية ولكنه كان يقوم بعمله عن مضض حيث استغرقته هواياته الأدبية.

في 13 أغسطس من العام 1981 رحل الشاعر صلاح عبد الصبور إثر تعرضه إلى نوبة قلبية حادة أودت بحياته، اثر مشاجرة كلامية ساخنة مع الفنان الراحل بهجت عثمان، في منزل صديقه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكان عبد الصبور يزور حجازي في منزله بمناسبة عودة الأخير من باريس ليستقر في القاهرة. تقول أرملة صلاح عبد الصبور السيدة سميحة غالب: سبب وفاة زوجي أنه تعرض إلى نقد واتهامات من قبل أحمد عبد المعطي حجازي، وبعض المتواجدين في السهرة وأنه لولا هذا النقد الظالم لما كان زوجي قد مات. اتهموه بأنه قبل منصب رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب، طمعاً في الحصول على المكاسب المالية، متناسيا واجبه الوطني والقومي في التصدي للخطر الإسرائيلي الذي يسعى للتطبيع الثقافي، وأنه يتحايل بنشر كتب عديمة الفائدة.. لئلا يعرض نفسه للمساءلة السياسية.. ويتصدى الشاعر حجازي لنفي الاتهام عن نفسه من خلال مقابلة صحفية أجراها معه الناقد جهاد فاضل قائلا: -«أنا طبعا أعذر زوجة صلاح عبد الصبور، فهي تألمت كثيراً لوفاة صلاح. ونحن تألمنا كثيراً ولكن آلامها هي لاأقول أكثر وإنما أقول على الأقل إنما من نوع آخر تماما. نحن فقدنا صلاح عبد الصبور، الصديق والشاعر والقيمة الثقافية الكبيرة، وهي فقدت زوجها، وفقدت رفيق عمرها، وفقدت والد أطفالها.. صلاح عبد الصبور، كان ضيفاً عندي في منزلي، وأيا كان الأمر ربما كان لي موقف شعري خاص، أو موقف سياسي خاص، لكن هذا كله يكون بين الأصدقاء الأعزاء، ولايسبب نقدي مايمكن أن يؤدي إلى وفاة الرجل. الطبيب الذي أشرف على محاولة انقاذه، قال إن هذا كله سوف يحدث حتى ولو كان عبد الصبور في منزله، أو يقود سيارته، ولو كان نائما.وفاته اذن لاعلاقة لها بنقدنا، أو بأي موقف سلبي اتخذه أحد من الموجودين في السهرة». وينهي حجازي كلامه قائلاً: «صلاح عبد الصبور شاعر كبير، وسوف يظل له مكانة في تاريخ الشعر العربي من ناحية ،وفي وجدان قارئ الشعر من ناحية أخرى، وشعره ليس قيمة فنية فحسب، وإنما إنسانية كبرى كذلك».



المصادر التي نهل منها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنوعت المصادر التي تأثر بها إبداع صلاح عبد الصبور: من شعر الصعاليك إلى شعر الحكمة العربي، مروراً بسيَر وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب مثل الحلاج وبشر الحافي، الذين استخدمهما كأقنعة لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات. كما استفاد الشاعر من منجزات الشعر الرمزي الفرنسي والألماني (عند بودلير وريلكه) والشعر الفلسفي الإنكليزي (عند جون دون وييتس وكيتس وت. س. إليوت بصفة خاصة). لم يُضِع عبد الصبور فرصة إقامته بالهند مستشارا ثقافياً لسفارة بلاده, بل أفاد خلالها من كنوز الفلسفات الهندية ومن ثقافات الهند المتعددة وكذلك كتابات كافكا السوداوية. صاغ الشاعر باقتدار سبيكة شعرية نادرة من صَهره لموهبته ورؤيته وخبراته الذاتية مع ثقافته المكتسبة من الرصيد الإبداعي العربي ومن التراث الإنساني عامة. وبهذه الصياغة اكتمل نضجه وتصوره للبناء الشعري.




مؤلفاته الشعرية
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- الناس في بلادي (1957) هو أول مجموعات عبد الصبور الشعرية, كما كان ـ أيضًا ـ أول ديوان للشعر الحديث (أو الشعر الحر, أو شعر التفعيلة) يهزّ الحياة الأدبية المصرية في ذلك الوقت. واستلفتت أنظارَ القراء والنقاد ـ فيه ـ فرادةُ الصور واستخدام المفردات اليومية الشائعة, وثنائية السخرية والمأساة، وامتزاج الحس السياسي والفلسفي بموقف اجتماعي انتقادي واضح.
- أقول لكم (1961).
- تأملات في زمن جريح (1970).
- أحلام الفارس القديم (1964).
- شجر الليل (1973).
- الإبحار في الذاكرة (1977).




مؤلفاته المسرحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتب خمس مسرحيات شعرية:

- الأميرة تنتظر (1969).
- مأساة الحلاج (1964).
- بعد ان يموت الملك (1975).
- مسافر ليل (1968).
- ليلى والمجنون (1971) وعرضت في مسرح الطليعة بالقاهرة في العام ذاته.

النثرية

- على مشارف الخمسين.
- و تبقي الكلمة.
- حياتي في الشعر.
- أصوات العصر.
- ماذا يبقى منهم للتاريخ.
- رحلة الضمير المصري.
- حتى نقهر الموت.
- قراءة جديدة لشعرنا القديم.
- رحلة على الورق.

جوائز

- جائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيته الشعرية (مأساة الحلاج) عام 1966.
- حصل بعد وفاته على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1982.
- الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة المنيا في نفس العام.





دراسات ومقالات عن صلاح عبدالصبور:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صلاح عبدالصبور‏..‏ قال لكم
سناء البيسي - مصر

ذاك من زمان عندما كان بوفيه كلية آداب جامعة القاهرة محطتنا ونادينا وملهانا وأرض الحب والحوار وجوار ضيوف يأتون إلينا لنعقد من حول مجلسهم الثقافي الندوات‏..‏ أذكرهما ضيفا الندوة المزدحمة بطلبة كل الكليات الأخري‏..‏ الشاعر صلاح عبدالصبور والكاتب يوسف إدريس‏.‏ كلاهما أتي للساحة البكر الظمأي للتلقي نبث السؤال طي السؤال‏,‏ فيجيب عبدالصبور الضيف الأسمر الساكن بسمات الحزن الطيبة البادية‏,‏ ويغرز فينا إدريس المتأجج الذي يرفض بعضه استقرارا علي بعضه‏,‏ يغرز نظراته الخضراء الثاقبة يسبر بها أغوارنا وعلي فمه شبه ابتسامة متهكمة‏,‏ قبل أن يمنحنا وجهة نظر يلقي بها حجرا يطرطش في مياهنا الراكدة‏..‏ فنمضي في استيعاب جديدهما‏.‏ نهضم معهما الكتابة بلغة أخري‏,‏ بالنكهة الجديدة والصيغ الجديدة والفكر الجديد في لغة لم تفقد هويتها المصرية‏,‏ وكأن من أتانا لندوة الزيارة في بوفيه الآداب امرؤ القيس وابن المقفع قد بعثا من جديد بلغة العصر ومنجزاته وصواريخه وطياراته ودباباته‏,‏ بعدما مللنا لغة صارت مثل الصيغ القانونية والأقوال المأثورة والخطابة المنبرية وخطابات الكتبة أمام المحاكم الشرعية‏..‏ عثرنا عندهما علي لغة كنا نبحث عنها وسط بحور السأم ولا تطاوعنا مواهبنا علي النطق بها‏.‏ لغة تتنفس علي أوتارنا‏,‏ وتبحر بذات مجاديفنا‏.‏ لغة تحمل منظارا مقربا يكشف ما وراء الأفق من أشياء تستحق أن تري وأن نتأملها في بلد لا يحكم فيه القانون‏.‏ في بلد يمضي فيه الناس إلي السجن بمحض الصدفة‏.‏ في بلد لا يوجد فيه المستقبل‏.‏ في بلد يتمدد في جثته الفقر كما يتمدد ثعبان في الرمل‏.‏

في بلد تتعري فيه المرأة كي تأكل‏...‏ ضيفانا أتانا زمان لنناقش نقطة الالتقاء والاختلاف بشأن فيينا‏..‏ نفرش أمامهما فدان لماذا؟ وننصت لإجابتهما حول لأن‏..‏ ضيفانا كان قد سرقهما الحلم الرومانسي علي أنغام الفالس الأوروبي بصوت أسمهان في ليالي الأنس في فيينا‏,‏ فسافر الحالمان إلي أرض الأحلام ليكتب إدريس قصته بعنوان السيدة فيينا‏,‏ ويعود عبدالصبور بقصيدته امرأة من فيينا‏..‏ الموضوع واحد والبطلة الأجنبية هي هي‏,‏ والمرتحل إليها المصري المغترب في بلاد الجن والملائكة الذي لم يعثر هناك علي مفتاح الكنز ولا كلمة السر ولا ارتواء ظمأ الوجدان ولا الغاية أو المرتجي‏,‏ بل كانت الأصداء مغايرة للمتوقع لتبقي الغربة سدا بين طرفي النقيض‏..‏ بين الشرق والغرب‏,‏ رغم زيف ليلة الحلم وقناع الحب الآلي في بلاد اللقاءات العابرة‏..‏ فيينا التي وصف عبدالصبور لقاءه العابر بها بقوله‏:‏

تعانقت شفاهنا‏,‏ وافترقت
تفرقت خطواتنا‏,‏ وانكفأت
علي السلالم القديمة
ثم نزلنا الطريق واجمين
لما دخلنا في مواكب البشر
المسرعين الخطو نحو الخبز والمئونة
المسرعين الخطو نحو الموت
في جبهة الطريق‏,‏ انفلتت ذراعها
في نصفه‏,‏ تباعدت‏,‏ فرقنا مستعجل يشد طفلته
في آخر الطريق تقت ـ ما استطعت ـ لو رأيت
ما لون عينيها
وحين شارفنا ذري الميدان‏,‏ غمغمت بدون صوت
كأنها تسألني‏..‏ من أنت؟

وفي الستينيات ذهبت للعمل في الأهرام لألقي هناك صلاح عبدالصبور الذي أوسع له محمد حسنين هيكل الصفحات بعدما صدر قرار إقالته من عمله الثقافي الرسمي مع الدكتورة سهير القلماوي‏..‏ وقع صلاح بين براثن مراكز القوي التي ألقت به في الطريق‏,‏ وعندما وصل الخبر لعبدالناصر أرسل علي الفور من يعيده لعمله قائلا‏:‏ الوطن الذي يفصل شاعرا لا صدق في أحلامه وليست مصر هذا الوطن‏...‏

بيننا كان بن عبدالصبور طائرا مغردا يأتي ليحط عفويا وبلا كلفة علي طرف المكتب‏,‏ يدخل في نسيج الضجيج‏,‏ ويحلق مع سحب الغضبات‏,‏ ويشارك في أفكار الموضوعات‏,‏ ويخطف لهفات صديقات‏..‏ يقعن في شرك دماثته وطزاجته وسمرة جبهته السمحة والشجن البادي في عينيه وطلة طفل يحوم ويبحث عن ملجأ‏,‏ والأنثي بطبيعتها حضن تفتح صدفتها كملاذ‏,‏ لهذا وقعت في شرك الحزن الرفيف أكثر من واحدة‏,‏ ولابد وأن شاعرنا الفريد في عشقه قد لمست قلبه واحدة أعلن لها منذ البداية أنه إنسان بسيط بلا ثروة ولا جاه ولا مال‏,‏ ولابد وأن يكون قد اعترف لها صادقا بأنه قد جاب الليالي باحثا في جوفها عن لؤلؤة يقدمها لها‏,‏ إلا أنه عاد ببضعة من الحصي والمحار دون العثور علي اللؤلؤة و‏..‏ نسمع ونشارك قصته مع صاحبة الصوت الدافئ عبر الميكروفون‏.‏ نشهد دقات حذائها المرح في موعدها إليه وهزة من شعرها اللازمة الأنثوية عند نطقها اسمه ممتدا علي شفتيها بتوزيع موسيقي‏,‏

وسفرة هيام لآخر الملكوت في عيونها إذا ما رددت أمامنا أبيات شعره‏..‏ لكننا فجأة نسمع عن حفل زفافه علي الأخري‏(‏ نبيلة‏)‏ في مساء الغد بشارع نوبار‏..‏ وتمضي فترة‏..‏ فترة تعد قصيرة في عمر الزواجات لنسمع عن الطائر الذي هجر العش‏..‏ الذي كتب تعليقا علي فشل قصة زواج الحب الذي جمع بين الراقصة الشهيرة إزادورا دنكان والمخرج المسرحي جوردون كريج‏..‏ كتب وكأنه اعتراف ذاتي علي لسان الزوج الذي أدار ظهره للارتباط‏:‏ هل تستطيعين أن تغفري لي كل سوء فعلته‏,‏ هل تغفرين لي محاولتي أن أعيش بدونك‏..‏ أنني لا أستطيع‏,‏ فهل تستطيعين أنت؟‏!‏ وعاد صلاح يتساءل‏:‏ هل كان ما بينهما رغم تلك الحرارة المتأججة حبا؟ أم كان لقاء بين نجمين تماسا واشتعلا ثم سرعان ما انطفأ ما بينهما؟‏...‏ لقد كانا مختلفين‏,‏ ولم تكن هي كما قالت إن كلا منهما نصف كان يبحث عن الآخر‏.‏ نصف روح هائمة ظلت في سفرها حتي تجد النصف الذي خلقت له‏,‏ فإذا وجدت ذلك النصف الشارد اندمجت فيه‏..‏ لا‏..‏ لم يكن أحد منهما نصفا‏,‏

كان كل منهما كلا‏,‏ يريد أن يستوعب الآخر‏,‏ وكان هو أكثر ذكاء ومعرفة بالإنسان حين عرف أنها كيان مستقل‏,‏ وأنها تستطيع أن تمضي في حياتها‏,‏ بل من الخير لها أن تمضي في حياتها مستقلة عنه‏...‏

ونسمع من صلاح عبدالصبور عن ليلي والمجنون وعن أغاني الخروج وعن أحلام الفارس القديم وعن مسافر ليل وعن شنق زهران وعن مأساة الحلاج وعن الصوفي بشر الحافي وعن الأميرة التي ظلت تنتظر‏..‏ وعن السندباد الذي أوغل ثم عاد‏...!‏ ورغم الحزن البادي في الأشعار وفي الخلجات وفي القسمات وفي قصيدته التي صنفت الحزن إلي أنواع وإلي درجات منها الحزن الضرير والحزن الصموت والحزن الطويل حتي بات صلاح جديرا بالتسمية التي أطلقها عليه الأصدقاء خبير الأحزان‏..‏ رغم كم هذا الحزن قال عنه صديقه كامل زهيري إنه كان أكثر حبا للفكاهة وأكثرنا حماسة للضحك‏,‏ وكان يستطيع أن يقضي ليلة كاملة من الضحك المتواصل‏,‏ وكان يجيد لعبة الاشتقاقات اللفظية ويطرب لفن القافية في مباريات الفكاهة‏..‏ لقد كان يضحك معنا‏,‏ وقد يكون سبب حماسته للضحك أنه في شوق إليه لأنه أكثرنا حزنا وشجنا‏,‏ خاصة حين ينفرد بنفسه ليكتب أو لينسج أشجانه شعرا‏.‏

ابنا الزقازيق محافظة المواهب وفيض العطاء‏,‏ الشراقوة الطيبين الملهمين صلاح عبدالصبور وعبدالحليم‏..‏ لم يلتقيا في مسقط الرأس لكنهما تلاقيا هنا مع الصعلكة القاهرية في سكة الفن والإعجاب بالسنيورة سعاد‏..‏ في بدايات ابن شبانة بعد أن طوي يومياته في الحلوات تباطأ مرسي جميل عزيز في الكتابة له لدفعه إلي ساحة الشهرة الغنائية‏,‏ فلجأ إلي بلدياته عبدالصبور يطلب منه غنيوة يفتح بها عكا الغناء في بلد آذانها مبرشمة علي عبدالوهاب وفريد الأطرش ومحمد عبدالمطلب‏,‏ فشمر صلاح عن قريحته ليكتب الأغنية الوحيدة في حياته التي دخل بها حليم عالم الطرب معتمدا علي كلماتها التي قام بتلحينها كمال الطويل زميل الصعلكة‏..‏ ويكتب علي الأغنية اليتيمة أن تظل أبدا من أغاني الظل‏,‏ فالإذاعة تقصر علي تقديمها في الفترات الواقعة مثل الصباح الباكر مع تمرينات الصباح‏,‏

وربما يعود ذلك لأنها من أداء عبدالحليم شبانة وليس حافظ‏,‏ والأغنية كما بقيت علي شاشة الذكري كان مطلعها يقول‏:‏ بعد عامين التقينا ها هنا‏.....‏ وتبقي العلاقة بين صلاح وحليم حميمة دافئة لمدة أربع سنوات‏:‏ كنا لا نكاد نفترق إلا علي موعد ونشق طريقنا في الحياة جاهدين مجهدين‏!!..‏ وتظل بعدها قصة حب سعاد وحليم خلف غلالة من الأستار‏..‏ الشفافة حينا والمحكمة غالبا‏..‏ ولأن الآخر كان مرهفا ومسافر ليل وخبيرا بالأحزان وشاعرا فكان ولابد وأن يكون سحر السنيورة قد مس أبياته فقد كانت بحضورها الطاغي رمزا شعريا وتيمة جمالية واستعارة إبداعية‏,‏ حتي لقد قال عنها الشاعر محمد الماغوط ليس في مصر سوي شعر العامية وسعاد حسني‏,‏ ولا يستبعد الشاعر الأديب حلمي سالم أن تكون سعاد من خاطبها صلاح عبدالصبور بكلماته‏:‏

صافية أراك يا حبيبتي
كأنما كبرت خارج الزمن‏..‏
وحينما التقينا يا حبيبتي أيقنت أننا
مفترقان
وإنني سوف أظل واقفا بلا مكان
لو لم يعدني حبك الرقيق للطهارة
فنعرف الحب كغصني شجرة
كنجمتين جارتين‏.‏
كموجتين توءمين
مثل جناحي نورس رقيق
عندئذ لا نفترق
يضمنا معا طريق‏!!‏
ولكن لم يضمهما معا الطريق ليموت صلاح ويسألون سعاد قبل وفاتها بشهور عن علاقتهما فتقول‏:‏ صلاح عبدالصبور كان لي صحبة رائعة وقلبا خالصا نقيا‏,‏ ومعلما أضاف لي الكثير‏..‏ ومن خلاله قرأت وفهمت وعشت بالقرب من الشاعر عندما يهبط عليه الوحي‏,‏ فازدادت مداركي نحو الأشعار وأصحابها ومعاناتهم‏..‏ أما الحب فكان خيال الشاعر‏,‏ وأنا كنت أذنا صاغية‏,‏ وكنت الملهمة التي تستمتع بدورها في جمع زهور الإلهام لتقدمها باقات للشاعر الملهم‏.‏

في السادسة صباحا يوم الأحد‏17‏ يوليو‏1966‏ يمزق الرنين السكون في بيت الشاعر فتهرع إليه الزوجة ــ الثانية والأخيرة ــ سميحة غالب مذيعة البرامج الثقافية في التليفزيون وأم ابنتيه مي ومعتزة‏..‏ يأتيها منفعلا صوت يوسف السباعي الذي ولابد أن حافزه قد أذاقه الأرق طوال ليله‏:‏ مدام سميحة أرجوك وبسرعة كلمي صلاح أو ابعثي له تلغرافا فورا قولي له ألا يسمع كلام لويس عوض وألا يجري وراء شطحاته‏.‏ قولي له يوسف بيقول لك الجايزة تأخذها في المسرح وليس في الشعر‏...‏ وتأتي السادسة مساء برنين التليفون‏..‏ لويس عوض منفعلا للزوجة الحائرة التي قال لها يوما أنا أخاف علي صلاح من الزواج منك‏!‏ صلاح أمامه رسالة أهم وأكبر بكثير من مسئولية علاقة زواج وأسرة وأطفال‏..‏ لماذا لم تتركيه للشيء الأهم‏:‏ اكتبي لصلاح تلغرافا فورا أو كلميه في التليفون قولي له يسحب مسرحيته من لجنة المسرح‏.‏ صلاح لازم ياخد الجايزة في الشعر مش في المسرح‏.‏ القضية الآن هي قضية الشعر الحديث وموقف الدولة منه‏,‏ وليست مفاضلة بين المسرح والشعر عند صلاح عبدالصبور‏!‏
‏-‏ أيوه يا دكتور‏..‏ لكن‏..‏ ماذا لو لم يأخذها في المسرح؟

يعود لويس عوض ليؤكد أن صلاح عبدالصبور عليه أن يتحمل قدره‏,‏ فهو قضية وليس فردا‏,‏ وكان صلاح المرشح وقتها لجائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيته مأساة الحلاج قد سافر قبل انعقاد جلسات الجوائز إلي أمريكا تلبية لدعوة من جامعة هارفارد لحضور مهرجان ثقافي لأدباء العالم‏,‏ وفي القاهرة كانت المعركة قائمة في لجان الشعر والمسرح خاصة وأن ألفريد فرج كان مرشحا لجائزة المسرح‏..‏ وحاز صلاح علي الجائزة وبعدها بعام علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي‏,‏ وفي عام‏1981‏ حصل علي التقديرية ثم وسام الاستحقاق من الطبقة الأولي في نفس العام‏..‏ وكان العقاد من أبرز المعارضين لمنحه الجائزة التشجيعية منذ البداية خاصة وأنه كان رئيسا للجنة الشعر في المجلس الأعلي للفنون والآداب وهو الذي أحال شعر عبدالصبور إلي‏(‏ لجنة النثر للاختصاص‏)‏ حسب تأشيرته الشهيرة‏,‏ وهو الذي منعه من السفر إلي دمشق للاشتراك في مهرجانها الشعري ما لم يكتب شعرا عموديا حسب المواصفات التقليدية‏,‏

وكانت لجنة القصة في نفس الوقت قد رفضت منح الجائزة التشجيعية ليوسف إدريس لأن المجموعة التي تقدم بها للمسابقة قد احتوت علي سبع كلمات بالعامية‏..‏ وتعد واقعة المذكرة السوداء التي أصدرتها لجنة الشعر بالمجلس في زمن العقاد هي المثل البارز علي رفض القديم للحداثة‏,‏ المذكرة التي احتاج الأمر إلي ثلاثين عاما ليعترف زكي نجيب محمود علنا بأنه صاحبها الذي كتبها وصاغ فيها أفكار أعضاء لجنة الشعر برئاسة العقاد‏,‏ والتي اتهمت جميع شعراء الحداثة من السياب ونازك إلي عبدالصبور وحجازي بأنهم وثنيون كافرون‏,‏ وهكذا كانت هذه المذكرة أول وثيقة في التكفير المعاصر‏..‏ ودائما ما كان العقاد يوجه النقد القاسي لصلاح عبدالصبور متسائلا في أمر أشعاره الحديثة‏:‏ أهي مجرد شقاوة يا سي عبده؟‏!‏ أيظن سي عبده أننا نقلب الأوزان والأسماء التي نميز بها قصائد شعرائنا منذ القدم لأجل هذه الشغلانة التي لا تفلح ومن أجل هذه اللعبة التي لا تسلي‏..‏ ويعترف صلاح بأنه كان فرحا مختالا بالجدل الذي دار علي صفحات الصحف بينه وبين العقاد‏:‏ من أنا في آخر الأمر حتي يسألني سائل ما أخبار المعركة بينك وبين العقاد؟ وكيف أنكر أيام حياتي حين كنت أقرؤه مرتعد القلب والعقل‏..‏

لقد كنت أتتبع التعليق الذي يكشفه العقاد لخلصائه دون أن يدونه في الأوراق‏,‏ وكنت أسعد بهذا التعليق الذي اعتبرته وساما كريما قد نلته منه وذلك عندما ذهبوا إليه لعقد مناقشة تليفزيونية له مع أحد شعراء الحداثة والتيار الشعري الجديد وسألوه عمن يختاره لكي ينهض بمناقشته‏,‏ فاختارني العقاد قائلا‏:‏ أريد أن أناقش هذا الولد‏,‏ فهو قد قرأ بعض الشيء‏!‏ فيما يبدو‏..‏ هو ليس جاهلا‏!!‏ وفرحت بالخبر لكن العقاد مات قبل اللقاء‏....‏

صاحب النظرات الوسنانة الشاردة الحيرانة التي تشي بأن بينه وبين الكون قضية سينظرها فيما بعد‏,‏ وأن بينه وبين الكون عتابا لكنه سيأتي فيما بعد‏,‏ وأنه قد توصل بعد هذا البعد إلي أن العتاب لن يأتي في النهاية بالحل‏,‏ لذا سيترك الأمر برمته فما بقي لديه من جبال الصبر قد نفذ‏..‏ أدانه البعض بحزنه نكدي مطالبين بإبعاده عن مدينة المستقبل السعيدة بدعوي أنه أفسد أحلامها وأمانيها بما ينذر من بذور الشك في قدرتها علي تجاوز واقعها‏:‏ ينسون أن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعارا للخطر‏,‏ ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هربا من السفينة الغارقة‏,‏ أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم‏(‏ النجدة‏)‏ حتي ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها‏..‏

ولأنني لست مولعة بإثارة غبار قد استقر منذ سنوات طويلة فلن أنكأ الجراح حول ظروف وفاته الملتبسة التي تضاربت حولها الروايات المتشفية والحكايات الثأرية والشائعات الجارحة في حضرة الموت ورهبته‏,‏ ولا أنا مع استطاعة كلمات قليلة في جلسة أصدقاء مهما تكن شدتها الجارحة استثارة الأزمة القلبية التي أودت بحياة صلاح عبدالصبور في ليلة الشاعر الذي تنبأ بمشهد نهايته‏:‏ الله لا يحرمني الليل ولا مرارته‏,‏ وإن أتاني الموت فلأمت محدثا أو سامعا‏..‏ أموت‏..‏ لا يبكي أحد‏..‏ وقد يقال بين صحبي في مجامع المسامرة مجلسه كان هنا‏..‏ وقد عبر فيمن عبر‏..‏ يرحمه الله‏.‏

نحبه لأنه
وأسأل النفس وأسأل الناس في بلادي عن سر حبهم الدائم لعبدالصبور فأجد من لأنه العشرات والمئات‏,‏ وقوائم لا تحصي من الأسباب‏..‏ منها‏:‏ لأنه‏:‏ غامر بشعره الحديث في بقاع لم يسمع فيها وقع لقدم عربية من قبل‏.‏

لأنه‏:‏ القائل بأن الشعر لا يحتاج إلي أمير‏,‏ وإنما يحتاج إلي خدم يخدمونه ويخلصون في حبه‏..‏ لأنه‏:‏ الذي قال حول غموض الشعراء الجدد‏:‏ كل قصيدة لها مدخل أحاول أن أفتش عنه‏,‏ أقرأ القصيدة للمرة الأولي فإذا لم أفهم شيئا أحاول قراءتها للمرة الثانية‏,‏ وإذا فشلت فلا أرجع ذلك إلي غبائي ولكن لقصور الشاعر عن إظهار فكرته‏)..‏ لأنه‏:‏ كان يري في التكرار أفظع أنواع الإفلاس الفني‏,‏ وعلي الفنان دائما أن يطوي صفحة ما كتبه ويتأمل داخله‏,‏ وقد تطول مرحلة التأمل إلي ما شاء الله‏,‏ فالفن دائما رهان بين الفنان والزمن‏..‏ لأنه‏:‏ عندما هوجم من اليمين واليسار بقي مخلصا للقصيدة يري فيها أن كلا من اليمين واليسار يريد الفن حصانا هزيلا يركبه نحو غايته‏,‏ بينما يؤمن هو بالديمقراطية التي لا يؤمن بها الجانبين‏..‏ لأنه‏:‏ وعي منذ بداياته الشعرية أنه لا يوجد ما يسمي بالقصيدة الطويلة‏,‏ فجوهر القصيدة الحديثة هو التركيز والتكثيف البالغين‏,‏ لأنه‏:‏ تشبع بالتراث العربي عبر مختلف حقبه القديمة والمعاصرة‏,‏

وتثقف واطلع علي كل شاردة وواردة في لوحة الشعر الغربي المعاصر‏,‏ ثم قام بعدها ليخرج بصوت خاص مستقل قدم من خلاله لوحاته الشعرية الراسخة‏..
‏ لأنه‏:‏ كتب بلغة الحياة بلا تعال عليها‏,‏ وبموسيقي أشبه بفوضي أصوات البشر‏..‏ لأنه‏:‏ في تحوله إلي المسرح كان تعبيرا عن تمام النضج واكتمال الخبرة والأدوات إلي جانب الإيمان الذي لا يتزعزع بأن المسرح الشعري هو فن العصر‏..‏ لأنه‏:‏ سأل نفسه وأجاب لنا وله عما سيبقي للتاريخ من هؤلاء طه حسين والعقاد والحكيم والمازني مفرقا بين الأديب الكبير والأديب التاريخ‏,‏ فالأخير يرتبط اسمه بتغيير جوهري في تاريخ الأدب وينسب هذا التغيير إليه‏,‏ ويستطيع الأدباء الذين يأتون من بعده أن يستفيدوا من كشفه الأدبي فيسيروا علي هداه ويتجاوزوه بعد أن مهد لهم الطريق‏..‏ لأنه‏:‏ تساءل بابتسام العارف بالجواب الخبيث عن زيادة عدد النساء الأرامل عن عدد الرجال الأرامل‏,‏

ولماذا تكثر بين الرجال أمراض الانفعال مثل ضغط الدم والجلطات والذبحات الصدرية‏,‏ وتقل جدا‏,‏ بل تكاد تنعدم بين النساء‏!!...‏ لأنه الشاعر الوحيد الذي نذكر اسمه غير مسبوق بلقب الشاعر‏,‏ فأنت حين تقول صلاح عبدالصبور فكأنك قلت الشاعر‏,‏ وحين تقول الشاعر‏,‏ فكأنك قلت عبدالصبور‏...‏ و‏..‏ نحبه لأنه‏..‏ لأنناخسرناه في لحظة ليس فيها سواه‏..‏
صلاح الشعر قال لنا قبل أن يغادرنا‏:‏
انصرفوا يا أبنائي‏..‏ دون وداع
وسأبقي وحدي لحظات كي أجمع أوراقي
ثم أزور‏....‏ في السجن
وأعود إلي بيتي
كي أنتظر غدا قد يأتي أو لا يأتي
لا‏..‏ لا‏..‏ دون وداع‏..‏ أرجوكم
دون وداع
يا حاج علي
لا تنسي أن تغلق باب المكتب
أن تغلق باب الشقة
أن تغلق باب المبني
‏(‏أن توصد أبواب مدينتنا بالضبة والمفتاح‏)‏
هذا زمن لا يصلح أن نكتب فيه‏,‏ أو نتأمل‏,‏
أو نتغني أو حتي‏..‏ نوجد
يا حاج علي
أغلق كل الأبواب
أغلق‏..‏ أغلق‏..‏ أغلق
ستار

تم الإغلاق
وأنزل الستار
وظهرت كلمة النهاية
و‏..‏
ولم يزل الغرقي
أحياء في الأعماق
يا عم صلاح‏..!‏




بودلير لوركا في شعر صلاح عبد الصبور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الإحسايني

تجربة الألم والملل والنفاق : مقابل العودة إلى الصفاء
يمتلك صلاح عبد الصبور، الشاعر المصري الكبير، الراحل،بجانب المقومات الشعرية، عدة مرجعيات في تأسيس هرمه الشعري، بدءا من التراث الأدبي والديني إلى التأثر بشعراء الحداثة الأوروبيين. ومن الذين لم يخف إعجابه بهم، ويلتصق بهم في حميمية ” لوركا “، و ” بودلير “: في قصيدة بهذا العنوان، يخاطب بها ” بودلير “:
أنت لما عشقت الرحيل
لم تجد موطنا
يا حبيب الفضاء الذي لم تجسه قدم
يا عشيق البحار وخدن القمم
يا أسير الفؤاد الملول
وغريب المنى
يا صديقي أنا
Hypocrite lecteur
Mon semblable, mon frère ” أحلام الفارس القديم “.
في هذه الأشطر، ذات الكثافة الشعرية، يلمح صلاح عبد الصبور، إلى نوع الرحيل الرمزي الذي مارسه ” بودلير ” بدلا من إخفاقه أو بالأحرى، عدم امتثاله لزوج أمه الذي سفره إلى الهند، عبر إحدى السفن، ثم قفل راجعا أثناء توقف السفينة في جزيرة ” لاريونيون “. فالفضاءات التي يحلم بها ” بودلير “، لا تخضع للأبعاد الثلاثة التي تحد بها الأمكنة، بطريقة كلاسيكية، فالفضاء الذي لم تجسه قدم، هي تلك الأمكنة التي يصورها خياله: بحاره هو، وسماؤه، ولا زورده وخفايا موجه، في سكون الليل، في تباشير الصباح، وفي شفق الأصيل، في تناسق الصور وتقاطعها، في رمزية الأشياء، في تجسيد إحساسات الملل، والسأم، والضجر والكآبة: هذه المعاني المترادفة والمتقاربة، هي التي سوف تجعل القيمة الأدبية لقصائد النثر البودليرية في Le Spleen de Paris .
يفتتح ” بودلير ” ” أزهار شره ” بقصيدة ” إلى القارئ ” ونقطف منها ” بيت القصيد “، من ترجمتنا للقصيدة:
” العنف، والسم، والخنجر، والحريق، إذا هي،
مازالت لم تنمق برسوماتها السارة،
اللوحة التطريزية المبتذلة لمصائرنا المرثى لها،
فلأن نفسنا، واحسرتاه ! ليست جريئة بما فيه الكفاية.
لكن، من بين الذئاب، والفهود، وكلاب الصيد،
والقرود، والعقارب، والنسور، والحيات
والأغوال الزاعقة، العاوية، المدمدمة،
في معرض وحوش رذائلنا الكريه.
ليس أبشع منه وأشرس، ولا أكثر دناسة
فهو؛ وإن لم يقم لا بحركة هامة، ولم يصرخ صرخة عظيمة،
سوف يجعل من الأرض حطاما
وسوف يبتلع العالم في تثاؤب؛
إنه الملل ! – العين محملة بدمع غير إرادي،
يحلم بالثروات مدخنا ” الهوكا “،
تعرفه أيها القارئ، يا هذا المخيف المرهف،
-أيها القارئ المنافق – يا شبيهي – يا أخي ”
(بودليز) – ” أزهار الشر ”
التماهي بين ” الشاعر ” و “القارئ “، هو قوام هذا التواصل بين المبدع والملتقي، وضمنه لا يصعب تحديد علاقة الطرفين معا في خضم ” الملل “، ملل الإنسان الحالم، المشتاق إلى مغامرات الثروة، حبيس دمع فرحته. ” بودلير ” كان يحلم بالثروة.
أستغفر الله ! أي ثروة ؟ ثروة خزائن الهند والسند، وفارس ؟ ثروة ممالك الأفيون والأثير ؟
كلا ! … بل تركة أبيه من الثروة.
ارتبط الشاعر ب ” جان دوفال”؛ وهي فنانة خلاسية. وبالرغم من الشقاقات المتكررة والعديد من المغامرات، فقد ظل حياته، عشيقا وسندا لها، بجانب حبه الانغماس في حياة التأنق والشياكة، مخلفا وراءه ثقلا من الديون.
ومن ثم، تذرعت أمه وزوجها الفريق ” أوبيك ” بغرائبه الشاذة، فحصلا من المحكمة سنة 1844 على إخضاعه إلى مجلس قضائي. انظر (مقدمة ” أزهار الشر “) بروفرانس ماكسي ليفر
” لبودلير ” إذن، عالمه الخاص، إن لم نقل عوالمه، وإن كان يقول: ” أعرف ما كتبه، ولا أحكي إلا ما رايته “.
لم يخف صلاح عبد الصبور إعجابه ب ” بودلير ” – صنوه – فعبقريته الفطرية، كرجل خلق شاعرا، إزاء العالم الخارجي، تحتم عليه تنظيم هذا الكون المنثور – أو ربما هكذا يبدو أمام خيال الشعراء – فنيا وإعادة صياغته، للتفريق بين المبتذل من الأشياء المألوفة، وليتمتع بصفة شعرية أخرى، يميزها الفرق بين “الكون الشعري” صنيعة الإنسان وبين الطبيعة بكل حدافيرها المعروفة للعيان.
ومن هنا، يحق لبودلير أن ” يعرف ما يكتب، ولا يحكي إلا ما رأى”:
شاعر أنت والكون نثر
والنفاق ارتدى أجنحة
وتزيا بزي ملاك جميل
والطريق طويل
والتغني اجتراء على كشف سر
في عيون النساء طفت، لما تجد
في السماء التي أطرقت معجبة
فوق بحر سجا كالزجاج الرهيف
لم تجد، لم تجد
في الدخان الذي ينعقد
ثم يهوي أمام العيون كثوب شفيف
لم تجد، لم تجد
فعشقت الرحيل
في بحار المنى
يا فؤادا ملول
يا صديقي أنا
صلاح عبد الصبور ” أحلام الفارس القديم ” ص.ص 231، 232.
الشاعر صلاح عبد الصبور يكاد يعطينا ” أوتوبيوغرافيا ” شعرية عن ” ش. بودلير” صاحب ” الغرفة المزدوجة ” والجنان الاصطناعية “، ” وكل إنسان وخيمره “، ” ونصف الكون في جديلتك ” إلخ …في بضعة أشطر من هذه القصيدة التفعيلية (من تفعيلة المتدارك). وقد أعجب بهذا الشاعر وشعره، ولكنه إعجاب لا يستغرق كل مشاغل الشاعر وتطلعاته الأدبية بحكم عدة عوامل تاريخية، وثقافية، واجتماعية، ونفسية.
فهو ينظر إليه بإعجاب، عن كتب، ويستقطبه ملله، إزاء تساؤلات فنان خبير بدروب الأدب، ومسالكه الوعرة والحذرة، وفنونه.
الفرق إذن، هو أن الشاعر ” بودلير “، استحوذ عليه خيال الشر، في حين يحتاط عبد الصبور، بحكم ثقافته الخاصة، وإطاره الإنساني، وهو يتخطى مربد الحيوانات – الإنسان، باحثا عن الإنسان الصافي الخالص، لكن بدون جدوى، فيترك هذا الأمل معلقا ومفتوحا إلى حين:
ونزلنا نحو السوق أنا والشيخ (الشيخ بسام الدين)
كان الإنسان الأفعى يجهد أن يلتف على الإنسان الكركي
فمشى من بينها الإنسان الثعلب
عجبا …
زور الإنسان الكركي في فك الإنسان الثعلب
نزل السوق الإنسان الكلب
كي يفقأعين الإنسان الأفعى
واهتز السوق بخطوات الإنسان الفهد
قد جاء ليبقر الإنسان الكلب
ويمص نخاع الإنسان الثعلب
وفي هذا التدرج من ” الكائن الأضعف ” إلى الكائن الأقوى ” كان الشاعر، يبحث عبثا عن ” الإنسان الإنسان” بفطرته البكر المحب للخير بشدة، غير الكنود، ويصوغ كل ذلك بتماه مع مذكرات الصوفي بشر الحافي ” وشيخه؛ حيث يسأل بشر شيخه:
قل لي أين ” الإنسان، الإنسان ”
شيخي بسام الدين يقول:
اصبر … سيجيء ……..
الإنسان الإنسان عبر
ومضى لم يعرفه بشر.
ما دمنا في عالم، أسبوعه ثمانية أيام، وسنته ثلاثة عشر شهرا على حد تعبير صلاح عبد الصبور، الذي لجأ إلى المراوغة ليوهمنا في الأول بأمل مفتوح، ثم يسد أمامنا الآفاق ربما لنرتمي في الملل. فها هو إذن ” يجرأ ” ليعلنها حقيقة مرة. وها هو بدوره يعرض حيواناته الشرسة والوديعة معا في السوق، سوق الرذائل البشعة، بلا شك.
ومع ذلك، لقد ظل الأمل، معلقا في خاطره نحو البحث عن ” الإنسان الإنسان ” الفطري الصافي، الخالي من كل إثم؛ وبعد أن يستعرض عددا من ” لو ” المستحيلة شرطا (لو أننا / لو أننا، وآه من قسوة لو) ، يتذكر أيام الطيبوبة والصفاء:
قد كنت فيما فات من الأيام
يا فتنتي محاربا صلبا، وفارسا همام
من قبل أن تدوس في فؤادي الأقدام
من قبل أن تجلدني الشموس والصقيع
لكي تذل كبريائي الرفيع
كنت أعيش في ربيع خالد، أي ربيع
وكنت إن بكيت هزني البكاء
ثم يشتد حنوه إلى الفطرة والوداعة اللتين أفقدته إياهما، الأيام:
ماذا جرى للفارس الهمام ؟
انخلع القلب، وولى هاربا بلا زمام
وانكسرت قوادم الأحلام
يا من يدل خطوتي على طريق الدمعة البريئة
يا من يدل خطوتي على طريق الضحكة البريئة
لك السلام / لك السلام
أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهارة
لقاء يوم واحد من البكاره
لا، ليس غير ” أنت ” من يعيدني للفارس القديم
دون ثمن
دون حساب الريح والخساره
بهذا يفتح صلاح عبد الصبور نافذة الأمل في العودة يوما إلى الطيبوبة عن طريق الحب، ونسيان حوادث الأيام والأزمان.
أو كما قال المتنبي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت
مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي.
عندئذ، سوف نكون بعيدين عن ” أجنحة النفاق “، ” والملل ” لكن هيهات!



صلاح عبدالصبور:شاعر الألم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.خالد منتصر

بورتريهات بألوان الشجن: عن مثقفين قتلهم الإكتئاب


ينبئنى شتاء هذا العام أننى أموت وحدى / ذات شتاء مثله ذات شتاء/ينبئنى هذا المساء أننى أموت وحدى / ذات مساء مثله ذات مساء / وأن أعوامى التى مضت كانت هباء / وأننى أقيم فى العراء/ينبئنى شتاء هذا العام أن هيكلى مريض /وأن أنفاسى شوك/ وأن كل خطوة فى وسطها مغامرة/ وقد أموت قبل أن تلحق رجل رجلاً/ فى زحمة المدينة المنهمرة" إنها المرة الوحيدة التى لم يصدق فيها حدس الشاعر صلاح عبد الصبور فهو لم يمت فى الشتاء بل مات فى أقسى شهور الصيف، بالضبط فى 14 أغسطس 1981 وهو مازال يطرق أبواب الخمسين (مولود فى 3 مايو 1931 )، مات بالفعل فى المساء ولكنه لم يكن وحده بل كان وسط أصدقائه المثقفين، رماه أحدهم بكلمة طائشة، "* لفظ قاتل /لفظ ذو ألف يد تلتف على عنقى /ذو ألف لسان تنفث سماً /أو لفظ يردينى... لاقطرة دم/والسكين الألفاظ تشق اللحم/وأظل أسائل ماذا تعنى فى خاطرك الألفاظ /ألفاظ قاتلة فى رفق.. خالصة الكفين من الدم/أشياء تافهة هى عندك... ألفاظ"، لم يحتمل وأسلم الروح، إتهمه رسام الكاريكاتير بأنه "باع نفسه بمليم" لأن إسرائيل إشتركت فى معرض الكتاب الذى تشرف عليه الهيئة التى يرأسها، خمدت جذوة عينيه الواسعتين وهما تطلان على ملامح المشهد الدموى العبثى الذى يتحول فيه المثقف إلى بومة تنهش أحشاء صديق رقيق كانت كل جريمته أنه إنسان لم يدع قط النبوة، تنهش محجر العينين الحزينتين كأمهات الصعيد، الصافيتين كبسمة طفل، الحنونتين كحضن أم، تستلذ بطعم الفم الذى ماكان ينشد إلا للحق والخير والجمال، وتلتهم فتات القلب الذى إنكسر عندما إنكسر الوطن فلم يعد ينبض إلا بالألم، حاصرته الإتهامات كالرصاص الطائش فذبح من الوريد إلى الوريد فكان بحق شهيد قسوة المثقفين الباطشة الجاهلة كما كان حبيبه الحلاج شهيد قسوة السلطة الغاشمة الجاهلة، "*فمضى كما يمضى ملاك /وتكورت أضلاعه، ساقاه فى ركن هناك /حتى ينام /من بعد أن ألقى السلام. "

مثقفون لايعرفون التسامح
[ ولم تكن تلك المرة الأولى التى يهاجمه فيها بعض المثقفين الذين لايعرفون معنى التسامح وقبول الآخر وخاصة مبدع وفنان فى حجم صلاح عبد الصبور ، طلبوا منه أن يكون جيفارا فى زمن غير الزمن وفى وطن يتسول فيه الشاعر الحقيقى كسرة الخبز !، لم يهمنى أن يكون صلاح عبد الصبور جيفارا بل كل ماهمنى هو أنه أول من ذرفت الدمع الحقيقى على عتبة قصيدته "أحلام الفارس القديم " وأول من ضحكت معه على عبثية رحلتى ومصيرى فى "مسافر ليل "، وأول من شعرت حياله بتفاهة ألامى وضآلة أحلامى حين جسد لى صلب الحلاج بكلماته، كان هذا الشاعر والرجل الجميل الذى نسج لنا بكلماته كل هذا البناء الشعرى العبقرى ضحية سلوكيات المثقفين التى تغلب عليها الإنتهازية أحياناً وعشق الإيلام أحياناً أخرى والحقد والغيرة دائماً، فعلى سبيل المثال كان بعضهم من أعز أصدقائه يتجسس عليه ويحكى لنا صديقه فاروق خورشيد هذه الحكاية فيقول أن صلاح إتصل به صباح ذات يوم وإندهش فاروق من توقيت المكالمة فهو لم يفارقه حتى الرابعة صباحاً، ولكن سرعان ماتبخرت الدهشة حين قال له صلاح"تصور كل حديثنا بالأمس جاءنى به تقرير من مدير الأمن فى المؤسسة، تصور كل كلمة وكل إشارة قد تم تسجيلها " وتنهد وأطلق زفرة ألم وقال"حتى الأصدقاء.. حتى رفقة العمر. ماذا بقى لنا إذن؟!.
[ ولم يكن موقف معرض الكتاب هو الأول فى قائمة الخصام بين أعز الأصدقاء وبينه بل سبقته وقائع متشابهة أبرزها عندما تولى صلاح عبد الصبور رئاسة تحرير مجلة الكاتب بطلب من يوسف السباعى بعد تغيير أسرة تحريرها وفى مقدمتهم أحمد عباس صالح وعبد العزيز الأهوانى وعبد المحسن طه بدر، وقد إعتبر المثقفون وخاصة أهل اليسار قبول صلاح لهذا المنصب تنازلاً وتفريطاً وخيانة وعمالة لنظام السادات، وأخذوا يشجبونه ويدينونه ويسخرون منه فى أحاديثهم على المقاهى والصالونات، وتفرق عنه الجميع وعانى صلاح كثيراً حتى يقنعهم بموقفه وبأن صفحات المجلة مفتوحة لهم، ورفض الجميع التعاون معه فيماعدا القليل وكان من بين هذا القليل نجيب سرور وأمل دنقل، وأخذ صلاح يطرق الأبواب ليتسول المقالات ولكن بلاجدوى فقد تركوه فى العراء يقاتل وحده، وماتت مجلة "الكاتب" بالسكتة التجاهلية ولم تنفع معها العناية المركزة فالأطباء كانوا فى السرادق يقهقهون ضاحكين، وقد صدقت ياصلاح ياعظيم حين قلت "*الناس فى بلادى جارحون كالصقور" وأستميحك عذراً فى تغيير كلمة واحدة فالمثقفون فى بلادى هم الجارحون كالصقور.



الصراع بين الموظف والمثقف

[ ويقودنا ماسبق ذكره إلى بحث علاقة المبدع بالوظيفة والتى جرت على صلاح عبد الصبور كل تلك العداوات وخلقت كل ذلك الإحتقان فى علاقته بالأصدقاء، وهذه قضية متشعبة ومعقدة فالمبدع هنا فى مصر تستهلكه بديهيات الحياة من طعام ومسكن ومواصلات... الخ، وتنهك قواه وتستنفذ أعصابه قضايا تافهة تسرق إبداعه بل تسرق عمره ذاته، وفوق هذا وذاك تضغط على أوردته وشرايينه وأعصابه الإبداعية قوى ساحقة تدوس على مخه وتعصره وتدخله المفرمة تارة بإسم الرقابة وتارة بإسم الأخلاق وتارة بإسم مصالح الوطن العليا.. الخ، وبعد كل هذا وذاك مطلوب منك أن تبدع، ولأن الشاعر بنى آدم قبل أن يكون مبدعاً ومطلوب منه البحث عما يسد رمق الأسرة قبل البحث فى هارمونى القصيدة، ولأنه مغموس فى ذلك الهم تشكل ذلك الصراع مابين المثقف والموظف فى داخل كل مبدع، والمشكلة أن صلاح عبد الصبور لم يعمل فى بلاط صحيفة نفطية ولا فى مركز أبحاث صهيونى بل عمل فى مؤسسات وطنه وكلنا نعرف أنها تمنح مجرد الستر، وقد تحدث البياتى عن هذا الصراع الذى عاناه صلاح عبد الصبور فقال"محاولة الجمع بين الشاعر والموظف تثقل كاهل أى إنسان، وكنت قد وجهت مراراً وتكراراً نقداً إلى صلاح، وكان صلاح ذكياً يدرك أبعاد اللعبة ولكنه كان يقف عاجزاً أحياناً أمام معادلة الحياة الصعبة "، وقد كتب صلاح نفسه عن تلك العلاقة وقال"إن إحساس المثقف الحقيقى بكرامته يفوق تصور الكثيرين، لذلك فالبيروقراطية تحاصر الصفوة وتعزلها عن الفاعلية، وهكذا نجد أن هناك صراعاً ضارياً: البيروقراطية تريد أن تفرض الموت على المفكر والشاعر، لكنها لاتستطيع ولذلك فهى تحاول أن تخدع المفكر، إنها تقول له :أنا معجبة بأفكارك ومشاعرك، وتحاول بذلك إستغلال المفكر فيتحول إلى كلب حراسة للمصالح البيروقراطية "، وبالرغم من أنه كان موظفاً إلا أنه لم يكن قط حارساً لمصالredح السلطة البيروقراطية وكثيراً ماإصطدم مع هذه السلطة، وإن كانت درجة الصدام لم تصل إلى حد تلغيم الجسد وتفجيره فإنه على الدوام لم يصل أبداً لدرجة خيانة الإبداع، وكانت أخطر صور ذلك الصدام فى بدايته الشعرية عندما صودرت مجلة الآداب اللبنانية ومنعت من دخول مصر وكان السبب قصيدة لصلاح عبد الصبور فيها عبارة "ذو الأنف المقوس والندوب " وفهمت تلك العبارة على أنها إشارة للرئيس عبد الناصر، وحضر سهيل إدريس صاحب المجلة ليبحث عن حل لتلك المشكلة، وإستطاع مقابلة عبد الناصر بطريقة ما ويحكى سهيل ويقول "قدم لى عبد الناصر العدد الذى نشرت به قصيدة صلاح وقال لى :أنا تنشر عنى ذلك؟، فقلت له سيادة الرئيس أنت تعرف الشعراء ولم أفهم أنه يقصدك أنت، فإبتسم عبد الناصر ولم يقل شيئاً ولكن عينيه كانتا تقولان :أنت تعرف، وأنا أعرف، ووعد برفع الحظر عن دخول الآداب إلى مصر"، وبالطبع هذه الحكاية لها مغزى آخر ليس هنا مكان مناقشته بالتفصيل وهو أن زبانية النظام فى وقت عبد الناصر كانوا ملكيين أكثر من الملك.



من هو صلاح عبد الصبور؟
[ ولكن من هو هذا الشاعر الذى حظى بالحب بعد الرحيل وزرع فينا إحساس الندم وتأنيب الذات بعد فوات الأوان؟، هو محمد صلاح الدين عبد الصبور يوسف الحواتكى، المولود فى شارع الحمام فى حى كفر الصيادين بمدينة الزقازيق، وهو الأخ الثانى لستة أشقاء، ترجع جذور أبيه إلى الصعيد وكانت طبيعة عمله فى وزارة الداخلية تفرض عليه التنقل، ووالدته السيده إعتدال عثمان الباجورى والتى كانت متعلمة وتتمتع بحديث عذب وحنان جارف كانت هى النافذة الأولى التى أطل منها صلاح على جنة الشعر، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية فى صيف 1947قدم أوراقه لكلية الطب حسب رغبة أبيه ولكن صلاح سحب أوراقه وتقدم للكلية الحربية، ولكن حال بينه وبين تحقيق تلك الأمنية الفلات فوت الذى رسب بسببه فى الكشف الطبى، فإلتحق بكلية آداب القاهرة قسم اللغة العربية فى خريف نفس العام، وعلى مقهى الطلبة فى الزقازيق تعرف على أصدقاء الشباب مرسى جميل عزيز وأحمد هيكل وأحمد مخيمر والشاب النحيف الذى كان يكبره بعامين وتخرج لتوه من معهد الموسيقى وكان إسمه عبد الحليم شبانه أو حافظ فيما بعد، وطلب عبد الحليم حافظ من صديقه صلاح أغنية يتقدم بها للإذاعة وسيلحنها له كمال الطويل، وكانت قصيدة لقاء التى تقول :
منذ عامين إلتقينا هاهنا والدجى يغمر وجه المغرب /وشهدنا النور يخبو حولنا
فسبحنا فى جلال الموكب/كانت الذكرى عزائى زمناً
يوم فارقت مجالى لمحاتك/كنت إن داعب القلب الشجنا
أتعزى بليالى ذكرياتك/لست أنساك غراماً فى دمى
ومنى عمرى وآمال غدى.....
[ وكانت تلك هى الأغنية الأولى والأخيرة لصلاح عبد الصبور وكأنه كان يودع الشعر التقليدى ليبدأ السير فى طريق جديد تماماً تحمل فيه القصيدة بصمته الخاصة وصوته الأثير، زرع الألغام فى غابة الشعر التقليدى الذى كان قد وقع فى أسر التكرار والصنعة ولكنه كان يفعل ذلك للبناء وليس للهدم، لتشكيل جسد القصيدة التى لاتحتاج إلى الموسيقى الصاخبة المجلجلة لأن جمهورها لم يعد فى الساحات بل فى البيوت، ووسيلة تلقيها لم تعد الأذن بل صارت العين نافذة العقل والروح، وجلالها وقدسيتها لم تعد جلال وقدسية الغرض الذى تتحدث فيه بل جلال وقدسية الصدق الذى نتنفسه داخل القصيدة حتى ولو كانت تتحدث عن العادى والتافه فى حياتنا "* ياصاحبى إنى حزين / طلع الزمان فماإبتسمت ولم ينر وجهى الصباح/ وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح /وغمست فى ماء القناعة خبز أيامى الكفاف /ورجعت بعد الظهر فى جيبى قروش /فشربت شاياً فى الطريق / ورتقت نعلى / ولعبت بالنرد الموزع بين كفى والصديق / قل ساعة أو ساعتين / قل عشرة أو عشرين / وضحكت من أسطورة حمقاء رددها الصديق/ ودموع شحاذ صفيق "، وإنفجر البركان بصدور ديوان "الناس فى بلادى "فى سنة 1957، ولم يصدق الجميع، إنه يتحدث عن الناس اللى بحق وحقيقى وليس الناس الذين لانراهم إلا فى أبيات القصائد، وقامت القيامة كيف يتحدث شاعر عن شرب الشاى ولعب الطاولة وترتيق النعل وكأن هذه الأفعال أفعال خارجة قبيحه، وكأن الشاعر كائن خرافى يهبط علينا من كوكب آخر مطلوب منه أن ينسج لنا عالماً ملوناً مخملياً حتى ولو أحسسنا بأن خيوطه من زيف وألوانه من كذب وملمسه من نفاق.
[ وبدأ صلاح عبد الصبور فى طرق ابواب جديده أيقظت البعض من سباتهم العميق وأقلقت البعض على مصير عروشهم التى كان قد أكلها السوس، فصدر ديوان أقول لكم 1961، أحلام الفارس القديم 1964، تأملات فى زمن جريح ورحلة فى الليل 1970، شجر الليل 1972، ثم الإبحار فى الذاكرة 1979.



صلاح عبد الصبور ليس شاعراً حزيناً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ وكما أصدر الدواوين تولى صلاح شرح مشروعه الشعرى وتقديمه بنفسه للناس فى كتابه البديع "حياتى فى الشعر " وكأنه كان يخاف على مشروعه أن تشوهه أيادى العابثين، وكان همه الأول فى هذا الكتاب أن يدفع عن نفسه تهمة الحزن والتشاؤم والسلبية التى كان يدمغه البعض بها، فالتيار النقدى الغالب وقتها كان تياراً يتناول الشعر من منظور دوره الإجتماعى ويتعامل معه على أنه سلاح ثورى لابد أن يحتوى على نماذج إيجابية ثورية مشرقة، وكان صلاح عبد الصبور فى فترة ديوانه الأول متأثراً بالماركسية إلى حد كبير، وكانت معركته مع نقاد اليسار بعد ذلك هى التى وضعت النهاية الحاسمة لذلك التأثر وتلك العلاقة، ويرد صلاح عليهم فيقول"يصفنى نقادى بأننى حزين، ويديننى بعضهم بحزنى، طالباً إبعادى عن مدينة المستقبل السعيدة بدعوى أننى أفسد أحلامها وأمانيها، بما أبذره من بذور الشك فى قدرتها على تجاوز واقعها المزهر إلى مستقبل أزهر، وقد ينسى هذا الكاتب أن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات إستشعاراً للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقى بنفسها فى البحر هرباً من السفينة الغارقة، أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس، ويصرخون بملء الفم حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها "، ويستمر شاعرنا فى توضيح موقفه قائلاً "لست شاعراً حزيناً، ولكنى شاعر متألم، وذلك لأن الكون لايعجبنى ولأنى أحمل بين جوانحى كما قال شللى شهوة لإصلاح العالم ".



الشاعر والوجودية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ وقد ساهم فى التعجيل بالقطيعة مع الماركسية تأثره الشديد بإليوت الذى سنتحدث عنه فيما بعد والذى كان الماركسيون يصفونه بالشاعر الرجعى، وقد عبر صلاح نفسه عن بداية هذا الشك فى تعليقه على كتابات جارودى حينما قال"إنها تعبر عن حدث هام وهو تواضع الماركسية الذى ألجئت إليه لكى تحتل مكانها كتفسير إقتصادى لتاريخ الإنسان، لاكنظرية شاملة أو كعقيدة تحكمية، أو ديانة جديدة "، ورحل صلاح عبد الصبور من أرض الماركسية ليحط رحاله على أرض الوجودية، وبدأت مرحلة أخرى مليئة بالقلق والسؤال والتى تجلت فى ديوانى "أقول لكم " و"أحلام الفارس القديم"ومسرحيتى "مأساة الحلاج و"ليلى والمجنون"، وقد ساهم فى تعرفه على مفردات هذه الفلسفة بدر الديب وهو الصديق الذى ساهم بشكل كبير فى تشكيل ثقافة صلاح عبد الصبور الفلسفية والشعرية أيضاً، "*بلاظل بلاصليب/الظل لص يسرق السعادة /ومن يعش بظله يمشى إلى الصليب فى نهاية الطريق "، هكذا صور لنا الشاعر إحساس السأم المعاصر، وقد قسم د. شكرى عياد وجودية صلاح إلى مرحلتي، الأولى وجودية متفائلة فى أحلام الفارس القديم، والثانية وجودية متشائمة فى ليلى والمجنون وصلت إلى قمتها السوداء فى مسرحية "مسافر ليل"، ولنستمع معاً إلى أصداء مرحلته الأولى فى أكثر قصائده تفاؤلاً "أغلى من العيون" وهو يقول "*عيناك عشى الأخير / أرقد فيهما ولا أطير / هدبهما وثير / خيرهما وفير / وعندما حط جناح قلبى النزق / بينهما / عرفت أننى أدركت/ نهاية المسير.... أى كون طيب يحيطنا / حين نكون وحدنا معاً / أى كمال لم يشاهد مثله / أى جمال /الله عادل بنا/ والكون خير مايزال/ والناس شفافون كالخيال"، ثم نشاهد بعدها مسرحيته العبثية مسافر ليل والتى تنتمى إلى الكوميديا السوداء، والتى يوجه فيها الكمسارى الطاغية الإتهام إلى المسافر المسكين بأنه قتل الله وسرق بطاقته الشخصية والحقيقة أن الكمسارى هو الذى يحاول القتل وأخذ المكانة ولعب نفس الدور، وتستمر المسرحية فى منحنى متصاعد يمعن فيه الطاغية فى الذل، ويمعن فيه المسافر فى تقديم أدلة البراءة، والنتيجة عملاق يتشكل ديناصوراً أمام قزم ينسحق حشرة!!.



مسرح صلاح عبد الصبور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[ وإذا كان صلاح عبد الصبور قد تأثر فى إتجاهه الوجودى بأستاذه "أبو العلاء المعرى"الذى يعتبره أعظم شاعر عربى، فقد تأثر فى مسرحه الشعرى بأستاذه "ت. س. إليوت " والذى كان إكتشاف صلاح عبد الصبور له بمثابة الكنز الذى جعله لايخشى المغامرة فى الشكل ولاالجسارة فى اللغة ولاالتنويع فى الموسيقى ولااللجوء للأساطير والأقنعة والنهل من كافة ثقافات العالم، كتب صلاح خمس مسرحيات شعرية هى "مأساة الحلاج "1964 و"مسافر ليل "1969 و"الأميرة تنتظر" فى نفس العام ثم "ليلى والمجنون" فى العام الذى يليها، ثم آخر مسرحياته "بعد أن يموت الملك "1973، وأعتقد أن هذه المسرحيات هى أهم مسرحيات شعرية فى تاريخ المسرح العربى كله، فشوقى وعزيز أباظه وحتى عبد الرحمن الشرقاوى وكل من حاول كتابة المسرح الشعرى من قبل صلاح كان يقع فى أسر الغنائية، كانت عيونهم على الشعر وليس على الدراما، أما صلاح عبد الصبور فقد كانت كتابته الدرامية على نفس مستوى كتابته الشعرية، وساعده على ذلك قراءاته المتعمقة فى المسرح والتى نستدل عليها من مقالاته النقدية المتعددة والتى حفرت مجرى جديداً ومغايراً لنهر الشعر العربى، وكان الشعر المسرحى عند صلاح هو روح تسرى فى عروق المسرحية قبل أن تكون قافية مفتعلة، فكانت البداية مع الحلاج والصراع بين السيف والكلمه، ومسافر ليل التى أشرنا إليها من قبل، والأميرة تنتظر الأميرةالتى فسرها النقاد بأنها الوطن الذى لابد أن يمارس الكبرياء فى كل لحظة حتى ولو كان الثمن هو العيش على قمة جبل الجليد"*ياإمرأة وأميرة /كونى سيدة وأميرة/لاتثنى ركبتك النورانية فى إستخذاء / فى حقوى رجل من طين / أيا أفضل ماكان / وغداً أو شهماً / عملاقاً أو أفاقاً / ولتتلقى ألوان الحب ولاتعطيه /إضطجعى مع نفسك /ولتكفك ذاتك "... ، وليلى والمجنون سعيد الحائر بين حلم الحب الممكن وحلم الحرية المستحيل "*إنى أتعلق من رسغى فى حبلين /الحبلان صليبى وقيامة روحى/ الحرية والحب/ والحرية برق قد لايتفتق عنه غيم الأيام الجهمة / برق قد لاتبصره عيناى، وعينا جيلى المتعب/ لكن الحب يلوح قريباً منى".... ، أما خاتمة مسرحياته فهى بعد أن يموت الملك والتى لايحتاج فيها الطاغية إلى الشاعر إلا ليخصب زوجته الملكه وبعدها يقتله، إنه نموذج لكل الطغاة الذين يعانون من العقم فيمارسون السادية "* مادمت أنا صاحب هذى الدولة/فأنا الدولة، أنا مافيها انا من فيها/ أنا بيت العدل وبيت المال وبيت الحكمه / بل إنى المعبد والمستشفى والجبانة والحبس ".
[ والمسرح الشعرى ليس هو وجه الشبه الوحيد بين صلاح وإليوت فقد سجل صديقه بدر توفيق نقاط تشابه أخرى عديده مثل أن كليهما كان مسئولاً عن دار نشر، كلاهما كان محباً للسفر، أخفق كلاهما فى زواجه الأول، لكليهما خمس مسرحيات، وكلاهما مارس التدريس والصحافة، واخيراً كلاهما وصم بالرجعية و إتهم بأن الشعر عنده ليست له غاية وهدف، ويتساءل صلاح نيابة عن إليوت ثم يجيب، هل للفن غاية بشرية؟نعم ولكن غايته هى الإنسان لاالمجتمع، هل للفن غاية أخلاقية؟نعم ولكن غايته هى الأخلاق لاالفضائل، هل للفن غاية دينية؟ نعم ولكن غايته هى الإيمان لاالأديان.




الله والحب عند صلاح عبد الصبور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإنطلاقاً من هذا السؤال عن الغاية الدينية للشعر نتساءل نحن بدورنا عن علاقة صلاح بالله وليس هذا من باب التفتيش فى الضمائر ولكنه تقرير لما كتبه الشاعر بنفسه عن هذه العلاقة، وهذه من المرات النادرة التى يتحدث فيها مبدع عن تفاصيل تلك العلاقة، فإيمان شاعرنا ليس ذلك الإيمان السهل الذى يكتفى بالمعتقد الدينى الموروث وكفى ولكنه رحلة بحث وكشف وتأمل فقد كان فى صباه كما يقول "متديناً عميق التدين "حتى أنه كان أحياناً يصلى ليلة كاملة ليصل إلى المرتبة الصوفية وقد وصل فعلاً لمرحلة الوجد والتى إعتقد أهله معها أنه على حافة الجنون، ولكن كل هذا لم يمنحه السكينة، وولد الإنكار فى نفسه بعد تخرجه من الجامعة وقراءته للفيلسوف نيتشه، وظل هذا القلق طويلاً إلى أن وصل فى النهاية لشط الإيمان عن إقتناع ومجاهدة ولنقرأ ماكتبه فى سيرته الذاتية عن محطة وصوله الإيمانيه"إن الله لايعذبنا بالحياه، ولكنه يعطينا مانستحقه، لأنه قد أسلمنا الكون بريئاً مادة عمياء نحن عقلها فماذا صنعنا به على مدى عشرات القرون، لقد لوثناه بالفقر والإستعباد والطغيان"، ويستكمل مابدأه قائلاً "لقد أصبحت الآن فى سلام مع الله، أؤمن بأن كل إضافة إلى خبرة الإنسانية أو ذكائها أو حساسيتها هى خطوة نحو الكمال، أو هى خطوة نحو الله، وأؤمن بأن غاية الوجود هى تغلب الخير على الشر من خلال صراع طويل مرير، لكى يعود إلى براءته، التى ليس براءة غفلاً عمياء بل هى براءة إجتياز التجربة والخروج منها كما يخرج الذهب من النار وقد إكتسب شكلاً ونقاء، إن مسئولية الإنسان هى أن يشكل الكون وينقيه فى نفس الوقت، وليس سعيه الطويل إلا محاولة لغلغلة العقل فى الماده، وخلق كل منسجم متوازن يقدمه بين يدى الله فى آخر الطريق، كشهادة إستحقاق على حياته على الأرض".
[ وإذا كان طريق الوصول إلى الله هو الحب فماذا عن الحب نفسه عند صلاح عبد الصبور؟، يرد علينا الشاعر نفسه فيوجز قائلاً "*لأن الحب مثل الشعر ميلاد بلاحسبان / لأن الحب مثل الشعر ماباحت به الشفتان / بغير أوان / لأن الحب قهار كمثل الشعر / يرفرف فى فضاء الكون لاتعنو له جبهه/ وتعنو جبهة الإنسان/ أحدثكم بداية ماأحدثكم عن الحب"، ولكن هل الحب فعل آلى تتحكم فيه أزرار الريموت كنترول؟ أم أن القلب الكسير المتعب بالسؤال المريض بالقلق ليس من السهل عليه أن يمارس الحب؟"*أشقى مامر بقلبى أن الأيام الجهمة / جعلته ياسيدتى قلباً جهماً/ سلبته موهبة الحب/ وأنا لاأعرف كيف أحبك/وبأضلاعى هذا القلب "، وعلق الشاعر نثراً على ماكتبه شعراً وقال "الشعر والحب مثل الخنجر ذى الحدين، حين غرست أحدهما فى قلبى غرست الآخر، وقد كان الشعر جرحى وسكينى حين عرفت أن أتكلم جملة مفيدة، كان حلم حياتى أن ألبس قميص الجنون الشعرى حتى يوضع على جبينى غكليل غار من الزهر الغالى الثمين، وهاأنذا بعد كذا من السنين ليس على جبينى إلا بضع زهرات رخيصة، ولقد راهنت رهان فاوست لاعلى المعرفة بل على الإحساس، كان لابد أن أدور كالنرد على المائدة وأظل أدور حتى ينكشف وجهى عن الرقم العظيم، وكانت المائدة هى قلبى وهى قلب المرأة التى عشقتها، وهى قلب الحياة ".
[ وهاهو صلاح عبد الصبور يودعنا بعد أن ترك أمام ديارنا تلك الباقة من الحب، وتلك الرغبة فى نشر الخير، وتلك اللمسة الحانية الحاضنة، وتلك البسمة الطيبة المشجعة، وها نحن نتساءل هل سامحنا صلاح؟ هل صفح عنا؟ أم مازال قلبه ينزف وصوته يتهدج وأنفاسه تختنق وحنجرته تصرخ رافضة التصديق، للأسف كان صلاح رجلاً عظيماً يتأمل فى زمن جريح "* كان يريد أن يرى النظام فى الفوضى/ وأن يرى الجمال فى النظام/ وكان نادر الكلام/ كأنه يبصر بين كل لفظتين /أكذوبة ميتة يخاف أن يبعثها كلامه /ناشرة الفودين مرخاة الزمام/ وكان فى المسا يطيل صحبة النجوم/ ليبصر الخيط الذى يلمها/ مختبئاً خلف الغيوم/ ثم ينادى الله قبل أن ينام/ الله هب لى المقلة التى ترى / خلف تشتت الشكول والصور / تغير الألوان والظلال / خلف إشتباه الوهم والمجاز والخيال/ وخلف ماتسدله الشمس على الدنيا/ وماينسجه القمر / حقائق الأشياء والأحوال"



صلاح عبد الصبور والأبداع المسرحي الشعري في ذكرى ميلاده الثمانين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
محسن النصار

مرت علينا الذكرى الثمانين لميلاد الشاعر صلاح عبد الصبور الذي ولد في 3مايو 1931 ، والذي كان له تأثير كبير فى مجال التأليف في المسرح الشعري
الذي لم يعرفه العرب قديما إلا ما كان من أبي العلاء المعري في رسالة الغفران التي اعتبرتها د. عائشة عبد الرحمن نصا مسرحيا يعود إلى القرن الرابع الهجري. رغم احتكاك العرب قديما بالثقافة اليونانية وترجمة كتاب فن الشعر لأرسطو.
ولم يظهر الفن المسرحي إلا في القرن التاسع عشر فقد حاول بعض الشعراء العرب أن يقدموا للمسرح أعمالا شعرية من ذلك ما قام به الشيخ خليل اليازجي في مسرحية (المروءة والوفاء ) إلا أنها كانت محاولات ناقصة وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء احمد شوقي الذي كانت له صلته بالأدب الفرنسي وطيدة فتأثر بالمسرح التقليدي الكلاسيكي في استمداد الموضوعات من التاريخ القديم واختيار الأبطال من علية القوم وتوظيف اللغة الراقية فكتب مسرحيات (مجنون ليلى , عنترة , مصرع كليوباترة , قمبيز , علي بك الكبير , الست هدى )وهي خمس مسرحيات درامية وملهاة واحدة. وقد استقى مادتها من التاريخ الفرعوني والعربي والمجتمع المصري في عصره. وكتب بعده عزيز أباظة (غروب الشمس , شهريار , العباسة أخت الرشيد).
ويرى النقاد أن مسرحيات عزيز أباظة أقوى من الناحية الفنية من مسرحيات شوقي. ثم حققت المسرحية الشعرية درجة عالية من النضوج على يد الشاعر صلاح عبدالصبور؛ لما امتلكه الشاعر من رؤية جمالية خاصة، نهلت من المسرح العالمي في وعي وبصيرة مع ثقافة ثرة ومعرفة واسعة بالتاريخ الإسلامي العربي أتاحت له استيحاء مواقف الدراما الثورية. كل ذلك اتحد بموهبة شعرية فذة أنتجت أعمالاً مسرحية أجمع النقاد على روعتها واعتبارها علامة بارزة ومبدعة في تاريخ المسرحية الشعرية، بل المسرحية العربية بمختلف مصادرها. وقد وصلت أعماله المسرحية من مثل (مأساة الحلاج 1964, الأميرة تنتظر 1969، بعد ان يموت الملك 1975، مسافر ليل1968 وليلى والمجنون ,) إلى مرحلة المسرحية الشعرية الدرامية التي يختلط فيها الشعر بالدراما وتندمج فيها غنائية الشعر وصوره بالبنية الدرامية للشخصيات والمواقف بما يخرج بناءً مسرحياً منسجماً.
عالج فيها مشكلات فلسفية واجتماعية وقد وظف صلاح عبد الصبور هذا النمط الشعري الجديد في المسرح فأعاد الروح وبقوة في المسرح الشعر , وترك عبد الصبور آثارا مسرحية أثرت في أجيال متعددة من الشعراء والمسرحيين في مصر والبلدان العربية، خاصة ما يسمى بجيل السبعينيات، وجيل الثمانينيات في مصر الوطن العربي، وقد حازت أعماله والمسرحية قدرا كبيرا من اهتمام الباحثين والدارسين، ولم تخل أي دراسة نقدية تتناولت المسرح الشعري من دون الإشارة إلى مسرحياته، وقد حملت مسرحياته الشعرية سمات الحزن والسأم والألم وقراءة الذكرى واستلهام الموروث الصوفي، واستخدام بعض الشخصيات التاريخية ، ومن أبرز أعماله في ذلك: " " مأساة الحلاج" و" ليلى والمجنون".
وكان التعبير الفني في مسرحياته عن حادثة من حوادث الحياة البشرية بإحياء مشهده وما يجري فيه من عمل. وهكذانجد المشهد المسرحي مشهد ناطق متحرك وهو على حد قول أرسطو محاكاة الأفعال النبيلة والمؤلف في مسرحياته يتوارى عن الأنظار ويظهر الأشخاص بأفعالهم وأخلاقهم. يعتمد على الحوار الشعري مسرحياتة وعلى عناصر أساسية هي:التمهيد أو المقدمة والعقدة والحل.
في التمهيد يعرض الشاعر الشخصيات والموضوع والزمان والمكان ويشترط فيها أن تكون موجزة مجملة تلمح إلى الموضوع تلميحا من غير تفصيل ولا كشف للمجهول ويتم ذلك عن طريق الحوار.أما العقدة فهي العنصر الأساسي في بناء الحبكة الفنية وهي تنطوي على اشتباك الوقائع والأحداث والمصالح والمنازع والمفاجآت والتحولات مما يبعث الشك في صدور المشاهدين والقلق والتطلع إلى الحل.
الحل وهو خاتمة المطاف والنتيجة التي تصل إليها أحداث المسرحية فتنحل العقدة ويتضح مصير البارزين من أبطال المسرحية ويكون مفجعا ومتفقا مع فلسفة الشاعر وافكاره مراعيا مشاعر الجمهور مرضيا لكل توقعات النفس البشرية , وحاز على العديد من الجوائز ومنها (جائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيته الشعرية (مأساة الحلاج) عام 1966،وقد بلغ المسرح الشعري درجة عالية من النضج والأبداع الفني عند صلاح عبد الصبور..



مفهوم الشعر عند صلاح عبد الصبور: الواقعية والصوفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرى صلاح عبد الصبور " أن الأديب إنسان اجتماعي واع منفعل بالحياة، ثم هو من بعد ذلك معبر دافع ناشط في مجاله الكلامي" . ويقصد ب"اجتماعي" أن يعيش الأديب واقعه بصراعاته الحقيقية لا أن يتخيله من خلال نماذج عالية من الأدب الواقعي أو من خلال نظرية فلسفية جاهزة. وحينما يعيش هذا الواقع ويستوعبه، إذ ذاك فقط لا يحرم شرف المحاولة في قداستها وعمقها.
بهذا التصور الذي يجعل من الواقع قواما على الواقعية كما يوحي بذلك تعبير صلاح عبد الصبور" الحياة أولا...! " لم ينطلق هذا الشاعر من أي تصور نظري جاهز، وإنما حاول فهم واقعه وتحديد أسئلته الجوهرية الذاتية والاجتماعية بغية البحث لها عن أجوبة ممكنة، مؤمنا في ذلك بأن الأفكار المجردة أو الاهتمام السياسي المحدد لا يستطيعان أن يشكلا عملا فنيا دون الاستناد إلى قيم جمالية بلاغية . فكيف تعامل عبد الصبور مع هذا الواقع، وكيف أصبح واقعيا؟
مفهـوم الشعـر: "الشعر صوت إنسان يتكلم مستعينا بمختلف القيم الفنية لكي يكون أصفى وأنقى من صوت غيره من الناس، فهو يستعين بالموسيقى والإيقاع والصورة والذهن والخيال. وكل هذه الأشياء مجتمعة تجعل لصوته هذه الفاعلية التي يستطيع بها في كلماته أن ينقل قدرا من الحقيقة الإنسانية التي يحسها هو منطبعة عليه إلى غيره من الناس" .
نستخلص من هذا التعريف ثلاث خصائص تحدد ماهية الشعر:
ـ الشعر صوت إنسان يتكلم.
ـ نقل الحقيقة الإنسانية التي يحسها الشاعر إلى الناس.
ـ توسل قيم وأدوات فنية لكي يكون الشعر أصفى وأنقى.

1:
الشعر صوت إنسان يتكلم:
لا يقصد صلاح عبد الصبور هنا الصوت بمفهومه الفيزيقي المقابل للصمت، وإلا سيكون شيئا تافها ومبتذلا. إذ كل ما يفوه به الإنسان هو صوت، وإنما يقصد صوتا متميزا له معنى متميز يصدر عن إنسان يتكلم. والكلام ضد الثرثرة، فعامة الناس لا تتكلم وإنما تثرثر، وفي ثرثرتها تتناقل أفكارا مشتركة عامة تحجب الحقيقة الإنسانية الوجودية وتتجاهلها. أما الشاعر بوصفه إنسانا واعيا بذاته وبوجوده، فيحس هذه الحقيقة وينقلها إلى غيره من الناس.

.2 :
عن أي حقيقة إنسانية يتحدث صلاح عبد الصبور؟ يرى هذا الشاعر متأثرا بالفلسفات الميتافيزيقية عامة، والوجودية منها بشكل خاص أن "الوجود هو المعطى الأول للإنسان" ، وهو مهدد بالعدم . وبين الوجود والعدم، بين منبع النهر ومصبه، يعيش هذا الإنسان حياة مليئة بالشرور والآلام " خالية من الحرية إلا تحت مستوى الضرورة" ، الشيء الذي يحول الأرض إلى جحيم، وحياة الإنسان إلى عذاب. وقد سعى الإنسان منذ القديم إلى إعطاء معنى لحياته متوسلا الدين والفلسفة والفن "فالنبي والشاعر والفيلسوف ـ إذن ـ أصوات شرعية، وشرعيتها تشمل كل ألوان الحياة الإنسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها. ومجال رؤيتهم هو الظاهرة الإنسانية في زمانها الذي هو الديمومة، وفي مكانها الذي هو الكون، وفي حركتها التي هي التاريخ" .
إن الظواهر الإنسانية التي تحدث عنها صلاح عبد الصبور ليست ظواهر مجردة، لا ولا هي مستقاة من واقع آخر غير واقعه المصري الذي يعيشه يوميا بانتصاراته وانكساراته، ويرفض عكس ذلك . يقول :" لو سألت أحدهم وهو آمن مبتهج النفس ـ لماذا أنت واقعي؟ ـ لأجاب : لأن المسرح للأدب الواقعي ... وأنا أحب التمثيل. ولو سألته: هل استبصرت بكفاح العامة في سبيل امتلاك الحياة؟ قال: وما حاجتي وقد قرأت لفلان وفلان ...
،، أما نحن ، فقد ألقينا بقلوبنا في المعركة، معركة أحباب الحياة، وثملنا بانتصاراتها وبكينا انكسارها. وكان شعرنا سكرنا وبكاءنا، ولا علينا من النماذج والتقاليد...إننا نتنفس الحياة بشغف ومرارة ونهدم ونبني ونبشر ونجدف، وقد يمسنا الشعر بجناحه فنلتهب" .
واضح من هذا القول أن الشاعر والفيلسوف والنبي لا ينظرون إلى الواقع نظرة أحادية، وإنما ينظرون إليه نظرة شمولية كلية يتداخل فيها الذاتي والموضوعي، والواقعي والميتافيزيقي، والحياة والموت، والأمل واليأس ...وهذه النظرة راجعة إلى أن العالم ناقص، وكل من هؤلاء يحمل بين جوانبه شهوة لإصلاحه، لكن الشك والقلق يلازمهم، الشيء الذي يسم حياتهم بالقلق واليأس الأبديين، إلا أنه ليس يأسا أو قلقا تشاؤميا، إنه يأس ناتج عن إحساس بالمسؤولية ووعي بها .
وقد سعت كل الديانات القديمة، أرضية كانت أم سماوية، وكذا الفلسفات المادية والمثالية إلى البحث عن حل لهذه المعضلة الوجودية. وقد تبنى صلاح عبد الصبور في المرحلة الأولى من حياته الفنية موقفا ماديا محضا، ـ وهي المرحلة التي تهمنا في هذا البحث ـ فأنكر وجود الله متأثرا بصرخة نيتشه الإلحادية المرعبة، ورأى في المادية الجدلية موقفا فكريا متماسكا قادرا على تحقيق الكمال في المجتمع. إلا أن تواتر الأحداث العالمية في الستينيات خصوصا في أوربا الشرقية، وصعود خروتشوف إلى السلطة، وفضحه لكل جرائم الستالينية، حطم أسطورة الشيوعية والمادية والواقعية في فكر صلاح. فرفض هذا الموقف، كما رفض كل علاقة ميكانيكية بين الفن والواقع لأنها تؤدي إلى أخطاء جمالية فادحة تتلخص في
ـ استخدام مفهوم الانحطاط الشامل في النقد الماركسي وهو مفهوم لا يراعي الاستقلال النسبي للأبنية الفوقية.
ـ اختزال الفن في بعده الأيديولوجي، وتهميش خصوصياته الفنية.
ـ عدم مراعاة خصوصيات المعرفة بوصفها معرفة نوعية بموضوعها ولغتها.
وقد وجد هذا الشاعر الحائر بعد تخليه عن الماركسية في الدين إجابة مقنعة متأثرا في ذلك بكيركجارد، فأصبح يرى جدوى الحياة في العودة بالإنسان إلى نقائه وصفائه الأول، أي العودة به إلى الله نقيا كما صدر عنه. ولن يتأتى له ذلك إلا بتحقيق ثلاث فضائل إنسانية كبرى عانى صلاح كثيرا من غيابها في حياته ومجتمعه هي: الصدق والحرية والعدالة .
وللوصول إلى هذه الحقيقة الإنسانية والتعبير عنها ونقلها إلى الآخرين يمر الشاعر كالمتصوف بمراحل ثلاث :
ـ مرحلة الوارد: وهي مرحلة إشراقية يقتنص فيها الذهن خاطرة أو رؤيا فتستغرق قلبه كليا.
ـ مرحلة الفعل الذي يلي الوارد وينبع منه، ويتحقق بالتأمل والتحديق في الذات الممتلئة بالرؤى والمعارف والخواطر قصد اكتشاف الحقيقة والتعبير عنها برموز لغوية.
ـ مرحلة العودة، وهي مرحلـة يعود فيهــا الإنسان إلى ذاتـه ليعيـد قـراءة ما اكتشف وما فعل. وهي مرحلة وعي كامل تتشكل فيه القصيدة تشكيلا فنيا. .
واضح من هذا التصور أن الموقف المادي والموقف الديني الصوفي ما هما إلا إجابتان ضمن إجابات ممكنة لنفس السؤال الوجودي المستنبط من الواقع المعيش الذي عاشه صلاح عبد الصبور. فالواقع المصري ومن خلاله الواقع الإنساني لم يتغير، لذلك لم تتغير الأسئلة التي يثيرها. وما يمكن أن يتغير مرات متعددة، هو نظرتنا إلى هذا الواقع وما نقترحه من حلول لإشكالاته وإجابات على أسئلته.
.3: اللغة الشعرية أو الوسائل الفنية التي يتوسلها الشعر لكي يكون أصفى وأنقى: يكاد الإجماع يحصل على رفض قوانين اللغة الشعرية القديمة وأعرافها. إلا أن أسباب هذا الرفض ودوافعه والبدائل التي تقترح تتعدد بتعدد الشعراء. فمنهم من يدفع باللغة إلى أقصى درجات التجريب التي قد تصل إلى الفوضوية، وهم غالبا من أصحاب الثقافة الفرنسية، كما سبق أن رأينا. ومنهم من يدفع بها إلى أقصى درجات البساطة، وهم غالبا الذين تأثروا بإليوت. وبين هؤلاء وأولئك نجد شعراء يوفقون بينهما لإيجاد لغة ثالثة لا هي بلغة الحديث اليومي ولا هي بلغة التجريب.
ويعد صلاح عبد الصبور من بين الذين قرأوا إليوت وتأثروا بجسارته اللغوية، وقدرته على تكييف كلمات الحديث اليومي وتطويعها قصد إدراجه في السياق الشعري. ويرجع هذا التأثر إلى طبيعة اللغة العربية التي تحولت على الرغم من غناها المعجمي الدال على المدركات الحسية والوجدانية، بعد خمسمئة سنة من التخلف الحضاري إلى لغة موحشة غريبة " لا تصلح للاستعمال بحكم الذوق الفني" ، الشيء الذي حولها إلى لغة فقيرة. وقد زاد من فقرها تعفف اللغة الشعرية من استخدام الألفاظ المتداولة حتى ولو كانت فصيحة بدعوى سوقيتها.
وقد دعا صلاح عبد الصبور إلى تجاوز هذه النظرة، والتصرف في اللغة بوصفها كنزا كما تصرف فيها القدماء دون تمييز بين المتداول وغير المتداول. واستخدام أي لفظ منها ما دام صالحا للتعبير عما يراد قوله. ولن يتم ذلك في نظره إلا بمعاودة النظر في التراث العربي قصد إدراك غناه، وترويض الألفاظ الجديدة لإدخالها في السياق الشعري.
وقد تعرضت محاولاته الشعرية في هذا السياق لانتقادات كثير من النقاد بدعوى التفاهة والركاكة، يقول في رده على الناقد كاظم جواد :" ما هذا يا سيد كاظم ... يا سيدي المادي الجدلي ... لا تمزق القصيدة، وأدرك الصورة كلية ينصلح موقفك، وسأضع منظارك فوق عيني وأناقش البيت (1) : وشربت...ألم تشرب قط؟ ألم تستعمل العرب المضرية والقحطانية هذا اللفظ، وما الفرق بين الشاي والخمر والماء والمرق، أليست كلها مما يشرب ؟ لقد قاس إليوت حياته بملاعق القهوة.
،، حمدا لله أنني لم استعمل ملعقة أو فنجانا وإلا كانت كارثة وعم التصايح، وما أظنك تنكر أن الجار والمجرور( في الطريق ) استعملا في الشعر ألوف المرات" .
:توظيف الأسطورة: ينظر صلاح عبد الصبور إلى الأسطورة بوصفها "تعبيرا عن الذات الإنسانية في وحدتها وجوهرها" . ويتوسلها بالإضافة إلى تقنيات أخرى كالثقافة الشعبية والتاريخ للتخلص من الجزئية والظرفية، والارتقاء بشعره إلى مستوى المطلق، وإضفاء نبرة موضوعية عليه. إلا أن معظم الشعراء في نظره أساؤوا استخدامها لاكتفائهم بمحاكاة الشعر الأوربي. في حين أن الأسطورة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة لتعميق النص وفتحه على تجارب إنسانية غير شخصية. وهذا يقتضي تفكيكها إلى عناصرها الأولية، وانتقاء ما هو صالح للتوظيف دون أن يكون بارزا على السطح الظاهري للقصيدة. وبغير هذه الطريقة يتحول النص إلى ركام من المعارف تفتقر إلى شروح وهوامش واطلاع واسع على حقول معرفية متعددة لفهمها.
: التشكيل : يستمد صلاح تصوره عن التشكيل من فن التصوير أساسا، كما يستمده من تصور نيتشه للمأساة اليونانية، فهذه المأساة كما يراها هذا الفيلسوف توازن بين الديانة الديونيزيوسية التي تقدس النشوة وتمجد اللذة، وتطلق كل القوى الحية في الإنسان ، وبين العبادة الأبولونية التي تقدس العقل وتحترم التصميم والبناء . فالقصيدة الشعرية ـ كما سبقت الإشارة ـ تفتقر بعد مرحلتي الوارد والفعل إلى تأمل واع قصد تشكيلها تشكيلا فنيا يتميز بخاصيتين اثنتين أولاهما : الذروة الشعرية: وتعد حسب صلاح " محك الكمال في بناء القصيدة" . ويختلف التشكيل باختلاف أماكن وجودها في أول القصيدة أوفي وسطها أوفي آخرها. وثانيتهما: التوازن بين العناصرالشعرية المختلفة إيقاعا وتركيبا ودلالة.


نخلص مما سبق إلى ما يلي :
* إن الواقعية في شعر صلاح عبد الصبور ليست إلا مرحلة من مراحل تطوره الشعري، ومع ذلك، فقد كان لها الأثر البالغ حتى خلال المراحل الأخرى، فقد ظل الواقع منطلق كل تجربة شعرية.
* إن إيمان الشاعر بالواقعية لم يجعله أسير مجموعة من المبادئ النظرية الجاهزة أو أسير اتجاه سياسي معين يسيره ويستظل بظله.
* لقد بدأ صلاح وجوديا وقضى مرحلة من حياته ماديا وانتهى شاعرا صوفيا، وهي مراحل متداخلة في ما بينها، إذ اعتبر البحث عن الحقيقة من مهام الفيلسوف والنبي والشاعر، لذلك يبدو من الصعب الاكتفاء بمرحلة من هذه المراحل.



حسن توفيق يحاور صلاح عبد الصبور سنة 1980
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صلاح عبد الصبور :

الفنانون والفئران أكثر الكائنات استشعارا للخطر

* عندما أوغل السندباد وعاد .. عنوان ديواني الجديد

أجرى الحوار : حسن توفيق

صعب أن تحاول عبور المحيط بزورق صغير، حيث يتحتم عليك أن تواجه أمواجه العاتية الجبارة التي لا تكلف عن الحركة ولا تهدأ أبدا.. وصعب – كذلك – أن تحاول التحدث عن شاعر كبير، حيث يتحتم عليك أن تتعرف على أبعاده الشعرية والإنسانية العميقة المتعددة الجوانب.. ويبدو الأمر أكثر صعوبة عندما تريد أن تتحدث عن شاعر كبير.. تعلمت منه الكثير.. ويسكن دائما في قلبك..
كان من المتفق عليه أن يكون أول ما أجريه من لقاءات على صفحات "الراية" لقاء أجريه مع الشاعر العربي – المصري الكبير صلاح عبد الصبور.. كان هذا قبل مجيئي إلى الدوحة، وقبل صدور الراية.. وقبل سفري كنت ألتقي بصلاح عبد الصبور أغلب الأمسيات.. وكنت في كل أمسية أؤجل إجراء اللقاء، لأنني كنت أجدني منجذبا إلى سحر أحاديثه ومتعة جلساته.. لهذا كنت أؤجل وأعلل نفسي بالغد.. لكن الغد – في القاهرة – لم يأت، فقد سافرت بعيدا عنها.. وبعيدا عنه.. دون أن يتسنى لي إجراء ما كنت أؤمل من لقاء.. وعندما استقبلت "الدوحة" صلاح عبد الصبور قررت هذه المرة.. ألا أؤجل.. وقد كان.. حيث أعددت أسئلتي.. وتوجهت بها إلى الشاعر الكبير.. والإنسان الرائع النبيل.
للشاعر الكبير صلاح عبد الصبور جوانب متعددة، كلها باهرة وجذابة.. له عطاؤه الشعري الخصب والعميق.. وله مسرحه الشعري الذي يمكن القول بأنه المسرح الشعري الحقيقي في أدبنا العربي كله.. وله دراساته النقدية وبحوثه الأدبية التي تتسم بالرصانة والاتزان.
وعلى الرغم من أن صلاح عبد الصبور من كبار رواد حركة الشعر الحر، وبالتالي فإنه ليس شاعرا تقليديا – بطبيعة الحال – إلا أن سؤالي الأول الذي وجهته له كان سؤالا تقليديا..
** هل يمكن أن تذكر من يعرف.. وتعرف من لم يعرف.. من قرائك الكثيرين.. بالينابيع الثقافية التي استقيت وارتويت منها في بداية نشأتك الفنية؟
عاد الشاعر الكبير بذاكرته إلى الوراء.. يذكر المدينة الوادعة التي تشتهر في مصر بكرم ضيافة أهلها وبطيب معشرهم.. تذكر صلاح عبد الصبور "الزقازيق".. مدينته الأولى التي شهدت مولده.. وتذكر قراءاته الأولى فيها، وهو – بعد – صبي صغير.
… ولدت بين صفحات كتب المنفلوطي وجبران خليل جبران.. فقد بكيت مع سيرانودي برجراك وماجدولين وأنا في العاشرة من عمري، ولا زلت أذكر هيئتي بجلبابي وخفي، وأنا أثوي في ركن صغير من فضاء مهمل وراء بيتنا بالزقازيق، ألتهم ما يلقنه سيرانودي برجراك لغريمه من بديع القول،ويتلوى كل عرق لآلام الشاعر وجسامة تضحيته ونبالتها. وقد ظل المنفلوطي معبودي حتى تعرفت إلى جبران خليل جبران في "الأرواح المتمردة" و"الأجنحة المتكسرة" فبكيت مع سلمى كرامة وعاشقها التعس.. وحين أقول "بكيت" لا أتحدث بالمجاز، بل أعني أنني أجهشت بالبكاء في وحدتي وحملت من همهما ما ناءت به النفس.
الروافد الثقافية التي ارتويت منها – في بداية النشأة – يمكن تلخيصها في ثلاثة روافد.. تتمثل في: التراث العربي القديم- شعر المدرسة الرومانسية العربية – النماذج المختلفة من الشعر الأوروبي. فهناك شعراء كبار في تراثنا العربي القديم كنت مفتونا بهم.. وأذكر بالذات.. المتنبي، المعري.. وإنني كنت – وما زلت – أكن حبا خاصا للمعري.. هذا الشاعر العربي العظيم الذي كان يحمل هم العالم كله على كتفيه. وأما عن شعراء المدرسة الرومانسية العربية،فلا شك أنك تعرف أن الشعراء الذين كان لهم تأثير بالغ على أبناء جيلي بوجه عام.. إبراهيم ناجي، علي محمود طه، محمود حسن إسماعيل.. أما النماذج المختلفة من الشعر الأوروبي.. فلم تكن قراءتها تتم أول الأمر بشكل منظم، ولكنها بعد ذلك أخذت مسارها المنتظم.
** هل يمكنك أن تحدث قراءك الكثيرين عن طبيعة الشعر الذي كان يكتب في الأربعينيات.. إنني أتصور أنه كان يعاني من الجمود والخمود.. إلى أن بدأت حركة الشعر الحر تنطلق شيئا فشيئا.. وما الإضافات التي قدمها رواد حركة الشعر الحر.. وماذا قدمته أنت من إضافات؟
ابتسم صلاح عبد الصبور في هدوء.. متهما إياي بالظلم.. مجيبا على السؤال بما يعهده عارفوه ومحبو شعره فيه من روح أمينة منصفة، تتحرى الحقيقة دائما في القول والفعل.. لشعر الأربعينيات قيمته الكبيرة وأهميته البالغة في مجال تجديد شكل القصيدة العربية، فهو شعر استطاع الخروج من الصوت العام إلى الصوت الخاص الذي يتميز فيه كل شاعر، دون أن يكون الجميع نسخا واحدة مكررة لا تمايز بينها.. وتتسم نماذج كثيرة من شعر الأربعينيات بأنها استطاعت أن تكسر حدة عنصرين كانا يتحكمان بشكل حاسم وصارم في بناء القصيدة المتوارثة،وهما: البحر الكامل.. القافية الموحدة.. فقد استخدم شعراء المهجر.. وشعراء "أبوللو" البحور المجزوءة، كما أنهم استعاضوا عن القافية الموحدة بنظام المقطوعات التي قد تقصر إلى أن تصبح ثنائيات.. فقد كان هذا – في الواقع- تمهيدا وإيذانا بميلاد حركة الشعر الحر.. بعد أن تغيرت الحساسية الأدبية لدى الجمهور أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.. أما الإضافات التي أضافها رواد الشعر الحر، فهي إضافات ثرية وعميقة.. وعلى سبيل المثال، فإن نازك الملائكة – وإن كانت قد نسجت على منوال وحيد – إلا أنها استطاعت التعبير عن حساسية الفتاة العربية بحزنها وانكسارها ومحاولتها الخروج من قوقعتها المفروضة عليها.. أما بدر شاكر السياب فإنه أضاف القصيدة المطولة.. ولا شك أنك تذكر مطولاته الشهيرة "المومس العمياء"، "الأسلحة والأطفال"، "حفار القبور".. غيرها.. كما أن السياب استطاع المحافظة على الجرس اللغوي الواضح في القصيدة الجديدة، وكان لديه ما يمكن أن نسميه بالطموح إلى احتواء القصيدة الجديدة لعالم كثيف.. أما الإضافات التي قد أكون أضفتها فليس من شأني التحدث عنها لأني لا أحب الحديث عن النفس.. تستطيع أنت ويستطيع غيرك أن يتحدثوا عما أضفت وعما لم أضف.. أما أنا.. فلا..
** تذكرت العطاء الفني والنقدي الذي قدمه الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور.. لقد قدم للقارئ العربي حتى الآن ستة دواوين.. أعيد طبعها عدة مرات متتاليات.. ابتداء من ديوانه البكر "الناس في بلادي" – الذي صدر عام 1957 ثم ما تلاه من دواوين.. "أقول لكم" عام 1961، "أحلام الفارس القديم" عام 1964، ثم "تأملات في زمن جريح" عام 1970، ف "شجر الليل" عام 1973م، وأخيرا.. وليس آخرا ديوان "الإبحار في الذاكرة" – الذي صدر عام 1979م.. في قصائد هذه الدواوين – مجتمعة – دفاع مستميت عن القيم الإنسانية النبيلة بوجه عام.. وعن قيم الصدق والحرية والعدالة بوجه خاص.. أو على حد تعبير صلاح عبد الصبور.."إن شعري – بوجه عام – هو وثيقة تمجيد لهذه القيم، وتنديد بأضدادها، لأن هذه القيم هي قلبي وجرحي وسكيني معا.. إني لا أتألم من أجلها، ولكني أنزف..". تذكرت العطاء الشعري.. وتذكرت كذلك عطاء الشاعر الكبير فيما يتعلق بالمسرح الشعري.. صحيح أنشوقي وعزيز أباظة كتبا المسرح الشعري.. وصحيح أن عبد الرحمن الشرقاوي كتب المسرح الشعري.. ولكن المسرح الشعري الحقيقي لا يتحقق إلا عند صلاح عبد الصبور.. ومسرحياته خير شاهد على هذا.. حيث قدم "مأساة الحلاج" و"مسافر ليل" و"الأميرة تنتظر" و"ليلى والمجن لا تصلح للاستعمال بحكم الذوق الفنيون" ثم "بعد أن يموت الملك".. وقد ترجمت هذه المسرحيات إلى أكثر من لغة أجنبية، وقامت دار فابر آند فابر ببريطانيا بنشر مأساة الحلاج باللغة الإنجليزية في طبعتين حتى الآن..
وانتقلت إلى عقد الخمسينيات مع صلاح عبد الصبور.. قائلا: هناك أسماء شعرية كثيرة، كانت لامعة خلال ذلك العقد، لكنها انطفأت تماما بسرعة.. وكأن شيئا لم يكن.. فهل سبب هذا هو الالتزام.. أم الفهم الخاطئ له؟
لقد انحسرت موجة من كانوا يتحدثون عن الالتزام إلى غير رجعة، لأن أشعارهم كانت تكتب بصورة مباشرة فجة، فقد كان الشعراء الذين تقصدهم يتصورون أن إقحام الشعارات ذات المضامين الإنسانية العامة هو أمر جدير بأن يجعل الشعر جيدا وناضجا، ولذا فإن غالبيتهم قد أغفلوا متطلبات الفن، والحق أن مواهبهم كانت قاصرة عن إدراك طبيعة رسالة الفن.
** فلنترك الخمسينيات.. دعني أذكرك – يا أستاذ صلاح – بأحد النقاد الذين هاجموك خلال عقد الستينيات بعد صدور ديوانك "أحلام الفارس القديم"، فقد تساءل هذا الناقد.. "لماذا يحزن صلاح عبد الصبور مع أن بلاده تبني السد العالي؟".. والآن ما رأيك فيما قد قيل..
لقد وصفني هذا الناقد بأنني حزين، وأدانني بحزني، مطالبا بإبعادي عن مدينة المستقبل السعيدة، بدعوى أنني أفسد أحلامها وأمانيها، بما أبذره من بذور الشك في قدرتها على تجاوز واقعها المزدهر – في رأيه – إلى مستقبل أكثر ازدهارا.. وقد نسي هذا الناقد أو تناسى أن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعارا للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هربا من السفينة الغارقة.. أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس، ويصرخون بملء الفم، حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها.
** سألته بعد هذا.. عن نزار وعن البياتي.. قلت له.. هل استطاع نزار قباني أن يعبر عن هموم المرأة العربية؟ وما رأيك في تهجم البياتي بصفة دائمة على شعراء جيله وأنت من بينهم بل إنك المستهدف الأول لتهجماته يا أستاذ صلاح؟
الواقع أن نزار عبر عما يتصوره- هو – هموم المرأة العربية، ولكن عندما تظهر المرأة التي يمكنها أن تعبر عن نفسها بصدق، فإن دور نزار سيختفي.. مثلما اختفى- من قبل – الممثل الذي كان يقوم بدور المرأة في أوائل هذا القرن.. بعد أن اعتلت المرأة بنفسها خشبة المسرح. أما البياتي فإنني أعرف أن عنده نقطة ضعف تجاه الصحافة.. فهو إذا جلس مع صحفي.. نسي كل شئ إلا البياتي.. وأكثر من مرة فإنه يتحدث عن بعض الشعراء بالسوء، فإذا ما التقى بهم فإنه يبادر إلى الاعتذار لهم، وينسب الحديث للصحفي.. وليس إلى خلقيات البياتي.. لكنه – على كل حال – زميل حرفة قديم.. ونحن لهذا نتحمله كثيرا.
** تذكرت ما أعرفه عن البياتي.. تذكرت أنه يتصور ذاته محورا للكون.. وتذكرت غيرته الشديدة من شعراء جيله.. وتذكرت تهجماته العنيفة التي لا مبرر لها على صلاح عبد الصبور.. وعلى نزار قباني.. وعلى محمود درويش.. وعلى كل من يتصور البياتي أنهم يزاحمونه.. تذكرت هذا،فأردت أن أخفف عن صلاح عبد الصبور وقع سؤالي.. فقلت مغيرا دفة الحديث.. أستاذ صلاح.. هل تتصور أن الشاعر لابد أن يمر بتجربة حب لكي يكون شاعرا؟
ليس الشاعر فحسب هو الذي لابد له أن يمر بتجربة الحب.. ولكن الإنسان بوجه عام ينبغي أن يمر بهذه التجربة الخصبة والفريدة.. وإن كان لكل إنسان تعريفه الخاص واقترابه الخاص من الحب.. فهناك ألوان من الحب بقدر ما هنالك ألوان من البشر.. وليس معنى هذا بالنسبة للشاعر أنه لابد أن يكون عاشقا لكي يكتب.. فالشعر، متابعة كثيرة من بينها الحب.. وأسخف الشعر – في رأيي – هو أن يتصور الشاعر أنه عاشق دون أن يكون عاشقا بالفعل وهنا ركام من القصائد الغزلية السخيفة.. لأن أصحابها حاولوا تقليد لهجة العشاق دون أن يكونوا عشاقا بالفعل!
** ومن من شعرائنا القدامى والمحدثين يمكن أن يرقى إلى المستوى العالمي لو ترجم نتاجه إلى اللغات الأجنبية؟
الحقيقة أن تراثنا عموما لابد أن يعاد النظر فيه وأن تتم قراءته قراءة جديدة.. وأنا أرى أن هناك شاعرا عربيا عظيما يمكن أن يترجم إلى التراث الأجنبي.. ويبقى.. ولكن ترجمته صعبة لأن شعره ملئ بالمحسنات التي يجب أن يحافظ المترجم على بعضها.. هذا الشاعر هو أبو العلاء المعري.. أما عن المحدثين.. فيمكن أن يقال عن بعضهم إنهم نظراء أو من أوساط الشعراء المحدثين في العالم.. ولكن لماذا تستعجل الأمور..؟ إن الحكم في هذا هو للتاريخ.. فليحكم بما يشاء.
** قلت له.. هل تأذن لي أن نبتعد قليلا عن الشعر.. لنقترب من العمل.. لقد ازدهرت الهيئة العامة للكتاب في مصر خلال رئاسة الناقدة الكبيرة الأستاذة الدكتورة سهير القلماوي لها.. ولكن هناك مشروعات ثقافية أظن أنها لم تستكمل بعد، منذ أن تركت الأستاذة الجليلة الهيئة.. فهل يا ترى ستكتمل هذه المشروعات خلال رئاستكم للهيئة؟
إنني أعد نفسي استئنافا لسهير القلماوي.. فأنت تعلم أنني تلميذ من تلامذتها القدامى.. وقد تعلمت منها كما تعلم الكثيرون من قبلي ومن بعدي على السواء.. كما أنني عملت مع الناقدة الكبيرة في فترة رئاستها للهيئة التي أتشرف برئاستها الآن أملا في خدمة الثقافة العربية، وتسهيل تقديمها للقارئ العربي.. وهناك مشروعات ثقافية هامة بدأت الإعداد لها الدكتورة سهير.. ونرجو أن نستكملها.. من بينها مشروعات المعاجم.. والقواميس ونشر التراث.
** الوقت يمر.. وما زال في الجعبة بضعة أسئلة.. كيف نجحت في انتخابات اتحاد الكتاب في مصر؟
الواقع أنني لم أكن موجودا في القاهرة وقت الترشيح لتلك الانتخابات.. وكان هذا في أواخر مارس الماضي.. كنت في إيطاليا للاشتراك في معرض لثقافة الطفل وللقاء المشتغلين بثقافة الطفل من العرب تحت رعاية اليونسكو.. وقد تطوع بعض الأصدقاء الذين يحسنون الظن بي.. وتكرم عدد كبير من الأعضاء بانتخابي.
** سؤال آخر سريع ..لقد علمت أنك مدعو لزيارة اليمن بعد زيارتك لقطر.. فما رأيك يا ترى في شعراء اليمن المعاصرين؟
أذكر لك شاعرين من شعراء اليمن.. أذكر لك عبد الله البردوني.. إنه شاعر ضخم.. وحساس.. وأذكر لك د. عبد العزيز المقالح.. إنه عالم واسع.. وهو من أنقى الأصوات الشعرية وأجملها.. إنه – باختصار – مساهمة اليمن في حركة الشعر الحديث.
** لمحت في نظرات شاعرنا العظيم أشواقا جامحة عندما تحدثنا عن اليمن.. فلصلاح عبد الصبور صداقاته العميقة التي تربطه بالمثقفين والأدباء اليمنيين.. كما أن اثنين من أقدم أصدقائه.. أو من رفاق العمر- كما يقال – موجودان هناك في اليمن.. توأمه الروحي.. الكاتب القاص الكبير فاروق خورشيد.. وصديقه الحميم الكاتب والفيلسوف الدكتور عبد الغفار مكاوي.. وتذكرت أيضا أن الوقت يمر.. الوقت يمر.. فقلت: أستاذ صلاح.. سؤال أخير.. ما الجديد الذي ستقدمه لنا في الشعر والمسرح والنقد؟
هناك ديوان جديد أسميته "عندما أوغل السندباد وعاد".. وهناك مسرحية لم تكتمل بعد عن "عنترة" بعد عودته من غربته.. وهناك دراسة نقدية بعنوان "كتابة على وجه الريح".. ألا يكفيك هذا؟؟
** الحق يقال إن أحباءك.. وقراءك.. وأنت تعرف أنهم كثيرون.. كثيرون..يطالبون دائما بأن يظل النبع سخيا.. إنهم – وأنا بطبيعة الحال أحدهم – دائما في انتظار المزيد.. وشكرت الشاعر العربي – المصري الكبير صلاح عبد الصبور.. وجمعت أوراقي متمنيا لأستاذي وصديقي العظيم رحلة موفقة في اليمن بعد أن تنتهي زيارته لقطر.. ولنا.. تلك الزيارة القصيرة التي كنت أتمنى ألا تنتهي.. ليظل صلاح عبد الصبور دائما معنا.. أينما حللنا أو رحلنا..

** نشر هذا الحوار مع الشاعر العظيم صلاح عبد الصبور في جريدة الراية القطرية يوم الإثنين 28 أبريل سنة 1980 وها أنا أعيد نشره في ذكرى مرور ثمانين سنة على ميلاد صلاح عبد الصبور ( 3 مايو 1930 ) وذكرى مرورثلاثين سنة على غياب هذا الشاعر العظيم (14 أغسطس1981 ) .





المرأة في شعر صلاح عبد الصبور:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صورة المرأة لدى الحداثيين
د. سهيلة زين العابدين حماد

المرأة في نظر صلاح عبد الصبور، وهو كمعظم شعراء جيله، أنها مترفة تعيش كأميرة غارقة في نعيم القصور العالية الأسوار فيقول لها:

جارتي لست أميرا

لا ولست المضحك الممراح في قصر الأمير

أنا لا أملك ما يملأ كفيَّ طعاما

ثم يتعرض إلى وصف المرأة فيقول:

وجهها خيمة من نور

شعرها حقل حنطة

خداها فلقتا رمان

جيدها مقلع من الرخام


ووصف المرأة بهذه الطريقة يتناقض مع روح الإسلام الذي حرص كل الحرص على صيانتها وحماية جمالها من أن يكون حديث مجالس الرجال.

صلاح عبد الصبور فى ذكراه:
أصبحنا مثل الطين بقاع البئر ..
لا يملك أن يتأمل صفحة وجهه !!

فى الثالث عشر من هذا الشهر (أغسطس 2008) تمر الذكرى السابعة والعشرون لوفاة الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، الذى يعد من أهم شعراء مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأحد الشعراء الذين استطاعوا تحويل هموم الحياة الصغيرة إلى شعر. وفى هذه المناسبة، ذهبت إليه أحاوره – عبر شعره ودواوينه – عنه وعن أحوالنا. أسأله فيرد الشعر عنه، فكان هذا الحوار:


* فى بداية حوارنا .. دعنا نقترب منك أكثر، حدثنا عن نفسك ؟
- أنا رجل من غمار الموالى .. فقير الأرومة والمنبت
فلا حسبى ينتمى للسما .. ولا رفعتنى إليها ثروتى
ولدت كآلاف من يولدون .. بآلاف أيام هذا الوجود
لأن فقيراً بذات مساء .. سعى نحو حضن فقيرة
وأطفأ فيه مرارة أيامه القاسية
نموت كآلاف من يكبرون ..
حين يقتاتون خبز الشموس
ويسقون ماء المطر
وتلقاهم صبية يافعين حزانى على الطرقات الحزينة
فتعجب كيف نموا واستطالوا وشبت خطاهم
وهذى الحياة ضنينة.


* وماذا عن أيام طفولتك وصباك ؟
- صباى البعيد ..
أحن إليه، لألعابه
لأوقاته الحلوة السامرة
حنينى غريب ..
إلى صحبتى .. إلى أخوتى ..
إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة
وقد يحلمون بقصر مشيد
وباب حديد
وحورية فى جوار السرير
ومائدة فوقها ألف صحن
دجاج وبط وخبز كثير
إلى أمى البرة الطاهرة
تخوفنى نقمة الآخرة
ونار العذاب
وما قد أعدوه للكافرين
وللسارقين وللاعبين
وتهتف إن عثرت رجليه
وإن طنت نحلة حوليه
باسم النبى


* إذا انتقلنا إلى الشعر .. كيف تصنف نفسك بين الشعراء ؟
- ما كنت أبا الطيب ..
ولم أوهب كهذا الفارس العملاق أن أقتنص المعنى
ولست أنا الحكيم .. رهين محبسه بلا أرب
ولست أنا الأمير .. يعيش فى قصر بحضن النيل
يناغيه مغنيه
وملعقة من الذهب الصريح تطل من فيه
ولكنى تعذبت لكى أعرف معنى الحرف
ومعنى الحرف إذ يجمع جنب الحرف
ولكنى تعذبت لكى أحتال للمعنى
لكى أملك فى حوزتى المعنى مع المبنى
لكى أسمعكم صوتى فى مجتمع الأصوات
وقفت أمامكم ورفعت كفى قائلاً: هيا
هنا إنسان ..
يريد يدير فى فكيه ألفاظاً يدحرجها
إلى الإنسان
لتصنع نقمة فى القلب أو فرحا
تكون مجن من جُرحا
وسهماً فى حشا القاسى الذى جَرحا


* إذاً .. ماذا يمثل الشعر بالنسبة لك ؟
- الشعر زلتى التى من أجلها هدمت ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
وحينما عُلقت ..
كان البرد والظلمة والرعد
ترجنى خوفا
وحينما ناديته، لم يستجب
عرفت أننى ضُيعتُ ما أضعت


* فهل لك أن تلخص لنا شخصيتك فى كلمتين ؟
- أنا إنسان يضنينى الفكر ويعرونى الخوف
أنا إنسان يظمأ للعدل ويقعدنى ضيق الخطو


* يقول الفلاسفة أن الألفاظ وعاء الفكر .. ماذا تعنى لك الألفاظ ؟
- إن الألفاظ ثمار الأشجار
أبهى ما تحمل من نوار
وكما أن الشجر الطيب
يعطى ثمراً طيب
فالإنسان الطيب
لا ينطق إلا اللفظ الطيب


* يصفك النقاد بأنك شاعر حزين، ويعيبون عليك ذلك. لماذا أنت حزين ؟
- هناك شيء فى نفوسنا حزين
قد يختفى، ولا يبين
لكنه مكنون
شيء غريب غامض حنون
---------------
تظل حقيقة فى القلب توجعه وتضنيه
ولو جفت بحار القول لم يبحر بها خاطر
ولم ينشر شراع الظن فوق مياهها ملاح
وذلك أن ما نلقاه لا نبغيه ..
وما نبغيه لا نلقاه !!


* هل معنى ذلك أن الفرح والسعادة الحقيقية أمر بعيد المنال ؟
- لو كنا نعرف أن نفرح
فرحة طفل غُفلِ القلب
عرف الدنيا حباً ينمو فى ظله حب
لأذبنا الفرحة فى أكواب الأحباب
لكنا حين ضحكنا أمس مساء
رنت فى ذيل الضحكات
نبرات بكاء
وأتكأت فى عينى دمعات
أغفت زمناً فى استحياء


* لنترك الحزن ونتحدث قليلاً عن الحب ؟
- حديث الحب يوجعنى ويطربنى ويشجينى
ولما كان خفق الحب فى قلبى هو النجوى بلا صاحب
حملت الحب فى قلبى، فأوجعنى
ولما كان خفق الحب فى قلبى هو الشكوى إلى الصاحب
شكوت الحب للأصحاب والدنيا، فأوجعنى


* وما رأيك فى حب هذا الزمان ؟
- الحب قد كان .. فى أول الزمان
يخضع للترتيب والحسبان
(نظرة ، فابتسامة، فسلام
فكلام، فموعد، فلقاء)
اليوم .. يا عجائب الزمان
قد يلتقى فى الحب عاشقان
من قبل أن يبتسما
الحب فى هذا الزمان
كالحزن
لا يعيش إلا لحظة البكاء
أو لحظة الشبق
الحب بالفطانة أختنق !!


* لننتقل الآن للحديث عن أحوالنا ؟
- رعاك الله يا ولدى
لماذا تستثير شجاى


* عذراً شاعرنا الطيب .. ولكن كيف ترى حالنا اليوم ؟
- أصبحنا مثل الطين بقاع البئر
لا يملك أن يتأمل صفحة وجهه


* وما الذى أوصلنا إلى هذه الحال فى رأيك ؟
- حين فقدنا الرضا
بما يريد القضا
لم تنزل الأمطار
لم تورق الأشجار
لم تلمع الأثمار
حين فقدنا الرضا
حين فقدنا الضحكا
تفجرت عيوننا بكا
حين فقدنا هدأة الجنب
على فراش الرضا الرحب
نام على الوسائد
شيطان بغض فاسد
معانقى، شريك مضجعى
كأنما قرونه على يدى
حين فقدنا جوهر اليقين
تشوهت أجنة الحبالى فى البطون
الشعر ينمو فى مغاور العيون
والذقن معقود على الجبين
جيل من الشياطين
جيل من الشياطين


* إذاً فأنت تحمل الناس المسئولية ؟
- الناس فى بلادى جارحون كالصقور
غناؤهم كرجفة الشتاء فى ذؤابة الشجر
وضحكهم يئز كاللهيب فى الحطب
خطاهمو تريد أن تسوخ فى التراب
ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون
لكنهم بشر
وطيبون حين يملكون قبضتى نقود
ومؤمنون بالقدر


* أقصد، هل نحن مسئولون عما آلت إليه أحوالنا ؟
- إن تصف قلوب الناس تأنس نظرة الرحمن
إلى مرآتنا، ويديم نظرته فتحيينا
وإن تكدر قلوب الناس يصرف وجهه عنا
وبهجرنا ويجفونا
ويمشى القحط فى الأسواق، يجبى جزية الأنفاس


* ولكن الناس صامتون، والبعض يفسر هذا الصمت بأنه رضا عن الواقع ؟
- الصمت لا يعنى الرضاء بأن أمنية تموت
وبأن أياماً تفوت
وبأن مرفقنا وهن
وبأن ريحاً من عفن
مس الحياة فأصبحت
وجميع ما فيها مقيت


* إذاً فلماذا لا يخرج الناس عن صمتهم، لماذا لا يعترضون ؟
- الويل لمن يوقظ هذا الطير النائم
سيكسر باب الزمن الموصد
ويحطم أقفاله
حتى تخرج من سرداب الماضى قطع الظلمات المختاله
ستحل سنون متتابعة جدباء
يصبح فيها القمح قشوراً لا بذرة فيها
وسيتخثر لبن الأم بثدييها الممصوصين


* إن نظرتك للمستقبل شديدة التشاؤم، لم لا تؤمن بالمستقبل ؟
- بل إنى أخشاه لأنى أؤمن به
أؤمن أن لابد لكل زمان من مستقبل
أوشك أحياناً أن ألحظه لحظ العين
ولهذا فأنا أبصره ملتفاً فى غيم أسود
--------------
فى بلد لا يحكم فيه القانون
يمضى فيه الناس إلى السجن بمحض الصدفة
لا يوجد مستقبل
فى بلد يتمدد فى جثته الفقر
كما يتمدد ثعبان فى الرمل
لا يوجد مستقبل
فى بلد تتعرى فيه المرأة كى تأكل
لا يوجد مستقبل


* إذاً فهو الظلم والاستبداد، فى رأيك ما الذى يدفع الحاكم للاستبداد بشعبه، وماذا يقول لسان حاله ؟
- ما دمت أنا صاحب هذه الدولة
فأنا الدولة
أنا ما فيها ، وأنا من فيها
أنا بيت العدل، وبيت المال، وبيت الحكمة
بل إنى المعبد والمستشفى والجبانة والحبس
بل أنى أنتم
ما أنتم إلا أعراض زائلة
تبدو فى صور منبهمه
وأنا جوهرها الأقدس


* ما الفرق بين حاكم وآخر فى نظرك ؟
- أنا لا أعرف صاحب تاج إلا الله
والناس سواسية عندى
من بينهم يختارون رؤوساً ليسوسوا الأمر
فالوالى العادل
قبس من نور الله ينور بعضاً من أرضه
أما الوالى الظالم
فستار يحجب نور الله عن الناس
كى يفرخ تحت عباءته الشر


* ماذا تعنى بالشر ؟
- فقر الفقراء
جوع الجوعى، فى أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناها
والمسجونون المصفودون يسوقهمو شرطى مذهوب اللب
قد أشرع فى يده سوطاً لا يعرف من فى راحته قد رفعه
ورجال ونساء قد فقدوا الحرية
تخذتهم أرباباً من دون الله عبيداً سخريا


* هل تقصد بالفقر ضيق ذات اليد وقلة الدخل ؟
- ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل
والعرى إلى الكسوة
الفقر هو القهر
الفقر هو استخدام القهر لإذلال الروح
الفقر هو استخدام القهر لقتل الحب وزرع البغضاء


* ما العمل إذاً ؟ وماذا يمكننا أن نفعل ؟
- لا أملك إلا أن أتحدث
ولتنقل كلماتى الريح السواحة
ولأثبتها فى الأوراق
شهادة إنسان من أهل الرؤية
فلعل فؤاد ظمآنا من أفئدة وجوه الأمة
يستعذب هذى الكلمات
فيخوض بها فى الطرقات
يرعاها إن ولى الأمر
ويوفق بين القدرة والفكرة
ويزاوج بين الحكمة والفعل


* وهل تفلح الكلمات فى إصلاح أحوالنا ؟
- ستأتى آذان تتأمل إذ تسمع
تتحدر منها كلماتى فى القلب
وقلوب تصنع من ألفاظى قدره
وتشد بها عصب الأذرع
ومواكب تمشى نحو النور
ولا ترجع
إلا أن تسقى بلعاب الشمس
روح الإنسان المقهور الموجع


* ولكن صحف هذه الأيام تمتلئ بالكلام بعد الكلام، ولا فائدة ؟
- لنصمت
عَلَّ فى الصمت التأسِّ والسلام
فالصمت أجمل ما يكون إذا غدت سبل الكلام
تفضى إلى نار المواجد
أو إلى ماء السراب


* حيرتنى يا شاعرنا، هل نتكلم أم نصمت ؟ ماذا تريد من الناس بالضبط ؟
- يا أهل مدينتنا
يا أهل مدينتنا
هذا قولى:
انفجروا أو موتوا


* فى ذكرى مرور 60 عاماً على اغتصاب فلسطين، ماذا تقول لأطفالها ؟
- يا أيها الصغار
عيونكم تحرقنى بنار
تسألنى أعماقها عن مطلع النهار
عن عودة إلى الديار
أقول يا صغار
لننتظر غدا
لو ضاع منا الغد، يا صغار
ضاع عمرنا سدى


* فلنترك السياسة جانباً ولنتحدث عن الإنسان ؟
- ألا ما أشرف الإنسان
حين يشم فى الإنسان روح الود والألفة
ألا ما أشرف الإنسان
حين يرى بعينى إلفه الإنسان
ما يخفى من اللهفة إلى الإنسان
ألا ما أتعس الإنسان
حين يموت فى أعماقه الإنسان


* ولكن البعض يشبه دنيانا بالسوق، يأكل الكبير فيها الصغير، كيف ترى هذه السوق ؟
- ونزلنا السوق
كان الإنسان الأفعى يجهد أن يلتف على الإنسان الكركى
فمشى من بينهما الإنسان الثعلب
عجباً
زور الإنسان الكركى فى فك الإنسان الثعلب
نزل السوق الإنسان الكلب
كى يفقأ عين الإنسان الثعلب
ويدوس دماغ الإنسان الأفعى
واهتز السوق بخطوات الإنسان الفهد
قد جاء ليبقر بطن الإنسان الكلب
ويمص نخاع الإنسان الثعلب !!


* يا لهول المشهد !!، هل معنى ذلك أن الإنسان الحقيقى لا وجود له فى دنيانا ؟
- يا شيخى الطيب !!
الإنسان الإنسان
عبر من أعوام
ومضى لم يعرفه بشر
حفر الحصباء ونام
وتغطى بالآلام


* نعود إليك شاعرنا، هل هناك أمنية تمنيتها ولم تتحقق ؟
- يا من يدل خطوتى على طريق الدمعة البريئة
يا من يدل خطوتى على طريق الضحكة البريئة
لك السلام .. لك السلام
أعطيك ما أعطتنى الدنيا من التجريب والمهارة
لقاء يوم واحد من البكارة


* إذاً هل أنت راض عن مشوارك ؟
- عين الله علىَّ
وهداياه موصوله
وطرائق نعمته مبذوله
فهنيئاً لى .. هنيئاً لى


* كلمة أخيرة نختم بها حوارنا توجهها إلى قراءك ومحبيك ؟
- سأرجع فى ظلام الليل حين يفض سامركم
وحين يغور نجم الشرق فى بيت السما الأزرق
إلى بيتى
لأرقد فى سماواتى
وحيداً فى سماواتى
وأحلم بالرجوع إليكم
طلقاً وممتلئاً بأنغامى وأبياتى
أجافيكم لأعرفكم
وهل من مات لم يترك له رسماً على الجدران !!

صورة المرأة لدى الحداثيين




التكرار عند صلاح عبد الصبور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمر محمد ابو عنترة

النص الأدبي في انعتاقه من إسار العقل, يشكل نمطا فريدا من الأداء اللغوي تتظافر فيه الألفاظ والمعاني والموسيقى والأخيلة وسائر العناصر الفاعلة ليحقق وظيفته الشعرية .

واللغة إلهام فرد , مرهف الحسّ ,مشرق العقل , دقيق التركيب ,قوي الروح ,مهيّأ للتأثير في غيره وهي نبوغ , فانظر إلى أهمية اللغة في قدرتها الكشف عمّا يجول في خواطر الناس بله الشعراء.

أما اللغة الشعرية فتنبع من اللغة لتصف اللغة ؛ فهي لغة عن اللغة , تحتوي اللغة وما وراء اللغة , فما تحدثه من الإشارات من موحيات لا تظهر في كلمات , ولكنها تختبئ في مساربها .

فاللغة الشعرية ليست لغة عادية يتحدث بها العامة , ولكنها انحراف أو انزياح عن المستوى التقليدي للغة وذلك باستخدام أساليب بلاغية متنوعة تُحْدِث عند القارئ الدهشة والمفاجأة لتكسر بالتالي أفق توقعاته و انتظاره , مما يدفع القارئ إلى مشاركة الأديب أدبه , والبحث عن إجابات أسئلة مغلقة أو مفتوحة تركها الأديب لقارئه .

ونظرا لارتباط مفهوم الانحراف أو الانزياح بالبلاغة و مفاهيمها لإنتاج خصوصية النص الشعري , فقد رأيت أن أدرس الجوانب البنائية في شعر صلاح عبدالصبور وتحديدا “التكرار ” الذي جاء كظاهرة أسلوبية اختارها عبد الصبور و ركّز عليها, وما تكراره لكلمة ما, أو عبارة ما , أو لازمة محددة إلا إلحاح يلزم القارئ بتلمس رؤية الشاعر للأشياء ,وبروز همٍّ داخلي اختمر في خيال المبدع وانتظم شعرا, “ويحمل التكرار إلحاحا من المبدع على جملة دون غيرها وكأنه مهتم بها , فتبرز هنا البواعث النفسية للتكرار , و يرى دارسٌ أن التكرار هو : أداة لتصوير حالة نفسية دقيقة , أو مجرى اللاشعور من إنسان مأزوم …”

إن إعادة المتن أو بعضه يؤدي إلى ضمور في حركة الزمان في اللقطات الشعرية اللاحقة ,وليس ذلك عيبا في النص بل له غايات جمالية ,أهمها – كما ذُكِر سابقا- تخييب توقعات القارئ و كسر أفق انتظاره , و دفعه للبحث عن سر اللجوء إلى هذه الظاهرة الأسلوبية و الغوص وراءها لاستكناه غوامضها و أبعادها النفسية و الفكرية .

وقد جاءت نازك الملائكة على ذكر التكرار , و عرضت لأنواع منه , وجعلت له أقساما بحسب الوظيفة المستخدمة في السياق الشعري :

التكرار البياني.

تكرار التقسيم .

التكرار اللاشعوري .

وعرفت الأخير بقولها : “هو الذي يجيء في سياق شعري كثيف يبلغ أحيانا درجة المأساة ومن ثَمَّ فإن العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة لدرجة غير عادية … و يغلب أن تكون العبارة مقتطفة من كلام سمعه الشاعر فوجد فيه تعليقا مريرا على حالة حاضرة تؤلمه أو إشارة إلى حادث مثير يصحّي حزنا قديما أو ندما نائما أو سخرية موجعة “.

ثم تتحدث نازك الملائكة عن قانونين يجب مراعاتهما معا عند توظيف التكرار في النص الشعري وتختم دراستها هذه بقولها : ” و التكرار إنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه في القصيدة , وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات “

وقد عد “جورج موليني ” التكرار من أقوى المحسنات البلاغية لأنها تنفذ في بينة الخطاب سواء على مستوى الكلمة أو الجملة .والتكرار مفهوم مركب فهو يندرج ضمن الوسائل البلاغية كالتوازي والمفارقة, ويندرج أيضا ضمن الركائز البلاغية الشائعة كالتشبيه أو الاستعارة , ويرى الباحث أن ” مفهوم مركب” ينطبق على التكرار من ناحية الأسلوب ومن ناحية الأثر النفسي , و كأن الشاعر يخشى أن تستباح ذاكرته فيسقط منها أو يضيع ما هو مهم فيكرره خوفا عليه وخشية .

وقد أشار ((hoey : إلى إن عناقيد الكلمات المتكررة بين الجمل , تسهم في الربط بين المحتوى القضوي للجمل في أجزاء مختلفة من النص , كما يسهم في تحديد القضية الأساسية في النص , وذلك بالتأكيد على محتوى معين أو تكرار الكلمات المفاتيح …كما يعد التكرار أحد العوامل التي ترتبط بالقدرة على الفهم ؛ فالفهم يكون أسرع في حالة استخدام التكرار بنفس الألفاظ مقارنة باستخدام الترادف .

التكرار : لغة : إعادة الشيء مرة بعد أخرى , والكرّ : الرجوع للشيء ومنه التكرار.

اصطلاحا : إعادة أو تكرار لفظة أو معنى بذاته غير مرة .

التشكيل التكراري عند صلاح عبدالصبور في ديوان (( أقول لكم ))

أولا : تكرار الأفكار و المعاني :

الحزن والموت.

الحب .

أهمية الكلمة و اللفظ .

ثانيا : تكرار الألفاظ والأدوات :

كلمة “لفظ” وكلمة “كلمة” ومشتقاتها .

كلمة ” الحب” ومشتقاتها.

كلمة “الحزن” وكلمة الموت” وما إليهما.

كلمة “لو” .

كلمات “النفي”.

الأفكار والمعاني :

أ – الموت :

تستحوذ فكرة الموت على عقل وقلب شاعرنا وكأنه بين عينيه واقف يتربص ,فلا مناص منه ولافرار ,لأنه يطوقه ويحيطه كخطيئة المؤمن . أينما تلفت وجدها حاضرة ,ونجد ذلك أولا في عنوانات بعض قصائد الديوان .خذ مثلا “موت فلاح” , “الحرية والموت” , ” موت الأنسان ” . وكأن الموت مُطِلٌّ برأسه دوما آخذٌ على الشاعر حياته و وقته وفكره ؛ ففي قصيدة ” الظل والصليب “ يكرر الشاعر الموت وألفاظه سبع مرات ,و عبارة “أحيا بلا …” أربع مرات .

” أنا رجعت من بحار الموت بدون موت…

حين أتاني الموت , لم يجد لدي ما يميته , وعدت دون موت

أنا الذي أحيا بلا أبعاد

أنا الذي أحيا بلا آماد

أنا الذي أحيا بلا أمجاد

أنا الذي أحيا بلا ظل …بلا صليب “

ويختم رائعة شعره هذه “الظل والصليب “

بقوله ” هذا زمن الحق الضائع

لا يعرف فيه مقتول من قاتله , ومتى قتله

و رؤوس الناس على جثث الحيوانات

ورؤوس الحيوانات على جثث الناس

فتحسس رأسك

فتحسس رأسك “

إشارات و إيماءات من شاعرنا المفكر للإنسان بأن الموت بأشكاله كافة , يتربص بنا حتى أننا لا نعرف لم قتلنا , وكيف قتلنا , ومن قتلنا ؛ لأننا نعيش زمن الحق الضائع .

” وما غنيت بالموت لأصنع من جماجمهم

عمامة وعظ

فلو عاش الذي مات

فأين يعيش من وُلِدا ؟

أقول لكم بأن الموت مقدور, وذلك حق

ولكن ليس هذا الموت حتف الأنف “

ب- الحزن :

لن أطيل كثيرا في الحديث عن الحزن ؛ لأنه شريك الموت والحب الملازم لهما , إن لم يُرَ باسمه ظهر لنا برسمه وعباءته المفرودة على حياتنا

” هذا زمن السأم

نفخ الأراجيل سأم



لا عمق للألم

لأنه كالزيت فوق صفحة السأم “

ويقول :

“هناك شيء في نفوسنا حزين

قد يختفي , ولا يبين

لكنه مكنون

شيء غريب ,…, غامض ,…,حنون

لو كان للإنسان أن يعيش لحظة العذاب

… مرتين

بكل عمقها الكئيب الساذج المقرور

أن يلد الآهة …مرتين

خالصة بلا سرور “

حتى عنوان قصيدته هذه هو “الشيء الحزين” وهي أول قصيدة تطالعنا في ديوان “أقول لكم”, وأخشى الإطالة حتى لا تَسُود مسحة الحزن علينا .

ج- الحب :

يتلوّن الحب عند شاعرنا المفكر في أشكال وصور متعددة و يتكرر بألفاظ وحالات و انفعالات شتى.

” قالت …

في ذات مساء سوف يُهلّ عليّ دنياي ..

أنا دنياه

سيَمُدّ يديه , ويناديني وسأعرفه

و سأخطِر في يمناه “

فهذه حالة من الحب نحبها ونرغب فيها , ونتمنى أن تقع لنا لنعيش حلما ورديا في ربيع أخضر حشوه الأزاهير . وفجأة يموت الحب عند شاعرنا المفكر فيعنّون قصيدة له ب” هل كان حبا “

“هل كان بيننا

حبا …وعشناه

أم كان حلما …عندما

أدركَنا الصبحُ نسيناه.

.

يا أيها الحب الذي ماتا “

فاللحب عند شاعرنا المفكر سلطان رغم موته , حتى في الأسماء التي يختارها لقصائده ففي قصيدة ” الحب ” يكرر كلمة “الحب ” ومشتقاته أكثر من خمس عشرة مرة , وكأني بالشاعر المفكر يوازن بين الموت والحزن من جهة والحب من جهة أخرى, ويعيش بين أركان هذه الثنائية المخيفة, وأحيانا أشعر بحبه للموت والخروج من دوامة الحياة المريرة .

” وقلت لها بأن الحب ما يصنع بالإنسان إنسانا

وأن الحب …

عندما يصبح إنسان حقيقهْ

عندما يبحث عن ظل العيون السود عن عين صديقهْ

ويراها…

عندما يحلم بالبيت , بالدفء على مخدع نظرهْ

ويواري خوفه في متكاها

عندما يحلم بالأطفال والنزهة في إصباح جمعهْ”

فالشاعر المفكر يبحث عن أحلام وأمنيّات يحب لها أن تكون للإنسان حتى يتوافر على حياة كريمة , هكذا الحب ولكن …

د – أهمية الكلمة واللفظ :

يقول د. جابر عصفور عن كلمة صلاح عبد الصبور : ” إن الكلمة كانت _ دائما_ هي سلاح الاحتجاج من شاعر لم يملك سواها , وسوى إيمانه بأن الكلمة قد تؤدي – وجوديا- إلى أن تواجه البعث بكل ما يمنح الوجود معناه بالفعل الخلّاق فيه ” .

والكلمة لها سيطرة على شاعرنا المفكر , واللفظ له قيمة واعتداد فعبد الصبور يخصص قصيدة كاملة عنوانها “الألفاظ” , وأخرى عنوانها ” الكلمات” , وثالثة عنوانها ” كلمات لاتعرف السعادة” , ولكل هذا دلالته النفسية عميقة الأثر عند الشاعر المفكر كما الموت والحزن والحب .

فاللفظ عنده قاتل وحالم وطيّب وبارد وأجوف , والاقتصاد في الألفاظ ضرورة مُلِحّة , وكأنه يشعرنا بأن حزننا وموتنا هو بسبب ألفاظنا وكلماتنا ؛ لأنها سمّ يشقّ اللحم فهي قاتلة ولكن برفق , فالشاعر يخاف الألفاظ إلا الطيّب منها وكأن هذه الألفاظ أشخاص فيهم الطيّب وفيهم غير ذلك , ثم هو يعاقب اللغة على ألفاظها الجوفاء :

” ياسيدتي , يا بنت الصحراء الجرداء

فلتقتصدي , فلتقتصدي في الألفاظ

الألفاظ الجوفاء “.

ثانيا : تكرار ألفاظ وأدوات معينة :

كلمة ” كلمة” و كلمة ” لفظة” ومشتقاتهما وما إليهما .

تكررت هذه الكلمات مفردة ومجموعة ثمان وخمسين مرة , وهذا دليل على سيطرة الكلمة على شاعرنا المفكر وليس أدلّ على ذلك من قوله :

” وللألفاظ سلطان على الإنسان

ألم يرووا لكم في السِّفر أن البدء يومًا كان …

- جلّ جلالها- الكلمهْ ” .

كلمة “الموت” وكلمة ” الحزن” وما إليهما .

تكررت هاتين المفردتين وما اتّصل بها بسبب من معاني الضجر والسأم إحدى وسبعين مرة , وهذا رقم مهول ينبئ عن مدى سيطرة فكرة الموت على الشاعر المفكر وتخييم الحزن عليه .

كلمة “الحب” ومشتقاتها .

تكررت هذه الكلمة ومشتقاتها خمسين مرة , والسؤال المطروح : ما دلالة هذه الكثرة في استخدام الحب في خضم هائل رهيب من الموت والحزن ؟

الجواب يكمن في الأمل الذي يحدو الشاعر المفكر , هذا الأمل يخبو لدرجة الموت , ويشتعل من جديد محاولا إضاءة الطريق لغيره , ولكن !! .

كلمة ” لو“.

تكررت تسعا وعشرين مرة , وهذا الحرف يحمل في مكنوناته الرفض والإباء والامتناع , وكأن الشاعر محروم من حبه ممنوع عليه في ظل هيمنة الحزن والموت على الحالة الراهنة.

كلمات النفي” ما , لا ,لم ,ليس“.

تكررت هذه الكلمات أكثر من مئة مرة في دلالة صارخة على حالة الرفض المطلق عند الشاعر , رفضه للأشياء , للحزن , للموت , وللحب أيضا , وكأن الموت والحزن ثم النفي يلتقيان حول الشاعر فكلاهما تغييب للشاعر ونفي وإقصاء .

خاتمة :

لقد كانت هذه التكرارات محطات توقف وتأمل كسرت رتابة الأداء , وكسرت سلسلة أفكار المتلقي ودفعته للتساؤل عن سر هذه التكرارات , وقد أضافت إيقاعا موسيقيا لذيذا .

كما لمست أن الشاعر مفكر كثير التأمل حسّاس لقضايا الإنسان و همومه , حتى جعلت من حبه مغلفا بالحزن والموت لبعده عن الأنانية , وأمر آخر المتعة المحصّلة من السياحة الفكرية في هذا الديوان , متعة لا تعادل ولا تقيّم لأن الشاعر يجبرك على التفكير والتساؤل , وهنا الفائدة المركبة .

هذه محاولة على استحياء تأتي , راجيا أن تنال القبول , وتتعرض لنقد بنّاء نافع دافع للتطوير والتحسّن .



صلاح عبد الصبور: لست شاعراً حزيناً ولكني متألم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بدرخان السندي

يقول صلاح عبد الصبور. لست شاعرا حزينا ولكني شاعر متألم. وبالرغم من هذا التمييز الاصطلاحي بين المفردتين، الحزن الالم- وطبيعي الالم هنا الم نفسي نقول بالرغم من هذا التمييز نجد مصطلح الحزن هو الغالب في شعره. ولا نعتقد ان عبد الصبور لم يكن صادقا في مقولته لكن الذي نراه ان الشاعر دأب علي توظيف مفردة الحزن علي انها الالم. فما هو الالم عند الشاعر صلاح عبد الصبور؟

ان من يقرأ صلاح عبد الصبور قراءة متأنية لابد ان يتوصل الي مفهوم الالم عند الشاعر واختلافه عن الحزن، فالالم كما يتجلي لنا- اشمل من الحزن.

وعندما تفترش الاحزان الطريق.. كل الطريق تبدو لنا قيمة الالم... اذن فالحزن حالة مؤقتة كما يبدو ويمكن ان ترتبط بهمّ فردي او اشكال شخصي. لكن الالم حزن انساني ملازم للحياة. حزن يرتبط بحالة تتجاوز الهموم الخاصة الى هموم هذا الكوكب برمته.. الى (الفقر) كما يصفه عبد الصبور (عذاب الانسان الاكبر) ويحاول ان يعزوه الى خلاف مادأب الناس على تفسيره. فهو ليس سوء توزيع في الثورة، لكنه سوء توزيع الانسانية. و(الالم- الفقر) في شعر صلاح يتجاوز الفقر المحلي والصراعات الطبقية في المجتمع الواحد الى صراع بين (دولة غنية ودولة فقيرة).
وصلاح عبد الصبور لا يرىد ان يجعل من احزانه (تقليعة) عالمية لذا نجده يقف بحزم امام بعض النقاد ممن حاولوا ان يجعلوا من احزان عبد الصبور اقتباسا عن الحزن الاوربي وبخاصة احزان (الىوت).. ان احزان عبد الصبور الممتدة الى اقاصي الدنيا لم تكن لتمتد لولا ذلك الجذر المحلي من الحزن الاصيل فاحزانه تمتد من مدينته...حزن تمدد في المدينة/ كاللص في جوف السكينة/ كالافعوان بلا فحيح
يعتمد عبد الصبور اشكالا من الاستعارة البليغة في رغبته لوضع تعريف محدد مفهوم لسرمدية احزانه وابديتها ومن ثمَّ اصالة وجودها فانه يلجأ الى وصف مادي محض لنوع الحزن الذي ينتابه... فالمادة (فيزيائيا) لا تفني ولا تستحدث وعبد الصبور يعلن ذلك في قصيدته ((عود الى ما جري ذلك المساء)).
حزني لا يفني ولا يستحدث
تري.. هل هذا اعلان من عبد الصبور ان مآسي الانسان ابدية.. وهل يشكك عبد الصبور في قدرة المتلقي على احتواء موضوع الحزن الذي يعتمل في ذاته ويرهقه هذا ما يمكن ان نستشفه من قصيدته ((عود الى ماجري..)) فحتى اذا وقف الاخرون على حزنه عاد ذلك الحزن حزنا اخر غير الذي يشكو منه الشاعر كما سنري فيما بعد.
وقد ذكرنا ان عبد الصبور رغم اعلانه عن كونه شاعرا متألما فانه يهتف في اكثر من موضوع من اعماله الشعرية بحزنه. ففي قصيدة (الحزن) تقرأ في مطلع القصيدة:
يا صاحبي اني حزين/ طلع الصباح وما ابتسمت/ولم ينر وجهي الصباح
الاكتئاب المزمن
وللشاعر عدد من القصائد التي حملت الحزن عنواناً لها وربما كان عبد الصبور مصابا بحالة اكتئاب مزمن، فهو يستيقظ صباحا على حزنه وكآبة الصباح معروفة لدي كثرة من المصابين بالكآبة لكنه في الوقت ذاته يستقبل المساءات كئيبا. في غرفتي دلف المساء/ والحزن يولد في المساء
ويحاول الشاعر ان يرسم صورة شعرية لهذا الزائر المسائي (الحزن).. فله ابعاد.. وله سمات فهو طويل كالطريق. وأي طريق.. ذلك الذي يربط بين جحيم وجحيم.. ثم ان الحزن انسان ضرير وابكم.. وكيف لنا أن نتعامل مع كائن ضرير ابكم يجالسنا طويلا. واتي المساء/ في غرفتي دلف المساء/ والحزن يولد في المساء لانه حزن ضرير/ حزن طويل كالطريق من الجحيم الى الجحيم.
حزن صموت
ومن الصور الشعرية التي يحاول الشاعر ان يرسم من خلالها الحزن، ان الحزن افعوان صامت بلافحيح.. ولص في جوف السكينة.. وفي عدد من المواضيع يكرر الشاعر صورة التنين والافعوان تعبيرا عن الحزن.. مما يوحي ان الحزن احيانا يتخذ لدي الشاعر صورة الرهبة او ان انفعال الخوف يمتزج بانفعال الحزن.
ثم بلوت الحزن حين يلتوي كافعوان/ فيعصر الفؤاد ثم يخنقه/ وبعد لحظة من الاسار يعتقه
وفي موضوع اخر فان للحزن صورة التنين بالف ذراع
ومشي الحزن الى الاكواخ/تنين له الف ذراع/ كل دهليز ذراع
يمكن ان نقف على نوعين من الاحزان لدي عبد الصبور احزان يشوبها الغموض لا يقدر الشاعر على (توصيفها) الا من خلال غرابتها وفداحتها ونري ان هذا النوع من الحزن- من الوجهة السايكولوجية (النفسية- العلمية) هي الكآبة لانها احزان مجهولة الهوية وله احزان واضحة لا يشوبها الغموض ترتبط بعوامل البعاد والىأس من تحقق الامنيات.. ان احزانه الغامضة تتضح في عدد من قصائده.. وربما كانت المقطوعة الثالثة من (اغنية الى الله) اقرب الى ما ذهبنا الىه.
حزني ثقيل فادح هذا المساء/ كأنه عذاب مصفدين في السعير/ حزني غريب الابوين/ لانه تكون ابن لحظة مفاجئة/ ما مخضته بطن
بينما في المقطوعة الرابعة من ذات القصيدة نجده قد التفت الى نوع ثان من الحزن ينتابه. حزن واضح الهوية.
لقد بلوت الحزن حين يزحم الهواء كالدخان/ فيوقظ الحنين/ هل نري صحابنا المسافرين/ احبابنا المهاجرين/ وهل يعود يومنا الذي قضي من رحلة الزمان/ الذات والناس
وفي قصيدة (الظل والصليب) يقول عبد الصبور: (كان همي ان اتحدث عن نماذج من البشر لا يستطيعون ان يحققوا ذواتهم ويخشون التجربة فيموتون قبل ان يعرفوا الموت، كنت اتحدث عن موت الاحياء في جبنهم وسأمهم ولا مبالاتهم.
لقد كان عبد الصبور هنا رائعا في تجسيد احدي غايات الشعر لديه- ان لم اقل كل غايته من الشعر- فهمه ان يتحدث عن مسألة جد مهمة، لابل هي هاجس عام يكتسب خصوصية مميزة لدي المبدعين.. مسألة تحقيق الذات. وكأني بعبد الصبور يرىد ان يقول ان هذا النموذج مخذول مع سبق الاصرار. لانه يعزو الفشل في تحقيق الذات الى الخشية من التجربة. اي فقدان عنصر المبادرة فهم اموات قبل ان يعرفوا الموت. وهم اموات في ثلاثة مواضع في (جبنهم وسأمهم ولا مبالاتهم).
ان عبد الصبور يضعنا امام مصطلحات نفسية ثلاثة ليس من السهل عقد صلح او توفيق بينها، وهو في معرض الحديث عن (المجتمع التافه).

الاسس التحتىة
ان عبد الصبور يقف موقفا اخلاقيا من هذه المصطلحات وليس موقفا (سايكولوجيا) وبذلك اري ان الشاعر تعامل مع المجتمع فوقيا ولم يحاول ان يغوص الى الاسس التحتىة لهذه المصطلحات التي جاءت لتكون بمثابة محصلة التفاهة الاجتماعية التي اراد الشاعر البحث عن العلة فيها لكنه لم يتوصل وان حاول ان يبدو واعظاً متفلسفاً في عرضه للفضائل الثلاث: (الصدق، الحرية، العدالة) لكنه لم يفلح في تشريح علة الرذائل الثلاث (الجبن، السأم، اللامبالاة) بعد ان اعلن عن رغبته في الاشارة الى علة التفاهة.
كم كان بودي لو ان عبد الصبور الذي احزنته تفاهة المجتمع ميز بين جبان لا يعرف انه جبان يشعر بجبنه وشخص اصيب بالسأم ولا يدري لماذا واخر يعرف علة سأمه ولا مبال (عابث) لا يشعر بعبثه واخر يعبث فوق جراحه... هذا مالم نجده في محاولة شاعرنا وهو يبحث عن (علة) التفاهة الاجتماعية التي تراءت له فكانت مبعث احزانه في قصيدة (الظل والصليب) لكنه يفلح في معالجته عبثية ابي نواس ويقترب من المنهج السايكولوجي في معالجته هذه فعبد الصبور- كما يذكر- لا يعرف شاعرا عربيا فرحا بالحياة كأبي نواس لكن هذا الفرح لا يفرح شاعرنا الحزين عبد الصبور... انه يرى في ابي نواس شاعرا دفع به الى مأزق (لقد قرأ وتفلسف ولكنه وجد ان كل قراءته وفلسفته لا تساوي شيئا في مقياس العصر. وان جلفا من اهل النسب او الثروة ليستطيع ان يدرك في عصره مالم يدركه استاذه واصل بن عطاء، فتبدل واستهتر كما انه لم يستطع ان ينجو من شكه الميتافيزيقي الذي لا يستطيع التعبير عنه فاثر الانتحار الاخلاقي) انه- عبد الصبور- يضعنا امام حالة تسمي في علم النفس بـ(التعويض) واذا كان التعويض قد فهم بشكله الشائع (الظهور بصفة ما قصد تغطية صفة اخري. والصفة الظاهرة في العادة صفة مقبولة طيبة والمستترة غير مقبولة اجتماعيا او ذاتيا) فان الوجه الثاني للتعويض- وهو اقل شيوعا- هو عكس التعويض في حالاته العامة فهناك من يصاب بحالات مرح مستمر بسبب فقدان عزيز او فقدان مركز او مال انه الرقص على طريقة الطائر المذبوح.
اذن فالفرح له جذره من الاحزان في مفهوم الشاعر عبد الصبور حتى عند شعراء البهجة.
وتجتمع في موضوعة الحزن لدي الشاعر اكثر من سمة فالحزن مركب من عدد من السمات. والا فهو ليس حزنه ان لم يجمع بين الغموض الذي لا يقدر الاخرون على فك الغازه. وان استطاعوا ذلك فهو ليس حزنه.. لان حزن عبد الصبور (عصي) على تعرف الاخرين علىه وحزنه لهب ممزق لا يخضع للنواميس الطبيعية فالماء لا يطفئه ومن الناحية النفسية الخمر لا تطفئ فيه احزانه.. وبعد هذا وذاك فان الصلاة ليس بمقدورها ان تطرده وهو يرىد بهذا ان حزنه ليس لعنة او روحا شريرة سكنت فيه قد يمكن طردها وفق ما عهدناه في الشرق من اسالىب طقوسية او روحية في التطهر او طرد الارواح الشريرة.
لعلكم لا تعرفون الحزن يا سادتي/ وان عرفتموه فهو ليس حزني/ حزني لا يطفئه الخمر ولا المياه
حزني لا تطرده الصلاة
واحزان الشاعر تصل به حد الموت.. انها قافلة موت مسوقة بالندم.. لن يقدر على قيادة هذه القافلة سواه هكذا تسترسل القصيدة.
قافلة مسوقة/ بالموت في الفرار/ والاشباح في الجرار والندم/ على وحدي ان اقودها اذا دعي النفير
ولا يطل الشاعر في هذا المسير الليلي بقافلة احزانه الا الى (النسيان والعدم) الى قمة الىأس حتى اذا ما انقضي الليل وانبلج الصبح، استيقظ فيه الحزن من جديد.
ان هذا المركب في تعريف الحزن الذي لا يعرف الا ان يكون محصلة عذابات كامنة في لا شعور الشاعر تهيج فيه مشاعر حزن غامض هو - على ما نعتقد- سمة خاصة بعبد الصبور اكثر من التصاقها بسواه والا بعيدا عن كمية الاحزان التي وردت في شعره ليس هناك من شاعر الا ووجدنا الحزن قد اعشوشب هنا وهناك في نتاجه الشعري.
يعترف عبد الصبور بغرابة وغموض احزانه ولكنه في الوقت ذاته يعقد علاقة بشكل ما مع هذا الحزن تري هل ادمن صلاح عبد الصبور احزانه فيصف حزنه بـ (الجنون) مثلما يدمن البعض جراحاتهم او قيودهم في الحياة ويصنع بشكل اخر وطنا لهذا الحزن يقترب من مفهوم اللاوعي.
والحرية هي احدي ركائز الحزن عند عبد الصبور وقد عالج الشاعر موضوعها في (هجم التتار، شنق زهران، مرتفع ابدا، سأقتلك، الحرية والموت، ثلاث صور من غزة، قصائد لوركا، احلام الفارس القديم) وفي مسرحيته (مأساة الحلاج) وهو يشير في كتابه (حياتي مع الشعر) ان هذه القيمة- الحرية- هي واحدة من القيم التي تسكن قلبه وهي جرحه وسكينه في ذات الوقت.

المصطلح الادق
ولو اردنا ان نتتبع احزان عبد الصبور عبر عشقه للحرية لوجدناه ذلك المنتظر الحزين الى (الممكن) حتى ان حزنه يكتسب طابع القلق، يحاول الشاعر ان (يستبطن) ذاته في انتقاء المفردات الاقرب الى حزنه الغامض. يحاول كثيرا ان يبحث عن المصطلح الادق تعبيرا عن حزنه المبهم.. المكبل بالاصفاد.
رووا يا صحبتي الاحرار/ فيما حدثوا من قال/ بان الطفل يولد من نسيم الريح/ وحين يدب فوق الارض/ تثقل ساقة الاغلال ان هذا يعزز مسألة لا انتماء الشعراء الى احزانهم بدليل رفضهم لها، وهنا يبدو عبد الصبور وقد تجاوز حالة الرفض الى الانتماء الى الحرية وكأنها اصبحت حالة قائمة فعلا (وجوديا) حتى بات القيد هو الحرية.
ان هذه القدرية في ان يكون المرء مثقلا باغلاله, اثقلت صدر الشاعر بحزن تمخض عنه تخريج وجودي رائع فهو الذي يتوصل الى ان القيد حرية!!
ولكني اقول لكم بان القيد حرية/ وان الحر يمشي ثقيلا فوق ظهر الارض
واحزان الحرية- على ما يبدو لنا- في اعمال عبد الصبور هي بدورها لها مذاق خاص، فالحرية ليست نهاية المطاف، وليست الامل الذي يتحجر فيه الزمان وتنتهي فيه الاحزان.. ابدا ان قلق الشاعر عبد الصبور المرتبط بالحرية، هذا القلق الذي يطلق علىه الشاعر دون ان يدري- وقد يدري احيانا- يطلق علىه (الحزن)، نوع من القلق الذي شخص لدي الكثير من المبدعين، فما الحرية الا مرآة ؟ بـ(الممكن) وما القلق الذي ينتاب الشاعر الا حرية الجنين (الممكن) في الحفاظ على الحرية الحبلي بجنينها ويرى (اونامونو) ان المفهوم المأساوي للحياة هو سمة الوجود البيّن وهي بالتأكيد سابقة للرغبة في اصلاح هذه الرغبة التي يمكن ان نسميها (الامل)، فاين يقف عبد الصبور من هذا المنظور الوجودي لـ(اونامونو)؟
نعتقد ان صلاح عبد الصبور كان يقف في نقطة اقرب الى الشروع منها الى الانتهاء، فمجمل اعمال صلاح اقرب الى المفهوم المأساوي (الحزن)، وهو لم يصافح الامل في اعماله الا قليلا، لكن هذا لا يعني بالطبع فقدان الامل (الىأس)، لان الشعور بالمأساة خميرة الامل على ما يبدو في اكثر من حقل من الحقول المعنية بالنشاط الذهني، فالكآبة على الاكثر تلتصق بالواقعية في المجال السايكولوجي، لا بل هي شكل من اشكال رفض الواقع الموجود، اذن الكآبة رفض وجودي وهي لن تبلغ (الىأس) في أشكالِها المتطور وعندما تخرج من اطوارها المتقطعة الى طور الملازمة المستمرة وفي مجال النقد الادبي يمكن ان نستشف ظاهرة او لنقل (ملاحظة) ان النقاد دوما يجدون في الانفعالات المؤلمة لدي الشاعر تعبيرا عن مواقف واقعية لها صلة رحم بالمحيط رغم انها تمثل الشاعر لانه لا ينتمي الىها والدليل على ذلك رفضه لها.
فالشاعر المتألم شاعر رافض لآلامه حتى في حالة ادمانه الالم وحتى في حالة عقد علاقة حب وصداقة مع المعاناة. ان الامة ما هي الا غرفة الاحتراق الداخلي الذي من دونه- الاحتراق- لن يسير قطار التغيير نحو الاتي والاتي - دون شك- وهو غير الكائن، اذن هو ينتمي الى عالم مؤجل على عكس الشعراء من ذوي الانفعالات السارة ( الايجابية) فهم منتمون لها بدليل رغبتهم في تعميقها والابقاء علىها وبمعني اخر الابقاء على الواقع المحيط بهم.. وهنا لابد من التمييز بين مصطلحين (الامل) و(الفرح).
فشاعر الامل هو غير شاعر الفرح.
وتتضح احزان عبد الصبور في شعوره بالوحدة، الوحدة التي تنتظر المساء, فساعات العصر تذكره باقتراب المساء.. وفي المساء.. تكون الدنيا ميتة مسجاة.
تعصر قلبي الوحدة
في ساعات العصر المبطئة الخطوات
تبدو الدنيا من شباكي
ميتة مسجاة
ولا يستطيع الشاعر ان يتخلص من شعوره بالوحدة رغم استنجاده بالطرقات,, لكنه لا يلبث ان يعود الى ذات الشباك ليحدق من خلاله الى عالم يتخلص فيه من وحدته.. انه يخاطب الوجدان الانساني من خلال نافذته.. فصلاح عبد الصبور يرى ان هناك آصرة تجمع بين ثلاثة: الفيلسوف والنبي والشاعر، والاصرة هذه هي (شهوة اصلاح العالم) هذا التعبير الذي استقاه (شللي) من احد الفلاسفة الاسكتلنديين.
وهذه الشهوة في اصلاح العالم تراود صلاح عبد الصبور وبكل بساطة لان (الكون لا يعجبه).
ولكنه يميز وبدقة بين اسلوبي النبي والفيلسوف من جهة والشاعر من جهة اخري. فالشاعر يتجه الى الوجدان في مخاطبة ابناء الكون، في حين يتبني الفلاسفة والانبياء رؤي مرتبة للكون، وان افترضوا احيانا طريقة الشعراء في مخاطبة الملأ فكما يقول عبد الصبور: (في اثار كل نبي عظيم او فيلسوف كبير قبس من الشعر).
تري الى متى ستبقي نافذة صلاح عبد الصبور وسواه من الشعراء مشرعة في وجه (الاتي)؟.



شعرية الزمن في مسرحية ( الأميرة تنتظر) لصلاح عبدالصبور .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقوم الحوار بمهمة التعبير عن الزمان في المسرحية المقروءة والممثلة على السواء حيث يبث المؤلف كثيراً من الإشارات الزمانية في الحوار وغايتها تحديد الإطار الزماني للحكاية أو تحديد زمان المشهد أو التوقيت الزمني للأحداث ...إلخ .
وقد يتجاوز الحوار هذه الوظيفة الإبلاغية إلى وظيفة شعورية تلمس مشاعر الشخصيات وموقفهم من الوقت وإحساسهم بمرور الزمن وانقضائه، ويغدو الحوار هنا مكثفاً عميقاً لأنه يؤدي وظيفتين في الوقت ذاته هما التعبير عن الزمان ونقل شعور الشخصية تجاهه.
والإحساس بالزمن هنا إحساس شعوري تتحكم في قياسه العواطف و"الانفعالات التي نشعر بها تمدده وتبسطه، والتي نوحي بها تقلصه"( 1).
ومن أكثر المسرحيات الشعرية إحساساً بالزمن: مسرحية (الأميرة تنتظر) لصلاح عبد الصبور، ، ويعود تفاعل شخصياتها مع الزمن وإحساسها به إلى طبيعة الموضوع الذي يرشح حضوره في الحوار.
ومن أبرز مظاهر الإحساس بالزمن فيها، ما يلي:-
- شيوع المعجم الزمني بألفاظه ودلالاته في الحوار مما يعني ثقل وطأة الزمن على الشخصيات وتفاعلها معه.و تتجلى أولى مظاهر هذه السيطرة بدءاً من العنوان نفسه، فالانتظار كلمة ترتبط بالوقت، وقد شاع في الحوار ألفاظ الزمن الطبيعي (الفيزيائي) مثل: (الأعوام، الخريف/ الأيام/ اللحظات/ الهنيهات/ الليل/ النهار/ الفجر/ الصبح/ المساء) كما شاعت مفردات ذات صلة وثيقة بالزمن مثل: (يستعجلنا/ الموت/ العيش/ ماضيها/ الظلام/ الظلمات/ انتظاري/ ننتظره/ تعجلتُ/ الضوء/ النور/ أخيراً/ الشمس/ العمر/ سيجيء/ هل يأتي ؟).
- إسباغ المشاعر على الزمن الفيزيائي بحيث نستشف منه أحاسيس الشخصيات ومشاعرها تجاه عجلته، وهنا تتجاوز الإشارة الزمنية وظيفة التوقيت فحسب إلى وظيفة نقل الإحساس. ومن ذلك: الإحساس بالكبت والجدب واليأس من جراء إقامة الأميرة ووصيفاتها في وادي السرو، وقد وصلنا هذا الإحساس من خلال الرمز.
تقول الوصيفة الأولى:
خمسة عشر خريفاً مذ حملتنا في العربة(2 )
وتقول الوصيفة الثانية:
خمسة عشر خريفاً مذ فارقنا قصر الورد(3 )
فهنا تحدد الإشارة الزمنية الاستغراق الزمني لإقامة الأميرة ووصيفاتها في هذا الوادي المهجور، وهي مدة تقدر بخمسة عشر عاماً، ولا تحسب هذه المدة الزمنية بالأعوام بل بالخريف، وفي الكلمة رمز وإيحاء نفسي بمشاعرهن الكئيبة إذ "المعتاد أن تحسب السنين بالربيع على أساس توقع الخير أما الخريف فهو فصل الجفاف وعدم الإزهار، فالسنوات التي تحسب به معناها أنها سنوات عصيبة لم تقدم خيراً لمن مرَّت عليهم"( 4).
ومن قبيل الرمز أيضا حساب الوقت بالظلام لا بالساعة، كهذا الحوار:-
الوصيفة الأولى: ما الوقت الآن ؟
...
الوصيفة الثانية : خمسة عشر ظلاماً(5 )
وبعد فترة تسأل الوصيفة الأولى السؤال ذاته وتجيبها الوصيفة الثانية بعد أن تنظر إلى الكوة: سبعة عشر ظلاماً( 6).
وحساب الوقت بالظلام يوحي بكآبة الحياة وقتامتها. وقد التمس بعضهم معنى رمزيا في الإشارة الزمنية (سبعة عشر)من أنها دلالة سياسية تحمل في طياتها توقاً للخلاص من أوضاع ألمت بالبلاد من ثورة 1952م وحتى عام 1969م تاريخ كتابة المسرحية(7 ).
- ومن مظاهر الإحساس بالزمن قياسه بالعواطف والانفعالات والمشاعر وليس بوحدات قياس الزمن المألوفة "ونحن جميعاً نعرف أن خبراتنا الخاصة تشكل أساساً ضعيفاً لقياس الزمن بموضوعية، فهو تارة يمر بسرعة وطوراً ببطء ونحن تارة نعي في عمق كل ثانية تدق، وطوراً يبدو علينا النسيان التام أو اللاوعي بمرور الزمن"( 8).
والإحساس بالزمن هنا يتأثر بالخبرة أي أنه انعكاس أو نتاج لمشاعر إنسانية لا معايير قياسية ثابتة وموضوعية.
ومن ذلك: شعور الأميرة ببطء الوقت لطول النهار وامتداده لأنها اعتادت لقاء عاشقها ليلاً.
تقول الأميرة للوصيفة الثانية (التي تقوم بدور عاشقها)، وقد أتاها كالمعتاد سراً في جنح الظلام:
وأخيراً جئت بعد أن جن نهاري
بشقائي وانتظاري
وتعجّلتُ الهنيهات إلى الليل ..
تمنيت لو استطعت اختصار الأفق الممتد في لحظة
ضوء
تنطفي في نفخة مثل انطفاء الشمعدان
آه لو أملك للشمس عدوى الشمس، أمراً وقضاء
آه لو أملك أن أحبسها تحت سريري
حيث لا تسمع ديك الفجر إذ يعلن ميلاد الضياء(9 )
فالزمن هنا زمن نفسي تقيسه العواطف والانفعالات، ويبدو طويلاً مملاً على مشاعر الأميرة، وقد ساهم الحوار في نقل هذا الإحساس ابتداء من الاستهلال بكلمة (أخيرا) وهي تدل على استبطاء حدوث فعل المجيء، فالفعل (جئت) تحقق بعد فترة من الانتظار طويلة في شعور الأميرة. وتجسّد الاستعارة التشخيصية (جُنَّ نهاري) توتّر الأميرة وضجرها من طول النهار، وقد انعكست هذه المشاعر على النهار نفسه فاعتراه الجنون من انتظارها وترقبها رحيله.
ويتنامى هذا الإحساس باستعجال الهنيهات إلى الليل، (والهنيهة)( 10)، وحدة زمنية صغيرة وشعور الأميرة بثقل وطأتها – على الرغم من قصرها – مبالغة طريفة في تجسيد الإحساس بالملل لأن التعبير بالزمن الأدنى أقوى في نقل هذا الإحساس من استعجالها وحدة زمنية أطول كالساعات مثلاً.
وتطرح الأميرة تمنياً غريباً ولَّدته مشاعر الانتظار، وهوتمنيها تعديل الزمن الفيزيائي للنهار بمدته المعروفة إلى زمن قصير يعدل لحظة ضوء، وتصوغ هذه الأمنية في صورة بصرية تتخيل فيها النهار ضوء شمعدان أُضيء لحظة وسلب ضوؤه في نفخة، وجمال الصورة يتأتى من التناسب بين طرفيها ضياء النهار وضوء الشمعدان إذ كلاهما يدور حول النور والظلمة وتسترسل الأميرة في التمني الغريب بحبس الشمس، وفي هذه الاستعارة التشخيصية تتحول الشمس إلى سجين في قبضة الأميرة (السجان) وفي أَسْر الشمس حبسٌ للضياء وموت للنهار، مما يعنى تحول الحياة إلى ليل سرمدي، وتفصل الأميرة معالم الصورة باختيارها مخدعها ليكون سجناً للشمس، وهو مكان تحكم السيطرة عليه لخصوصيته ووثوقها به آمنة ألاّ تسمع الشمس نداء ديك الفجر.
وهكذا نلحظ مما مضى أن التعبير عن الظاهرة الزمانية يكتسي بالعواطف والمشاعر والأحاسيس .




سبعة وعشرون عاما على رحيله : في رحاب صلاح عبد الصبور شاعر الوجود الإنساني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ

د. أسرار الجراح

صلاح عبد الصبور ، هو الابن البكر لقصيدة التفعيلة المصرية ، التى هزت تدفقاتها الفتية أعمدة الشعر التقليدى وزلزلت رويّه بقوة ، إبان الحرب الكونية الثانية ، كان صلاح عبد الصبور قد صافح أذن المستمع أول ما صافحها من خلال حنجرة العندليب الساحر عبد الحليم حافظ ، في قصيدته لقاء ، التي لحنها كمال الطويل ، والتي كتبت ميلاد مطرب سيكون له شأن غير عادي في تاريخ الغناء العربي ، وملحن سيتربع على عرش الألحان الجديدة الخارجة من رحم الأصالة ، وشاعر سيقتنص من دنياه خمسين عاما فقط ، لكنها ستكون كفيلة لبناء واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية غنى وثراء وتجذرا . يقول مطلع الأغنية التي اتشحت بوشاح رومانتيكي :
( بعد عامين التقينا ههنا
والدجى يغمر وجه المغرب )

نعم لم ينتبه المتابعون كثيرا للقصيدة في أول الأمر ، كما لم ينتبهوا للصوت ولا للحن ، غير أن الأجواء السياسية التي شهدتها مصر في هذه الفترة ، كانت تتطلع لميلاد جديد ، على الصعيد السياسي والفني والاجتماعي والاقتصادي والأدبي ، وكان لابد من وجوه جديدة ، وأسماء غير معهودة ، تناسب ما يطرأ على البلاد من تغيرات ، وهكذا ، ركب فاروق الملك الباخرة ( المحروسة ) مغادرا البلاد إلى غير رجعة ، ومع دقات المدافع الملكية التي أصر الملك المخلوع أن تطلق في وداعه ، كآخر مظهر من مظاهر المجد الغارب ، انطلقت أيضا ، وفي نفس التوقيت ، إشارات ميلاد حياة جديدة ، تتخذ الاشتراكية مذهبا ، والتكافل الاجتماعي درجا ، والتحام الجماهير بالقائد الشاب أساسا للحكم ، وكان على السلطة الجديدة ، أن تبحث عن أسماء جديدة تحمل فكرها ، وتروج لمذهبها ، وتنشر الآمال بين الجماهير الغفيرة التي طال انتظارها لفجر آتٍ .

وكان على الشعر أن يبحث عن ثوب جديد يرتديه ، ثوب يتيح له حركة أكثر حرية وأبعد أفقا وأعمق غورا ، وتتيح للشاعر أن يرتدي الأقنعة ويتسلح باستعارات مغايرة ويتطلع إلى واقعية تتناص مع مفردات الواقع الجديد ، ومستحدثاته المختلفة .

في هذا التوقيت ظهر صلاح عبد الصبور ، وكان عليه أن يخوض حربا شرسة مع حراس عمود الشعر وأساطين رويه ، الذين كان على رأسهم عباس محمود العقاد ، والذي كان يحيل قصائده هو ورفاقه إلى لجنة النثر للاختصاص ، حيث كان العقاد مقررا للجنة الشعر بمجلس رعاية الفنون والآداب وكان يرى أن مثل هذا الشعر ليس موزونا ، مما دعا صلاح إلى كتابة مقالة عناونها ( والله العظيم موزون ) ، ونشبت الحرب ، وكان عليها أن تستمر طويلا بين أنصار عمود الشعر وبين أنصار تفعيليته ، إلى أن أتى حين من الدهر على الناس ، يقرؤون فيه المجلات الأدبية فلا تكاد عيونهم تقع على قصيدة عمودية ، من فرط انتشار الشكل الجديد للقصيدة .

لم تكن هذه الحرب هي الوحيدة التي خاضها صلاح عبد الصبور ، لكنها كانت الأولى ، أما آخر الحروب ، فكانت حربا صغيرةً لم تتعد الكلمات الثلاث ، قالها له أحد المثقفين في جلسة عائلية حميمة ، كانت الكلمات جد قليلة ، لكن قلب صلاح عبد الصبور لم يحتملها ، فمات ، كل ما فعله أنه طلب استنشاق بعض الهواء النقي ، وكأنه تشبع تماما من ذلك الهواء الملوث الذي عبق المكان ، ومات ، تماما كما يليق بفارس يتحمل طعنات السيوف وتقتله الكلمة .

ولد صلاح عبد الصبور في الثالث من مايو عام 1931 بمدينة الزقازيق ، وتوفي في الثالث عشر من أغسطس عام 1981 بالقاهرة ، والخمسون عاما والثلاثة شهور والأيام العشرة الواقعة بين هذين التاريخين كانت كفيلة بصنع تجربة شعرية استثنائية ، وصنعت من صاحبها شاعرا تاريخيا ، ملأ الدنيا وشغل الناس ، وأضاف لديوان الشعري العربي قصائد ستظل خالدة في عيون القراء وفي وجدان المتلقين .

صباى البعيد..أحن إليه، لألعابه
لأوقاته الحلوة السامرة
حنينى غريب..إلى صحبتى.. إلى أخوتى..
إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة
وقد يحلمون بقصر مشيد وباب حديد وحورية فى جوار السرير
ومائدة فوقها ألف صحن
دجاج وبط وخبز كثير
إلى أمى البرة الطاهرة
تخوفنى نقمة الآخرة
ونار العذاب وما قد أعدوه للكافرين وللسارقين وللاعبين
وتهتف إن عثرت رجليه
وإن طنطنت نحلة حوليه
باسم النبى

تلقى عبد الصبور تعليمه الأولي بمدينة الزقازيق ، وفي عام 1947 نزح إلى القاهرة للالتحاق بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول ، حيث تخرج قبل قيام ثورة يوليو بعام واحد ، وابتدأ حياته الوظيفة مدرسا ، لكنه لم يستطع استكمال دوره في التدريس ، فقدم استقالته ، ليلتحق بركب الصحافة ، فانضم لفريق مجلة روز اليوسف ، ثم جريدة الأهرام ، حتى تم انتدابه للعمل في وزارة الثقافة ، وظل يرتقي الدرج حتى جلس على مقعد رئيس مجل إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب .

فتح صلاح قوسه الشعري في السادسة والعشرين من عمره ، عندما أصدر عام 1957 ديوانه الأول ( الناس في بلادي ) ، حيث استعرض فيه كثيرا من قدراته الفنية ، مستخدما أسلوب التكرار والسخرية والتقويس ، مستعينا بالثوب القصصي المحكم ، بعده توالت دواوينه الشعرية ( أقول لكم ) عام 1961 ( أحلام الفارس القديم ) عام 1964. ( تأملات فى زمن جريح ) عام 1969 ( شجر الليل ) عام 1974 ( الإبحار فى الذاكرة ) عام 1979. وفي المسرح الشعري أصدر ( مأساة الحلاج ) عام 1964 ، ( مسافر ليل ) عام 1968 ، ( الأميرة تنتظر ) عام 1969 ، ( ليلى والمجنون ) عام 1971 ، ( بعد أن يموت الملك ) عام 1975 .

عن دوره في المجتمع ، ورؤيته لطبيعة الشاعر يقول صلاح عبد الصبور : " أعظم الفضائل عندى هى الصدق والحرية والعدالة، وأخبث الرذائل هى الكذب والطغيان والظلم، وأنا أعتقد أن هذه الفضائل هى التى تستطيع تشكيل العالم وتنقيته، وغيابها يعنى انهيار العالم، وشعرى بوجه عام هو وثيقة تمجيد لهذه القيم، وتنديد بأضدادها، لأن هذه القيم هى قلبى وجرحى وسكينى معاً ، إنى لا أتألم من أجلها، ولكنى أنزف !!".

الشعر زلتى التى من أجلها هدمت ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
وحينما عُلقت.. كان البرد والظلمة والرعد
ترجنى خوفا
وحينما ناديته، لم يستجب
عرفت أننى ضُيعتُ ما أضعت

كان شعر الصعاليك والمتصوفة من أهم المصادر التي اتكأ عليها صلاح عبد الصبور كمرجعية معرفية ووجدانية أثرت شعره الغنائي والدرامي على حد سواء ، وبرز الحلاج وبشر الحافي كقناعين واضحين ارتداهما الشاعر ليصوغ كثيرا من أفكاره ورؤاه عن الحق والعدل والخير والجمال ، هذا بالإضافة إلى أفكار المصلحين الاجتماعيين والفلاسفة والحكماء والشعراء على امتداد الحضارات والبيئات الإنسانية المحتلفة التي استقى منها الشاعر كثيرا من عطاءاتهم الفكرية ، مثل الشعراء كيتس وشيلي وجون دون وت اس إليوت ورامبو ووبودلير وريلكة ، وعن تأثره بالفلسفة المادية يقول صلاح عبد الصبور : ساعدتني الفلسفة المادية التي كنت قد اقتربت منها اقترابًا كبيرًا وخاصة بعد تخرجي من الجامعة عام 1951م على أن أجد في الأفكار لونًا من الموقف الفكري الموحد التماسك, وأن ديواني (الناس في بلادي) معبر عن هذا الإحساس".

هكذا ، لم يترك صلاح عبد الصبور ينبوعا إلا وشرب منه ، ولم ير بئرا للمعرفة الإنسانية إلا واغترف منه ، حتى أقامته القصيرة في الهند عندما عمل مستشارا ثقافيا للسفارة المصرية هناك ، لم تمر عليه مرور الكرام ، وإنما فتش عن كنوز الفلسفة الهندية المتعددة ، مستفيدا من التعددية المذهبية والدينية المتسعة التي تملأ شبه القارة الهندية . مما أضفى على شعره طلالا خابية من ظلال الأسى والحزن التي تلف الفلاسفة والمصلحين ، يقول صلاح عبد الصبور : " لست شاعراً حزيناً ، ولكنى شاعر متألم ، وذلك لأن الكون لا يعجبنى ، ولأنى أحمل بين جوانحى - كما قال شيللى - شهوة لإصلاح العالم ، وهذه الشهوة هى القوة الدافعة فى حياة النبى والفيلسوف والشاعر ، لأن كلا منهم يرى النقص ، فلا يحاول أن يخدع عنه نفسه ، بل يجتهد فى أن يرى وسيلة لإصلاحه ، ويجعل دأبه أن يبشر بها " .

هناك شيء فى نفوسنا حزين
قد يختفى، ولا يبين
لكنه مكنون
شيء غريب غامض حنون

أما عطاءاته الفكرية ودراساته النقدية وإطلالاته السيرية فقد تعددت وترامت أطرافها وجاءت في عدد من الإصدارات منها : ( على مشارف الخمسين ) ، ( و تبقي الكلمة ) ، ( حياتي في الشعر ) ، ( أصوات العصر ) ، ( ماذا يبقى منهم للتاريخ ) ، ( رحلة الضمير المصري ) ، ( حتى نقهر الموت ) ، ( قراءة جديدة لشعرنا القديم ) ، ( رحلة على الورق ) . هذا بالإضافة إلى ترجماته الكثيرة لعيون الإبداع الإنساني العالمي في مجالات الشعر والقصة والمسرح .

لقد كان صلاح عبد الصبور شاعر الوجود الإنساني ، وربما يكون الشاعر الوحيد في العصر الحديث المهموم بالقضايا الفلسفية المصيرية المؤرقة ، وقد كان شاعر حزينا :

تظل حقيقة فى القلب توجعه وتضنيه
ولو جفت بحار القول لم يبحر بها خاطر
ولم ينشر شراع الظن فوق مياهها ملاح
وذلك أن ما نلقاه لا نبغيه..
وما نبغيه لا نلقاه !!

وكان هذا أكثر ما يؤرقه ، ما يلقاه لا يبغيه ، وما يبغيه لا يلقاه .

وقد ذهب في مثل هذه الأيام منذ سبعة وعشرين عاما ، إلى الحقيقة في جلائها التام ، وبوتقتها البينة ، عله وجد هناك ، أخيرا ، ما يبتغيه .

من رواد حركة الحداثة.. صلاح عبد الصبور والقول الشعري
ممدوح السكاف


بعد عشر سنوات من صدور الديوان الأول لنازك الملائكة وعنوانه (عاشقة الليل) بدأ مخاض الجيل الثاني في حركة الشعر العربي الحديث يتحرك متمثلاً بولادة ديوان (الناس في بلادي) الصادر عام 1957 للشاعر المصري المجدد صلاح عبد الصبور،

وفيه يخوض الشاعر معاركه الإبداعية على جبهتين: جبهة المضمون حيث يعالج قضايا مصيرية تصف حياة الناس البسطاء الطيبين وتهمّهم، وتنأى عن موضوعات الشعر التقليدية التي كانت مسيطرة على حقبة الأربعينيات من القرن العشرين ما استطاعت، وعلى جبهة الشكل حيث نراه، يصوّر انفعالاته وأفكاره، على الطريقة الشعرية الحديثة التي كانت في بداياتها الأولى تتخذ سمة البساطة أداة تعبيرية لها يوم كتابة قصائد الديوان ثم صدوره مطبوعاً بعدئذ فتناولته أقلام نقاد وشعراء الشعر الجديد وأثار معركة لاهبة بين صاحب الديوان وبين بدر شاكر السياب خاصة تدور حول أخطاء عبد الصبور في الوزن ونقد الأول اللاذع لشعبية المضامين المعالجة في قصائد صلاح وسطحية تناولها.‏

ومن المتفق عليه لدى النقاد والدارسين أن عبد الصبور في مجموعته الشعرية المبكرة هذه حقق تقدمات نوعية ملحوظة في ميدان التجديد الشكلي لهذه الحركة، فقد استطاع أن ينجح في تطبيق نظرية الشاعر والناقد الإنكليزي (ت.س- إليوت) الذي دعا الشعراء إلى استعمال اللغة اليومية المبسطة في أشعارهم والكتابة بالأسلوب الواقعي القريب من حياة الناس العاديين ومستوى وعيهم ولكن بشكل فني، وهكذا آثر صلاح البعد عن التجنيحات الشعرية التي سادت أجواءه في مرحلة الرومانسية بعد الحرب العالمية الثانية في بقاع الوطن العربي والعكوف على هموم الحياة المعيشية للشعب والنهل من ثرائها وتنوعها وطرحها في شعره، كما تمكن عبد الصبور كذلك من التطور في بناء القصيدة، فابتعدت عن مهجرية نازك في الأوزان وتراثية السياب المحدثة في الأسلوب، ليكتب شعراً يصور الإيقاعات الداخلية النفسية لأعماقه وأعماق الجماهير العربية الحزينة المستلبة، متوازنة مع تفعيلات تطول وتقصر تبعاً لموجاتها وتعبيراً عنها، مع عدم اكتراث كبير في القافية والرويّ أو احتفاء بأصدائهما الموسيقية، ثم أحدث الشاعر العربي الكبير خليل حاوي في ديوانه الأول «نهر الرماد» الصادر عام 1957 حدثاً شعرياً بالغ الأهمية في مسار هذه الحركة فكتب قصيدته المجددة الخاصة به وبأسلوبه التراثي- الحضاري المرتبط بالجذور والمتجه إلى حداثة تختلف اختلافاً شبه كليّ عن سائر قصائد الرواد الأوائل، بما ينبض في أعماقه من توهج الرؤيا وزخم التجربة والقدرة على امتلاكه لصوته الخاص فكرياً وأسلوبياً.‏

ينشر صلاح بعد الصبور في العدد /59/ عام 1961 من مجلة (المجلة) المصرية المحتجبة مقالاً عنوانه (الشعر الجديد.. لماذا؟) يتعرض فيه إلى مصطلح (الشعر العربي الحديث) ويشير موضحاً إلى استعماله من قبل الدارسين في مواجهة مصطلح «الشعر العربي القديم» ويرى أن هذين المصطلحين قادا إلى مأزق المقارنة بين شعر الشعراء الحديثين وشعر الشعراء الأقدمين- في المعنى التاريخي (الزمني)- وصنعا أزمة متشنجة بين طريقتين أو أسلوبين في وعاء التعبير الشعري لكل منهما وفيما بداخله، ويعتقد صلاح أن كلمة «حديث» هي التي جرّت إلى خصومات شديدة الوطأة وسلبية الأثر تبادلها من ينظم قصيدته على الشكل السلفي التقليدي المتوارث ومن ينظم قصيدته على نمط التفعيلة الجديدة المستحدث وفات شاعرنا أن ينوه برأي بعض نقدته أن النوع الأول قد استنفد طاقاته وأدواته ولم يبقَ قادراً على أن يتعامل بروح العصر ومتغيرات الحاضر لأسباب متعددة لامجال لبسطها هنا، أما النوع الثاني فيختزن مقدرة جديدة ووسائل إيصالية تستطيع تجسيد أعماق النفس البشرية في حالة الوعي أو عدمه كما تتوغل إلى صميم الذات الفردية ضمن بنية جديدة ومكتنزة بالابتكار والابتداع.‏

وفي المقال نفسه يأخذ «مفهوم الشاعر» عند صلاح بُعداً حديثاً يجعل الشاعر ينصرف عن عملية الاستبطان الذاتي إلى حالة التأمل الفلسفي في الكون والحياة بحيث تتحول تجربته الشخصية لتصبح تجربة عقلية لها علاقة وطيدة بالفكر وبالقضايا المصيرية الإنسانية وتغدو مهتمة بالقيم والمواقف السلوكية في وجود الفرد والجماعة، إضافة إلى احتفالها بصيرورتها الشعرية المتطورة وتجليات تكوينها الوجداني المعاصر المتأثر بتراث أمته من جهة والمتواصل مع كثير من المفاهيم الغربية الحديثة من جهة أخرى.‏

ومن الجدير بالذكر أن عبد الصبور استخدم في مقاله هذا كله لفظة «الحديث» و«ليس الحداثة» إذ لاذكر للمصطلح الأخير عنده بتاتاً.‏

وفي هذه الموضع أستذكر أن الناقد الراحل الدكتور إحسان عباس كان أجرى حواراً مع الشاعر خليل حاوي في السادس من حزيران عام 1982 قبيل وفاة هذا الأخير بقليل ونشر في كتاب ضمّ أعمال ندوة (في قضايا الشعر العربي المعاصر: دراسات وشهادات) الصادر عام 1988 عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وطرح عليه من ضمن أسئلته السؤال التالي: (أشرت في أحاديثك السابقة إلى الرؤيا والتجربة والتعبير، فهل لك أن تشرح لنا كيف تتكامل وتتحد في عملية الخلق الشعري) وكان جواب الحاوي مايلي: (لستُ أجهل أن بعض دعاة المذاهب الشعرية يؤكد أن الشعر رؤيا وتعبير وحسب.. غير أني أيقنت بعد الممارسة الطويلة والتأمل الطويل أن الرؤيا التي لاتتولد عن تجربة كيانية تعانيها ذات الشاعر بكلية عناصرها معاناة للوجود على مستوى الواقع ومافوق الواقع ودونه لايصدر عنها غير إشراقات تتألق في فراغ، ولئن حاولت أن تبتني عالماً مثالياً متعالياً يفتقر إلى مافي الحياة من حيوية واكتناز، والآفة الكبرى في شعر الرؤيا المجردة أنه لايفض أسراراً ولايكشف عن مجاهل في واقع النفس والوجود، وربما استحال إلى مجموعة من الصور البراقة شبيهة بالألعاب النارية، ولا أغالي إذا قررت على سبيل الإيجاز أن شعر الرؤيا المجردة يكاد يكون طيراناً في فراغ).‏

أما التجربة فهي نقيض الرؤيا.. مادة ملبدة مغلفة يشترك في معانيها الناس جميعاً على مستويات متفاوتة من النضج والغنى، غير أن الشاعر وحده يستطيع بما لديه من رؤيا فريدة جلاء مضامينها التي قد تخفى على سواه ويتبع ذلك صفة أخرى يختص بها هي القدرة على التعبير، أي الإفصاح عن المضامين بصور وإيقاعات تتجسد في صياغات لغوية ذات إبداعية جديدة ومبتكرة.‏




مختارات من شعر صلاح عبد الصبور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رؤيا ..

في كل مساء،
حين تدق الساعة نصف الليل،
وتذوي الأصوات
أتداخل في جلدي أتشرب أنفاسي
و أنادم ظلي فوق الحائط
أتجول في تاريخي، أتنزه في تذكاراتي
أتحد بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم الميت
تستيقظ أيامي المدفونة في جسمي المتفتت
أتشابك طفلاً وصبياً وحكيماً محزوناً
يتآلف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب
أجدل حبلا من زهوي وضياعي
لأعلقه في سقف الليل الأزرق
أتسلقه حتى أتمدد في وجه قباب المدن الصخرية
أتعانق و الدنيا في منتصف الليل.
حين تدق الساعة دقتها الأولى
تبدأ رحلتي الليلية
أتخير ركنا من أركان الأرض الستة
كي أنفذ منه غريباً مجهولاً
يتكشف وجهي، وتسيل غضون جبيني
تتماوج فيه عينان معذبتان مسامحتان
يتحول جسمي دخان ونداوه
ترقد أعضائي في ظل نجوم الليل الوهاجة و المنطفأة
تتآكلها الظلمة و الأنداء، لتنحل صفاء وهيولي
أتمزق ريحا طيبة تحمل حبات الخصب المختبئة
تخفيها تحت سراويل العشاق.
و في أذرعة الأغصان
أتفتت أحياناً موسيقى سحرية
هائمة في أنحاء الوديان
أتحول حين يتم تمامي -زمناً
تتنقل فيه نجوم الليل
تتجول دقات الساعات
كل صباح، يفتح باب الكون الشرقي
وتخرج منه الشمس اللهبية
وتذوّب أعضائي، ثم تجمدها
تلقي نوراً يكشف عريي
تتخلع عن عورتي النجمات
أتجمع فاراً ، أهوي من عليائي،
إذ تنقطع حبالي الليلة
يلقي بي في مخزن عاديات
كي أتأمل بعيون مرتبكة
من تحت الأرفف أقدام المارة في الطرقات.

أغنية للشتاء


ينبئني شتاء هذا العام
أنني أموت وحدي
ذاتَ شتاء مثله, ذات شتاء
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله, ذات مساء
و أن أعوامي التي مضت كانت هباء
و أنني أقيم في العراء
ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي
مرتجف بردا
و أن قلبي ميت منذ الخريف
قد ذوى حين ذوت
أولُ أوراق الشجر
ثم هوى حين هوت
أول قطرة من المطر
و أن كل ليلة باردة تزيده بُعدا
في باطن الحجر
و أن دفء الصيف إن أتى ليوقظه
فلن يمد من خلال الثلج أذرعه
حاملة وردا
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
و أن أنفاسيَ شوك
و أن كل خطوة في وسطها مغامرة
و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد
و قد يُقال بين صحبي في مجامع المسامرة
مجلسه كان هنا, و قد عبر
فيمن عبر
يرحمُهُ الله
ينبئني شتاء هذا العام
أن ما ظننته شفاىَ كان سُمِّي
و أن هذا الشِعر حين هزَّني أسقطني
و لستُ أدري منذ كم من السنين قد جُرحت
لكنني من يومها ينزف رأسي
الشعر زلَّتي التي من أجلها هدمتُ ما بنيت
من أجلها خرجت
من أجلها صُلبت
و حينما عُلِّقتُ كان البرد و الظلمة و الرعدُ
ترجُّني خوفا
و حينما ناديته لم يستجب
عرفتُ أنني ضيَّعتُ ما أضعت
ينبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء
لابد أن نخزُنَ من حرارة الصيف و ذكرياتهِ
دفئا
لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف
كل غلالي
كل حنطتي, و حَبِّي
كان جزائى أن يقول لى الشتاء انني
ذات شتاء مثله
أموت وحدي
ذات شتاء مثله أموتُ وحدي .

مرثية رجل عظيم

كان يريد أن يرى النظام في الفوضى
و أن يرى الجمال في النظام
و كان نادرَ الكلام
كأنه يبصر بين كل لفظتين
أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ
ناشرة الفودين, مرخاة الزمام
و كان في المسا يطيل صحبةَ النجوم
ليبصر الخيط الذي يلمُّها
مختبئا خلف الغيوم
ثم ينادي اللهَ قبل أن ينام
الله, هب لي المقلة التي ترى
خلف تشَتُّتِ الشكول و الصور
تغيُّر الألوان و الظلال
خلف اشتباه الوهم و المجاز و الخيال
و خلف ما تسدله الشمس على الدنيا
و ما ينسجه القمر
حقائقَ الأشياء و الأحوال
و تسألونني: أكان صاحبي؟
هل صحبة تقوم بين سيدٍ عظيم
و خادمٍ محتال؟
مرثية صديق كان يضحك كثيرا
كان صديقي
حين يجىء الليل
حتى لا يتعطَّن كالخبز المبتل
يتحول خمرا
تتلامس ضحكته الأسيانة في ضخكته الفرحانة
طينا لمَّاعاً أسود
أو بلورا
و يخشخش في صوت الضحكات المرسَل
صوت كتكسُّر قشر الجوز المثقل
كنا نتلاقى
أو بالأحرى نتوحد, كل مساء
في قاع الحانة
كالأكواخ المتقاربة المنهارة
و الريح من الشباك المترب للشباك المترب
تتسكّع بين فراغات الأشياء
يتنحَّى كلٌّ منا عن موضعه للجار الأقرب
لا عن أدب و حياء
بل خوفا أن تختل الدورة
إذ نتصادم أو نتلاقى
كلمات, أو أذرعة, أو آلاما, أو أهواء
حذرا أن نهتز و نتفتَّح
يتقارب كلٌّ منا في داخله كالأجَمِ الفارغ
فإذا مال تنحنح
كان صديقي في ساعات الليل الأولى
يتجول في بلدتهِ
كانت بلدتُه ساعات الليل الأولى
و يجمِّع من مهجته المنثورة
أو من بهجته المكسورة
ما ذاب نهارا في أسفلت الطرقات
يترشَّفُه قطرات...قطرات
حتى يمتلىء كما تمتلىء القارورة
يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتين
ينقش فوق نداوته المحبورة
صورةَ كون فياض بالضحكات
يتدحرج نحو الحانة
يتعثَّر في أيدينا مختارا
يهوي مسفوحا
يتأرَّج عطرا, ريحا, روحا
يجعلنا أحيانا نضحك كالخمر الصفراء
إذ ندرك أان الأشياء المبذولة, مبذولة
و الأشياء العادية, عادية
و الأشياء الملساء, مجرد أشياء ملساء
يجعلنا أحيانا نضحك, إذ يضحك كالخمر السوداء
إذ يبصر في ورق الشجر المتهاوي
موتَ البذرة
أو يتحسَّسُ بلسان الحكمة, و اللامعنى
حين يمصُّ ثنايا امرأة في قُبلتها الأولى
جدرانَ الجمجمة النخِرة
كنا, و صديقي, في آخر ساعات الليل
نتحول عاصفة مخمورة
تتخدد فوق ملامحنا
تجعلنا نهتزُّ و نتفتَّح
تجعلنا نتكسَّر
حتى نبدو كتلا متشابهة, متكررة, متآلفةً
من إنسان فرد متكثِّر
مات صديقي أمس
إذ جاء إلى الحانة, لم يُبصر منا أحدا
أقعى في مقعدهِ مختوما بالبهجة
حتى انتصف الليل
لم يُبصر منا أحدا
سالت من ساقيهِ البهجة
و ارتفعت حكمته حتى مسَّت قلبَه
فتسمَّم بالحكمة
غاب الندماء, فلم يقدر أن يتحول خمرا
و تفتَّت مثل رغيف الخبز .


دموع على ضريح القلب ..!

جنوب .. ياجنوب
يامرتع الظباء
ياموئل الحبيب
يازهرة ً فواحةً
تحبها القلوب
جنوب أرضك كالجنان
ملأى بأنواع الحنان
وثراك مسك أدفر
ورباك من حب الجمان
والناس في صحرائك
كالورد في الروض المصان
******
جنوب أنت في دمي
وفي إفترارة مبسمي
في ضحكتي .. في دمعتي
في مسحة الحزن التي
تغفو على شاطيء فمي
******
جنوب أمي في رباك
وأبي هناك ...
على بساطٍ من ثراك
وأنا تسيل مدامعي
ويثور في صدري هواك
أنفاس أمي وأبي
في الجو تعبق كالعبير
وحديثهم كحنين حسونٍ حزين
يذوب مع همس الخرير
وأطيافهم بيضاء تبدو
كالملائك في السماء
كدعاء قديس
يرفرف بين هالات الضياء
في كل شيءٍ في الوجود أراهما
ربي سألتك أن تبل ثراهما
أتراهما .. ياحسرتي
يسمعان صدى النواح
والريح تعول في المساء
وفي الصباح
******
جنوب لا تقس علي
فأنا حزين تائه
وهواك أغلى مالدي
هذا فؤادي
فوق سطح الطرس أهديه لكم
فتقبلوه ..
فهو آخر ماتبقى في يدي


أغنية ولاء


صنعت لك
عرشا من الحرير .. مخملي
نجرته من صندل
ومسندين تتكّى عليهما
ولجة من الرخام ، صخرها ألماس
جلبت من سوق الرقيق قينتين
قطرت من كرم الجنان جفنتين
والكأس من بللور
أسرجت مصباحا
علقته في كّوة في جانب الجدار
ونوره المفضض المهيب
وظله الغريب
ِ
في عالم يلتف في إزارةالشحيب
والليل قد راحا
وما قدمت أنت ، زائرى الحبيب
هدمتُ ما بنيت
أضعتُ ما اقتفيت
خرجتُ لك
علّى أوافي محملك
ومثلما ولدتُ . غير شملة الإحرام. قد خرجت لك
أسائل الرواد
عن أرضك الغريبة الرهيبة الأسرار
في هدأة المساء ، والظلام خيمة سوداء
ضربت في الوديان والتلاع والوهاد
أسائل الرواد
( ومن أراد أن يعيش فليمت شهيد عشق)
أنا هنا ملقي على الجدار
وقد دفنتُ في الخيال قلبي الوديع
وجسمي الصريع
في مهمه الخيال قد دفنت قلبي الوديع
يا أيها الحبيب
معذبي ، أيها الحبيب
أليس لي في المجلس السنّى حبوة التبيع
فإنني مطيع
وخادم سميع
فإن أذنت إنني النديم في الأسحار
حكايتي غرائب لم يحوها كتاب
طبائعي رقيقة كالخمر في الأكواب
فإن لطفت هل إلىّ رنوةُ الحنان
فإنني أدل الهوى على الأخدان
أليس لي بقلبك العميق من مكان
وقد كسرت في هواك طينة الأنسان
وليس ثمّ من رجوع .



مرثية رجل تافه

مضت حياته...كما مضت
ذليلة موطَّأة
كأنها تراب مقبرة
و كان موته الغريب باهتا مباغتا
منتظَرا, مباغتا
الميتة المكررة
كان بلا أهل, بلا صِحاب
فلم يشارك صاحبا_حين الصبا_لهوَ الصبا
ليحفظ الوداد في الشباب
طان وحيدا نازفا كعابر السحاب
و شائعا كما الذباب
و كنتُ أعرفه
أراه كلما رسا بيَ الصباح في بحيرة العذاب
أجمع في الجراب
بضع لقيمات تناثرت على شطوطها التراب
ألقى بها الصبيان للدجاج و الكلاب
و كنت إن تركتُ لقمة أنفتُ أن ألمُّها
يلقطها, يمسحها في كمِّهِ
يبوسها
يأكلها
في عالم كالعالم الذي نعيش فيه
تعشى عيون التافهين عن وساخة الطعام و الشراب
و تسألونني: اكان صاحبي؟
و كيف صحبةٌ تقوم بين راحلَيْن؟
إذن لماذا حينما نعى الناعي إليَّ نعيَهُ
بكيتهُ
و زارني حزني الغريب ليلتين
ثم رثيتهُ ..!


رسالة سعيد

يا سيدنا القادم من بعدى
أنا أصغر من ينتظرونك فى شوق محموم
لامهنة لي ، إذ أني الآن نزيل السجن
متهما بالنظر إلى المستقبل
لكني اكتب لك
باسم الفلاحين
وباسم الملاحين
باسم الحدادين
وباسم الحلاقين
والحمارة والبحاره
والعمال وأصحاب الأعمال
والأعيان وكتاب الديوان
والبوابين وصبيان البقالين
وباسم الشعراء
وباسم الخفراء
والاهرام
وباب النصر
والقناطر الخيرية
وعبد الله النديم
وتوفيق الحكيم وألمظ
وشجرة الدر ، وكتاب الموتى ،
ونشيد بلادى بلادى
نرجو ان تأتى وبأقصى سرعة
فالصبر تبدد
واليأس تمدد
اما ان تدركنا الان
أو لن تدركنا بعد
حاشية: لاتنسى ان تحمل سيفك .

شنق زهران

وثوى فى جبهة الأرض الضياء

ومشى الحزن إلى الأكواخ

تنين

له ألف زراع

كل دهليز زراع

من أذان الظهر حتى الليل

يا الله

فى نصف نهار

كل هذي المحن الصماء فى نصف نهار

مذ تدلى رأس زهران الوديع

******

كان زهران غلاما

أمه سمراء ، والأب مولّّّّّد

ُوبعينيه وسامه

وعلى الصدغ حمامه

وعلى الزند أبو زيد سلامه

ممسكا سيفا ، وتحت الوشم نبش كالكتابه

اسم قرية

( دنشواي )

شب زهران قويا

ونقيا

يطأ الأرض خفيفا

وأليفا

كان ضحاكا ولوعا بالغناء

وسماع الشعر في ليل الشتاء

ونمت في قلب زهران ، زهيره

ساقها خضراء من ماء الحياه

تاجها احمر كالنار التي تصنع قبله

حينما مر بظهر السوق يوما

ذات يوم...

مر زهران بظهر السوق يوما

واشترى شالا منمنم

ومشى يختال عجبا ، مثل تركى معمم

ويحيل الطرف ..... ما أحلى الشباب

عندما يصنع حبا

عندما يجهد أن يصطاد قلبا

******

كان ياما كان

أن زفت لزهران جميله

كان ياما كان

ان انجب زهران غلاما .. وغلاما

كان ياما كان

أن مرت لياليه الطويله

ونمت فى قلب زهران شجيره

ساقها سوداء من طين الحياه

فرعها أحمر كالنار التى تحرق حقلا

عندما مر بظهر السوق يوما

ذات يوم

مر زهران بظهر السوق يوما

ورأى النار التى تحرق حقلا

ورأى النار التى تصرع طفلا

كان زهران صديقا للحياه

ورأى النيران تجتاح الحياه

مد زهران إلى الأنجم كفا

ودعا يسأل لطفا

ربما ... سورة حقد فى الدماء

ربما استعدى على النار السماء

وضع النطع على السكة والغيلان جاءوا

وأتى السياف مسرور وأعداء الحياه

صنعوا الموت لأحباب الحياه

وتدلى رأس زهران الوديع

قريتي من يومها لم تأتدم إلا الدموع

قريتي من يومها تأوى إلى الركن الصديع

قريتي من يومها تخشى الحياه

كان زهران صديقا للحياه

مات زهران وعيناه حياه

فلماذا قريتي تخشى الحياه .



ذلك المساء


حدثتموني عن سنابك مجنحه

تفتق الشرار في أهلـّة المآذن

عن عصبة من السيوف لا تفـل

قد أُغمدت في الصخر لاتـُسل

إلا إذا قرأتم دونها أسماءكم

ياعصبة الأماجد

الأشاوس

الأحامد

الأحاسن

وقلتم:

يا أيها المُغني غننا

مُسـَمل العينين في حضرتنا

لحناً يثير زهونا

ويذكر انتصارنا

(إذا تحين ساعة موعودة

نغيم في أشراطها

لم تنخلع عن غيمها إلا لنا

الساعة التي تصير فيها خَوذةَ الشيطان

كأسا لخمر سيد الفرسان .



البحث عن وردة الصقيع


أبحثُ عنك في ملاءة المساء

أراك كالنجوم عاريه

نائمة مبعثره

مشوقة للوصل والمسامره

واقتداح الخمر والغناء

وحينما تهتزُ أجفاني

وتفلتين من شباك رؤيتي المنحسره

تذوين بين الارض والسماء

ويسقط الاعياء

منهمرا كالمطره

على هشيم نفسي الذابلة المنكسره

كأنه الإغماء

أبحث عنك فى مقاهي آخر المساء والمطاعم

أراك تجلسين جلسة النداء الباسم

ضاحكة مستبشره

وعندما تهتز أجفاني

وتفلتين من خيوط الوهم والدعاء

تذوين بين النور والزجاج

ويقفز المقعدُ والمائدة الهباء

ويصبح المكان خاوياً ومعتماً

كأنه الصحراء

أبحث عنك في العطور القلقه

كأنها ُتطل من نوافذ الثياب

أبحث عنك في الخطى المفارقه

يقودها إلى لاشئ ،لا مكان

وهم الانتظار والحضور والغياب

أبحث عنك في معاطف الشتاء إذ ُتلف

وتصبح الاجسام في الظلام

تورية ملفوفه ، أو

نصبا ً من الرصاص والرخام

وفي الذراعين اللتين تكشفان عن منابت الزغب

حين يـُهل الصيف

ترتجلان الحركات الملغزه

وتعبثان في همود الموت والسموم والرخام

حين يدور العام

أبحث عنك في مفارق الطرق

واقفة ، ذاهلة ، في لحظة التجلى

منصوبةً كخيمة من الحرير

يهزها نسيم صيفٍ دافئ ،

أو ريح صبحٍ غائمٍ مبللٍ مطير

فترتخى حبالها ، حتى تميل في انكشافها

على سواد ظلي الاسير

ويبتدي لينتهي حوارنا القصير .



أحلام الفارس القديم


لو أننا كنّا كغُصنيْ شجره

الشمسُ أرضعتْ عروقَنا معا

والفجرُ روّانا ندىً معا

ثم اصطبغنا خضرةً مزدهره

حين استطلنا فاعتنقنا أذرُعا

وفي الربيع نكتسي ثيابَنا الملوّنه

وفي الخريف، نخلعُ الثيابَ، نعرى بدَنَا

ونستحمُّ في الشتا، يدفئنا حُنوُّنا!

لو أننا كنا بشطّ البحر موجتينْ

صُفِّيتا من الرمال والمحارْ

تُوّجتا سبيكةً من النهار والزبدْ

أَسلمتا العِنانَ للتيّارْ

يدفعُنا من مهدنا للحْدِنا معا

في مشيةٍ راقصةٍ مدندنه

تشربُنا سحابةٌ رقيقه

تذوب تحت ثغر شمسٍ حلوة رفيقه

ثم نعودُ موجتين توأمينْ

أسلمتا العنان للتيّارْ

في دورة إلى الأبدْ

من البحار للسماءْ

من السماء للبحارْ !

لو أننا كنا بخَيْمتين جارتينْ

من شرفةٍ واحدةٍ مطلعُنا

في غيمةٍ واحدةٍ مضجعُنا

نضيء للعشّاق وحدهم وللمسافرينْ

نحو ديارِ العشقِ والمحبّه

وللحزانى الساهرين الحافظين مَوثقَ

الأحبّه

وحين يأفلُ الزمانُ يا حبيبتي

يدركُنا الأفولْ

وينطفي غرامُنا الطويل بانطفائنا

يبعثنا الإلهُ في مسارب الجِنان دُرّتينْ

بين حصىً كثيرْ

وقد يرانا مَلَكٌ إذ يعبر السبيلْ

فينحني، حين نشدّ عينَهُ إلى صفائنا

يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبُه بريقُنا

يرشقنا في المفرق الطهورْ !

لو أننا كنّا جناحيْ نورسٍ رقيقْ

وناعمٍ، لا يبرحُ المضيقْ

مُحلّقٍ على ذؤابات السُّفنْ

يبشّر الملاحَ بالوصولْ

ويوقظ الحنينَ للأحباب والوطنْ

منقاره يقتاتُ بالنسيمْ

ويرتوي من عَرَقِ الغيومْ

وحينما يُجنّ ليلُ البحرِ يطوينا معاً.. معا

ثم ينام فوق قِلْعِ مركبٍ قديمْ

يؤانس البحّارةَ الذين أُرهقوا بغربة الديارْ

ويؤنسون خوفَهُ وحيرتهْ

بالشدوِ والأشعارْ

والنفخ في المزمارْ !

لو أننا

لو أننا

لو أننا، وآهِ من قسوةِ «لو»

يا فتنتي، إذا افتتحنا بالـمُنى كلامَنا

لكنّنا..

وآهِ من قسوتها «لكننا»!

لأنها تقول في حروفها الملفوفةِ المشتبكه

بأننا نُنكرُ ما خلّفتِ الأيامُ في نفوسنا

نودُّ لو نخلعهُ

نودُّ لو ننساه

نودّ لو نُعيده لرحمِ الحياه

لكنني يا فتنتي مُجرِّبٌ قعيدْ

على رصيف عالمٍ يموج بالتخليطِ والقِمامه

كونٍ خلا من الوَسامه

أكسبني التعتيمَ والجهامه

حين سقطتُ فوقه في مطلع الصِّبا

قد كنتُ في ما فات من أيّامْ

يا فتنتي محارباً صلباً، وفارساً هُمامْ

من قبل أن تدوس في فؤاديَ الأقدامْ

من قبل أن تجلدني الشموسُ والصقيعْ

لكي تُذلَّ كبريائيَ الرفيعْ

كنتُ أعيش في ربيع خالدٍ، أيَّ ربيعْ

وكنتُ إنْ بكيتُ هزّني البكاءْ

وكنتُ عندما أحسُّ بالرثاءْ

للبؤساء الضعفاءْ

أودُّ لو أطعمتُهم من قلبيَ الوجيعْ

وكنتُ عندما أرى المحيَّرين الضائعينْ

التائهينَ في الظلامْ

أودُّ لو يُحرقني ضياعُهم، أودُّ لو أُضيءْ

وكنتُ إنْ ضحكتُ صافياً، كأنني غديرْ

يفترُّ عن ظلّ النجومِ وجههُ الوضيءْ

ماذا جرى للفارس الهمامْ؟

انخلع القلبُ، وولَّى هارباً بلا زِمامْ

وانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ

يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الدمعةِ البريئه!

يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الضحكةِ البريئه!

لكَ السلامْ

لكَ السلامْ

أُعطيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهاره

لقاءَ يومٍ واحدٍ من البكاره

لا، ليس غيرَ «أنتِ» من يُعيدُني للفارسِ القديمْ

دونَ ثمنْ

دون حسابِ الربحِ والخساره

صافيةً أراكِ يا حبيبتي كأنما كبرتِ خارجَ الزمنْ

وحينما التقينا يا حبيبتي أيقنتُ أننا

مفترقانْ

وأنني سوف أظلُّ واقفاً بلا مكانْ

لو لم يُعدني حبُّكِ الرقيقُ للطهاره

فنعرفُ الحبَّ كغصنيْ شجره

كنجمتين جارتينْ

كموجتين توأمينْ

مثل جناحَيْ نورسٍ رقيقْ

عندئذٍ لا نفترقْ

يضمُّنا معاً طريقْ

يضمّنا معاً طريقْ .



القديس


إليّ ، إليّ، يا غرباء يا فقراء يا مرضى

كسيري القلب والأعضاء ، قد أنزلت مائدتي

إليّ ، إليّ

لنَطْعَمَ كسرة من حكمة الأجيال مغموسه

بطيش زماننا الممراح

نُكسِّر، ثم نشكر قلبنا الهادي

ليرسينا على شط اليقين، فقد أضل العقل مسرانا

إليّ إليّ

أنا، طوفت في الأوراق سواحاً، شبا قلمي

حصاني، بعد أن حلمت بي الأوهام والغفله

سنين طوال، في بطن اللجاج، وظلمة المنطق

وكنت إذا أجن الليل، واسنخفى الشجيونا

وحنّ الصدر للمرفق

وداعبت الخيالات الخليينا

ألوذ بركني العاري، بجنب فتيلي المرهق

وأبعث من قبورهم عظاماً نخرة ورؤوس

لتجلس قرب مائدتي، تبث حديثها الصياح و المهموس

وان ملت، وطال الصمت، لا تسعى بها أقدام

وان نثرت سهام الفجر ، تستخفي كما الأوهام

وقالت:

بأن النهر ليس النهر، و الإنسان لا الإنسان

وأن حفيف هذا النجم موسيقى

وأن حقيقة الدنيا ثوت في كهف

و أن حقيقة الدنيا هي الفلسان فوق الكف

وأن الله قد خلق الأنام ، ونام

و أن الله في مفتاح باب البيت

ولا تسأل غريقاً كُبّ في بحرٍ على وجهه

لينفخ بطنه عشباً وأصدافاً وأمواها

كذلك كنت

وذات صباح

رأيت حقيقة الدنيا

سمعت النجم و الأمواه والأزهار موسيقى

رأيت الله في قلبي

لأني حينما استيقظت ذات صباح

رميت الكتب للنيران، ثم فتحت شُباكي

وفي نفس الضحى الفواح

خرجت لأنظر الماشين في الطرقات، والساعين للأرزاق

وفي ظل الحدائق أبصرت عيناي أسراباً من العشاق

وفي لحظة

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه

شعرت بأنني أصبحت قديساً

وأن رسالتي ..

هي أن أقدسكم.



أغنية من فينا


كانت تنام في سريري ، والصباح

منكب كأنه وشاح

من رأسها لردفها

وقطرة من مطر الخريف

ترقد في ظلال جفنها

و النفس المستعجل الحفيف

يشهق في حلمتها

وقفت قربها، أحبها، أرقبها، أشمها

النبض نبض وثني

والروح روح صوفي، سليب البدن

أقول ، يا نفسي، رآك الله عطشى حين بل غربتك

جائعة فقوتك

تائهة فمد خيط نجمة يضيء لك

يا جسمها الأبيض قل : أأنت صوت؟

فقد تحاورنا كثيراً في المساء

يا جسمها الأبيض قل: أأنت خضرة منوّرة؟

يا كم تجولت سعيدا في حدائقك

يا جسمها الأبيض قل : أأنت خمرة؟

فقد نهلت من حواف مرمرك

سقايتي من المدام و الحباب و الزبد

يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة

تبارك الله الذي قد أبدعك

و أحمد الله الذي ذات مساء

على جفوني وضعك

لما رأينا الشمس في مفارق الطرق

مدت ذراعيها الجميلتين

مدت ذراعيها المخيفتين

ونقرت أصابع المدينة المدببه

على زجاج عشنا، كأنها تدفعنا

تذهب ، أين ؟

تشابكت أكفّنا ، واعتنقت

أصابع اليدين

تعانقت شفاهنا، وافترقت

في قبلة بليلة منهومه

تفرقت خطواتنا، وانكفأت

على السلالم القديمه

ثم نزلنا للطريق واجمين

لما دخلنا في مواكب البشر

المسرعين الخطو نحو الخبز و المئونه

المسرعين الخطو نحو الموت

في جبهة الطريق ، انفلتت ذراعها

في نصفه، تباعدت، فرّقنا مستعجل يشد طفلته

في آخر الطريق تقت - ما استطعت - لو رأيت

ما لون عينيها

وحين شارفنا ذرى الميدان غمغمت بدون صوت

كأنها تسألني .. من أنت ؟



لحن


جارتي مدت من الشرفة حبلاً من نغم

نغم قاس رتيب الضرب منزوف القرار

نغم كالنار

نغم يقلع من قلبي السكينه

نغم يورق في روحي أدغالاً حزينه

بيننا يا جارتي بحر عميق

بيننا بحر من العجز رهيب وعميق

و أنا لست بقرصان، ولم اركب سفينه

بيننا يا جارتي سبع صحارى

و أنا لم ابرح القرية مذ كنت صبيا

ألقيت في رجلَي الأصفاد مذ كنت صبيا

أنت في القلعة تغفين على فرش الحرير

و تذودين عن النفس السآمه

بالمرايا الفارس الأشقر في الليل الأخير

(أشرقي يا فتنتي)

(مولاي !!)

( أشواقي رمت بي )

(آه لا تقسم على حبي بوجه القمر

ذلك الخداع في كل مساء

يكتسب وجهاً جديد ..

جارتي ! لست أميراً

لا ، ولست المضحك الممراح في قصر الأمير

سأريك العجب المعجب في شمس النهار

أنا لا املك ما يملأ كفيّ طعاما

وبخديك من النعمة تفاح وسكر

فاضحكي يا جارتي للتعساء

نغّمي صوتك في كل فضاء

و إذا يولد في العتمة مصباح فريد

فاذكريني ..

زيته نور عيوني وعيون الأصدقاء

ورفاقي الطيبين

ربما لا يملك الواحد منهم حشوَ فم

و يمرون على الدنيا خفافاً كالنسم

ووديعين كأفراخ حمامه

وعلى كاهلهم عبء كبير وفريد

عبء أن يولد في العتمة مصباح جديد



زيارة الموتى


زرنا موتانا في يوم العيد

وقرأنا فاتحة القرآن، وللمنا أهداب الذكرى

وبسطناها في حضن المقبرة الريفية

وجلسنا، كسرنا خبزاً وشجوناً

وتساقينا دمعاً و أنيناً

وتصافحنا، وتواعدنا، وذوي قربانا

أن نلقى موتانا

في يوم العيد القادم.

يا موتانا

كانت أطيافكم تأتينا عبر حقول القمح الممتدة

ما بين تلال القرية حيث ينام الموتى

و البيت الواطئ في سفح الأجران

كانت نسمات الليل تعيركم ريشاً سحرياً

موعدكم كنا نترقبه في شوق هدهده الاطمئنان

حين الأصوات تموت،

ويجمد ظل المصباح الزيتي على الجدران

سنشم طراوة أنفاسكم حول الموقد وسنسمع طقطقة الأصوات كمشي ملاك وسنان

هل جئتم تأنسون بنا؟

هل نعطيكم طرفاً من مرقدنا؟

هل ندفئكم فينا من برد الليل؟

نتدفأ فيكم من خوف الوحده

حتى يدنو ضوء الفجر،

و يعلو الديك سقوف البلدة

فنقول لكم في صوت مختلج بالعرفان

عودوا يا موتانا

سندبر في منحنيات الساعات هنيهات

نلقاكم فيها، قد لا تشبع جوعاًن أو تروي ظمأ

لكن لقم من تذكار،

حتى نلقاكم في ليل آت.

مرت أيام يا موتانا ، مرت أعوام

يا شمس الحاضرة الجرداء الصلدة

يا قاسية القلب النار

لم أنضجت الأيام ذوائبنا بلهيبك

حتى صرنا أحطاب محترقات حتى جف الدمع الديان على خد الورق العطشان

حتى جف الدمع المستخفي في أغوار الأجفان

عفواً يا موتانا

أصبحنا لا نلقاكم إلا يوم العيد

لما أدركتم انا صرنا أحطاباً في صخر الشارع ملقاة

أصبحتم لا تأتون إلينا رغم الحب الظمآن

قد نذكركم مرات عبر العام

كما نذاكر حلماً لم يتمهل في العين

لكن ضجيج الحاضرة الصخرية

لا يعفنا حتى أن نقرأ فاتحة القرآن

أو نطبع أوجهكم في أنفسنا، و نلم ملامحكم

ونخبئها طي الجفن.

يا موتانا

ذكراكم قوت القلب

في أيام عزت فيها الأقوات

لا تنسونا .. حتى نلقاكم

لا تنسونا .. حتى نلقاكم



الظل والصليب




هذا زمان السأم
نفخ الأراجيل سأم
دبيب فخذ امرأة ما بين أليتيّ رجل ..
سأم
لا عمق للألم
لأنه كالزيت فوق صفحة السأم
لا طعم للندم
لأنه لا يحملون الوزر إلا لحظة ..
… ويهبط السأم
يغسلهم من رأسهم إلى القدم
طهارة بيضاء تنبت القبور في مغاور الندم
نفن فيها جثث الأفكار و الأحزان ، من ترابها ..
يقوم هيكل الإنسان
إنسان هذا العصر و الأوان
(أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر ، ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،
وعدت دون موت
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد
أنا الذي أحيا بلا ظل .. ولا صليب
الظل لص يسرق السعادة
ومن يعش بظله يمشي إلى الصليب، في نهاية الطريق
يصلبه حزنه، تسمل عيناه بلا بريق
يا شجر الصفصاف : إن ألف غصن من غصونك الكثيفه
تنبت في الصحراء لو سكبت دمعتين
تصلبني يا شجر الصفصاف لو فكرت
تصلبني يا شجر الصفصاف لو ذكرت
تصلبني يا شجر الصفصاف لو حملت ظلي فوق كتفي، وانطلقت
و انكسرت
أو انتصرت
إنسان هذا العصر سيد الحياه
لأنه يعيشها سأم
يزني بها سأم
يموتها سأم

2

قلتم لي :
لا تدسس أنفك فيما يعني جارك
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف

3

ملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون
يدعو اله النقمة المجنون أن يلين قلبه، ولا يلين
(ينشده أبناءه و أهله الأدنين، و الوسادة التي لوى عليها فخذ زوجه، أولدها محمداً وأحمداً وسيدا
وخضرة البكر التي لم يفترع حجابها انس ولا شيطان)
(يدعو اله النعمة الأمين أن يرعاه حتى يقضي الصلاة،
حتى يؤتى الزكاة، حتى ينحر القربان، حتى يبتني بحر ماله كنيسة ومسجداً وخان)
للفقراء التاعسين من صعاليك الزمان
ملاحنا يلوي أصابعاً خطاطيف على المجداف و السكان
ملاحنا هوى إلى قاع السفين ، واستكان
وجاش بالبكا بلا دمع .. بلا لسان
ملاحنا مات قبيل الموت، حين ودع الأصحاب
.. والأحباب و الزمان و المكان
عادت إلى قمقمها حياته، وانكمشت أعضاؤه، ومال
ومد جسمه على خط الزوال
يا شيخنا الملاح ..
.. قلبك الجريء كان ثابتاً فما له استطير
أشار بالأصابع الملوية الأعناق نحو المشرق البعيد
ثم قال :
- هذي جبال الملح و القصدير
فكل مركب تجيئها تدور
تحطمها الصخور
وانكبتا .. ندنو من المحظور، لن يفلتنا المحظور
- هذي إذن جبال الملح و القصدير
وافرحا .. نعيش في مشارف المحظور
نموت بعد أن نذوق لحظة الرعب المرير و التوقع المرير
وبعد آلاف الليالي من زماننا الضرير
مضت ثقيلات الخطى على عصا التدبر البصير
ملاحنا أسلم سؤر الروح قبل أن نلامس الجبل
وطار قلبه من الوجل
كان سليم الجسم دون جرح، دون خدش، دون دم
حين هوت جبالنا بجسمه الضئيل نحو القاع
ولم يعش لينتصر
ولم يعش لينهزم
ملاح هذا العصر سيد البحار
لأنه يعيش دون أن يريق نقطة من دم
لأنه يموت قبل أن يصارع التيار

4
هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك!



صلاح عبدالصبور في مكتبتنا عمون:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.مأساة الحلاج

تحميــــــــــل

2.الأميرة تنتظر


تحميـــــــــل

3.أقول لكم


تحميـــــــــل

4.ديوان صلاح عبدالصبور


تحميــــــــــل

5.قصة الضمير المصري الحديث

تحميــــــــل

6.المسرحية الشعرية ليلى والمجنون


تحميـــــــــل



إعداد :

هبة الشايب / الأردن
سلطان الزيادنة / الأردن
زياد السعودي / الأردن








  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:28 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.