لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: فلسفة الكيمياء (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: امل.. وألم .. (آخر رد :ياسر سالم)       :: علاقة الأدباء والمفكرين والفنانين الفرنسيين بالتحرر الجزائري (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: تكريم (آخر رد :خديجه عبدالله)       :: عاجز (آخر رد :خديجه عبدالله)       :: * مكافأة * (آخر رد :ناظم العربي)       :: موالاة (آخر رد :ناظم العربي)       :: رماد العار / يحيى موطوال (آخر رد :خديجه عبدالله)       :: صِبا....... (آخر رد :خديجه عبدالله)       :: سحر الضياء (آخر رد :علي عبود المناع)       :: رؤى عبثية -3- (آخر رد :خديجة قاسم)       :: متى يضمنا الهوى ويفرح اليقين (آخر رد :محمد ذيب سليمان)       :: نظرات .. من ثقب ذاتي ... (آخر رد :ياسر سالم)       :: حلم العصافير (آخر رد :محمد ذيب سليمان)       :: ندى الحرف (آخر رد :خديجة قاسم)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ▂ ⚜ ▆ ⚜ فينيقكم بكم أكبـر ⚜ ▆ ⚜ ▂ > ⊱ تجليات سردية ⊰

⊱ تجليات سردية ⊰ عوالم مدهشة قد ندخلها من خلال رواية ، متتالية قصصية مسرحية او مقامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-05-2019, 07:15 PM رقم المشاركة : 76
معلومات العضو
طارق المأمون محمد
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
السودان

الصورة الرمزية طارق المأمون محمد

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

طارق المأمون محمد غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

كاد القلق يفترسني إثر معرفتي بما جرى لسعدية من مرض أدخلت على إثره المشفى ، فليس من عادة أهل الجبال المرض و لا دخول المشافي ،إلا في حالات يكون الموت دائما هو الأسبق فيها من الشفاء، و كنت أهرب من لقاء جدتي التي كان يفرحها كل خبر سيء يصيب نعمة و بناتها، وكانت تعلم مدى تعلقي "بسعدية أم جفيل" ككل شباب البادية و أطفالها الذكور ، بل و الكبار كذلك الذين كانوا يتحدثون بذلك سرا حين يخلوا الصديق بصديقه ، فقد سمعت و لم يأتن الخبر من واش عمي "قادم" وهو يحدث أبي "بأن حبس هذه البنت قد حرق حشاه" فرد عليه أبي:
- لقد حرق حشا القرية كلها...
و كم من مرة رأيت و سمعت حاج "المختار" و هو يحدث نفسه بصوت عال وهو مستلق ينظر الى القمر وهو يمرق من بين شظيتي سحاب متنهدا : آه يا "أم جفيل" ما أمسخ القرية بدونك.
و لقد غضبت جدتي كثيرا من و الدي حين وجدها تحدث ابنتها أمي بمصير مظلم مقبل على آل "نعمة" تجره عليهم ابنتها "سعدية" , فنهرها و وبخها و أقسم إن سمعها تتحدث بمثل هذا الحديث ثانية ليقطعن لسانها من جذوره .. و قد أجابته محتجة:
- وما ذنبي أنا إذا كان هذا هو قدرها الذي نسجته لها الإرادة الإلاهية....
قال لها :
- لكن الإرادة الألاهية لم تجعلك متحدثة بلسانها ... الله يعرف ما يريد لا يريد منك أن ترشديه إليه فالزمي الصمت..
فلما جاء المساء كعادتها و هي تحمل لبنها الذي حلبته من عنزاتها لتضعه على نار الأثافي أمام بيتها قالت لي:
- غدا سيسمع أبوك صدق ما أخبرته به ... البنت ذهبت خلاص ..خطفها الأقوى من القوي و هرب بها من المستشفى ...
ثم التفتت إلي :
- قل إثنان ......
قلق الطبيب و توتره أثرا في رباطة جأش الضابط الكبير ، الذي قرر أن يتخذ طريقا أسرع الى الخرطوم من الطريق الذي عبدته الحكومة ... فطريق المواصلات و إن كان آمنا فإنه أطول ، يستغرق سبعة أيام حتى الوصول الى الخرطوم ، غير ذلك فإنه يمر بمدن كثيرة ، بها قوات نظامية أكثر التزاما بالضوابط و اللوائح ، فربما تحتاج الى تدابير إدارية و أذونات مكتوبة ، لتسمح لعربة القائد الرسمية بالمرور .. فاتجه القائد الخبير بالدروب والطرق الى طريق أقصر بكثير ، يمكن أن يوصل الى الخرطوم في يومين ، و إذا زادت المدة فلن تتجاوز الثلاثة أيام ..و لكن الطبيب و القائد كانا مصرين على أن يصلا الى الخرطوم في يوم و ليلة لا أكثر ، فاتفقا على أن يتناوبا القيادة ينام أحدهما ما يكفيه ثم يبدل صاحبه متى ما أحس بالتعب ... والقائد الخبير بالطرق و المدن كعادة كل الضباط الكبار الذين لابد و أنهم مروا بهذه الطرقات مرات ومرات إبان تنقلاتهم العملية ..
استيقظ القائد على صوت تأوهات تصدر من سعدية ، و الطبيب كان من عليه الدور في القيادة ، التفت اليه الطبيب حيث يجلس القائد متكئا بقرب الصبية المريضة يغفو مرة و يصحو مرة ...
- ما بها؟
القائد نظر الى البنت المسجاة على الكرسي راقدة على ظهرها مثنية رجليها حيث لا تتسع العربة لاحتواء امتدادهما ، ثم نظر الى المغذي الوريدي الذي كاد أن يفرغ حمولته في وريد يدها البضة ، و وضع يده على جبينها الذي يتصبب عرقا و تحدث إليها:
- سعدية يا بنت الرجال أتسمعينني ؟
نظرت إليه نظرة لا تعني شيئا سوى الضعف و انعدام القدرة على أي شيء حتى مجرد الإيماء بنعم أو لا ، ثم أغمضت عينيها في غير اكتراث له.
واصل القائد كلامه معها :
- يا بنتي كيف حالك هل أنت بخير...
فتحت عينيها مرة أخرى ، و نظرت إليه ثم أغمضتها مرة أخرى ، أوقف الطبيب العربة و فتح الباب الخلفي حيث سعدية و القائد ، أمسك بمعصمها وقال كمن يتمتم:
- نبضها ضعيف لكنه أحسن من الصباح و حرارتها أدفأ قليلا ..
قال له الضابط بلهفة رزينة:
- هل هي أفضل من ذي قبل؟..
- أظن ذلك... لكنها لا تزال في مرحلة حرجة... أرى أن ننزلها لتستلقي على الأرض قليلا ، و تمدد رجليها فإن الركوب في العربة بطريقتها هذه متعب جدا.
بالفعل أنزلاها حملا الى الأرض الرملية الطرية ، و أرقداها على ظهرها ، و صار الطبيب يحرك لها رجليها ثنيا و مدا ، و يرفع لها يديدها و يحركهما الى الاعلى و اليمين و اليسار , و القائد يحمل المغذي الوريدي بيده ، ثم قام الطبيب بإلصاق المغذي في جدار العربة الخارجي ، في وضع أعلى يسمح له بالتدفق السلس إلى وريدها ، ثم استلقيا بالقرب منها على الرمل الذي لا يكاد يبين لونه من شدة الظلام...
الطبيب الذي تمدد على ظهره فاتحا ما بين رجليه و يديه قال وهو يحرك رجليه ضما و فردا يحركهما ليجري الدم فيهما :
- هل ما قمنا به صحيح ..
سكت القائد كمن ينتظر من الطبيب الاسترسال , ثم أجاب لما لم يجد استرسالا:
- ما قمت به أنا خطأ بمقياس كل شيء إلا الإحساس الذي تملكني تجاهها .. لا يمكن أن نحبس الجمال لا لشيء إلا لأنه أفصح في الإبانة عن نفسه ... لا يمكن أن أكون أداة قتل للإحساس ... لكنك لم تقم بشيء يدينك ما قمت به هو عين الصواب لم يكن لك أن تترك مريضا يموت و أنت من أقسمت على ذلك ..
ضحك الطبيب ثم اطلف آهة طويلة و قال:
- لم يحركني من عيادتي واجب ولا مسؤولية إنما حركني إحساس كإحساسك تجاه هذه المخلوقة الجميلة ، لقد أحسست أنها ليست من عالمنا الذي نعيشه ، لقد جاءني إحساس رحمة تجاهها فقدتها منذ أن أمسكت يدي المبضع و أعملت في أجساد البشر الذين يرقدون أمامي كالآلات الميتة التي لا تحس و لا تشعر ، لقد أخرجني إحساس بالإمتنان لها أن أعادتني الى آدميتي و بشريتي ، لأول مرة تؤلمني آهة مريض و تسحقني نظرة رجائه منذ عشرين عاما....
- أتعرف يا دكتور منذ أن أرسلت في طلبها ذلك العسكري و أنا أتهيب لحظة قدومها ، حتى إذا حضرت و دخل العسكري يخبرني بقدومها وددت أن أخرج من باب خلفي لا أراها ولا تراني ..
ثم ضحك ضحك حزينة...و أكمل:
- لقد وقعت في غرامها من قبل أن أراها ... أخجل منها كلما تذكرت ماضي التليد في طراد المجرمين و إنفاذ القانون ....
ثم أخذ الأثنان نفسا عميقا قبل أن يقول الضابط المغرم لصاحبه المتيم ....
- ما الذي جعل تلك النجمة تكون من على يسارنا ؟... ألم أقل لك لا تدع النجمة تفلت منك فإنها شديدة المراوغة في هذه الكثبان الملتوية..
نهض الطبيب و هو ينظر الى النجمة المقصودة .. زاد الضابط الخبير بالاستهداء بالنجوم :
- قبل كم من الزمن فارقت عينك نورها ؟
- لا أدري لكن ليس قبل وقت طويل ربما ساعتين أو أقل قليلا منذ آخر مرة انتبهت اليها..
- لا تقلق لا أظن أننا ابتعدنا كثيرا لقد رجعنا قليلا
لم تغن تحركات الضابط في معرفة موقعهم ولا حثه للتراب مستطلعا اتجاه الريح الذي كان ساكنا لا يمكن معرفة اتجاهه في هذا الظلام الكثيف ولا صياحه المستجدي عسى أن يلحق بهم من يسمع صياحهم ، لكنهما قررا أن يرجعا مستهديان بأثر عجلات العربة على الأرض فحملا البنت المريضة و أدخلاها الى العربة و استلم القائد دفة القيادة ، و تحركت العربة مديرة إطاراتها الى اليمين الأقصى بغرض استكمال الدورة الى الخلف ، و لكن العربة تحركت ببطأ من أثر الرمل الذي بدأ يجذبها الى الأسفل معيقا حركتها قليلا .. وبخبرة القائد المتمرس استطاع أن يخرجها من وحلها الذي كادت أن تغوص فيه بعد أن استعدل اتجاه الإطارات الى الأمام و دار دورة واسعة ليصل الى الخلف الذي عناه .... ولكنه فقد اتجاه إطاراته السابق فلم يعثر عليه الا بعد مدة من البحث الحذر فلما أن وجده سار محاذيا له ، لتقوده حركته الى الموقع الذي تحركوا منه قبل قليل فعرف أنه يسير في دائرة مغلقة ، فعكس اتجاه دورانه هذه المرة و وجد الإطارات كذلك ، و صار يتحرك ببطأ في اتجاهها بعد أن أكد مساره بالنجمة التي جعلها من على يمينه ثم تحرك لا يلوي على شيء ....
مرت العربة ببعض بيوت معزولة مبنية من الطين لا تكاد تتبينها عن رمل الأرض لولا ارتطام ضوء العربة بحوائطها الخارجية و ظهور ضوء الفوانيس باهتا من داخلها فنزل القائد طارقا أحد أبوابها مستفهما عن موقعه سائلا أين الإتجاه الى الخرطوم فقال الرجل الذي سألوه مستغربا:
- خرطوم ؟؟ أي خرطوم لا يوجد طريق يؤدي الى الخرطوم يمر من هنا...لكن انظرا الى تلك النجمة المضيئة ، ضعاها بين عينيكما تمام لا تفارقاها أبدا لا يمنة و لا يسرة ، ستدخلكم الى قرية سيدلونكم على طريق يوصلكم الى الخرطوم ستصلونها عند الفجر ، و الخرطوم مسيرة ضحوة منها ..
العربة لم تكن بحاجة الى شيء لتستكمل مسيرتها غير عزيمة قائدها الذي أيقظته المسؤولية ، و خاف أن يحدث للبنت مكروه يؤذيها ، وهو الذي هرب بها لينقذها من مرض يمكن أن يهلكها ، لكنه طلب من صاحب الدار أن يستضيفهم الى الصبح لأن البنت المريضة ربما تكون بحاجة لبعض راحة من وعثاء الطريق غير المعبد ، فنزلوا عند صاحب البيت الذي وقفوا عنده بعد ترحيب من صاحبه .. الذي دخل و جاء يزوجته و بناته ليحملن البنت المريضة الى الداخل و يقمن بالعناية بها الى الصبح .. أليس الصبح بقريب؟
الرجل الذي نزلا عنده قال له:
- أأنت القائد الذي هرب بالبنت ؟؟
صعق القائد من السؤال و نظر الى الطبيب لكن الرجل بادرهما :
- لا تخافا أنتما في أمان لقد توقعت أن تكونا مررتما من هنا ولكني يأست من ذلك بعد أن تأخرالوقت و قد جلست في قارعة الطريق انتظر قدومكم ...
سأله الضابط :
- كيف عرفت بنا و مجيئنا من هذا الطريق...
- لقد عممت إشارة "برقية" الى قيادة الجيش في كل مكان بأن قائد الشرطة خرج بسجينة و معه الطبيب ولم يصل الى السجن ولا الى مكتبه ولا الى بيته ، طالبة التعامل بمسؤولية و البحث عنهم خوفا من أن يكون مكروها أصابهم ، ..و أنا أعمل في مكتب القائد و أنا من سلمه الرسالة .. فعلمت أنك قصدت بها الخرطوم و أنك لن تسلك طريق المواصلات الأبعد المحروس و لكنك ستأتي من هنا فهذا طريق أقرب لا يعلمه الا من خدم في الشرطة أو الجيش طويلا مثلك..
أعد الرجل لضيفيه سريرين منسوجين بالحبال ، و جلب لهما جلبابين يغيران بها ملابس السفر المتسخة التي أعطاها لنسائه لكي يغسلنها في ليلتهما هذه ، فإن الركب مسافر صباحا ، كما جلب لهما ماء في أبريق يستخدمانه إذا ما عنيا قضاء حاجتهما ، أو أرادا الوضوء للصلاة ...و ما لبث أن جاءهما بصحن كبير به عصيدة دخن أعدت سريعا ، ممروقة بلبن يتلوى بخاره على ضوء السراج.
وما أن بدءا في الأكل حتى سمعوا صوت عربة بالخارج تلاها صوت طرق على الباب و صوت ينادي:
- "الرحيمة" "الرحيمة "..
خرج صاحب البيت وهو يلبي صائحا :
- مرحب مرحب ....
ثم دخل "الرحيمة" ومعه ضابط شرطة يحمل رتبة نقيب ، فلما وقفا أمام الرجلين القائد و الطبيب اتخذ النقيب الزائر وقفة عسكرية ألقى التحية العسكرية بعدها محييا الضابط ضاربا الأرض بقدمه ضربة توحي بحجم الإحترام الذي يكنه الضابط الصغير للضابط الكبير.... قام القائد من سريره الذي اضجع عليه ووقف ثم ضم رجليه كناية على رد التحية بمثلها...ثم احتضنه قائلا :
- ابني "الرشيد" ما شاء الله ماشاء الله
تعانق الرجلان عناقا حارا ثم أمسك القائد بيد الضابط الصغير و أجلسه بقربه رغم تحرج الأخير فالمقام و الأدب العسكري لا يسمح بذلك ...
ثم بدأ القائد يسأل النقيب "الرشيد" عن أحواله و أحوال المنطقة من الناحية الأمنية و "الرشيد" يجاوب في أدب جم يشوبه نوع من التقدير و الإكبار...لكن "الرشيد" قاطعه قائلا:
- سعادتك أتمنى أن تخرج من هنا الآن قبل أن يأتي قائد الجيش فهم في اتنظارك منذ عصراليوم جاؤونا أكثر من ثلاث مرات يستفسرون إن كنت حضرت من هنا أم لا .. و لا أظنهم يضمرون خيرا..
هز القائد رأسه و قال له:
- من هو قائد الجيش في الحامية .؟.
- سيادة العقيد "عبدالمنعم أب كرنكات"
- أب كرنكات ... لقد تزامنا أنا وهو في مناطق كثيرة ... لا حول و لا قوة إلا بالله ... لقد اختلفنا أنا وهو مرات كثيرة هذا الرجل لا يكن لأحد احتراما أبدا ، آخرها كان بسببك لو تذكر حينما اعتدى أحد أفراده على أحد المواطنين و أرسلناك بخطاب لتبلغه فقام باعتقالك قائلا لن يطلق سراحك قبل أن نطلق سراح العسكري... أذكره جيدا
- قال النقيب لذلك أتمنى أن تخرج من هنا بأسرع وقت قبل أن يعلم بحضورك .. ولقد أحضرت لك برميل وقود ..
- لست مضطرا لتفعل ذلك يمكك أن تؤدي واجبك ...
قاطعه النقيب الرشيد:
- هذا واجبي أنت ما زلت قائدي لم يردني ما يفيد بنزولك من الخدمة و لا بإحالتك الى التحقيق ولا أي شيء من هذا القبيل أنت تقوم بواجب شرطي أنا أحترمه ومن واجبي مساعدتك...
سمع الجميع صوت عربة بالخارج ما لبث أن توقفت... و صوت احتكاك الباب الخارجي بسطح الأرض منبئا عن فتحه بواسطة أحدهم ثم صوت العقيد "عبد المنعم أب كرنكات" عند باب الغرفة بعد أن ضحك ضحكة مجلجلة:
- أخيرا التقينا ....مرحبا قائد الشرطة الهمام ...ألف مرحب







  رد مع اقتباس
/
قديم 12-05-2019, 10:37 PM رقم المشاركة : 77
معلومات العضو
جمال عمران
فريق العمل
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية جمال عمران

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

جمال عمران غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اخى طارق
وان كان موضوع النظارة فيه قليل من مزاح ..ففيه كثير من جد.
وعليه انتظرها مجمعة لاستطيع قراءتها دون فواصل .
أنتظر واتابع هذه القصة المترامية الحكى والمزدحمة بالشخوص والأماكن والأحداث.
كل سنة وانت طيب اخى طارق
مودتي






  رد مع اقتباس
/
قديم 13-05-2019, 02:00 AM رقم المشاركة : 78
معلومات العضو
طارق المأمون محمد
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
السودان

الصورة الرمزية طارق المأمون محمد

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

طارق المأمون محمد غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

يا سي جمال أنا أبعثها هنا لتقرأها أنت و الست نوال لا أحد غيركما يقراها على ما يبدو الناس مالها و مال أسد لا يعرفون أرضه و لا بنتا يلعب بها خيال كاتب لا يعرفونه.
بقيت حلقتان للنشر هنا و الباقي سأبعث به مكتملا .
ان شاء الله.
النضارة شكلي سأبعثها بالبريد السريع لتقرأ هذه الحلقة على أن تعيدها لي لأكمل بقية الحلقات..
و على قصةالبريد السريع فهناك طرفة حدثت لي مع ابن عمي حيث انني قمت بالأشتراك ف خدمة البريد السريع مقابل مال و ذلك قبل اعوام أيام الشباب (سنة سنتين مش اكتر من الآن) فجئت فرحا لأخبره و هو صديقي الأعز بما انجزت فقلت له لقد اشتركت في البريد مقابل كذا من المال
فقال لي ساخرا مني لقد أضعت مالك في الفاضي ، أصلا أنت بتريد سريع فلم تشترك في البريد السريع.
و نحن نقول للحب الريد أي أنت أصلا بتحب سريع ... فاحسست بفداحة خسارتي للمال..
تحياتي اخي الكريم






  رد مع اقتباس
/
قديم 13-05-2019, 07:33 AM رقم المشاركة : 79
معلومات العضو
جمال عمران
فريق العمل
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية جمال عمران

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

جمال عمران غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق المأمون محمد مشاهدة المشاركة
يا سي جمال أنا أبعثها هنا لتقرأها أنت و الست نوال لا أحد غيركما يقراها على ما يبدو الناس مالها و مال أسد لا يعرفون أرضه و لا بنتا يلعب بها خيال كاتب لا يعرفونه.
بقيت حلقتان للنشر هنا و الباقي سأبعث به مكتملا .
ان شاء الله.
النضارة شكلي سأبعثها بالبريد السريع لتقرأ هذه الحلقة على أن تعيدها لي لأكمل بقية الحلقات..
و على قصةالبريد السريع فهناك طرفة حدثت لي مع ابن عمي حيث انني قمت بالأشتراك ف خدمة البريد السريع مقابل مال و ذلك قبل اعوام أيام الشباب (سنة سنتين مش اكتر من الآن) فجئت فرحا لأخبره و هو صديقي الأعز بما انجزت فقلت له لقد اشتركت في البريد مقابل كذا من المال
فقال لي ساخرا مني لقد أضعت مالك في الفاضي ، أصلا أنت بتريد سريع فلم تشترك في البريد السريع.
و نحن نقول للحب الريد أي أنت أصلا بتحب سريع ... فاحسست بفداحة خسارتي للمال..
تحياتي اخي الكريم
اخى الغالى طارق
شكرا على ثقتك فى شخصى المتواضع .
تعجبنى روحك المرحة الساخرة ..وعن تواجدى فى المداخلة على القصة انا والست نوال فقط كما تقول انت ...فأذكرك بمشروع ملحمة كنت أود كتابتها وتوقفت بعد أربع خمس حلقات وهى ( يوميات بائع العرقسوس ) وقد قلت وقتها ان الناس لم تعد تقرأ مثل أيام زمان..ولم يعد لديها استعداد ..فليس هناك تقصير من الناس فى حق قصتك هذه وليس هناك تكرمة من لدن جمال عمران ولا الست نوال فى استمرار المتابعة لكنها نوع من حب القراءة ومتسع ضيق نطل منه على مثل هذا الأسد ( اللى تعب عينيا)..الناس ياعم طارق غير زمان وغصب عنها الظروف تدفع دفعا فى اتجاه الومضة والنص ال ( تيك أواى ) .
زمان كانت الناس رايقة والدنيا حلوة شوية فكان فيه نفس للقراءة الطويلة ..
انتظر الحلقتين الأخيرتين وربنا يهدى شيطان وحيك ولا نجدها وقد امتدت لعشرين حلقة تانى وانا عينيا خلاص تعبت عموما ..
افتكر أيام زمان كنت أمسك الرواية لا اتركها الا بعد قراءتها كلها ..ايييييه ..دنيا ..ليت الشباب يعود يوما.
مودتى وتحيتى لك وللسودان الثائر.






  رد مع اقتباس
/
قديم 16-05-2019, 06:49 AM رقم المشاركة : 80
معلومات العضو
نوال البردويل
فريق العمل
عضو تجمع أدب الرسالة
عنقاء العام 2016
تحمل وسام الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية نوال البردويل

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

نوال البردويل متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق المأمون محمد مشاهدة المشاركة
شكل وجود الأسد الأعرج أو "مراد باي" لغزا محيرا و تحديا مثيرا للهواة و المحترفين من الصيادين , لا تجد له مكانا محددا فهو كثير الحركة و التجوال في غابات الجبال المحيطة بالسوق فمن وجده بجبال "صالح" لن ينكر على من رآه بجبال "أولاد مؤمن" و لن يغالط إن ادعى ثالث سماع صوته المميز في جبال "أم العظائم" , و كثيرا ما يروي صياد عن ظهوره المفاجئ له كالجني في "عين دالية " يعدو عليهم بسرعة فائقة تكاد تسابق السهم المنطلق منقضا على رامٍ أو ناقضا لشراك أو مثيرا لرعب بزئيره الذي تتجاوب معه الأسود و السباع فتزأر بعده مأوبة مثيرة الرعب في قلب كل من سولت له نفسه اقتحام مملكته , و كم من مرة يعد الصياد و فريقه الشراك الجعدلية المحكمة لصيده ثم يختبئون خلف شجرة أو صخرة فيفاجأ الجميع بتخطيه الشرك و ظهوره أمامهم مباشرة وجها لوجه بلا عازل أو ملجأ و سرعان ما يتجمع الأسود و السباع المختلفة إثر زأرة واحدة تدلهم على مكانه و صيده من الصيادين الضحايا فتصبح الغابة كلها أسودا... فلا يملكون غير انتظار رحمة الله التي عزمت صحبتها "لمراد باي" و قبيلته دون الصياد و زمرته , و لكنها أي رحمة الله تتدخل فتصرف عنهم الأسود زهدا فيهم و إعلانا للإنتصار عليهم فيُشيِّع المنتصرُ المهزومَ الى خارج الغابة مطرودا ذليلا تاركا سلاحه و شراكه خلفه بعد معركة بسيطة الهدف منها رمي سلاح العدو و طرده ليس إلا , يقتل فيها من يقاوم و يجرح فيها من لا يعلن استسلامه بسهولة... و لذلك أصبح من مسلمات صيد الأسود في تلك النواحي الاستسلام ورمي السلاح و رفع اليدين الفارغتين و التقهقر رويدا رويدا الى إن تُأمن غضبة "مراد باي الأعرج " إذا ما خانك الحظ و رماك قدرك في مثل هذا الموقف المهيب ..و لكن الويل لك إن كانت هذه المرة هي المرة الثانية التي ترى فيها في مثل هذا الموقف.
وكم من مرة أتى بخبره أهل العمق الأفريقي بالذات في الفترة التي انحسر وجود الأسود في الجبال الشمالية فيأتي بأخباره صيادوا "باماكو" و نهر " نيل السودان " كما يسميه العرب أو نهر"اجرون يجرون" كما يسميه "الطوارق " أو نهر "النيجر" كما سمي حديثا. فشبهوه بالبطل العظيم " ماندينقا سوندياتا كيتا" أو " ماري جاتا" الأعرج و التي تعني "أسد مالي" فقد كان مقعدا و لكنه أمسك بصولجان أبيه فقام و قامت معه بلاده فوحّد القبائل و انتصر على "سمانجورو" في معركة "كيريانا" الشهيرة و أنشأ "سلطنة مالي العظيمة" على طول "نهرالنيجر" حتى "المحيط الأطلسي" و التي امتدت لقرون طويلة مجيدة عزيزة – فأطلق عليه صيادوا قبائل "السوننكي" و قبائل "المادينغا" و مقاتلوها الأشاوس لقب " ماري جاتا " بعد أن فعل بهم مثل ما فعل بسابقيهم في الشمال البعيد و قد لاحظوا بفراستهم تفانيه في حماية كل الغابة و ليس قطيعه الذي يماشيه و يستأنس به فقط كفعل باقي الحيوانات و الوحوش التي لا تحمي إلا زمرتها وقطيعها...
فلما كثر عدد الأسود أصبح وجودها خطرا يتهدد الحيوانات و البشر في تلك المناطق أخذ السكان يشنون عليها حملات منتظمة و مستمرة تهدف الى قتلها أو طردها من المناطق المتاخمة يتزعمها الصياد الشهير "موجيانا" الذي جابت سمعته الآفاق حتى وصلت الى ذلك السوق البعيد فوصله منه من يدعوه الى مهرجاناته ليراه الناس و يحكي لهم عن مغامراته مع الأسود و بالذات الأسد ذي العرجة البائنة "مراد باي" أو " ماري جاتا " و كان ذلك بتمويل من أحد الأثرياء الأوربيين لأحد أشهر الحكواتية الذين بدأ سوقهم يضمحل بعد اضمحلال قصص الأسد الأعرج و تطاول الزمن على أخبار صياديه..
و كما في الشمال الأفريقي فإن استبسال " ماري جاتا" الأعرج في العمق الأفريقي في حماية القطعان من الأسود التي رحلت بسبب الهجمات المتعطشة للمجد و الشهرة تاركة وراءها بيئتها التي نشأت فيها و تكاثرت سلالاتها بها منذ القدم , ساعد استبساله في الحفاظ على كينونة الأسود الشمالية من التشتت و على سلالتها الجبلية من الإنقراض و على هويتها وسط حيوانات و سباع الداخل الأفريقي الشهيرة بحدة طباعها و شراستها التي مرستها عليها كثافة الأدغال و قوة الصراع بين الحيوانات المفترسة القوية على ضعاف الحيوانات المستضعفة التي غالبا ما تكون فريسة سائغة لأسد ظالم أو لنمر عابث أو لذئب مخادع أو لضبع عربيد ...
القرويون الذين يحاددون نهر "النيجر" شهدت حياتهم الكثير من التحولات الإقتصادية وفقا لسخاء المطر المعطاء وشحه الذي لا يكاد يتوقف الا قليلا لا اعتمادا على فيض أياد النهر العظيم و كرمه و لذلك كانوا كثيري الشكر لله , الذين وهبهم رزقهم من السماء لا يتعبهم فيه بشق أرض ولا بحفر ترعة , و كانوا يتقاسمون التصدق بعجل شهري يلقونه للأسود و السباع داخل الغابة امتنانا و عرفانا لله على توجيهه لها بعدم مهاجمتهم , ثم تقربا لها و تزلفا بسالف يد عندها تحميهم من غضبتها حين تجوع و رغبتها في الإفتراس .. و حين يتأخر المطر فإنهم يعمدون الى طفل معاق أو طفلة عاجزة بمرض أو إعاقة تحايلا على شرط "السحرة" الذين طالبوا بطفل صحيح الجسم غير معتل - يختارونه بالقرعة بواسطة ساحرهم الأكبر أو من ينوب عنه ثم يحملونه و يربطونه الى جزع شجرة كبيرة يوما كاملا فإن وجدوه صبيحة اليوم التالي حيا لم يصب بشيء فرحوا و انتظروا المطر الذي لا يتأخر عليهم بعدها كثيرا , و إن وجدوه قد افترسه حيوان مفترس لجّوا في التضرع و الاستغفار و وهب الأبقار للحيوانات المفترسة تصدقا لله كي يتعطف عليهم و يكرمهم بإنزال المطر,,, ولو شقوا الترع و حفروا القنوات لكان خيرا لهم.
تعودت الأسود التي نشأت في منطقة حوض النيجر الأوسط على هذه العادة و رعت عهودها بعناية فائقة فكانت لا تعتدي على إنسان طالما التزم عدم الإعتداء عليها ..لا يشذ عنها إلا الذئب ذو النفس الجشعة و الضبع ذو الطبيعة الغدارة ... فإذا أغضبت كرائم السباع باعتداء عليها فإنها تثور في غضبة كبيرة تهاجم إثرها القرى و حيواناتها و إنسانها لا ترعى عهدا و لا ذمة قديمة .. و كذلك إذا ما اعتدى أحد السباع على قرية أو حيوان مستأنس هو لأحد القرويين أو انسان بريء فإن أهل القرى القريبة كلهم يتضامنون في غضبة ضارية تخرج لها كل القرى رجالا و نساء شبابا و شيبا و أطفالا يحرقون مراتعها و يقتلون من وجدوه منها لا يسلم منهم إلا من أنقذته أقدامه ويستمر هذا الأمر الى أن يتدخل حكيم يصلح بين الطرفين فتعود الحياة الى سابق عهدها....و يكون الإصلاح بجمع ما قتل من السباع و الوحوش لا ليأكلوه و كانوا إذا ما اصطادوا شيئا من السباع في غير هذا اليوم أكلوه,, بل يرمونه إليهم في مناطق بعيدة تفصل بين الفريقين فريق السباع و فريق القرويين و يرجع القرويون الى قراهم بعد أن هدأت ثائرتهم و شفي غيظ قلوبهم و أطمأنوا أنهم لقنوا الأسود و السباع المفترسة الأخرى درسا قاسيا.. لا تلبث الحياة بعدها أن تعود الى سابق عهدها...لكن الأسود الغريبة جديدة على عادات أهل هذه المنطقة لم تتعود عليها فقد كانت حياتها كلها بين طارد و مطرود , لم تعهد السلم مع هذا الكائن ذي االساقين الذي يقف منتصبا كما الأشجار و لكنه لا كمثلها يتحرك... و لا لفترات قليلة يستجم فيها الطرفان كهدنة ينصلح فيها حالها يزيد نسلها و تقوى صحتها .. خاصة في الفترات الأخيرة ... أدى هذا الحال لريبتها منه و اتخاذها له عدوا مبينا..
و لذلك كثيرا ما كانت تتعدى على تلك المواثيق و العادات المتبعة بين أهل هذه المنطقة الجديدة عليهم و بين أهلها من السباع و الوحوش ... فإذا ما وجدت بقرة أو عجلا أو كبشا أو غير ذلك مما عظم أو صغر من ماشيتهم فإنها لا تتورع من الفتك به و أخذه لسد جوعة أو لتأمين غذاء ... وإذا ما التقت بذلك الكائن المنتصب ذي القدمين المتحرك فإن ردة فعلها الطبيعية هي الهجوم عليه لا تخاف عاقبة و لا تبالي بمصير...
فاتخذتها السباع الأخرى عدوا نافسها في المرعى و المسكن و النفوذ , و أثار حفيظة القرويين الحلفاء عليهم أجمعين القدامى و القادمين , إذ تتالت هجماتهم الضارية عليهم , فروعتهم فأصبح دخولهم الى مراتعهم في الغابة دخول توجس و مكوثهم فيها مكوث عجلة , عكس القادمين الجدد الذين اعتادوا على الكر و الفر في ماضيهم القريب فليس في حفيظة ثائرة من مهدد و لا في نار متقدة من خطر و لا في سلاح مشهرور من مخاف... ترد التهديد بهجمة أو فرار بعده هجمة و تجيد التعامل مع النار , فقد تعلمت أن النار تؤذي عدوها كما تؤذيها , و تعرف كيف تخاتل السلاح فلا يصيبها إلا حين غفلة .. ثم إنها تعتدي على من اعتدى عليها لا تترك ثأرا يبيت..هذا و قائدها الأعرج "ماري جاتا" يكبح جنوده حينا و يجمح بهم حينا آخر فاشتهر و ذاع صيته كما كان ذائعا في مراتع الشمال البعيدة...
حانوت "الباهي البنزرتي" الكبير الأنيق الذي يقع في الجهة الشرقية المطلة على مدخل الملوك و الأمراء , يقع منها في الواجهة المشرفة على الجبال الشرقية ..يأخذ كل المنظر المطل على السوق من نزل الأغنياء و الأمراء و أصحاب الفخامة , فلا يُرى من السوق إلا حانوته و بعض يسير من الحانوت الذي يجاوره و حركة المتجولين الذين يدخلون الى السوق من هذه الناحية و أسقف الحوانيت المطلة على الغرب و جدرها الخلفية , التي حرص أصحابها على تزيينها و طلائها بألوان قشيبة حتى لا يجرح المنظر الكلي حسن و بهاء اللوحة المطلة على نزل الأمراء و الأغنياء , فيأخذ المنظر كله لوحة زاهية ... اشتهر متجره هذا منذ عقود و رثه عن أبيه " لخضر" الذي جاء في وقت مبكر كصياد صغير يبيع ما مَن الله به عليه من صيد يومه من الثعالب و الغزلان و الأيائك الصغيرة و الطيور المختلفة بعد أن بدأ حياته و هو شاب صغير كصائد أسماك في مدينة "هيبو" أو "بنزرت" كما يسميها الأوربيون الذين يقصدون سواحلها الجميلة في السياحة و البحث عن البضائع الأفريقية .
تطورت حياة " لخضر"والد "الباهي" و ازدهرت بعد أن قطن "سوق أهراس" و بدأ كتاجر صغير يبيع صيده اليومي مفترشا الأرض ثم متخذا له طاولة تطورت الى عربة متحركة تعرف بسببها على "مختار" كبير تجارالسوق يقضي له حوائجه و يوصل له أماناته بعد أن اشتهر بهذ الخصلة الثمينة "الأمانة" , فلما أن امتلك قليل مال و بواسطة صديقه التاجر الكبير امتلك حانوتا صغيرا في أقصى زوايا السوق , و بجهده و اجتهاده أصبح دكانه القصي مقصودا بعينه , تجد فيه ما لا تجده في غيره من مطلوبات الصيد فقد تطورت مهنته من تاجر يبيع ما يصيده الى تاجر يبيع أدوات الصيد و يعلم الصيادين الجدد و الهواة مهارات الصيد و كيفية استخدام الآلات التي يشترونها منه مقابل جعل من المال متفق عليه ... و تخرج على يديه كثيرمن أمهر صيادي "سوق أهراس" .. فقد كان يأخذهم في طلوعه للصيد مدربا و مستفيدا مما يصيدونه بنسبة متفق عليها... و رويدا رويدا زاد ماله الذي لم يكن ينفق منه كثيرا فلا والد قريب ينفق عليه و لا زوجة و لا ولد .. فاشترى دكانا وسط السوق حيث المشترين الكبار يأخذ إليه ما يستغليه على حانوته الصغير القصي الذي جعل فيه صبيا يخلفه في البيع و الحراسة... زوّجه"مختار" كبير تجار السوق ابنته الكبيرة " حمّانة" ذات الشخصية القوية و المكانة الكبيرة في قلب أبيها الذي كان يكثر من مشورتها و الاستفادة من رأيها الثاقب وهي من أشارت إليه بتقريب هذا الشاب ال"الهيبوي"" البنزرتي" فقد آنست فيه ما لم تأنس في بقية تجار سوق "أهراس" كلهم.. فهو شاب صغير السن تكاد سيماء الذكاء تطفر من عينه وثبا , طموح يقضي الليالي ذوات العدد في إعداد بضائعه و ترتيبها , أمين اتخذه كثير من التجار مخبأ أموالهم و أسرارهم , محبوب وسطهم و قل أن تجد بينهم من يتمتع بهذه الصفة فقد كانوا يتحاسدون و يغير كل منهم من أخيه كما التجار في كل الدنيا يفعلون , زاده زواجه من "حمانة" مكانة و هيبة بين التجار و لكنه لم يعتمد على هذا الزواج إلا في تعجيل بزوغ اسمه فقد كان عصاميا يخرج الى صيده بنفسه و يدير تجارته وحده و يضع خططه و ينفذها بإرادته و كسب يده,
و قد حاولت "حمّانة" تمويله في كثير مما يعزم على فعله و لكنه كان يرفض و يقول لها مات أبي و لم يأخذ من أمي درهما واحدا و لن أدنس نهج أبي بفعلتي هذه ويقول لها دائما : ما لا نستطيع فعله اليوم نفعله غدا بإذن الله إن قصدناه , فلما أن وهبهما الله "الباهي" أخذت بعض مال و وضعته في يده قائلة هذه هدية "للباهي " خذها و نميها له تنفعه بها , فأخذها و اشترى بها قطعة كبيرة شمال السوق وخارجه سجلها باسم "الباهي" مطلة على الجبال الشرقية و جعلها كلها متجرا رغم امتعاض التجار و اعتراض كبيرهم أبي "حمّانة" الذي بدأ الخوف يدب في قلبه من منازعة هذا الشاب له في شياخته على السوق .. لكن ابنته العاقلة هدأت من روعه قائلة له بأنه لا أحد من أبنائه الآخرين له رغبة في تجارة و لا علم لهم بها لأن تجارة هذا السوق تجارة خطرة تتعامل مع الحيوانات و تتطلب جهدا شاقا لم يعودهم عليه أبوهم , و نصحته بأن يتخذ صهره ولدا فهو ليس بالغريب فهو زوج ابنته الحبيبة و قالت له فإذا ما أصابك ضعف الكبر تنازل له تدريجيا عن مكانتك التي أظنه سيملأها و سينميها و ينفع بها السوق.
أشار "لخضر" على نسيبه "مختار" كبير التجار و شيخ السوق أن يغير تخطيط السوق توسعة شرقا و غربا ثم يتطاول جنوبا و شمالا , و تنبأ له بأن هذا السوق بقليل توسعة و جميل عرض و إدخال بعض البضائع و النشاط فإنه سيكون سوقا تأتي له الدنيا كلها , و اقترح عليه أن يدعو السلطان العثماني لافتتاحه كما و يدعو سلاطين و ملوك بلدان قريبة من العمق الأفريقي و يدعوا تجار و أغنياء لهذا اليوم العظيم من الدنيا المحيطة ... فوافق على التوسعه و لم يوافق على دعوة السلطان و بقية الملوك و رآه تعديا للحدود و طموحا فوق الطموح , وجمع كبار التجار الذين لهم السطوة في السوق فأخبرهم برأي صهره فأعجبوا بفكرته , و بدأت توسعة السوق التي لم تستغرق سوى شهور قليلة فالمال يختصر كثير الشرح و يفتح مغلق الأفهام...
أهدى "مختار" حفيده "الباهي" الصغير ابن العشرة أعوام جروين من الأسود ذكرأ و أنثى جميلين وجدهما تحت لبوة صادها و هي نائمة متعبة بعد أن وضعتهما و جروين آخرين ماتا كما ماتت أمهما ... ففرح بهما "الباهي" فرحا شديدا , رغم أن أمه لم ترض ذلك فقد خافت عليه منهما , إلا أنه قال لها : من أراد أن يمتهن مهنتنا لابد له أن يتربى بين السباع و الوحوش حتى يتعلم الجرأة عليهم و يعرف مخاطبتهم و لغتهم و يأمن خطرهم و شرهم ....
ترعرع الأسدان تحت رعاية "الباهي" و والده الذي كان يشرف على هذه العلاقة الخطيرة بين الأسدين و ابنه ... أما "الباهي" فقد كان يحبهما حبا كبيرا و كانا يبادلانه نفس الحب يلعب معهما و ينام بينهما و لا يكاد يفارقهما.. يذهبان معه الى السوق والى حلقة الدرس و الى المسجد حتى عرفهما السوق و عرفا أهل السوق ..
كثير من المعلومات الهامة عن البيئة وطبيعة البلاد بكل ما تضم من أحياء
عن الناس وعن عاداتهم وبطولاتهم ومغامراتهم وعزمهم
جميل أن نتعرف على كل ما ذكرت من خلال قصك
أتابع...







  رد مع اقتباس
/
قديم 16-05-2019, 07:20 AM رقم المشاركة : 81
معلومات العضو
نوال البردويل
فريق العمل
عضو تجمع أدب الرسالة
عنقاء العام 2016
تحمل وسام الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية نوال البردويل

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

نوال البردويل متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق المأمون محمد مشاهدة المشاركة
7

أعيا ا"لجفيل" و أسده الذي ذهب به العشاقَ و طلاب البطولة بحثا , و كان إعلان صاحبة "الجفيل" عن جائزتها الثمينة بمثابة الشرارة التي أضرمت النار في البادية, فأصبحت عرائن الأسود هدفا مقصودا و صارت مراتعها مراتع للصُياد عوضا عنها , ففزعت الغابة فزعا شديدا و لم تسلم بقية الحيوانات من حمى جفيل "سعدية" فلا تكاد تجد حيوانا رابضا في مرقده إلا وهو خائف يكثر التلفت , و امتلأت الغابة بالبشر بعد أن كانت مليئة بالحيوانات , و قد أحس الأسود باستهدافهم و رأوا هذا الكم الهائل الذي لم يجابهوه من قبل لا يريد من الحيوانات غيرهم , و صار الموت يأتيهم من جهاتهم الأربع , فليس هناك من جهة إلا و فيها قانص أو متربص أو صاحب شرك وحيلة , فزاد هذا من شراستها و قسوتها وانبرى أسد أعرج شديد الفتوة ينافح عنها بقوة عجيبة و شراسة مهيبة , تزيد على شراسة و قوة و دهاء بقية الأسود , و قد أحست الأسود بهذا النشاط و تلك الحنكة في مجابهة الصيادين و الغزاة و الحالمين , ولما كان الأمر أمر حياة لم ينافسه في زعامة الأسود منافس فقبائل الحيوان شديدة الجرأة في الإعتراف بفضل صاحب الفضل لا تنازعه فضله و لا تغمطه حقه و لاتحسده و تضع العراقيل في طريقه, فالشجاع شجاع عندها لا تباريه في انفعال و القوي قوي لا تجاريه في قتال و الذكي ذكي لا تماريه في جدال...و لولا حماسة و شراسة هذا الأسد لما بقي أسد في الغابة سالما , فهو يعرف مكامن الشراك فينقضها على أصحابها و يعلم مواقيت خروج الصيادين فينتظرهم في غير ما يتوقعون يدخل الرعب في قلوبهم بقتال عنيف أو زئير مخيف و تؤازره بقية الأسود تهجم حين هجمته و تزأر ساع زأرته.

لم ينقض شهر على ضحى يوم الجمعة الذي وقفت فيه "سعدية" أمام شيخ القرية و تحت شجرته و هو يقضي بين الناس و يحكم حيث أعلنت شرطها الذي طارت به الروايات و انتشر في القرية قبل انتصاف النهار و وصل أقاصي القرى الساكنة في الغابة قبل بزوغ شمس اليوم الثاني و الذي حكّمت فيه شيخ القرية بعد أن وصفت له أسدها المقصود و جفيلها المفقود , لم يمض الشهر حتى كثر الجرحى و امتلأت مشافي المدينة و بفضل من الله لم يمت أحد , كما امتلأ دار أبو "سعدية" بالخطّاب الذين يزعمون أنهم قتلوا الأسد المعني , بعضهم أتى بشواهد مثل فروة أسد , أو ناب يشبه أنياب الأسود أو شاهد يقسم على أن صديقه صاد الأسد و لكن لم يستطع حمله إليها طالبا ذهابها الى حيث تركه ملقى , و بعضهم جاء بجثة أسد صغير واضح عليه أثر الصغر و بعضهم جاء بجثة أسد كبير خانته طاقته في الدفاع عن نفسه ... و انشغلت البادية بالأسد الذي كان في بداية الأمر مجهولا متوهما لا تجد من يرسم له صورة متخيلة في ذهنه غير أن به وحمة أو عقصة سوداء أعلى كتفه ثم جاء الوصف لاحقا بأنه أعرج و لم يتضح ذلك العرج أنتيجة ضربة أو مرض أو عيب خلقي؟ و بعد مضي أيام قلائل صار لكل و احد قصة مع هذا الأسد , السريع رغم عرجته القوي رغم خفته الفتي رغم عمره الحليم رغم غضبته... فقد لاحظوا أنه لايقتل وهو يدافع ربما لأن الزمن لا يسعف فالهجوم عادة ما يكون سريعا على مرتع الأسود و ربما لأنه يجبن خوفا من إثارة المهاجمين إن قتل أحدهم و ربما لأن هذا طبع فيه , فقد تمكن من أكثر من صائد و وقف منهم موقف الصائد من فريسته الأول يعلو الثاني ناظرا إليه مكشرا عن أنيابه يبدو الغضب الشديد و الإثارة البالغة في محياه ثم يزأر زأرة ينخلع لها قلب الرهينة الذي يجد نفسه محاطا بأصحابه يهنئونه على النجاة من بين فكي الأسد حين يفيق...
استدعى شيخ القرية حاج "الحسين" والد "سعدية" الى شجرة الحكم طالبا منه الحضور سريعا , فلما حضر وجد شيخ القرية جالسا لوحده على غير عادته في مثل هذا المجلس المهيب الذي يدير منه شئون القرية و يحكم فيه بين الناس في خلافاتها كلها, يحرسه و ينفذ أحكامه شرطيان يشرفان على نفاذها في المحكوم عليهم أو لهم , ارتضاه أهل القرية شيخا عليهم بعد أبيه ينظم أمورهم و يقضي حوائجهم , تعتبر شهادته حولهم حاسمة في محاكم الحكومة و لا تقضى الحوائج إلا بورقة منه عليها ختمه .
جاء حاج الحسين وعليه أثر الإهتمام الذي زاده أن يجد الشجرة خالية من الناس لا يجلس تحتها غير شيخ القرية :
- خير يا الشيخ
نظر إليه الشيخ وفي نبرة تجمع التعاطف و الحزم
- لا و الله ليس خيرا... الحكومة تريد بنتك "سعدية"
ضرب حاج الحسين يدا بيد و قال كمن يحدث نفسه
- أخبرتها أن الذي تفعلينه سيرتد عليك لم تسمع كلامي ... أمها تشجعها وأخواتها.. أخبرتهن أن الأسود ستموت و الناس ستموت و سيعلقون موتهم في رقبتها لم يسمعن كلامي ..
ثم يلتفت الى شيخ القرية:
- ما الذي تريده الحكومة...
- والله لا أدري أرسلوا لي ذلك الولد قالوا يريدونني أن أحضر "سعدية" و أبوها و أن أحضر معهم ....و أشار الى شرطي يقف بعيدا .
- لماذا ما هو السبب؟ البنت لم تقتل أسدا و لم تجبر أحدا ... البنت يعجبها شبابها ككل البنات هل في ذلك مشكلة ..الناس هم المجانين ...
- الكلام ما بفيد يا حاج "الحسين" "سعدية" كما هي ابنتك فهي كذلك ابنتي قم إن شاء الله يكون خير خليها تجهز و تأتي بغيار معها ليوم أو يومين الدنيا ما معروفة...
تحركت العربة الكومر التي أرسلها ضابط المركز تحمل غير حاج "الحسين" و شيخ القرية الذيْن ركبا بجوار السائق تحمل"سعدية" و "نعمة" أمها و أختيها "عاشة" و "غبيشة" و حاج "الفضل" زوج خالتها و ابن عم حاج "الحسين " مؤازرا لأخيه و أستاذ "آدم" ليحاجج بعلمه و منطقه و "عاشة" أخت حاج "الحسين" لتؤازر "نعمة" و ابنتها يركبون في صندوقها الخلفي ... و تركت العديد من رجال القرية ممتطين حميرهم يصيحون فيمن بالعربة : سنلحق بكم انشاء الله ...ما تشيل هم يا حاج "الحسين" جايين وراك قبل تزلوا بنكون وصلنا ... و العديد من النساء يصحن بالعربة أن لا تفوتهم يردن الذهاب ليقفن مع "نعمة" و ابنتها في مثل هذا اليوم العصيب و شباب القرية الذين شمروا و سبقوا العربة بأرجلهم الى حيث مركز الشرطة ...
قرصتني جدتي التي لم تخرج من بيتها تطالع من بعيد و أنا أقف بجانبها و نظرة الشماتة في عينيها : بدأنا بسم الله عد قل "واحد"
كان المدخل الى مركز المدينة غير معبد و لكن ذلك لم يمنع الناس من الاصطفاف على جانبي الطريق في انتظار عربة الشرطة التي ذهبت لتحضر تلك التي شغلت الناس في البادية و ملأت مستشفياتهم بجرحى الأسود .. و قد خرج الناس بالذات النساء منهم و الشباب منذ أن بلغهم أن ضابط المركز أرسل في طلب "سعدية" تلك التي هام بها كثيرون قبل رؤيتها و ألقى كثيرون بأنفسهم الى موارد الهلاك في طلب رضاها و لم يكن يمضي يوم دون قصة عنها تمجد جمالها و تصفها بما فيها و بما لا يوجد في نساء هذه الدنيا التي نعرفها و نعرف نساءها... نسج الخيال الشعبي حولها روايات كثيرة رغم وجودها الزماني القائم بينهم فهي ليست أسطورة رمى بها تطاول الزمان في مخيلة الناس يروضون بها حوادث التاريخ لصالح مجدهم و كمال معتقدهم , و رغم وجودها المكاني خلف الجبال فهي ليست أحجية ترتع فيها الأرواح من قسوة الواقع و وعورة تضايرسه رغم ذلك تناولها الخيال الشعبي منذ ولادتها و أسبغت عليها بعدا كونيا حيث صوروها أنها لم تولد كما يولد البشر فاستكثروها أن يكون لها والد فقالوا أن أمها حبلت بها لا كما تحبل النساء بل جعلوا حملها بها شبيه حبل الأشجار بالثمار ألقت بها ريح طيبة في رحم أمها.. هكذا صورها الشعراء و شعراء استكثروها على الأم و الأب معا فجعلوا ولادتها كولادة الشهاب في السماء الذي انبثق نوره من حيث لا نور .. تناولها الخيال في المدينة التي لم ترها و هي تنمو نمو السحاب في السماء يحمل المطر يبدأ سحابة صغيرة ثم تكبر و تكبر و تكبر ينتظرها كل شيء ينظر إليها , يسعدهم نموها ويطربهم ترقبها و حسن الظن بأنه سيصلهم برها و رحمتها حتى و إن لم تهطل عندهم..تناول الخيال الشعبي في المدينة التي لم ترها كل شيء فيها ولذلك انتظرتها المدينة وهي قلقة متوجسة أن لا يكون ما تخيلوه هو عين الواقع و متوجسة من المستقبل المجهول الذي قد ينتظر هذه الآية الألاهية...


لم يقنع لقاء "الفاشر" الشرتاي "سرور" و أحس بأن زيارته لم تؤد الغرض المطلوب منها و أن السلطان يماطله , و رغم نظرة التحدي التي لمسها في عيني السلطان على حفظ حدود سلطانه لكنه كأنما أحس بضعف ينهش في لحم السلطنة إذ لاحظ أن السلطان شديد التوتر من تحركات السلطان "هاشم" سلطان "المسبعات" على حدود مملكته , و مما زاد عدم رضاه تلك الأخبار التي وصلته عن حفاوة استقبال السلطان "لحاكم" و "مهران التونسي" فبدأ يفكر في الإتصال بالسلطان "هاشم" سلطان "المسبعات" يعلن له ولاءه و انضمامه الى سلطته و أخذ يعد العدة مستغلا غياب الإثنين, بعث الى مجموعة يعرف ولاءها القديم لبيته و لأسرته , فالبشر يظل بعضهم أسيرا لماض لا يأمل عودته لا لشيء إلا لأنه بشر , و قد كانت نظرة سرور للناس أنهم عبيد القوي الحاضر فإن غاب القوي تبعوا حاضرا غيره و إن لم يكن قويا فإنهم يقوونه يسندون إليه حوائجهم و يرمون عليه مسؤولياتهم .. ومن هذا المنطلق نادى من ناداه وهو عالم بباطن موالاتهم له , مقنعا لهم بقرب زوال مُلك سلطان "الفاشر" على هذه المنطقة , الذي لمس حقيقته في زيارته الأخيرة له , و أن الغلبة ستكون لسلطنة "المسبعات" المدعومة من سلطنة "الفونج" وسلطانها القوي الذي تصلهم أخبار انتصاراته في كل آونة و حين , و أنه من الحكمة أن ينحاز الولاء في هذه المنطقة الى القوي المرجو فوزه وانتصاره بدلا من الضعيف المنتظر خسارته و انكساره , فإن هذا أشفع لهم مستقبلا عند الفائز و أزلف . وقد اصطفى منهم نفرا يحسنون الكلام و يجيدون الاقناع و طلب منهم الإنتشار في قرى المنطقة تبشيرا بهذا الفكر و تأييدا للسلطان القادم ... كما اصطفى أخرين للذهاب معه إلى "الأبيض" لأعلان مبايعة المنطقة للسلطان "هاشم" قبل عودة القويين الغائبين...
و المنطقة جغرافيا أقرب الى حدود "سلطان الأبيض" منها الى حدود سلطان "الفاشر" و لكن ولاءها منذ القدم لسلطنة دارفور التي كانت عاصمتها "أوري" ثم أنتقلت الى "الفاشر", تأتمر بأمر سلطانها و يتبايع الناس بعملتها و إن كان التعايش بين القبائل قائما و التزاوج بينهم مستمرا تعكره خلافات المرعى و الطعام التي سرعان ما تنتهي بتدخل حكماء الطرفين , و من الحكم العجيبة أن أول خلاف حول النفوذ في هذه المنطقة حسمه سلطان "دارفور" من عاصمته "الفاشر" قبل عقود ليس بالمتطاولة في القدم بين والد حاكم ووالد "سرور" لصالح الأخير. ولذلك يجد بعض أنصار سرور لأنفسهم العذر في تبني رؤيته مهتدين بالحكمة القائلة أن صديق عدوك عدو لك.
جمع "سرور" نفرا من أهله و توجه الى "الأبيض" يحملون هدايا من سيوف و حراب ليضعوها أمام السلطان الطامع في توسيع نفوذه معلنين ولاءهم و ولاء سيوفهم له طالبين نصرته على "حاكم" الغاشم مقابل أن ينصروه في حربه على سلطان "الفاشر"... سلك الوفد طريقا غير الطريق المعبد الذي يمر بمعظم القرى الواقعة في الوادي تجنبا لكثير سؤال و احتجاج , و سلكوا طريقا يقطع غابات عديدة حتى يلتقي بالطريق الرئيسي الذاهب الى "الأبيض" عاصمة سلطنة "المسبعات ", طريق غير وعثائه فإنه يمر بمراتع الحيوانات يستخدمه الصيادة و أصحاب الصلاح والعبادة الذين يخرجون في خلوات يتعبدون الله و يذكرونه لا يراهم أحد و لا يقطع خلوتهم صاحب دنيا..و رغم أن الطريق طويل فإن بريق الطموح خلاب و الطمع أملك للنواصي و الرقاب وحديث الأماني ذو شجون :
- يا الشرتاي "سرور" ترى كيف سيستقبلنا السلطان "هاشم".. خائف أن نخسر ما وراءنا و ما هو قدامنا...
ضحك "سرور" مقهقها ملأ شدقيه فقد بدت ملامح رؤاه تستبين و علاماتها تتضح في ناظريه:
- كأني أرى وجه "حاكم" و هو يرى حكمه يتلاشى من كالسراب بين يديه ووجه التونسي وحلمه يتطاير كالجراد أمام عينيه..
قال آخر:
- لكن إن عرف رجل "الفاشر" ما نقوم به الآن ربما يدركنا قبل أن ينصرنا "هاشم".
- لن نعود إلى قرانا إلا ومعنا قوة من عسكر السلطان تمنع عنا أذى حاكم و سلطانه ريثما يستعد بجيش كبير نغزو به كل الأقليم ...
ثم أخذ يحدثهم عن مجد ينتظر و عن فرصة سانحة تضييعها هو الخسران المبين و رسم لهم معالم خطته و كيف أنه سيكون أحد أمرائه المهابين و قال لهم ربما يقتطع لنا السلطان "هاشم" ما بيننا و "الفاشر" ليكون تحت حكمنا فنحن أصحاب الأرض و الولاء معا الأرض لنا و الولاء له نأتيه بجبايتها التي كانت تذهب جنوبا و ....
لم يخيب السلطان "هاشم" رجاء و آمال الوفد و أحسن استقبالهم و تعامل معهم بلغة السياسي البصير و أوضح لهم أن السياسة تجارة و الحرب سلعة تباع في سوقها كما أن السلام سلعة تباع أيضا في سوق السياسة , الرابح فيها من يعرض السلعة في موسم الحاجة إليها و أنهم عرفوا وقت حاجتها لكن الشاري الناجح هو الذي يقلب ميزان ربحها و خسارتها قبل أن يساوم في شرائها...و أخبرهم أن مجيأهم بلا شك محل تقدير و امتنان ..... و كما عرض سلعته عرضوا بضاعتهم التي يسيل لها لعابه فأغروه بحكم الجبال كلها و الوديان التي بينها بما فيها من خيرات و ذهب, و أنهم قادرون على إقناع أهل تلك الجبال بأن يوالوه بدلا عن ولائهم لسلطان "الفاشر" و أن هذه فرصة يتيحونها له ربما لن تتكرر ثانية ... وهذا أمر ليس بالسهل كما يعلم هو , فنزع ولاء قديم ثابت كنزع إيمان من قلب مؤمن يحتاج الى آيات وبراهين , و جهد كبير سيقومون به إن ضمنوا تأييده و أوضوحوا له أن آية هذا الوضع الجديد في قلوب أهل الجبال قوة ضاربة تكون في يدهم تعمل تحت إمرتهم يحركونها حسب الوضع و الحاجة... و أخذ "سرور" يستعرض المكاسب التي سيجنيها السلطان إن أضاف هذه المنطقة الى رصيد سلطانه , أكبرها غير كنوزها المدفونة حمايتها لظهره الكاشف من أي اعتداء يأتي من الخلف ...فلما رأوا أنهم قد أثروا فيه أخبروه بأنهم أحرقوا مراكبهم من أجله و أن عودتهم الى أهلهم بدون قوة تحميهم من "حاكم" و تمنع عنهم شر سلطان "دارفور" يعتبر القاء للنفس في التهلكة بالنسبة لهم و ضياع لهذه الفرصة الى الأبد بالنسبة له...

وجد "حاكم" و "مهران" الوضع غير الوضع الذي تركاه فالبادية تموج بحركة غير طبيعية أحسوا بها منذ أول دخولهم , فتحية الناس لهم غير تحيتهم التي عهدوها , و نظرتهم إليهما غير تلك التي كانت في عيونهم ...و ما أن وصل وفدهم الى منازله حتى أخبرت "النقو" أباها في حضرة زوجها بما حصل من "سرور" الذي ذهب الى "الأبيض" يحرش سلطانها على ضم هذه المنطقة الى سلطانه مستجديا نصرته عليهما....
كان أول قرار اتخذاه هو إرسال موفد سريع الى "الفاشر" بهذا الخبر يطلبان من مليكها نصرته و يشرحان له خطورة الوضع ... ثم أخذا يطوفان على أهل البادية يبصرونهم بخطورة ما هم مقبلون عليه إن انساق الناس الى ما ذهب اليه "سرور" و زمرته فالسلام الذي كانت تنعم به باديتهم ستنقشع سحابته و لن ينعموا بظله أبدا إن خسروه ... و أخذا يضربان للناس الأمثلة الحية على ما حدث لبلاد دخلتها جيوش السلطانين المقتتلين , وصلتهم أخبارها و كيف أن الموت أصبح هو الذي يمشي بين الناس و أن الجار قتل جاره و الساكن هجر داره و ضربوا لهم كيف أن الأرض هناك بارت بعد أن هُجرت زراعتها ترى الثمار في الأشجار , و من يقطفها إما قتيل أو أسير أو لاجئ مهاجر...
لم يجد "حاكم" و لا صهره كثير عناء في تثبيت الناس الذين كان أكثرهم رافضا لفتنة "سرور" و لكن الحيلة التي بين يديهم في وجود شرتايهم الذي اختاروه بملأ إرادتهم لم تكن معهم حينها , فكما يقول "سرور" الإنسان مجبول على التسليم إذا كان الرفض يتطلب بذلا أكبر خصوصا إذا كان كشف المكاسب و الخسائر به غبش ولو كان بسيطا هكذا تقاد الشعوب ...و بعد مجهود ثلاثة أيام بلياليها استتب الأمر من جديد و سكت الصوت الذي كان ينادي بتمكين " سرور" و الإتجاه شمالا بقناعة أكبر من الطرح الذي نكأه "سرور" ومن شايعه... و لكن الغيب هو الذي يقلق ...
نادى "حاكم" ابنته و سألها ماذا رأت غريبا من أحوال "مهران" منذ زواجها به...
أطرقت طويلا ثم رفعت رأسها :
- الغريب عنده كثير مالذي تعنيه يا أبي؟
- هل قال أمامك شيء عن أسد أو ثأر أو شيء من هذا القبيل؟
أجابت كأنها كانت تنتظر هذا السؤال..
- "مراد باي"؟
نظر أبوها إليها مستفهما لعلها تكمل
- الأسد اسمه "مراد باي"
زادت نظرته إليها استغرابا..
- حدثني عنه "أبو شارفة " بنتي....هذا الأسد الذي أقض مضاجع الصيادين في بلادهم و حفظ سلالته من هجماتهم و هوالذي روع المزارعين في السودان الداخلي و أقلق الحيوانات فأسموه "ماري جاتا" و هو الذي انتصر على الكجور في بلاد النوير ... نعم هكذا أخبرني عنه..
- أسد واحد كيف يفعل هذا... بأي روح و بأي طاقة
- وهو أعرج كذلك إلا أنه في سرعة الريح المرسلة و قوة الزلازل المدمرة و خفة الطيور ...
لم يقتنع حاكم كثيرا ولكنه فرح بهذا و قال لها : لقد أنقذت زوجك من خنجر أبيك
ثم استرسل قائلا : كان شرطي معه أن أسألكِ فور عودتنا عن هذا الأسد فإن أجبت بأنه كان يحكي لك عنه فهذا يبرأه و إن كان لا يخبرك فهو بين أمرين أن يرحل من بلادنا أو أقتله.
شهقت "النقو" لهول ما سمعت و أحست بحجم ما قالت ثم نظرت الى أبيها : أتريد قتل زوجي بقولي يا أبي ...ثم جرت و هي تبكي...
وقبل هذا بأيام لا تتعدى الأسبوع
قال "مهران" و السكين فوق رقبته و حاكم يمسك برأسه من الخلف و القربة التي فيها الماء تسقط من يده:
- أنا "مهران" صديقك و صهرك الذي بنى معك ما نحن فيه الآن من منعة و مجد .. زوج "النقو" ابنتك الكبيرة ...
- صاح به "حاكم" و السكين تضغط على عنق "مهران"
- قل ما الذي أتى بك؟ تريد زرع الفتنة بين قومنا و تفرق بيني و بين ابن عمي "سرور" , تعمل لجني الأرباح من الذهب و أنت تزعم للسلطان أن الذي جاء بك أسد.. ألم تر كيف نظر إليك السلطان لولا أننا في ضيافته لربما كان ذلك اليوم هو اليوم الأخير لنا.... قل ما الذي أتى بك ..؟
- و الله ما قلت للسلطان غير الحق فما جاء بي من بلادي غير أسد ولكنه لا كالأسود روع أهلي و قتل أبي و كاد أن يهلك مدينتي , عمّر سوقنا ثم خربه علينا .عمره في التاريخ أطول من عمره الذي بقي..
زاد "حاكم" ضغط السكين على عنق التونسي
- أي أسد يفعل الذي تقول؟
- بل دخل الى أرض "الطوارق" و "السوننكي" فروّع مزارعهم و طمس عاداتهم و فتن ما بينهم و الحيوانات ..
- يبدو أنك زاهد في عمرك....و لماذا لم تخبرني؟ نعمل سويا لنا أكثر من سنتين و لم تخبرني..لماذا؟؟
- خشيت أن لا تصدقني يا "حاكم" الأسد لن يموت إلا بيد تحمل الجفيل و الجفيل من ذهب مدفون في أرضكم هذه ...
- أي جفيل هذا و أي أرض
أطلقه "حاكم " و لكنه ظل حاملا خنجره في يده
- جفيل كانت ترتديه ملكة عظيمة كانت تحكم هذه الأرض قبل آلاف السنين , امتد ملكها حتى وصل الى بلاد تحادد البحر الكبير الذي تصب فيه مياه الأنهار كلها...أهداه إياها ملك من بلاد تقع وراء هذا البحر بعد أن هزمها في آخر معاركها إعجابا بشجاعتها و أمرها بالرجوع معززة مكرمة و أهداها أسدا كذلك يرمز الى عزتها .
- هذا أمر اصطنعته هنا لتنجو من غضبتي
- أخبرت "النقو" ابنتك يمكنك أن تسألها
- خذ كلمتي هذه لئن سألتها و لم تعرف ما تقول فأنت بين خيارين أن تهلك بيدي أو تغادر بلادي هذه
- لا ينبغي لي مغادرة بلادك هذه قبل أن أجد الجفيل
- إذن ليكن قولك هو الحق.
و بعد هذا الحوار بأيام لا تتعدى الأسبوع وفي نفس اليوم الذي سألها فيه أبوها و حيث الدنيا لبسها الليل و القلوب كستها السكينة...
قالت "النقو" "لمهران" :
- كيف ترضى ذلك لي أن يكون مصيرما بيننا معلق بين لساني و شفتي و أنت لم تطلعني...
- أنت تعلمين لم أطلع أحدا على سري الذي جئت به غيرك ... و لولا حبي الذي أكنه لك و ثقتي في رجاحة عقلك و صدق مودتك لي و علمي بما لا تعلمين من قيمة ادخرها لك الزمان ,ما بحت به لك..
ثم نهض من رقدته و قعد بالقرب منها و أمسك بكلتي يديها يقبلهما ... أيتها الأميرة الكريمة يا سليلة الملكة العظيمة التي حكمت الدنيا في زمانها , كم لي من الشرف أن أكون زوجك....الحمد لله الذي ألهمك قول الصدق لأبيك.
- إخبرني عنها يا ابن"أليسا" العظيمة التي حفظت عهدها و بنت مجدها و حكمت البر و البحر في زمانها
قام من سريره الخشبي المنسوج بالحبال و ذهب الى صندوق كبير أخذ يبحث فيه حتى أخرج أوراق كبيرة مطوية نشرها أمامها و جاء بالفانوس يستضيء بنوره و قال لها انظري .. نظرت فوجدت بها كتابة و رسوما و وشوما و صورا لأناس تركب الأحصنة و أناس يمشون و أناس يسجدون و أسود تجر عربة تركبها أمرأة محفوفة بعدد من الناس الرافعي أيديهم , و نظرت فوجدت صحراء كثبانها مرسومة لا أشجار فيها تحفها جبال يلمع تحتها حجارة , و رسوما تحوي أشجارا كثيفة تشقها خطوط زرقاء و جبالا تحتوشها من فوقها و من تحتها و روسما تحوي أناسا يحفرون و أناسا يحملون فوق رؤوسهم أطباق كبيرة و فوقهم رجل يحمل سوطا,, و هنالك أسود عرفتها بسيماها تركب فوق ظهور أناس و أناس يركبون فوق ظهور أسود و أرض موشحة بلون أحمر ..و صورا لخلق كثير يحملون الحراب يجرون بحبال أناسا ذليلين مجبرين كالعبيد أو الأسرى , و رأت صورا لجيش عرفته من خوذة فوق الرؤوس ألبستهم لها اللوحة يكسو محاربيه لون السمار يجرون وراء جيش يكسو محاربيه لون البياض و رجلا يضع تاجا على رأسه يشير الى عكس جري جيشه و امرأة فوق رأسها تاج تشير الى حيث جري جيشها و ترفع يدها الأخرى التي يرك فوقها نسر كبير و صورا لجيش يكسو محاربيه لون البياض يجرون وراء جيش يكسو محاربيه لون السمار و أمرأة فوق رأسها تاج تشير الى عكس جري جيشها و رجل فوق رأسه تاج يشير الى جهة جري جيشه و يرفع يده الأخرى يرك فوقها نسر كبير ... و رأت أسدا حوله أسود , و أسودا داخل رسمة أسد كبير , و امرأة فوق رأسها تاج تركب أسدا قصيرة إحدى رجليه ... رأت رسوم أشجار كثيفة يخرج من تحت أرضها ضوء كبير على شكل دائرة ... و امرأة يقف يسارها نساء كثيرات أقصر منها و رجال أشد قصرا ويمينها امرأة يخرج الضوء من معصمها تركب أسدا قصير الرجل اليسرى .. كل هذا و غيره الكثير مرسوم بريشة فنان بديع في ورق أشبه بجريد النخل منه الى الكاغد المعروف حينها...
أشار "مهران" الى الورقة ووضع يده على رسمة فيها ثم نظر الى "النقو": هذه أنت أيتها الأميرة العظيمة...
نتابع ولي عودة إن شاء الله
تحياتي







  رد مع اقتباس
/
قديم 19-05-2019, 05:58 AM رقم المشاركة : 82
معلومات العضو
نوال البردويل
فريق العمل
عضو تجمع أدب الرسالة
عنقاء العام 2016
تحمل وسام الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية نوال البردويل

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

نوال البردويل متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق المأمون محمد مشاهدة المشاركة
شب الأسدان وقويا و بانت إمارات القوة على محياهما والذكاء الحاد الذي مكنهما من تفهم كونهما أسدين لا بشرين يعرفان حدودهما فلا يتجاوزانها و مكانهما فيلتزمانه سواء كان ذلك في السوق أو البيت أو الملعب أو المسجد ساعة صلاة أو ساعة تعلم , و تعلما كيف يحسنان الاستجابة لنداء فيمتثلان له , و اكتسبا محبة أهل السوق و ودهم الذين يبادلونهما حبا بحب و احتراس فكل أهل السوق يضعون فارق النوع عقبة للتواصل رغم امتهانهم للصيد الذي علمهم أن هذا الفارق لا يمكن جبره مهما تنكر الأثنان الإنسان و الحيوان لهذا الفارق بحسن معاملة أو طول معاشرة أو كثرة جميل فالحيوان في نظرهم يبقى حيوانا و الإنسان هو الإنسان على مدارالتاريخ...
اتخذ "لخضر" للأسدين مربطا شمال دكانه يربطهما فيه و كانت أقفاص الحيوانات الأخرى داخل حوش المتجر ذي المساحة الكبيرة مصفوفة بحيث تجد بينها فراغات تسمح للمارة بالتفرج و النظر الى ما يريدون من حيوان عشبي كان أو من آكلات اللحوم وكان يحرص على الفصل بين الحيوانات المفترسة وتلك الوديعة بحائط حتى لا تطمع الأولى ولا تفزع الثانية فإن الطمع يهيج الحيوان و البشر مثلما يهيجه الخوف بل أكثر كما علمه "مختار" ..و يضع بعض أقفاصها أمام المتجر من الجهة الجنوبية يعرضها للبيع , و بداخل الدكان أصناف كثيرة من أعضاء الحيونات المختلفة فالجلود لها أرفف بعينها تجد فيها كل أنواع جلود الحيوانات من فرو للأسود و النمور و الضباع و الذئاب و الأيائل و الغزلان و البقر الوحشي يشتريها أغنياء البلاد و التجار الذين يقصدون بها بلاد أوربا يبيعونها لملوكها و أمرائها و لأغنيائها و جلد الزراف الذي هو من أغلاها لا لصعوبة صيده بل لكونه لا يسرب ماء و لا دهنا فيتخذ في صناعة الأواني الجلدية الغالية , وجلود دببة الجبال ذات الفرو السميك و دببة الغابات ذات الفرو الغني بشعره و لونها المميز الذي يُطلب كذلك من أغنياء الدنيا الذين يقصدون شراءه من أماكن بعيدة خاصة تلك التي تقع في أماكن مرتفعة أو باردة , ثم جلود الأرانب و السناجب و الثعالب التي تحبها النساء و جلود الحيات الكبيرة و الصغيرة التي تتخذ لصناعة الأحذية و الحقائب و غيرها مما لا أعرف اسمه و لا كنهه مرصوصة بنظام معين يسهل رؤيتها و الوصول إليها , و تجد العاج بأحجامه المختلفة الذي يجلب من أدغال الغابات الأفريقية يشتريه صناع الحلي و تجارها لا يتورعون من دفع المبالغ الكبيرة في ثمنه , و تجد كثيرا من العظام و رؤوس الحيوانات و أسنانها المختلفة التي يقتنيها من هم يحبون المغامرات و لا يقدرون عليها يعلقونها في جدر بيوتهم و في طاولات أعدت لذلك , وتجد عنده عيون الذئاب التي يحفظها في سائل يشتريه بأثمان كبيرة و لذلك يبيعها بأثمان كبيرة كذلك يشتريها طلاب السحر و طلاب دفعه و الوقاية منه و المرضى و الأطباء الذين يستخدمونها كعلاج لضعف البصر و لتحسسه, و تجد في أواني معينة أمعاء الفيلة و الأسود و خصيها لا تكاد تأتي بضاعتها حتى تنفذ فمن موروث الثقافة أنها تزيد الباه لدى الرجال فوق ما تزيده خصي الأرانب و كلاها ومن عجب أن زبائنها من النساء و ليس الرجال... وغير ذلك مما يمتلئ به متجر "لخضر"..
و لم تكن مهمة الأسدين الذكر و أخته الحراسة فقط فقد كان منظرهما دعاية كبيرة للمكان تجذب السياح و المشترين , أما "الباهي الصغير فكان كثير اللعب معهما لا يكاد يفارقهما و يأكل طعامه معهما و كثيرا ما يأكلان من طعامه يخطفان اللقمة من فمه و يخطفها من فمهما , وفي عصر كل يوم يطلقهما "لخضر" ليذهبا في جولة للتنزه مع"الباهي" الصغير من غير خوف منهما يعتريه على ابنه الذي يحصنه منهما "بالمعوذات" و سورة "الفيل" و يقول الله كفيل بحفظه , رغم تحذير أمه و عدد كبير من التجار و الجيران له من مغبة فعل كهذا ... ويذهبان معه لحلقة الدرس في المسجد يربضان خارجه الى أن يعود فإذا عاد من درسه فإنه يستذكره معهما يقرأ لهما ما تعلمه ويستمعان له كأنما يفهمانه ... لاحظ "لخضر" هذا الأنسجام و التآلف الذي نشأ بين ابنه و الأسدين و الرابطة التي أصبحت قوية تكاد لا يعكرها اختلاف مزاج و لا تفاوت فهم أو سرعة إدراك و لا اختلاف رغبات و احتياجات حتى كاد كل منهم أن يفهم الثاني من حركاته أو لفتاته أو حتى سكناته ويتفاعل معها وفقا لذلك وهو ما لم يعهده في تعامل الناس و الحيوان – وهو الخبير في هذا المضمار- حتى الأليف منه..فالأخير يدرك ما يطلبه صاحبه إثر تكرار و تعود و تدريب على مهام معينة لا يتعداها فالكلب يفهم مراد صاحبه في ما دربه عليه من حراسة أو رعي أو صيد أو بعض حركات اللعب و يفهمه حين يناديه و حين يغضب منه و صاحبه يفهم حاجته من أكل أو شرب أو لعب ويعرف عكر صفوه و صفا ء مزاجه و يفهم إشاراته التي دربه عليها في مهمته التي يريدها منه , لا يزيد التفاهم بينهما على ذلك و قس العلاقة بين بقية الحيوانات و أصحابها على مثال الكلب ... أما ما يحدث بين "الباهي" و أسديه فشيء يلفت الإنتباه و يثيرالاستغراب فكثيرا ما كان يلحظ كلام ابنه لأسديه يتجاوبان معه بهزة رأس أو ذيل أو عواء و كثيرا ما كان يسمع حمحمة الأسدين يتجاوب لها ابنه بضحك أو حركة أو كلام و هكذا شاهد الناس أيضا , فسرت إشاعة قوية أن "الباهي" الصغير يفهم كلام الأسود و تفهم الأسود كلامه , لم ينفها الباهي أو أبوه لم يؤكداها رغم كثرة الشواهد على ذلك.., فقد كان كلما يجلب صائد أسدا يذهب الباهي الصغير إليه يتحدث معه بحركات يديه و فمه ثم لا يلبث أن يدخل يده الى داخل القفص يربت عليه مطيبا خاطره فيتقبل الأسد الأسير ذلك و لا يثور أو يعتدي على يد الولد المواسية, و لما تثور هذه الأسود إثر شيء أزعجها فيكثر زئيرها و جلبتها لا يستطيع تهدئتها إلا هو تهدأ لما تراه فكأنما السكينة تنزلت بقدومه عليها.. و لكنه أيضا كان كثيرا ما يشفع لها بمكانة أبيه "لخضر" عند صائدها إن أراد تأديبها بضرب أو بحرمان غذاء أو بتعريض لحر الشمس أو بتكبيل و شد وثاق فترات طويلة ضامنا عدم تكرارها لما فعلت و الغريب أن ضمانه لا ينقض أبدا..كل ذلك و هو لم يتعد الثانية عشر من عمره...
لما بلغ "الباهي" الخامسة عشر أصبح يأخذه والده معه للصيد في رفقة مجموعته التي تعمل تحته و يأخذ معه الأسدين الذين كانا يساعدانهم كثيرا في طراد الفرائس و اكتشاف أماكنها بما يملكان من حاسة شم قوية و سرعة و هيبة وسط عالم الحيوان وأظهر الشاب الصغير و أسداه ملكة عالية و قدرة كبيرة و انسجاما مبهرا انعكس على الكمية التي صار يأتي بها كل يوم صيد , وكان من عادة "لخضر" أن ينظر الى حاجة السوق فيقصدها لعينها لكنه كان كثيرا ما يقضي الأيام الطويلة و أحيانا الشهور لا يأتيه مراده و لايظفر به وكثيرا ما ينصب شراكه المحكم فلما يأتيه في صباح اليوم التالي إن كان نصبه مساء أو في مساء اليوم نفسه إن كان نصبه صباحا , لا يجد صيدا أو يجد ما صاده حيوانا واحدا أو اثنين و قد كان هيأ نفسه على صيد وفير فلما يجده كذلك يطلقه و يرفع بصره الى السماء متحدثا مع ربه قائلا " شوية يا رب" ,.
أحدث دخول "الباهي" وأسديه عالم الصيد مع أبيه طفرة كبيرة جدا في كمية ما كان يصيده أبوه و نوعيته فوق ما كان يتصور "لخضر" , الذي ظن أن مهمته في تدريب ولده ووحشيه الأنيسين ستكون ليست باليسيرة فليس لهم جميعا معرفة مسبقة بالصيد وفنونه وعنته وصبره ... فكلهم نشأوا في الحلية و الحياة الرغدة يأتيهم رزقهم رغدا كل حين بلا جهد أو تعب و لكن هذا الأداء أبهره فعلم أن ابن السبع صياد كما أن ابن الوز عوام..
زاد دخل "لخضر" كثيرا و أصبحت مقتنيات متجره لا تضاهى بمقتنيات أي تاجر آخر و صار بعد أن كان يخرج الى الصيد مرة كل أسبوع يجعلها كل ليلة خميس و يوم جمعة , صار يخرج في الشهر مرة واحدة مصطحبا معه أبناءه الثلاثة الأبن و الأسدين ومجموعته التي لا تزيد على ثلاثة آخرين ... و كان ولده يخرج للصيد خلسة مع أسديه بدون رفقة و بدون أذن أبيه الذي كان يغضب كثيرا حين يعرف فيعنف ابنه طالبا منه ألا يفعل ذلك , فلما آنس فيه رغبة و شكيمة و قدرة كبيرة على انجاز مهمة الصيد أصبح يأذن له بذلك رغم صغر سنه محذرا إياه من الإبتعاد الى أعماق الجبال ويرسل معه مجموعته لترافقه وتعينه,, بل صار أحيانا يوكل إليه طلعة الشهر منفردا هو أسديه وقد كان قبل ذلك لا يرضى بالتأخر عن الخروج فيها الى الصيد مهما كان وضعه , ولم يكن الولد يخذله أبدا بل يأتيه بكل ما أوكل إليه و يزيد أحيانا...
و ذات خميس مضيء بالقمر الذهبي المستدير و الشمس لما تعلن انسحابها خلف الأفق بعد , خرج "الباهي" في رحلة صيده المعتادة و معه أسداه و مجموعة الصيادين الثلاثة المساعدين , على غير رضا أمه و بعد أن أوصاه أبوه كالعادة أن لا يتأخر عن مساء الجمعة و أن لا تغريه الحيوانات و تخدعه فيتبعها الى أماكن بعيدة....خرج "الباهي" الصغير و أسداه يحمل شراكه و حَمَلا صغيرا يوضع كطعم أمام الشراك و سهمه و نباله و رمحين أحدهما طويل و الأخر قصير و أدوات حفر و حبالا ودرقة من جلد ناشف لحمار وحشي مدبوغ صلبة يصعب خرقها أهدتها له أمه و سيفا و سكينا موزعة بينه و بين جماعته التي خرجت معه تحمل مثل حمله وتزيد حيث يحملون زادا و قربا يملأونها من ماء يتفجر من صخرة في جبل صالح الشرقية أو من عيون صغيرة منتشرة إذا ما غرّبا , و لأنه ابن "لخضر" ركب حصانا سيربطونه في مدخل الغابة مع بغلين لبقية الركب يحملون فيهما أمتعة تعين على قضاء يومين في الخلاء و أمتعة الصيد , يتناوبون في حراستها عندما ينفرون وراء هدف يصيدونه .... و كأن قلب الأم على اتصال مع الأسرار الغيبية لم يعد "الباهي" و لا أسداه حتى مساء يوم السبت من حيث عادت المجموعة بدونه تحكي عن ضياعه بين الصخور والأشجار منذ مساء اليوم الأول الخميس هو والأسدين و رجوع حصانه بكامل مؤونته ..
حلقة رائعة
متابعة بإذن الله







  رد مع اقتباس
/
قديم 19-05-2019, 06:58 AM رقم المشاركة : 83
معلومات العضو
نوال البردويل
فريق العمل
عضو تجمع أدب الرسالة
عنقاء العام 2016
تحمل وسام الأكاديمية للابداع والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
فلسطين

الصورة الرمزية نوال البردويل

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

نوال البردويل متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق المأمون محمد مشاهدة المشاركة
في مهرجان تتويج ملك الماساي السنوي تجتمع أمة كبيرة من غرب ووسط أفريقيا يكنون له إحتراما توارثوه منذ القدم يأتون يوم هذا التتويج من كل حدب و صوب يحملون القرابين و الهدايا منها ما هو صغير و منها الكبير كل حسب استطاعته , و ربما تشارك أكثر من واحد عجلا أو ثورا و لكن المميزين منهم هم أؤلئك الذين يستطيعون جلب شيء ثمين يتطلب جهدا و مغامرة و ربما مال , مثل فروة أسد أو ناب فيل أو قطعة ذهب مشغولة أو غير مشغولة , كل ذلك يتقبله الملك المتوج يوم تتويجه , كما أنه يتوجب عليه تقديم عمل كبير يجعله أهلا يستحق هذا التتويج كإنزال بركة أو نزعها أو درء وباء أو شر متوقع أو عمل حسي كإصلاح بين بيتين نشب بينهما قتال و عنف أو تنمية اقتصادية ملموسة بإدارته أو ماله للناس . لكن المطلب الأساسي لجماهير هذا الملك الجديد هو عمل يحقق لهم أمانا من الأسود و قائدهم الأعرج , الذي زادت شراسته و تفاقم شره في الشمال المتاخم لهم مع ازدياد هجمات قرويي تلك المناطق على قبيلته عموما كرد فعل متبادل من الطرفين.. فكان أن دعا صالحي قبيلته و سحرتها الى اجتماع عظيم يوم "جمعة" مشهود تحضيرا ليوم العبادة الاسبوعي الكبير "السبت" ليخرجوا بخطة تتدخل فيها اليد الإلاهية بفضل هؤلاء المدعوين الذين كلفوا باستجداء السماء لتساعدهم في القضاء على هذا الأسد و بقية الأسود , فنودي في الناس أن يوم "السبت" يوم عبادة عظيم , وعلى الناس أن يخرجوا في منتصف ليلته يحملون المشاعل كل أمام بيته , ثم يتوجهوا بالصلوات لله الواحد أن يوحد قوته في درء هذا الخطر و القضاء عليه فقد استعصى الأمر عليهم كبشر محدودي القوة , فكان ما طلبه ملكهم , و اجتهد سحرتهم في ذبح القرابين أثناء قراءتهم لتعاويذ , ثم صبوا دماءها في آنية من ثمار القرع و خلطوها مع أعواد من شجر معين و ماء جلبوه من مستنقعات "جوروما" و مزجوها مزجا جيدا ثم صبوها في أناء كبير , و وزعت على صيادين أشاوس يأخذ كل واحد منهم من هذا الماء المسحور شيئا يسيرا ثم يخلطه بماء يغتسل به , يحرص على أن لا يترك موضعا إلا و قد مسه هذا الماء ... ثم جيء بهؤلاء الصيادين الى اجتماع الملك الذي حضره صالحوهم و سحرتهم وعُمد و شيوخ المناطق المتاخمة لنشاط الأسود , و بعد صلاة كبيرة ودعاء بأن يبارك الله الملك و أن ييسر لهؤلاء الصيادين مهمتهم تكلم كبير السحرة و أوضح لهم أنهم محميون لن يستطيع أسد من الأسود مسهم بشر و أن الأسود ستكون طائعة في أيديهم فعليهم أن يتقدموا بشجاعة نحوها .. وأمروهم أن يرشو فوقها بقية من الماء الذي اغتسلوا به ولا يمسوها بسوء كذلك , و أن يخاطبوهم طالبين منهم أن يأتوا لهم بالأسد الأعرج ليقابل الملك الذي سيكون في مكان قريب من تجمعات الأسود , ثم عليهم أن يعطوا الأسود مهلة يومين ليعودوا و معهم الأسد الأعرج , فإذا جاء الأسد العرج عليهم أن يحدثوه بلسانهم فإنه سيفهمهم و يقولوا له بأنه في أمان الملك و حمايته الشخصية حينها سيأتي معكم .
بعد أسبوع من خروجهم وجد الصيادون قطعان الأسود راقدة مسترخية تحن ظل شجرة فتقدموا نحوها بثبات كبير , و من عجب أنها لم تتحرك بل حركت أذيالها في إشارة ترحيب بهم , فلما وصلوها أخرج كل واحد منهم علبة بها ماء ثم أخذوا يرشونها به ثم تقدم رئيس الصيادين قائلا :
- أين ملككم الأسد الأعرج فإن ملكنا يريد أن يتحدث إليه ... و سنعود إليكم بعد يومين في مثل هذا الوقت آملين حضوره لكي نذهب معه إلى الملك الذي ينتظره في مكان قريب من هنا...
انتخب كبير السحرة اثنين من سحرته ليرافقوا معه الملك الجديد و اتخذ الملك من الصالحين الحكماء رجلين ليكونا في وفده الى ملك الأسود الأعرج"جاري ماتا" فصار الوفد مكونا من أربعة رجال خامسهم الملك و بعض الأتباع و الحرس في موكب متواضع لا يتعدي العشرة أشخاص , يركب الملك ثورا كبيرا وضع فوقه هودج يليق به , أما بقية الوفد فيركبون حصينا مطهمة مزينة تشي بمكانتهم , فلما وصلوا الى موضع أشار به عليهم كبير السحرة نزل الملك ونزل من بعده الجميع و انزلوا رحالهم و فرشوا بساطه المعتاد الذي يجلس عليه و كان مصنوعا من جلود الأسود مخيطا بعضه الى بعض ليكون عريضا وواسعا , ثم صفوا فوقه نمارق يتكأ عليها و يستريح و جلس بقية الوفد في فرش جلبوها معهم ليقعدوا عليها ,و قد كان مسيرهم بعد يوم من مسيرالصيادين.
وفي ضحى اليوم التالي و الترقب سيد الموقف و الصالحون تحت الشجرة يرفعون أيديدهم الى السماء في تضرع و ابتهال شديدين و السحرة يرتلون تعاويذهم و يتراقصون في حركات يعرفونها على بعد قريب منهم , و الملك جالس على أريكته غير عابئ بما يدور أو هكذا بدا رغم ظهور علامات قلق يتفرسها الذي ينظر إليه بدقة , ظهر الصيادون العشرة يمشون في صفين في مقدمة الصف الأول كبيرهم و في مقدمة الصف الثاني صياد آخر و بين الصف الأول و الأخير صفين من الأسود يتقدم أحد هذين الصفين أنثى أسد ضخمة تسير في عزة و تبكل يتناثر من عينيها وقار و هيبة مرفوعة الرأس كأنها تنظر الى السماء لا إلى اللأمام , و عن يمينها أسد ضخم كثيف شعر الرأس عريض المنكبين مرفوع الرأس يسير في خطوات ثابتة واثقة لا يعرف الناظر إليه من بعيد أ يمشي متبخترا أم في مشيه عرجة ...وقف الجميع إلا الملك الذي ظل في مكانه لم يتحرك تعلوه هيبة تضاهي هيبة الأسد القادم بين جنود ملك البشر و جنود ملك الغابة..
توقف ركب "جاري ماتا" على مسافة تسمح للملك البشري التقدم لاستقبال ضيفه الكريم بما يليق بمقامه بينما تقدم الصيادون الشجعان يقفون خلف السحرة الذين تقدموا قبل الملك الذي وقف و وقف خلفه الأتباع الى جلالة الملك العظيم الأسد الأعرج "جاري ماتا" ثم أخذوا يرقصون رقصات لها معاني عندهم يضربون الأرض بأرجلهم ضربات ذات إيقاع ثم يستديرون دورات محسوبة ثم ينثنون حتى يكادوا يلامسوا الأرض و يقومون في حركات موقعة و هم يتلون تعاويذ نسجت كلماتها لأول و آخر مرة على هذا الكوكب ..و تقدم كبيرهم يحمل غصنا , و يحمل الاثنان الآخران إنائين من قرع , بداخل كل واحد منهما ماء له رائحة غير محببة ذات لون أحمر , أدخل كبير السحرة غصنه في الإناء الأول , و قام بالتقدم الى جهة مليكه و نثر عليه من الماء الذي علق في الغصن , و أفرغ بقية الماء على الصالحين الحكماء الذين معه و على سحرته , ليكونوا شهود صدق على ما دار من حوار بين الملكين , ثم رجع مرة أخرى و كرر نفس الشيء مع الإناء الثاني ثم توجه الى الأسود التي كانت تنظر إليه في استغراب و فعل معها نفس ما فعل مع الملك ثم تقدم الى الملك قائلا: الأسود و مليكها الأسد الأعرج جاهزة لتتقبل استقبالك و التحدث إليك يا مولاي..
.
متابعة بإذن الله







  رد مع اقتباس
/
قديم 01-06-2019, 02:06 PM رقم المشاركة : 84
معلومات العضو
إيمان سالم
عضو أكاديميّة الفينيق
تحمل وسام الاكاديمية للعطاء
إحصائية العضو







آخر مواضيعي

إيمان سالم غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

السياسة تجارة و الحرب سلعة تباع في سوقها كما أن السلام سلعة تباع أيضا في سوق السياسة , الرابح فيها من يعرض السلعة في موسم الحاجة إليها و أنهم عرفوا وقت حاجتها لكن الشاري الناجح هو الذي يقلب ميزان ربحها و خسارتها قبل أن يساوم في شرائها.

جميلة هذه الفقرة ومعبرة ..


ماشاء الله قصة جميلة لم اتمم القراءة بعد وصلت للفصل السابع و لكن استمتعت جدا
و شدتني الاحداث .. كردفان أو أرض الرجال زاخرة
بالصور و المشاهد الغنية و الشخصيات الرائعة في ملامحها و عفويتها التي
نقلتها باقتدار مبدعنا .. كنت أقرأ و بالتوازي أمر سريعا على ويكيبيديا للتعرف على
الاماكن التي ذكرتها الى جانب المعلومات التاريخية الشيقة التي أوردتها
و وجود شخصية تونسية من مدينة بِنْزَرْت/هيبو خلق توليفة جميلة سودانية تونسية

لا يمكن توقع ما قد يحصل في بقية الفصول و لا
تكهن نهاية بل الأمر مفتوح على أكثر من تأويل و هذا زاد من نسق التشويق ..

تحياتي أخي الفاضل و الأديب المبدع أ.طارق
بالتوفيق ان شاء الله لاكتمال هذا العمل الجميل
و لمزيد الأعمال ان شاء الله

تقبل الله صيامكم
و صالح الاعمال
و كل عام و انتم بخير ..


خطر لي ما رأيكم أستاذي بـ "كردفان " أو " أرض الرجال " كعنوان
مجرد اقتراح اجدد التحية






  رد مع اقتباس
/
قديم 01-06-2019, 04:12 PM رقم المشاركة : 85
معلومات العضو
جمال عمران
فريق العمل
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية جمال عمران

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

جمال عمران غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأسد

اخى طارق
..وخايف منك ..بس بجد انا تهت ..ده فوق عناء تلف النظارة ..وسوف أقولها لك وأجرى بسرعة البرق لأتخذ ( دشمة) تحمينى من صواريخك.
( انتا بتغيب تغيب وتظهر فجأة وتختفى بأسرع مما تظهر).
( يبدو أنك بتسرق الوقت زى حالاتى وتكتب بمواعيد ) ولا يمكن تجاوزها.
سلامو عليكو ياعم..وأنا مالى .
مودتى






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:08 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط