لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: تــرتــرة (آخر رد :رانية الروسان)       :: (( ما قال شوقي قاله تضليلا )) (آخر رد :محمد حسن حمزة)       :: نرد 🎲 تمرد (آخر رد :عدنان حماد)       :: مرايا (آخر رد :عدنان حماد)       :: * سقوط رجل كان يعتقد دائماً انه لن يسقط أبدا * (آخر رد :نوال البردويل)       :: مِحرابُ الأفكار (آخر رد :عدنان حماد)       :: مذاهب و شيع !!! (آخر رد :نوال البردويل)       :: اعترافات متأخرة (آخر رد :اياس كيوان)       :: على ضوء القمر..//فاتي الزروالي (آخر رد :نوال البردويل)       :: ذاكــــــرة! // أحلام المصري (آخر رد :نوال البردويل)       :: خليلي..!( عبدالرشيد ) (آخر رد :محمد حسن حمزة)       :: دمشق (آخر رد :أحمد العربي)       :: نشوة جارحة (آخر رد :حنان عبد الله)       :: بِلا مَعْنَى (آخر رد :محمد حسن حمزة)       :: حدوة الحصان (آخر رد :رياض القيسي)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > 🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘

🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-09-2020, 12:29 PM رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : ألم
النّاص : حِيَال مُحَمَّد الأَسَدِي
القراءة : جهاد بدران
.............................


النّص :

أَتَأَلَّمُ***لِصَوْلَةِ ذِئْبٍ
عَلَى بِضْعِ شُوِيْهَاتٍ تَرْعَى
أَتَأَلَّمُ***لِبَهْجَةِ وَغْدٍ
لِدَمْعَةِ مَظْلُوْمٍ حَرَّى
أَتَأَلَّمُ***لبُرُوْدَةِ تُنُّوْرٍ
فِي دَارٍ بِحُزْنِها سَكْرَى
***
أَتَأَلَّمُ***لِوَطَنٍ***أَعْطَى
لِلْكَوْنِ سِرَّ التَكْوِّيْنِ
وَ يَعِيْشُ الْيَوْمَ فِي عِسْرٍ
مَاعَرَفَ مَعْنَى التَطْمِّيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لنَخْلِهِ الْسَامِقِ
مُتَكَوِّمٍ بَيْنَ البَسَاتِيْنِ
يَحْلُمُ بِرَائِحَةِ الْطَلْعِ
وَ يُؤَجِّلُ الثَمَرَ إلَى حِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِشَاعِرِهِ***يَنْزِفُ
نَزْفَ النَهْرِ لِكَبِدِ الْطِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِوَالِدَةٍ ثَكْلَى
دَيْدَنُهَا الهَمُّ تَحْلَمُ بِمُعِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِدَجْلَةَ***مَا عَادَتْ
(حَمائِمُهَا تَلُوْذُ بِالْطِيْنِ)
أَتَأَلَّمُ***لأُمَّةٍ***نُكِبَتْ
سَرَقَتْهَا أَحْلامُ سَلاطِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِمَلاكِ***طُهْرٍ
دَنَّسَهُ وَهْمُ شَيَاطِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِوَغْدٍ***نَكِرَةٍ
يَغْتَصِبُ أَحْلامَ مَلايِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِمَوْطِنٍ***ضَائِعٍ
مَا تَصِفُهُ كُلُّ العَناوِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لِجَنَّةٍ***أَضْحَتْ
عَاريَةً مِنْ كُلِّ الرَيَاحِيْنِ
أَتَأَلَّمُ***لغُرْبَةٍ***حَمْقَى
لا أَجِدُ فِيْهَا مَنْ يُوَاسِيْنِي
أَتَأَلَّمُ***لأُمَّةٍ***مَاعَادَتْ
تَمْلِكُ غَيْرَ غُصَيْنِ زَيْتُوْنِ
عَفَّرَهُ الْذُلُّ
بِالْخِزِيِّ الْمُهِيْنِ
قَادَتُها شُجْعَانٌ جِدَّاً
فِي الجَرْيِّ أَمَامَ التِنِّيْنِ
أَتَأَلَّمُ حِيْنَ أَتَخَاذَلُ
عَنْ بَهْجَةِ كُلِّ مَحْزُوْنِ
أَتَأَلَّمُ
لِوَجْهِ وَطَنِي
تُعَفِّرُهُ دِمَاءُ الْمَسَاكِيْنِ
أَتَأَلَّمُ
لِهَيْبَةِ وَطَنِي
تُدَنِّسُهَا
زُمَرُ الْمُجْرِمِيْنِ
أَتَأَلَّمُ
وَ الأَلَمُ كَأْسِي
مَا فَارَقَتِ الْشَفَتَيْنِ!!



القراءة :


ألم.....
كم جلدتنا حروفكم البليغة بسياط الوجع ..فسالت من الأحداق الدماء عوضاً عن الدموع التي يبست وجفت على خدود الوطن...
دخلت أعماقنا واقتنصت كل الأوجاع المدفونة..ونظمتها سلسلة لا تنتهي من النزيف الجاري بين مسامات الوطن في كل مكان...في منظومة متينة البناء من حرف قال العجب في الميزان الوطني بنسيج قض مواجعنا وأعاد لهيب النار في جوارحنا وفي فوهة أقلامنا...
شاعرنا الكبير المبدع ..
ما هذا الجمال وقوة البناء التي حملها قلمكم الفذ وطرزها أنشودة وطنية تناسلت معاناة أمة بأكملها...ما هذه البراعة والمهارة في تنظيم الحروف وفق صور حملت وعي لغوي بقيمة التراكيب البنائية للكلمة في مفردات حية نابضة...
كل فقرة ألم نستطيع بناء مجلدات عليها...ونفرد لكل بؤرة قاموس لا يحده جهات ولا حدود...
اللغة العميقة المتوهجة استطاع الكاتب أن يربط بينها وبين موقع الحدث الذي قدم له أوصاف تتلاءم والدلالات والرمز الذي يسقط على أمة ما زالت تصارع بكل قوتها وأبعادها قوى الظلم وأنياب الإرهاب بكل أنواعه إبتداء من الإرهاب الذاتي حتى السياسي...
الكاتب قدم صوراً فظيعة مغلفة بالجمال وممتزجة بالصدق والألم..استطاع أن يعايشنا معه من خلال كل ألم تنفسه بين الضلوع ..
والتجأ لهذه الصور الفذة البارعة ليغلف أفكاره ويثبتها في نفس المتلقي..ليوقظ العواطف بلغته التصويرية المتينة التي تدل على قدرته العميقة وحرفيته من الأدب...
التعابير الدقيقة للأفكار جاءت بحجم الوجع مستقاة من بئر الذات ووفق الحس الداخلي الممزوج مع الخارجي لتظهر ترابطاً وإتقاناً مع روح النص لتتوسع معها بؤرة المعنى الإشاري...
براعة النسج هنا فتح المجال للخيال أن ينسجم مع الفكر العميق ضمن الدلالات المختلفة التي تقبع بين مسامات هذه الأمة المكلومة...والتي أفرزت طاقة هائلة من الإبداع الممزوج بالألم وأعتقت ملامسة الواقع بمرارة نازفة..

الأديب الراقي المبدع الكبير
أ.حيال محمد الأسدي
نص مؤلم موجع قال الكثير وعبّر عن كل فرد من أفراد هذه الأمة
حروف سطرتها ريشة قلمكم المبدع فدخلت النفوس وهي تنزف أسى ومرارة..
حياكم الله أيها الكبير على لوحتكم الفنية الرائعة وجمال ما نثرتم من إبداع..
سررت أن كنت بين سطور قلمكم البارع الفذ
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 03-09-2020, 12:58 PM رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص أرى عينيك (جيوكندا)
النّاص : عدنان حماد
القراءة جهاد بدران
...........................


النّص :


***أرى عينيك (جيو كندا)

أرى عينيك تبتسمانْ

وأوقن أنّه الفرح

الذي يمشي على عجل

ليكمل آية الصبح

التي ارتسمت

على كفيّ عاشقة

ويسأل قاطن الوادي

أمن خديّ فاتنة

يفوح النرجس البري أغنية يرددها خرير النهر والراعي وتُشْرعُ في سماء الله نافذة

نرى الصوفي والبوذي يفتتنان في امرأة إذا غنّتْ

تُبرئ ساحة الحلاج

***

أرى عينيك تبتسمان تبتهجان تعترفان في خفرٍ

فيسمو اللفظ والمعنى إلى أعلى مراتبه

نجوماً أبهرت عبقر

**

أرى عينيك تبتسمان تخترقان أوراقي و محبرتي

أحلق فوق أفكاري فتدفعني إلى ما لست أعرفه

يحفزني ارتعاش الصوت إذ يسري ليحملني

على كفيّ حوريه

ويغريني امتزاج النبض بالفكره

فتكبر فيك أحلامي

ويهمي الشعر بالفطره

ليسأل كاتم الأسرار

هل تُيمت في امرأة إذا ركبت بُراق الشعرْ

تُغني شعرها الأطيار***؟


القراءة :


ما أجمل هذه اللوحة الفنية الراقية وما تمنحنا من أبعاد وتأويلات ..تأخذنا لعالم النقاء ونحن نفترض الجمال من وراء لوحة جيوكندا..تلك اللوحة السحرية التي رسمها فنان محترف زرع فيها أبعاد الجمال وما تحمل من دلالات الأنوثة والرقة ..ومع هذه اللوحة يرسم لنا الشاعر كنه المغزى بين أهداب ابتسامة غارقة بالنقاء في وجه السماء..
الشاعر هنا استطاع من خلال اللازمة ( أرى عينيك تبتسمان) التي يرددها ثلاث مرات في القصيدة أن يلج بنا إلى عمق الفخوى والسر في جمال الخلق من خلال الإبتسامة الحية التي من خلالها تتغنى الحياة سعادة..
يربط الشاعر اللازمة هذه بعنوان القصيدة ( أرى عينيك جيوكندا)..
يربط جمال إبتسامة المرء باللوحة السحرية التي رسمها الفنان ليوناردو ديفنشي..وسر هذه الإبتسامة التي هي منبع السعادة والأمن الفكري والنفسي..مما أتاح للأخصائيين النفسيين والفلاسفة الوقوف بين ظلال هذه اللوحة ووضع فرضيات مختلفة تدور حول هذا المخلوق العجيب من البشر من كلا الجنسين..
وتذويت معالم الجمال الظاهرة والخفية تحت عدسة الرسام البارع..
فمن خلال العنوان..( أرى عينيك) ..وربطها باللازمة..( أرى عيناك تبتسمان).. نرى أن عملية الرؤيا مقترنة بالإبتسامة ..بمعنى أن الشاعر كان فناناً محترفاً في اختيار ألفاظه..حيث لا يمكننا معرفة رسمة البسمة على الشفاه إلا من خلال عملية الرؤية..وهذا ذكاء معهود من الشاعر في تحديد معالم حرفه بحرفية تدل على قدرته في انتقاء الدقة في الألفاظ واختيار بناء محكم لمنظومة حرفه..
ثم ننطلق لفحوى الإبتسامة نفسها وأثرها العجيب في إسعاد النفس والآخرين..من خلال الحديث النبوي الشريف:
" عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) رواه الترمذي، وصححه الألباني."
فالإبتسامة حين تكون في العينين هذا يعني أنها نبعت من الداخل لتكون مفتاح القلوب للسعادة والإطمئنان والراحة النفسية..
ومن هنا سأضع للإبتسامة معالم لتكون ممحاة الحزن والألم..وتكون أداة لرسم القوة النفسية في تحقيق عمليات التحدي والصمود والصبر أمام عصر ممتلئ بالآلام والأحزان..
وحينما تكون الإبتسامة بين البشر بمختلف أجناسهم..سيعود للذهن نشاطه واتقاده..وتتآلف الأرواح فيما بينها لتكون شعلة حب بين بني البشر ..
لذلك نرى بين يدي قلم الشاعر اكتظت الصور الشعرية والبلاغة والفصاحة وهو يصور لنا ما يفيض من الإبتسامة وهي تطرق القلب والمشاعر لتكون ضياء بين الأحداق ونوراً في الأعماق يجلي من خلفها كل حزن ويشرح صدره بالأمل والسعادة..
يقول الشاعر :

( أرى عينيك تبتسمان
وأوقن أنه الفرح
الذي يمشي على عجلٍ
ليكمل آية الصبح التي ارتسمت
على كفي عاشقةٍ
فيسأل قاطن الوادي
أمن خدي فاتنة
يفوح النرجس البري أغنية يرددها خرير النهر والراعي وتُشرِعُ في سماء الله نافذة
نرى الصوفي والبوذي يفتتنان في امرأة إذا غنت
تبريء ساحة الحلاج)

فمن خلال البسمة التي ارتسمت في العيون ..جعلت من الصبح آية الجمال تنبعث من الأرواح وهي تشرق لعشق جديد يكون للنقاء عنوان...
الصور هنا قمة في التصوير وبراعة في تحديد المشاعر ..ورسم آيات السعادة وهي تتجلى من قلم يصيغ الألفاظ بأسلوب سحري مميز..
العمق هنا في الروح أيقظ الإحساس الداخلي وربطه بالصورة الخارجية التي رسمت أمام الشاعر لوكون صورة فنية رائعة..ارتبطت بألحان الفكر التي عزفت أوتار القلب...
ويكمل الشاعر ألوان اللوحة بدقة متناهية ارتبطت بتعابير رقيقة راقية كانت نتاجاً من تلك البسمة التي أوحت له بالسحر والجمال:

( أرى عينيك تبتسمان تبتهجان تعترفان في خفر
فيسموا اللفظ والمعنى الى اعلى مراتبه نجوما أبهرت عبقر)

نعود لمحلول البسمة الذي تعددت ألوانها من حرف الشاعر ليربط جمال الحرف والتعابير الدقيقة بروح النص وتفاعل الإحساس الداخلي مع خياله الواسع وبراعته في منح المتلقي الإحساس بكل حرف والتأثير في النفوس..من خلال اندماج المؤثرات الداخلية للشاعر مع تراكيب اللغة المتألقة الإبداعية..مما كشفت المخزون المتراكم من المشاعر النابضة...
يكمل الشاعر لوحته الرائعة بقوله:

( أرى عينيك تبتسمان . تخترقان أوراقي ومحبرتي
أحلق فوق أفكاري لتدفعني
إلى ما لست أعرفه
يحفزني ارتعاش الصوت إذ يسري ليحملني على كفي حورية
ويغريني امتزاج الصوت بالفكرة
فتكبر فيك أحلامي
ويهمي الشعر بالفطرة
ليسأل كاتم الأسرار هل تُيمت في امرأة اذا ركبت براق الشعر
تغني شعرها الاطيار في قرطاج والبصرة.)

ما أجمل هذا الوصف الذي كان سبباً في تدفق
الحروف لتكون لوحة راقية..
تلك التي منحت الشاعر حروفاً تتدفق على الورق لتكون نهايتها قصائد جمالية تتغنى وتمتلئ بالأحلام المحفزة لخلق الواقع المغني بالسعادة والراحة ...
.....
الشاعر الكبير المبدع الراقي
أ.عدنان حماد
كانت ظفائر قصيدتكم تتدلى بين العيون لترسم لوحة جمالية راقية حفزت الخيال نحو رسم كونٍ من السعادة وهي تبحر بين ضلوع القصيدة الراقية..من خلال اللغة المتوهجة التي لاءمت الصور الحية في بناء اللوحة البارعة هذه..
دمتم والجمال عنوان قلمكم الفذ
ودام عطاؤكم المحفز للمتابعة..
بوركتم ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 03-09-2020, 01:06 PM رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : مناسك الرّصاص
النّاص : تيسير حرب
القراءة جهاد بدران
.........................


النّص :


يعقدُ نية الحجِّ الرصاصُ
الى أوْلى القُبَّتيْن...
بأزيزٍ مرتّل الآيات
بفتوى البارود
أنّ الحج – هذا القرن –
تحت وقع الطعنات
وقوفاً " بقُرنْطل "
وإن أفْتتِ المآذنُ واللاءات

تدجّجَ بمدارات الطواف
ويعلمُ أين يسعى
إن اكتظّتِ المداءات
بين " صفا " البندقية
"ومروة " الخَلاص

أزاح أسمالَ الصبر
عن نيّة العَتاد
المُسيِّل للقِناص
وضَبطَ بندولَ طلقته
وجاسَ خلال الحَجيج
ولما آنس مَهبَّ القَصاص
جبُنَ المرمى ، والعربات...!
هنا خشع الزنادُ بأجزلِ الطلقات
وأمطر " الجَمرات "
وقد " استطاع اليه سبيلا "
...............
قُرنْطُل :جبل بمدينة أريحا في فلسطين


القراءة :

مناسكُ الرصاص
عنوان متفرد يحمل هوية وطنية لا شبيه لها..
العنوان وحده من أسفار التأويل وهو يحمل بين دفّتيه أسراراً عجيبة ودلالات راقية بارعة يستند عليها النص المذهل بعمق معانيه ولغته البليغة المتينة البناء المليئة بالرموز الجديدة المتجددة...
العنوان في بنائه الخارجي عبارة عن كلمتين متضادتين في المعنى.. لو فككنا شيفرتها لوجدنا كل واحدة تحمل معنى بعكس الكلمة الأخرى..وكل واحدة تحمل تأويلاً مختلفاً وهذا سر الجمال في هذه اللوحة الفاتنة..
لو تأملنا كل كلمة لوجدنا كنوز المعرفة بين ثناياها..وهذا ما دفع الفكر الوقوف طويلاً بين ظلالها والبحث والتنقيب عن جماليتها وأسرارها..
أما الحديث عن البناء الداخلي للعنوان والذي نصب لنا تأويلات عدة فُتحت معها أبواب الذهن وفاض العقل تجاذباً مع الخيال وتم تشريحه بإحدى التأويلات ..
مناسك الرصاص..
من خلال كلمة مناسك..نعرف أنها اندرجت تحت معاني العبادة لتليها مناسك الحج والتي تهدف تطهير الروح قبل الجسد من علق الدنيا ومفاسدها..
والمتلقي يذهب فكره لأماكن العبادة..لكن من خلال الغوص بين مراتب الكلام المنظوم هنا نجد بُعداً فلسفيا فكرياً ناضجاً واعياً بقدرة فنان محترف..تختلف معالمه عن سطحية المعنى وتأخذنا لأبعد عمق وذهن متقد يجول ما بين رصاص وعبادة...
وهنا تأتي عملية الكشف عن نقاب وجه هذه اللوحة لنرى جماليتها ونضارة وجهها..
والسؤال الذي نود طرحه في هذا العنوان..
هل تلتقي مناسك العبادة مع الرصاص وقد حرّم القتل أثناء تأديتها؟
سنرى كيف يكون ذلك من خلال التنقيب بين ذرات اللوحة هذه..
يبدأ الشاعر هنا برسالة إيمانية المطلع بقوله:

( الى أوْلى القُبَّتيْن...)

من يقصد الشاعر بأولى القبتين..بالرغم أننا نعرف اسم أولى القبلتين وهو المسجد الأقصى..
وهنا يكمن الجمال والبحث عن مقصد الشاعر..
فالمتلقي لن يدرك المعنى لذلك إلا مع عملية البحث والتنقيب..
سمي أولى القبلتين لأن المسلمون قبل الهجرة النبوية قد صلوا أول صلاتهم باتجاه القبلة نحو البيت المقدس..وبعدها تم تحويلها نحو مكة المكرمة لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم للكعبة المشرفة إذ كان يصلي نحو المسجد الأقصى والكعبة ببن عينيه..عدا عن ذلك لمخالفة اليهود في صلاتهم التي يستقبلون بها المسجد الأقصى..
هذه خلاصة التسمية بأولى القبلتين..
والسؤال..ماذا قصد الشاعر بأولى القبّتين؟
وهو المسجد الأقصى أيضاً..ويعني قبة الصخرة التي هي في الأساس عبارة عن قبّتين وليست قبّة واحدة ..وهما عبارة عن سطحين مستقلين عن بعضهما البعض..حيث يفصلهما فراغ يبلغ طوله حوالي نصف متر وفيه باب صغير لتتم عملية الأصلاحات عند اللزوم داخل القبة..( هذا ما قرأته عنها)..
لذلك هذه الهندسة المعمارية للقبّتين توحي لنا بالتدبر والتأمل في عظمة بناء هذه القبّتين ويوجب علينا التقديس والعبادة بروح نقية وعظمة للخالق الذي جعل هذا البيت مكان اتصال مع أبواب السماء ومكان صلاة الأنبياء فيه لعظمته وقيمته العظيمة عند الله تعالى..وهذا يشير لنا الحفاظ والدفاع عن هذا المكان بالأرواح والأقلام وما استطعنا إلى ذلك سبيلاً..فلا نسمح لأنفسنا أن تدمع عينيّ الأقصى من تدنيس اليهود المحتل له..ولا أن يعلو صوت بكائه صوت المآذن..والأرواح تسكن الأرض فلا تجيب..
بعد رسالة الشاعر للأقصى يتبين فحواها بقوله:

(الى أوْلى القُبَّتيْن...
بأزيزٍ مرتّل الآ يات)

يريد الشاعر أن يظهر لنا دور الرصاص والبارود في رسالة الأقصى..
استخدم الشاعر كلمة (أزيز) وهو الصوت القوي الشديد الذي يصم الآذان ويحقق المبتغى في وجه الأعداء..وكأنه أراد بنا أن نغير بوصلة التفكير والإعداد والتخطيط..بلا مفاوضات ولا تداولات على منصة الإنكسار..وأن يكون القاضي والمفتي في الأقصى هو الرصاص ..لتتعدّل المعادلة الحقة مع الشعب الذي ذاق من الحكام والقادة غصص الآلام والقتل والتشريد..لم تعد تصلح لغة المناقشة والمهادنة والحوار مع الكبار..لم نعد نفهم الآن إلا لغة البارود وصوت الرصاص...
( بأزيزٍ مرتّل الآيات)..مرتّل الآيات ..تعني الرصاص الذي يحمله المجاهد في سبيل الله..
وهذا كناية عن آيات الله سبحانه في الجهاد في سبيله لتحرير الأقصى والقدس وكل فلسطين وسائر البلاد العربية والإسلامية
..فلن يخرسهم كلام ولا يقنعهم أدلة ..بل هم متمردين على كل قوانين الدول الكبرى..لذلك لن يكون لهم حلّ إلا الجهاد في سبيل الله

(بفتوى البارود
أنّ الحج – هذا القرن –
تحت وقع الطعنات)

يريد الشاعر أن يظهر دور الرصاص في حرية الأرض وهوية الفرد..
لذلك ألبس للبارود دور المفتي الذي يحكم بالعدل وبما يرضي الله...وهذا كناية عن تقديس دور البارود حين يكون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى..
فالذكاء والحكمة وأسلوب الطرح كان عميقاً فيه فن راقي وعبرة وفكر متقد حكيم..
فقوله بأن الحج هذا القرن تحت وقع الطعنات..دليل على إعادة النية من جديد في عقدها بالجهاد في سبيل الله وليس غير ذلك إطلاقاً.. بمعنى لن يحرر البلاد والقدس والأقصى إلا بعد أن نعقد النية للجهاد ونكون في أرض المعركة تحت الطعنات
لأجل قضيتنا التي لم تنتهي بعد من عشرات السنين..
الشاعر هنا استخدم في ألفاظه تناص عن مناسك الحج..بهدف إيصال فكرته بطريقة متجددة تخدم مراميه وفق فكر مضيء..وأبعادٍ تقع مع مجريات الأحداث اليوم وما يجري في القدس وفلسطين..
استخدام الشاعر لكلمة الحج لها دلالات متعددة..فالحج هدفه الأساسي غسل الذنوب والتطيب بالعبادة لمحو الآثام والمعاصي من قلب الحاج الذي يقبل لمناسك الحج بنية معقودة لوجه الله كي تتم محو الذنوب ويعود الإنسان كمن ولدته أمه...
وأما في هذه اللوحة فقد كان هذا التناص ليكون الرصاص هو من يطهر قلب فلسطين من الأوغاد المحتلين لأرضها..لتعود البلاد بكراً كما كانت أول عهدها زمن الحكم الإسلامي وزمن صلاح الدين وخلفاء المسلمين...
لنعقد النية بالرصاص لتنظيف البلاد من التدنيس..

(وقوفاً " بقُرنْطل "
وإن أفْتتِ المآذنُ واللاءات
تدجّجَ بمدارات الطواف)

التناص هنا مع مناسك الحج جعل اللوحة أكثر عمقاً وفهماً وتأويلاً فتح أبوابه لقطف جمال الفحوى..
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحج عرفة " (1) الحديث أخرجه أحمد فى مسنده ورواه أبو داود والترمزى والنسائى وابن ماجه فى السنن .. كما رواه ابن حبان والحاكم وصححاه من رواية عبد الرحمن بن يعمر الديلى)..
بمعنى أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج..
وما أراده الشاعر هنا وقوفاً بقرنطل..جبل بمدينة أريحا..وحتى يتم الرصاص بإطلاقاته وتصويبه يجب عليه أن يتم الحج بالوقوف على جبل قرنطل..ذلك الجبل الذي له تاريخ ومعلم ديني مع سيدنا عيسى عليه السلام..
كما ذُكر في الموسوعة الحرة ويكيبيديا..
" في هذا الموقع قضى المسيح عليه السلام 40 يومًا وليلة صائمًا متعبدًا "... فالصيام والعبادة الحقة تعتبر منفذاً متيناً لتحقيق ما يسعى المرء إليه في حدود رضا الله سبحانه وتعالى..فكأن الشاعر هنا ومن هذا الجبل أراد منا التطهر من المعاصي والذنوب ونطلق للنفس العنان السبح في عبادة الله لتستطيع التصويب بالرصاص نحو عدو الله الذي يريد هدم بيوت الله ومآذنها كالأقصى الجريح..فلن يتم تحريره بنفوس خبيثة ممتلئة بالمعاصي والذنوب والفساد..لذا أرادنا الشاعر أن نغتسل منها بالعبادة والتمسك بحبل الله المتين والعمل بشريعة الله سبحانه...فلن يتم تخليص البلاد من المحتل إلا بعد أن تتطهر النفوس وتعقد النية من جديد للجهاد في سبيله..وهذه قاعدة أساسية وأركان وأسس ثابتة في العقيدة ليتم النصر من عند الله...فلن يتحقق النصر إلا مع النفوس التي تطهرت من رجس شياطين الإنس والجن..وإلا كيف تحققت الفتوحات مع الخلفاء الراشدين والفاتحين من الصحابة والتابعين والصالحين كصلاح الدين الأيوبي..وعمرو بن العاص..وخالد بن الوليد.. إلخ..إلا بعد أن كانوا مصاحفاً يمشون على الأرض قولاً وعملاً به..
وهنا ومع رمزية جبل قرنطل والسيد المسيح عليه السلام..أراد الشاعر من هذا الرمز الديني أن الدين عند الله واحد تحت ظل الإسلام.. وأن تكون حروف الشاعر رسالة هادفة توجيهية تلمّح للجانب الديني على صعيد الفرد والأمة أجمع..ويريد أن يوجهنا لركن من أركان الإسلام عدا الصلاة والحج..وهو الصيام كصوم سيدنا عيسى عليه السلام..لأن الصيام مدرسة متكاملة لتطهير النفس من الرجز والآثام..وهو الذي يلجم النفس عن الوقوع في المعاصي والذنوب.. الصيام صقل للذات والشخصية المستقيمة التي تبحث عن الطهر والنقاء..وهو سبيل الأنبياء في توجيه البشرية نحو مكارم الأخلاق والتخلص من مفاتن وإغواءت الحياة الدنيا..هي رسالة قيمة نفيسة تبث في النفس إصلاحها لتستطيع أن تحقق المبتغى في تحرير القدس وفلسطين...وهي مناداة للمسيحية وللمسلمين على حد سواء للوقوف معاً لطرد المحتل من أرضنا المغتصبة..
يكمل الشاعر قوله:

(ويعلمُ أين يسعى
إن اكتظّتِ المداءات
بين " صفا " البندقية
"ومروة " الخَلاص
أزاح أسمالَ الصبر
عن نيّة العَتاد
المُسيِّل للقِناص
وضَبطَ بندولَ طلقته
وجاسَ خلال الحَجيج
ولما آنس مَهبَّ القَصاص
جبُنَ المرمى ، والعربات...!
هنا خشع الزنادُ بأجزلِ الطلقات
وأمطر " الجَمرات "
وقد " استطاع اليه سبيلا ")

بين صفا البندقية ومروة الخلاص..
ما أعظمها من صورة وقعت من قلب مناسك الحج كناية عن أداء دور الرصاص حين يؤدي دوره في وجه العدو بما يرتضيه الله..
هنا الأوصاف كانت نوع من أنواع التجديد في بناء الصورة ووضع ملامح الهدف بصورة غيّرت اتجاه الفكر ووسعت مدارك الخيال بتوسعة البناء وفلسفة الحرف الذي يتناسب مع الحدث ..وكناية عن طرق العتاد التي يجب أن تكون وفق مناسك الرصاص..
فالشاعر هنا وضع للبندقية أساليب جديدة تزيح عنها من الإكتظاظ أسمال الصبر لتتهيأ إلى خشوع الزناد فينطلق بعد فوران البندية وانتهاء حدود الصبر...ليمطر ويطلق الجمرات برجم العدو من الديار ليكون الحج قد أنهى دوره عندما يستطيع الرامي السبيل في إطلاق رصاصه باستطاعته الحكيمة وقدرته المتمكنة من الضغط على الزناد ..
وعملية (خشوع الزناد بأجزل الطلقات) وصف دقيق عميق لا يبسط وصفه إلا محترف ولا يحمل لفظه إلا صاحب فكر نتّقد واع ناضج..
عملية التناص في هذه اللوحة فتّحت شرايين التدبر التفكر بين جذور النص فجاءت تواكب مرمى الشاعر في مجتمعٍ أصبحت البندقية الناطقة باسم الإنسانية ..فالعدو ينطق بها وهو يدوس على معاني الإنسانية..وصاخب الحق والأرض المسلوبة ينطق بها بحق للدفاع عن الإنسانية..معادلات متناقضة في أرض الرحى كلٌّ يهتف بمصالحه وبحقه إن كان حقاً أو باطلاً..لكن الرصاص يحتاج عين ثاقبة ودراسة عميقة لينال الهدف في أقصر وقت وهو يسبح في قلوب أعداء الله..
من خلال التناص الذي اجتمع بين مناسك الحج..كان لزاماً عليه أن يكون الحاج في محراب الله ليؤدي المناسك فيما يرضيه في وجه المحتل ..
فالخشوع مع مناسك الحج لا يكون إلا فيما يرضي الله سبحانه..بلا أهواء ولا مطامع ولا مصالح ذاتية أو مذهبية كما هو اليوم مع الرصاص وقتل الإنسانية بغير وجه حق..
فالشاعر في كل أوصافه وتشابيهه كان متقناً في غرس بذور حرفه بدقة متناهية وهو يدري أين يبيت حرفه..لكل لفظٍ استطاع حياكة ثوب له بمقاس مناسب وبذكاء متّقد..
كوصف ( وأمطر الجمرات..وقد استطاع إليه سبيلاً)...
حيث نجد من الجمرات بالرصاص المدروسة والمعقودة النية نحو الهدف المبتغى.. تستطيع
تحقيق السبيل المرسوم لها منذ عقد النية..وهذا يصلح للجانبين للعدو وصاحب القضية..ويبقى الرصاص في الحج يلقي مهامه فيما يرضي الله حتى يستطيع لذلك سبيلاً..
وهنا ومع انتهاء سحر هذه اللوحة نجد العبقرية في استخدام الحرف وتوظيفه في مكانه الخاص وفق معالم أدبية نفيسة وبأسلوب فذ متفرد..استطاع من خلالها الشاعر حكّ الذهن والفكر والخيال لاستجلاب طرق جديدة في غزل الحرف تحت مسميات جديدة..وهذا يدل على واسع الفكر والخيال وسحر الحرف الذي يملكه الشاعر وهو يتجول بقلمه الفذ بين أروقة الأدب...
من خلال استخدام الشاعر لمفردات مناسك الحج يدل على أنه على إلمام تام في كيفية أداء مناسك الحج أو أن يكون حاجاً بالفعل..
.........

الشاعر الأديب الكبير المبدع
أ.تيسير حرب
لقد كنا بين أروقة حرفكم ونحن نتذوق جمال وسحر الحرف المتألق المبدع ..
فقد كان حرفكم مرآة الواقع اليوم ما بين حرفية نسجكم واندماج تراكيب اللغة مع الواقع اليوم ومؤثراتكم الذاتية التي منحت الخيال أبعاداً متعددة تلاءمت مع الحدث واصطدمت بجذور الواقع والأزمة التي تنسجها الفوضى في كل بلادنا العربية..مما أثارت لغتكم الإبداعية بتصوير محكم وتشابيه فذة كان لفكركم النيّر دورٌ في إثارة الصور الذهنية البارعة برموز وتأويل حملت أبعاد الألم والوجع النازف من جسد الأمة..وكشف الواقع المرير بالدلالات المختلفة التي صورتموها بتقنية عالية من خلال الأوصاف المتقنة والتشابيه الإبداعية التي تدل على براعتكم وحرفيتكم في حياكة أثواباً مختلفة من الجمال والسحر...
تفاعل الإحساس الداخلي مع عناصر النص واندماجها مع الرموز فتح مسامات القصيدة في عين المتلقي ليعيش في دائرة الوطن النازف وجعاً..ومن خلال لغتكم العميقة والصور الحية والتراكيب البنائية للكلمات..صنعت لنا لوحة متميزة فنية تحمل البراعة بين أروقتها وتحود علينا باتجاه فكر جديد متقد بجمال الحبك والبلاغة والفصاحة...
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والأدب والنور والخير الكثير...
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 03-09-2020, 05:43 PM رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : النّاي
النّاص : تيسير حرب
القراءة : جهاد بدران
...........................

النّص :

لستُ الومُ الناي
إذ تَكسّرَ لحنهُ
حين لم يجد عازفاً
غير زفيرٍ من حشاي
لكنَّ عمى اصابعي
لم يبلغ سنَّ العزف
بين أناهُ وأناي
ولم يحسنْ مراودةَ القُنوتِ
بين ثقوبهِ ولظايْ


القراءة :


الناي...
عنوان مفتوح متجرد من إي اتصال بكلمة أخرى..وهذا يمنحه التوسعة في الفكر والخيال ويزيد في عمليات التأويل في كل اتجاه..وكفيل بأن يمنح تأشيرة دخول لأي مكان في الذهن وفي فضاء متسع الألوان..
فكون الناي عنواناً اتخذ من نفسه جسداً بحد ذاته ..جعله محل استقطاب المتلقي لوضع فرضيات متعددة لتأويلات عدة..
وبما أن العنوان قيل عن أداة من أدوات موسيقية ..هذا يعني الرقي والإبداع فيما وراء الحروف مصطحبة أنغاماً بصور مختلفة..حزينة أو مفرحة ..تتبع ريشة الفنان أينما خط مداده وعلى أية ديباجة نقش جمال حرفه..
الشاعر هنا يحاول من أداة الناي أن يعزف لنا ما في أنفاسه من تعبير بلحن مختلف الأوتار ..فيقول :

(لستُ ألومُ الناي)

هذه العبارة جاءت تعبّر عن حدَثٍ مسبق نتج عنه عدم لوم الناي..وهذا يدلنا على أن الحدث عميق الأثر في النفس مما استدعاها لهذا اللوم..
فالمعروف عن الناي أنها أداة بين أنامل العازف يقلبها كيف يشاء وينفخ فيها أنفاس المشاعر...
يعبر بها عن مشاعره ويربطها بتأثره بالخارج وانعكاسه على الذات ..فلا يلوم أداة لا تنطق وحدها صامتة لا تحرك ساكناً..بل يلوم ذلك العازف الذي يتربّع اللحن بين يديه ويتقن عزف الحياة والمشاعر وقراءة الواقع المؤلم..
يقول الشاعر:

( إذ تَكسّرَ لحنهُ
حين لم يجد عازفاً)

هنا كناية عن العيش مع كل ظرف لا يتقن فيه المرء فن التعامل مع الواقع ومهارة العيش وفق الظروف التي يحياها..
فالتخبط في الواقع يخلق زمناً يتكسّر لحنه وتموت روحه ليكون في معاناة لا يجيد الخروج منها بسبب قلة الفهم والوعي والإدراك والفكر..ليكون في أزمة حقيقية يصعب الخروج منها سالماً...
فكل ظرف يحتاج ماهراً يعزف فن التعامل معه ويحتاج فكراً عميقاً وذكاءً يخرجه مما فيه بطريقة الحكمة والمهارة...
تتكسّر كل الطقوس حين لا نجيد فهمها ولا نعي فِقهَها...وهذا يتطلب دراسة وتخطيطاً...
يكمل الشاعر قوله:

( غير زفيرٍ من حشاي)

الشاعر هنا يوضح لنا مدى ما يحمله من هموم وألم..من خلال ما تنتجه الناي وتصطاده من ذلك الزفير الذي يخرج من الأعماق وهو كناية عن الألم والمعاناة..
ويريد بنا القول على أن الوطن هو الناي والإنسان هو العازف على أوتاره..إن أحسن العزف وأتقن فن العزف من فكر وتخطيط وتنفيذ ورؤيا ثاقبة محنكة..كان العزف متقناً وعندما تنحرف قيادته ويتخبط في عزفه تكون النتيجة العمى وسوء التصرف والضياع...
الزفير هنا كناية عن خروج كل الآهات والأحزان من داخل المشاعر كلها..وهذا من قمة الوجع الذي يعشش في داخل النفس ويخرج من الأعماق بقة الإحساس ليلوّن مدى الأسى على قيثارة موسيقية تنطقها الناي بلحن حزين تشير على الأشواك المغروسة في الذات..
الشاعر هنا يتلاعب بالحرف كالعازف الفنان الذي يكتب نوتة عزفه ويتقن النحت عليها بمهارة..
هنا يأخذنا العمق لفكر واعي يحمل هوية الوطن وثقافته ويظهر العلاقة بين الناي وعازفه..بين الفرد والوطن..بين قائد وجندي..بين السلاح وصاحبه..
كلها معادلات تأخذنا لنفس النتيجة..الخبرة والتخطيط والثقافة وفقه السياسة وفقه المجتمعات والمعاملات..وتكامل المعرفة وحسن الإدارة والتجنيد في جميع المجالات الحياتية تأخذنا لبر الأمان وتحقيق القمة في تحقيق عناصر الحياة على جميع الأصعدة..
إن لغة المعرفة في شيء ما يحقق لنا نتيجة مرضية..كالناي والعازف ..إذا أتقن فن العزف بمهارة كانت النتيجة ألحانا ساحرة وفريدة يطمئن لها القلب وتطرب لها النفس..وما الفساد في المجتمعات أو على صعيد الأمة إلا نتاج إدارة سوء ووضع الإنسان المناسب في غير مكانه..بحيث يقوم بأدوار متخبطة يسيء للأمة من سوء جهله...لذلك هنا الشاعر ما أراده هو تنمية الوعي بأهمية الإعداد لأي مجال من المجالات الحياتية..ثم التخطيط المدروس المبني على أسس وقواعد تلائم تغييرات المجتمع ومستجداته..ليكون هناك نظام مبني على احتياجات البشر يلائم البيئة بما فيها من مستويات العلم والمعرفة..بحيث تتساوى الأنظمة مع احتياجات الفرد فيها..لينتج سلوكيات تقود أمة صالحة تقوم على عمل يتفاعل مع شريعة الله بلا تناقض مع أسسها ومنهاجها ليبقى التفاعل مستمراً وناتجاً من أثر الوعي بالأصول الإسلامية ليرتقي في سلم الفضائل ويتحول لدرجات العدل وزوال الظلم...فالحفاظ على السلوك في دائرة الشريعة يضمن تطبيق آيات الأخلاق ليتحول الفرد إنساناً بكل ما تحمل الكلمة من معنى..ومن ذلك يختفي نصل الظلم ..
وهنا يوضح الشاعر معنى التخبط وعمى التركيز والعزف وعدم الإتقان طالما لم تتم عملية النضوج والوعي..يقول:

(لكنَّ عمى اصابعي
لم يبلغ سنَّ العزف
بين أناهُ وأناي
ولم يحسنْ مراودةَ القُنوتِ
بين ثقوبهِ ولظايْ)

ما أبلغ ما خطه هذا اليراع البارع في هذه السيمفونية العذبة..
عمى الأصابع لم تبلغ سن العزف..
لم يقل عزف الأصابع أو نضوجها..بل قال عمى الأصابع..وفي هذا الوصف دقة لامتناهية من رسم الصورة السليمة المتقنة لعملية العزف..فحين تعزف الأنامل البارعة المذهلة معزوفة ما..فإنها تعزف لوحدها على السليقة بعد الدراسة العميقة لكيفية العزف..
لأن العازف الماهر حين يتمرس ويتمكن من العزف تصبح أنامل مطواعة للآلة التي يعزف عليها بدون أن تقرأ النوتة أو تحللها..لتصبح الذات الداخلية مرتبطة بالإصابع لتكوّن معزوفة سحرية..وبمعنى أدق ..يصبح العازف الماهر يعزف أي لحن يعرض عليه ..
ومثال ذلك ..الفنان الراقي البارع نصير شما..الذي يزف للعامرية وما جرى بها من خلال أنامله العمياء التي لا تقرأ النوتة بل تعزفها المشاعر...لذلك حين تبلغ الأنامل سن العزف تنثر لنا عبق السحر والجمال ..

(ولم يحسنْ مراودةَ القُنوتِ
بين ثقوبهِ ولظايْ)

وتحسن الإبتهال بصدق والدعاء بخشوع وتجلي متكاملين بالمشترك بين ثقوب الناي وآلام الشاعر.. ويستطيع حينها تخطي كل الآلام والآهات..

شاعرنا الكبير المبدع الراقي
أ.تيسير حرب
قدمت لنا ومضة مذهلة تفتحت معها بذور الفكر وطربت لها الروح من عمقها وما حملت من دلالات متعددة ومختلفة كشفت لنا كمية الجمال والسحر المنطوية بين ضلوع هذه الومضة الراقية..
فقد صورت لنا الواقع بأسلوب فني إبداعي حققت معها تلك الموسيقى الفكرية التي تجسدت في إحساس متيقظ بتراكيب بنائية حققت الدهشة أثناء التنقيب عن أسرارها وأبعادها بترابطها المتقن واللغة القوية الدقيقة التي دلت على مكانتكم من الشعر والأدب ومدى الخرفية في تطويع الحرف..
فالمؤثرات الذاتية أيقظت الحروف في عين القارئ برؤيتكم الفكرية الثاقبة والرمزية المتقنة التي تعدد الإسقاط فيها..
بوركتم وما نسجتم من سحر وجمال
ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 04-09-2020, 07:58 PM رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : موت عصـــافير النخـــيل
النّاص : إحمد القيسي
القراءة : جهاد بدران
....................


النّص :


لأطفال الفلوجة
وحصار ألموت المطبق من كل الجهات

نُـــواحُ ألطِّفــلِ قــد بلــغَ ألثُـــريّا *** و جــالَ صـداهُ في رمــلِ البـــراري
و شمَّـتْ روحَــهُ الدنيـا احتــراقاً *** بـلادُ الثلــجِ مَــنْ َخْلــــفَ البحـــــارِ
و مــاتتْ عنهُ عاطفــةُ السِّياسي *** و رقَّ الــذئبُ أو قلــــبُ الحمـــــــارِ
وَ صَــدّتْ شرفةُ الغــبرا جُحــوداً *** و مضبعــةُ الفســادِ عـن الـــذَّرارِيْ
قـد استغشـوا دمـاءَك يـا عــذابي *** و لـم تألــــــــمْ لآهــــاتِ الصِّغــــارِ
فـلــن يبكـي ألجَمــاد على أنيـــنٍ *** وهــل فـي الثلـجِ من قـَبـَـسِ لنــار؟
وهل تُرجَى السَّماحةَ من وضيـعٍ *** سقيـــم ألفكــر خـــــوّان ألجـــــوارِ ؟
فشيّـــمْ كل ذي جـــرحٍ و نخــــلٍ *** يجــيك المـــدّ مــــن فـَـلك القفــــــارِ
و قــلْ ياربُّ ضـاقتْ واستشاطتْ *** بهــا الأطفــال مــن ضـنك الحصــارِ
تـلــوكُ شحوبهـا فـــرطَ اقفـــرارٍِ *** و أفـــق المــوتِ يرشـحُ عـن دَمـــارِ
أ يــا فلوجـــة الأعـمـاق صبـــراً *** فمـا كســب الخلــــودِ مـــن العـثـــارِ
و يــا فلّوجــــة الفجــــرِ المُدمّـى *** يشيــــحُ الوجــهَ عــن فلك المَــــدارِ
لكِ أن تجـرعي ألمــوتَ أحتــراقاً *** زؤامََ الحقــــدِ في حَـلَك الصَّــواري
فيــا هَلَعـي علـى طفــــلٍ رَضيــعٍ *** و يـــا جَــــزَعي علـى ذاتِ السِّــوارِ
و يــا قلقـي على شيـــخٍ كبيـــــرٍ *** تناهشهُ التَّــــــراذلُ فــــي صَغـــــارِ
إذا لا حُـــوبَ في طفــلٍ و شيــبٍ *** و أطـــبقَ كالـــرَّحى وَهَـــــجُ الإوارِ
ركـوب الرّمـحِ أبلـغُ مــن جـــوابٍ *** لثلـجِ ألصُّفــرِ يمحــقُ رسـمَ داري
فضمّي النخـــلَ في صَمَــلِ المنـايا *** يُساقــــطْ دمــعَ معتــــذرِ الوقـــــارِ
فمـا نيــل ألخلــودِ على خنــــوعٍ *** و مـا تــأتِ الكـرامــةُ عــن خــــوارِ
نقشْـتِ من حـروف النـور فجـراً *** شمـــوس الله تشـــرحُ للجَـــــواري
فــأنت صليبُـنا حَمَــــلَ الخَـطـــايا *** رزايـــا ألعُـــرْبِ وصمـةَ كلَ عـــــارِ
أحــــاطَ ألمـــوتُ من كل الــزوايا *** و أطبقــــتْ الـُّدروبُ عــن الفــــرار
فــــأيًّ دريئــةٍ تَـــنْآى البـــــــرايا *** و قــد بـــرأَ العُفـــاةُ مـــن الجــــوارِ
فيــا أمّــاً لعامــــرَ هـــــل أمـــــان *** أم ألـــــرَّزّازة الخجــلى انتحـــــاري
و هـــل عرفــتْ بلادُ اللهِ غـَــــدراً *** دخيـــلَ العهــــد في جَنَــفِ الـمـــزارِ
فمــا ذاك الخـَـلاقُ خَـــلاق أهــلي *** و إدمــاء الدَّخيــل كمــا الضَّـــواري
و كـــلّ رزيّــةٍ بجبـــينِ قــــــــومٍ *** ليــــــوم الله تُذكَــــــــــرُ بانكـســـارِ
ألا يـا ربّ هــــلْ نُفنـى شقـــــاءَ *** لأذنـــــابِ العقــــــاربِ و الشِّـــــرارِ
و قــد نشبتْ مآبرُهــا بروحـــــي *** فمــا غضـبتْ تمــيـمُ و لا نـــــزاري
ألا عـُـــذراً لروحـــك يــا فـتــاتي *** عروسَ ألنخـــل مـن رُقْيــا الفَخـــارِ



القراءة :


موت عصـــافير النخـــيل .....
لأطفال الفلوجة*
وحصار ألموت المطبق من كل الجهات

نُـواحُ ألطِّفــلِ قـد بلــغَ ألثُـــريّا *** وجـالَ صـداهُ في رمــلِ البــراري
وشمَّتْ روحَهُ الدنيـا احتــراقاً *** بـلادُ الثلــجِ مَـنْ َخْلــــفَ البحــارِ
و ماتتْ عنهُ عاطفــةُ السِّياسي ** * و رقَّ الذئبُ أو قلـبُ الحمـــــارِ
وَصَــدّتْ شرفةُ الغــبرا جُحــوداً *** و مضبعةُ الفسادِ عن الـــذَّرارِيْ
قـد استغشـوا دمـاءَك يا عــذابي *** و لـم تألــمْ لآهــــاتِ الصِّغــــارِ

موت عصافير النخيل...
ما أرقى هذه الخريدة الباذخة الجمال..لوحة رسمتها ريشة فنان محترف..
وجسد الصور بإتقان فني عالي القدرة..والتي لا يقدر على تجسيدها إلا الكبار أمثال هذا الشاعر العملاق..
يحمل الشاعر كاميرا محدبة ومقعرة يرسم صوره وفق سياق المعاني والعمق والرمزية التي يشير لها لاحقا..وبدلالات ثرية يوضحها فيما بعد...
قصيدة كتبت بالروح والمشاعر قبل أن يخطها القلم..وهذا ما يميز نصوص الشاعر..
وما يشير إلى قوة الشاعر هو تعابيره الدقيقة في وصف الأشياء المختلفة ولغته المؤثره..مما يستدرج المتلقي لقراءة حرفه بمتعة وشوق..يصف كل صغيرة وكبيرة بإتقان مذهل ويعطي لها حقها من التصوير..وهذا يشير لتلك الحرفية والمهنية والبراعة في نسج خيوط الجمال على لوحة الأدب...
عنوان القصيدة..لوحده لوحة بارعة مذهلة التراكيب والبناء..
العنوان فيه ثلاث رموز..الموت..العصافير..النخيل
وكل رمز له رواية ولا ينتهي حدوده..
الرمز الأول..الموت... وله أبعاد كثيرة ودلالات عدة..موت الروح والجسد..موت الروح والمشاعر والحس ليصبح في عداد الصنمية ويصحبه موت الضمير..وموت الحيلة ..وموت الفكر ...وغيرها كثير
الرمز الثاني..العصافير..ودلالاته أيضا كثيرة..منها الرقة والإحساس الحي..منها يعبر عن القلوب الطيبة والضعيفة..البراءة..الفكر البسيط..والقدرة المحدودة..وللنقاء والطهر أيضا..والطفولة الغضة والخياة البريئة..وغيرها
الرمز الثالث..النخيل..ودلالاته كثيرة..الشموخ والقوة..حضارة وتاريخ..أمجاد وظلال..قوة تحمل وصبر...
يبدأ الشاعر قصيدته العملاقة.. بكلمة نواح..وهذا يدل على تواجد الموت ..
يصف الشاعر أجواء الموت لأطفال الفلوجة..والحصار المطبق عليهم من كل الجهات..
في هذه الأبيات..يكثر الشاعر من وصف صورة الوجع والتي كانت مرآة جسدها الشاعر بإتقان..عن الأسباب التي كانت سببا في الحصار وموت الأطفال..والذي كان من موت الضمير وبيعه تحت أقدام المنفعة الذاتية وتحت نعال الغرب..وما فعلت السياسة ببيع النفوس ودفعها لقتل الأبرياء الذي ترتجف لحالهم الحجارة الصماء..
فـلن يبكي ألجَمـاد على أنيـنٍ *** وهل في الثلـجِ من قـُبـــسِ لنـــار ؟
وهل تُرجَــى السَّماحةَ من وضيـعٍ ***سقيم ألفكــر خــوّان ألجـــوارِ ؟
فشيّـــمْ كل ذي جـــرحٍ و نخـــلٍ *** يجــيك المـــدّ مــــن فلك القفــارِ
كم نجد من أوصاف الشاعر قدرة عظيمة في رسم حدود الوجع ووضع أبعاده وفق تجسيد متقن يدل على قدرته وحرفيته الكبيرة..
ففي هذه الأبيات يصف قمة الظلم الذي يتعرض له ما يحدث لأطفال الفلوجة ..
فلن يبكي الجماد على أنين..الله الله على هذا الوصف البليغ الذي اشتعلت معه الروح وهو يسبح في عمقها..وصف هؤلاء الأنذال الذين باعوا الإنسانية وتجردوا من المشاعر..وفق صفقات وحلة باعوا الضمير فيها..فهم كما وصفهم الشاعر جماد منزوع منها روح الحياة..كما قال عنهم رب العزة:" هم الحجارة بل أشد قسوة"..
يا لهذا الوصف البليغ والتشبيه العميق الذي يدل على قدرة الشاعر ومهاراته وبراعته...ويزيد الشاعر في وصفهم بقوله: وهل في الثلج من قبس لنار...
الله ما أجمل وما أبلغ هذا الوصف الذي جاء مطابقا لأوصاف هذه الفئة من خلق الله..
وبما أنهم تجردوا من معالم الإنسانية..فلا عجب مما يصنعون من قتل وهدم للإنسان..
لأن قلوبهم ميتة..
وهل ترجى من وضيع حقير نذل أن تنهض إنسانيته ويصحو ضميره..وهو من الفكر سقيم لا يملك فقه الفكر ولا يخطط بدراية وعلم ..وهو من الخائنين..
صورة متتابعة ذات جمالية متألقة البناء والنظم..
يكمل الشاعر لوحته البهية بقوله:
و قلْ ياربُّ ضاقتْ واستشاطتْ *** بها الأطفال من ضـنك الحصــارِ
تـلوكُ شحوبها فـــرطَ اقفـــرارٍِ *** و أفق الموتِ يرشــح عـن دمــارِ
أ يـا فلوجـــة الأعمـاق صبـــراً *** فمـا كسب الخلــــودِ من العـثـــارِ
و يا فلّوجــة الفجــرِ المدمّـى *** يشيـــــحُ الوجــهَ عن فلك المَــــدارِ
لك أن تجــرعي ألموتَ أحتراقاً *** زؤامََ الجنــح في فلك الصَّــواري
فيا هَلَعـي على طفــــلٍ رَضيـعٍ *** و يا جَــــزَعي على ذاتِ السِّــوارِ
و يا قلقـي على شيـخٍ كبيــرٍ *** تناهشهُ التَّــــــراذلُ فــــي صَغــــارِ
إذا لا حُوبَ في طفلٍ و شيبٍ *** و أطـــبقَ كالــرَّحى وَهَـــــجُ الإوارِ
هنا يطوف الشاعر بمشاعره الحرة التي تنزف ألما على أطفال الفلوجة..يستنجد بالله فما لنا سواه..من ضنك الحصار ليبلغ قمته الموت من *فرط الجوع والألم..
هنا صور بليغة ممتلئة بالحزن ..يصورها الشاعر بإتقان ويجسدها عبر إحساسه الصادق وحرفه المتقن ..مما يدل على حرفيته وقدرته في تطويع الحروف ورسمها في مسارها الصحيح..حيث يجسد للصورة ظلها الإحترافي ببصمة مميزة بألفاظ مبدعة..
و قلْ ياربُّ ضاقتْ واستشاطتْ *** بها الأطفال من ضـنك الحصــارِ
تـلوكُ شحوبها فـــرطَ اقفـــرارٍِ *** و أفق الموتِ يرشــح عـن دمــارِ
كلمة تلوك شحوبها..بمعنى تذوق وامتصاص الألم والمعاناة بشدة ..وكلمة تلوك..كانت بليغة جدا في هذا المكان..ليكون التأثير كبيرا على المتلقي.. ليشعر بمقدار الأزمة والمحنة التي يعيشها أطفال الفلوجة..عملية أن يلوك..كمن يمضغ الطعام ويقطعه فتاتا..ليصل ناتجه عبر الدم لكل أنحاء الجسد ..والشاعر هنا يثور لمدى الجوع والمعاناة التي تنهمر وتنتقل لكل الجسد..تصوير إبداعي متقن..ثم يصور الموت كيف وصل لقمته للنهاية ثم ليصل للدمار..فالأفق وكلمة يرشح..كانتا مساعدتان لفتح الذهن في عملية تصوير الحدث الدامي..وتحديد الأزمة لقمتها من خلال كلمة الأفق ليتسرب منه الدمار...ويكمل خريدته بقوله:
أ يـا فلوجـــة الأعمـاق صبـــراً *** فمـا كسب الخلــــودِ من العـثـــارِ
و يا فلّوجــة الفجــرِ المدمّـى *** يشيـــــحُ الوجــهَ عن فلك المَــــدارِ
لك أن تجــرعي ألموتَ أحتراقاً *** زؤامََ الجنــح في فلك الصَّــواري
فيا هَلَعـي على طفــــلٍ رَضيـعٍ *** و يا جَــــزَعي على ذاتِ السِّــوارِ
و يا قلقـي على شيـخٍ كبيــرٍ *** تناهشهُ التَّــــــراذلُ فــــي صَغــــارِ
إذا لا حُوبَ في طفلٍ و شيبٍ *** و أطـــبقَ كالــرَّحى وَهَـــــجُ الإوارِ
هنا الشاعر من خلال رسمه للوجع لأطفال الفلوجة..يجسد صوره البليغة وهو يتلاعب باللغة والتفاعل الحسي الوجودي وهو يشير إلى المعاني العميقة بالإندماج مع روح النص ..ليحقق جسد النص بامتداد الروح...وفق جماليات التعبير والألفاظ المشحونة بالدلالات المعبرة..فالصور التي يبنيها الشاعر عبارة عن لوحة مبهرة توقظ العواطف بلغتها التصويرية المؤثرة..
كلمات الحزن والألم التي توحي بمدى المأساة التي يتحدث عنها الشاعر ..بارعة النسج متقنة البوح..
ويا فلوجة الفجر المدمى/لك أن تجرعي الموت احتراقا/ زؤام الجنح في فلك الصواري/تناهشه التراذل/وأطبق كالرحى وهج الإوار/
هنا جمعت كل الصور المذهلة والتي تتناغم وتنسجم مع أبجدية الحدث ولغة المعاناة والمأساة...
في هذه اللقطات ثمة قوى عقلية وقوى روحية اندمجت وفق انسياب الكلمات لترسم عمق المشاعر ..روح وحس بالوجود الذي لا يقيده زمن..إحساس مستقل من الشاعر..لكشف أسرار هذه الفاجعة التي انطبقت على الطفل والشيخ وغيرهما من البشر..
حيث يقف موقف المصور الحسي لتصوير المكان بفنية وحرفية..وفق ألفاظ وتراكيب إبداعية متجددة بما يتلاءم مع الرمزية بها..ليمنح للمتلقي البحث والتنقيب في نسيج نصه الفاخر...وقد أسندت بصفات مبهرة تعكس الواقع المؤلم ..بغية التأثير في النفوس وهز المشاعر ليتعايش الجميع مع هذه الفاجعة المؤلمة...
ويكمل الشاعر صوره البليغة بقوله:

ركوب الرّمـحِ أبلـغُ من جـوابٍ *** لثلـجِ ألصُّفــرِ يمحقُ رسـمَ داري
فضمّي النخلَ في صَمَلِ المنايا *** يُساقـطْ دمــعَ معتــــذرِ الوقـــــارِ
فما نيل ألخلــودِ على خنـوعٍ *** و ما تأتِ الكـرامــةُ عـن خــــــوارِ
الشاعر هنا يعرض لنا قوة ألفاظة وبلاغة حرفه وفصاحة لسانه..من خلال ما ينقش من حروف تباغت المتلقي من قوتها ونظمها المتقن...
كل بيت هنا أستطيع كتابة مجلد على تشريحه وتفسيره وفق جمالية المغزى والمعنى ووفق الرمز الذي يرمي إليه الشاعر...ففي قوله:
ركوب الرّمـحِ أبلـغُ من جـوابٍ *** لثلـجِ ألصُّفــرِ يمحقُ رسـمَ داري
فضمّي النخلَ في صَمَلِ المنايا *** يُساقـطْ دمــعَ معتــــذرِ الوقـــــارِ
فما نيل ألخلــودِ على خنـوعٍ *** و ما تأتِ الكـرامــةُ عـن خــــــوارِ
هنا تبرز الحكمة وتتكلم الموعظة وتحاكينا العبرة..
ركوب الرّمـحِ أبلـغُ من جـوابٍ *** كناية عن استعمال القوة واستخدام السلاح
وكيف هو الناطق بدل حسن التدبير والتفكير بمصير أفراد أمة واحدة..
فضمّي النخلَ في صَمَلِ المنايا *** يُساقـطْ دمــعَ معتــــذرِ الوقـــــارِ
فما نيل ألخلــودِ على خنـوعٍ *** و ما تأتِ الكـرامــةُ عـن خــــــوارِ
فاستخدام هذا القتل والفساد وانتهاك حرمة الإنسان ..هو خارج عن دائرة الإيمان ..وحرمة الإنسان المؤمن أعظم عند الله من بيت من بيوته العظيمة..

فضمّي النخلَ في صَمَلِ المنايا *** يُساقـطْ دمــعَ معتــــذرِ الوقـــــارِ

أية قوة تكمن هنا بين المعاني العظيمة..وأية صورة هنا تحمل قلادة الجمال لتتوج رأس الأدب في نسيجها البارع...صورة مشبعة بالألم وتصوير مبهر لحالة الموت ..وقد ربط قوة النخل وشموخه في كيفية انهياره وسقوط دمعه وهو يعتذر بدمعه الوقور وشموخه الذي انكسر بحضور حضرة الموت من طعن الكرامة بالخنوع والخوار...
وهنا تبرز الحكمة الجلية والعبر البليغة وهو يقدمها على طبق الأدب بوقار وألم..
ليكتمل سوار حكمته الفذة بقوله:
فما نيل ألخلــودِ على خنـوعٍ *** و ما تأتِ الكـرامــةُ عـن خــــــوارِ

وهذا كناية عن قدسية وجود الإنسان الذي يقع تحت سيف الظلم ..وكما قال الشاعر
فالخلود والبقاء في حياة كريمة نقية لاتأتي من خنوع وضعف وخضوع لعمالقة الكفر..
ولا تأتي الكرامة وشريعتها من خلال ضعف أو خوار أو تنازلات عن قيم الإنسانية كلها...
هنا اللغة والتعبير تحمل أبعاد الألم والحزن..وتكشف تراكمات الحزن المدفونة في قلوب الأحرار..وتعري الواقع من وجعه المؤلم..
فجاءت صورا بليغة متينة جدا بتراكيبها المندمجة مع الحدث وتتلاءم مع المشاعر الحية التي تتصادم مع الواقع وأزمة انتهاك حقوق الإنسان على الأرض في الفلوجة أو في أي مكان..فما كان من الوجع إلا أن يحرك البوح مع اللغة الإبداعية التي أثارها الشاعر في خريدته المبهرة...
يكمل الشاعر لوحته البليغة بقوله:

نقشْتي من حـروف النور فجـراً *** شموس الله تشـــرحُ للجَـــواري
فأنت صليبُـنا حَمَـلَ الخَـطـــايا *** رزايا ألعُـــرْبِ وصمـةَ كلَ عــــارِ

تبرز هنا الصور والتشابيه المتقنة النظم والتي تدل على قوة الشاعر من البلاغة والفصاحة والبراعة في القول..
حيث تمنحنا الحروف فتح المجال للخيال أن يبحر في فكر عميق وفق الدلالات المختلفة التي تقع على كاهل هذه الأمة المكلومة..
نقشْتي من حـروف النور فجـراً *** شموس الله تشـــرحُ للجَـــواري
فأنت صليبُـنا حَمَـلَ الخَـطـــايا *** رزايا ألعُـــرْبِ وصمـةَ كلَ عــــارِ
يا لروعة هذا الوصف للفلوجة وأطفالها المحاصرين من كل الجهات ..كيف يصفها الشاعر انها منارة الضوء للفجر الوليد..ثم يصفها وكأنها صليبا علقت عليه الأمة خطاياها وصلبت لتقديم الأطفال قربان العار الذي لحق بهم من خذلانهم وعدم حراك ضمائرهم...إذ صلبوا أفئدتهم وأقدامهم العارية عن كل خطوة لإنقاذ الإنسانية...
هذا البيت بألف بيت نظم..لما فيه من عمق يرمز لقمة الظلم وانتهاك حرمة الإنسان القابع تحت سراديب العذاب من قادة المناصب والكراسي والمصالح الدنيئة...
الصور مكتظة في هذه الأبيات...حيث حركت مفردات اللغة وفق الحس الداخلي ليخرج مع تدفق اللغة وينسجم مع الحس الخارجي لتكون لوحة متفردة من الجمال والإبداع...

أحــــاطَ ألموتُ من كل الــزوايا *** و أطبقـتْ الـُّدروبُ عــن الفــرار
فــــأيًّ دريئـةٍ تَـــنْآى البــرايا *** و قــد بـــرأَ العُفـــاةُ مـــن الجـوارِ
فيــا أمّــاً لعامــرَ هـــل أمــان *** أم ألـــــرَّزّازة الخجــلى انتحـــاري
و هل عرفتْ بلادُ اللهِ غـــــدراً *** دخيـــلَ العهــد في جَنَـفِ الـمــزارِ
فما ذاك الخـَـلاقُ خَـلاق أهلي *** وإدمــاء الدَّخيـــل كما الضَّـواري
و كلّ رزيّةٍ بجبـــينِ قــــــــومٍ *** ليــــــوم الله تُذكَــــــــرُ بانكـــــارِ

الوصف هنا قمة الوجع ..حيث يرسمه الشاعر بحرفية متقنةأشبع الفكر من الغوص في الصور المتراصة الدسمة المعاني والعمق..حيث رسم الموت وكثرته والجوع إسقاطا* على الموت البطيء الذي منع من الهروب من ظلم الحكام وأطبقت عليهم الدروب من الفرار بالأرواح..وهذا كناية عن انتهاك كل الحقوق الإنسانية والتي تخاذلت الأمم كلها والدول معظمها على خنق العراق وتقييده ليبقى منكس الرأس لا يقوى على المقاومة والمجاهدة ..ويبقى النفط والمدخرات الجغرافية والثروات الطبيعية بين زمام حكم الكبار..لأن العراق غني بكل شيء حتى برجاله ونسائه الأقوياء..حيث تربعوا على منابع القوة والصبر وهم يعلمون يقينا بتلاعب الدول لهم كالكرة بين أرجل الحكام..
ولكن هيهات أن يظفروا والله لهم بالمرصاد..
يكمل الشاعر جمالية نظمه بأبياته الأخيرة المجبولة بروح التفرد والتميز والتألق..بقوله:

ألا يا ربّ هلْ نُفنى شقــاءَ *** لأذنـــــابِ العقــــــــاربِ و الشِّـــــرارِ
و قد نشبتْ مآبرُها بروحي *** فمــا غضـبتْ تمــيـمُ و لا نـــــزاري
ألا عـذراً لروحـك يا فــتاتي *** عروسَ ألنخـــل مـن رُقْيـا الفَخـــارِ
يا لروعة هذه الأبيات التي جلدت الإحساس من قوتها..
كيف للموت أن يكون رهينة أذناب الشر والوحشية...
ترابط متين متقن مع روح النص توسعت عبره بؤرة المعاني لتحقيق الهدف الأسمى لمعنى التشريد والقتل والحصار وهدم الحياة الإنساتية...
ألفاظ مشحونة بالدلالات المعبرة عن واقع مؤلم نازف لدم الأبرياء...
صور وتشابيه وبلاغة وقوة اللغة والدلالات المعبرة عن واقع مغتصب ..كلها
كانت ترتبط ارتباطا متينا بمكان الحدث بتفاعل حسي مدرك بأبعاد المأساة من خلال
لغة الشاعر المتوهجة التي تتلاءم مع الصور الحية..مما أعطى التعددية للغة في الصور والأوصاف..وهذا وعي لغوي متين التراكيب في البناء للكلمة في رسم مفردات حية تحاكي الواقع بدقة متناهية لا يقدر عليها إلا الكبار...
..........
الشاعر الكبير الراقي المبدع
أ.أحمد محمد القيسي
قدمتم لنا لوحة فريدة نادرة تعكس قوة الحرف والحرفية التي تنطوي في قلمك والفنية العالية الراقية في عملية البناء..
فتناسل من فوهة قلمكم نورا أضاء للحروف شروقا تألق من شمس لغتكم الماتعة...
معلقة وخريدة فنية لا مثيل لها...
وفقكم الله ورعاكم وزادكم علما ونورا وخيرا كثيرا
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 05-09-2020, 01:09 AM رقم المشاركة : 56
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : حلف
النّاص : عبد الرشيد غربال
القراءة : جهاد بدران
........................


النّص :

دعوا اليمامة تبكي غيبة الإلفِ

قد مر من حلبٍ في ذروة القصفِ

الغرب والكرد والأتراك قاطبةً

كالروس والفرس :مصطفون في حلفِ




القراءة :

يا لروعة هذه الحروف التي بعددها تعدّ وتُحصى ..
وفي بلاغتها ومعناها لم تصل بعد لميزان الإحصاء من تعدد ما فيها من دلالات وتأويلات حلّق معها الخيال في شجون وألم...
ابتدأت الومضة تلخيصها من خلال العنوان الذي فتح ممرات الذهن للعبور في دنيا هذه الأمة المكلومة التي لم تتناول بعد جرعات الشفاء...
حلف...عنوان واسع القرااة ينفذ من خلال مساماته على طريق واحد وهو وأد هذه الأمة العربية والإسلامية ..وأن لا تقوم لها قيامة ولا قائمة..
لكن كل من تمرغت يداه بالحلف الذي يقوم على أساس الأهواء والمطامع والمصالح وعلى أساس واحد وهو قلع جذور أمتنا عن بكرة أبيها...لم يعيروا انتباهاً لوجود من هو أعظم من حياكتهم للظلم ونسجهم لأخطبوط الفساد..نسوا بأن قوة الله العادلة هي النافذة يوماً ماً...لقوله تعالى:" يريدوا ليطفئوا نور الله بأفواههم..."
لن تنفذ مؤامراتهم وحلفهم البغيض..حتى يريهم الله من صرخة الأبرياء وبكاء الأرض من الدماء...ما يكون عبرة لهم ولمن والاهم..ولكن يمهل ولا يهمل...فإن كان الشعب أعزل عن الدفاع عن نفسه وأرضه وعرضه فهناك من يحفظها بعينه التي لا تنام...
يبدأ الشاعر ومضته النفيسة التي كان فيها ربط متين مع عنوانها ( الحلف)..وكانت حياكتها تتلاءم وموضوع ومغزى الومضة..فالحلف هل يترتب عليه الأمن والعدل والسلام والحرية للشعوب المنكوبة المكلومة أم أنه يتغذى على قضم جذورها وتوسيع نفوذها وسيطرتها على المنطقة...؟!!!
لذا يبدأ الشاعر بطرح قيمة الومضة وفحواها من خلال أول الكلام بقوله:
( دعوا اليمامة تبكي غيبة الإلف ِ)
بما أن الومضة تتحدث عن حلف ما.. لذا يتضح في النهاية قادته والمتآمرين فيه...والحلف إنما هو يجمع أذناباً معينة أي مجموعة كبيرة متحدة على نفي وظلم لا تمس جلساتها بالعدل ..لأنها لا تقوم على أساس العدل والأمن..
لذا كان من لهجة الشاعر الإستنكار لهذا الحلف الذي لم يقم على أساس السلام ...
فقال بصيغة الأمر ( دعوا) أتركوا ..
هذه الصيغة لم تكن عبثاً لأنها وليدة محطات لهم سابقة مكشوفة قد ملّتها الشعوب من مؤامرات وتخطيطات بعيدةً عن معاني الأمن والسلام...
لذلك كانت الغيرة تسكن الشاعر الفذ وهو يرسم حدود حرفه بما يتوافق مع حشو هذا الحلف وما يفيض منه من سموم...
بقوله: ( دعوا اليمامة تبكي غيبة الإلف ِ)
اليمامة هنا ما هي إلا رمز لكل معاني السلام والأمن والإستقرار..لكن هيهات يكون فيضه من هكذا حلف...
يطلب الشاعر منهم أن يتركوا اليمامة البيضاء..لتمارس طقوس البكاء على غياب روافدها وينابيعها وغياب الإلفة والسلامة لشعب داسوه بكل أنواع السلاح وتفنّنوا بجميع طرق الحرب والقتل والتعذيب..
يأمرهم الشاعر بفعل الأمر( دعوا) لأنه لم تعد تفيد كل طرق التفاهم والعلاج الأمني والسلمي
وحق عليهم فعل الأمر الذي يؤكد تلك القوة التي تكمن فيه..هذا الفعل حمل معه قوة التصدي والتحمل بإرادة من حديد..وهذ شأن الأبطال الغير متخاذلين وهم يقفون بأضعف السلاح بما يتماشى وقدراتهم المختلفة...
جعل الشاعر من اليمامة أن تمارس سرّ من أسرار البكاء الذي يتولّد منه حالات الوجع والقهر..فحين تبكي اليمامة يعني العويل والبكاء على حالات السلام المختلفة الخاصة والعامة...وبمعنى أنها في مرحلة عزل عن تحقيق البشر لها ذلك الإلف وتحويل قبلته نحو السماء البيضاء المعاني...
فلماذا بدأ الشاعر ومضته مع اليمامة وبكاءها...؟!
ليستطيع استدراج المتلقي لواقعة أعظم من ذلك وأثرها أبلغ ..حين يعصف بحروفه المتينة التراكيب البليغة الوصف التي تحمل أوصافاً تنحت الفكر والخيال وجعاً..وذلك بقوله:
( قد مر من حلبٍ في ذروة القصفِ)...
هذه الصورة التي بلمحة البرق جعلتنا نجسّد الحرب والقصف وما في حلب من دمار ودماء...
الحديث هنا عن المؤامرات التي حيكت في ظلام دامس على أرض سوريا وحلب بالذات التي عجّبوا بتدميرها ببصمة قادتها وولاتها..
كان وصف الشاعر بليغ جداً يدل على عبقرية وحرفية لا متناهية وهو يعقد حروفه على أرض تصرخ وتناجينا...
الشاعر هنا استعمل حرف (قد).. وهو يفيد التحقيق إذا جاء مع الفعل الماضي.
والتحقيق عكس التشكيك..بمعنى حصول الفعل بشكل فعلي بعيدا عن التشكيك فيما حصل...
ثمّ إن استعمال الحرف الماضي( مرّ) يعني.. بمعنى العبور الفعلي..لكن بدون المكوث ..وهذا هو عظمة التوظيف للحرف حين يستقي الكلمات من جمال السبك والنظم..
وهو مرور للحلف الذي ذكرهم الشاعر بقوله:
( الغرب والكرد والأتراك قاطبةً
كالروس والفرس :مصطفون في حلفِ)
مرورهم ليس بهدف المصلحة لأهل حلب وسوريا إنما مرور على مرآى سياسي بحت ومنفعي لا غير...ولو كان لهم مكوث فيها لكانت المعادلة تغيرت ولو بجزء بسيط لصالح تلك الأرض الطاهرة...
وهنا في هذا التوظيف المتقن التراكيب البديع ..يدل على قدرة الشاعر ومهارته في اقتناص كل حرف بما يتماشى بدقة مع أهدافه ومراميه العميقة التي وظفها لتكون نصلاً في وجوه كل طاغية وظالم...

(الغرب والكرد والأتراك قاطبةً

كالروس والفرس :مصطفون في حلفِ)
فما أشبه التحالف الذي جمع الماضي واليوم بفئتين ظالمتين إرهابيتين..تثير الفساد لا تنزع جذوره بل تقلع الأمن والطمأنينة من هذه الأمة..
قوتان عظيمتان بالعنف والفساد..
الغرب والكرد والأوغاد الكثر
وبين مقارنته للماضي مع الروس والفرس
ويجمعهما حلف واحد الأهداف والغايات..
وللأسف قاداتنا وحكامنا وولاة أمرنا ما زالوا يمارسون طقوس التبعية وبصمة المصالح يوقعونها على جبين هذه الأمة...
...
الشاعر الكبير وأستاذنا الفذ المبدع القدير الفنان في رسم واجهة حرفه
أ.عبد الرشيد غربال
طوبى لحرفكم الذهبي وما يتناسل منه ما يفي جمالية التألق والإبداع..
فنان ماهر ومحترف قدير في تطويع الحرف
ليتوج الأدب بدرر حروفه النفيسة..
وفقكم الله ورعاكم لما يحبه ويرضاه
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 05-09-2020, 01:33 AM رقم المشاركة : 57
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : زاويةٍ أخْرَى
النّاص : طارق المأمون محمد
القراءة : جهاد بدران
.......................


النّص :

قادتْ حَملةَ مُعارَضةٍ قَويةٍ ضِدَ سِياساتِ الحُكومَةِ عَلى إثرِها تَزوجَتِ الرَئيسَ



القراءة


ومضة ولا أجمل ولا أبرع من هذا التركيب المتقن للحروف والمعاني ..إذ جلب معه أبعاداً كثيرة وأخذنا لزوايا فنية مختلفة أدرك منها الخيال الصور المثيرة والتقاطات إبداعية تأويلية باتجاهات مختلفة وتحت نصل التشريح المختلف..
ومضة لخصت واقع السياسة وأساليبها المبتوية للحصول على زبدة المراد والمطلوب لتحقيق الأهداف والمراكز والنيل من المناصب والكراسي لإثبات الذات المتلاعبة وقدرتها في عملية التحنيك والتكتيك في زمن خلع معه قوانين العدل والحق..وسلب من الفرد الأمن والأمان..واتكأ على المصالح الذاتية ...
العنوان / مِن زاويةٍ أخْرَى/ فيه احتيال على السياسة واللعب في خيال المتلقي ..والإيحاء بما وراء التراكيب المتناغمة الفذة...
ومضة أوقعتنا في شبكة التأويل لأكثر من زاوية..ولخصت الأسس والقواعد التي تتّبع في عملية السياسات للحصول على النتائج المرضية..
فالومضة بقلة حروفها استطاعت تلخيص الواقع والذات الإنسانية..
إذ تتحدث عن النضال السياسي وكيف تتم عملية التخطيط لاستحواذ فئات جماعية قوية لصد الحكومة وقراراتها..وكأنه يتحدث عن مبدأ العمل الجماعي الذي تتم به القوة الرادعة ضد الحكومة..فالقوة تكمن في حزمة بشرية كبيرة لا تنكسر طالما تتحد معاً بالإخلاص والوفاء ومبدأ الشورى...

//قادتْ حَملةَ مُعارَضةٍ قَويةٍ ضِدَ سِياساتِ الحُكومَةِ//

في هذه الحملة تقودها امرأة..وكأن الكاتب يوحي لنا بدور المرأة الكبير في قيادة المجتمع وتسوس البلاد تحت سلطتها بدهائها وذكائها..وكأنها تصارع الرجال على المناصب..
هنا يريد الكاتب توضيح عمل المرأة الكبير في الوصول لأعلى المراتب..
لكن عاطفتها وجوارحها تكون سببا في الانتصار أو الانكسار..وهنا يومئ الكاتب لنا أن المرأة حين تسيطر عليها الدوافع والغريزة العاطفية تنزل من مرتبة القوة لمرتبة الرقة لتصبح في النهاية زوجة مهما طال حكمها واستبد بها الأمر..
فالصراع اليوم واضح وكبير على المناصب بين الرجل والمرأة..
فهي تستطيع قيادة الحملات ضد أي هدف سياسي أو اجتماعي أو ما شبه ذلك فإنها بطاقاتها وقدراتها تستطيع الوصول ضمن ذكائها..لكن مهما طال بها الزمن ستعود لدور الأمومة والبحث عن الأمان والبيت الدافئ..وهذا ما قادها إلى الزواج ..كما قال الكاتب في قفلة الومضة بقوله:

//عَلى إثرِها تَزوجَتِ الرَئيسَ//

هنا يتضح عمل الغريزة التي تبحث عنها المرأة في الزواج...
من هذا يتضح أيضاً أننا مهما كافحنا في طريق الوصول لمبتغانا إلا أن الإنسان يتعرض للفتن والإغراقاءات ويقع في شباك الذات وأهوائها..ويتنازل عن مبادئه التي نادى بها دهراً..وهذا لا يكون إلا الذي يملك إيماناً ضعيفاً ..يتساقط معه في دفتيّ الشهوات وحب الذات والمصالح البغيضة..
وربما أراد الكاتب أن المرأة مهما وقفت طويلاً أمام التيارات إلا أنها بقوتها وحدها لن تستطيع الصمود..
من زاوية أخرى..وصل لدى المتلقي زاوية الإغراء والأنوثة التي تتصف بها النرأة لايقاع الرجل بشباكها..وهذا نوع من الدهاء التي تحمله الكثير من النساء..
الومضة تحكي :
- عن السياسة وألاعيبها وتوابعها وما ينتج عنها..
- عن دور المرأة في المجتمع وما تحمل من قدرات أحيانا كثيرة تفوق بها على الرجال..
- عن سموم الذات وطرح المصالح الذاتية فوق كل اعتبار وعلى حساب الشعوب المنهكة النازفة ضياعاً ووجعاً..
عن دور العمل الجماعي في قيادة الشعب وتحرير البلاد والوطن من بين براثن الغرباء..
- عن دور التخطيط والتنفيذ في رصد أعداء الأمة وتعرية الساسة الكبار تحت مخالب الجماعة الواحدة..
- عن دور المعارضة في إعلاء الصوت في وجه الظلم لتحقيق مآرب الشعب ومطالبه..وعدم كتم الأفواه والصمت البغيض لنيل الحقوق والمساواة والعدل والحق في الأرض التي يسكنها الإنسان..
- عن الذكاء الإجتماعي الذي يملكه القائد في تحريك الأنفس الخام وتفعيلها لمآربه ونواياه..
.
.
الأستاذ الكبير والشاعر البارع الماهر في اصطياد الحروف وفق منظومات إبداعية فذة مثيرة وعذبة
أ.طارق المأمون محمد
كل التقدير والتبجيل لقلمكم الماسي وحرفكم المتألق المبدع
ومضة قالت الكثير وحملت بين طياتها أبواب عدة من التأويل كان المفتاح لها ذلك الخيال العجيب الذي يسطر ما تلهمه الأفكار والفكر الواقع بين ضفافها وسطورها..
ومضة عكست الذكاء والبراعة في تراكيبها وتناغمها مع الواقع اليوم تناصاً مع وقائع التاريخ الماضي وحكم النساء فيه..
أبدعتم في حروفكم وأنرتم بقلمكم جباه الأدب ..
وفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة..
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 05-09-2020, 06:42 PM رقم المشاركة : 58
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : ملاحقة
النّاص : محمد الدّبعي
القراءة : جهاد بدران
...................

النّص :


مُنذ بدأَ مسيرَهُ وهو يُحاولُ ترجمةَ اندهاشِ المحدِّقينَ في وجهِهِ من المارةِ والعابرين ، ثُـم التفَتَ خلفه ليكتَشفَ أنهم يُحدِّقونَ في الحَسناءِ التي تُلاحِقُهُ طَوالَ الطريق .....
..............................

القراءة :


ومضة ذات دهشة وانبهار في تراكيبها المتقنة وظلالها الوارفة التي تم بناءها بإحكام...
فقد فسحت أمام المتلقي دروب الخيال نحو تأويلات عدة عميقة..
لم تكن بهذه السطحية من المعنى..بل غاصت في لب الوجع ونثرت من رماد الألم ما تبقى من جمر الوطن...
ومضة أخذتنا نحو مسارات مختلفة ودخلنا في دهاليز عمقها المبهمة لنحاول بخيالنا اكتشاف والبحث عن أسرارها ودررها..
الومضة فتحت للفكر أبواب وللخيال أجنحتها للتحليق وفق الدلالات التي ترمي إليها وأبعادها المتعددة..
من خلال الوقوف بين أنامل هذا الحرف وجدنا قمة الجمال والإتقان حين تم حبكها وفق منظومة هذه الحياة ووفق سلسلة أوجاع الوطن...
الفطنة والذكاء كانت مقاليد الكاتب في رسم حدود حرفه وإبراز الرموز التي تدل على براعة تراكيبها...
لنبدأ القراءة من العنوان وربطه بالمضمون المكثف المنطوي بين ضلوع الكلمات...
ملاحقة...
عنوان يكشف أبعاد الغزاة والمحتل ..فالملاحقة تعني تتبع أثر ما لأهداف مختلفة..منها التعرف على من يلاحقه ليستطيع الإستحواذ عليه..
فالملاحقة تشبه نوعاً ما المطاردة إذا كانت مقاصدها المحتل..
والملاحقة التي جاءت حسب الومضة من الخلف..وهذا يعني التسلل للفريسة من خلفها للطعن والضرب من غدر ..
ومع بداية الومضة نتتبع حرف الكاتب بقوله في أولها:

(مُنذ بدأَ مسيرَهُ )

هنا وقفنا تأملاً وبحثاً وربطاً مع تسلسل الومضة لنجد أن بالإفتراض توجه هدف الكاتب نحو الوطن وبلاده المقدسة..لأن في المسير عملية جهد ومشقة للوصول لهدفه ..وكأنه أراد منا قوله للوطن الذي بدأ مسيره نحو النصر والتحرر والأمن ..وكلمة ..منذ..وضعتنا لتاريخ معين انطلق بها الوطن نحو الجهاد والتغيير في مسيره..وهي تُعد بداية انطلاق نحو تحقيق الهدف..
وفي أثناء مسيره يجد الدهشة من المحدقين بمسيرته وانطلاقته منذ بدأ مشواره نحو التحقيق للوصول لمبتغاه..حيث يقول الكاتب:

( وهو يُحاولُ ترجمةَ اندهاشِ المحدِّقينَ في وجهِهِ من المارةِ والعابرين)...
كلمة يحاول..ترتبط بالجهد والتحليل وبذل الجهد والإستفهام وحل اللغز في مسيرته..
حيث يحاول ترجمة اندهاش المحدقين من المارة والعابرين..
فالمحاولة فيها جهد والترجمة عملية تفكيك لغز ما وتنقيب عن غموض ما..فما بالنا هذا الغموض الذي يكمن في وطن تلاحقه كل عيون الغرب عن طريق تلك الحسناء التي سنأتي بالحديث عنها..
هنا اندهاش المحدقين..والتحديق هو التدقيق المتقن بالنظر والتفحص جيدا بالعوب الحسناء والتي يسقط التحليل عليها على أنها ذلك المحتل الذي يظهر بخارجه الجميل ومفانته ليصدقه كل من يراه ويندهش من حركاته وما يصنع من مساحيق ورتوش على جسده المعرى للجميع ليروا جمال شكله الخارجي دون جوفه المظلم المستبد...
والوطن لطيبة معدنه وبراءته يصدق كل ما يقال له من قادة العرب وساستهم وما يظهرون من ملمسهم الناعم له وهم له ناكرون يحيكون طعناً له بالعمق..والقلب..وهذا ما يحدث اليوم في القدس والأقصى الشريف..
وأما ما يقصده الكاتب من المارة والعابرين..هم الذين يمرون ويدوسون على ثراه دون مبالاة وحراك لتفعيل الدفاع عن الحقوق والأرض المسلوبة..يمرون غير مستقرين ولا باقين..لمجرد التطلع وإثبات الوجود كزعماء العرب وقادتهم الذين لا يهمهم إلا مصالحهم ومناصبهم الذين يتاجرون بها بأجساد شعوبهم المسكينة..
ويكمل الكاتب ومضته الإبداعية العميقة المتقنة البارعة..بقوله:

(ثُـم التفَتَ خلفه ليكتَشفَ أنهم يُحدِّقونَ في الحَسناءِ التي تُلاحِقُهُ طَوالَ الطريق )

وبعد كل الملاحقة وتتبع أثره ..يكتشف بعد فوات الأوان أنهم غرتهم الحسناء تلك الدخيلة على أرضهم لما تحمل لهم من إغراءات مادية ومناصب عدة لتتلاعب في قلوبهم وشهواتهم قبل عقولهم...لتتمكن من السيطرة عليهم من تلك الإغرءات المتعددة ..ليقعوا ضحية جمالها وشكلها الخارجي دون الوعي بما تحمل معها من نار تحرقهم بها..
هكذا هو وضعنا مع المحتل..بدأ كحسناء أغوت قاداتنا وكبار حكامنا وساستنا ليقعوا بشهوة ما تقدمه لهم من إغراءات مختلفة..ليكونوا فريسة بين حضنها الأسود..
وأما كلمة ( تلاحقه طوال الطريق).. دليل على عدم تواجد منفس لتحقذق مسيرته للأمن والإستقرار بأمان..وما زالت تلاحقنا كلما توجهنا نحو بؤرة ضوء أو خيط أمل...
.......

الأستاذ الكبير والشاعر الراقي
أ.محمد الدبعي المبجل
لقد أتحفتمونا بتحفة فنية ذات أبعاد ودلالات عميقة ..أفرزها قلمكم الساحر بتراكيب بنائية متينة برموز أخذتنا نحو التنقيب والإكتشاف والبحث عن أهدافها ومراميها المتعددة التأويل..
ومضة متقنة بليغة تدل على قدرتكم في نسج حرفكم بما يتناسل منه من سحر وجمال.. وعلى حرفيتكم في تكوين بناء وصرح مذهل باهر ..
فالخيال هنا فتح نوافذه وأبوابه كلها ليحلق بنا وفق الفكر العميق الذي رسم للومضة حدودها السحرية المذهلة..
إتقان وترابط ونسيج سحري من خلال بعض حروف في بعض كلمات..وهذا بحد ذاته إبداع متفرد وتألق واسع المدى..
ونستطيع أن نقدم تأويل آخر لهذه الومضة ..على أن الحسناء هي الحياة الدنيا والجميع يحدق بمفاتنها وجمالها متناسين الأساس والهدف لرضى الله..
ولربما أراد الكاتب إظهار جيل اليوم وأخلاقهم الفاسدة وفكرهم المنتحر الذين يلاحقون الحسناوات بنظراتهم وقد نسوا الهم الأكبر.. ملاحقة قضيتهم والتمسك بعقيدتهم وشريعة الله والتي منها نور نصرهم على أوهن شعب وأجبن شعب وأنذل شعب وهو المحتل المغتصب للأرض..والدليل ما يحدث على بوابات الأقصى من استفزاز وتجريح وظلم بسبب حادثة هم صانعوها...لا نريد جيلاً يلاحق أهواءه ونزواته على حساب دينه وكرامته وعرضه وانتهاك حرمة مقدساته واغتصاب أرضه....
لكن أكتفي بالقراءة الأولى والتوجه بها نحو الوطن المقدس المسلوب الموجوع..
شكراً لكم ولهذا الإبداع العظيم في الومضة
وجزاكم الله كل الخير
ودمتم ذخراً للأدب والشعر
ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 05-09-2020, 11:35 PM رقم المشاركة : 59
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : سـبّل شـجونك فـي رُفـات قـصائدي
النّاص : بهاء الدين أبو جزر
القراءة : جهاد بدران
.........................

النّص :


سـبّل شـجونك فـي رُفـات قـصائدي
هـل شـبَّ فـيك ولـيدها يا مُتعِبي...!؟
***
واســـأل عـيـونـك إذ تُــداعـب هـيـبةً
وجـــــه الـهـلال...كـسـيرةً لـمـنـاقِـب
***
في الليل عزَّ...على الغريب تأوُّهي
هـل نـام خُبزك في نصال مشذِّب...!؟
***
خِـيَـم الـسّـراب تـلـوح حـيـن يـشـكُّها
حـــرُّ احـتـفائك فــي رمــال مـصـائبِ
***
جــــــدبٌ كــبــحــرٍ مــيّـتٍ...وجـذورنـا
تـغـتـالـها بــعـنـاق صــــبٍّ مُــسـهِـب
***
لا ضــيـرَ إنْ وُئـــدت بـلـيـلك لـوعـتـي
أو شـــاب فــيـك الـــودُّ...ذاك مُـهـذِّبي
***
مـــا عــاد وجـهـك فــي كـتـابي لائــذاً
فـاحمل ظـلالك فـي الـضمير الـغائبِ

"الكامل"


القراءة :

يا لروعة هذا الحرف البهي الكبير ...
ابتدأت أضواء لوحتك هذه من فوهة هذا العنوان الرمزي المبهر...
الذي يحمل عبرا وشجونا وحكمة ..ويتوارى خلفه أكواما من التأويلات التي تصلح أن تكون عامة وليست خاصة بالشاعر فقط..وهذا بحد ذاته قمة الإبداع والتصوير..
لهذا الشاعر قدرة عظيمة في ثنيه للحرف وإبراز مفاتنه وفق الفكرة التي تراوده وتحثه على المكوث في ينابيع من جمال...

حرف يمنحنا بقوة للتحليق عبر أفق الخيال ويجبرنا من قوته أن نقف للبحث والتنقيب عن أسرار هذا الجمال..حرف معجمه لا ينتهي الجمال عنده بل يبقى يتناسل سحرا وعذوبة..
العنوان هذا ..يدل على قدرة الشاعر في رصد حروفه في مواطن القوة ..مما يشهد على براعته وذكائه في تغليف أفكاره في منظومة إبداعية متناسلة لا ينقطع الوريث من جمالها..


/ سـبّل شـجونك فـي رُفـات قـصائدي
هـل شـبَّ فـيك ولـيدها يا مُتعِبي...!؟ /

كل الأوجاع اجتمعن تحت ظل هذا البيت ..فما أوسعه وما يتسع من جمال في شجون تنعي وتبكي رفات القصيد..ومن عمق الجراح الذي يفيض منه الألم..قام التساؤل منافحا وقع الشجون والحزن على وليد القصيدة وتناسل الرفات وموتها..
قمة الجمال انغرس في أرض هذا البيت ..حيث فتح أبواب التأويل على مصراعيه..وتداولت لغة الجمال عناقيدها بين السطور..لغة عميقة متوهجة النبضربطت بين الفكرة والصور الحية والتي حاورتها لغة المشاعر ..لتكون سفيرة الوجع في نحت قلب المتلقي وجعا وتأثرا بجمالية السبك والربط...مما أعطى للأوصاف القادمة لغة متعددة الأفق..وهذا هو الوعي اللغوي بقيمة التراكيب البنائية لكل كلمة باتت على هيئة صور باذخة الجمال قادتها مفردات حية كانت سببا في خلق التفاعل المتوهج بين النص والمتلقي..وهذا هو من سر جماليات البناء السحري للحروف...

/ واســـأل عـيـونـك إذ تُــداعـب هـيـبةً
وجـــــه الـهـلال...كـسـيرةً لـمـنـاقِـب /

اللوحة والصورة الشعرية هنا تفوق الجمال بوصفها..
هذه الصورة تأخذنا للتدبر والتفكر والتأمل من قوة نسيجها الإبداعي ..فالهلال ورؤيته له دلالات عدة ..ولعله يذكرنا بشهر الخير والبركة..في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام:" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"..والهلال رمز للأيام والشهور في النقصان أو في بداية الإستعداد لاستقبال الجديد الغامض..ويبقى له تأويلات عدة ..
فالهلال نقصان أيام لتتويج يوم جديد وشهر جديد..فيه انحناءة ربما يأخذها الشاعر كناية عن الوجع..ونقصان لفكرة يريد تأويل رؤياها وفق منظومة فكره وخريطة حرفه..لذلك كانت ألفاظه(كسيرة لمناقب..)بمثابة دعم للألم الذي يحل به...
الشاعر هنا يسيطر على اللغة والألفاظ سيطرة شديدة فتنقاد له اللفظة وتصبح أداة لأداء الحروف وموسيقاها اللفظية العذبة وتميزها عن غيرها ..لأنه يزرع في جوفها عمق كبير ومعاني تتفتح عبرها بنات الأفكار ولا يستأذننا الخيال في التحليق...

/في الليل عزَّ...على الغريب تأوُّهي
هـل نـام خُبزك في نصال مشذِّب...!؟

خِـيَـم الـسّـراب تـلـوح حـيـن يـشـكُّها
حـــرُّ احـتـفائك فــي رمــال مـصـائبِ /

الليل كناية عن الظلمة والظلم والسواد في العيش والحال...عدا عن دلالات عدة تنصب في تجاويف الليل المعتم ...والوجع يرتفع نبضه حين تغيب الأحداق في صمت النظر وتغيب عن الوعي العيون..تصمت كل الأصوات ويبقى الألم يتأوه ويزداد طرقاته والكل نيام..والإنسان يلتجئ لليل للشكوى وعرض مسلات الألم والمناجاة ..فمن هم من جلدتنا لا يحس بهذه الزفرات إلا غريب الديار..بعد ان نام الخبز في نصال مشذب..وهذا كناية عن الرخاء والعيش الهانئ في احتضار..

/ خِـيَـم الـسّـراب تـلـوح حـيـن يـشـكُّها
حـــرُّ احـتـفائك فــي رمــال مـصـائبِ /

وأما هذه الصورة الشعرية التي تلوح بقمة الوجع ..حين نقاوم ونجاهد ونركض نحو الخلاص فلا نجد إلا السراب برمته يلوح لنا ونعود صفر اليدين من أمن واستقرار وعيشة هانئة...وتهرول المصائب نحونا...
الصور الشعرية هنا حققت الدهشة بشكل بليغ مؤثر جدا..مما لفت نظر المتلقي وكشف المعنى المغموس في قلب الصور والتشابيه المتقنة...فألبست الفكرة لغة جذابة مشوقة لفتح نوافذ أسرارها العميقة...
وأحدثت الصور علاقة متينة بين اللغة الجزلة وبين الحواس..ما جعلها تثيرها وتكون صلة قوية مع المتلقي..لتجعل منه إثارة للخيال تربط المتلقي والشاعر بعملية عكسية .بين الشاعر الذي ركب الصور الشعرية من الحروف المفككة .،وبين المتلقي الذي تلقف الصورة وفككها ضمن منظومة فكره وقدرته العقلية التخيلية...وهذا بحد ذاته يفتح للذهن آفاقا لا تتسعها حدود...

/ جــــــدبٌ كــبــحــرٍ مــيّـتٍ...وجـذورنـا
تـغـتـالـها بــعـنـاق صــــبٍّ مُــسـهِـب

لا ضــيـرَ إنْ وُئـــدت بـلـيـلك لـوعـتـي
أو شـــاب فــيـك الـــودُّ...ذاك مُـهـذِّبي /

الله الله على هذا التصوير الذي ينحت بأظفاره جسد المعاناة والذل الذي يركب صهوة اللوعة والحزن ..ويطوف بنا في جدب الأمان والعدل والأمن والحياة الطيبة..
لا ضير أن ولدت بليلك لوعتي...يا لروعة وقوة هذا السبك المدهش والصور المتينة البناء والتي فاضتوبها الرمزية والدلالات وانطلقت عبرها طاقة إبداعية فجرت معالم الصور والأداء...
استعارات لأدوات البلاغة كي تفيض بالنتلقي الدهشة وتشتعل المشاعر كلما مرت الألسن والعيون عليها...
هنا قام الشاعر بعملية تحريك لمفردات اللغة بإتقان بتلاؤم مع الحس الداخلي والخارجي..بترابط مع روح النص ..لتوسيع بؤرة المعاني الإشارية فيها..وهذا يزيد من تفاعل الإحساس الداخلي مع عناصر النص التي احتوتها المعاني بعمقها المذهل..

/ مـــا عــاد وجـهـك فــي كـتـابي لائــذاً
فـاحمل ظـلالك فـي الـضمير الـغائبِ /

يختم الشاعر لوحته المبهرة..بهذا البيت الذي كان زبدة قصيدته وشهدها الذي لخص كل معاني القصيدة ..وعكس بهذه القفلة الإبداعية ..جماليات الفكر والبناء والذكاء الأدبي الذي يتقنه الشاعر بحرفية واضحة لا غبار عليها...
هذا البيت يحمل من تأويلات وأبعاد أسرت خيالنا بقوة التحليق بعمق ما فيه من معاني باذخة...
ذلك الضمير الغائب الذي هو سبب لوعتنا وتفرقنا وتمزقنا.. وضياع أمتنا..
وللضمير هنا تأويلات عدة ..كالضمير الملاصق للكرامة والأخلاق والخشية من الله..وما بين الضمير الذي يحمله هو .هي ..هم...الذي يسقط على تفاعل الفرد مع الآخر في المجتمع...والذي يرتبط بالسلوكيات...


أستاذنا الكبير الشاعر المبدع
أ.بهاء الدين أبو جزر
قدمتم لنا لوحة جمالية مبهرة..متفردة في كل عناصرها..
وهذا يدل على براعتكم وحرفيتكم وتألقكم وقدرتكم في تطويع الكلمات..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 28-09-2020, 07:52 PM رقم المشاركة : 60
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

***النّص : غريزة
النّاص : أحمد علي
القراءة : جهاد بدران
........................


النّص :


رقص الغراب فوق جثة الأسد ، مرتديا قناع الصقر .
حين اصطدمت عيناه بوجهه .

هتف بعفوية:

يحيا ملك الغابة !!

القراءة :



/غريزة/

يا لروعة هذه القصة القصيرة جداً، فقد حملت في طياتها أبعاداً وتأويلات متعددة، وتطرح قضايا اجتماعية وسياسية ونفسية، حيث نستنبطها من زواياها وما تحت السطور...
الإبداع المكثف في هذه القصة القصيرة جدا، يقوم على ذكاء الكاتب في اختيار شخصيات قصته بحرفية عالية، وسنوضح ذلك مع السياق في القراءة وكشف مواطن الجمال والقوة في أبعاد النص ودلالاته المختلفة..
سنبدأ من خلال العنوان الذي تمثّل باسم نكرة..
/غريزة/
سنعرّف معنى الغريزة كما ذُكرت في المصادر:
الغَريزَةُ: الطبيعةُ والقريحةُ والسَّجيّة

الغَريزَةُ(في الفلسفة) : صورةٌ من صور النشاط النفسي، وطِراز من السلوك يعتمد على الفطرة والوراثة البيولوجية...
هذا هو تعريفه كما ذُكر، والسؤال هنا، هل العنوان يحتمل اللغز على الحيوان، وانتسابه كطراز سلوكي يعتمد على الفطرة، أم اتخذ منوالاً آخراً بالرمزية فاتجه نحو سلوكيات البشر الفطرية أو نحو سلوكياته المكتسبة، والفرق بينهما كبير؟؟!!
من هنا سنقوم بالكشف عما يتوارى عن وجه النص بإخراج مكنوناته ودرره الثمينة...
يبدأ النص بقول الكاتب:

/رقص الغراب فوق جثة الأسد ،مرتديا قناع الصقر ./

عندما يبدأ أي نص بأحد الأفعال كالفعل الماضي / رقص/الذي بدأ به الكاتب، فإن عملية الحراك وتحريك للأحداث لها طاقة افتعال سائدة في النص، وعملية إخراج النص من الجمود لعملية حراك ينفعل معها المتلقي..
وبما أن الفعل/ رقص/ سيأخذنا المضمون العام لمرآة الصورة إلى نتاج فعلي لعملية الفرح، لكن السؤال الذي يتبادر للذهن، هل كل عملية رقصٍ توحي بالفرح، أم تختفي وراءها علامات استفهام كثيرة؟؟؟
لنرى ما تحت سقف هذا الفعل من الرقص، حتى نفهم المضمون العميق فيه..
/رقص الغراب فوق جثة الأسد/..
إن اختيار الكاتب للغراب وليس للصقر في قصته، وذلك لأن الغراب أقل شراسة من الصقر الجارح القوي، ولذلك نجد الكاتب قد استعان بالصقر قناعاً للغراب، ليتمثل بقوته وهيبته أمام الأسد وهو جثة هامدة، يرتديه ليبعث في نفسه قوة الإرادة والذات والشجاعة..لما يبعثه الصقر من رعب في وجوه الطيور وحتى الحيوانات..
فمن أول وهلة في قراءة عملية الرقص، تبدو لنا هي فرحة عارمة للغراب، خاصة وأنه يرقص على جثة هامدة، وهذه ليست كأية جثة، هي جثة ملك الغابة الأسد المغرور الذي يبطش بكل ما يراه أمامه..
توحي لنا هذه الرقصة من الغراب عن عملية انتصار والتخلص من ملك كان جباراً قوياً تخضع له الحيوانات وتخافه الطيور، وقياساً على ذلك، فهل ترقص الشعوب المظلومة تحت حكم القوة المستبدة الظالمة من ملوكها، وتتنفس الصعداء وهم يتراقصون فرحاً لموتهم؟؟
أليست هذه غريزة وفطرة مشتركة بين الحيوانات والطيور وبني البشر..
وللعلم أيضاً فإن اختيار الكاتب للغراب كي يقوم برقصته على جثة الملك الأسد، إنما جاء بحنكة ودراية، لأن الغراب يحمل صفاتاً بشرية، ومنها ذكاؤه الشديد، وغيرته الشديدة على زوجه وأبنائه،
فقد درس الأوروبيون موطن الغراب وطريقة معيشته، ليصلوا بأبحاثهم عن وجود الغربان كأسراب وجماعات في معيشتهم اليومية، وكما ذُكر في المصادر عنهم، فإن زوج الغربان يعيشان طوال عمرهما مثل البشر، برفقة بعضهم البعض، فإذا اقترب ذكر غريب من زوجة الغراب، تبقى تضربه حتى يبتعد عنها.
"ومن الغرابة أن الغربان لا تخاف من الجوارحكالصقور والنسور، بل إنها تقترب من النسر حين يأكل من فريسته وتستقر قليلا، ثم تبدأ في مطاردته، فتطير الغربان وتنقض عليه طائرة فيضطر إلى خفض رأسه حتي لا يصدمه الغراب بجناحه أو بذيله. وبعد عدة مرات من تلك المناورة يملّ النسر ويطير تاركًا الباقي من فريسته فتأكله الغربان.
ويراعي زوج الغربان نسلهما في العش ويجلبون لهم المأكل. وإذا حام بالقرب أحدالصقورتجد الأبوين ينطلقان ويبدآن مطاردة الصقر طيرانًا حتى يختفي من المنطقة، ويبتعد الخطر عن نسلهما"..
ثم ذكره الله تعالى في كتابه المعجز العظيم قوله تعالى في سورة المائدة:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28)إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ(29)فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ(30)فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}(31).
لذلك ذكر ها القرآن في قصة قابيل وهابيل وهو يُعَلِّم أحدهما كيف يواري سوأة أخيه فيدفنه.
ثم اكتشف الباحثون أن الغراب بإمكانه التعرف على وجوه البشر، ليس ذلك وفقط بل يصنّفهم إلى بشر جيدين، وبشر سيّئين.
هذه خلاصة التعرف على الغراب، لنستوحي منه العبر في هذه القصة القصيرة جداً..
نعود لجماليات هذه القصة وما فيها من دلالات تسقط على واقع مأزوم، يعيش فيه الفرد تحت ضغوطات ظالمة ليكون في نفسية ذليلة راضخة للذل تحت تهديد السلاح بالقتل والسجن من أجل عدم رفع الأصوات وتغيير جذور الواقع الذي رسموه حسب أذواقهم ومصالحهم وكراسيهم، ليكون حصيلة هذا التخطيط الإجرامي هو الإنسان البسيط الذي لا يملك إلا الصمت من خلال تكميم الأفواه، وقد امتلأ جوفه بالخوف والرعب من جراء ما يرتكبون من مجازر بشعة وقتل يتفننون في طريقته، تشيب منه النفوس وتقشعر الأبدان..
لذلك نرى الكاتب قد ألبس الغراب قناعاً بالرغم من أنه لا حاجة له، خاصة وأن رقصه على جثة الملك الأسد وهو جثة هامدة لا تتحرك ولا تثير خوفاً، لكن ما أراده الكاتب، هو العمق الذي يسري بين دماء المعنى المراد، وهو حالة الخوف والرعب التي جاءت بل أصبحت غريزة سلوكية، مما تثير القلق والرعب في النفوس، وكيف أصبح الخوف يسيطر على النفوس بشدة ليكون سلوك في كل مراحل الحياة، مما يدل على أثر الرعب والخوف والاستبداد وعمقه الذي أحدثه نظام حكم القوي على الضعيف..فكان القناع وسيلة الهروب من الضعف والخوف الشديد الذي يلاحقان الغراب أو الإنسان الذي رضخ تحت حكم استبدادي شديد..
ومن نتيجة الخوف الذي أصبح سلوك عادي في حياة الأفراد و الطيور، نجد قول الكاتب:

/حين اصطدمت عيناه بوجهه .
هتف بعفوية:
يحيا ملك الغابة !!/

وهذه نتيجة عملية الضعف والخوف التي غرزها الظالم في المظلوم، في حين اصطدام عيون الغراب المقنع بالصقر، أن يهتف بحياة ملك الغابة، لأنه ما يزال تحت وطأة الخوف وهو مسلوب الإرادة، ويحتاج دهراً حتى يخرج من هذه الحالة النفسية، ولن يخرج منها الإنسان إلا إذا تعاضد وتكاتف مع باقي أفراد المجتمع بثورة تطرد فيها الجبابرة والطغاة من الموقع الذي يعيشونه، وليس ثمة حل إلا هذا الحل وبعد العودة لشريعة الله سبحانه وتعالى...
هذه قصة رمزية من الطراز الأول، ثقيلة المعاني والأبعاد والدلالات، وتقدم لنا الحكم والعبر والدروس المستقاة من وحي الواقع المؤلم...

الأديب الكبير الراقي
أ.أحمد علي
كتبتم مختصراً لواقع مأزوم وأمة تعيش نفس هذه الحالة التي رمزتم لها بلسان الطيور والحيوانات..
بورك قلمكم وحرفكم الوارق البديع..
ووفقكم الله لنوره ورضاه
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية







***






  رد مع اقتباس
/
قديم 30-09-2020, 10:38 AM رقم المشاركة : 61
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : من زاوية أخرى
النّاص : طارق المأمون محمد
القراءة : جهاد بدران
.....................



النّص :

قادتْ حَملةَ مُعارَضةٍ قَويةٍ ضِدَ سِياساتِ الحُكومَةِ عَلى إثرِها تَزوجَتِ الرَئيسَ..




القراءة :


ومضة ولا أجمل ولا أبرع من هذا التركيب المتقن للحروف والمعاني ..إذ جلب معه أبعاداً كثيرة وأخذنا لزوايا فنية مختلفة أدرك منها الخيال الصور المثيرة والتقاطات إبداعية تأويلية باتجاهات مختلفة وتحت نصل التشريح المختلف..
ومضة لخصت واقع السياسة وأساليبها المبتوية للحصول على زبدة المراد والمطلوب لتحقيق الأهداف والمراكز والنيل من المناصب والكراسي لإثبات الذات المتلاعبة وقدرتها في عملية التحنيك والتكتيك في زمن خلع معه قوانين العدل والحق..وسلب من الفرد الأمن والأمان..واتكأ على المصالح الذاتية ...
العنوان / مِن زاويةٍ أخْرَى/ فيه احتيال على السياسة واللعب في خيال المتلقي ..والإيحاء بما وراء التراكيب المتناغمة الفذة...
ومضة أوقعتنا في شبكة التأويل لأكثر من زاوية..ولخصت الأسس والقواعد التي تتّبع في عملية السياسات للحصول على النتائج المرضية..
فالومضة بقلة حروفها استطاعت تلخيص الواقع والذات الإنسانية..
إذ تتحدث عن النضال السياسي وكيف تتم عملية التخطيط لاستحواذ فئات جماعية قوية لصد الحكومة وقراراتها..وكأنه يتحدث عن مبدأ العمل الجماعي الذي تتم به القوة الرادعة ضد الحكومة..فالقوة تكمن في حزمة بشرية كبيرة لا تنكسر طالما تتحد معاً بالإخلاص والوفاء ومبدأ الشورى...

//قادتْ حَملةَ مُعارَضةٍ قَويةٍ ضِدَ سِياساتِ الحُكومَةِ//

في هذه الحملة تقودها امرأة..وكأن الكاتب يوحي لنا بدور المرأة الكبير في قيادة المجتمع وتسوس البلاد تحت سلطتها بدهائها وذكائها..وكأنها تصارع الرجال على المناصب..
هنا يريد الكاتب توضيح عمل المرأة الكبير في الوصول لأعلى المراتب..
لكن عاطفتها وجوارحها تكون سببا في الانتصار أو الانكسار..وهنا يومئ الكاتب لنا أن المرأة حين تسيطر عليها الدوافع والغريزة العاطفية تنزل من مرتبة القوة لمرتبة الرقة لتصبح في النهاية زوجة مهما طال حكمها واستبد بها الأمر..
فالصراع اليوم واضح وكبير على المناصب بين الرجل والمرأة..
فهي تستطيع قيادة الحملات ضد أي هدف سياسي أو اجتماعي أو ما شبه ذلك فإنها بطاقاتها وقدراتها تستطيع الوصول ضمن ذكائها..لكن مهما طال بها الزمن ستعود لدور الأمومة والبحث عن الأمان والبيت الدافئ..وهذا ما قادها إلى الزواج ..كما قال الكاتب في قفلة الومضة بقوله:

//عَلى إثرِها تَزوجَتِ الرَئيسَ//

هنا يتضح عمل الغريزة التي تبحث عنها المرأة في الزواج...
من هذا يتضح أيضاً أننا مهما كافحنا في طريق الوصول لمبتغانا إلا أن الإنسان يتعرض للفتن والإغراقاءات ويقع في شباك الذات وأهوائها..ويتنازل عن مبادئه التي نادى بها دهراً..وهذا لا يكون إلا الذي يملك إيماناً ضعيفاً ..يتساقط معه في دفتيّ الشهوات وحب الذات والمصالح البغيضة..
وربما أراد الكاتب أن المرأة مهما وقفت طويلاً أمام التيارات إلا أنها بقوتها وحدها لن تستطيع الصمود..
من زاوية أخرى..وصل لدى المتلقي زاوية الإغراء والأنوثة التي تتصف بها النرأة لايقاع الرجل بشباكها..وهذا نوع من الدهاء التي تحمله الكثير من النساء..
الومضة تحكي :
- عن السياسة وألاعيبها وتوابعها وما ينتج عنها..
- عن دور المرأة في المجتمع وما تحمل من قدرات أحيانا كثيرة تفوق بها على الرجال..
- عن سموم الذات وطرح المصالح الذاتية فوق كل اعتبار وعلى حساب الشعوب المنهكة النازفة ضياعاً ووجعاً..
عن دور العمل الجماعي في قيادة الشعب وتحرير البلاد والوطن من بين براثن الغرباء..
- عن دور التخطيط والتنفيذ في رصد أعداء الأمة وتعرية الساسة الكبار تحت مخالب الجماعة الواحدة..
- عن دور المعارضة في إعلاء الصوت في وجه الظلم لتحقيق مآرب الشعب ومطالبه..وعدم كتم الأفواه والصمت البغيض لنيل الحقوق والمساواة والعدل والحق في الأرض التي يسكنها الإنسان..
- عن الذكاء الإجتماعي الذي يملكه القائد في تحريك الأنفس الخام وتفعيلها لمآربه ونواياه..
.
.
الأستاذ الكبير والشاعر البارع الماهر في اصطياد الحروف وفق منظومات إبداعية فذة مثيرة وعذبة
أ.طارق المأمون محمد
كل التقدير والتبجيل لقلمكم الماسي وحرفكم المتألق المبدع
ومضة قالت الكثير وحملت بين طياتها أبواب عدة من التأويل كان المفتاح لها ذلك الخيال العجيب الذي يسطر ما تلهمه الأفكار والفكر الواقع بين ضفافها وسطورها..
ومضة عكست الذكاء والبراعة في تراكيبها وتناغمها مع الواقع اليوم تناصاً مع وقائع التاريخ الماضي وحكم النساء فيه..
أبدعتم في حروفكم وأنرتم بقلمكم جباه الأدب ..
وفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة..
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 08-10-2020, 10:31 PM رقم المشاركة : 62
معلومات العضو
جهاد بدران
شاعرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: سلسلة ضوء الشاعرة جهاد بدران على نصوص فينيقية

النّص : شريعة
النّاص : عدنان حماد
القراءة : جهاد بدران
.............................


النّص :


منذ الولادة إيم الله يا بلدي
ألفيت اسمك منقوشا على عضدي

لم تغر روحي حقول النفط قاطبة
فالسعد ظلك رغم الشح والكمد



القراءة :


ما أبلغ هذه الكلمات وما حملت بين ثناياها معالم جمة ودرراً تندرج تحت مسمى الوطن..
بيتان من الشعر يعدلان لوحة فنية نفيسة لا تقدر بثمن، تعلق على خيوط الشمس وهي تمتد نحو عيون الوطن..

/شريعة/
العنوان وما يحمل من دلالات عظيمة، ينبثق منه مفاهيم جليلة، بتأويلات تكتب من قلب الأرض المقدسة..
الشّريعة/ تأخذنا نحو اتجاهين، الاتجاه الأول: الشّريعة ما***شَرعَه***الله لعباده من العقائد والأحكام.
والثاني: معناها، طريقة ومنهج.
وهنا في هذه الومضة، يصلح المعنى الثاني، وهو الطريقة والمنهج الذي تربى عليه الكاتب (أو الشخصية التي رسمها في مخيلته) منذ ولادته..
وسنوضح هذا المنهج الذي أصبح غذاء يومي للكاتب، وانغرز في حياته كطريقة حياة ممتلئة بالقناعة والرضى..
الشاعر يتحدث باسمه عن هذه الطريقة التي يستخدمها كأسلوب حياة.. فقد قال:

/ منذ الولادة إيم الله يا بلدي
ألفيت اسمك منقوشا على عضدي /

يستعمل الشاعر القسم/إيم الله/ ليؤكد تأكيداً جازماً لا شك فيه، أن اسم بلاده بات منقوشاً على عضده منذ ولادته، تأكيداً على عامل وراثي للحب لها مع تعاقب الأجيال، لينمو هذا الحب ويكبر لبلاده المقدسة، مما يدل على إخلاصه وتفانيه لها..
سنلاحظ في عجز البيت، أن الشاعر استخدم تعابيره بالحديث عن نفسه، ولكن كان كناية عن بلادنا فلسطين الحبيبة..
فاسمها /منقوشاً/ أي محفوراً، والنقش إنما يكون بطريقة يصعب إزالة أثره، لأن النقش يكون فيه مهارة صعبة وفيها دقة وفيها جهد كبير حتى تتم عملية النقش، وكأنه يريد القول، أن فلسطين منذ ولادته قد حُفر حبها على جسده منقوشاً بطريقة لا يمكن محوها أبداً حتى الممات بعد عمر طويل للشاعر، والنقش إنما وضعه بمكان يوضح فيه أبعاد ما يريده بطريقة احتراف ظاهر وذكاء فذ، مما يوحي لدلالات لها أثر ومعالم قوية المضمون، في إبراز تعلقه الشديد بها..

/لم تغر روحي حقول النفط قاطبة
فالسعد ظلك رغم الشح والكمد/

هنا ينقلنا الشاعر لدلالات الغنى والفقر في آن واحد، وهذه دلالات متضادة، تعكس جمالية المحتوى، وقدرة الشاعر في الجمع بينهما بطريقة حكيمة جدا لخصت الوضع العام لسياسة بلاده، ونهجها الذي اتبعته بعيدا عن المغريات التي تقدّم لها كمساعدة نفطية ملغومة لها أبعاداً سياسية معتمة، ليتم اصطيادها فريسة كلقمة سائغة لهذه الدول النفطية، تحت ضغط عامل النفط لتكون كرت تلاعبٍ تفعل بها ما تشاء، والشاعر هنا بمهارته، استطاع التعبير عن ذلك بلغة الأنا / لم تغر روحي/ وهي تشتمل بنفس الوقت على لغة الجماعة، وهذا ساهم في توضيح علاقة الفرد بالجماعة، علاقة بين سياسة الفرد وسياسة المجتمع الفلسطيني، على أنه يتماشى في بؤرة واحدة لا وجهان فيها، بل عملة واحدة لوجهة واحدة، وهذا يُظهر قوة الفرد الفلسطيني وهو يتنفس من قوة المجتمع كوحدة واحدة أمام الإغراءات المادية النفطية لتصبح في أعلى مراتب الغنى، ثم ترفض هذه الإغراءات بقوة رادعة لسياسات التركيع، رغم ما يكتنفها من فقر مدقع. وهذا يدل على معنى شعب يبحث عن حرية بلا تنازلات ولا ضغوطات نفطية اقتصادية..
فلسطين ترفض الخضوع والذل والهوان أمام مارد الغنى المعروض للمساومة على البلاد لتصبح حجر النرد بين أيديهم..فالشاعر يقول:

/حقول النفط قاطبة/

كلمة /حقول/ تدل على مهارة التوظيف الدقيق لدى الشاعر، فلم يستعمل كلمة نفط لوحدها والتي تدل على كمية غير محددة، فممكن أن تكون براميل نفطية قليلة. لذلك حدد أنها حقولاً، كي يظهر مدى الاغراءات التي تتعرض لها فلسطين مقابل جرة قلم للبيع، وفوق ذلك كله ترفض هذه العروض الضخمة مقابل كرامتها وحريتها التي تقاتل لأجلها في سبيل الله لنيل الشهادة مقابل الأرض الحرة.. عملياً هذا الإغراء لا يصلح مع فلسطين الدولة النقية الطاهرة، ولا مع شعبها، فهي كل ما تريده، حرية مطلقة تأخذها بسواعدها النقية ورجالها الأحرار الأبطال الذين يحملون أكفانهم على أكتافهم مقابل أن يمسحوا عن وجهها غبار الحزن والوجع، ويقلعوا أنياب المحتل التي تجذرت في أراضيها..

/فالسعد ظلك رغم الشح والكمد/

وهنا يوضح الشاعر بشفافية حبه لها، من خلال تعلقه بظلها والذي يدل على قمة سعادته، لا النفط ولا كنوز الدنيا تغني عن ذرة واحدة من أرضها المقدسة، بالرغم من الشح والوجع والمعاناة التي تتعرض لها فلسطين وأبنائها البررة..
لا تريد حرية مشروطة أو مسمومة، هي تريد حرية بلا قيود، وهذا هي شريعتها ومنهجها في التعامل مع من يريد إغرائها بشتى الأساليب، والحفاظ على معاني الكرامة والحرية الصحيحة بمعناها الأعمّ، لذلك جاء العنوان يلبس البيتين بإتقان وبراعة بلباس على مقاس حجمها، وهذا هو قمة الإبداع الذي يوظف دلالة العنوان بالمحتوى المشار إليه ببنان الشاعر، هذه هي بوصلة الاستقامة لفلسطين..

شاعرنا الكبير البارع حرفه المبدع
أ.عدنان حماد
لا يكتب مثل هذه الأبيات إلا إنسان صادق يحمل قول الحق في وجوه الطغاة ولا يهابه لومة لائم..
لا يكتبها إلا من يحمل في قلبه الغيرة على الأرض المقدسة..
الشاعر الراقي عدنان حماد، كتبتم بيتان من الشعر يعدلان ما تقوله فلسطين بشعبها الأبي الحر المناضل..
دام قلمكم ثائراً على الظلم وأهله، ودام منارة الشعر والأدب..
رعاكم الله وحفظكم ومتّعكم بالصحة والعافية ورضي عنكم وأرضاكم..
احترامي لقلمكم الفاخر والرشيد..
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط