لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: ابو عكر وزوجته زعرورة بالحج........................؟! (آخر رد :خالد يوسف أبو طماعه)       :: عرسُ بابل (آخر رد :ناظم الصرخي)       :: رفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة وفي حاجة إلى من يقف جانبها (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: مخلوق ضد الكسر .. (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: يا أحلى خلگ الله (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: زماني وفارس هواه (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: رماد الذكريات (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: أمات الطفل ..؟ (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: قصة / الذبيح _عليه السلام _ (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: هيهـات (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: من وحي الخيال (آخر رد :جهاد بدران)       :: طَالَت لِيـالَي الْهَجْر .. (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: أمة علامة جرها التطبيع (آخر رد :جمال عمران)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: ندى الحرف (آخر رد :خديجة قاسم)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ▂ ⚜ ▆ ⚜ فينيقكم بكم أكبـر ⚜ ▆ ⚜ ▂ > ⊱ ذاكرة ⊰

⊱ ذاكرة ⊰ ان التهمهم الغياب ... لن تلتهمهم الذاكرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-12-2010, 10:18 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي ألويزيوس برتران

ألويزيوس برتران ( 1807- 1841) Aloysius Bertrand
3 قصائد نثر
لم ير كتابهُ الأول والأخير Le Gaspard de la nuit (غاسبار الليل) النورَ إلاّ بعد عام ونصف على وفاته. أشرف على إنجازه فكتور بافي ودافيد دانغر؛ صديقان وفيان لم يدركا أنّهما بتحقيق وصيته، يفتحان أفقاً لم يحلم به الشعر من قبل، وذلك رغم أن الكتاب فشل فشلاً ذريعاً على صعيد البيع وأُهمله النقّاد كلياً، إذ صرح فكتور بافي قائلاً: "يمثل هذا الكتاب أكبر كارثة في تاريخ المكتبات!" أمّا سيرته في قاموس المغمورين فلم تتجاوز السطرين. هكذا ظل اسم برتران منسياً حتى مجيء بودلير ومالارميه ليحظى بشرف المؤسس الأول لقصيدة النثر.
ينقسم "غاسبار الليل" إلى ستة أجزاء، يتضمن كلُّ جزء مجموعَ قطع نثرية. كلُّ قطعة مقسمة إلى أربع، أو إلى خمس أو سبع فقرات أو وحدات. وقد ترك برتراند تعليمات للمصمم بأن يترك بياضاً واسعاً بين الفقرة أو والحدة والأخرى وكأنَّ كل فقرة مقطع شعري، بل وكأنَّ النص النثري هذا شعر. وهنا تكمن أهمية هذا الشاعر في إعطاء النثر شكلاً شعرياً يدشن قطيعة مع النثر الشعري الذي كان سائداً آنذاك. ففي نثره، يؤلّف البياض وقفة صمت ناطقة كأن نشعر وكأننا وسط أشباح المقاصد، الاحتمالات والأفكار غير المُعبَّر عنها. ففي طِباق النص يتكون في ذهننا نص تحتاني غير مكتوب. وما أن نوحد المكتوب بحبر أسود والمفترض بحبر أبيض يبرز المعنى العام حقيقياً ومكملاً للنص. ولا ننسَ أن البياض (الفراغ بين المقاطع - الوحدات الشعرية) الذي كان برتران مهووساً به حتّى أنه ترك تعليمات إلى المطبعة، سيطوره مالارميه تطويراً راديكالياً في قصيدته الأخيرة: "رمية نرد" كأن يتوجب على القارئ أن يستقرئ كلّ جملة بنفسه مستضيئاً بالبياض ليُبصر الكل.
تجديدات ربما عفويّة وجمالية صرف لم يفطن صاحبها إلى انطوائها على بذرة تجديد ستغيّر مفهوم الشعر كلّه، خاصة عندما نلاحظ تصنّعه في عدد لا بأس به من النصوص وهوسه في خلق أجواء غرائبية. لكن عمله هذا يكشف عن أصالته في تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل مادته موضوع مجاني عابر يتميز بتوتر خاص به وكثافة: لبنات أولى لقصيدة النثر في القرن العشرين.

الذهاب إلى سَمَر السَّحَرة

"أفاقت ليلاً، أشعلت شمعةً، فتحت علبة وتدهّنَت،
وما إن همهمت بضع كلمات
حتى نُقلت إلى اجتماع السحرة الليلي!"
جان بودان: هوس السحرة الشيطاني

كان هناك اثنا عشر يتناولون حساء ممزوجاً بالبيرة، ولدى كل واحد منهم عظمة ذراع ميت يستخدمها كملعقة.
كانت المدخنة تتقد جمراً، الشموع وسط الدخان أشبه بالفطر، ومن الصحون كانت تنبعث رائحة قبر في الربيع.
وعندما يضحك "ماريبا" أو يبكي، كان يُسمعُ له صوت يشبه أنين قوس كمانٍ مقطوعة أوتاره الثلاثة.
على أنّ جندياً منحطاً راح يبسط بطريقة شيطانيّة على الطاولة، تحت بصيص مصباح الوَدَك، كتابَ طلاسم سقطت فوقه ذبابةٌ مشوية.
كانت الذبابة هذه لا تزال تطنّ عندما خرج من بطنها الضخم والأزغب عنكبوتٌ تسلّقَ حوافيَ المجلد السحري.
إلاّ أن السحرة والساحرات كانوا قد طاروا سلفاً من خلال المدخنة، بعضهم امتطى المكنسة، والبعض الآخر الملاقطَ، أما "ماريبا" فامتطى مقبض المقلاة.


الغرفة الغوطية"في الليل، غرفتي تكتظ بالشياطين"
آباء الكنيسة

- "آه! – همستُ لليل – الأرضُ كأس عطرةٌ مدقّتها قمرٌ وأسديتها نجوم."
أغلقت،ُ والنعاس أثقل جفنيَّ، النافذة المُطعّمة بصليب الجلجلة، أَسودَ في الهالة الصفراء للوح الزجاج الملوّن.
كما، لو لم يكن سوى العفريت - في منتصف الليل، الوقت المُزيّن كشعارٍ بالتنين والشياطين ! – يَسكرُ بزيت مصباحي!
لو لم يكن سوى الحاضنة التي تهدهد بغناء رتيب، في ترس أبي، طفلا صغيراً وُلدَ ميتا.
لو لم يكن سوى الهيكل العظمي للجندي الألماني المرتزق المحبوس في خشب الحائط، يضرب بصدغه ومفرقه وركبته.
لو لم يكن سوى جَدّي ينزل بكل شخصه من إطار صورته الذي نخرته الديدان، ويبلل قُفّاز يده الواقي في جرن الماء المقدس.
لكن، كلا، إنه "سكاربو" الذي عضّني من عنقي، وحتى يكوي جرحي الدامي، غرس فيه إصبعه الحديد المحمّر في الأتون.




http://philosophie69.jeeran.com/riwe.../4/846952.html






  رد مع اقتباس
/
قديم 28-12-2010, 12:34 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران



Ondine *
"كنت أعتقد أني أسمع
لحنا خفيا يخلب نومي
وبجانبي ينتشر همسٌ يشبه
أناشيد يتخللها صوت حزين ورقيق"
شارل برونيو
"اسمعْ! – اسمعْ – هذا أنا، أُوندين التي تلامس بقطرات مائية الألواح الرنانة لنافذتك التي تضيئها أشعة القمر الكامدة والكئيبة؛ وهاهي بثوبها المتموّج سيدة القصر التي تتأمّل من شرفتها الليل الصافي المرصَّع بالنجوم والبحيرة الهاجعة الجميلة.
كلُّ موج هو حوريٌّ يسبح مع التيّار، كلُّ تيّار طريقٌ تتلوّى نحو قصري، وكلُّ قصر بناءٌ مائي، في عمق البحيرة، في مثلّث النار والأرض والهواء.
اسْمَعْ! اسْمَعْ! يضرب أبي الماءَ النقّاقَ بغصنٍ من الراسن الأخضر، وأخواتي يداعبن بأذرعهن المجبولة من الزبَد جزرَ أعشابٍ ونَيْنَوفَرٍ وسوسنٍ، أو يسخرن من الصفصاف البالي والملتحي الذي له صنّارةٌ يصطاد بها."
بعد أن انتهتْ من همهمة غنائها، توسّلتني أن أضعَ خاتمها في إصبعي فأكون زوجَ حوريةٍ، وأن أزور معها قصرها لأكون ملك البحيرات.
وعندما قلت لها إني أفضِّل الزواج من امرأة فانية، ذرفتْ، بامتعاض واستياء، بضعَ دموع ثم أتبعتها بضحكة، وهي تتوارى وبلةَ مطرٍ بيضاء تسيل على طول زجاج نافذتي الزرقاء.
* حوريّة البحر، والمذكر Ondin حوري البحر






  رد مع اقتباس
/
قديم 29-12-2010, 05:27 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
سلام الباسل
الأمينة العامة
لأكاديميّة الفينيق للأدب العربي
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
عضو تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية سلام الباسل

افتراضي رد: ألويزيوس برتران

مريم العزيزة
لنترنّم بحرف هذا المدهش شِعراً...
واسلمي يا النقاء
محبتي
ســـــلام






  رد مع اقتباس
/
قديم 31-12-2010, 12:45 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
صبا خليل
عضو أكاديمية الفينيق
تحمل وسام الأكاديميّة للعطاء
فلسطين

الصورة الرمزية صبا خليل

افتراضي رد: ألويزيوس برتران

سلمت يا مريم على هذا النقل المبدع
سلامي لروحك






  رد مع اقتباس
/
قديم 13-01-2011, 06:55 PM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
سلطان الزيادنة
مدير عام
أكاديميّة الفينيق للأدب العربي
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الأردن

الصورة الرمزية سلطان الزيادنة

افتراضي رد: ألويزيوس برتران

إثراء جميل من ذائقة أختي الكريمة مريم


كثير شكر وتقدير

أعادك الله لفينيقك سالمة غانمة






  رد مع اقتباس
/
قديم 16-01-2011, 04:35 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عمر الهباش
فريق العمل
عضو تجمع أدباء الرسالة
فينيق العام 2016
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
فلسطين
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

شكرا للشاعرة مريم اليوسف التي جلت ما خفى من الأدب الجميل

ووضعته أمامنا في حلة قشيبة رائعة المعاني

تحياتي مريم الغالية






  رد مع اقتباس
/
قديم 23-01-2011, 08:45 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
احمد عبد الرزاق احمد
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل وسام الأكاديميّة للإبداع الأدبي
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / أرام
سوريا

الصورة الرمزية احمد عبد الرزاق احمد

افتراضي رد: ألويزيوس برتران

شكرا جزيلا شاعرتنا القديرة مريم اليوسف على هذا الإثراء والموضوع القيم

ود يليق قديرتي






لكنه والحزن ما افترقا.... يحمله حتى زاده رهقا
متزمل بالصمت يخنقه .... لكأنه بالصمت قد نطقا
  رد مع اقتباس
/
قديم 25-03-2011, 01:04 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: ألويزيوس برتران

الشكر لكم
وانتم تثرون الاوديسا

ودنا






  رد مع اقتباس
/
قديم 13-04-2011, 12:07 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

الشكر لكم يا رفاق






  رد مع اقتباس
/
قديم 14-04-2011, 11:16 AM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
جمال الجلاصي
عضو أكاديمية الفينيق
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
عضو تجمع أدباء الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
تونس

الصورة الرمزية جمال الجلاصي

افتراضي رد: ألويزيوس برتران



مريم صديقتي

قوافل ورد لروحك

أمواج محبتي






  رد مع اقتباس
/
قديم 27-04-2011, 10:28 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

الجمال أنت يا صديقي






  رد مع اقتباس
/
قديم 14-07-2011, 05:29 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

لويس برتران
المثال في عالم التشكيل الشعري المتفرّد



د. حبيب بوهرور

يعتقد الكثير أن شارل بودلير هو رائد قصيدة النثر في الشعرية الغربية، فيؤرخون لأول قصائده النثرية بـ «قصائد ليلية» لعام 7581م، ولكن المتتبع لتاريخ هذا الجنس الشعري المبتكر، يدرك أن شاعراً آخر غير بودلير هو الذي أسّس المعالم الأولى لقصيدة النثر؛إنه الشاعر الفرنسي لويس برتران (Louis Bertrand) أو ألويزيوس برتران (Aloysius Bertrand) (*) كما يحلو للناقدة والأديبة الفرنسية سوزان برنار تسميته. فقد «كتب مجموعة شعرية واحدة» بعنوان «جاسبير الليل» (de La Nuit Gaspard)، وكانت هذه المجموعة هي البداية التي انطلقت منها قصيدة النثر الفرنسية، و«قد لفتت هذه البداية الأنظار، وأحدثت الصدمة المتوقّعة لكل بداية مغامرة، وفرضت نفسها على الحضور الشعري تدريجياً، وقد تصاعد حضورها على نحو خاص حين تأثر بودلير بقصائدها، وأُعجب بتلك المحاولة التي كانت تمثل نقطة انطلاق للاتجاه الجديد، تماماً كما فعل من جاء بعد بودلير من الشعراء الكبار، أمثال رامبو، ومالارميه ولوتريامون» (1).



وقد خصّته سوزان برنار بمبحث الريادة والسبق، في مدخل الجزء الأول من كتابها «قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن» واعتبرته الرائد الأول لقصيدة النثر دون منازع، تقول:«في نهاية عام 1828م، أو بداية عام 1829م شهد «سانت بوف»* وأصدقاؤه، ذات يوم، ظهور شاب طويل نحيف، عمره واحد وعشرون عاماً له سحنة ساحرة ولطيفة ومظهر خجول، وأقرب إلى البدائية، هذا الزائر الغريب الذي ظهر ـــ كما يعتقدون ـــ من إحدى حكايات «هوفمان» الشعبية (Hoffmann)، لم يكن سوى «لويس برتران» الذي وصل لتوّه من مسقط رأسه «ديجون»..هكذا كان أول ظهور في النادي الرومانتيكي لمن أبدع لتوّه قصيدة النثر، ظهور باهت يتلوه مصير بائس. لقد سجل برتران نفسه على رأس هذه القائمة السوداء لملعوني قصيدة النثر التي سنشهد فيها عما قليل ظهور أسماء أكبر (رامبو، لوتريامون)، وقد عاقبهم القدر، فيما يبدو، لأنهم أرادوا الخروج عن طريق الكتابة المرسومة»(2).

كتب برتران مجموعة شعرية واحدة خلال حياته، وذلك بين الفترة الممتدة بين 1828م و1841م تاريخ وفاته، لكن«كتابه» الأول والأخير الموسوم بـ: جاسبير الليل (Gaspard de La Nuit) لم ير النور إلاّ بعد وفاته، حيث أشرف على إصداره كل من «فكتور بافي» و«دافيد دانغر»، وهما صديقان وفيان لم يدركا أنهما بتحقيق وصيته، يفتحان أفقاً لم يحلم به الشعر من قبل، وذلك رغم أن الكتاب فشل فشلاً تجارياً ذريعاً وأهمله النقاد كلياً، «ولاشك أن ألويزيوس برتران ما كان يستحق هذه المهانة،..إنني أعتقد أن «جاسبار الليل» سيظل فصلاً أبدياً للتاريخ الأدبي، وذلك لأن ثمة شعراً مكتوباً بالنثر يبدأ في «جاسبار» ولأن «برتران» هو المبدع الحقيقي لقصيدة النثر باعتبارها نوعاً أدبياً»(3).

وينقسم «جاسبار الليل» إلى ستة أجزاء (أو ستة كتب حسب برنار) هي: المدرسة الفلمنكية، باريس القديمة، الليل وخطواته، الوقائع، إسبانيا وإيطاليا، وسيلفي، إضافة إلى بعض قصائد منفصلة مقتطفة من مذكرات المؤلف. ويتضمّن كل جزء أو كتاب مجموع قطع نثرية، كل قطعة مقسمة إلى أربع فقرات أو وحدات (شعرية) أو إلى خمس أو سبع، ويفصل بين الفقرة والأخرى أو الوحدة والأخرى بياض واسع وكأن كل فقرة مقطع شعري قائم بذاته، بل وكأن النص النثري هذا شعر، وهنا تكمن أهمية برتران في محاولة هدم القواعد الكلاسيكية للنثر والشعر وخلق نمط أدبي جديد ومبتكر يوحّد بين الجنسين، ويخلق أفقاً للكتابة ما عرفه الأوّلون بهذه الجرأة في التشكيل، «ففي نثره يؤلف البياض وقفة صمت ناطقة نشعر وكأننا وسط أشباح المقاصد، والاحتمالات والأفكار غير المعبّر عنها، ففي طباق النص يتكوّن في ذهننا نص تحتاني غير مكتوب، وما إن نوحّد المكتوب بحبر أسود والمفترض بحبر أبيض، حتى يبرز المعنى العام مكملاً للنص، هذا البياض الذي كان برتران مهووساً به سيطوره «مالارميه»(*) تطويراً راديكالياً في قصيدته «رمية نرد» كأن يستوجب على القارئ أن يستقرئ كلّ جملة بنفسه مستضيئاً بالبياض ليبصر الكل»(4).

وتتضح فرادة التشكيل الشعري عند برتران في قدرته على إعادة صياغته الواقع المعيش، صياغة شعرية متميزة يُضَمّنها الحلم والرؤيا، ويشكّلها تشكيلاً متميزاً يكاد يرتقي إلى درجة الاختلاف المؤسّس للثورة، «والواقع أن تجديد برتران الكبير يكمن في محاولته أن يحُل فكرةً تقنيةً محددةً، وشكلاً راسخاً تماماً، محلّ فكرة الغنائية التلقائية التي تخلق الإيقاع بنفسها، بلا قواعد ولا منهج»(5). ويتضح هذا بجلاء ووضوح في إعادة برتران قراءة كتاباته ومقالاته الصحفية في مرحلة ما من حياته ليبحث فيها عن اللحظة الشعرية الهاربة عبر الزمن، فيعيد تشكيل تلك اللحظة المبنية على وقائع حقيقية حدثت في زمن ما ومكان ما أيضاً.
وقد تعرضت سوزان برنار إلى إبراز قدرة الشاعر برتران التشكيلية من خلال عرضها لمثالين؛ الأول عبارة عن مقال نشره الشاعر بصفته صحفياً في جريدة «لوسبكتاتور» والثاني عبارة عن تشكيل شعري جديد من حيث الصور المضمونية كما هو مألوف في ديوانه «جاسبار الليل»، وذلك على النحو التالي: «...ثمة مثال سيبين لنا كيف سيستعيد برتران ويصلح من مقال حول أحداث آتية، نُشر عام 1830م في لوسبكتاتور، وهي جريدة كانت تصدر في «ديجون» ليحوّله إلى قصيدة يدرجها في جاسبار، ونقطة الانطلاق هي دائماً حلم يقظة حول موضوع مستمد من الواقع، واقع اللحظة. والمقارنة الدقيقة بين النسختين من «أكتوبر» ستوضح لنا أن التقنية قد تغيرت في وقت تغيير مفهوم الموضوع نفسه»(6).

النص الأول هو عبارة عن مقال «لبرتران» نشر في جريدة «لوسبكتاتور» الديجونية* تحت عنوان «أكتوبر»، أما النص المقابل أو النص المولّد فهو يحمل العنوان نفسه أي «أكتوبر» أيضاً وقد نشر في مختلف طبعات ديوان(*) «جاسبار الليل».

أكتوبر
(مقال عام 1830)

لقد عاد السافواريون الصغار، وأصواتهم الشابة تقرع الآن صدى الصوت حيِّنا، كان السنونو يتبع الربيع، وهم يسبقون الشتاء، والمطر المتقطّع، الذي يضرب زجاج نوافذنا، وناقوس «سانت آن» الذي يرن في كآبة بالغة، والمتسولة التي تحرك رماد مدفأتها الصغيرة، والشبان المتعجلون المتدثرون بمعاطفهم، والفتاة العابرة التي ترتدي معطفها المبطن بالفراء، والعربة الثقيلة التي تهتز على ضربات سوط الحوذي، وأشجار كستناء متنزهاتها التي تتأوه، جرداء عارية، والريح التي تكنس من وجه الأرض الأوراق الميتة، وذلك الأفق الشاسع بلا لون، بلا أبعاد، الذي تستجديه، بلا جدوى النظرات العابسة من المتاريس، كل شيء يدعونا إلى أن نأوي إلى محباتنا الأسرية، ونضيق دائرة ملاهينا. ورغم هذا، فها هي ليالي السهر بجوار النار تجيء، السهرات المسرحية، عيد القديس مارتان ومشاعله، عيد الميلاد وشموعه المضيئة، رأس السنة وأوراق الزينة، الملوك، وحلوى الفول، الكرنفال وصولجان مهرجيه، وأخيراً عيد الفصح. عندئذ، سيكون قليل من الرماد قد مسح الملل عن جباهنا، وسوف يُحيي السافواريون الصغار من أعلى التل النجع الذي ولدوا فيه(7).

أكتوبر
(نص من «جاسبار الليل»)

لقد عاد السافواريون الصغار، وصراخهم يستجوب الآن صدى حيِّنا، ومثلما يسبق السنونو الربيع، يسبقون الشتاء.
أكتوبر، بريد الشتاء هذا، يلطم أبواب منازلنا، ومطر متقطع يغمر زجاج النافذة المصدوم والريح تنثر أوراق «الدلب» الميتة في الداخل المنزوي.

ها هي سهرات العائلة تأتي في عذوبة بالغة، عندما يكون الخارج كله جليداً، طبقات من الجليد والضباب، وعندما تزهر ورود الياقوت على المدفأة في جو الصالون الدافئ.

ها هو عيد القديس مارتان يأتي بمشاعله، وعيد الميلاد وشموعه، رأس السنة وألعابها الملوك وحبات فولهم، الكرنفال وصولجان مهرجيه.
وأخيراً، عيد الفصح، بتراتيل الصباح المرحة، عيد الفصح الذي تتلقى الفتيات فيه القربان الأبيض والبيض الأحمر!

عندئذ، سيكون بعض الرماد قد مسح عن جباهنا ملل أشهر الشتاء الستة، وسيُحيي السافواريون الصغار النجع الذي ولدوا فيه من أعلى التل(8).

جاء النص الأول أي النص الصحفي نصاً وصفياً تقريرياً لواقع عيني محض، لم يتجاوز خلاله أطر التخييل البسيطة، بل اكتفى فقط بعرض الصور كما تتراءى لقارئ الجريدة، قبل غيره، كونه مقيداً بمهمة إعلامية إخبارية وصفية، حتى ولو لاحظنا إشعاع البعد الرومانتيكي بين سطور المقال، رغم خطابية الجمل الطويلة واسترسالها في الوصف الحسي المباشر.
أما النص الثاني فقد جاء أكثر إيحائية ابتعد خلالها برتران عن الأبعاد التصويرية الصحفية مثلما هو الأمر في النص الأول، فعمد إلى تقسيم النص إلى مقاطع هي في الأصل عبارة عن مشاهد ولوحات فنية رائعة، تجنب خلالها البحث عن الروابط اللغوية والدلالية التي طالما بحث عنها أثناء تشكيل المقال الصحفي الأول (النص الأول).
وتعلق برنار على مستوى الفرادة في التشكيل في النص الثاني عند برتران فتقول: «هاهنا، نرى إبداع برتران في الصميم وبراعته التقنية ـــ التي ربما ـــ لم تكن بلا مخاطر، فإذا ما كان التقسيم إلى مقاطع يسمح بمنح القصيدة بناء أكثر دقة وتوازناً أفضل فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من اكتشاف ميكانيكية معينة في تكوين من هذا النمط، إذ يقطع النص بطريقة عشوائية إلى شرائح من نفس الأبعاد، ونشعر بقلق عندما نفكر أن نسقاً كهذا يسمح لأي كاتب فقير الموهبة بالحصول على قصيدة انطلاقاً من مقال في الجريدة»(9).
والدلالة التي يمكن أن نستخلصها من هذا المثال الرائد هي أن البداية الجذرية رغم أهميتها، ورغم كل ما يأتي بعدها هو بعض وعودها الممكنة، تظل بداية مهما كانت درجتها، وأن قيمتها لا تكتمل إلا بتحقق وعودها، وأن تحقق هذه الوعود يغطي على البداية نفسها، وهذا ما حدث مع «برتران» الذي أصبح شبه نكرة في عالم قصيدة النثر رغم ريادته الموثّقة بنص مثل «جاسبار الليل»، ما كان يمكن لكل من بودلير أو رامبو أو مالارميه أو لوتر يامون أو غيرهم من الشعراء اللاحقين أن يمضوا أبعد من برتران لولا البداية التي ابتدأها والخطوة الجذرية الأولى التي خطاها.

(*) برتران، لويس Bertrand, Louis. ولد في 20 إبريل 1807، في قرية سيفا (ceva) في منطقة بيمون (Piémont)، استقرت عائلته في مدينة ديجون (Dijon) التحق بالثانوية وعمره اثنتا عشرة سنة (1819) عام 1828 عين مدير جريدة «البروفاسيال» Le provincial «وهي الجريدة الوحيدة آنذاك في مدينة ديجون الفرنسية، لينتقل بعدها إلى جريدة «المشاهد Le Spectateur» عام 1830، توفي يوم 29 إبريل 1841، عن عمر لا يتجاوز الرابعة والثلاثين.
ـــ ينظر: ـــ Dictionnaire Encyclopédique de la littérature Française Edition Robert Laffont. S. A Paris 1997. art: (Bertrand)
ـــ و للمزيد عن برتران تراجع: برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ترجمة راوية صادق، مراجعة وتقديم رفعت سلام، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة 1998، ص ص 69، 70 وما بعدها.
(1) عبد العزيز، موافي. قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004، ص99.
ــ سانت بوف. هو شارل أوغيست، ناقد وشاعر وروائي فرنسي ولد في بولون عام 1804، وتوفي في باريس عام 1869. ينظر:
ـــ Dictionnaire encyclopédique de la littérature française. art: (St-Beuve)
(2) برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ج 1، ص 68.
(3) المرجع نفسه، ص 69.
(*) مالارميه. هو استيفان مالارميه (Mallarmé Stéphane) ، شاعر فرنسي ولد في 16 مارس 1842 بباريس، وتوفي في 9 سبتمبر 1898 بفال فين (Val vins). ينظر:
-Dictionnaire Encyclopédique de la littérature française.art Mallarmé).
(4) الجنابي، عبد القادر. أنطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية، ط2، دار النهار، بيروت، 2003، ص89.
(5) برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ج 1، ص 77.
(6) المرجع نفسه و الصفحة نفسها.
ـ وقد أشارت إليه برنار ووتقثه وفق سنة صدوره فقط دون ذكر التاريخ كاملاً
(*) نشر في الطبعات التالية:
ـــ Gaspard De La Nuit ,1er، Pavie، Angers1842, p 175
ـــ Gaspard De La Nuit ,ed Payot، 1925 p113
ـــ Gaspard De La Nuit ,Mercure De France 1911 p 204
ـــ Gaspard De La Nuit ,?uvres Poétiques، Publies par Cargill Sprietsma, Slatkine ,Genève 1977 p 132
وقد اعتمدت على الطبعة الأخيرة مما ذكر أعلاه، لتوفرها دون الطبعات السابقة، أما الترجمة فقد اعتمدت ترجمة رَاوية صادق ضمن كتاب برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن.
(7) برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ج1، ص78.
(8) برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن ج 1، ص78.
(9) ـــ برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن، ج1، ص78.



http://www.arrafid.ae/f1_9-2010.html






  رد مع اقتباس
/
قديم 31-07-2011, 05:37 AM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

سلام الجميلة العذبة

كم ضوءا أنت






  رد مع اقتباس
/
قديم 24-02-2012, 09:31 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران




"جاكوب: إعادة صياغة مفهوم قصيد النثر
جاكوب: إعادة صياغة مفهوم قصيد النثر
عبد القادر الجنابي

GMT 6:15:00 2004 الثلائاء 9 نوفمبر
3

ولد ماكس جاكوب في كامبير (مقاطعة بريتانيا) في الثاني عشر من تموز سنة 1876 لعائلة يهودية. وذات ليلةٍ من ليالي 1909، تجلّى له المسيح في غرفته الباريسيّة، طالعاّ فجأة من أيقونة معلّقة على الحائط، مما دفع ماكس جاكوب إلى البحث عن قسٍ ليعمّده، لكن القسّ الذي قابله تلك الليلة سخر منه. فبقي سنوات يعاني تجلّيات روحية من كل طيف غير معترف بها كنسيّاً، إلى أنْ وجد، في أواخر الحرب العالمية الأولى، من يعمّده مسيحيّاً في إحدى كنائس باريس. في الحقيقة، حياة جاكوب مملوءة بهذه القصص تارة مُفبركة وطوراً معاشة حقاً. قصصٌ كادت تغطّي على نتاجه الذي ينمُّ عن عبقرية هائلة وأصيلة.
لعب ماكس جاكوب دوراً مهماً في تعميق البعد الشِّعري للحركة التكعيبيّة. نشر عدداً من الدواوين، مسرحيات وروايات. وفي أوج حملة الاعتقالات داخل الطائفة اليهوديّة، وموت أخيه، وإرسال أخته إلى معسكرات الموت، شَعرَ جاكوب أنّ لا مفرَّ من مواجهة مصيره المأساوي: "سأموت شهيداً". وبالفعل عند خروجه من قدّاس مسيحيّ في الرابع من شباط 1944، ألقى رجال الغوستابو القبضَ عليه بتهمة أنه يهودي متنكّر. فمات في الخامس من آذار 1944 في معتقل درانسي.
حرر ماكس جاكوب في مجموعته "كوب الزّار"، فعلاً قصيدة النثر من كل البقايا الموروثة من الشعر الموزون ومن متاهات الرمزية وأحاسيس الرومانتيكية التي كانت تحدد اتجاه قصيدة النثر في القرن التاسع عشر. فقصائده بقدر ما هي متخلصة كليا من الاستعارات والتنميقات البلاغية، تتألق بطاقتها التفجيرية للهراء اللغوي حيث الجمل تبدو وكأنها خرق. ذلك أن جاكوب كان أول من شحن الشعر، هذا المختبر المركزي لخلق الصدمة المطلوبة في قصيدة النثر، بما كان يعتبره الشعراء آنذاك "ابتذالات" كعناوين الشوارع، اعلانات، كلمات عامية، الكلام اليومي العادي، العبارات الشائعة في الروايات الشعبية، والكليشهات الطفولية، مع تجاور جديد بين الكلمات أو الجمل وكأن القصيدة رقعة يرمى فوقها نردٌ، الصدفةُ قانونه. كما أن الطابع الحلمي لعدد كبير من قصائده النثرية توحي بنقطة تقارب بينها وبين القصائد السوريالية المقبلة، غير أن النصوص السوريالية المسماة بسرديات حلمية تدوّن/ تُحلل الأحلام علّها تكتشف حقيقة ما، بينما وجد ماكس جاكوب في اللغة الحلمية إمكانية جديدة يمكن لقصيدة النثر الاستفادة منها: كتابة أحلام، كجزاف لعبوي شعري لا غاية له.
غالبا ما يشار الى ماكس جاكوب وكأنه شاعر التكعيبية، وذلك لكونه أسس مع أبولينير "جمعية أصدقاء فانتوماس" و"المجلة اللاأخلاقية" التي سيتغير عنوانها منذ العدد الثاني إلى "الآداب الحديثة" وتجمع حولها بيكاسو، ماتيس ورسامون آخرون سيكون لهم، اعتبارا من هنا، دور تاريخي في خلق الحركة "التكعيبية". على أن نقطة الالتقاء بينه وبين هذه الحركة تكمن في أن قصيدة النثر مع تحرير ماكس جاكوب لها من التأثيرات الرمزية ومن كل تلميح إلى مرجعية أدبية أو حياتية شخصية، انتقلت، مع الرسم التكعيبي، من نظام مغلق مهموم بالواقع، إلى نظام مفتوح يُستخدم فيه الواقع كوسيلة وليس كغاية. أي اعتماد بناء جيومتريّ التواصل فيه من حيث الشكل وليس من حيث المعنى.
هنا النص الكامل لمقدمة " كوب الزّار" والمشهورة تحت عنوان "مقدمة 1916". وتعتبر بيانا جريئا في محاولة تخليص قصيدة النثر من من كل المفاهيم المضطربة التي كان نقاد وشعرا أواخر القرن التاسع وبداية القرن العشرين يتواجهون بها، كاشفا عن لبنة نظرية جديدة ستصبح سمات قصيدة النثر الداخلية والخارجية: أن تكون مغلقة ومتخلصة مما هو شخصي. ولإعطاء صورة واضحة عن النموذج الجاكوبي التثويري لقصيدة النثر، قمنا بترجمة 15 قصيدة من كتابه الصامد رغم كل تغييرات الأجناس الأدبية ونكرانها: "كوب الزّار".




ماكس جاكوب
مقدّمة 1916

لكلِّ موجودٍ موقعٌ مُحدَّدٌ. ولكلِّ ما هو فوق المادة موقع مُحدَّد. بل المادة نفسها مُحدَّدةُ الموقع. ذلك أنّ موقعَ عملين يُحدَّدُ، بشكل متفاوت، إمّا بفعل حيلهما، أو بسبب عقليّة المؤلفين، فرافائيل فوق "انغرز"، "فينييه" فوق "موسيه"، مدام "إكس"... فوق بنت العمّ، الماس فوق البلّور الصخري. ولعلّ هذا راجع إلى العلاقات بين المعنويّات والأخلاق. كان يُعتقَد في الماضي أنّ الملائكة توحي إلى الفنّانين، وثمة أصناف مختلفة من الملائكة.
قال بوفون: " الأسلوب يدلُّ على صاحبه"، وهذا يعني أنّه يجب على الكاتب أن يكتب بدمِه. التعريف شافٍ، لكنّه يبدو لي غير دقيق. فما يدلُّ على صاحبه هو لغته، حسّيته. إنّنا على حق عندما نقول: "عبّروا بالكلمات التي ترضيكم". وإنّنا مخطئون عندما نعتقد أنّ هذا هو الأسلوب. لماذا ينبغي إعطاء الأسلوب في الأدب تعريفاً آخرَ يختلف عن المتعارف عليه في الفنون المختلفة؟ الأسلوب هو إرادة الكشف عن الدواخل بوسائل مختارة. إنّكم تخلطون عموماً كبوفون بين اللغة والأسلوب، إذ أنّ قليلاً من الناس يحتاج إلى الإرادة، أي إلى الفنّ ذاته، وأنّ الناس بأسرهم في حاجة إلى أنسيّة في التعبير. في الحقب الفنّية الكبرى، تشكّلُ قواعد الفنّ، المُدَّرسة منذ الطفولة، أمثلةً تمنح الأسلوب: الفنّانون هم إذنْ هؤلاء الذين على رغم القواعد المُتبعة منذ الطفولة، يعثرون على تعبير حيّ، التعبير الحيّ هذا هو فتنة الأرستقراطيّة، فتنة القرن السابع عشر. والقرن التاسع عشر يغصّ بكتّاب أدركوا ضرورة الأسلوب، بيد أنّهم لم يجرؤوا على النزول من العرش الذي بنته رغبتُهم في النقاوة. فقد شيّدوا موانعَ على حساب الحياة(1). إنّ المؤلّف الذي يكون حدّد موقع عمله يستطيع أن يستخدم كلَّ المفاتن: اللغة، الإيقاع، المَوْسقة والعقل. إذ ما إن يكون الصوت في المكان المناسب، حتّى يقدر المغنّي على أن يتسلّى بالكَرّة. ولكي أكون واضحاً جدّاً، قارنوا بين ممازحة مونتين مع تلك التي يقوم بها مغنّي بداية القرن أريستيد بروانت أو بين غثاثة جريدة رخيصة، مع خشونة الخطيب بوسويه مُناكباً البروتستانتيين.
هذه ليست نظريّة طموحة، ولا هي بالجديدة: أنّها النظريّة الكلاسيكية التي أستعيدها بكلّ تواضع. فالأسماء التي أذكرها ليست من أجل ضرب "المحدثين" بهراوة "القدماء"، إنّما هي أسماء مسلّم بها، ولو ذكرت آخرين أعرفهم، لرميتم الكتاب، وهذا ما لا أتمنّاه، أودّ أن تقرأه ليس لمدة طويلة، وإنّما غالباً. فالتفهيم تحبيب. ذلك أنّ المرء لا يقدّر إلاّ الأعمال الطويلة، بيد أنّه من التعب أن يستغرق الجميل مدّة طويلة. قد نفضّل قصيدة يابانية من ثلاثة أبيات على "حوّاء" شارل بيغي المكوّنة من ثلاثمائة صفحة، أو إحدى رسائل مدام سيفينيه الصاخبة بالحبور والجرأة والسلاسة، على واحدة من روايات الماضي المصنوعة من قِطع مَحوكة، روايات كانت تزعم بأنّها عملت ما عليها من أجل المبنى، إنْ استجابت لمستلزمات الأطروحة.
هناك الكثير من قصائد النثر كُتبت خلال الثلاثين أو الأربعين سنة، ولا أعرف شاعراً واحداً فهم ما الموضوع، أو ضحّى بطموحاته الأدبيّة في سبيل تأسيس واضح لقصيدة النثر. إنّ روعة العمل لا تكمن في الحجم، بل في موقعه وأسلوبه. وكأنّي أزعم أنّ "كوب الزّار" يمكنه أن يقدّم للقارئ وجهة النظر المزدوجة هذه.
الانفعال الفنّي لا هو بفعل حسّي ولا هو فعلٌ "عواطفي"، فالطبيعة تعطينا إيّاه، من دون هذا. الفنّ موجودٌ، ويلبّي حاجة: الفنُّ ترفيهٌ. وظنّي صحيحٌ: فهي النظرية التي منحتنا شَعباً رائعاً من الأبطال، واستذكاراً فعّالاً للأوساط حيث يُشفى غليلُ الفضول المشروع والطموحات البورجوازيّة سجينة أنفسها. لكن يجب أن نعطي كلمةَ ترفيه معنى أوسع. فالعمل الفنّي هو القوّة التي تجذب وتمتص القوى المتيسّرة في هذا الذي يدنو منه. ثمّة شيءٌ أشبه بالزواج والهاوي سيلعب فيه دور الزّوجة. ويقتضي هذا الإرادة والثبات. تلعب الإرادة، إذنْ، دوراً رئيساً في عملية الخلق. وما يتبقّى ما هو إلاّ طُعم أمام الفخ. على أن الإرادة لا يمكنها أن تعمل إلاّ في اختيار الوسائل، ذلك لأنّ العمل الفنّي ليس سوى مجموع من الوسائل. وهانحن نصل من أجل الفنّ إلى التعريفَ الذي أعطيتُه للأسلوب: الفنّ هو إرادة الكشف عن الباطن بوسائل مختارة. التعريفان يتوافقان والفن ليس إلاّ الأسلوب. الأسلوب هنا باعتباره تحويلَ المواد إلى عمل، وتركيباً للمجموع، وليس بصفته لغة الكاتب. ومفاد ما أقول إنّ الانفعال الفنّي هو نتيجة نشاطٍ في حالة تفكير صوب نشاط منتهي التفكير. أستخدم "في حالة تفكير"، من دون طيبة خاطر. لأنّني مقتنع بأنّ الانفعال الفنّي يكفّ حيث يتدخّلُ التحليل والفكر: فالتأمّل وإحداث انفعال الجمال هما شيء آخرَ. إنّي أضع الفكر مع طُعم الفَخّ.
كلّما عظم نشاط الذات، ازداد معه الانفعال الناجم عن الموضوع. على العمل الفنّي أن يكون بعيداً عن الذات. لهذا السبب يجب أن يكون مُمَوْقَعاً، مُحدَّد الموقع. قد نواجه هنا نظرية بودلير في المفاجأة. النظرية هذه غليظة بعض الشيء. إذ كان بودلير يفهم الترفيه بالمعنى العادي جداً للكلمة. ذلك أنّ الإدهاش شيء بسيط، إذ يجب أن نَزْدرع، أي أن ننقل الشتلَ من مكانه ونزرعه في مكان آخر. المفاجأة تجذب وتعيق الإبداع الحقيقي. إنّها مؤذية ككلّ المفاتن. على المبدع أن لا يكون جذّاباً إلاّ بعد انقضاء الأمر، أي عندما يتم تحديد موقع العمل وأسلوبه.
فلنميّز في عملٍ ما، إذن، الأسلوبَ من الموقع. الأسلوب أو الإرادة يخلق، أي يفصل. أمّا الموقع فإنّه يُبعد، أي يحثُّ على الانفعال الفنّي، إذ ما إن يعطي عملٌ ما إحساساً بالقَفلة، حتّى نتبيّن أنّ له أسلوباً، ونعرف، من خلال الصدمة الصغيرة التي نتلقاها والهامش الذي يؤطّره، في الجو حيث يتحرّك، بأنه مُحدَّدُ الموقع. بعض أعمال فلوبير لها أسلوب ولكن ليس من عمل واحد مُحدَّد الموقع. مسرح "موسيه" مُحدَّد الموقع ويفتقر كثيراً إلى الأسلوب. عمل مالارميه مثال العمل المُحدَّد الموقع. ولو لم يكن مالارميه مُتصنّعاً وغامضاً، لصار كاتباً نموذجياً عظيماً. ليس لرامبو موقعٌ ولا أسلوبٌ، لديه المفاجأة البودليريّة، إنّه انتصار الفوضى الرومانتيكيّة.
لقد وسّع رامبو نطاقَ الحسّية مما جعل كثيرين من الأدباء يدينون له بالاعتراف، إلاّ أنّ مؤلّفي قصيدة النثر لن يستطيعوا أخذه مثالاً. ذلك لأنّ قصيدة النثر حتّى يكون لها وجود، عليها أن تخضع لقوانين، حالها حال كلّ فن. والقوانين هذه هي الأسلوب أو الإرادة والموقع أو الانفعال. رامبو يؤدّي إلى الفوضى والسخط فحسب. كما أنّ على قصيدة النثر أن تتجنّب الامثولات Paraboles البودليريّة والمالارميّة إذا أرادت أن تتميّز عن الأحدوثة Fable. مفهوم أنّي لا أعتبر قصائد نثر دفاترَ الانطباعات الطريفة التي ينشرها من وقت إلى آخر الزملاء الذين لهم نفقات (2). صفحةُ نثر ليست قصيدة نثر، حتّى لو احتوت على لُقيين أو ثلاث. إلاّ أنني أعتبر قصائد نثر تلك المسمّات "لُقى" عندما تُقدَّم مع هامش روحي ضروري. وبصدد هذا، أُحذّر كتّاب قصيدة النثر من الأحجار الكريمة الجدّ برّاقة التي تُبهر العين على حساب المجموع. القصيدة شيءٌ مُشيَّدٌ وليس واجهة جوهري. رامبو هو واجهة الجوهري، وليس الجوهرة. قصيدة النثر جوهرة (3)
قيمة عمل فنّي تكمن في ما هو، لا في المقارنة التي قد نقوم بها مع الواقع. نقول للسينمائي: "هذا هو بالضبط". ونردد أمام موضوع فنّي: "يا له من تناغم، أيّ متانة، أيّ مبنى، يا للنقاوة". تحديدات جول رينار (4) الرائعة تسقط أمام هذه الحقيقة. ذلك لأنّها أعمالٌ واقعيّة، بلا وجود حقيقي، لها أسلوب لكنّها غير مُحدّدة الموقع. فالفتنة ذاتُها التي تعيش عليها تقتلها. أعتقد أنّ جول رينار كتب قصائد نثر أخرى غير هذه التحديدات: للأسف لم أطلّع عليها، ومن المحتمل أن يكون مخترعاً لنمط كهذا الذي أتصوّره. أمّا حالياً، فإنّي أعتبر ألويزيوس برتراند ومارسيل شووب مؤلّف "كتاب مونيل" كلاهما لديه الأسلوب والهامش. وأقصد أنّهما يؤلّفان ويُمَوقعان. ولكن لي مآخذ على رومانتيكية الأوّل المنجزة "على غرار الفنان كالوت" كما يقول، التي بتعليقها أهميّة على ألوان جد عنيفة، تحجب العمل نفسه. لقد أعترف هو، على أيّ حال، أنّه كان يتصور قِطَعه، موادّ عملٍ ما وليس الأعمال المُحدّدة. وآخذ على الثاني أنه كتب حكايات contes وليس قصائد، ويا لها من حكايات! ثمينة، طفوليّة وفنيّة! على أّنه من المحتمل أنّ هذين الكاتبين كانا مخترعي "قصيدة النثر" من دون علمهما."

http://www.elaph.com/ElaphFiles/2004/9/11439.htm







  رد مع اقتباس
/
قديم 24-02-2012, 09:34 PM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

"
15قصيد نثر

جاكوب

الأدب والشِعر

حدث هذا في ضواحي مدينة لوريان، كانت الشّمسُ مشرقةً، وكنّا نتنزّه، ناظرين في أيّام أيلول تلك، إلى البحر وهو يرتفع، يرتفع فيغطّي الغابات، المناظر، الأجراف. وسرعان ما لا يبقى لنا لصدّ البحر الأزرق سوى مساتل الغَلَل حيث يتعوَّجُ الماء في جرْيه بين الأشجار، فأخذت العوائل يقترب بعضها من بعض. كان ثمّة طفلٌ معنا مرتدياً بدلة بحريّة، كان حزيناً، أخذني من يدي، وقال لي: "كنتُ، يا سيّدي، في نابولي، أتعرف أنّ في نابولي الكثير من الشوارع الصغيرة، مما يمكنكَ أن تبقى وحيداً في الشوارع من دون أن يراك أحدٌ. وهذا لا يعني أنّ هناك كثيراً من النّاس في نابولي، إنّما الكثير من الشّوارع إلى درجةٍ أنّ لكلِّ شخص شارعاً واحداً". – "أيّة كذبة هذه يرويها لك الآن"، قال لي والد الطفل، "لم يكن أبداً في نابولي". ابنك شاعرٌ أيّها السيّد، وهو أمرٌ حسن، لكن لو كان أديباً للويتُ عنقَهُ. إنّ المساتِلَ التي تركها البحرُ ناشفةً جعلته يحلُم بشوارع نابولي.



حياتي

المدينة التي علينا أخذُها تقع في غرفة. غنيمة العدو ليست ثقيلة ولن يحملها معه لأنّه ليس في حاجة إلى نقود، إذ أنّ الأمرَ حكايةٌ مجرّد حكاية. للمدينة أسوارٌ مصنوعة من خشب مصبوغ: نقطّعه حتّى نلصقه على كتابنا. ثمّة فصلان أو قسمان. ذا هو ملكٌ أحمرُ ذو إكليل ذهبيّ يرتقي منشاراً: هذا الفصل الثاني، أمّا بصدد الفصل الأوّل فإنّي لم أعد أتذكّر.



شارع رافينيا

"لا ينزل الإنسان مرتين في النهر ذاته"، كما كان يقول الفيلسوف هيراقليطس. ومع هذا، فإن الأشخاص الذين يصعدون الشارع هم الأشخاص عينهم! يمرون في الساعة ذاتها، فرحين أو حزينين. يا عابري شارع رافينيا، أعطيت جميعكم أسماء موتى التاريخ! هذا أغاممنون! هذه السيدة هانسكا! عوليس لبّان! باتروكل عند أسفل الشارع، بينما فرعون قرب بيتي. كاستور وبولوكس سيدتان تسكنان الطابق الخامس. لكن أنت، يا عزيزي جامع الخرق، أنت الذي، في صباح خلاب، تأتي لرفع نفايات لا تزال حيّة، عندما أطفئ مصباحي الجيد الكبير، أنت الذي لا أعرفه، يا جامع الخرق المسكين والغامض، أنت، يا جامع الخرق، أعطيتك أنبل اسم وأشهر من علم، سميتك دوستويفسكي.



شحاذة نابولي

عندما عشت في نابولي، كان عند بوابة قصري، امرأة شحاذة كنت القي إليها بقطع نقدية قبل الدخول إلى مآربي. ذات يوم، مستغربا من أني لم أتلق أيّ شكر منها نظرت إلى المرأة الشحاذة. الآن، بعد أن نظرت، رأيت أن ما كنت اعتبره امرأة شحاذة، كان صندوقا خشبيا مصبوغا بلون اخضر، يحتوي على طين احمر وبضع موزات نصفها فاسد.




ليلة جهنمية

يسقط على كتفي، شيءٌ باردٌ بشكل فظيع. شيءٌ لزج يلتصق بعنقي. يصرخ صوت من السماء "وحش!" دون أن اعرف إذا كان يقصدني ويقصد عيوبي أو يرشدني إلى الكائن اللزج الملتصق بي.



نجاح الاعتراف

في الطريق المؤدي إلى ساحة السباق، كان هناك شحاذ لا يختلف عن خادم: "اشفقوا عليّ، يقول، انا ذميم، سألعب بالفلوس التي تعطوني إياها". هكذا اعترف بسرعة. حقق نجاحا كبيرا، وكان يستحقه.


الخراب الحقيقي
عندما كنت شاباً كنت اعتقد أن الجن والجنيات كانوا يعانون لإرشادي، ومهما كانت الشتائم التي تنهال علي، بقيت معتقدا أن شخصا ما كان يوحي للآخرين بكلمات غرضها لصالحي وخيري فحسب. أفادني يُعلِمني الواقع والكارثة اللذان جعلاني مغنّيا في هذه الساحة، أن الآلهة كانت دائما تتخلى عني. أيها الجن! أيتها الساحرات! أعيدوا إلي اليوم وهمي.


تناسخ

هنا ظلامٌ وصمتٌ! لبرك الدم شكلُ الغيم. زوجات القاتل ذي اللحية الزرقاء، السبْع، لم يعدن موجودات في خزانة الحائط. لم يبق منهن شيء سوى قبّعة الراهبات هذه المصنوعة من الشَّاش. لكن انظروا هنالك، هنالك، في المحيط، سبع سفن شراعية، سبع سفن شراعية حبالها تتدلّى من أشرعة الصواري في البحر مثل جدائل على أكتاف النساء. إنها تقترب، تقترب! إنّها هنا!



رواية شعبية

لم تبق سوى كلمة أو كلمتين وأنتهي. عليّ أن أجيب قاضي التحقيق عوضاً عن صديقي. أين المفاتيح؟ إنها ليست في المشجب. عفوك يا حضرة القاضي، يجب أن أعثر على المفاتيح. هاهي، وجدتها! ياله من وضع بالنسبة للقاضي! بصفته عاشقاً أخت الزوجة، كان مستعداً للتخلي عن أخذ القضية على عاتقه، لكنها جاءت تترجاه أن يصدر حكماً بابطال المحاكمة، وهي ستكون له. في العمق، القاضي جد منزعج من هذه القضية. فهو يتوقف عند التفاصيل: لماذا كل هذه الرسوم؟ أخذُ درساً حقيقياً في علم الجمال. ففنان حوله كثير من الأعمال يبحث عن أشكال. يحل المساء؛ القاضي لا يفهم، يتكلم عن تزويرات. أصدقاء يصلون. زوجة المتَّهم تقترح على الجميع نزهة بالسيارة، يقبل القاضي على أملِ أنْ يعرفَ المتَّهمُ كيف يهرب.


الحرب

في الليل، الشّوارع الخارجية مغمورة بالثلج؛ قطّاع الطرق جنود؛ يهاجمونني بالضحكات والخناجر، ينهبونني: أنجو لكي أسقط ثانيةً في مربّع آخر. أهو فناءُ ثكنةٍ أم حوشُ نزلٍ؟ مجرّد خناجر! مجرّد رمّاحين! الثلج يتساقط! أُنخَزَ بمزرقٍ: إنّه سُم لقتلى؛ رأسُ هيكلٍ محجب ببرقع الحداد يعضّ إصبعي. مصابيح غير مُحددة تُسقِطُ على الثلج نورَ موتي.



صمتٌ في الطبيعة

عندما نذهب، كلبي وأنا، بين التلال المشجّرة لصيد الطيور، كان راتو يتسلّى برسم ثمانية إزاء خطواتي، وكلّما أسرعتُ ازدادت متعتُه، وكم طار فرحاً، ما إن ركضتُ. إنه كلب أوكار، كانت له بقعة سوداء على أذنه اليسرى، وأخرى على الذيل.



معجزات حقيقية

القس الطاعن في السن، بعد أن رحل عنّا، رأيناه يطير فوق البحيرة وكأنّه خفاش الليل. كان غارقاً في أفكاره حتّى أنّه لم يلاحظ أنَ هذا الطيران معجزةٌ. حاشيةُ مُسوحه تبلَّلت، وكلُّهُ عَجَبٌ.



لغز السّماء
عند عودتي من الرقص، جلستُ إلى النافذة، ورحت أتأمّل السماءَ: خُيّلَ لي أنّ الغيوم كانت رؤوساً ضخمة لمسنّين جالسين حول مائدة وقُدّم لهم طيرٌ أبيض متحلّ بريشه. نهرٌ طويلٌ عَبَر السّماء. خفضَ أحدُّ المسنّين نظرهُ صوبي، بل إنه راح يكلّمني، عندما انقشعت الروعةُ، تاركةً النجومَ الصافية تتلألأ.



المفتاح

عندما عاد سيّد فرامبوازي من الحرب، عنّفته زوجته، فردّ عليها: "هاكِ، يا سيّدتي، مفتاح كلّ ما أملك، فأنا ذاهب إلى الأبد". وبسبب نعومتها، أسقطته على بلاطة المعبد. ثمّة راهبةٌ، في زاوية، كانت تصلّي لفقدانها مفتاح الدير، ولم يعد في قدرتها الدخول. "فلنر إن كان هذا القفل يلائمه هذا المفتاح". لكن المفتاح لم يعد هناك. إذ هو، الآنَ كتحفة في متحف "كلوني". كان مفتاحاً جسيماً أشبه بجذع الشجر.



تدنٍّ عالٍ

المنطاد يرتفع، إنّه لامعٌ ويحمل نقطةً أكثر لمعاناً. ما مِن شيء يمنعه من الارتفاع! لا الشمس المائلة التي تُلقي وميضاً مثل وحش شرّير يُلقي سحراً، ولا صراخ الجموع، كلا! فهو والسماء ليسا سوى نفْس واحدة: السماء لا تفتح نفسَها إلاّ له. لكن، حذاركَ أيّها المنطاد، حذارك! أيّها المنطاد التعيس، في قبّتك الاسطوانيّة ثمّة ظلال تتحرّك! المنطاديون سكارى.


http://www.elaph.com/ElaphFiles/2004/9/11439.htm
"






  رد مع اقتباس
/
قديم 25-02-2012, 11:24 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

"

عبدالقادر الجنابي مثقف غريب الاطوار
سيّار الجميل
من بوهيمية الحياة الى عمق المكاشفات..



"وعي زائف خير من زيف واع.. هذا هو المطلوب" (الجنابي)



مدخل الى موضوع خاص

دعوني أخصص مقالتي اليوم عن واحد من الاصدقاء المثقفين العراقيين الذين يمتازون بخصال غريبة لا يصلهم أحد فيها. وسأكتب بعض نتف من دراسة نقدية مطّولة عن ظاهرة غريبة ومتقدمة وشجاعة في حياة المثقفين العراقيين المتمردين على واقعهم وحتى واقع غيرهم في القرن العشرين، وهم كثر عاشوا عراقيتهم المضنية في اعماق روح العراق، وهم يعانون من سطوة الفاشية وشقاء تخلف المجتمع. لقد تمردوا على واقعهم بكل تناقضاته، وشكلّوا لهم ميراثا عجيبا من المكونات والابداعات المجنونة.. دعوني اتكّلم اليوم عن ظاهرة بوهيمية في الثقافة العراقية الحديثة ممثّلة ومجسدة بمثقف عراقي معروف بادبياته اللامتناهية وشجاعته وجرأته: انه الصديق الاستاذ عبد القادر الجنابي. ولابد لي من القول بأن عملي على تاريخ النخب العراقية المثقفة في القرن العشرين الذي سيصدر موّسعا في كتاب "انتلجينسيا العراق: النخب المثقفة في القرن العشرين" قد جعلني استفهم عن اسرار ولادة المبدعين العراقيين المتميزين بهذا الكم والنوع الذي فاق الاخرين.
ولا اريد ان اكتب عن الصديق الجنابي كما هو اليوم، بل اريد ان اكتب عنه كما كان، وعما اوحته لي كتاباته المبدعة الجريئة كواحد من المثقفين العراقيين الذين نالهم الحيف والغبن الشديدين ازاء اخرين لم يمتلكوا عشر معشار ما لدى ثلة من الحقيقيين والجنابي في مقدمتهم خصوصا انه لم يكن مثقف سلطة او مثقف تابع لنظام حكم او نظام مجتمع. انه مثقف حقيقي قد تشّبع وتمّكن من ثقافتين عالميتين انكلوسكسونية وفرانكوفونية بشكل جعله يتلاعب كيفما يشاء في فضائهما طويلا، من دون ان يغفل ثقافته العربية التي له فيها اسلوبه المختزل الجميل. قال عنه صديقه الشاعر اللبناني انسي الحاج واصفا: " شراسة عبد القادر الجنابي هي نصل عطش الصدق، وشعره ليل البدر مغسولا بالعواصف، مخصبا قارئه بقهر اليأس ولعب الخيال وحدس الوحدة، ملهما بدهشة طفل دائم الاكتشاف والتمرد والحرية.. معه، نحن تحت غيم العاصفة الاصفر. وما وراء حروفه هو اما امامها: برق العصيان. برق ضاحك حتى دموع الحرية ".



الجنابي: من يكون؟
شاعر وفنان وناقد مثقف عراقي، ولد ببغداد في الاول من تموز/ يوليو 1944. لم يستفد من " المدرسة " شيئا اذ كانت شقاوته وعبقريته اكبر منها فصار يدخل عالم الشعر مترجما عن الانكليزية من الشعر الزنجي.. اختنق في العراق على مدى سنتين من حكم البعثيين، فهرب الى لندن في العام 1970، واندمج بالحركة التروتسكية معبّرا مخلصا عن " الثورة العربية " لسان حال الاممية الرابعة، ثم اكتشف أنه لم يبق من ديناميكية في هذه الأممية سوى نقاوة تروتسكي الثورية، فتمّرد عليها وانخرط في عالم السوريالية كي يتحرر كليا من اي تبعية وخصوصا بعد هجرته لندن نحو باريس التي استقر فيها بعد ان قّضى في لندن سنتين وستة اشهر. نشر " الرغبة الاباحية " في العام 1973 بعد وصوله باريس، وأجده هنا قد تأثّر وتشّبع بما يسمى بـ الثقافة الضدّ Counter Culture التي راجت في الستينيات وأوائل السبعينات من القرن العشرين. نعم، لقد خرج من التروتسكية الى حركة المجالسية المضادة لكل لينينية وحزبوية، ومن هنا كان اسم اول مجلة اطلقها في العام 1973 هو "الرغبة الإباحية". والإباحية ترجمة وجدها الجنابي مناسبة بالرغم من الالتباس الشائع عنها للكلمة الفرنسية التي تطلق على تيار الماركسية الفوضوية Libertaire.
تمّكن الجنابي من الثقافتين الانكليزية والفرنسية، واصدر عدة كراريس شعرية ومجلات بالانكليزية والفرنسية والعربية منها: "في هواء اللغة الطلق" (1978)، "ثمة موتى يجب قتلهم" (1982)، "مصرع الوضوح" (1984). واصدر في العام 1982 مجلة "النقطة" التي استمرت عامين وظهر منها اربعة أعداد فقط، ثم اعقبها بمجلة "فراديس" التي اشتهرت كثيرا لدى المثقفين العرب المتحررين من كل القيود والتي كانت أول من فتحت ملف جيل الستينات العراقي، ومن هنا اصدر في العام 1992 أضخم انطولوجيا موثقة لشعرية هذا الجيل ومعاركه الضارية، تحت عنوان "انفرادات الشعر العراقي الجديد" (528 صفحة، منشورات الجمل). بعد ذاك اصدر الجنابي كتابا بعنوان: "مرح الغربة الشرقية" في العام 1988، وترجمتين لشعر جويس منصور وباول تسيلان و ثم اصدر "رسالة مفتوحة إلى أدونيس: في الصوقية والسوريالية ومدارس أدبية أخرى.. (دار الجديد 1994)، وكتابيه "حياة ما بعد الياء" (فراديس 1995)، و"تربية عبد القادر الجنابي" (دار الجديد 1995)، وأخيرا، اصدر كتابه "الافعى بلا رأس ولا ذيل: انطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية" عن دار النهار في العام 2001. ناهيك عن عدة انطولوجيات للشعر العربي بالفرنسية. ولقد وّضحت اعمال الجنابي الابداعية والنقدية قدرته العالية في التفوق الذي نجح في التوّصل اليه من خلال غنى تجربته الثقافية وعمق وعيه بالحداثة الغربية.



من هو الرجل؟
لم اكن اعرفه معرفة شخصية، ولكنني كنت اتابع انشطته وابداعاته التي عادة ما يجسدها باشعار تعد ومضات في قلب دنيا مظلمة.. مذ كنت اعيش في كل من بريطانيا والمانيا الغربية قبل عشرين عاما. كنت اقرأ للجنابي فراديسه واشعاره واستمتع بمجادلاته الاباحية ونقداته الشرسة لبعض من عدّوا انفسهم سدنة مهترئين للثقافة العربية المعاصرة.. ثم حكمت الصدف وما احلى الصدف، ان تتوثق عرى صداقتنا كأثنين من المثقفين العراقيين الذين يشتركون في نهر عجائبي من الهموم.. وكان أن أهدى لي منذ زمن ليس بالقصير بعض أعماله الادبية والنقدية والابداعية، وقسم منها نادر جدا، خصوصا وأنني أعمل على توثيق مضامين كتابي "انتلجينسيا العراق: النخب المثقفة في القرن العشرين"، فصرت أمام عالم مترع بالجمال، عالم من مخلوقات عبد القادر الغريبة.. كنت انتزع من زمني قليلا لأهرع اليه وابتهج قليلا وافكر طويلا بما يريد ان يقوله، وكأنه يرتّل الكلمات ترتيلا، ثم اعود لأجده وكأنه يصوغ فلسفة صعبة تتخاصم فيها الاشياء ! انها مخلوقات جميلة لم اكن قد اطلّعت على بعضها، فضلا عن انشطة غرائبية أخرى كان قد كرّسها في اصداره مجلتين جريئتين بباريس قبل قرابة عشرين سنة ! وصف لي اعترافاته: " شئ من حياة مستمرة بشكل آخر ". ووصفني في مكان آخر كوني: " فاتح آفاق الذاكرة العراقية " ولا اعتقد اني كذلك!

لقد شدّتني شجاعة هذا المثقف العراقي الذي عاش بوهيميا في متاهة ثلاث عواصم كبرى في هذه الدنيا: بغداد ولندن وباريس، وخصص من الستين سنة التي يمتلكها ثلثا للعراق وقرابة ثلاث سنوات في لندن وما تبّقى جعله لباريس.. وفي كل واحدة منها، سجّل له تاريخ معّين يعّج بمختلف العجائب والغرائب والبدائل والصور ما بين شقاوة شاب بغدادي ينهل من ثقافة عراقية يجدها اينما يلتفت ولا يعرف الا التمرد على الواقع الكئيب.. وما بين جنونية شاب ماركسي فوضوي مغترب يهوى حياة الهيبيز في اعماق لندن ويقتات على مسروقاته من الكتب، ويبيح لنفسه ان يفعل ما يشاء من اجل لقمة العيش ! وما بين مخلوقات شجاعة لمثقف عربي في باريس يلتزم بما يعتقده هو ولا يلتزم البتة بما يريده الاخرون!



مثقف في زحمة الصراع والتناقضات
ان ما يثير التفكير في هذا الصديق الجنابي ثقافته الادبية وخزينه اللغوي ومهارته في الترجمة منذ صغره وجرأته مقتحما كل الابواب الموصدة ومغامراته من اجل ان يعيش وتورّطه بألعابه وسط هذه الكوميديا الدنيوية المضحكة. وبرغم ذلك، فهو لم يستسلم للسلطة في العراق ابدا. لقد بقي نقّيا يستفز الاخرين الى حد الابكاء، ثم يحيلهم الى طور الاضحاك بتعليقات قلما يجيد صنعها الاخرون، له سخريته من اناس يجدهم لا يستحقون الاهتمام بحكم سخريته من الواقع ومضامينه الموشاة بالدجل والاوحال والازبال هنا وهناك ! لم يكن يطيق سلطة فاشية زرعت نفسها في العراق لمرتين في عامي 1963 و1968، فهو انسان لا يحتمل أبدا الدق في كل اللحظات على مفاخر هذا ومديح ذاك.. وجد انه قد اكتشف الحياة على حقيقتها في اعماق امرأة، وهتك الاستار منذ طفولته اللعينة، فهو لا يقدر ان تحّركه هذي او يستغله ذاك..

لقد وجد نفسه ليس بيدقا كبقية البيادق التافهة التي استخدمتها السلطة الفاشية في كل مكان.. لقد هرب ليس من واقع سياسي حسب، بل من واقع اجتماعي كان سببا في خلق ذلك الواقع السياسي بكل رموزه الكريهة التي تمّثل الجهالة والبلادة والاهتراء والعفونة. انني اعتقد بأن ما أرعبه حقا ان يرى عددا من اليهود العراقيين وقد تدلوا باجسادهم بعد تعليقهم من اعناقهم من قبل البعثيين على المشانق من دون اكياس تغطي وجوههم في ساحة (التحرير) اكبر ساحات بغداد في العام 1968- 1969، لقد اعدموا لمجرد كونهم من اليهود العراقيين.. وكل عراقي اصيل يرى في اقوام العراق القديمة وبضمنهم يهود العراق القدماء مصادر اثنوغرافية لولادة مشروع حضاري متنوع جديد، فكيف بنا ازاء مشروع قهر بعثي شوفيني وفد العراق ليحكمه منذ اربعين سنة بعدما صدّرته الينا مجموعة العفالقة المتوحشة من قلب احدى مقاهي دمشق!؟

انني اعتقد بأن من يمتلك روحا عراقية لم تلوثّها الشوفينية، ولم تغدر بها العصبيات المذهبية والطائفية والدينية، او لم يكوها الاضطهاد الاجتماعي اللئيم، فهي نقّية تلتقي مع كل العراقيين اينما كانوا منتشرين في دياسبورا العالم وشتات الآفاق.. فلا غرابة ان يعقد الجنابي صداقات له مع شعراء وأدباء يهود عراقيين يسكنون في اسرائيل، فتقوم الدنيا ولا تقعد ضدّه من دون ان يستحي العرب من جماعاتهم السياسية ونخبهم المثقفة في الطوق حيث يقيمون علاقاتهم السياسية وروابطهم الثقافية وتجاراتهم ومصالحهم مع دولة اسرائيل.. انه كأي عراقي اصيل يرى في العراقيين كلهم وطنا حقيقيا له، فالعراقيون متنوعون على أشد انواع التنوع، وكل عراقي هو العراق نفسه فلا يمكن لواحد منه او عشيرة او طائفة او ملة او مذهب او اقلية او قومية ان تحتكر المواطنة العراقية لنفسها ابدا، ذلك ان ما يجمع العراقيين هو ترابهم القديم جدا، ومياه الفراتين كشريانين ازليين وروح لا يمتلكها الاخرون الذين لا يعرفون انفسهم الا نوعا واحدا!

ان الجنابي واحد من الذين آمنوا بالماركسية وتعلقوا بها وتنقلوا من التروتسكية الى المجالسية المضادة لكل حزبوية وسبقوا في ذلك غيرهم من الماركسيين العرب، كّون ثقافة عبد القادر قد ارتوت في حضن بيئة غارقة بالادب والشعر، كان يبحث له عما يسّد به رمقه في شوارع رئيسية ومقاه مكتظة بالافندية البغداديين.. انه احد مثقفين خوارج عراقيين يعشقون الفن والشعر والقراءة والانجذاب نحو المقاهي (والبارات)، ويهوون المجون والعربدة والغناء والخمر، أذكر منهم: معروف الرصافي ويونس بحري واحمد الصافي النجفي وذنون ايوب وناظم الغزالي وحسين مردان وعبدالأمير الحصيري ومظفر النواب وجان دمو ومؤيد الراوي وعبدالرحمن طهمازي وغانم الدباغ وسركون بولص وامير الدراجي وعبد المحسن عقراوي وجبر علوان وغيرهم كثير ان من بين هؤلاء وغيرهم: سمات من جنون وفنون وعبقرية شيطانية وبوهيمية طبيعية لعشق ارض عراقية عتيقة، هي: سومرية هي اكدّية هي بابلية هي اشورية هي آرامية هي عربية وكردية.. وهلم جرا.

لقد كان مثقفا يبتهج ببوهيميته العراقية وهو شاب في مقتبل العمر يضمنها تفصيلاته الكثيرة التي ربما يدور أغلبها حول التاريخ الشخصي في حياته ويغترف نماذجها من خصوصياته. كان بطلا يتمتع باستقلالية التفكير عن محيطه المنهك، ويقرأ كتبا متمردة المضمون وذات شحن حداثوية تساهم في شحذ التأمل المطلوب لمعرفة الواقع المعاش ناهيك انه عاصر صعود ثقافة الضد في بيئاتها لندن وباريس وخالط بعض تجمعاتها كالحركة السوريالية وأممية مبدعي الأوضاع التي لعبت دورا هائلا في احداث ايار الطلابية عام 1968.. وهذا لا يتأتى لدى اي مثقف عربي يعيش في بيئة عربية أخرى متنافرة على أشد ما يكون التنافر والتنابز عن العراقيين وبيئتهم. ولن يستطيع أي متحرر عربي أن يمتلك التفاوض مع واقعه وعناصر ذلك الواقع مهما كانت قدرته في المناورة غير العادية ! لقد قال لي أحد اصدقائي وهو مفّكر عربي معروف بنزعته القومية قبل ايام وهو يحادثني هاتفيا: لقد تجاوز عمري السبعين يا سّيار، وقد زرت العراق مرارا واقمت فيه احيانا وقرأت تاريخه كما تعرف وعرفت الكثير عن مجتمعه.. لكنني لم اعرف العراق على حقيقته الا هذه الايام عندما انكشفت عن العراق أغطيته السميكة، وانطلق العراقيون يعّبرون عن حقائقهم التي اخفوها ردحا طويلا من السنين، فسألته: هل صدق كلامي الذي خالفتني به عندما قلت بخصوصية العراق وصعوبة فهم الوان العراقيين قبل سنين؟ قال: صدقت!



من صلب التروتسكية الى جذب الليبرالية
يتمتع الجنابي بشخصية لها جاذبيتها تتقاطع همومها الانسانية ومعاناتها العراقية مع واقع صعب جدا التلاؤم معه، فيفّضل الهروب كبقية أقرانه من المثقفين المتمردين العراقيين سواء كانوا من الليبراليين ام كانوا من الماركسيين.. لم يكن ساذجا في الكشف عن مستوراته التي يحرص عليها الاخرون بكل بلادة.. انه يهرب الى واقع جديد ربما تكون قسوته أرخى عليه لأنه سيتنسم هواء الحرية ويتذوق طعم الانطلاق بتحريض من عشقه لهما. ولكن هل تنتهي معاناته؟ الجواب: لا، لأن المعاناة الجديدة لا تعني شيئا لشعوره بالضياع وهو ما يحملها على العودة دوما الى مكوناته الاولى التي يريد بترها بترا.. انه متمرد وضائع وتحّول من صعلكة بغدادية شقّية ليجد نفسه في آن بوهيميا وتروتسكيا في شوارع لندن يلاحقه طيف نادجا (بطلة أندريه برتون).. انه متشرد في مجتمع غريب حيث لا يعرفه أحد في لندن التي لم يكتف بشوارعها الخلفية التي تنطلق حياتها في الليل من علب الليل، وانما لا يجد فيها صمتا يقطعه بكاء او عويل او صوت سكير في بغداد وازقتها المظلمة العتيقة!



المتمرد.. المتشظي والمتحّور

كان الجنابي نموذجا حقيقيا للمثقف العراقي المتمرد والثوري على كل مكوناته الاولى التي اعتبرها غثّة وبليدة، لكنه يحتفظ في اعماقه بذكرى عائلته.. بذكرى أمه وابيه واخيه.. ولعل الجنابي كان ابرز مثقف عراقي يفصح باعترافات مكشوفة عن خصوصياته وعلاقاته الجنسية التي يعتبرها: مضامين اخلاقية لانسان عراقي متحضر يعيش ويفّكر كما هو حال المثقفين التقدميين في العالم بعيدا عن الزخرفة والبهرجة والطلاءات التي تخفي تحتها مناظر بشعة.. انه لا يريد ان يتوقف عند زمن معين، بل يمتد نحو أعماق الازمنة العراقية الاولى، وكأنه وصل الى حافات التاريخ الاولى عندما خلق الانسان اول تكوين حضاري له عند شواطىء ميزوبوتيميا الجميلة، اي: ضفاف وادي الرافدين المكسو باخضرار الطبيعة، وجماليات الليل والنهار.

انه يصطحب معه عاطفة قوية لا ينطفئ أوارها، فالعراقيون اينما ذهبوا وحيثما حّلوا يصطدمون بجفاف عاطفي شنيع - كما يصفونه - لدى الاخرين ! جفاف لم يعرفونه هم قط، لأنهم الشعب الوحيد في هذا الكون وهو يمتلك من العاطفة بحورا.. يغني فيبكي، يعشق فيبكي، يثور فيبكي، يقرأ القرآن فيبكي.. يجتمع في الشوارع ليبكي بكاء الصعب.. انه يغسل بدموعه كل ما يعلق بأعماقه من أدران.. انه يدّق على رأسه بحركاته او يثور مجنونا ولكنه سرعان ما يبرد ويندم على ما فعله.. وكلها تأتي عفوية في غالب الاحيان.. ويحدّد من خلال عواطفه الثائرة كل مظاهر الحياة المختلفة في مكان مركزي يقع في قلب هذا العالم.. انه بقدر ما يفخر كونه ينتمي اليه، فهو يهرب منه لأنه مكان ابتلي بالشقاء والاكدار منذ عصور ودهور!

هذا المثقف المتمرد لا يريد أن يسدل الستار على حياة مليئة بالوحشة والالم.. انه مقتنع تمام القناعة بأن كلماته تموت وتفنى عندما يجعلها تحيا جافة من أجل لا شئ في هذا الوجود. انه نموذج لعراقي حقيقي مقتنع حتى الثمالة بأن الالتزام بهذا الواقع وتحديثه أجدى نفعا من اي التزام لاصلاحه او ترقيعه.. انه لا يعترف بأن المفاخرة بالشرف الرفيع مثلا لا تمر الا من خلال الاعضاء الجنسية التناسلية، فهذه مجرد آليات جميلة لاستمرار الحياة بكل ما فيها من مباهج ترضي العواطف والشهوات، لا ان يجعلها الانسان محور شرفه وما يتفجر عنها من موبقات ولعنات تلحق بها المصائب والثارات وتجري من خلالها الدماء!
انه يرى بأن التزامه عراقيا وبكل ما ورثه على ارضه أجدى نفعا له ولأمثاله من مجرد أداء طقوس ليس لها اية معاني. انه يرى الخطيئة في ان يترك هذا الشعب الذي يقطن وادي الرافدين كل أرثه وملاحمه واساطيره وقوانينه واشعاره ومخلوقاته الرائعة التي امتدت عنها كل الاديان والفلسفات والادبيات والافكار والمشروعات في العالم شرقا وغربا.. ليردد بضعة نصوص لا يفقه معانيها ولا علاقة لها بأي واقع.. انه يسلّط الضوء بابداعه وكلماته واشعاره على وطنه الذبيح وكأنه يرى فيه أمرأة تتمتع بقوى خارقة تعينها على قراءة المستقبل، ولكنها أمرأة مقّيدة من مئات السنين بقيود ثقيلة من حديد تشقى بها ! انه يرى ان من الاهمية بمكان كشف ملابسات وقائع واحداث مهمة تورط فيها العراقيون منذ القدم، وما زالوا يتعّلقون بأهدابها، فتضيع عليهم فرص الحياة والجمال.



كلمة في شعره
ونتساءل: هل ثمة متغيرات في ذهنية مثل هذا المثقف الجرئ المبدع ابان صعلكته او عند استقراره؟ وقبل أن أجده وقد هجع قليلا عما كان يفعله كما يخبرنا هو نفسه باعترافاته عن تاريخه المتقّلب وخصوصا في (تربيته) التي ضمنها كتابه المثير وهو اشبه باعترافات مكشوفة عن ادق الخصوصيات.. انني اراه مجتهدا وبالغ الحس في كل قصيدة من قصائده التي يوهم الاخرين بما فيها.. وسواء كتب الجنابي قصائده ام ترجمها، فانه يرسم اجزاء من صورة غير متكاملة وعن واقع ملئ بالتناقضات المريبة، وهو من ادق الناس باستخدام اللغة لغته مرهفة كأنها مجرد ومضات سريعة في ليل بهيم، وقلما نجد من يمهر في ذلك عربيا. انه شاعر فنان ويحس بالاشياء ووقع الاصوات والاجراس ونداءات الطبيعة الخفية. انه يعقد مع الطبيعة اكثر من صفقة ليرتوي منها طويلا.

انه ليس كالآخرين، لأنه لا يعرف الزيف أبدا.. ما يؤمن به يصّرح عنه، وما يكمن في قلبه يطلقه بقوة على لسانه ويعرضه مكشوفا على الناس بلا رتوش ابدا، وكأنني امام تشيكوف في صراحته وجان جينييه في مكاشفاته.. لذا، فانني لا أفكر في لغته ولا في خداع كلماته كالذي افعله وأنا اقرأ الاخرين.. انه ليس مثل صاحبنا نزار قباني يصّور للاخرين نفسه بلغة خادعة كلها مفاتن نفسه التي يجعل منها ينبوعا للاخرين وشجرة كروم تتلبس بالعناقيد.. والحقيقة غير ذلك، فقد كان نزار بخيلا جدا ولا يمكن تخّيل بخله ! ان الجنابي لا يعرف المراوغة ولا دواعي الكذب. وعلى الرغم من قلّة النقاد الذين تعمّقوا في مكنون بحره، الا انهم لم يكتشفوا من يكون!



خصوماته ومشكلاته
ان خصوماته مع بعض الشعراء العرب تقع في هذا الباب، اذ ليس بمقدورهم تحمّل طروحاته القوية، وهو يكشف عن خفايا تزويراتهم وخداعهم ليس الاخرين، بل خداع حتى انفسهم. وفي هذا الصدد، يبدو الاكثر اثارة الى حد الان ضد كل من ادونيس ومحمود درويش وغيرهما. وليس غريبا أن ينشر الجنابي في العدد الثاني من "الرغبة الإباحية" (1974) ترجمة لمقالة الشاعر السوريالي بنجاما بيريه "مثلبة الشعراء" التي جاء فيها: "الشعر، بالنسبة إليهم، لا يعدو أن يكون ترف الغني ارستقراطيا أو صيرفيا، وإذا أراد أن يكون (مفيدا) للجماهير، عليه أن يخضع إلى قدر الفنون (المطبقة) فنون (الزخرفة) الفنون (المنزلية)..إلخ. بيد أنهم يشعرون بالغريزة، إن الشعر هو نقطة ارتكاز التي كان ينشدها أرخميدس، ويخشون أن العالم إذا رفع سوف يسقط على رؤوسهم. وهذا يفسر طموحهم إلى تحقيره، إلى تجريده من كل فاعلية، من كل قيمة عظيمة، لإعطائه دورا مؤاسيا، نفاقا هو دور الراهبة. على أنه لاينبغي للشاعر أن يغذي عند الآخرين رجاء وهميا؛ إنسانيا كان أو سماويا، ولا أن يعجز الأذهان بحقنها بثقة غير محدودة في أب أو قائد يصبح كلُ نقد يوجه إليه تدنيسا، بل بالعكس، عليه أن يتكلم الكلام المدنّس دوما والسباب المستمر".

كما ان الجنابي يكره الشعراء الدجالين والمشعوذين والمطبلين والمزمرين الذين يقتاتون على المكرمات.. اذ انه آخر من يتاجر بكلماته ومواقفه. قال لي يوما: ان ناشري كتبه ودواوينه يأكلونه اكلا ! قد يفرض بفرض المنطق، ولكنه لا يقتنع بزيف المواقف.. وهذا ما اسماه بخطاب الغياب عن الواقع في معرض انتقاده الشرس تلك العلاقة المتوترة بين شعراء العربية بتصويرهم الواقع تصويرا مزيفا وبليدا يضحكون فيه على الناس. انه يبدو من مظهرهم الخارجي وافتتانهم بالحد الادنى من الشهرة والمواصفات العقيمة.. وبخاصة في استخدامهم اللغة استخداما غير طبيعي، اذ يبحثون على الاشكال الجميلة فيها من دون ان ينتجوا معنى له روعته ! وتراهم جميعا وقلوبهم شتى، فهذا يكّرس طائفته من وراء ستار، وذاك يكّرس قضيته ولا يضيره ان احترق العالم، والاخرون يكرسون شوفينية قذرة من وراء حجب، وبعضهم ينحرون العالم من اجل " نص " لا يفكرون فيه، وبعضهم تجده يتعبد في جحور قبيلته بما فيها من رؤوس وبطون وافخاذ واطراف.. الخ من نماذج تحركها الامراض وبقايا التاريخ وترسباته الماضوية العتيقة!



واخيرا: نماذج من شعره وتفكيره !
انني ارى الجنابي شاعرا وناقدا على حد سواء.. لما ابداه من كبر اهتمام بالمنطلقات الفكرية لمن يكتب قبل ان يحّضر كالاخرين ادواته ومحابره وفرشاته واقلامه.. ويستحضر عاطفة مستعارة ولغة شكلية تثير الشهوة وخيالا مريضا يزدحم بالطوباويات والاطنابات المميتة. انه سريع البديهة. ربما لا يتدفق بعطائه كثيرا، فهو ينحت كلامه نحتا ولا يطلقه على عنانه ليكون اسهابا واطنابا عاديا كما عودّنا غيره من الشعراء والنقاد العرب. انه مثقف تجاوز العربية وعبر منذ زمن بعيد الى ضفاف ثقافات اخرى، وبدأ يمضي في اعماقها. اتمنى عليه في المستقبل ان يتبنى مشروعا نقديا او ابداعيا كي يتدارس فيه الشعر العربي ابان القرن العشرين ليتشكّل موقفه عن كل مجايليه العرب ويقدمه باكثر من لغة عالمية.. وأحب أن أختم كلمتي هذه ببعض المقتطفات من كراريسه وكتبه:



***

لأن الشاعر العربي أسير تعثرات تاريخ العرب، فإنه بقي "عقلنة" هامشية في حال نشوب أزمة المجتمع. ففيما يتعلق بالثورة الاجتماعية، كان المجتمع يلجأ إلى الأسطورة عندما تشتد حدّة التناقضات الطبقية، في حين أن الشاعر العربي يلجأ إلى الرمز لاعبا دور عدو الجدل.
الشاعر العربي حالة استمنائية. إنه جندي الرضوخ والتواطؤ. الوهم هو واقعه الوحيد والواقع الحقيقي هو ليس سوى حافز للاستمناء. وكما أنه شاعر هجري؛ ارتداد إلى الخلف، فإنه إدانةٌ لمكانته كشاعر ذي دور في التاريخ. الشاعر العربي يتهاون بالتاريخ بقدر ما التاريخ يهينه ويلفظه. (1975)

***

الثورة آلة قديمة نزيّت دواليبها المسننة، كل مساء، قبل أن ننام

لنستبدل الثورة، هذا المهدي المنتظر، بما تتغذى به حركة التاريخ، أصلا: التمرد. وها إننا نتخلص، بقدر الامكان، من المكبوت ومن عودته التي نضيق بها ذرعا. لقد قالها الجاحظ، عن حق، أن "بتغيّر الزمان يتغيّر الفرض وتتبدل الشريعة"! (1979)


***
اللغة العربية أرض معبدة بروح التجديد بقدر ما هي مغطاة بأعقاب الماضي. ويقينا أن لغة كهذه لابد وأن تشعر في خلاياها بقشعريرة الخوف من الانتفاض؛ من نقد تاريخ استخدامها برمته. ففي كل مرجل من مراجل مكوناتها التعبيرية والنحوية يوجد صمام أمان يمنعها من الانفجار.

الكتابة المحرِّرة والمحرَرة من ثنائية صراعية، تجعل من التمرد الذاتي، في ظروف موت الثورة، لعبا حقيقيا غايته اللاغاية أي الانتعاش بموت الأشياءن الرموز؛ وكل غد يعمل على تنميط الحقيقة. الكتابة ليست إعلانا عن افكار بل هي بيان شعري يمرئ موت هذه الأفكار. (1979)


ما أسوأك أيها العيش! ها أنك تتركنا نتسقّط الحياة، ونحن قابعون في ركن خوفنا منها. (1983)

***
الشعراء الحقيقيون هائمون في خرائب مخطوطاتهم، يشمّرون في غرفة مبهمة، عن ساعد التأمل، فيترملون بغبار البعيد. بهيمتهم لها غطيط يجرس في وضح الكتابة، كأنه خلخال حقيقة. أسفل السلم، هراوات التعتيم تنتظرهم بالمرصاد! (1981)

****
في ذكرى ليو شتراوس: مجتمع سياسته الاضطهاد يفسح، بالضرورة، المجال لظهور تقنية كتابية جديدة تعرف بالـ"كتابة ما بين السطور". أي أن الكاتب الذي يريد إيصال أفكاره المشككة بأفكار السلطة الحاكمة اضطهادا، دون أن يجازف برقبته، عليه أن يقون أن عمرو هو زيد. على أنه، ما بين السطور، يذكّر وعلى نحو دائم، الذين يوجه رسالته إليهم بأن عمرو ليس بزيد. وهكذا يسلل الفكرة المقصودة إلى الداخل. وهو يدرك تمام الادراك أن هناك قراء أذكياء يعرفون كيف يتم لهم اغتصاب هذه المتسللة؛ العارية من كل تواطؤ، ليستولدوها معنى مرادا. عندها ينفتح أفق جديد في مخيلتهم المستعدة لكل طارئ رقابوي يتهدد حياتهم، دون أية وشاية بالكاتب. وها أن ما رمى إليه الكاتب قد أنجز بلا ضجيج إعلامي او مواجهة قد تكون وخيمة العواقب وهذا لايعني ثمة تفضيل كتابة مغلقة على مواجهة مفتوحة. وعندها يبرر سكوت معظم الكتاب على ما يجري وما سيجري في واقع الحياة اليومية، بحجة أنهم كتّاب "ما بين السطور". كلا فالكتابة مواجهة مفتوحة مع الواقع في لحظة تخليها عن ادعائها رصد الواقع. إذ ما يخيف السلطة هو الانفلات وما لا يدخل ضمن تسمية. كما ان الكتابة تذكير بالتمرد في لحظة ممارسة الرقابة عليها، مثلما "الفضيحة تبدأ حين تأتي الشرطة لايقافها" كما يقول كارل كراوس. (1979)

***
حتى لا تموت أميا، اعلمْ:
أن "الملحد أقرب الناس إلى الله" (أدورنو)
أن "القصيدة تبقى جيدة حتى نعرف من كتبها" (كارل كراوس)
أن "المتمرد ليس في حاجة إلى أسلاف" (أندريه بروتون) (1981)

***
كل لغة في هذا العالم لها شعراء – مفاتيح تاريخها الذين خرجوا من محليتها مرتقين ذرى الكونية الحقة فصاروا قوتا شعريا للغات الأخرى. اللغة العربية؟ كان لها في قديم الزمان شعراء – مفاتيح صاروا بفضل الأعاريب اليوم أقفالا تبحث عن مفتاح – قارئ واحد يفكّها من صدأ القرون فيطلقها في هواء المعنى الطلق. كم من معري، من باطن دغلها، يصيح: (افتح يا سمسم أريد أن أخرج!)" (1988)

***

ذات ظهيرة، تضورت جوعا في جادات باريس الرحبة. لم يكن لدي ولا فرنك واحد. لمحت شاعرا فركضت إليه وسألته إن كان في مقدوره اعارتي بضع فرنكات أشتري بها سندويتشة.. ناوشني نسخة من ديوانه الأول وقال: كل. فأكلت! (1982)

***
أنا حلمي!

تركت العربيةُ، مئبر التاريخ، أثرا لا يمحى في ذهن العرب. لقد غلطت كإنسان.

أنى أذهب، أحمل قلما بيدي، فلا تهاجمني الأفكار.

ليس من مجال للإدانة في مجتمع كل أعضائه مدانون!

الخطأ النحوي غالبا ما يكون زفيرا ترتاح له اللغة!

على الشاعر أن يحترق حتى الفجر. كيف لمهمة بسيطة كهذه أن تثبت وجودها!

الشعر صراط غير مستقيم.

الفكرة طمث الدماغ!

الملحدون، في مجهول الشقاء، تتلاعب بهم رياح الإيمان!

القصيدة، بعد سنوات، بعدة دقائق!

مقدار تفاهة الشعراء العرب يكون على مقدار ما في القارئ الذي يتغنون به من اطلاعات تافهة!

الأوضاع العربية الحقيرة هذه، لو أصابتها ذرة تغيير لوقعت أكبر أزمة بطالة في التاريخ! (1979-1989)

***
مرحبا بك أيها العجز المنتشر على صفحة أعماقنا
حاصرا كل الأسئلة في حدقة شاردة الذهن
هكذا كان
وهكذا سيكون
للصحراء أبوابها الموصدة! (1983)

http://www.elaph.com/Web/Webform/Sea...ve=ElaphWriter
"






  رد مع اقتباس
/
قديم 25-02-2012, 11:27 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران

"
الحشرة: قصيدة نثر لإيفان تورغينييف
عبد القادر الجنابي GMT 15:00:00 2007 الجمعة 30 نوفمبر

ترجمها عن الفرنسية عبدالقادر الجنابي



حلمتُ، كنّا عشرين مجتمعين في غرفة كبيرة ذات نوافذ مفتوحة.
كان بيننا نساء، أطفال، شيوخ... كنّا نتحدّثُ في مواضيع عاديّة. لغط كلامي غير مُميّز.
فإذا حشرةٌ جد ضخمة حجمَ خنصرين، داخلةً الغرفة طائرةً يرافقها ضجيج جاف. وبعد أن دارت في الغرفة، حطّت على الحائط.
كانت تشبه ذبابة أو زنبوراً. الجسمُ أسمرُ ووسخ، الأجنحة منبسطة وصلبة من اللون نفسه؛ قوائم كثّة الشَعر ومنفرجة، رأس ضخم مقرّن كرؤوس اليعاسب؛ وهذا الرأس، وكذلك القوائم، كان أحمر حُمرة حادة، بل يمكننا القول دموية.
لم تكف الحشرة الغريبة عن رفع رأسها علواً وسفلاً، عن إدارته يميناً ويساراً، وعن تحريك قوائمها... وفجأة تنفك عن الحائط، تتطاير في الغرفة باعثةً ضجيجاً أشبه بضجيج خشخاشة. بعد ذلك حطت ثانيةَ هذه البهيمة المُقلقة والبغيضة، وهي تتحرّك من جديد من دون أن تترك المكان أبداً.
أثارت في كلّ واحدٍ منّا القرفَ، الخوفَ بل حتّى الرعبَ... ما من أحد سبق له أن رأى شيئاً كهذا. صاح الجميع: "اطردوا الوحش هذا!"، حَرَّكَ الجميع مناديلهم من بعيد. إذ لا أحد كانت له جرأة الاقتراب منها؛ وعندما طارت الحشرة تجاه السقف، تفرّق غريزياً الجميع.
إلاّ واحد من رفقتنا، شابٌ شاحبٌ، لا يزال غضّاً، راقبناه بتعجّب. هزّ كتفيه، وابتسم، لم يستطع إدراك ما حدث لنا، أو السبب الذي جعلنا مضطربين هذا الاضطراب. فهو لم ير حشرة، ولا سمع طقطقة غِمد أجنحتها.
وفجأة، أرتفعَت الحشرة، ويبدو أنّها ثبتت عينيها عليه، وبَرَمت ثم خفّت إلى رأسه فلسعته من جبهته... أطلق الشاب صرخةً واهية، ثم خرّ ميتاً.
وعلى الفور هربت الحشرة المرعبة. عند ذاك إذنْ، عرفنا من كان الزائر.
"

http://www.elaph.com/Web/Webform/Sea...rchive=Culture






  رد مع اقتباس
/
قديم 25-02-2012, 11:30 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران


"
عشرون نثرا وبيان الجملة الجديدة
عبد القادر الجنابي


عشية الكتابة، قالها شاعرٌ ومات
عشرون نثرا





صنعةُ الشِّعْر

مِنْ ضلع الأفعال تنبجسُ الأسماء، ومن عين الأسماء تتسامى الأفعال درجةً في سلّم الخلق: "فليكن..." وها هي ولادةٌ جديدة للكون.
كان المبنى خاليـًا عندما انفتح ثقبٌ صغير يؤدّي إلى دائرة السلّم. إنّها ساعة الغروب. على أنّه في اللحظة التي ارتقيتُ فيها السلّم، بين النائم واليقظان، كان الرجلُ الذي يعيش في الطبقة العليا مع الجنّ والملاك، قد وصل إلى الدرجة الثالثة نزولاً، بينما رجلي اليمنى بلغت الدرجة الرابعة صعودًا. لكن كلّما تمر ثانية، أشعر بأن الدَرَجات تأخذ بالازدياد. وكلّما يُسرى بي، أسمع صوتاً يفيد أنّ ربَّ البيت سيرسلُ دابّةً يُقالُ لها البُراق، دون البغل وفوق الحمار، يصعد بي إلى سِدرة المبنى. كان مجموع درجات السلّم ستّ عشرة درجة. أنّى ينزل أصعد، أنّى أصعد ينزل: مباراة في القدرة على بلوغ الغاية، وما إن بلغت، حتى تراءت الدَرَجات كأنّها زحافات يجهش إليها الإيقاع، طفق الرجل يتوقّد فيتأجّج وكاد يُشطّر بَعضُه عن بَعض من أجل نزلةٍ أخرى؛ فاصلة مشدودة إلى وتِد بعيد يمكّنه من الثبات. غير أنّ علّة جعلته يتهاوى كتلةَ نورٍ ترتطم بأسفل السلّم فتتشظّى إلى شُعل صغيرة سرعان ما يكتنفها رجالُ الأرصاد الطالعون من حوائط المبنى.



الشكل والمضمون

حتّى الآن كان اللّيل جذرا يمتد في العوالم الأرضيّة، يغشى البحر والجبال. يمشي فوق الكون متثأْللا بالنجوم، وما سيكون كائنٌ، في جبته، أصلا. الليل، عالم الما وراء، تتناغم في هيولاه الأضداد... كان، وحتى الآن، قبرا مفتوحا تخرج منه الأرواح مثلما تخرج النار من فم التنين. يلعب في العين البصيرة، ينام مع السجناء عندما ينام النور في بياض الأرض، حارسا البئر الذي أُلقيت فيها الحقيقة. من فجر الزمن إلى منتهى الدهر، أمام الليل المطلق ينحني الظلام... الليل كان على وشك الحلول... حتى الآنَ المجدُ فيه.



بين السطور، يسفك الشاعرُ دمَ شيطانه

الدّم، وفقا سائل أحمر يجري في الأوردة والشرايين وينقلُ العناصر المغذية والنفايات المختلفة لجميع خلايا الجسم، تنقله الشرايينُ إلى مختلف أجزاء الجسم وتعيدهُ الأوردة إلى القلب الذي يقذفُ به الى الرئتين. القصيدة جزء من جسم الشاعر: لها حصتها في كل ما يتلقى هذا الجسم من دم.



ديدان

عشرات من الديدان تنخر في النص، تأكل حروفَ الجر، الأسماءَ، الأفعال. عشرات من الديدان تنبثق من كلّ زوايا شاشة الكومبيوتر، تنخر الناصبَ والمنصوب، الاسم والمصدرَ وشواذ الإدغام، تنخرُ في الجامد والمشتق. المجرد الثلاثي، الرباعي والمزيد من ديدان ننتجها في جملة النخر الدائر طوال كينونة لا يدركها إلا هذا الليل البهيم يؤول إليه مصيرُنا حيث لا بسملة ولا حوقلة، إنما نخرٌ على الدوام في قرائح المصير.



حياة

في ساعة لا شكل لها، يترامى نبأُ موته وكأنه يريد مرّة أخرى أن يدعك الحُجُرات بشمس الأرق؛ يترنّحَ بين القلم والكأسِ؛ يحرثَ التسكّعَ في يوم النّاس... كَمَن يختصر سنوات الخمر الضوئية مخالبَ ينشبها في جلد الحياة... كَمَن يترامى من شواهق العصيان ليستقر بين مآبر الأطباء سيان عنده الذاكرة والنسيان!
هكذا مات علي بن عاشور* تاركا كلَّ شيء يزفرُ في ظلمة خضراء.

* توفي علي بن عاشور في الثاني والعشرين من شباط 1997. وبعد أن بقيت جثته في معرض الجثث أكثر من أسبوعين دون أن يطالب بها أحد ليجعلها تستقر بين أنامل التراب، برزت وصيةٌ تفيد أنّه نذر جثتَه إلى مدرسة الطب التونسي للاستفادة منها في عمليات التشريح. النثر هذا كتب يومين بعد وفات



ارتفاع

غارق في غمر الغيوم وكأن فكرة تدعوني إلى السفر. أتذكر بودلير. ثمة نوافذ تُفتح، يتسرب منها ضوء ملوّن. الطير يمرق في السماء، أراه منعكسا على زجاج النافذة. أدير ظهري، أرى شيئا لا أفهمه. فتيل الطائرة يشوّه الإيقاع. كل غيمة تنقشع إلى أخرى. كل غيمة تأكل أخرى. كل مداخن النظر تمركزت في كبد الفضاء. ساعات أقضيها في الشرفة، متطلعا إلى كتل الغيم. الشكل يتصاعد، يهبط، يختفي سحابا في قرار الأبد، رمادا في قبة الفكر الزرقاء. كم أنظر إلى هذي القمم حيث يَتَوطْوَطُ العالم على مدى البصر، يَنهَدَ إلى قبب الظلمات.



إشراق

لا أحد يعرف ما هي المرآة سوى "شخصان" الذي طالما يُصامتها عند الغسق، شاخصَ البصر. فشخصانُ هذا مثبورٌ بصورته ككل الشعراء الهائمين في واد من الظنّ بصورة جميلة... على أنّه عارفٌ، منذ نعومة أنظاره، أنّ وجههُ لن يُرى إلاّ معكوساً على جسمٍ صقيل لذا قرر اليوم أن ينفرد والمرآة. راح يُحاكيها عيناً ومعيوناً، ينفث فيها حتّى الدخول إلى جوفها: نورٌ أنّى يَرى، تتخايلُ فيه آلاف الصور المخزونة، يستحي بعضها من الآخر، تروح وتجيء موجاً بلا شاطئ. طفق يجمعها في قنان وكأنها هوامٌ مصيرها التلاشي في جسم النور. غير أنّ صورةً انزلقت من بين أصابعه إلى هَويّة المرآة، لم يستطع الإمساك بها. إذ أنغلق عليه الانعكاس. أخذ ينطّ برأسه إلى الشرخ مُردداً: إنّها صورتي. إنّها صورتي. اختلط عليه الرديد. شَعر أنّ بريقاً يجرفهُ إلى الجهة الأخرى، ينأى به إلى صورة تَوَهّمها... إذا هي خيالٌ يرتسمُ فيه شخصان تتقاذفهما الشظايا في قصدير البياض كأنّهما كوكبٌ في مجداف.



فاتورة

في المطعم، ذات مساء، يطلب الزبائن طعاما لا يشتهونه بالضرورة. المرأة التي تجلسُ زهائي، غرق تفكيرُها في لائحة الطعام. لم ينتبه الخادم إلى ما قد طلبته. نظرته كانت تزوغ في القرار. جاءها بفخذِ دجاجة مشوية، قدحٍ من النبيذ، ملعقةٍ وشوكةٍ من الذكريات.



الكتابة مطلقا

إلى رؤوبين سنير


الفجرُ واقفٌ فوق الجبل.
أشبه بدجاجةٍ، ينتفشُ ريشُ الليل والبُومة تفتحُ عينيها.

لن ينتظرنا أحدٌ. فنحن كالشيوخ الحكماء شاخصو البصر في قرى الجواب إلى نجم سُرعان ما يغيب. نتحدث إلى أنفسنا بذهن صاف. لبياض أعيننا صرخةٌ عشواء ضد بياض الأرض. الغدُ يطرقُ مسامعنا متهدّلاً وكأنّه لسانٌ جسيم يخرج من حلق الأفق.

لا أحد سوانا. النافذة مُلطّخة بالغبش. من محلول المشابهة ظلٌّ يسهر للحراسة.

نُساري أبراجا بعيدة ً تتعاقبُ بانتظام، ننهش في جسد الظلام حتى يداهمنا مطرٌ شديد ما يجعل الصمتَ يحمل مظلّته ويمضي إلى شقة القول. وفجأة ينشقُّ القمرُ، فتشرب السماءُ من ماء كلِّ ما أسودّ باصقةً إيّاه في مجاري الكلام



"بيت الكائن"

إلى صديقي الشاعر الإسرائيلي امير اور

وحيدٌ في السهل، قرميديُّ اللون. مُسيَّج بملتويات الحواس، الضباب والظلال المائلة عند مدرج الألفاظ. غرفه متلاصقة واحدة بالأخرى. تسيرُ الأفكارُ وحائطه، تتجاسد وإيّاه بسخامها الحلمي في صالة الاعجاز. كم هو غريبٌ غناءُ الداخل! هذه المنائرُ، الجوهرُ، وهذا الطائر.
ثابتٌ كالذكرى. وحيدٌ في السهل يُضيئه النّجمُ الصامتُ وعيناه تحدّقان في كل بهائم الأرض.



فلسفة البؤس

في كلِّ نهار، ظلٌّ من الليل ينظر إلى الأسود بعين ملؤها الحسد.



مشاعر مختلطة

باكرا، أنهض من الفراش. أدخل الحمّام. أفطر. أتّزِرُ أمام المرأة. هذيانٌ ينطبعُ على مائها، يستوقفُ نظري: الشارع الذي أقطعه كلّ يوم، الكتاب الذي لم أنته منه، المطبخ، السجادة، أنا، الباب، كلُّ هذا سيُجبَل من جديد. وإذا في مُستَل الاشاباه، أعثر على توازني.





الآلهة السبعة
For Elesheva Greenbaum

من ضلع الشّجر الأخضر، أُقتُطِعَ الأوّل في ليلٍ مشظّى بالنجوم. ذا هو يشدُّ بعنف شَعرَ الثاني المتهدّل من سماء الصورة، بينما الثالثُ تذرفُ من الرَّهْز عيناهُ، والرابعُ يحتلمُ في الأرض الرّطبة حيث يَفضُّ القمرُ أغلاقَ الشمس، ينحلُّ في المياه النشوانية، والخامسُ يُحرَقُ بتهمة الزّندقة.
السادسُ جَرحته المفاجأةُ وظلَّ حيّاً.
السابع مِكْسالٌ قطعَ يد البحر وطار مع الغريبة.





الأفق شعرة

في ذكرى يوسف الخال

أمّا الشاعرُ المولعُ بالصّور والتعاويذ، فإنّ مناماً يبهره إلى الكتاب. لحظةٌ بيضاءُ تشرقُ فيه. تَتنفّسُ سطورَ اليد وتقاطيعَ الدماغ. وها هو الضبابُ آخذٌ بالانقشاع تحت أشعة الشاعر المتوهجة في في مسالك النّور حيث آثار لا براهين.
ما أنفذ حَرفَه إلى قلب المتلقّي، وخيالُهُ - منعكسا في ماء النّسوة اللواتي حملن ثلج الشيء إلى حنايا الجبال - سهوبٌ من النّسلِ.
ذي هي النبوءةُ تفيضُ مفلولة الحرف.


فكلُّ قصيدة ضمير.
وكلُّ ضمير جيل.



نقد الذات

رجلٌ تطير العصافير من معدته، صوب عينيه، تخترق بؤبؤه، تحلق في بياضه. من فُوهة مثبّتة في دماغه، تنطلق رصاصةٌ: الطيور تسقط في الهاوية، والرجل يجد نفسه عاريا أمام ماضيه.



ما هذا شعرا

إنّا نكتب.
إنّا نكتب لكي نموت، فيما بعد، مرّات عديدة.

إنّا نحيا.
إنّا نحيا من أجل شاهدة ضوئية.

إنّا نقرأُ.
إنّا نقرأُ حتى تكون الريحُ في مهبنا.

ليلا، الذاكرة تتدفقُ والموتُ يبتسمُ.
ليلا، الشيء في ذاته.



نثر استطلاعي

سار على وجهه. كان هواء القرية يصْفُر بينما عين تترصده. عين جد كبيرة - ومع هذا لا تراها العين المجردة - كانت تتجسس أي اسم مر في ملف أو كتاب. كان يريد أن يتعلم الأبجدية، لكنه يقضي أوقاته استكشاف ما لا يعلم. سار على وجهه تخفِضُهُ غيمةٌ وترفعه نجمةٌ حتى اخترق تيك العين ونام في بياضها. فكان له في الصباح اسم وتاريخ وقضية.



القطيعة

في حجرة لا باب لها، كان رجل، ربطة في عنقه، يبحث عن ماضيه الثقافي في ديار المخطوطات. وفي زاوية قائمة بين الأطلال، تذكر أن المفتاح الذي في يديه بلا جدوى. أيموت على حوافي المعلقات مغطى برغوة التأويل، أم يطيش إلى وهج التغيير، تاركا الذباب تتهافت على "نور" أطفأته الأحداث. بضربة واحدة، كسر قفل النوم، وشربَ الأفق بكأس نظرةٍ. غَداة غدٍ، تتعالى ألحان النّاي!



موت

والآن بعد أنْ حلَّ المساءُ، وطفِقت طيور الشارع تأمنُ إلى أعشاشِها، عليّ أن أقعد هنا، وأترسَّمَ الساعةَ وأنا بمَسْمَع من الموسيقى. أخذَ ضجيجُ الآخرين يخفّ شيئاً فشيئاً. الكتابُ مفتوحٌ على صفحةٍ جاء في نهايتها: " كلُّ الأشياء الحيّة، الشجرةُ، الصحراءُ، ميلادُ الكلمة في القلب، اللمعانُ في الخارج، لها رائحة العدم". نهضتُ لآتي بقلمٍ وورقةٍ. فرأيتُ ما كنتُ أحسبه جملاً مفيدة، أطيافاً تحملُني إلى السفح الثاني من الحياة؛ إلى زرّ كان يكفي أنْ أضغطه فينطفئ الضوء.
حزينةٌ هي الظلال، في حجرة الغياب الطويل. تبحث وحدها في قمامة العتمة عن غبار النجوم.



جُملٌ عارية في برد الإهمال

للعين أسنان: أهدابها.
الآذان تلتقم الكلمات.
قشور ما نسمعه تلفظه آذاننا قيحا.
الرائحة عضو المرأة.
القراءة سرير الذاكرة.
تاريخُكَ في النوم.
الصمت صخب يسترق السمع.
الخير شر متقاعد.
في ذلك الزمان، كان الشرق ظلمة... رأى النور وتاه.
الصحافة رقيق الكلمات الأبيض.
في الغرب الأفكار تتجذّر لكي يقتلعها العرب.
صوت جريان القلم كأنه نحيب فكرة.
الشاطئ صفرُ يدي البحر.
الخوف يبدأ حال أن تزول دواعيه.
التاريخ مؤذن بلا مئذنة.
الاحتراز من الخطأ خوف من فكرة طارقة.
الشيطان يوحّدُ فرقَ المؤمنين.
السراديب بعبع المنائر.
دمعة البدوي نطفة الجمل.
الماضي مولودٌ بلا سبب.
حتى تُشعر، عليك بطبيعة وجدت وزنها.
أن تكون شاعرا، أن تعود إنسانا ذا مسؤولية، يعني أن تتحمل عبءَ الغريب والغامض واللامفهوم.
الوضوح لا يرجو احتضان الحياة.
الشعر صراط غير مستقيم.
متى سيعرف الغمام انّه يحوي المطر؟

***



بيان "الجملة الجديدة"



(قبل 8 أشهر، كان لدينا، الشاعر المغربي جمال بدومة وأنا، مشروع: إصدار مجلة عنوانها "الجملة الجديدة" تُعنى بشفوف النثر الواسعة". وكانت رؤوس الأقلام هذه مدخلا لكتابة بيان – افتتاحية للمجلة. على أنه بسبب انشغالات عديدة وكسلي واضطرار جمال أن يعود إلى المغرب، استراح المشروع جانبا. أنشرها كما هي على أمل أن أعودَ إلى تطويرها نصا كاملا)



فيما وراء الأبواب: تكتشف جلدَكَ كما الليل؛ كما الرعد.



رأيت النثرَ يصغي وشاهدتُه يصرخ في زرقة المجاز المُرسَل. رؤى تأتيه إبان سيله. في الشفوف الواسعة لفضائه، يبني الشاعر خيمته التّبْنيّة.


*

سال حبر كثير تحت جسر النثر: ادخلْ مقهى، شارعا أو ماخورَ شعراء، وترَ النثر ينتابك من جميع جهات. الجملة الجديدة تمنعه من أن يجمحَ بك.


*


لكل حقبة نثرها ليقف أمام كل ما لم يعد كما كان، ليجمع بينها وبين ما تحبل به من أعمال... في لغة يتحرر بها شعراؤها من المعطى وميت التركيب.
نثر يلقي بالماضي كما الأفعى تنزع جلدها، في مثانة خنزير.


*


الجملة الجديدة عكس النثر الشعري، ليس لها فجوات حتى تضطر إلى استخدام زوائد الألفاظ. كما أنّها عدوة الإفراط، كذلك هي وليدة الحذف المطلوب. ظاهرها تجريد وباطنها سرد طويل. تسري ما وراء القاعدة والاستثناء.


*


الجملة الجديدة لغة. وليست أداة لحلب اللغة. أنْ تكتبَ حتى تشتعلَ حواشي المكتوب فيتجلى الجوهر:


ساحة صغيرة
يفترق منها شوارعُ
كل شارع له بنايات
لكل بناية نوافذ وسلم
لكل نافذة زجاج
يعكس شجرة بعيدة
تتساقط منها أوراق على الأرض



*


خذ بهذه النصيحة: اقفل جملتك فالنعت كلب مشرّد يدخل من الباب الخلفي بحثا عن فاعلٍ... مفعولٍ به، عن قصد ينخر فيه. الشاعر يلعب في الشعاع.


*


يا كلَّ الشعراء والناثرين، يا أخواننا في الحبر وليس في الدم... لنسرْ باتجاه نثر يعيد الى الشعر أنثويته.


*


الوزن يتهلل لكل بيت يخطه في الرمال...
النثر في أوجّه: ألسنة سوداء في لهيب المدن.


*


ثمة أشعار جد رديئة: لها فرصة التحول إلى روائع شعرية لو تعاد كتابتها نثرا. صيدليُّ النثر يوقظ شاعرا مغميا بين الأوزان. الوزن شاهد واه في حضرة ما هو حي وضد التيار.


*


النثر يستمد سطوعه من سير الكلمات في دهاليز الإيقاع.


*


للنثر مداه
للشعر وقفته. كل يشبه الآخر متنافرين.


*


كم يجري النهر وكم تشرب الأرض!
الحنفية كما هي!
وحدُها الضفافُ تتجدد.


*


في الجملة الجديدة: "الشعر يقترب مذعورا من مدى نار مخيمك، اذهبْ لمقابلته عند حافة الضوء".



***



السماء ستمطر قبل صياح الديك...



واجهْ قدركَ البعيدْ
لا تسكبْ كلماتكَ في النهر
الصباحُ يطلع من أجلك
كلُّ ساعة بدايةٌ جديدة
كلُّ بناية ملجأٌ جديد
كلُّ شارع طريقٌ آخرَ
إلى هذا الذي كنتَ تبكيه.




الآنَ نافذتُكَ مفتوحةٌ
لسانُكَ طليقٌ
لا ظلَّ للشسوع
لا معنى للخفاء



كلُّ ما تراهُ
ملتئمٌ في حضن النظر.



لا تبكي أحداً ولا أحدَ يبكيك.



وحدُكَ في غرفةٍ
سقفُها قبّةٌ
تتقاطرُ فيها الأشجارُ والأوراقْ
العَرَقُ واللّيل.



هكذا الأسماءُ تولد من الماء
تنتشر في رياض الحجر
في غرف الدماغ.



عبثا إذا
ترسم لنا بلدك!



صلَّ من أجل هذا الشيء الصغير
وترَ العقلَ سمادا لك
وتراثك السماء.



ملاحظة: مع أن معظم هذا النثر منشور في كراريس منذ ثمانينات القرن الماضي، إلا انه تم جمعه ونشر في موقع إيلاف القديم ما بين اوكتوبر ونوفمبر 2003. جنحة نقاد الأدب العرب "الجدد" المجبولة بصدأ الانتحال والتعتيم، أوجبت إعادة نشره... صفعة لهذا الذي يخشى أن يكون المكتوب في متناول الجميع!

http://www.elaph.com/ElaphLibrary/2005/3/47980.htm

"






  رد مع اقتباس
/
قديم 27-02-2012, 10:02 PM رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران



"

عبد القادر الجنابي



انخطافات في ليل ساهر


كل الضيوف رحلوا، أغلقتُ باب الشقة، عائداً إلى غرفة النوم، حيث وجدت زوجتي في ثقلته. كان الوقت متأخراً. منذ وقت طويل لم اقلب طرفي في النجوم. فتحت قنينة الويسكي التي أخفتها عني زوجتي أسابيع، وراء دواوين صفراء، وهي تعرف إني لن اقرأها وبالتالي لن اكتشف القنينة، لذلك قضيت أياماً عديدة لاكتشاف هذه القنينة اللعينة التي ما أسرعت فتحها حتى تمززتها بديئا، ثم طفقت أرتضع أفاويق الكأس اثر الكأس. كانت السماء مرصعة بكل النجوم الفائتة.


سرّحتُ في الجوار نظري مستذكرا أن العوام ينامون في وقت مبكر من اجل أحلام متأخرة. لمحت العجوز(1)، بلى العجوز وكأن عيني أخذتْها. سمعت صوتها المعتاد. سمعته يقع في شارع السماع. كنت منفردا ارتشف العالم على جرعات من النظر، والقنينة على وشك أن تنتهي.


II


Place de Clichy



جالسٌ مقهى جوزيف. إنها الساعة الثانية صباحا. أتحسس نصاً لا استطيع التعبير عنه. عاهرة تدخل المقهى، تضحك بشكل جد فاجر. يصفعها الجرسون، فينهض إفريقي دفاعا عنها، جلده يتصفـّد سائلاً مَـنوياً. تفوح منه رائحة قوية، يلوذها شميمه، فتبتلعهما لجة الالتذاذ الخفية.
وإذا بسيل من أقوال غريبة ضاق عنها وعاء الحافظة، اخذ يتدفق على سطح الدفتر، لكتـّاب كبار من أمثال والاس ستيفنس : " الجهلُ هو أحد مصادر الشعر" / فرانك هربرت: " المال في نظر الكاتب وقتٌ للكتابة " / صاموئيل بيكيت: " الكلمات هذا كل ما نملك" / أودن: "الشعر هو الفن الوحيد الذي لم يتعلم استهلاكه كأي حساء " / اوسكار وايلد : " كل الشعر الرديء يتأتى من مشاعر حقيقية " / أي بي وايت: " كن غامضا بوضوح " / ايفتيشنكو: " على الشعراء، في هذه الأيام، ان يتعلموا الكاراتيه" / سيريل كونولي: " من الأفضل أن تكتب من اجل نفسك ولا يكون لك جمهور، على أن يكون لك جمهور، ولا تكون لك نفس " / جان بول سارتر: " الكلمات مسدسات محشوة " / رينغ لاردنر : " كيف تقدر أن تكتب، وليست لك قدرة على الصراخ " / مارك توين: " ادم هو الإنسان الوحيد الذي كان واثقا- اذ يقول قولاً بديعاً- إن أحدا لم يسبقه إلى ذلك " / أميلي دكنز: " النشر مزاد يُباع فيه عقلُ الإنسان " / جوي وليمز : " إنـّا نكتب حتى نجد معاني الكلمات " / وليم انج : " الأصالة انتحالٌ غيرُ مُكتـَشف"، والكاتب العظيم هو ذالك الذي وعى كلَّ هذا، وليس.




III


منذ ساعات وأنا استهدف نقطة ما معينة وسط هذه الماهيات المتناثرة من شحاذين وسكارى ومسافرين حيارى لا يعرفون الاتجاه. منذ ساعات عديدة وان أحاول ان اعبر، ولو بجملة واحدة قصيرة، عن هذا التعارض الكبير بين الماهية والظاهرة: مَن يقبس مَن؟ فنجان القهوة على الطاولة. السيارات تلتهم إسفلت العالم. المكان اخذ يتوعّر بينما تتحلل صور الليل في سيل الضوء المتدفق من نيون اللافتات. اشعر أن كل شيء في هذا الليل الكبير متوقف على تركيب جديد للفَهم. ساعات تنقضي وأنا أتبصر في ما يبرز لمشهد الحواس من بقايا مملكة النص الوهاجة. المطلق يفصح عن تدرجه الكمي. لكن ليس من تجلٍ مباغت هذه الليلة، فالذهن مزدحم بالرؤى، وكل شيء هادئ على الجانب الآخر من مرآة الإلهام. فضلا عن أن "|الإبداع لا يمكن التنبؤ به"، على حد قول كانط.


IV


سرتُ مسافة، ثم عدت بإدراجي إلى القنطرة الممتدة فوق مقبرة مونمارتر، تحسست أن البشرية بكل عظمائها على مرأى مني، وكأن المقبرة باتت صالة يعرض فيها شريط سينمائي ناطق. فها هو كارون الشيخ الأبيض ذو الشعر العتيق، يرى أول حراس الجحيم، فيعبر بهم النهر، واسمعه يعترض على وجود دانتي: "أنت أيها الإنسان الحي، باعد نفسك عن هؤلاء الموتى.... فيسقط كرجل أخذه النوم". لمقبرة مونمارت منخفضات جميلة، أعشاب برية، وعوسج متشابك... القبور فيها متناثرة على نحو هندسي ساحر تتكسر بين منعطفاتها الظلال خالقة زوايا غبشية اللون وكأن القمر يساعد بضوئه العتمة على تنسيق نفسها ديكورا لعمل مسرحي صامت، الراقدون هم الممثلون والجمهور معا... كم كان لهم ضجيج، أحلام وقرارات، وها هم اليوم سكون مطبق. أنا الآن في منتصف القنطرة، أسفلي هوّة سحيقة ألقيت فيها ضمادة قطنية كانت في جيبي بسبب جرح قديم. راحت الضمادة تتأنى في نزولها متأملة هذا السكون على أمل أن تسقط في مكان يخلدها لا أن يلتقطها في الصباح حارس المقبرة كأية نفاية. لكن..



لا يَعرفُ الموتى

مَصيرَهمْ

ولا يدرونَ أنّهمْ...

قد ماتوا

وأنّ كلّ ما أتوا بهِ

- ما هَمَّ لو مدى زمانٍ يَلْتمعْ -

مصيرهُ الصّفارُ والمَجازُ والغبارُ...

أدلجوا وهمْ لا يعلمونَ

أنّهمْ موتى فقط ْ

في ظلمةٍ لم يَعْهِدوا،

كأَنّهُمْ لم يولدوا:

لا ذكرياتُ،

لا ندَمْ

لا دمعةٌ

لا ومضة ٌ

تريهمْ انجازَ
ما ابتغوا...




V



في هدأه الليل نهار يولول، عوالم تعلو وتندثر. في هدأة الليل، الموتُ يلاعب الحياة التي نحلم. كلُّ شيء يبهرنا إلى هذا الموت الراسي وكأنه خطٌ من خطوط الكف. كل شيء يقذف بنا إلى هذا العالم من أجل ميتة مختارة. امرأة ماتت هذا الصيف بعد سنوات من تعقب زوجها الذي نبذها إلى امرأة أخرى، فوجدت نفسها هائمة بدائرة الفكرة بين جدران الإرادة الضيقة وشوارع التمرد العريضة. أنـْبِئتْ التغييرُ آت. فأخذ الحلم السوريالي يضيئها كل ليلة. لكن هذا الصباح، من بين كل جميلات العالم، خطفها الموت حتى يفجر بها في سويداء الأرض حيث الإبداع وقف في الريح.
لقد ماتت لأن العالم لا يتحمل الأنقياء، إذ لهم، على الدوام، خط بياني لتاريخ مكتوب لا أحد يفلت منه: أشبه بوقع خطى في رواق الحركات والأفكار التي ما أن ننتمي إليها توقاً إلى تغيير مسرى ما، حتى ندرك أن صعود النهر لا يحتاج إلى مجاذيف، وإنما إلى تواطؤ التيار. (باريس 1994)


1- هنا إشارة إلى قصيدة نشرتُها في "القدس العربي" (1 نوفمبر 1990)، هنا نصها:


الله في كلمة



العجوز التي تعيش في الغرفة المقابلة لشقتنا، والتي كثيراً ما كانت تتأمل، في مرآة مشروخة، أحناءَ جمالها المترهل. العجوز هذه.... لا أظنها إلا قد ماتت. منذ ثلاثة أيام وغرفتها في ظلام يثير أسئلة جد متضاربة في أذهان نزلاء البناية التي اسكن. لِمَ هذا الشعور المتشائم بأنّ كلَّ غياب هو موتٌ نهائي؟ العجوز هذه، إما انزوت عن أنظارنا لغرض إبداعي (الم تقل لنا بأنها تنادم الكتابة أياما لكي تتخلص من الصور التي جعلتها ضريرة) وإما ذهبت إلى بلد آخر للاستراحة، للتأمل: رب هواء صحيح يتسرب من نافذة- ذاكرة بعيدة.... إنها عجوز قبل كل شيء. غير أن ليلةً أخرى قد مرت والظلام هو إزاءُهُ؟ "فليكن"، صرح احد النزلاء، "ما دام ليس هناك من معلم يؤكد لنا موت عجوز، الباب مبهم فحسب".

انه على حق: "مبهم فحسب".

إذن،
شيءٌ ما يسري.

---
عبد القادر الجنابي كاتب عراقي مقيم في فرنسا







ولد عبد القادر الجنابي ببغداد في العام 1944، بدأ حياته الأدبية في ذلك الصخب المدوّي للثقافة وهمومها النبيلة في عراق الستينيات عبر ترجماته للشعراء السود من الانكليزية . غادر العراق أوخر كانون الثاني 1970 متوجها الى لندن { فقضى فيها أكثر من سنتين مناضلاً تروتسكياً لكن الشرطية الانكليزية أجبرته على السفر الى باريس في منتصف عام 1972 حيث يقيم حالياً كمواطن عالمي }. أسس في عام 1973 أول مجلة سوريالية عربية { الرغبة الاباحية } وأصدر باسمها عشرات الكراريس . كما أصدر بعدها مجلة { النقطة } ومجلة { فراديس } كما أصدر عدة مجلات باللغتين الفرنسية والانجليزية ، وعدة انطولوجيات بالفرنسية للتعريف بالشعر العربي ، منها " Le Poème arabe moderne لتي ضمت 96 شاعرا منذ بدء الخمسينيات وحتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي . ترجم من الفرنسية الكثير من المختارات الشعرية { الأفعى بلا رأس ولا ذيل } وبعض الدراسات المهمة وأصدر عدداً من المجموعات الشعرية منها { في هواء اللغة الطلق } و { مرح الغربة الشرقية } و { حياة ما بعد الياء } وله سيرة { تربية عبدالقادر الجنابي } دار الجديد 1994 . تمت ترجمتها الى أربع لغات { الفرنسية ، الالمانية ، الاسبانية والكاتالانية }. يحاول من حين الى آخر الكتابة بالانكليزية وله كتابان في هذا المضمار :Stance in the desirt الذي يضم معظم قصائده بالانكليزية و The Nile of Surrealism الذي يحتوي على دراستين : الأولى محاضرة ألقيت في جامعة فانكوفر حول الحركة السوريالية المصرية ، والثانية نقد للسوريالية العالمية المعاصرة . عبد القادر الجنابي شاعر سوريالي بامتياز وهو بشهادة أغلب الذين بحثوا وأرخوا للسوريالية في الأدب العربي . يعتبر الشاعر الأول للسوريالية ومنظرها في أدبنا العربي . { أغلب كتاباته المنشورة التي جمعت لاحقاً في كتابه : معارك من أجل الرغبة الاباحية . تكاد تكون توضيحاً لوظيفة الشعر التخريبية . لكن ثمة خلاصتين لهذه الوظيفة الطالعة من جوهر اللغة } أقدمهما هنا الى القارئ وهما { رسالة الى الشعراء العرب } و { مفاتيح } وهي شهادة تلقي الضوء على رؤيته وتجربته الشعرية . حين مغادرته العراق ووصوله الى لندن انخرط مع الفنانين والأدباء المهمشين في ممارسات احتجاجية ضد الأوضاع السياسية والثقافية ويقول في { تربية عبد القادر الجنابي } : { عليك أن تجازف بكل تقاليدك وأعرافك ، وليس سوى طريقتين : التسول أو السرقة . لكن التسول يحتاج الى أناس لهم قدرة الخنوع واستشفاق الاخرين ، أنا شخص لا تلين قناته لغامز ، ولدت متمرداً . الصراع من أجل البقاء السليم يقتضيني الآن أن أسرق } . ويقول في مكان آخر { في هذه البارات يمكن للمرء أن يخالط الانجليز وعشت معهم في أعلى طوابق بناية مهجورة ، اتخذوها مأوى يحرق فيه كل مساء بخور ذو رائحة طيبة حتى مطلع النهار مشبع بدخان الحشيش وملغوم بحبوب د.أس. ل . والماريجوانا . في باريس باشر للمرة الأولى كتابة الشعر ، فكانت النتيجة محاولات شبه دادائية ضمها كراس صغير في ذكرى مرور 6 سنوات على حرب حزيران : { كيف أعاودك وهذا أثر فأسك } 1973 . وبما أن أيّ نشاط دادائي يفضي بالضرورة الى السوريالية فقد أسس في كانون الأول من العام 1973 مجلة الرغبة الاباحية لسان حال الحركة السوريالية العربية ، ثم توالت من بعدها مجموعة من كراريس التحريض والشعر : { 1- الله يُستَر ولا يَستُر . 2- ثمة موتى يجب قتلهم . 3- مصرع الوضوح . الخ



نشر مجموعته الشعرية الأولى { في هواء اللغة الطلق } بباريس عام 1978 ولعب دوراً أساسياً في فروع الأممية السوريالية عبر مجلاتها ومعارضها من عام 1972 وحتى عام 1986 عندما وجه نقده للسوريالية الى جميع المنتمين الجدد ، لافتاً انتباههم الى انه :



{ ما ان يصبح الابتكار نهجاً تقليدياً ، حتى يتحول ليس فحسب الى مادة مومسة يُحسن ويساء استعمالها ، بل انه أيضاً يعمي بصيرة المرء عن رؤية العنصر الحيّ الكامن في الابتكار ، وهذا يُبتر استمرارية الطبيعة الابداعية والتأويلية المتأصلة في التناول السوريالي للمواد المعطاة . هذا يعني أن العنصر الحيّ نفسه مهما صمد في السوريالية ، فقد تم طمره تحت الأرض منذ زمن بعيد ، ذلك أن الرغبة لاحيائه تحتاج الى شباب متجدد ومتحرر من التمسك الديني بالمبادئ ومستعد للشك حتى في المُثل العليا التي ناضل من أجلها ، أيّ شباب قادر على قتل الأب . له عين لا تزال خام وأكثر افتراساً من آكلي لحوم البشر ، الى حدّ انها تقوى وبلمحة خاطفة على رؤية مسار تاريخ السوريالية بأكمله ، لتقف عند محطة جوهرية لم ينتبه اليها أحد في ذلك التاريخ نفسه . عين بلا ذاكرة تقوى على تحريرنا من أية هالة تحيط بالتراث والأمكنة القديمة ، وإلاّ فاننا أسرى جمال الماضي المزيّف الذي يتخذ شكل بيت عنكبوت ننظر منه في غالب الأحيان الى غد جوّال . ومع ذلك فان الغد يبقى الأمس الأسوأ ، وبالطبع فان الأمر يتطلب انقطاعاً عن لغة التخريب التي كانت لزمن مضى لغة الأحرار ، وهي اليوم كما قال جورج حنين صائباً : ذات مصداقية توازي التأكيد على أظلم الممارسات المجحفة بحق البشرية } . الجنابي شاعر سوريالي متمرد على كل الأشياء الزائفة في الشعر والسياسة والحياة . يكتب قصيدته ويواصل مشروعه الابداعي منذ سنوات طويلة . معرى إلاَّ من اخلاصه لجوهر ووظيفة الشعر ومغامرته السوريالية الفردية وجهوده الكبيرة في خلق عالم وقصيدة تتوسل اللذة الخالصة والخلاص من قبح وظلمة الواقع .



من المعلوم أن النقد العربي المتنطع والمهموم في القضايا الاجتماعية والاكاديمية في العالم العربي والمحاباة المفضوحة لشعراء القطيع والسلطات ، قد أساء مجمل المشروع الشعري السوريالي المغاير للجنابي ، وبسبب الإرث الكبير لتخلف الثقافة والفكر العربي الذي تهيمن عليه وتسيّره الثوابت الدينية والسياسية منذ قرون طويلة . فأن السوريالية لم تترسخ في الثقافة والشعرية العربية . واذا كانت هناك { تنظيرات وتطبيقات للسوريالية ظهرت مشوهة هنا وهناك ، كما هي محاولة أدونيس في كتابه { الصوفية والسوريالية } ، فهي عند الجنابي امتداد حقيقي وعميق لجماعة { الفن والحرية } التي أسسها في النصف الأول من القرن الماضي الشاعر والكاتب المصري جورج حنين الذي تعرف اليه الجنابي في باريس قبل موته في عام 1973 . تقول الباحثة الالمانية سيبيلا كراينيك مؤلفة كتاب { السوريالية في الأدب العربي } * . صدر عن منشورات رايشرت ب 130 صفحة وهو من أهم الدراسات التي تناولت السوريالية في الأدب العربي ممثلة في أحد أبرز شعرائها ومنظريها في المنفى عبد القادر الجنابي : { قدمت جماعة الفن والحرية السوريالية كرفض وتمرد على الواقع العربي القائم آنذاك ، ولم تقدمها كنظرة أدبية فقط وانما وسيلة احتجاج ضد السياسات عبر الأدب والفن . لقد ربط الجنابي في السنوات الأولى لمغادرته العراق بين السوريالية والماركسية ، حيث يكتب في { تربية عبد لقادر الجنابي } : { أن الماركسية كامنة في السوريالية . وأن النضال السياسي لا يختلف عن النضال الشعري } . كان أوضح تعبير لفهم هذا الربط هو جهود الجنابي المحمومة عبر مجلته الأولى { الرغبة الاباحية } التي صدر عددها الأول في عام 1973 . لقد كانت مغامرة الجنابي الفردية جبارة في محاولته تحقيق ما فشلت في تحقيقه جماعة { الفن والحرية } في نقل السوريالية الى الأدب والثقافة العربية .



اذن كان المشروع السوريالي في البداية عند الجنابي اختياراً سياسياً ضد البؤس والقبح في الواقع الثقافي والسياسي العربي ، لكنه بعد نقده الذي وجهه الى المنتمين الجدد للسوريالية وفي نهاية الثمانينيات ، بعد سنوات أنفقها في ترجمة بول تسيلان ، حاول الابتعاد عن تقديم السوريالية كالتزام سياسي ، من دون أن يصمت عن ادانته واحتجاجه وفضحه للسياسات الغبية المتخلفة في العالم العربي ، ومنظوماتها الفكرية والأدبية التي لم تستطع في يوم ما التخلص من أوامر ووصايا السلطات الحاكمة وكلاب صيدها المدربة في أجهزة المخابرات والمؤسسات العسكرية القمعية . كان الاصرار على كتابة قصيدة النثر منذ البداية . يمثل المفهوم السوريالي للكتابة الشعرية عند الجنابي الذي يرفض بعنف كل التقاليد والأساليب والأشكال المتخلفة والراسخة في الشعرية العربية . شعرية الجنابي هي { شعرية الفرد في مقابل الشعرية العربية التي عملت وتعمل على تغييبه دائماً } . اللغة عنده في ازاحتها للأنساق البلاغية وأنماطها القديمة . جارحة ، استفزازية وعنيفة ، لكنها شفيفة كالمرايا وتصعق القارىء عبر اختراقاتها لأنظمة الخطاب والعلامات ، وتبدو الكثير من نصوصه ، وخصوصاً نصوص مجموعته { حياة ما بعد الياء } عبر رؤيتها المتعددة للكينونة وتحولات وصيرورة الطبيعة والعالم . شبيهة بمتاهة تغذيها شمس الصيف وتراجيديا الوقائع الحياتية وتجارب الماضي . وعلى الرغم من تلاعبه الحاذق بالكلمات ونحته لها وجعلها ذات خصوصية واضحة لصيقة بفهمه لوظيفة اللغة الشعرية الجديدة ، فأن الصورة والايماءة والاشارة تجذب القارئ وتحرره من الفهم المنغلق على ذاته وتحرر القوى الشاغرة في ذاكرته ومخيلته .









كتب الجنابي { رسالة الى الشعراء العرب } باسم مجموعة الرغبة الاباحية احتجاجاً على اخلاقية الشعراء العرب بجعل الشعر وسيلة للتكسب ، وعلى انحطاط الشعراء العراقيين خاصة بالتفافهم حول النظام الحاكم في العراق إبان ما سمي في حينه { الجبهة الوطنية والقومية التقدمية } . وزعت هذه الرسالة في باريس على شكل بيان وأرسلت الى جميع الصحف في ديسمبر عام 1974 ، وقد نشرتها مجلة { الحوادث } مبتورة في كانون الثاني عام 1975 .



رسالة مفتوحة الى الشعراء العرب



أيها الشعراء



يبدو أن الخيانة قد أطبقت على أنفاسكم المتقطعة دون أن تقووا على التحرر منها . أين هو الشاعر ؟ بؤرة الكلمات المتقدة مستقبلاً ، معبرة عن مواقفه إزاء أيّ خنق اجتماعي قائم . مواقفه ؟ إن هي إلاّ جذوته الشعرية . عندما يكتب الشاعر ، أي عندما يطلع على لعالم شاعراً مأخوذاً بأحلام عينيه لتدمير بنية الواقع القائم وتحويله الى واقع يطاق العيش فيه ، تتأمل الثورة مملكتها . مملكة الحرية . سمة مستقبل الانسان الرئيسية . إلاّ أن ما نرى فيكم الآن ، كالأمس ، هو شعراء همهم تفادي الثورة ، ويتجسد ذلك بطلوعكم { شعراء } فخورين بقدرتهم على خداع لسلطة وتمويه فهمها لشعرهم عبر التواري وراء أقنعة { الرمزية } أو ما يسمى { الغموض } . هذا في الوقت الذي يتأمل عدو الثورة ، أيّ الأنظمة العربية الحاكمة بلا استثناء . تحييدكم في حال نشوب الصراع .



تجنبوا السقطة لكي لا تتجنبوا الثورة



يقيناً ، اننا ندرك بأن لكل حقبة تاريخية . لكل واقع معطى ، مزبلة . كيف يمكننا تسمية أحدكم شاعراً وهو يشيد ب { انجازات ثورية } مزعومة لنظام قمعي طبقي مكشوف بكل صراحة ؟ أو يعقد صفقة ثقافية { محضة على حد قوله } بحجة تأمين عيشه ؟ يا للوحل . ان خطر السقطة الذي يحيق بشاعرنا اليوم . يتأتى من جهله بقانون التجربة الشعرية المفيد بأن الانتصار الوحيد الذي يحققه الشاعر ، عبر كل هزائمه وانتصاراته . هو أن تكون أعماله شاعداً خالداً على صراحته . يتأتى هذا الخطر من عدم انصياعه لفكره الحقيقي . مختبر مخيلته . من كونه قابعاً في ظلال موازنة الصمت ، بينما الدنيا الآخرة التي هي ليست سوى التاريخ المنعكس في مرآة شعره ، تطالبه بالاختيار .



جسد المستقبل أم جثة الماضي ؟



افتحوا صمّامات مخيلتكم ضد كل ما يعمل النظام القائم على ترسيخه من قيم وأخلاق وأفكار . رفض { معونات } الأنظمة الحاكمة شكل من أشكال الانحياز الفعلي الى معسكر الثورة . اذا تحرينا الأسباب والمعاني التي اعتمدها { النظام العراقي مثلاً } في طبع كراسات ودفع المبالغ الضئيلة لكتّاب أشيع عنهم بما يفضلون تسميته بالالتزام الثوري ، نتحقق انه يعبر عن المرمى الذي ينشد النظام وصوله ، في كل حروبه المجرمة ضد مصالح الطبقات الكادحة ، وهو اسكاتكم . تعطيل الرنين الاجتماعي الذي ينبغي أن تمنحوه لشعركم من خلال ممارسة صريحة لما يطمح اليه هذا الشعر . الطموح ، إن هو إلاّ الثورة الاجتماعية ، نَفس كل شعر . أن ما يرمي اليه النظام في عمليته هذه وحتى في السماح لكم بالنشر في صحفه ، هو استئصال أنفاس معارضتكم لأية خيانة طبقية يقوم بها . حتى لو كانت هذه الخيانة واضحة الى حدّ الصفاقة . وسيؤدي هذا الاستئصال الى تلطيخ شعركم بالوحل . أيها { الشعراء } ، الشعر الذي يسمو على الأوضاع من أجل المعمور ، أهذا هو مصيره : ركام من المزابل ؟ يا لهول القذارة .



الصراحة ليست الشعر المباشر



أن الشعر لهو بهجة المخيلة وهي تتأمل حقوقها متحققة . انه الفعالية المشحونة بالأهواء . فكر الفرد . فمثلما يُذهب الشاعر عنه رجس الدين بتحرير صور الرغبة ، فانه يكافح من دون هوادة الآلهة الشالة الواقفة وقفة العنيد لابقاء الانسان على عبوديته حيال القوى الاجتماعية والالوهية المتضافرة والمكتملة . أن يكون المرء صريحاً ، أي شاعراً . لا يعني بتاتاً انه يمكّن الوعي الزائف أي { الآيديولوجي } من التغلب على رؤياه الشعرية . لا يعني أن يبتدع طموحاته على شكل قصيدة مباشرة – منشوراً سياسياً حيث بؤس الشعر يتجسد . كلا ، انما عليه أن لا يتورع عن اظهار احتقاره وسخطه لكل جرائم النظام الطبقية . هنا يكمن معنى الصراحة . أن يعاقر الشاعر مخيلته ، ولا ينجم عن ذلك أن الشاعر يرغب في جعل الشعر في خدمة عمل سياسي ولو كان ثورياً . لأنه يناضل في كل ميدان . ميدان الشعر بوسائل خاصة بالشعر ، وفي ميدان العمل الاجتماعي دون أن يخلط أبداً ميداني العمل وإلاّ أعاد الالتباس الذي ينبغي تبديده ، ومن ثم يبطل أن يكون شاعراً ، أي ثورياً ‘لى حدّ عبارة شاعر السوريالية بنجاما بيريه . ذلك أن الأزمة الابداعية بقدر ماهي جانب من الأزمة الاجتماعية ، ولا يمكن أن تجد حلاً جذرياً ضمن اطار الوضع السائد مالم ينفجر بركان الثورة الاجتماعية الشاملة ويقصم ظهر هذا الاطار ، فان الشروط الاجتماعية للابداع هي ممارسة استقلاله لشامل بكل حرية . ولهذا السبب يتجنب الابداع على الدوام ، السقوط في شرك التحاور والسباق مع نجوم الثقافة السائدة . متاريس فكر الطبقة الحاكمة ، لأن مهمته ليست انتاج الركام ابريراً على جدارته بالصدارة الثقافية ، بل هي تقويض هذه الثقافة السائدة وتحقيق ذات بحَثّ الخطى الرامية الى خلق عالم أفضل .



لا مجال للاطالة ، أو بالأحرى لا داعي لها



إنّا لا نتورع من التلذذ باظهار احتقارنا الشامل لما تفعلونه من محاولات التذبذب والكذب ليومي الصريح والمساومة مع كل شيء سائد حتى سقوطكم العلني في وحل الماضي . لذا اهيلوا التراب على أدمغتكم المجثثة ولن تكون هذه كلمتنا الأخيرة } .



مفاتيح

{ شهادة }



ثمة قصائد لا يمكن اعادة كتابتها . ثمة قصائد ليست إلاّ ملاحظات أولية . تخطيطات تعود قصائد . ما أن تدوَّن القصيدة على الورق ، حتى يبدأ فعلاً ، الشغل الشعري .



***

كلُّ شاعر هو في طور النمو ، كلُّ قصيدة هي وثيقة بأنه لا يزال ، كلُّ ادعاء بأن ثمت { صيغة نهائية } للقصيدة ، ماهو إلاّ مرآة ينعكس على سطحها بعبع { شعراء بالصدفة } ، شعراء يتغيرون وفق العوام .



***

القصيدة غرفة . بيوت الشعر فيها موجودة وجود الأثاث . من حين لآخر ، لابد ّ من نفض الغبار . اعادة تركيب . رمي مارثَّ منه ثم الاتيان بغرض جديد . القصيدة فعل منتهٍ . علّة وجودها : أن تكتب دوماً ، للمرة الأولى .



***

{ مامن تحسين يُجرى على النص } كما يوضح ادورنو ، يمكن أن يعُتبر قليل الشأن . من بين مائة تعديل قد يبدو كل واحد طفيفاً أو متحذلقاً بحدّ ذاته ، لكنها مجتمعة ، تستطيع أن ترفع النص الى مستوى جديد ؟ على المرء ألاّ يبخل بالشطب . طول النص ليس كثير الأهمية ، والخوف من أن ماهو مكتوب على الورق غير كافٍ لهو خوف طفولي . لا ينبغي اعتبار أيّ شيء جديراً بالبقاء لمجرد أنه هناك ، بعد أن دوَّن . بعدما تبدو عدة جمل وكأنها تنويعات على نفس الفكرة ، فما ذلك إلاّ لأنها محاولات مختلفة للقبض على شيء لم يقيّض للكاتب أن يمسك به تماماً . يفضل عند ذلك اختيار أحسن صيغة والعمل على تطويرها . من مقتضيات تقنية الكتابة ، قدرة العزوف عن الأفكار ، وحتى عن أخصبها أذا ما تطلب البناء ذلك . لأن ثراءها وحيويتها سيعودان بالنفع على أفكار أخرى لا تزال مكبوتة .



***

القصيدة . مهما كانت نوعيتها . وليد تفطمه رغبة التعاشق الحرّ مع الكلمات الناهضة . قضية في مستوى اللغة . لغة في مستوى القضية .



***

الى أيّ مدى تلبي هذه القصيدة أو ذاك النص ، هذا الادعاء ؟ هذا أمر متجه أصلاً الى عُرض التاريخ الذي ليس له في أغلب الأحيان شأن عند ساحل اللحظة .



***

في عالم علمانيته – التي هي سورة من سور المقدس – استنفدت كل شكل ومضمون حديثين . لم يعد الشعر في حاجة الى تحديث . شروط الشعر اليوم هي أن نعي و- بعمق تكاد تنفطر فيه النفس – لا تكمن في مُعاركة العقل ، أو احالة الواقع صوراً سردية تزعم اشاعة نشوة التغيير في روح القارئ . ليس للشعر من رواد وبالتالي من متجاوزين . رجال انشاء يفكرون بأبيات يعشش فيها المبتئسون كأنهم غربان { منفية } تستمد صرختها من ضوء المزابل . { الشعر ضد للأدب فهو يتحكم بالأوهام الواقعية وبأوثان كل نوع . انه لحسن الحظ ، يغذي الالتباس القائم بين لغة الحقيقة ولغة الخلق 1 .

***

ان تحديث أدوات المعرفة وآلات الحدس بالسرعة التي يتم فيها . خلّف الشعر كله في ليل ساهر حيث تفزع الاستعارة الى ومضة التصوير : تملي فكرة المستقبل وهي تشفُّ ، حتى تبدر عنها بواطن المشاريع الوهمية . هذا الطائل الذي يكمن وراء كل نص . الشعر سرّه الانغماس في أمداء التنحي المطلق ، انه تأمل الفرد الذي يغسل اللغة غسلاً في مخدع اليومي . ضد أيّ اسلام في مرآة الطريق المسدود ، حتى تفصح القصيدة عن شهوة العين باختراق المعيون . عن قطب تدور عليه رحى التنوير ، فيتصالح الانسان مع الطبيعة . وهاهو الفعل الشعري اللهٌ 2 اذ يموت . تولد كل الأشياء وكل تلك الشروط التي تريد الشاعر أن يمرّ بسيرورة التطور الشامل الحاصل في حياة الكتابة وبيئة الألفاظ ، الى حدّ أن تلسعه المحنة لسعة لا شفاء منها . تجعل ذاكرته تلبّ بكل ماهو حيّ عنيد ، ويكون لنوعه بدء آخر ، وإلاّ كان كل ما يكتبه مصيره العربنة ، أيّ التكرار المدقع بما قد بلي من صور وأشكال اجترحها الشعر عند حافر الحضارات .



بيانٌ موزونٌ في قصيدة النثر

عبد القادر الجنابي



"شاعرٌ أنتَ والكونُ نثرْ" *





ألمْ تدْرِ أنّ القطيعة َ حانتْ قُبَيـْل الشّروقِ؟ وأنّ الفضاءَ يُريد ضياءً جديدًا، غِنائيّة ً حُرّةً غيرَ خاضعةٍ لرياح ٍ مُقنّنةِ الهبّ... فضاءٌ يريدُ تجاورَ سطرٍ وسطرٍ يرنـّنُ وقعَ الفضاءِ، وضجَّ المدائن ِ، أشباحَ فاتحة للعيون ِ. كفى أن نغيِّرَ سيرورةَ الفكرِ طبق تفاعيلَ محدودةٍ.





تراثٌ يموتُ،
كلامٌ يقومُ:





1





ترابًا

لندفنْ

بُحورَ الخليل ِ:

فلا شعرُنا عادَ يَحدو

ولا نثرُنا عادَ يَروي

حقولَ الحكايهْ

لنَلحَدْ

فراهيدَهمْ

ثَـَمَّ إيقاعُ أنـّى

يكونُ الصُراخُ

مناطَ المصير
يكونُ القصيدُ كفـيّـًا بذاتِهْ.





2





... فأمّا كـُسالى الغناءِ، فشعرهمُ

كالغبارِ يصمّ ُ

فلا بدرَ لليلِ لا للكلامِ حياة

قريضٌ تضيعُ القصائدُ فيهِ

ووحيُ السليقة ْ –

خفيرُ الحواس ِ خؤونٌ

يؤولُ كطبلٍ

إلى راسبٍ في النفـَسْ...
إلى ضَـلـّةٍ لا تـُنيلُ





3





جُزافٌ، نظيرُ التوترْ،

وَجيزُ الكثافة ْ

هوَ الشعرُ في النثر ِ،

هَمسًا يُحاكي الغريبَ:

نعم، للشِفاهِ أُذُنْ

وللأذُنِ عينٌ

وللعينِ إيقاعُ حلمٍ

هو الصوتُ،

نِدّ ُ المدى والصّوامتْ.

وعنـْـقُ التفاعيلِ يـُلوى،

بسرْدِ الدلالة ْ…

تفاعيلُ عنها تريد الخروجَ

قصائدُ تمضي شمالاً كيومٍ جريءٍ

إلى كتلةِ النثـْر ِ حيثُ المعاني

براكينُ

ثـُمّ انسجامُ
تُسَاكِنُ سطرًا فسطرًا.





***





مِنْ ضلع الأفعال تنبجسُ الأسماء، ومن عين الأسماء تتسامى الأفعال درجةً في سلّم الخلق: "فليكن..." وها هي ولادةٌ جديدة للكون.
كان المبنى خاليـًا عندما انفتح ثقبٌ صغير يؤدّي إلى دائرة السلّم. إنّها ساعة الغروب. على أنّه في اللحظة التي ارتقيتُ فيها السلّم، بين النائم واليقظان، كان الرجلُ الذي يعيش في الطبقة العليا مع الجنّ والملاك، قد وصل إلى الدرجة الثالثة نزولاً، بينما رجلي اليمنى بلغت الدرجة الرابعة صعودًا. لكن كلّما تمر ثانية، أشعر بأن الدَرَجات تأخذ بالازدياد. وكلّما يُسرى بي، أسمع صوتاً يفيد أنّ ربَّ البيت سيرسلُ دابّةً يُقالُ لها البُراق، دون البغل وفوق الحمار، يصعد بي إلى سِدرة المبنى. كان مجموع درجات السلّم ستّ عشرة درجة. أنّى ينزل أصعد، أنّى أصعد ينزل: مباراة في القدرة على بلوغ الغاية، وما إن بلغت، حتى تراءت الدَرَجات كأنّها زِحافات يجهش إليها الإيقاع، طفق الرجل يتوقّد فيتأجّج وكاد يُشطّر بَعضُه عن بَعض من أجل نزلةٍ أخرى؛ فاصلة مشدودة إلى وتِد بعيد يمكّنه من الثبات. غير أنّ علّة جعلته يتهاوى كتلةَ نورٍ ترتطم بأسفل السلّم فتتشظّى إلى شُعل صغيرة سرعان ما يكتنفها رجالُ الأرصاد الطالعون من حوائط المبنى.





***



4





أنِلْ ما يجيشُ خلودًا

ذرِ الشِعرَ يُعطي قطيعَ النجوم ِ سماءً

وها أنـّنا نكلأ ُ الوحْيَ - مهوى الصُوَرْ،

نشظّي سديمَ الرؤى

مَرايا يَرى كلـّنا نفسَهُ قد أتاها

شـُعاعٌ

يُضيءُ

لـِسانَ الشّوارع ِ،

كـَونًا وليدًا.

ففي كلّ شعر ٍ بيوت ٌ

نوافذُ فيها

تطلّ على عالم ٍ
لم نعشْهُ!





5





قصائدُ حتـّى تـُنيرَ أعالي الكلام

فليسَ عليها سوى أنْ تعي

أنْ تكونَ.
ولا غيرَ هذا!



*البيت الشعري هذا لصلاح عبدالصبور، مأخوذ من قصيدته "بودلير"، المنشورة في ديوانه "أحلام الفارس القديم"، ضمن الكراسة الثانية "أغنيات تائهة".



بيانات موزونة

عبدالقــــــــادر الجنـــــــابي لصالح قصيدة النثر

1





لكَ إيقاعٌ،

انثره يروم كما يهوى

ميزانُكَ بالكلماتِ كما تَنـزلْ

وَحْيًا أو تفكيرًا.

أنّى يوجدْ كلِمٌ

يوجدْ إيقاعٌ؛ شرْيانُ المعنى.
لكَ تاريخٌ: هوَ نصُّكَ لا شيءٌ آخرْ!



2





في موقفهِ

للشاعرِ ساعتُهُ

حُرَّ الرؤيا يتركْ

قلمهْ

يدنو ممّا يتصارع فيهِ

من أفكارٍ لم تُمسك بعْدُ

إذ يتركها تنمو عفو الخاطرْ...

وإذا يتوالى دفقٌ من صورٍ

لم يعهدْها قَبلُ،

تتكتّلُ شعرًا، أفكارًا،

تتراءى إيقاعًا

ضدّ الإيقاعات المعطاة، يشفُّ بشعرٍ

أيُّ محاولةٍ كي تَخضعهُ لسياقٍ وزنيّ، يُطفأ ْ

يَفـْسَدْ جوهرُهُ:

أمتخّ ُكياني شعرًا، تـَمسخُهُ التفعيلةُ قولاً

هَدهدهُ الرُقباءُ. وإنْ أختارُ التفعيلةْ

إيقاعًا، لنْ أشتفّ مياهَ مظانِي، لن!

ما موجود ٌ من شعرٍ
ليس سوى شبحٍ فوق الورقةْ.



3





لا بحرٌ للشّعرِ

ولا قانونٌ للحلمِ،

ولا منوالٌ يُتبَعْ...

والدّفقِ الآلي إيقاعهُ فقدان الرّابطْ.

للشعرِ مقاديرٌ، حلمٌ، قدرٌ، ذكرى، موتٌ

هو أنتَ: نظيرُكَ ما تكتبْ
مهما تفعلْ.



4





الوقعُ أمامَكَ،

لا في حافظةٍ،

يتموّجُ في نهرِ اليومي

اِرْكبهُ

كي من هوْل الصّوت السائبْ

وخِضَمّ تعاريج الساكنْ
بجديدٍ تأتي



5





الإيقاعُ الآخرْ

الطالعُ من صوت الآني،

والفكرُ يُفكُّ من الحُجُبِ،

فيكون الماضي تلميذَ الحاضر

والإيقاع الإنساني ها يشدو:

ما أزرقَهُ...

أَلليلُ كما لو

أنّ الدّنيا كأسٌ

قطرةُ حبرٍ
قد سقطتْ فيها!

2

لا تنسَ:

صباحٌ آخرَ ينتظرك إيقاعًا لم يُعهدْ

عبدالقادر الجنابي

تذييل للبيان الثاني الموزون

ولكلّ ٍ وقعٌ خاصٌ بهْ (مالارميه)





مرضُ الشّعراءِ سليقـتـُهُمْ

كمْ من رؤيا قـتـلتْ،

ومَضَتْ فيهمْ...

ومَضَتْ!



***





ليس الإيقاعُ تفاعيلاً

فيلوحُ (لمن لا ليلَ لهُ

بنهارٍ ليس نهارًا) تنغيمًا لفراغات:

لا وزنَ سوى المعنى:

إنَّ المعنى وزنٌ.



***





طرْ حيثُ الكشفُ

عنِ المحجوبِ هيَ المُنية ْ

في بحرٍ منسيْ،

حيثُ ينودُ أساسًا كلُّ قصيدٍ

يبدو ليس قصيدًا ممّا تعرفُهُ.



***





للأجساد الكلماتِ تـنهـّدةُ الفـَرَج ِ

إيقاعاتٌ تتوالدُ

من سَيْرِ الحركاتِ:

كذا الإيقاعُ

مُعاشقة ٌ بين الكـَلمات

على رمل الأوراق

وما يتمرّى فيها

من عَرَق ٍ

ولزوجةِ أوْج ٍ مهموس!



***





لامِسْ ما تحتَ الجلدِ

وها بين المُتحرّكِ والساكنْ

شكـلٌ يَنشأ ْ،

يتجَوهَرُ منفردًا

ستظلّ ُ أمينًا لهْ

وأوانَ تـُعاودُ مشربَها الألفاظ ُ

تذوب ثنائـيـّاتٌ فيكَ

تُصيـّرُها أثرًا؛

نجمًا في اليَدْ.



ثالث البيانات الموزونة:

عُمران المعنى

عبدالقادر الجنابي

"القوا بالكتب في النهر، وبالمصابيح في الأزقة، فلي بالسطوح أحسن من هذا كلّه: ارتقاب هبوب العاصفة" (سان جون بيرس)





لو مـَز ّقَ الشعراءُ ما كـتبوا (خَـوىً)

لو أُعْطيَتْ لهمُ

دراهمهمْ وولّوا

تاركين الحبرَ والورقا

لعُميان البَشَرْ.

لو أفصحوا ما في الكتابة

ليس بالكلمات ِ

بل بما يـُلامـِسُنا

لرجّ الذاكرةْ،

مَـسْـك ِ الطريدةِ والصـُوَرْ

لـَـتراءتِ الأبـياتُ عالمًـا

قصائدهُ بشرْ،

ونهارهُ

ليلٌ

وليلهُ

نهارٌ..

عالمًـا

لا أبجديـّة َ لهْ

ولا كـتابَ

سوى يد ٍ ممدودة ٍ

وخطوطـُها خرائط ُ الشعراءِ

أين تصادفوا

فيكونُ بَدءٌ للحَـجَـرْ!

ولكان عالمُنا رَأى

كـَلِـمًـا يمسّه ُ الشُعاع ُ...

وها الأثرْ.

"

تقوس المهدي

http://matarmatar.net/vb/t9800/






  رد مع اقتباس
/
قديم 28-02-2012, 02:14 AM رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
مريم اليوسف
عضوة أكاديمية الفينيق

تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
السعودية
افتراضي رد: ألويزيوس برتران



عبدالقادر الجنابي يسائل نصوص الحداثة العالمية



عابد اسماعيل











لم يبرح الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي عالمه السوريالي، منذ أربعة عقود، مدمناً عزلته بين الكلمات، العارية، المتوحّشة، الصادمة، ومستأنساً بتلك الظلال التي تزيدُ القصيدة الحديثة وحشةً ونأياً وغرابةً. هذه العزلة جعلته ينحازُ إلى شعرية الغرائبي، غير عابئ بانسجام الدالّ مع المدلول، أو الصورة مع المعنى، معلناً حرباً لا هوادة فيها ضدّ المفاهيم الجامدة، المستقرة، وباحثاً في عتمة التقليد عن شرارة الانزياح، هو الشاعر الفوضوي، المثير للجدل، الذي عرف حقاً كيف يتمرّد على عقلانية المنجز والسائد، ويستسلمُ للهذيان بصفته قيمةً جمالية عليا. الجنابي، المتمرّد دائماً، يقيم في التوتّر والانشقاق.

في كتابه الجديد «الأنطولوجيا البيانية»، الصادر في بيروت عن دار الغاوون (2010)، يدأب الجنابي على البحث عن تلك اللحظات الشعرية النادرة، القائمة في جوهرها على الانزياح، المعتاشة أصلاً على الانشقاق، والتي لا يسندُ دلالاتها سوى الهذيان، مقدماً نصوصاً لا تعبأ بالتسلسل الكرونولوجي أو التحقيب الزمني، وخارجة تماماً عن سلطة المدرسة أو التيار أو المذهب. يقدّم الجنابي إضاءات شعرية فريدة، متنقلاً بين تجربة كتابية وأخرى، بمعزل عن الهوية اللّغوية أو القومية أو الثقافية، فنجد جاك كيرواك جنباً إلى جنب مع لوركا وكافكا وأنسي الحاج وجورج تراكل وجويس منصور وعباس بيضون وباول تسيلان وأكتافيو باز، والجنابي نفسه. واللافت في هذه الأنطولوجيا هي أنها، وعلى رغم تشتتها البنيوي الظاهر، أو تشظّيها البنائي، تعكس قدرة الجنابي على الإمساك بخيط دلالي خفي، يربط بين المقدمة التي أسماها «واقيةُ الصواعق»، والخاتمة التي اختار لها عنواناً ماكراً هو «العنوان زمنُ القصيدة». هذا الخيط يعكسُ رؤية الجنابي للقصيدة بصفتها ناراً تحترق بذاتها ولذاتها، ليس بحثاً عن خلاص أو حتّى رؤية استشرافية، بل لكي تعلن عن وجودها كحدث لغوي بحت. هذا الخيط يحتاجه القارئ للسير عبر متاهة نصوص تجريبية عالية، سوريالية النزعة، توزّعت بين الدادائية والمستقبلية والتكعيبية، اشترك في ترجمتها، إضافة إلى الجنابي، شعراء وكتاب من أمثال أنطوان جوكي وسركون بولص وهاتف الجنابي وسلمى خضراء الجيوسي، ورمسيس يونان. وفي اختياراته جميعها ظل الجنابي وفياً لانتمائه السوريالي، ليس بالمعنى الأيديولوجي الضيّق، بل بالمعنى الشعري الرّفيع، منجذباً للغرائبي والصادم.

ويعبّر الجنابي عن هذا الانجذاب في استهلاله الذي يرى بأن الشعر يأتي دوماً من تلقاء نفسه، بعيداً من القسر الأيديولوجي، بصفته «شهقة الإنسان المرصودة»، فالشعرُ، «كلامٌ موجهٌ إلى لا أحد»، ويفتتح الأنطولوجيا بنبذة مقتضبة عن الكاتب رونيه دومال، الذي توفي عام 1944، وهي السنة التي ولد فيها الجنابي. وينوّه الكاتب برواية دومال «الجبل المماثل» التي ظلت غير منتهية، بعد أن نهض الكاتب في منتصف الفصل الخامس ليفتح البابَ لصديق زائر، لكنه لم يستطع العودة إلى المخطوطة لإكمال جملته، بعد أن ألمّ به مرض مفاجئ. ويستخدمُ الجنابي هذه الحادثة الغريبة للإضاءة، لاحقاً، على مفهومه للنص الحديث، بصفته مغامرة محكومة بالنقصان، فالمعنى الذي نصبو إليه ليس سوى سراب أو ذكرى. من هنا يفتتح الجنابي فصله المعنون «الشاعر قتل أنموذجه»، المستلّ من رينيه شار، بقصيدة لوولت ويتمان يختتمها هذا الأخير بقوله: «إننّي أغنّي أغنية الذكرى».

ويختار الجنابي قصائد تتأمل في الشّعر ذاته، فتبدو القصيدة موضوع ذاتها، كما هو الحال مع البرازيلي باتشيكو الذي يصف الأعمال الكاملة للشعراء بـ «التابوت»، وبودلير الذي يرى الشاعر أميراً للغمام، «ساكناً العاصفة، ساخراً من النبال»، وبهرام أوغلو الذي يرى الشعر حاضراً في كلّ شيء، من «صفير الرّيح» إلى «يدي المتحرّكة فوق الصفحة البيضاء»، وجيروم روثنبرغ الذي يرى القصيدة «محاججة مع الموت»، ودي أندراد الذي يطلب من الشاعر أن يخترق خفيةً «ملكوتَ الكلمات». ويسوق الجنابي فيضاً من الشذرات الشعرية التي تعزّز مفهومه للقصيدة كفعل غائي، قائم بذاته، كقول أرشيبالد ماكليش الشهير «لا ينبغي للقصيدة أن تعني وإنّما أن تكون».

ويعقد الجنابي مقارنة ممتعة بين الشذرة و«الأفوريزم»، وهذه الأخيرة تتميّز باقتصاد دلالي شديد، وتشكّل كياناً مستقلاً، على عكس الشذرة التي تُعتبر جزءاً من كلّ أكبر. ويقدّم الجنابي قصيدة أفورزيم من صنعه يستهلّها بقوله: «الشعرُ حبلٌ ننشرُ عليه نفوسَنا المبللة». ومن النصوص التي تستوقف القارئ، في هذا الفصل، قصيدة لتريستان تزارا، ترجمها الجنابي نفسه، تشرح كيفيةَ كتابة قصيدة دادائية: «خذْ جريدة/ خذْ مقصّاً، اخترْ منها مقالاً له الطول الذي تريده لقصيدتك...». وثمة قصيدة أخرى اشترك في تأليفها أندريه بريتون وبول إيلوار بعنوان «ملاحظات في الشعر»، تلخّص إلى حدّ بعيد مذهب السوريالية وتبدأ بالجملة الآتية: «على القصيدة أن تكون اندحاراً لملمكة العقل».

ولا يُخفى أن السمة الغالبة للتجارب الشعرية التي تستهوي الجنابي في كتابه هي تلك التي تتحدّى آليات العقل وتابواته، ويبرز هذا جلياً في حديثه عن الماغوط، أو أنسي الحاج الذي يسوق له الجنابي قصيدة فاتنة تصبّ في جوهر رؤيته للحداثة الشعرية العربية التي تمثل لحظة تمرّد ضد الموروث الموزون والمقفّى: «أنسابُ كالماء بين الصخور/ جلستُ لأنظمَ/ فرأيتُ الأوزان عصافير تبكي في أقفاصها».

ويُجري الجنابي مقارنة نثرية بين عباس بيضون وأمجد ناصر في فصل مستقل أسماه «قراءات تطبيقية»، وبرأي الجنابي فإنّ أهم ما يميز قصيدة النثر الحديثة هي خاصية اللاّغرضية والسّرد، وتمثل تجارب بيضون وناصر وسركون بولص، امتداداً عضوياً لإرهاصات قصيدة النثر التي قدمها شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج والماغوط، كلّ على طريقته. وفي فصل آخر أسماه «شعراء الاستنارة الدنيوية»، يقتبس الجنابي عبارة أطلقها الناقد الألماني والتر بنيامن في وصفه الحداثة الشعرية الأوربية، التي ابتدأت ببيانات أندريه بريتون السوريالية، مقدماً رؤية مختلفة لمفهوم الإشراق، الذي طرحه رامبو، وداعياً إلى التمييز بين هذيان اللاوعي والإلهام الديني الصوفي. وتحت هذه الثيمة، يقدّم الجنابي الشاعر المكسيكي المعاصر خوسيه إيميليو باتشيكو، المولود عام 1939، بصفته نموذجاً للحداثي الطليعي الذي يرى في الكتابة فعلاً أقرب إلى التنسّك أو الزهد، حيث التلقائية هي وحدها الناظم للنص: «كلاّ، ليست يدك/ وإنما الحبرُ هو الذي يكتبُ على غير هدًى/ بضعَ الكلمات هذه». وينتقل الجنابي إلى الشاعر الدادائي كورت شويترز، المتوفى عام 1948، الذي كان أوّل من اجترح مصطلح الشعر الصوتي أو الكونكريتي، يتبعه شاعر دادائي آخر لا يقل غرابة هو البرازيلي أوزفالد دي إندراد، الذي توفي عام 1954، والذي دعا إلى ما أسماه «شعريةٌ آكلةٌ للحوم البشر»، تعبيراً عن رفضه السلطة والدين والمجتمع. وفي نص لإندراد بعنوان «الرجلُ الذي أكلته لقمةً فلقمة»، تجسيدٌ لهذا التمرّد العنيف ضدّ الفلسفة الأخلاقية والوضعية. ومن إندراد، ينتقل الجنابي إلى الشاعرة السوريالية، من أصول مصرية، جويس منصور، المسكونة بالكوابيس، والتي توفيت في باريس، عام 1986. ويشير إلى انتمائها إلى الحركة السوريالية، ومعرفته الشخصية بها، حتى إنها قدمت له إحدى كتبها مذيلاً بإهداء سوريالي يقول: «إلى الجنابي، بسبب كل هذا الرّمل الذي بيننا».

وينتقل الجنابي إلى فرانز كافكا، الذي توفي عام 1924، بعد أن قدّم نفسه رائداً لقصة العبث التي تأخذ شكل الأمثولة، ويفضّل الجنابي أن يرى في مقطوعات كافكا السردية قصائد نثر حقيقية، بسبب ما تتحلّى به من إيجاز وسردية، وما تنطوي عليه، بحسب سوزان برنار، من «توتّر لا يكاد يُطاق، يلخّص الحدث باختصار مكثف إلى حدّ الجنون». ومن كافكا ينتقل الكاتب إلى الشاعرة الأميركية جرترود شتاين التي استهوتها اللغة بذاتها، وكتبت القصيدة المهووسة برسم طبيعة جامدة، ما جعل الجنابي يصف قصائدها بقصائد نثر تكعيبية، قائمة على التجريد الذي يحرّر اللغةَ من سطوة التسمية أو المعنى. ولا ينسى الجنابي في هذا السياق أن يدرج بكائية لوركا الشهيرة من أجل مصارع الثيران إغناثيو ميخيّاس، وفيها يهجر لوركا الترسّبات الرعوية للمرثية الغنائية، ويميطُ اللثام، بحسب الجنابي، عن حقيقة الموت المرّة، قائلاً: «قولوا للقمر أن يأتي/ فلا أريدُ أن أرى دمَ/ إغناثيو على الرّمل».

من أتون تجربته الغنية كشاعر ومترجم وناقد، خبر مختلفَ تيارات الشعر العالمي، على مدى عقود أربعة، يقدّم الجنابي خلاصة مكثفة وغنية لبعض أهمّ النصوص المؤسّسة للحداثة الشعرية العالمية، معلناً انحيازه إلى النص التجريبي الصادم، الذي ينسف الذائقة التقليدية، وآليات التلقّي السلفية.



http://www.iraqiwriters.com/inp/view.asp?ID=2715






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:34 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط