لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: البوُّ ..!. (آخر رد :نبيلة حمد)       :: قبل النهاية (آخر رد :هيام صبحي نجار)       :: ذكرى لا تنام .. ووجع لا يموت !! (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: طواف العيون (آخر رد :هيام صبحي نجار)       :: عدم (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: في عرس الشهادة (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: حسب نفسي شمسي (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: الحكايةُ ذاتها (آخر رد :هيام صبحي نجار)       :: وُرَيـْقَـةٌ مَكْتُوبـَةٌ بـِالدَّم (آخر رد :محمد ذيب سليمان)       :: مقاطع من حديث السنديان، أيضاً، (آخر رد :ياسر أبو سويلم الحرزني)       :: مسابقة القصة القصيرة جدا/ صفحة نصوص المسابقة (آخر رد :خالد يوسف أبو طماعه)       :: حروف بلا أرصفة (آخر رد :يزن السقار)       :: ترنيمة سلام (آخر رد :نوال البردويل)       :: صوت ناي (آخر رد :أحمد العربي)       :: الوطن (آخر رد :نوال البردويل)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ۩ تحت الضوء ☼

۩ تحت الضوء ☼ دراسات أدبية ..قراءة تحليل نقد ..."أدرج مادتك واحصد الاشتغال فيها وعليها"

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-02-2018, 04:28 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
حكمت البيداري
عضو مجلس الأمناء
عضو تجمع أدباء الرسالة
يحمل وسام الأكاديميّة للابداع الادبي والعطاء
بيدارو العراق

الصورة الرمزية حكمت البيداري

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

حكمت البيداري غير متواجد حالياً


افتراضي " للريل وحمد " ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة

نشرت جريدة"العراقية"التي تصدر في استراليا دراستي المطولة(للريل وحمد "ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة).شكرا د.موفق ساوا؟.
" للريل وحمد " ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة
قراءة : داود سلمان الشويلي
ان افراد باب خاص ، او كتابة سطور عن قصيدة لشاعر ما يعني ان هذه القصيدة لها شأن في حركة الشعر ، ومذاق طيب في ذائقة الناس ، تختلف عما انتجته قريحة الشاعر ، او الشعراء عموما ، وذات قيمة في وجدان المتلقين ، وهذا ما اكدته قصيدة " للريل وحمد " التي سنتحدث عنها في السطور القادمة ، متخذا منها الفتح الجديد لقلاع القصيدة العامية الكلاسيكية التي نفدت كل طاقاتها كما ينفد الوقود من محرك السيارة في الصحراء حيث لا تقدم للامام ولا رجوع .
هذه القصيدة مبنية في شكل كلاسيكي من حيث الوزن ، إذ انها على وزن الموال الذي يعود الى بحر "البسيط " (1).:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
ان هذا البناء الشكلي لهذه القصيدة لم يتخذ الكلاسيكية اسلوبا له ، بل تجاوزها الى ما هو اكثر منه دقة في حمل مضمون القصيدة ، وفي بقائه من حيث التفعيلة ، فكانت بذلك اول خطوة يخطوها الشعر العامي العراقي في هدم قلاع القصيدة الكلاسيكية الاتباعية الراسخة البناء كسور الصين وأشد ، وكانت ايضا فتحا جديدا في ميدان القصيدة العامية في امور منها :
1 – من حيث الشكل والاسلوب :
اعتمد الشاعر في قصيدته هذه ، رغم البناء الداخلي للموسيقى ، واعني به التفعيلة على بحر البسيط ، على المنلوج الداخلي والتداعي الحر ، وهو الكلام الذي لا يسمع ولا يصوت به ، حيث تعبر به الشخصية عن افكارها دون تقيد بالترتيب الزمني او التنظيم المنطقي (2) ، وكذلك ازدواجه بالوجود الخارجي للاشياء الحسية منها خاصة ، وهذا ليس اطارا خارجيا ، بل هو تنظيم وتنسيق وصياغة لعناصره الداخلية ليخدم الهدف المنشود منه (3) ، حيث انه متأت من الربط بين الانا و النحن ، وهذا ما سأتحدث عنه في نقطة اخرى.
ورغم البناء الخليلي للقصيدة ، فأنه استعمل فيها ، ولاول مرة في الشعر العامي ، هذا التجانس بين الخارج والداخل ، بين الاحساس النفسي والموجودات الخارجة في منولوج داخلي .
- يابو محابس شذر ، يلشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات
ولا تمشي .. مشية هجر ..
كلبي .. بعد ما مات .
بعد مناجاته للريل ، او مناجاة الفتاة كما جاءت القصيدة على لسانها ، ينتقل بنا الشاعر الى العالم الداخلي ، بتداعي الافكار ، و بالتذكر المر / الحلو لذكريات كانت حاضرة في وقت ما ، فكانت بمثابة الماضي ، وهذه الانتقاله ، في شكل كلاسيكي صرف ، اتاحت للشاعر والشعر والشعراء العاميين من بعده ، الاستفادة من التقنية الحديثة التي جاءت بها القصيدة العالمية والعربية خاصة .
* يابو محابس شذر ، يلشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات .
* جيزي المحطة ..
بحزن ..
وونين .. يفراكين
ما ونسونه ابعشكهم ..
عيب تتونسين
يا ريل .. جيم حزن ..
اهل الهوى ، امجيمين .
ان النواب ، وعندما بنى قصيدته هذه على هذا البحر بما يحمله من انفعال ، وجلبه قوية ، وحركة سريعة ، انما جاء كرد فعل لحركة القطار الذي نظم فيه المقطعين الاوليين من القصيدة (4) حيث سرعة القطار ، و صوت زمجرة عجلاته التي تنزلق على خطوط السكة الحديدية ، كانت كلها الباعث الرئيس لافراز مكنونات نفسه في هذا الشكل ، وكما يقول الناقد عبد الجبار عباس : (( البحر يحدد الموسيقى الخارجية للتجربة بينما تتضافر عوامل عديدة البحر اهمها في تحديد الموسيقى الداخلية )) . (5) وقد استمر النواب على هذا البحر بعد ان وجد ضالته فيه على طول القصيدة ضاربا عرض الحائط – كما يقال – احساساته الداخلية المكبوتة التي اطلقها على شكل منولوج ، فجاءت بشكل حاد وبجلبه سريعة ، ولو استعان النواب ببحر اخر كالكامل او الوافر مثلا ، اللذين يتيحان له ان يصوغ افكاره بإنسيابية بطيئة كحلم شفاف ، لجاءت القصيدة من حيث التنوع بالوزن للضرورة النفسية لحالة الشاعر ووقع تجربته التي جسدها فيه .
والنواب في قصيدته هذه قد جعل الشكل ذا بناء هرمي ،وكانت الحركة المنبعثة من خلال اشطر القصيدة بأجمعها كحركة القطار وهو يسير:
* مرينه بيكم حمد .. واحنه ابقطار الليل .
* جيزي المحطه ابحزن..
وونين .. يفراكين.
* دك بيه كل العمر .. ما يطفه عطابي .
وهناك الزمن المتجدد الذي ينبعث من القصيدة نفسها مواز للحركة ، حيث انه ليس بالشيء الجامد بل يحتل حيزا في المكان كما تقول نازك الملائكة (6) ، انه حركة ، حركة في الحدث ، وحركة في الزمن ، وحركة في المكان .
* مرينه بيكم حمد .. واحنه ابقطار الليل
واسمعنه ، دك كهوه ، وشمينه ريحة هيل .
حيث ان الافعال ، مرينه ، اسمعنه ، شمينه ، زمنها الماضي ، ولكن هل ان هذا الماضي قد انقضى ؟ هذا ما تجيبنا عنه القصيدة نافية ذلك ، اذ تقول :
* يا ريل .. صيح ابقهر .. صيحة عشك يا ريل .
وبواسطة حرف النداء ( يا) في الحاضر والذي ينادى به على القطار ، تكمن اجابة السؤال الانف الذكر .
إذن ، الفعلان لا زالا مستمرين ، والحركة بالحدث والزمن والمكان مستمرة، والذي يطالع الفعلين (جيزي ، دك ) يشعر بما يمنحانه من دلالات زمنية ، وهو الاستمرارية في الحدث من حيث الزمان والمكان ، حيث الحركة المستمرة للقطار في زمن مستمر يبعثه الفعل (جيزي ) والفعل (دك) ، اي يسير بالشاعر ، اللذين حددا استمرارية الحدث وزمنه ومكانه .
لم يكن النواب غافلا عما يأتي به التكرار من اضاءة لا شعورية للعمل الادبي وللشاعر نفسه ، بل انه ، عرف بذلك او لم يعرف ، كان بمثابة القوة الخفية المساعدة لاقامة مقطوعات ووحدات صغيرة يضمها الاطار الكلي الخارجي للقصيدة .
واللازمة التي استخدمها النواب في التكرار هي البيت الاخير من المقطع الاول وراح يردده في نهاية كل مقطع من القصيدة :
* هودر هواهم ، ولك
حدر السنابل كطه .
وقد كانت هذه العبارة كالمادة اللاسقة من حيث القوة بحيث ان المقطع الذي يأتي بعدها لم يعد منفصلا عما جاء من قبله . وكانت ايضا من الحيوية والمرونة بحيث اعطت للشاعر المجال واسعا لان يستخدم التداعي وتيار اللاشعور بشكل منلوج داخلي بما تحمله من فعل ممطوط ، حالم ، تكمن فيه شفافية الحلم وحركته الهادئة وهو الفعل " هودر " . وايضا ، كان للتكرار الذي جاء في الكلمتين الاوليتين من العبارة نفسها ، وهما الحرفان" الهاء والواو " في " هودر ، هواهم " وهما من الحروف الممطوطة ، منحا العبارة القوة والنبض الهاديء في القصيدة .
تقول الناقدة نازك الملائكة : (( ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء هذا الباب "اي التكرار" ان ينتقوا العبارة على اساس غنائي )) . (7) . وهذا ما نراه في عبارة النواب المكررة .
ولكن كيف تخلص النواب من هذا المنزلق ، حيث انه شكل للقاريء والمستمع مللا لا يستسيغه ؟
وبشعور ، او لا شعور ، تخلص النواب من هذا المنزلق الذي تخوفت منه الناقدة ، وذلك بتحويره للعبارة في المقاطع الاخيرة .
يقول في المقطع السادس :
* يمكن اناغي بحزن منغه .. ويحن الكطه .
وفي المقطع السابع يقول :
* خليهن يهودرن .. حدر الحراير كطه .
وفي المقطع الثامن يقول :
* بطول الشعر .. والهوى البارد .. ينيم الكطه .
وفي المقطع الاخير ، وبعد ان كاد البيت المكرر على وشك ان تنتهي مفرداته المكررة حيث تبقى في المقطع الثامن المفردة " الكطه " ، يعود النواب مرة اخرى ليكرر العبارة الاصلية لكي يجدد الابعاد الحركية لهيكل القصيدة ، فينهيها قائلا :
* وهودر هواهم ولك
حدر السنابل كطه .
وهكذا جاءت قصيدة " للريل وحمد " كأول قصيدة تطرح العلاقة الوثيقة بين الشكل والمضمون ، هذه العلاقة التي لم يلتفت لها الشاعر القديم تحت فهم قاصر للشكل الذي هو السبيل الاوفق لان يوضح ويجسد ويبين ويطور المضمون .
وقد يقال ان النواب لم يأت بشكل جديد ، فكيف تمكن من ان يسخر هذا الشكل القديم لان يحتوي مثل هذا المضمون الحديث ؟
وحقيقة ما يقول الدكتور احسان عباس حينما تكون سطوره هذه اجابة عن مثل هذه التساؤلات ولا يحق لنا ان نقول ان الشكل هو الحقيق بانجاح القصيدة وليس الموضوع هو الذي يستطيع ان يجعلها فنية ، وانما هو تلك الموهبة التي تستطيع ان تسخر اي شكل ملائم وتستغله لموضوع ملائم ، وان الجدة في الشكل لا تصنع شعرا جديدا كما ان الجدة في الموضوع تعجز عن ذلك . (8)
وهكذا كان النواب بموهبته الشعرية ، وحساسيته القديرة ، التي عرف بهما ، كالشاعر الحاج زاير ، عرف كيف يمزج بين جدة الموضوع وقديم الشكل ، فيما سقط شعراء اخرون من بعده لانعدام الموهبة وعدم تبصرهم في الربط الموضوعي بين الشكل والمضمون ، عادين ان الشكل الجديد ينتج شعرا جديدا ، وشاعرا جديدا .
***
2 – من حيث المضمون :
السؤال الذي يطرح نفسه ، هل جاء النواب بمضمون جديد لم يسبقه احد من الشعراء العاميين ؟ ام انه سقط في هوتهم المظلمة العقيمة كما سقطوا هم ولم ينهضوا ، إذ راحوا يراوحون في ذلك القعر المظلم بسذاجة غبيه ؟
الاجابة عن هذا السؤال هي ذات حدين : نعم ، ولا .
عندما نجيب بنعم فإنه بذلك قد اغرقته رائحة ذلك القعر المظلم وراحت ساقاه تدوس في اوحاله بحركة موضعية لا تلبث ان تعود بعد ان ترتفع متخذا المراوحة سبيلا له في كتابة الشعر.
وتأت الـ " لا " كضربة عصا ساحر ماهر لتوقف هذه المراوحة ولتقول كلمتها ذات الدلالة السحرية العجيبة لتفتح الباب المظلم ولتطلق القصيدة العامية من عقال فرضه عليها التخلف والامية والتقوقع الذي دفع بالشعراء الذين سبقوه ان يراوحوا في اماكنهم الا ما ندر .
وهكذا كانت القصيدة ، وهكذا كانت الاجابة بنعم حيث الموضوع القديم وهو " الهجر ، والسفر " ، وهكذا كانت الـ " لا " بما طرحه النواب من مضمون جديد لموضوع قديم باسلوب جديد تناول فيه الموضوع البسيط والخطير هذا ، وهنا يتشعب الكلام الى شعبتين نوجزها في النقطتين التاليتين :
* اشفنه من عدكم ؟ وشنهي البيه تهنينه؟
اشكعدنه واشتحاذينه معاكم واشتحاجينه
واجيت بيا عذر واقبل اسامحكم وابريكم
روح وكل خطياتي وراكم .. ما تبريكم
شبريكم .. شبريكم
روح الله ابمكاني اليحاكمكم ويقاضيكم
روح ولا تظن ارحم وابريكم شبريكم
روح وكل خطياتي وراكم ما تبريكم
شبريكم شبريكم (9)
* يا ريل طلعوا دغش ، والعشك جذابي
دك بيه كل العمر .. ما يطفه عطابي
نتوالف ويا الدرب .. وترابك ترابي
وهودر هواهم ، ولك .. حدر السنابل كطه ..
انه ارد الوك الحمد .. ما لوكن لغيره
يجفلني برد الصبح .. وتلجلج الليره
يا ريل بأول زغرنه .. لعبنه طفيره
وهودر هواهم ، ولك .. حدر السنابل كطه . "10"
هنا يخرج النواب من معطف الشعراء العاميين الذين سبقوه ، و الذين كانوا يترجمون افكار الحقد والانانية عند تصوير هجر الحبيب لحبيبته ، انهم يرون الجانب اللاانساني في الانسان ، بينما يرى هو الجانب الانساني الخير في الانسان ، إذ يبقى الاخلاص والود حجر الاساس في قصائده.
فحين يترجم الاخلاص تعبق كلماته برائحة العنبر فتفيض صدقا وبساطة .
ان المثالين اللذين اوردتهما في السطور السابقة ، الاول من الشعر العامي القديم ، والثاني من قصيدة للريل وحمد ، هما اللذان يحددان لنا مدى اخلاص شخصية "بطل "القصيدة في حبه وصدقه ، حيث كان الشاعر القديم يدعو الله ان يجازي حبيبته على هجرها ، فيما نرى النواب بعد ان احس بالهجر ، وبعد ان عرف " دغش " حبيبته راح يستعيد لحظات حبه بما تفيض به نفسه من حب لها فيصفها قائلا :
* جن حمد فضة عرس جن حمد نركيله
مدكك بمي الشذر ، ومشله اشليله
يا ريل ثكل يبويه وخل اناغيله
يمكن اناغي بحزن منغه ، ويحن الكطه .
وبينما كانت " للريل وحمد " وما فيها من ترابط وثيق بين الشكل المضمون ، فكان ايضا هناك المزج الواعي والذكي بين الانا والنحن وكما يقول اليوت : ان الشاعر يمكن ان يعبر عن حقيقة عامة من خلال تجربته الشخصية العميقة (11) .
بهذا الفهم العميق للرابطة الوثيقة بين الانا والنحن ، بين ما في دواخل نفسه من احاسيس خاصة به ، وما في دواخل وكوامن ابناء الشعب وقتذاك من رفض الواقع المزري الذي يعيشونه تحت قيود السلطة ، راحت القصيدة تطرح ثلاثة قضايا مهمة ومتداخلة هي : الهجر ، والفصل من الوظيفة ، وكذلك الواقع المر الذي عاشه النواب كفرد من المجتمع يحس بما يحسون . المجتمع الذي تغلي في عروقه مراجل الثورة .
اليس هذا الواقع هو الهجر بعينه من جانب الشعب ؟ واليست الجماهير في ذلك الوقت تعيش الغربة عن الوطن وهي التي تسكن في ربوعه وتشرب من مائه ؟. ولكن الى اين يقود بنا هذا القطار المتجه نحو الجنوب؟ والى متى يبقى الحبيب مهاجرا ، غائبا ، والحب يغلي بين عروقنا :
* يابو محابس شذر ، يلشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات
ولا تمشي .. مشية هجر .. كلبي .. بعد ما مات .
وهكذا كانت هذه القصيدة بمضمونها العاطفي وما طرحته من علاقة سلبية في الحب- الهجر – اسقاطا نفسيا لما يجيش في مكنون الشاعر - وهو واحد من ابناء المجتمع - من هموم اجتماعية وسياسية ... الخ ،فقد حلت شخصية الحبيبة ، والتي جاءت على لسانها القصيدة ، محل الشاعر المفصول من الوظيفة وقد تراكمت عليه الهموم ، وهاجر الحبيب ، رغم وجوده امام الحبيبة عندما يتراءى لها – محل الوطن الغائب / الحاضر - واخيرا كان القطار ، حيث حل محل الزمن والتاريخ ، متجها بحركته الهادرة وصوته العالي الى حيث الوداعة والجمال في الجنوب ، وهذا ما يذكرنا بقصائد الشاعر بدر السياب " ربيع الجزائر ، ابن الشهيد " حيث كانت تنضح سياسة ، الا انها ذات بعد ذاتي .(12 )
لقد كتب الشاعر المقاطع الثلاثة من القصيدة عام 1956 كما يذكر ، حيث كان يتحرق شوقا لرؤية الحبيب وذاكرا اللوعة المرة التي يعيشها :
* جيزي المحطه ابحزن .. و ونين يفراكين
ما ونسونه ، ابعشكهم .. عيب تتونسين
يا ريل .. جيم حزن ... اهل الهوه ، امجيمين.
فإنه يعود اليها بعد ثلاث سنوات ليكمل قصيدته هذه معلنا وبصوت عال على ما آلت اليه الامور بعد ثورة 14 تموز التي كانت الاعناق مشرأبة لرؤيتها . كانت كالحلم الذي يراود الجماهير اتي انبثقت الثورة من عروقها بعد ان لم تجد متسعا للبقاء هناك ، هذا الحلم لم يتحقق رغم قيام الثورة ، ولا يزال القطار ينهب الارض متجها نحو الجنوب ، الجنوب حيث الوداعة والجمال:
* يا ريل ، طلعوا دغش .. والعشك جذابي
دك بيه كل العمر .. ما يطفه عطابي
نتوالف ويه الدرب .. وترابك ترابي .
ويبقى الحلم يراوده ، ومرارة اللقاء تحرق القلب ، ناسيا انه يعيش في عالم غيبي ، عالم لا واقعي ، انه ابعد من عينيه مرآى ذلك الواقع ، وانسابت نفسه الى عالم جديد ، عالم يحققه الحلم ، وهكذا كانت خاتمة القصيدة متفائلة :
* تو العيون امتلن .. ضحجات .. وسواليف
ونهودي زمن .. والطيور زغيره .. تزيف
يا ريل .. سيس هوانه .. وما اله مجاذيف .
و " للريل وحمد " تقول لنا الكثير ، ففيما كانت القصيدة العامية القديمة تنطلق من العام الى الخاص ، جاءت " للريل وحمد " لتعكس ذلك المفهوم الخاطيء الذي كثيرا ما كان يتردد في قصائد الشعراء القدامى ، نجد ان النواب قد انطلق من الخاص الى العام .
نتسائل : ماذا نقصد بالعام والخاص ونحن ندرس هذه القصيدة ؟
انه " الهجر " كما قلت ، و " الفصل من الوظيفة " ، فكما كانت القصيدة على لسان فتاة تنطلق من لحظة من لحظات الهجر ، فانها لا تنطلق من التوتر النفسي الذي يصاحب الحدث داخل نفسية بطل القصيدة ، وداخل نفوسنا كذلك ، فانها لا تؤرخ هذا الهجر ، لاننا من خلالها لا نواكب حدثا كائنا (13) ، بل انها تبدأ من لحظة ما بعد الهجر ، حيث انها تواجهنا بالنهاية ، نهاية ما آلت اليه الامور ، وهذا ما يؤكد لنا ان النواب قد عكس ما آلت اليه القصيدة الكلاسيكية من ترد وسذاجة في ادوات التعبير كما هي متردية في ادوات التفكير ، فكانت قصيدة النواب – ببدايتها التي اختارها لتكون من زمن ما بعد الحدث ، او كما عبرت عنها باللحظة الحرجة – تحمل ادوات تعبيرية جديدة استعمل فيها الصورة الشعرية ، والمونولوج الداخلي ذلك الذي بنى عليه كل مقاطع قصيدته ، وهذا ما يذكرنا برائد المدرسة الحديثة في الشعر العامي المصري الشاعر فؤاد حداد وقصيدته " يتيم بورسعيد " ، والمفارقة في ذلك ان كلا الشاعرين – النواب وحداد – كتبا قصيدتيهما عام 1956 ، كتبها حداد على اثر العدوان الثلاثي على مصر ، وكذلك هو كتبها بشكل كلاسيكي كما فعل النواب ، على الرغم من ان بعض التطورات التي اجراها عليها (14) كما فعل النواب على قصيدته ايضا .
والمفارقة الاخرى والاهم هي اللحظة الحرجة التي بدأ بها كلا الشاعرين قصيدتيهما.
بدأ النواب قصيدته من احرج لحظة في الهجر الا وهي الهجر المكاني والانتقال فيه دون ان يذكر اسبابه:
* مرينه بيكم حمد .. واحنه ابقطار الليل
واسمعنه ، دك كهوه ، وشمينه ريحة هيل .
وحداد ايضا يبدأ مقطع قصيدته الاول ( بعد الرصاص ما سكت ) انه يختار لحظة زمنية محددة هي اللحظة التالية للدمار الذي حدث ، اي اننا لن نستعير عواطف التنبؤ بما سيكون، ولن نواكب حدثا كائنا كما يقول الناقد غالي شكري ، فحداد يبدأ من :
* بعد الرصاص ما سكت كان الرصاص يفوح
الجو حابس الامة والحجر مجروح
الاوله اه على عيل يتيم بينوح
والثانيه آه فين ابوه وامه وفين حيروج
والثالثة آه كان لنا في الشمس بيت وسطوح
يا قلبي دقت ايدين على بابك المفتوح
عيل يتيم على تل من الحجر بينوح
ويبص لك بعيون اوسع من الاجفان .
وفؤاد حداد بقصيدته هذه يقوم بتوظيف ادواته الفنية في خدمة هذا الغرض ، فهو يستخدم السرد القصصي ، والمشهد " لوحة تشكيلية " (15) وهكذا فعل النواب في قصيدته .
قلت ان النواب قد انطلق من الخاص الى العام ، ولما كان الخاص هو " الهجر " ومن ثم الفصل من الوظيفة ، فكان ذلك معبرا عن العام وهو ما كانت يعانيه الشعب من اوضاع متردية ، وهكذا جاءت قصيدته صورة معبرة عما يحسه في دواخل نفسه من حزن وتوهج في اللاوعي .
وبهذا الربط التام بين الشكل والمضمون من جهة ، وبين " الانا " و " النجن " من جهة ثانية ، قدم لنا النواب قصيدة فيها من السمات الرئيسة للقصيدة الحديثة الكثير .
***
3 – الصورة :
ان النواب في قصيدته هذه برومانسيتها العذبة التي بناها على فيض تلقائي لعواطف قوية ، وباعتماده الكلي على المونولوج الداخلي والتداعي التلقائي في الصور ، فقد منح قصيدته بعدا تشكيليا اجاد فيه ، حيث قدم لنا في بعض من مقاطعها لوحات ذات تنقلات جزئية ، حيث اعتمد في لوحاته التي كون منها البناء الكلي للقصيدة على النقلات الجزئية ، فكانت صوره بذلك تتخذ لها مساراًت في العلاقات فيما بينها ، نحو الصورة المركبة في المقطع الواحد .
* جيزي المحطه ابحزن .. و ونين يفراكين
ما ونسونه ، ابعشكهم .. عيب تتونسين .
* يابو محابس شذر ، يلشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات .
من خلال هذه العلاقة التركيبية للصورة ، فقد منح النواب صوره بعدا حسيا تخيليا ، حيث انه ربط بين التصور الحسي العياني للاشياء وبين التصور الخيالي لها ، فكانت صوره ذات دلالة حسية وخيالية في آن معا .
* جيزي المحطه ابحزن .. و ونين يفراكين.
* يا ريل .. جيم حزن ... اهل الهوه ، امجيمين.
* يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات .
من خلال هذه الصوروغيرها ، نقل النواب حالته النفسية وقت كتابة القصيدة ، وارتباطها الموضوعي فيما حوله من حركة و اشياء مرئية ، حسية ، وما تفيض به نفسه من صورمتخيلة على الرغم من حسيتها .
فالقطار عندما " يجزي المحطة = يتركها " بصورته هذه الحسية لا يمكن ان " يون = من انين " فكيف جمع النواب النقيضين في صورة واحدة ؟
والجواب على ذلك كما يقول الجنابي (16 ) : (( ان ترابط الصور داخل القصيدة بضرورة نفسية وفكرية محدودة هي نفسها التي تجعل من الضرورة ان يعبر الشاعر عن العلاقة بين الاشياء ومشاعره )).
والالفاظ التي يستخدمها النواب على الرغم من انها الفاظ حسية مرئية (محطة ، ريل ، فراكين ، شامات) فانه يمنحها حسا تخيليا ايضا ناقلا لنا تجربته النفسية وذلك بالتدخل بين هذه الاشياء (الحسية والتخيلية ) والايحاء الذي تتخذ به اللفظة ذات الطاقة الشعرية النابضة بالانفعال .
ولم تكن " للريل وحمد " - القصيدة – مختصة بهذا الشكل الصوري الذي يندمج فيه الحسي بالتخيلي ، بل ان النواب يسير بصوره هذه في جميع قصائده التي كتبها بعد هذه القصيدة .
* ميلن .. لا تنكطن كحل .. فوك الدم
ميلن .. وردة الخزامة .. تنكط سم .
* صويحب على العكل .. صندوك عرس .. اجبير
حزمه من الحصاد .. ايلفها .. طيب جبير .
* هذي الجلمة .. تموت بحزنك .. والروح اخضيره بطاريكم
وتهوى العبره .. كيف يضون ... ظلمات لياليكم .
***
4- اللغة والمفردة :
انطلق النواب يلم اشتات صوره بالمفردات الرامزة للاشياء ، والتي تسمح للصورة بأجمعها و المتكونة من مفردات طبيعية ، ايحائية ، خيالية ، على الرغم من حسيتها ، حيث يتفق مع جارودي على ان مهمة الكلمات ليست محاكاة الاشياء والتشكل عليها بل على العكس ، تفجير تعريفاتها وحدودها النفعية ، ومعانيها التقليدية الشائعة الاستعمال لنستخلص منها امكانيات غير متوقعة وامالا ومعاني كامنة مدهشة تحملها في طياتها . (17)
والنواب بفهمه المعاصر وثقافته التي اتاحت له ان يقرأ الشعر الحديث عربيا ام اجنبيا مترجما ، قد حدد له قاموسا اثر في الكثير من الشعراء العراقيين العاميين الذين جاؤوا من بعده ، وهذا القاموس هو خليط من لغة الشعراء العاميين القدامى ، والتي اسميها لغة التراث العامي ، وخاصة الريفية منها " الحسجة "، وبين حداثتها حيث لغة التراث قد تخلصت من ادرانها وتحجرها ، ومنحها طاقة شعرية خلاقة ، وهذه المفردات لم تكن عند غيره من الشعراء الذين سبقوه ذات ميزة شعرية موحية لو استخدموها هم ، بل انه ، ومن خلال صوره الجديدة ، منح المفردات تلك حسا جديدا وطاقة شعرية كبيرة ، فكثيرا ما تصدمنا كلمات قديمة مثل ( عيب ، جيّم ، امجيمين ، تلجلج ، مدكك ) وهي قد استعملها الشعراء الذين جاؤوا قبله فسحقوها سحقا ذريعا ، فجاء النواب ليمنحها طاقة شعرية كبيرة وجديدة ، وذلك باستعمالها الذكي ، وهكذا كان الشاعر مجيدا بقصيدته ، حيث انه كان قادرا على السيطرة على لغته وتطويعها لما يريد . (18)
* يا ريل .. طلعو دعش ... والعشك جذابي .
* يا ريل جيم حزن .. اهل الهوه امجيمين .
***
الهوامش :
1- البحر البسيط المخبون – فن التقطيع الشعري – د. صفاء خلوصي – ص 65 .
2- دراسات في الادب العربي المعاصر – يوسف الشاروني – ص 155 .
3- تأملات في عالم نجيب محفوظ – محمود امين العالم – ص 14 .
4- يقول ابو نصير في مقاله ( الثورة والعمق والحب والموسيقى الشعرية في قصائد مظفر النواب ) في نشرة المصلحة العدد / 180 / 1972 : ( ان اول قصيدة كتبها النواب كانت في عام 1956 حيث كان ذاهبا بالقطار الى البصرة بالدرجة الثالثة وكان مفصولا من التعليم وبدافع من جو القطار والليل بدأ محاولة " للريل وحمد " وقد كتب ثلاث مقاطع في القطار واكمل الرابع في البصرة وفي عام 1958 اكمل بقية المقاطع ، ولم يكن ذلك للنشر وليس بهدف اي مقاييس فنية غير الحس الذي لدى شاعرنا مظفر التواب ) .
5- السياب – عبد الجبار عباس - ص 40 .
6- قضايا الشعر المعاصر – نازك الملائكة – ص 214 .
7- المصدر السابق – ص 252 .
8- بدر شاكر السياب حياته وشعره – د. احسان عباس - ص 169 .
9- قصائد مختارة – عبد الامير المظفر – ص 169 .
10- من قصيدة " للريل وحمد " .
11- مجلة الثقافة الجديدة – مقالة عن للريل وحمد – عبد الكاظم البياتي – 235 .
12- ادب المقاومة – غالي شكري – ص 363 .
13- المصدر السابق – ص 360 - يقول المؤلف : (( وبالرغم من ان فؤاد حداد يستخدم عامية المدن الا ان التركيب الشعري – ولا اقول اللغوي – لقصيدته يبتعد كثيرا عن مواويل ريف الدلتا ، وانما هو يتأثر غاية التأثر بالموال الصعيدي )).
14- المصدر السابق – ص 363 .
15- فن الشعر – د. احسان عباس – ص 28 .
16 – في الرؤيا الشعرية المعاصرة – احمد نصيف الجنابي – ص 136 .
17- الرؤيا الابداعية في شعر البياتي – عبد العزيز شرف – ص 117 .
18
[youtube]https://







,, أهلاً بأخي وصديقي الإنسان، من كان ومن أين ما كان ,,

  رد مع اقتباس
/
قديم 13-02-2018, 03:49 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
فاطمة الزهراء العلوي
عضوة أكاديمية الفينيق للأدب العربي
المغرب

الصورة الرمزية فاطمة الزهراء العلوي

افتراضي رد: " للريل وحمد " ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة

شكرا لبيدارو على هذا الرفد الرائع
حقيقة نحن نكتب ونقرأ أحيانا الشعر الشعبي المحكي العامي
كيفما كانت التسمية ولكننا غير ملمين بعمقه الفني والبنائي والوزني
فشكرا لانك جعلتنا في عمقه بهذه الدراسة العميقة للاستاذ الشويلي






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.