لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: سيرة الحب ،،، أمل الزعبي (آخر رد :أمل الزعبي)       :: مَـنِ الطــارق ؟ (آخر رد :جمال عمران)       :: ما حيلتي (آخر رد :نائلة أبوطاحون)       :: اعتكاف (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: نكــران (آخر رد :الفرحان بوعزة)       :: رحيلُ بين أصابعي (آخر رد :الشاعر حسن رحيم الخرساني)       :: أوراقُ اعتمادِ النبيِّ الأخير (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: لا شيء يغري (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: هم السبب أم الزمن ... (آخر رد :عدنان حماد)       :: حقائب الرحيل (آخر رد :عدنان حماد)       :: فُوَّهَةُ الوَرْد (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: الى اليمين قليلاً (آخر رد :عدنان حماد)       :: قنديل الهوى (آخر رد :عدنان حماد)       :: ولا ... (آخر رد :عدنان حماد)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ✍ ✍ محابر أدبية ✍ ✍ > ⚛ نقــــــــاء ،،،

⚛ نقــــــــاء ،،، أدب الاطفـــال أجناس أدبية.. للاقتراب من وجدان الطفل...

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-03-2014, 11:01 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي ملحمة هواية - قصّة طويلة -

في البدء توضيح

أتصوّر بل أرجو أن يكون عدد من براعمنا و ناشئتنا و يافعينا يزورون " النقاء " و يتفاعلون مع محتواه الذي هو في الواقع موجّه إليهم وفي هذا السّياق أقدّم إليهم قصّتي الطويلة " ملحمة هواية " و للأمانة كان عنوانها الأصلي " عادل " و قد ألّفتها و عمري 18 سنة أي منذ 39 سنة و شاركت بها وقتها في مسابقة أدبية نظمتها اللجنة الثقافية ببلدتي حمّام سوسة أي سنة 1975 ومن حسن حظّي و بتوفيق من الله فزت في المسابقة و بامتياز إذ تحصّل هذا العمل الإبداعي الأوّل في مسيرتي الأدبية على الجائزة الأولى و قد تمثّلت في كتابين : رواية L'argent ل Emile Zola و كتاب نقدي عن توفيق الحكيم " توفيق الحكيم بين الفكر و الفن " و هي جائزة متواضعة في قيمتها المادية لكنها تمثل بالنسبة لي قيمة معنوية و رمزية كبيرة . و أذكر كلّ هذا للعبرة و للتحفيز فمتى صحّ العزم و توفّرت الامكانيات حتى و لو كانت متواضعة و كنّا في بداية الطريق يمكن أن نكسب التحدّي و نشقّ طريقنا نحو الأفضل . و آخر كلامي أرجو التوفيق لنا جميعا كبارا و صغارا من أجل إبداع أرقى و أسمى .




ملحمة هواية

كان عادل مولعا بالمسرح منذ نشأته إلى حدّ كبير و قد زاد في ولعه به أنه مثّل عدّة مرّات في حفلات اختتام السنوات الدراسية لمّا كان بالتعليم الابتدائي و كان أمله وقتها أن يصير ممثّلا مشهورا .
و أخذت أمنيته تكبر بكبره حتى انتقل إلى السنة الدراسية الأولى من التعليم الثانوي و لم يكد يسمع أنّ هناك ناديا لهواة المسرح بالمعهد حتى طار فرحا و صار يتردّد عليه اعتقادا منه أنه سيمارس فيه هوايته المفضّلة و هي التمثيل .
رأى في النادي تلاميذا كثيرين هم يحبّون التمثيل مثله و لا شكّ و تطلّع إلى المنشّط فإذا هو شابّ نحيل طويل القامة قالوا عنه أنه ممثّل محترف انتدبه المعهد للسهر على نشاط النادي و رعاية مواهب التلاميذ .
كان المنشط يحضر حصّة و يغيب حصّتين و لمّا سأله التلاميذ عن السّبب اعتذر لهم بكثرة مشاغله بما في ذلك انهماكه في إعداد مسرحية سيبدأ بها النادي نشاطه .
و بعد ثلاثة حصص غابها و انقطع خلالها عدد من التلاميذ عن الذهاب إلى النادي لقلّة صبرهم أتى المنشّط بالمسرحية و انتقى أفرادا و أسند إليهم الأدوار .
أعطاه المنشط دورا فلمّا سمع صوته أخذه منه و سلّمه إلى غيره و لمّا سأله عن السّبب قال له : إنّ صوتك ضعيف . فقال له : إنّي مستعدّ لأن أرفعه أكثر ! فردّ عليه : سنرى ذلك في ما بعد! و الآن اترك غيرك ليتمرّن على الدور !

و بعد ثلاثة حصص من التمارين قال المنشّط : إنّ هذه المسرحية رغم قيمتها و أهمّيتها فإنكم لم تتحمّسوا لها و لذلك فإني سألغيها و عمّا قريب سنبدأ في عمل جديد .
و رجع المنشّط إلى عادته يحضر مرّة و يغيب مرّات و أدرك عادل أنه يضيّع وقته وراء نادي المسرح هذا بدون أيّ فائدة فتركه لغير رجعة و قصد جمعية الاتحاد المسرحيّ بالمدينة يريد المشاركة فيها و لم يتمكّن من مقابلة مديرها إلاّ بعد يومين فلمّا أبلغه رغبته قال له : ما ذا سأقول لك ؟ إنّ هناك هذه الأيام أزمة مسرح و الجمعية لم تقم بأيّ نشاط منذ مدّة طويلة !
و كان مع المدير شابّ قصير القامة طويل الشعر فقال له : إننا نحن - و أشار إلى نفسه - عناصر التمثيل المعروفة ليس لنا من نشاط منذ وقت طويل إلاّ ارتياد المقاهي فكيف بك أنت أيّها الصبيّ؟! , فتركهما ساخطا ناقما عليهما و رجع إلى المنزل و هو لا يفكّر إلاّ في أمر واحد : أن يجد وسيلة يدخل بها إلى عالم المسرح و الممثّلين !
و مرّت أيّام عديدة على ذلك شاءت الصّدف بعدها أن تقع يده على مقال صحفيّ يتحدّث عن جمعية المسرح بمدينة - ب - أشهر فرقة في كامل البلاد فطالعه في لهفة و شوق و أعاد قراءته مثنى و ثلاث . و بعد أن وعى ما جاء فيه ذهل فجأة و كأنّ خاطرا مفاجئا عنّ له ثمّ قفز في مكانه طربا : لقد وجد أخيرا الوسيلة التي سيحقّق بها حلمه . لقد اهتدى إلى حيلة شيطانية عزم على تنفيذها مهما كلّفه ذلك .
ذهب لتوّه إلى والده و قال له : أبي لقد نظّم معهدنا رحلة إلى مدينة - س - و أنا أرغب في زيارتها فأعطاه
والده ما طلب من النقود و يوم الأحد نهض باكرا و قصد محطّة سيّرات الأجرة و هناك ركب واحدة تقصد مدينة - ب - أين توجد جمعية المسرح أشهر جمعية في كامل البلاد .
و انطلقت السيارة تنهب الطريق بمن فيها من الركّاب الذين استأنسوا ببعضهم و دخلوا في حديث لا نهاية له . أمّا هو فقد كان ينظر من زجاج السيّارة غارقا في خضمّ من الأفكار .
لقد كذب على والده : إنّ المعهد لم ينظّم رحلة إلى مدينة - س - و لا إلى أيّ مدينة أخرى و لكنّه هو الذي أراد أن يذهب إلى مدينة - ب - لغاية في نفسه . و بعد ساعة وصلت سيارة الأجرة إلى غايتها فنزل و هرول مسرعا لا يلوي على شيء و كأنه يقصد مكانا معيّنا . و ظلّ يتنقّل من نهج إلى نهج و من شارع إلى شارع حتى وصل أمام بناية كتب على واجهتها " نادي حمعية المسرح بمدينة - ب - فابتسم ابتسامة من وجد ضالّته بعد طول بحث و عناء . تقدّم من الحارس العجوز الذي كان يجلس على كرسيّ أمام باب البناية و سأله عن مدير الفرقة هل هو موجود هنا ؟ فأخبره بأنه لم يأت بعد . و لم يكد العجوز يتمم كلامه حتى بصر بالمدير قادما فصاح من جديد : هاهو ذا قد أتى ما أطول عمره !
و التفت عادل فإذا هو أمام شابّ أنيق فسلّم عليه في أدب و قال له في لهجة بريئة صادقة : أريد أن أعمل في فرقتك يا سيّدي ! و لكنّ المدير ردّ عليه في لهجة ليّنة : و لكنّني لست بحاجة إلى إلى صبيان في فرقتي الآن . فقال له في نبرة المتوسّل الآمل : لكنّي أستطيع أن أقوم بأيّ دور تسنده إليّ يا سيدي . فابتسم المدير ابتسامة عريضة و وضع يده على كتف الصبيّ و قال له : هل أنت مولع بالتمثيل إلى هذه الدرجة؟ فردّ بسرعة : إلى حدّ كبير ياسيّدي ! فقال له المدير : لا بأس من أن تأتي إلى النادي و سأطّلع على مدى قدرتك على التمثيل ! و لمّا همّ بشكره استطرد المدير يقول و ابتسامة رقيقة تعلو ثغره : و ما اسمك أنت ؟ و كاد أن يتكلّم لكنّه تردّد و قال أخيرا في لهجة مضطربة : اسمي... اسمي ... توفيق بن صالح ياسيّدي !
و عاد المدير يسأله من جديد : و هل أنت تسكن هنا في المدينة ؟ احمرّ وجهه عندها و ظهر الارتباك عليه لكنّه ردّ بسرعة و بكلّ شجاعة : أنا أسكن هنا طبعا يا سيّدي ! و تركه المدير و التفت إلى الحارس يتحادث معه فودّعهما و انصرف و لمّا ابتعد عنهما تنفّس الصعداء و ابتسم ابتسامة رضى و فرحة .
لقد انتصر على كلّ العراقيل التي اعترضت طريقه و هاهو ذا سيصبح عمّا قريب ممثّلا في أشهر فرقة في كامل البلاد و غمرته الفرحة فأخذ يمشي على غير هدى ينظر إلى الناس من حوله تارة و يستسلم لخواطره تارة و لم ينتبه إلى نفسه إلاّ عندما وصل إلى الحديقة العمومية فجلس على مقعد في ظلّ شجرة كبيرة يرتاح من كثرة السّير .
كان و هو جالس في الحديقة العمومية يفكّر في أمور كثيرة : ها قد قبله مدير الفرقة في فرقته و عمّا قريب سيصعد على خشبة المسرح و سيمثّل و سيصفّق له الناس و سيصبح ممثّلا مشهورا و لكنّ خاطرا واحدا كدّر عليه صفوه : لقد فكّر من جديد في الكذبة التي كذبها على والده و كذلك في ما قاله لمدير الفرقة عن اسمه و سكنه في هذه المدينة . و فكّر في الدراسة و المعهد و شعر بأنفاسه تضيق : إنه يكره الدراسة , إنّ الحسابيات تقلقه و تهدّ أعصابه , إنّ نظرات أستاذ الرياضيات القاسية تذيبه . لكن لماذا هو يفكّر في كلّ ذلك ؟ لقد وجد ما يريد فماذا يعنيه من الأمور التي لا يريدها ؟


إنه أحسّ في تلك اللحظة أنّ الحياة عنده ليست إلاّ مسرحا و شهرة فقط أمّا الأمور الأخرى فهي تقلقه . إنه يريد أن يعيش على الطريقة التي يريدها هو . و انتبه إلى نفسه و أحسّ بالجوع يقرسه فاشترى له لمجة و انصرف يأكلها متجوّلا في المدينة .
و بقي في جولته تلك إلى آخر النهار و عندها تبادر إلى ذهنه خاطر لم يفكّر فيه من قبل : أين المبيت ؟ إنه قد قرّر أن لا يعود إلى البلدة بالمرّة فأين سينام ؟ و بعد إطراق رفع رأسه و كأنه تذكّر شيئا غاب عن ذهنه من قبل : إنها هي الشخص الوحيد الذي يعرفه في هذه المدينة الغريبة عليه فهل يقصدها ؟ إنها ستمطره بوابل من الأسئلة عندما تراه و هو يخشى أن يقول لها الحقيقة فيفتضح أمره عندها و ربّما أعلمت أباه بأمره فيغضب عليه و يعلقبه جزاء كذبه . و ظلّ متردّدا بين الذهاب و البقاء و كانت الشمس وقتها تميل نحو الغروب و هبّت نسمة باردة اقشعرّ لها كامل جسمه و شعر بأنّ الأرض تضيق به على سعتها و كادت دموعه تنهمر من عينيه . في هذه اللحظة فقط أدرك فظاعة ما أقدم عليه و شعر بحاجة إلى صدر حنون يلقي عليه رأسه و يشكيه حاله فيفهمه و يواسيه . إنّ له الحقّ في كلّ ما فعل , إنه لم يفعل ما فعل إلاّ عن رغبة ملحّة و رضى . و أخيرا قرّر أن يذهب إليها , إنها هي مأواه الوحيد , و أخذ يتذكّر اسم النهج الذي تسكن فيه حتّى تذكّره فأخذ يسأل المارّة عنه و لم يصل إليه إلاّ بعد غروب الشمس فأخذ يبحث عن " فيلاّ " جنّأت و لمّا ضغط على الجرس خرجت ربّة البيت تسأل من الطّارق فصاح بها : أنا ياعمّتي ! افتحي الباب ! و لم تكد المرأة تسمع صوته حتّى صاحت : عادل , أهلا و سهلا ! وأسرعت إليه تستقبله . و لمّا وجد نفسه أمام عمّته وجها لوجه ألقى بنفسه بين أحضانها و بكى .


يتبع


















  رد مع اقتباس
/
قديم 15-03-2014, 01:06 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
منوبية الغضباني
عضو أكاديميّة الفينيق
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية منوبية الغضباني

افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

متابعة........






لِنَذْهَبَ كما نَحْنُ:

سيِّدةً حُرَّةً

وصديقاً وفيّاً’

لنذهبْ معاً في طريقَيْنِ مُخْتَلِفَيْن

لنذهَبْ كما نحنُ مُتَّحِدَيْن

ومُنْفَصِلَيْن’

ولا شيءَ يُوجِعُنا
درويش
  رد مع اقتباس
/
قديم 17-03-2014, 12:25 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دعد كامل مشاهدة المشاركة
متابعة........
العزيزة دعد :

أشكرك على اهتمامك بقصّتي الطفولية هذه و ألاحظ لك أختاه أني أواصل إضافة بقيّة الرواية داخل الصّفحة الأولى و لذلك لم أكتب البقية مباشرة بعد تعليقك .

أجدّد لك دعد شكري و تقديري على اهتمامك و تفاعلك و متابعة طيّبة لملحمة عادل من أجل المسرح .






  رد مع اقتباس
/
قديم 04-04-2014, 08:16 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
*ضيف
*ضيف
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

حضور أول لتهنئتك أولا على الجائزة القيمة جدا وخصوصا اليوم : الكتاب وأحب كثيرا قلم اميل زولا

ثم
أضم صوتي لفكرة ان تاتي البراعم للنهل مما تكبته الأقلام هنا لانها جادة وذات منفعة كبيرة جدا
ثم
لي عودة لقراءة على مهل حتى أعطي للقصة حقها

تقديري لمبدعنا محمود






  رد مع اقتباس
/
قديم 08-04-2014, 10:34 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

العزيزة فاطمة الزهراء :

شكرا على الحضور و تحية اعتراف بالجميل لتحفيزك لي على نشر قصّتي هنا بعد عدّة عقود من النسيان .

قراءة ممتعة و يسعدني توجيهك و ملاحظاتك .






  رد مع اقتباس
/
قديم 11-04-2014, 10:58 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

دخلت به إلى الداخل و لمّا رأت دموعه على خدّيه دهشت و احتارت و ظنّت أنّ الأهل في البلدة أصابهم مكروه فأخذت تسأله : عن الأهل كيف حالهم؟ و لماذا أتى في هذه الساعة المتأخّرة من النهار؟ و لماذا هو يبكي ؟ فقال لها بعد أن مسح دموعه و استعدّ لكذبة جديدة : إنّ الأهل بخير ياعمّتي و لكنّي قدمت لزيارتك فتعطّلت بنا السيّارة في الطريق و لهذا وصلت إلى هنا متأخّرا و إنّي أبكي لشدّة ما أصابني من الخوف و أنا قادم وحدي إلى هنا .
صدّقته عمّته و ارتاحت لكلامه و أحسّ هو بضفادع بطنه تنقنق فقال لعمّته : عمّتي إنّي جوعان ! فاقتادته إلى غرفة الطعام فأكل حتّى شبع . و ماكاد يترك المائدة حتّى دخل عليه زوج عمّته و أبناء عمّته عائدين من جولة في المدينة فسلّموا عليه بحرارة و شوق . و أثناء السّهرة نظر إلى عمّته و همّ بالقيام من مكانه لكنّه تراجع و ظلّ بين ذلك و كأنّه عزم على القيام بعمل . و بعد تردّد تسلّل إلى عمّته و جلس بجانبها و همس في أذنها : عمّتي أنا لن أرجع في الغد إلى البلدة ! لقد كرهت الحياة فيها !
التفتت عمّته إليه دهشة و قالت له : ماذا تقول يابنيّ ؟ هل من أمر حدث في البلدة و لم تخبرني به ؟ فردّ في لهجة حازمة : قلت لك لن أعود , لن أعود و كفى ! فالتفتت عمّته إلى زوجها و قالت له في نغمة حائرة : أسمعت يا " سي أحمد " ماذا يقول عادل ابن أخي ؟ إنه لا يريد العودة إلى البلدة في الغد ! فالتفت إليه زوج عمّته متعجّبا و قال له : عادل ! هل من أمر حدث في البلدة ؟ لماذا لا تريد العودة يابنيّ ؟ هل من سبب ؟ فردّ الصبيّ في حميّة : الأسباب كثيرة ياعمّي إلى حدّ أنّها جعلتني أكره البلدة و العيش فيها و لا أفكّر في الرجوع إليها ! و احتار الزوجان في أمره و حاولا أن يعرفا منه الحقيقة فلم يفدهما بشيء و ظلّ مصرّا على عدم العودة ! و في الصّباح الباكر كان زوج عمّته يسافر إلى البلدة ليقابل والداه و يقصّ عليهما كلّ ما حدث فظهرت علامات الدهشة على وجه الوالد و قال : لقد أعلمني عادل بأنّه سيذهب في رحلة إلى مدينة - س - فإذا به يذهب إليكم ؟ لماذا فعل هذا يا ترى ؟ فقال صهره و قد تضاعفت دهشته لما سمع : ماذا تقول يا " سي محمّد " ؟ إنّ عادلا لم يعلمنا بذلك بل قال إنّه قدم لزيارتنا و قد وصل في ساعة متأخّرة جدّا من النهار لأنّ السيّارة تعطّلت في الطريق حسب زعمه .
و ذهل الجماعة و لم يفهموا حقيقة الأمر و دخلوا في حديث و بحث طويلين .
كان عادل في ذلك الصّباح يغادر منزل عمّته و يهرول مسرعا إلى الناّدي و به شوق كبير إليه و بقي هنالك يتفرّج على الممثّلين و هم يتمرّنون على مسرحية و كان يعجب لحركاتهم و تحرّكاتهم و ظلّ يرقبهم حتّى انتهت حصّة التمارين لذلك اليوم بعد ساعتين فترك النادي و قفل راجعا إلى منزل عمّته و لم يكد يجتاز عتبة الباب حتى سمع صوت أبيه يتعالى داخل المنزل في غضب فتقدّم من مصدره في حذر و نظر من كوّة قفل الباب فإذا به يرى والده مع عمّته و سمعه يقول لها في حزم و جدّ : و أين هو الآن؟ سأعود به حالاّ إلى البلدة و سينال جزاء كذبه و ضياعه! و لم يكد يسمع ذلك من والده حتّى أسرع إلى باب المنزل و لمّا صار وسط الطّريق أطلق ساقيه للرّيح .
قضّى كامل يومه هائما في الأنهج و الشوارع مفكّرا في أمره لقد كان عجبه شديدا من قدوم والده إلى هنا و لم يكن يعلم أنّ زوج عمّته ذهب إلى البلدة ليقول له كلّ شيء عنه . و قرّر أن لا يعود إلى منزل عمّته لأنه أصبح خطرا عليه و لمّا أحسّ بالجوع أخذ نقوده الباقية يحسبها فإذا هي لا تتجاوز كلّها النصف دينار . نصف دينار ؟ ماذا سيفيده نصف دينار ؟ يوم أو يومان و ينتهي و لكنّه فكّر في ساعته الحاضرة و في الجوع الذي بدأ يعذّبه فاشترى لمجة و أخذ يقضمها في شهيّة و تلذّذ و في آخر النهار همّ بالرجوع إلى دار عمّته لكنّه تراجع لمّا تذكّر والده , إنه مازال هناك و لا شكّ و لا بدّ أنه باق ينتظر عودته بفارغ صبر ليعود به إلى البلدة. ولكنّه لا يريد العودة ! و بقي يفكّر في ماذا سيفعل ؟ إنّ الليل على وشك الحلول فأين سيبيت ؟ نعم أين المبيت ؟ إنه لا يعرف أحدا في هذه المدينة الغريبة عنه سوى عمّته و لكنّه قرّر بأن لا يعود إليها . و أحسّ بأنّ شعوره الذي شعره بالأمس في مثل هذا الوقت و الموقف يعاوده لكنّه ما لبث أن أدرك أنّ الأمر لا تفيد فيه الدموع و لا البكاء . إنّ الشيء الذي يفيده الآن هو أن يفكّر أين سيبيت ؟ و بعد إطراق طويل مليئ بالحيرة أحسّ و كأنّه وجد فكرة يحقّق بها ما يريد و ما لبث أن عزم على تنفيذها : هي المخلّص الوحيد إذا نجحت .
قصد نادي جمعية المسرح و بقي في آخر النهج يرقب ما يحدث داخله : لقد كان يبدو خاليا إلاّ من الحارس العجوز الذي كان يكنس المكان و يرتّب الأثاث استعدادا لمغادرته .
كانت الشمس وقتها قد غابت و كان الظلام قد بدأ طيفه الرّقيق ينتشر في كلّ مكان فتسلّل بكلّ حذر إلى النادي و في غفلة من الحارس العجوز دخل تحت خشبة التمارين و بقي هناك لا يأتي أيّ حركة . و لمّا أتمّ الحارس عمله خرج و أغلق باب النادي وراءه . و مرّ ربع ساعة تحقّق أثناءه من خلوّ المكان فخرج من مكمنه و أشعل النور و ظلّ يتجوّل في جميع أركان النادي متأمّلا في الصّغيرة و الكبيرة ممّا حواه و بعد فترة من الوقت أحسّ برغبة في النّوم فذهب إلى خزانة الأزياء و أخذ منها بعض الملابس جعلها فراشه و ما لبث أن استسلم للكرى .

يتبع









  رد مع اقتباس
/
قديم 16-04-2014, 07:02 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
*ضيف
*ضيف
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

قراءة اولى
ولي عودة بحول الله لقراءة على مهل
تحيتي لقلمك اخي محمود






  رد مع اقتباس
/
قديم 21-05-2014, 11:03 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

الشكر لكم
وانتم تغرفون من نقاء تجربتكم
لصالح ركن النقاء
وكل التقدير






  رد مع اقتباس
/
قديم 21-05-2014, 11:09 AM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

الشكر لكم
وانتم تغرفون من نقاء تجربتكم
لصالح ركن النقاء
وكل التقدير






  رد مع اقتباس
/
قديم 26-05-2014, 01:19 PM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زياد السعودي مشاهدة المشاركة
الشكر لكم
وانتم تغرفون من نقاء تجربتكم
لصالح ركن النقاء
وكل التقدير
الفاضل العزيز زياد :

شرّفتني و النصّ بالعناية و التحفيز .

كلّ المودّة و التقدير و من أجل الأرقى نلتقي و نتواصل .






  رد مع اقتباس
/
قديم 16-01-2015, 05:55 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
عبير محمد
المستشارة العامة
لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
عضو تجمع الأدب والإبداع
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية عبير محمد

افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

حرف يضج نقاءً
سعدت بالمكوث بين أروقته
والارتشاف من عذوبة المعنى وسمو النبض
اسجل متابعة
مع كل الود والورد








"سأظل أنا كما أُريد أن أكون ! نصف وزني كبرياء والنصف الآخر قصة لا يفهمها أحد ..."

  رد مع اقتباس
/
قديم 01-06-2015, 10:10 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
نوال البردويل
فريق العمل
عضو تجمع أدب الرسالة
عنقاء العام 2016
تحمل وسام الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية نوال البردويل

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

نوال البردويل غير متواجد حالياً


افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

سأعود للقراءة بتركيز أكثر
بوركت أخي الكريم محمود
أتابع بإذن الله







  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 08:11 AM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
عوض بديوي
عضو أكاديمية الفينيق للأدب العربي
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
عضو تجمع أدب الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
يحمل لقب فينيق 2015
الأردن

الصورة الرمزية عوض بديوي

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

عوض بديوي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

أتايع...
إثراء للنقاء..
شكرا لك
مودتي






  رد مع اقتباس
/
قديم 11-10-2016, 10:56 AM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير محمد مشاهدة المشاركة
حرف يضج نقاءً
سعدت بالمكوث بين أروقته
والارتشاف من عذوبة المعنى وسمو النبض
اسجل متابعة
مع كل الود والورد
و أنا أسعد راقيتنا عبير بكريم عنايتك و رحابة صدرك خاصّة مع هذا النصّ الطويل .

شرّفت أختاه و حفّزت فكثير شكر و امتنان و دمت ببهاء و ألق .

مودّة لا تنتهي .







  رد مع اقتباس
/
قديم 11-10-2016, 10:59 AM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نوال البردويل مشاهدة المشاركة
سأعود للقراءة بتركيز أكثر
بوركت أخي الكريم محمود
أتابع بإذن الله
شكرا غاليتنا نوال و امتنانا لوفيّ العناية و كريم المتابعة .

دمت أختي بخير و لتسلمي انسانة و مبدعة .

مودّة لا تنتهي .






  رد مع اقتباس
/
قديم 11-10-2016, 11:06 AM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عوض بديوي مشاهدة المشاركة
أتايع...
إثراء للنقاء..
شكرا لك
مودتي
شاكر لك راقينا عوض كريم الاهتمام و المتابعة و أسعد بقيّم إثرائك .

بوركت أخي و سلمت انسانا و مبدعا .

مودّة لا تنتهي .







  رد مع اقتباس
/
قديم 15-10-2016, 11:34 AM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
قصي المحمود
فريق العمل
عضو تجمع أدباء الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
العراق

الصورة الرمزية قصي المحمود

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

0 السّكري
0 خسوف
0 بعد أن
0 عودة الروح
0 النفق

قصي المحمود غير متواجد حالياً


افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اتابع ولي عودة ان شاء الله
ركن جميل تربوي نتمنى ان يطلع عليه البراعم او اختصاره ونقله بالحديث المختصر
الطفولة تحتاج الى وقت منا نقتطعه من اوقاتنا لغرز الطيب فيهم
بوركت اخي محمود مع اجمل تحياتي






  رد مع اقتباس
/
قديم 14-08-2017, 10:50 AM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
محمود مليكة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تونس
افتراضي رد: ملحمة هواية - قصّة طويلة -

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قصي المحمود مشاهدة المشاركة
اتابع ولي عودة ان شاء الله
ركن جميل تربوي نتمنى ان يطلع عليه البراعم او اختصاره ونقله بالحديث المختصر
الطفولة تحتاج الى وقت منا نقتطعه من اوقاتنا لغرز الطيب فيهم
بوركت اخي محمود مع اجمل تحياتي
شاكر لك ممتن راقينا قصي التفاتتك الكريمة إلى إسهامي في " النقاء " ,

و عسى أن يكون في تذكّرنا لفجر ملحمتنا مع الإبداع تجديد عهد و تقوية عزم و تحفيز للنّاشئة الواعدة ,

و الله الموفّق ,

مودّة لا تنتهي .







  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:51 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط