لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: ما لكم وللشعر (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: جحش الجحاش (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: خوْفي أنُّو يطَوْطُوا للوطنْ!٠٠٠ (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: عندما يبيض الدّيك .. (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: ومع القملِ تأتي الصئبانُ!٠٠ (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: حُبْ بَدَوِي عَفِيفْ (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: دروس في اللغة العربية (آخر رد :خالداحمدمحمود)       :: رماد العار / يحيى موطوال (آخر رد :يحيى موطوال)       :: قِصَّةُ الْعَرَب (آخر رد :عبد الغني ماضي)       :: في ظل سدرتنا العريقة(غزة) (آخر رد :نوال البردويل)       :: *بوارق الامل.......* (آخر رد :نوال البردويل)       :: القدر المحتوم... (آخر رد :نوال البردويل)       :: لوحة لم تكتمل (آخر رد :نوال البردويل)       :: الإبنة المدللة (آخر رد :نوال البردويل)       :: يا شيخُ قلتُ لَهُ.. لكنني قمحُ! (آخر رد :الشاعر حسن رحيم الخرساني)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ۩ فينيقيو بيــــديا ⋘

۩ فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-11-2016, 07:56 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي

الناص محمد الصالح الجزائري
النص بين جبلين..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



النص :
ـــــــــــــــــــــ

بين جبلين..

مِنَ الْوَنْشَرِيسِ إلى قَاسِيُونَ..
امْتِدَادُ دَمٍ عَرَبيٍّ ودينْ..
إِذاَ مَا اشْتَكَى الْوَرْدُ فِي مَغْرِبِي..
تَأَلَّمَ فِي شَامِنَا الْيَاسَمِينْ..
فَمَنْ أَطْلَقَ النّارَ عَمْدا..
عَلَى الْفَاتِحِينْ ؟
وَمَنْ ذَا الَّذِي قَدْ رَمَى طَارِق بْن زِيَادٍ ،
بِوَهْمِ الْجُنُونْ؟
وَمَنْ قَسَّمَ الْقَلْبَ شَرْقًا وَغَرْبًا ،
فَأَعْمَى الْعُيُونْ ؟
إِذَا لَمْ نُلَمْلِمْ بَقَايَا الشَّتَاتِ ،
تَلاَشَتْ ملَامِحُنَا أَجْمَعِينْ..

القراءة
ــــــــــــــــــــ


بين جبلين..
عنوان يبحر بنا للتأمل ما بين جبلين والأبعاد الحدودية التي ترافقهما..
بين جبلين .. أودعنا الخيال للتفكر ملياً بأحداث جرت بينهما.. أو بمعارك تناحرت بينهما أمم.. أو لربما بينهما نامت نخوة أو كرامة أوتعالت صيحات التخاذل وتفتحت أعين الذل والتقاعس..
شاعرنا الراقي المبدع الواعي لمجريات الأحداث بعين ثاقبة ودراية عالية..يبدأ بذكر اسم جبلين حيث قال:
مِنَ الْوَنْشَرِيسِ إلى قَاسِيُونَ..
جبلان أحدهما في الجزائر والآخر في سوريا.. وهنا يقطن قمة الإبداع والتوظيف الجغرافي لبث نزف حرفه وما يحمل من أبعاد تاريخية يبحر فيها الشاعر من خلال عمق الجرح الذي ينزف من حسه ليرسم لنا لوحة راقية الجمال يسكنها الوجع.. فمن يبحر في القاموس الجغرافي يجد أن الشاعر قصد البلدان التي تقع على امتدادهما .. وجميعها بلداننا العربية التي كان لها تاريخاً في خارطة الوجع والأسى والذل.. وما زالت هذه البلاد التي تجتمع تحت لواء أمة واحدة في امتداد النزف وجريان الدم العربي.. قال الشاعر في وصفه لهذا الامتداد النازف:
امْتِدَادُ دَمٍ عَرَبيٍّ ودينْ..
إِذاَ مَا اشْتَكَى الْوَرْدُ فِي مَغْرِبِي..
تَأَلَّمَ فِي شَامِنَا الْيَاسَمِينْ..
الله الله على هذه الأيقونة الدامية والعدوى المتفشية في الوجع في أمتنا العربية والإسلامية.. وهذا الوصف الموجع والذي يترابط تحت نصل الحروب التي أطلق عنانها حكام لا يخافون الله وقد زرعتهم الغرب لتمزيق هذه الأمة.. تخطيط مدروس من مئات السنين للقضاء على نفحات تاريخنا العريق وسيرة قادته الأبطال ك طارق بن زياد وصلاح الدين وخالد بن الوليد..الخ.. فقد عرف ساسة الغرب أن الأمة العربية والإسلامية إذا نهضت أماتت الزحف الغربي والغزو الفكري وثمرة الاقتصاد التي يفرضونها على عالمنا والكل يغط في نوم عميق.. ساستنا لا تدرك ما يدبره الحاقدون وما يحيكون من مؤامرات وتخطيط لتمزيق وحدة الأمة العربية .. لا يدركون أيدي هذا الأخطبوط كيف تمتد وأين تنغرز وأين تمزق...
هذه الأمة ما ينقصها الا فقه التخطيط وحسن التدبير وليس فقط التفكير.. لا نريد منظرين لوضع أمتنا.. بل نريد تدريب قادة أفذاذ يسيرون على منهاج السماء ويطبقون حكم الله في الأرض.. ويكونون مصاحف تمشي على الأرض... ولكن هيهات لهذا أن يحدث ... والقيان تتراقص على أفكارهم وتنحت أجسادهم ذلاً وخزيا وعاراً... بل هم الذين يطلقون سهامهم في لب قضيتنا ويثيرون الأزمة تعقيداً كما قال شاعرنا المبدع:
فَمَنْ أَطْلَقَ النّارَ عَمْدا..
عَلَى الْفَاتِحِينْ ؟
وَمَنْ ذَا الَّذِي قَدْ رَمَى طَارِق بْن زِيَادٍ ،
بِوَهْمِ الْجُنُونْ؟
وَمَنْ قَسَّمَ الْقَلْبَ شَرْقًا وَغَرْبًا ،
فَأَعْمَى الْعُيُونْ ؟
إِذَا لَمْ نُلَمْلِمْ بَقَايَا الشَّتَاتِ ،
تَلاَشَتْ ملَامِحُنَا أَجْمَعِينْ..
عميت عيونهم عن الحق وأدخلوا بلادهم الحرب وأدخلوا الغرباء يجولون ويصولون بمقدساتها وحضارتها ويعبثوا بتاريخها لصالح مطامعهم الدنيئة...
لا يمكن أن يعود الشتات بتلاحم الوحدة الا اذا عدنا لمنهاج ربنا ولديننا الحنيف.. حتى لا تتلاشى ملامحنا أجمعين.. كما وصفها شاعرنا الكبير الفذ الراقي المفكر الشاعر محمد الصالح الجزائري...
رسالة قالت في أحضانها الكثير وتناسلت من جيوبها الأسى والحزن على ضياع أمتنا وهي في احتضار قادة أفذاذ وفي موت سريري لساسة يجددون لها ثقافتها وحضارتها وتاريخها...
الشاعر هنا.. في نصه بين جبلين...
يستعمل الرمز بأسلوب مبدع وبحس موجع مستخدماً الزمن وسيلة لتمكين حرفه من بث روح التأثير ..
كان للصور الرائعة كاميرا خفية قد التقطتها عدسة المتلقي لتثير حدسه وتكسبه روعة التأمل والابحار في مكنون الكلمات الراقية..
تصوير فني رائع من مصور حسي عالي النبض .. ثائر بوجعه على الأمة المكلومة..
بورك بحرفكم أستاذي الكبير المبدع محمد الصالح الجزائري..
وبورك بمدادكم الذي ما يسيل الا مدادا نقياً بذائقة أدبية رائعة..
بمثلكم نفخر وبكم نعتز
لكم كل التقدير على ما منحتم للفكر خيالاً في عالم عربي موجع..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم بسطة من علمه ونوره وهداه



النّاص عدنان عبد النبي البلداوي..
النص رجع صداك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



النص :

رجع صداك
رجّـعْ صَداك وحقق ماوعَدت به=فالجرح بالصمت باقٍ ليس يلتـئمُ
أيقظ ضميرك ، أصلح كلّ مفسدةٍ=فـللحقوق اذا جَــدّ المـسيرُ فـمُ
الشعب أمّلَ فيك الخيرَ منتخبا=خيبتَ ظنه حتـى طاله الـندمُ
مـاذا يـُقال لأحـفادٍ اذا سـألوا=عن جدّهم غير انّ الجدَ ساءهُمُ
خلفتَ نقصا وميراثا بـه عللُ=ماذنبهم ورداءُ العار ضمّهمُ
سعيتَ تأكل مالَ السُحت ملتهما=قوت اليتامى ومَنْ بالجوع يضطرم
ياشــعب تلك حثالاتٌ على زلل=صالت وجالت فلا عهدٌ ولاقيمُ
لايُلدغ المرءُ من جُحرٍ لثانيةٍ=ان التجاربَ قد فاقت بها الأممُ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ


الله الله ما أبلغ ما وصفت شاعرنا الكبير عدنان عبد النبي البلداوي..
حركت ضمائر كثيرة كانت في غفلة من أمرها.. قد وثقت بمن لا يحملون كتاب الله في أفعالهم.. بل نسخوا وطبعوا ما اقترفته أيدي الظالمين من قبل وتماشوا وفق نظام آبائهم الذين لطخوا التاريخ بإجرامهم وانتهاك حرمات الله دون ورع ولا وجل..
والشعب مسكين إذا أطعمهم من جوع ، نسوا ضمائرهم هم أيضاً واتبعوه غياً .. أين الذي يحمل الأمانة والرسالة في الحكم.. قد صادروها وفق نظام مبيوع ووفق أهواء ومصالح غربية..
فلا حرمة للإنسان عندهم .. ولا حرمة لحدود الله على الأرض..
أضاعوا دين الله فنسيهم الله ولن يرحمهم.. وسيسلط عليهم من لا يرحمهم ومن جلدتهم.. لأنهم عاثوا في الأرض الفساد وقتلوا الحرية وطعنوا الحق في صلبه.. فأنّى لهم النصر والتوفيق من الله.. لأن الله يمهل ولا يهمل أحداً أبداً .. وكل ما أُخذ بالقوة سيسلب منهم بالقوة.. لكن هذه المرة سيكون بقوة الشعب الذي سار مغمض العينين تحت شعارات زائفة.. سيتحقق وعد الله بالنصر لأهل الحق..
شاعرنا الكبير القدير المبدع عدنان البلداوي
أتقنتم الوصف وأجدتم التعبير وفق ألفاظ وصلت الأعماق.. وذلك من صدق ما كتبه قلمكم الفذ..
قصيدة غاية في الإبداع والرقي غلّفتها المشاعر الصادقة والفكر الرزين وسقيتم أبياتها بالضمير الصادق الحي ..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم من نعيم الدنيا والآخرة
شكراً كبيرة لتحفتكم ولوحتكم البديعة هذه..



الناص احمد المعطي
النص ضحك الهلال..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــ

ضحك الهلال

ضحك الهلال وقد غزاهُ بُكاءُ
لما فشتْ في أهلِه البغضاءُ
وتنابزوا والشهرُ يدعو للصفا
وَهُمو على وصف الرسولِ غثاءُ
رمَضانُ شهر التوْبِ يفتَحُ كفَّه
كرَماً فصومُ العابدينَ سَخاءُ
خيرُ الشهورِ ونورِها في حلكةٍ
تزْري بأحلام الألى ليْلاءُ
يأتيكَ بالخيراتِ وهي كثيرةٌ
فاغرفِ إذاً تُهدى لك الآلاءُ
واعملْ لصالِحَةٍ تفوزُ بخيرِها
وابذلْ ففي بذل الكرامِ نَماءُ
واحقنْ دَماً بالحقِّ كانَ مُحرَّما
وامسكْْ بحبل الله فهوَ نَجاءُ
تظفرْ بخيرِ غنيمةٍ وَصفّيَّةٍ
ما في الجواري مثلها حسناءُ
في ليلة القدر اجتلاءُ جلالها
و"القدرُ جائزةُ لها سيماءُ
للعابدينَ الساجدينَ تهجُّدٌ
فيها وفيها نعمةٌ ورَجاءُ
في القبلة الأولى دموعٌ لمّ تزلْ
فوق الخدودِ يُسيلُها الأعداءُ
من عين خنساءِ الزمانِ سخيّةٌ
تهمي وترفدُ دمعَها خنساءُ
في الشام والفلّوجَة الأزْرى بها
متنطعٌ.. مِا شأنها صنعاءُ!
في كلِّ قُطرٍ تستغيثُ كرامةٌ
وتسيلُ من عين الكريمِ دماءُ
يا ويْحنا والنارُ تلفحُ وَجْهَنا
نأبى النَّجاةَ فيفرَحُ الغُرَماءُ

القراءة
ــــــــــــــــــــــ


في هذه القصيدة نرى أن الشاعر قد قسمها للوحتين ساحرتين.. قد اكتنزت بفكر مستنير وحكم تفيض بمواعظ تفوح نفحاتها بتزكية النفس .. وتطهيرها من براثن هذه الحياة ..
اللوحة الأولى.. يقول الشاعر فيها:
ضحك الهلال وقد غزاهُ بُكاءُ
لما فشتْ في أهلِه البغضاءُ
وتنابزوا والشهرُ يدعو للصفا
وَهُمو على وصف الرسولِ غثاءُ
رمَضانُ شهر التوْبِ يفتَحُ كفَّه
كرَماً فصومُ العابدينَ سَخاءُ
خيرُ الشهورِ ونورِها في حلكةٍ
تزْري بأحلام الفتى الليْلاءُ
يأتيكَ بالخيراتِ وهي كثيرةٌ
فاغرفِ إذاً تُهدى لك الآلاءُ
واعملْ لصالِحَةٍ تفوزُ بخيرِها
وابذلْ ففي بذل الكرامِ نَماءُ

فأتى رمضان والبغضاء ما زالت تتفشى بين أبناء الجسد الواحد..
لقد قدم لنا الشاعر لوحته الطيبة النفحات المباركة للأوصاف الرائعة.. حيث يصف حال هذه الأمة عند حلول رمضان الخير والنور..
فقد ضحك الهلال لهذا الشهر العظيم ليغمر الأمة بفضله وخيراته.. ويفتح أبواب التوبة والصلاح على مصراعذها لمن يريد تغيير ذاته ويفز بغنيمة هذا الشهر العظيم الذي خصه الله له..
أتى رمضان وهو يحمل بين ثناياه الخير العظيم
ويبسط كفيه لباغي الخير أن يقبل إليه محملا بنفحاته المباركة
وينثر عطر لياليه لمن يتهجد ويتعبد ايماناً واحتساباً لرب الكون وخالقه..
ويفرد أجنحته ليضم من كان في تدبر وخشوع وتفكر لتقشع حلكة الظلام بأنوار السماء وهي تتلألأ من نور الله.. فيراها القلب وتسبح بها الجوارح وتسجد الأنفاس تعظيماً لحرمة هذا الشهر العظيم المبارك...
ضحك الهلال وهلّ رمضان.. رحمة للعالمين.. لتنتظم عبادة الفرد وعلاقته بالله..
أتى ليغسل هذه الأمة من براثن الضعف والهوان ليعيد لها بناءها المجيد وعمارة الأرض من جديد.. ليكسوها تغييراً جذرياً إذا ما كانت الأفراد في استقباله طائعين مخلصين صادقين في عبادتهم مستغفرين عن زلاتهم مستنجدين برحمة الله وعفوه ورضاه..
أتى لتكتمل الأرواح نقاء وطهراً شهراً كاملا وتستطيع تغيير هوى النفس وتقويمها لتتعلق بعين السماء..
شهرٌ قد أكرمنا به الله لإعادة برمجة أنفسنا بما يتفق من نور القرآن وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام.. وما أحوجنا إليه هذه الأيام لنغير من أنفسنا وننهض بأمتنا لتغيير الواقع المرير لواقع نعتز به لندحر عنه أعداء الدين والظلمة الذين قد شربت قلوبهم القسوة والعداوة للإنسانية وتجردوا من معالم المخافة من الله..
ضحك الهلال حين فاز بهالات ونفحات هذا الشهر العظيم ليكون بوابة العبور لتغيير واقعنا المؤلم الذي غامت في سمائه سبل الأمن والأمان.. لواقع يحمل الأمل وتتكاتف فيه القلوب تحت راية الإيمان وتتجدد خلايا النفوس من البطر إلى العدل والنور..
لا نريد أن تبقى قيود الهوى تكبل الروح تحت وطأتها ونزواتها في كهف المعاصي والذنوب.. بل نريد أن نكسرها لتتحرر نحو النزاهة والطهارة في التعبد بإخلاص لله رب العالمين..
لنخرج من ظلمة المعاصي وسطوتها إلى تزكية النفس وتوجيهها نحو أفق النور..
في هذه الأبيات التي نظمها الشاعر إنما تعتبر وصف لنفحات رمضان وما فيه من بركات وفضل.. ودعوة من الشاعر للفوز بنفحاته العظيمة حيث قال:
واعملْ لصالِحَةٍ تفوزُ بخيرِها
وابذلْ ففي بذل الكرامِ نَماءُ
هنا نشعر بجمالية الأوصاف وهي تنساب طوعاً من قلم الشاعر ليقدم لنا أوصاف تعزز من انغماس الروح بهالات إيمانية تغرس حلاوة الطاعة في النفوس وترسم لرمضان باقات مضيئة يطمس معها ظلام الفكر ليوقظه في خشوع وتدبر وينير غرفاته ليواكب مسيرة التغيير نحو واقع نلتمس فيه الخير الكثير..
في هذه الأبيات الراقية نظماً وعذوبة في الموسيقى.. نجد دعوة الشاعر لنا لتوجيه سلوكنا ونياتنا نحو ما يمكن أن يسمو بأرواحنا وينقي سريرتنا ويشد من عزيمتنا نحو اغتنام فضائل هذا الشهر العظيم..

ينتقل الشاعر من لوحة التوجيه الخاص للفرد للوحة التخصيص العام .. فيما يتفشى الألم وتسيل الدماء في بلادنا العربية في شهر الله العظيم.. حيث يكمل خريدته الراقية بقوله:
واحقنْ دَماً بالحقِّ كانَ مُحرَّما
وامسكْْ بحبل الله فهوَ نَجاءُ
تظفرْ بخيرِ غنيمةٍ وَصفّيَّةٍ
ما في الجواري مثلها حسناءُ
في ليلة القدر اجتلاءُ جلالها
و"القدرُ جائزةُ لها سيماءُ
للعابدينَ الساجدينَ تهجُّدٌ
فيها وفيها نعمةٌ ورَجاءُ
في القبلة الأولى دموعٌ لمّ تزلْ
فوق الخدودِ يُسيلُها الأعداءُ
من عين خنساءِ الزمانِ سخيّةٌ
تهمي وترفدُ دمعَها خنساءُ
في الشام والفلّوجَة الأزْرى بها
متنطعٌ.. مِا شأنها صنعاءُ!
في كلِّ قُطرٍ تستغيثُ كرامةٌ
وتسيلُ من عين الكريمِ دماءُ
يا ويْحنا والنارُ تلفحُ وَجْهَنا
نأبى النَّجاةَ فيفرَحُ الغُرَماءُ

ضحك الهلال.. ليلتمس حقن الدماء في أيام بارككها الله وأنار بها الأرض من خير وبركة وجزاء عمل بالكثير من الأجر والثواب من الله..
حين جاء محمّلاً بالبشرى نحو إعادة صياغة هذه الحياة والفكر الإسلامي ليمسك بتلابيب التغيير لواقع غير مستقر حيث تفاقمت فيه النكبات والهزائم في كل زوايا هذه الأمة المكلومة والتي مازالت تبحث عن نافذة الخلاص من كوابيس القادة الظلمة الذين لا يفقهون من إدارة الواقع قيد أنملة لصالح الأمة وصالح الشعب المسكين..
فقد جلبوا لنا" تسونامي" جديد من عنف ومذابح وانتهاك لحرمات الله ومقدساته وهم يتغطون بلحاف الدين .. حتى تزايدت أمراض الأمة في كل بلادنا العربية والتي ذكرها شاعرنا الكبير في خريدته المبدعة هذه.. وتغيبت عن الوحي الرباني لتنغمس في ضلال مبين من أثر استعمار النفوس والأرض.. ولن يعيد للأمة مجدها إلا إذا قمنا ببناء فكر منير من وحي السماء لبناء مشروع فكري متكامل لنهضة حقيقية تشمل العالم العربي والإسلامي وتبذر الوعي في تربة حضارتنا وثقافتنا وهويتنا لنقوم بقوة من جديد..
وليكن رمضان النور هو أول الخطوات نحو التغيير..لأن الله تعالى يقول"
" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[الرعد:11]...
وما أبلغ قول الشاعر في بيت قصيدته الأخير حين يقول:
يا ويْحنا والنارُ تلفحُ وَجْهَنا
نأبى النَّجاةَ فيفرَحُ الغُرَماءُ
ولتكن هذه الكلمات دعوة خير ونور وبصيرة لكل من يتنفس النور من كتاب الله عز وجل..
أن ننقذ أنفسنا من الوقوع فيما حرم الله .. من معاصي وذنوب وقتل وفحش على جميع أنواعه .. لنكون من الذين يفوزون برضا الله تعالى..
...................
ضحك الهلال
قصيدة سالت من ينابيع الإبداع على حرير الشعر .. وزينت سماء الأدب بألفاظ طوت في تجاويفها الحكم والمواعظ ..
ونثرت بحروفها البليغة ونظمها البارع درر الدعوة إلى حياة مجيدة نقية في أجواء رمضان المبارك .. لتكون بوصلة التوجيه نحو تغيير ملموس في النفس أولاً ثم بالمجتمع العربي والإسلامي ثانياً..
لقد أشبع الشاعر قصيدته بصور شعرية متكاملة البهاء تملك روح القوى الحسية والفكرية .. وهي في ألفاظ البلاغة البارعة والتراكيب المتينة..
استعمل الشاعر كلمات تخاطب الفرد وكلمات تخاطب الجماعة.. وهذا مؤشر توجيهي حكيم ليشمل المجتمع كوحدة متكاملة متجانسة.. وليكون متعاضد كمنظومة واحدة..
واستعمل الشاعر أيضاً فعل الأمر.. لأن الوضع لم يعد يحتمل الصمت والسكون والهوان.. يأمر الفرد والجماعة ليهبوا بإصلاح النفس أولاً ثم التوجه نحو المجتمع ليتكامل البناء وتلفظ البلاد أنفاسها انطلاقاً من هذا الشهر العظيم الذي عنونه الشاعر ب ضحك الهلال.. ليستقيم الحال ويبدأ الأمل بالإزهار...
الشاعر الكبير أحمد المعطي المتألق دائماً في سماء الشعر والأدب.. بوركتم وما سطر قلمكم الفذ من نفحات عطرة وحكم بليغة
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم بسطة نن النور والخير والعلم.



النّاص د.نديم حسين
النص سيفٌ على يمني !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


سيفٌ على يمني !

سائِليني عن هوى بردى=واستفـِزِّي موقـدًا بـَرَدا
ميسَلوني أُغرِقـَتْ بدَمي=في وريديْ فاصـِدٌ رقـَدا
ناوبَ البـَدريُّ في بدَني=بعدما فـَضَّ الهُدى أُحـُدا
ما سباني في الـدُّنا أَحدٌ=أو رآني ظالـِمـًا أَحـَدا
أحرقَ العُربانُ صومعَتي=ثمَّ ساموا نارَها الـزَّبَدا
يقصـِفُ الأوغادُ ساعدَنا=كي تـُؤاخي عينُنا الرَّمـَدا
للمعاصي روحهُم سجدَتْ=خلفـَها شيطانـُهُم سجـَدا
لو رفضنا عدَّهم بشَرًا=ما أَهـَنـَّا العـَدَّ والعـَدَدا
لو نخـَتهـُم قُدسـُنا قعـَدوا=كي يبيعوا بعدَها صـَفـَدا
يقصِفونَ الأَهلَ في يـَمـَنٍ=وانتـَخـَوا : مـَن يتـَّمَ الوَلـَدا ؟
قـَحطـَنونا ، عـَدنـَنوا دمـَنا=كي يُجافي روحـُنا الجـَّسَدا
يقتـُلونَ الغابَ في صـَلـَفٍ=كي يـُصيبوا جوفـَهُ الأَسـَدا !
يفقؤونَ العينَ إنْ دَمـَعـَتْ=يذبحونَ الخبزَ إنْ وُجـِدا
يا ذليلاً شئـْتـَها مـِزَقـًا=وحـَّدَتْ آثامـُكَ البَلـَدا
بـِعْ سليلَ الرَّملِ واحتـِنا=واحرقِ الأَرزاقَ والكـَبـِدا
لم تنـَلْ من عزمـِنا أبـَدًا=يا مـُؤاخٍ عـُهرُهُ الأَبـَدا
زارِعَ الأَكفانِ في صـَلـَفٍ=رِجسـُهُ والعارُ ما حـَصـَدا !.

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


سيف على يمني...
قصيدة تتوازى مع الوجع لهذه الأمة والميزان..
قصيدة لبست سربال الأنين وهي تعزف ألحانها على نول المعاناة الصارخة في كل أرجاء أمتنا المنكوبة...
كل حرف غزلتها ريشة الشاعر الثائر المبدع يعبّر عن قدوم قوافل من الويلات بيد من يحركون هذا الشرق وفق أهوائهم ورغباتهم.. يوظفون أبناء جلدتنا ليكونوا سيوفاً على رقابناً .. مهّدوا لهم فكرة المذاهب والطائفية لتكون سلاحهم لتمزيق شمل هذه الأمة التي اتسعت دائرة غفلتها عن الحق وعن منهاج ربها .. فباتت لا تتقن الرقص على وجع الغرب ولا عادت لعزفها على جرح المغتصب للأرض..
وولاة الأمر في جولة غربية يثملون من أفكار وفكر مسموم مسخت فيه العقول العربية الحرة وتحولت لتمثال لا يجيد إلا الصمت البغيض..
لكن ومهما اجتهدوا في تنسيق وتنميق المؤامرة على دحر هذه الأمة.. إلا أن محاولاتهم ستبوء بالفشل عاجلاً أو آجلاً .. فقط لأن الله سينصر دين الحق ولأنه وعد أن بلاد الشام وفلسطين لن يعمّر فيها ظالم وإن طالت الأيام والسنين... والله يسخر عباده الصالحين ليحملوا راية الحق ويجاهدوا بها لنصرة دين الله ونشر سبل الحرية والسلام والأمان والأمن..
لكن ما نحتاجه إعادة غربلة لأفكار ترسّخت بالذهن التي تناسلت الذل والغياب عن دروب الله..ونحتاج لأعادة اتزان ومحاسبة للنفس لنكون في حدود الله مجاهدين للحق ورفع راية الدين الحق لقبة السماء..
.....
الشاعر الكبير والمبدع القدير د.نديم
قصيدة قالت الكثير ونزفت حروفها وجعاً على حال هذه الأمة..
فوقفنا بين أغصانها متأملين ظلالها وثمارها الناضجة التي أوحت للفكر بالحياة وللخيال بالتحليق في أفق الجمال والإبداع والسحر..
فكانت خريدة تستحق الإجلال والتصفيق
أستاذي الكبير.. لك كل احترامي وتقديري لهذه اللوحة الماسية التي تعلق على خيوط الضوء لتكون منارة لكل عربي ثائر
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وشكراً لكم على تحفتكم الثمينة هذه..وبارك الله فيكم



النّاص باسل التاجر
النص بسمة ألم ودمعة قلم...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بسمة ألم ودمعة قلم

هزيمُ الشــرِّ أرهقهُ صمودي
على مــرِّ الدقــــائقِ والعقودِ
يسافرُ في بلادِ الشعرِ حرفي
يرى الأبياتَ ذابلـــةَ الورودِ
كأنَّ السعد في الأشــــعـارِ يومٌ
وينمو الحزنُ في جُزرِ الخلودِ
بلادٌ قد كســــــاها الدهر حزناً
ويحكي أمسُها قصص الأسُودِ
أراقبُ دمعــــةً في عيــنِ كهل ٍ
يراقبُ زحفَ قافـــــلةِ الجنودِ
يناجي في السماءِ فتاتَ حلمٍ
تُفتتُ حُلمَهُ بـِدعُ الحــــــــدودِ
أأكتبُ عن نساءٍ في سجونٍ
يمزقُ طهرهنَّ أذى اليهــودِ ؟!
وتعصرُني الحياةُ أسيلُ شعراً
كوقعِ النارِ في حُفرِ الوقــودِ
وتذبحُ أحـــرُفي صرخاتُ يتمٍ
تُنادي الأمَّ (يا أمّاهُ عودي)
أموتُ وفي فؤادي ألف روحٍ
كموتِ الحق ِفي زمنِ الشهودِ
سأنهضُ من قبورِ الصمتِ يوماً
لأكسِــــــــرَ كلَّ أقنعــــةِ القيـــودِ
وأعزفَ في فضاء الشعرِ لحناً
يبثُ الـــروحَ في جسدِ الوجودِ

القراءة
ــــــــــــــــــــــ


الله الله على جمالية هذا الحرف الذي يغرف الإبداع من بساتين الجمال ويغلفها بمسحة من الحزن والألم...
قصيدة كتبتها الروح والمشاعر قبل أن يرصدها القلم ويرسمها المداد.. حروف قبلتها غزة الأبية الصامدة ومحرابها سوريا العظيمة..
شاعرنا الكبير المبدع الفنان في رسم حدود الحرف وغرس أوتاده بين خيوط الشمس..الأستاذ الراقي باسل التاجر..
لقصيدتكم هذه تحليق عال وقوة سبك وحرفية متمكن من أدواتها وجزالة ألفاظها وعمق معانيها..
وصفت الألم وهو ينز في القلوب على ما آلت إليه أوضاع بلادنا الحية الحبيبة .. حيث تسلطون بوصلة وجعكم نحو غزة وحصارها بروح الوجع.. ولكننا اليوم نحن من يمسك بتلابيب هذه البوصلة ونحن نوجه رأسها نحو الدعاء لسوريا الحبيبة أن يحفظها بالصمود ودحر كل من تجرأ على نشر الفساد فيها والفتن ...وقلوبنا ودماءنا تستعد لنصرتها ...
أستاذنا الكبير .. لحرفكم وجع قد صوبته نحو الصميم وهو يتجرع المرارة والحسرة على كل الوطن ..
فقد وصفتم أوضاع البلاد بحرفية متقنة من أول حرف لآخر حرف.. وجسدتم وجع المعاناة بأسلوب مميز وقدرة عالية في التوظيف لجمالية كل كلمة نطقها قلمكم الفذ.. لتصبح لوحة فاتنة ساحرة ممتلئة بصور إبداعية متألقة..
قصيدة ناطقة جامعة لعناقيد الجمال وسمات القوة في البناء..
بورك بهذا المداد والسحر وهيأ لكم وبلادي سوريا كل أسباب النصر على الظلم وطواغيت الكفر.. ونشر الله فيها الأمن والسلام والحق
جزاكم الله كل الخير أخي الفاضل على معزوفتكم الموجعة
وسعدت جدا أن قرأت لكم لأول مرة ما ينساب من فوهة قلمكم السامق ولن أترك أرض حرفكم أبدا
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النّاص ابراهيم محمود الرفاعي
النص نملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نملة

نَملةٌ هزَّت فؤادي
ليتها قادت بلادي
حسَّها العالي فقدنا
فارتكسنا في الوهادِ
أنذرت شعباً نقياً
من رسولٍ لم يعادِ
قاد جنداً للمعالي
سُرِّحوا في بطن وادي
يا جموع النَّمل هيَّا
اسلكوا درب الرَّشادِ
واتركوا الوادي سريعاً
واستعدوا للبعادِ
يقظةُ الواعين حصنٌ
من خميسٍ أو عوادي
قد دنا منَّا عظيم ٌ
لم يُلبَّد بالفسادِ
دون أن يدري وينوي
قد نُوشَّح بالسوادِ
ثم نبكي بين لعنٍ
وانتقادٍ للعبادِ
شِرعةُ الإنسان لؤمٌ
مثل أشواكِ القتادِ
إن تخلَّى عن ضميرٍ
ناسفاً دربَ الودادِ

القراءة
ــــــــــــــــــــــــ


الله الله الله .. على هذا الإسقاط الرائع على حال أمتنا العربية.. قادة وشعباً..
وعلى هذه الرمزية التي تتجلى في صورها المجسدة بين أنامل الشاعر القدير والمبدع
إبراهيم الرفاعي.. حفظه الله..
وانطلاقا من الرمزية المتقنة في العنوان.. نملة.. الذي يوحي للكثير من المفاهيم والدروس والعبر
رمزية قالت لي الكثير وأتمنى أن أستطيع تجسيدها بالحرف من خلال بعض كلماتي المتواضعة .. والتي نستطيع بناء مجلدات من خلال ما استوحاه هذا العنوان المختصر بكلمة الممتلئ فحواه بكتب..
من مملكة النمل.. ومفهومها كعمل ونشاط داخل هذه المملكة ومن النظام التي تتبعه في نظام حياتها.. والتي كتب الله فيها سورة النمل منفردة.. لنستوحي منها تلك الدروس العظيمة التي تعلمنا معنى النظام ومعنى الولاء والطاعة لرأس الأمر .. نتعلم منها سر الخالق سبحانه في أضعف خلقه.. ويقدم لنا أعظم العبر والحكم المستوحاة من هذا النظام المتسلسل حلقاته المتقن تنظيمه..
فيها شعب يميزه الطاعة والعمل الدؤوب.. دون التأفف والعصيان ودون أن يخل بالنظام .. ودون أن يترك القطيع ليؤسس مجموعة عمل لوحده ..
لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. ما هي صفات هذا القائد الذي يستحق الطاعة والولاء..
هل هو ممن ينصفون عدل السماء على الأرض ويقيمون شرع الله وإعلاء كلمته ليسود الأمن والأمان.. أم هو من الذين امتلأت نفسه بمنافع الأهواء وإرضاء الذات بعيدا عن مبدأ المساواة ومبدأ الشورى الرحيم..
على كل حال..مبدأ الطاعة لرأس الأمر .. لا يأتي إلا بالتحقيق للمآرب والأهداف..والنصر للقواعد المفروضة من قبلهم.. وهنا تأتي اهمية الطاعة للقائد.. أن كان هناك قائد يستحق الولاء.. وان كان موجودا.. فالجميع يعمل على قصفه وقضم جذوره خوفا من الإستيلاء على كل الحدود تحت لواء الاسلام... وهنا الخوف الغربي من الزحف الإسلامي على كل معالمهم.. لما يحمل من أهداف ربانية وشريعة بيضاء..
نعود للنمل والدروس والعبر من النظام الذي يمارسونه في حياتهم العملية.. كلٌ يعرف دوره .. لا يتعدى على الآخر أبدا.. وهذا سر العمل الناجح.. يعمل ويشكر الله لا القائد او أي مصدر آخر .. إنما يعمل بحمد ربه ورضاه.. ولو قرأنا عن عجائب النمل الزجاجية لسجدنا في محراب الله ولن نستطيع النهوض من عظمة الباري وقدرته العظيمة في تدريبنا من خلال قصة النمل وسورة النمل..
بعد هذه العبر من الشعب ننتقل لخواص وصفات القائد الرحيم الذي يرعى شعبه الضعيف المنكوب بعين الرحمة ويعمل على حمايته ويقدم الإرشاد والتوجيه الحق في التصرف مع شعبه .. تماما كقادة شعبنا اليوم.. الذين يسلطون يد البطش على شعب بريء ويقدمهم قربانا لأهوائه وللنصر لذاته.. وهذا التصرف يدل على الضعف وليس على القوة..
فالإنسان القوي هو الذي يملك من الحكمة والهدوء وحسن التدبير بعد شهد التدريب.. والذي يملك حسن التصرف..
هذه شرعة الإنسان لؤم.. مثل أشواك القتاد..
أن تخلى عن ضمير .. ناسفا درب الوداد
كما قالها الشاعر الكبير الرفاعي
هكذا هو الإنسان حين يسود الأرض بجبروته تاركا شريعة الله ومنهاجه من التطبيق على أرض الله..
من مواطن الجمال الذي انسكب فيه هذا الحرف.. الى مملكة الشكر التي اقدمها لهذا الشاعر القدير
..أن شكرا وبورك برمزية حرفكم العظيم.. وبقلمكم الذي ينثر الجمال والإبداع على أوسع أبوابه..
دمتم أخي في روضة التألق ترسمون لنا لوحاتكم القيمة من مدادكم النقي
وفقكم الله لنوره ورضاه وزادكم بسطة من العلم والنور



النّاص رياض منصور
النص راتب قلق..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


راتب قلق

في دفتري
صبيّة طموحة
وراتب قلقْ
ودمية قديمة
منزوعة اليدينْ
مسلوبة العينينْ
وثوبها خلقْ
في دفتري
فراشة ووردة
محبوستان في نفقْ
تشتكيان مثلكم
قهر السّهاد والأرقْ
في دفتري
سفينة من الغراء والورقْ
تشجّعت فأبحرت ...
تبلّلت ...تمزّقت ...
مسكينة قد حرمت
من لذة الأمواج
ومتعة الغرقْ
في دفتري
بشارة تلوح في الأفقْ
قصيدة حزينة
وفكرة مخنوقة
بعلبة المكياج
وربطة العنقْ

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ


في هذه القصيدة الرائعة الماتعة لون جديد وأفكار جديدة تبعث الخيال عبر مساحات من الخيال لتجسيد عمقها الوارق ودلائلها الوارفة..
الشاعر هنا عرض لنا أربع لوحات طرزت بديباجة من جمال.. وكل لوحة اتخذت صورة تحاكي الواقع المؤلم وتعيد للماضي نفحاته البريئة.. وكلها كانت ضمن دفتر الذاكرة الذي
يتغنى بحوزة الشاعر.. يقول الشاعر في لوحته الفنية البديعة وصوره العميقة وألفاظة الراقية..
في دفتري***
صبيّة طموحة***
وراتب قلقْ***
ودمية قديمة***
منزوعة اليدينْ***
مسلوبة العينينْ***
وثوبها خلقْ
...
في هذه اللوحة ما أرى إلا صورة هذه الأمة التي ما زالت في صباها وهي تتغنى بأمجاد الماضي وترسم للواقع أجنحة التحليق نحو الأمن والأمان وهي تطمح بذلك إلا أن الفقر ما زال ينفش ريشه بين جسدها ويغرز مخالبه بين شعب يمتثلون بصمت كالدمى بلا حراك لا يملكون أيدي الدفاع عن ثراهم ومسلوب العينين عن حقيقة حكامهم وما يزالون بلباس خلق وهو لباس الجاهلية البغيضة ..
أمة ما زالت في صباها لكن التدنيس قد وطأها وداس معالمها وأنشب أظفار الغدر بين جدرانها بكثرة مذاهبها وقلة المتقين من أفرادها.. ينهشون لحمها ويأكلون خيرها تحت مسميات مذهبية وطائفية خرجت عن دائرة الإيمان وليس لها من الدين بشيء..
صورة رسمتها ريشة الشاعر بعمق ما أوحى الخاطر والفكر والخيال بين دفّتيها وبين أغصانها الوارقة.. لتحديد معالم هويتها ونسخ جماليتها وفق ما صوّرته الحروف للفكر من عمق.. ولهذه الصورة عدة تأويلات حية على أرض الواقع ودلالات متعددة بجمالية راقية ..
.....
ثم ينتقل الشاعر للوحته الثانية بقوله:
في دفتري***
فراشة ووردة
محبوستان في نفقْ
تشتكيان مثلكم
قهر السّهاد والأرقْ
.....
الفراشة والوردة إنما هما إسقاط على حالة الطبيعة النقية وكل شيء جميل وبريء في الوجود..***
محبوستان... إذ يقع هنا اغتصاب للطبيعة وللجمال حيث لم يدع الإنسان شيئاً جميلاً إلا وانتهكوا جماله وبراءته وداسوا على الطبيعة بقنابلهم وتفجيراتهم وسفكهم للدماء والزهور والطير والفراش ما سلم منهم..***
كل ما في الطبيعة يشتكي الله ظلم البشر وظلم الطغاة الذين لا يخافون في الله لومة لائم..
هنا لوحة جسدت القهر والألم الذي أصاب كل شيء في الحياة ولم يقتصر على الإنسان وحده..
لوحة مبدعة وعميقة الدلالة والصور.. توحي بالكثير.. وتشحن الفكر نحو حقائق حية قد مارست التجنيد قهراً بين فصائل الطبيعة وأجناس البشر..
......
ينتقل الشاعر للوحته الثالثة المبهرة ذات أبعاد كثيرة بأوصاف ساحرة.. يقول:
في دفتري***
سفينة من الغراء والورقْ
تشجّعت فأبحرت ...
تبلّلت ...تمزّقت ...
مسكينة قد حرمت
من لذة الأمواج***
ومتعة الغرقْ
من حبل دفتر الشاعر يمد مداده ليعيد لنا في الذاكرة من قصص القرآن الكريم.. إذ وجدت من سفينة سيدنا نوح عليه السلام رابط يربط بين سفينة الماضي وسغينة اليوم.. وكلاهما متعاكسات تماماً...
سفينة نوح أو فُلك نوح حسب الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية هي سفينة صنعها سيدنا نوح بأمرٍ من الله تعالى لحماية عائلته والحيوانات وجميع الكائنات الحية من الطوفان العظيم بعدما كثر شر الناس.. وازدادت الفتن والمعاصي .. وعاث الفساد في الأرض.. فجاءت حكمة الله تتجلى لإنقاذ الأرض وقسم من أهلها الصالحين لتعيد للأرض كيانها الطاهر وتبدأ برحلة جديدة من دعوة الله لدينه وعبادته وتتفتح ينابيع الحق بالخلق من جديد.. فكان الأمر من العليّ القدير..
ليحمل فيها من آمن معه من قومه، ليهلك جميع من تبقى من المفسدين من قومه الذين كذبوا رسالته بطوفان عظيم...
لذا جاءت السفينة كعملية لحمل الحق وإنقاذ الأرض من شر البشر.. فهي وعاء لتحقيق العدالة وبث الخير ..
أما ما جاء في سفينة الشاعر فكانت مصنوعة من الغراء والورق... بناؤها هش وأعمدتها واهية.. إذ أن أركانها ضعيفة قد صنعتها حكام منفعة ومطامع ذاتية.. قد ابتعدت عن دروب الله وانمحت فيها معالم الحق.. والفساد عم وطم بين أرجائها.. فكيف لها الصمود وقد عاث فيها الفساد ليكون التمزيق من أعماقها وتخترقها ثقوب غربية أجنبية..
وللسفينة تأويلات عدة.. أهي سفينة الدعوة إلى الله.. أم هي سفينة الحياة .. أم هي سفينة الحكم والسياسة العمياء.. والكثير الكثير من التأويلات...
إلا أن هذه السفينة التي بحوزة الشاعر .. ما هي إلا والغرق وعدم المتعة بهدفها وغرضها لم تحظى به على الإطلاق...
لوحة فنية راقية الأبعاد نقية الهدف .. قد رسمتها أيدي فنان يعرف غرس حرفه بإحكام وحكمة...
ثم ينتقل الشاعر للوحته الرابعة والأخيرة بقوله:
في دفتري***
بشارة تلوح في الأفقْ
قصيدة حزينة***
وفكرة مخنوقة***
بعلبة المكياج***
وربطة العنقْ
الشاعر هنا يحاول أن يفرض البشارة ولو ومضاً ليحرر النفس من أزماتها ويعيد ترتيب الأمل للحياة من جديد في مجتمع بات ينعي الأمن والإستقرار ...
بشارة تلوح بالأفق.. لكن أية بشارة هذه.. لتكون قصيدة حزينة من أنامل مبدعة.. تغلفها الأفكار المخنوقة وتزينها الألوان المصبوغة من علبة المكياج لتحاول تسكيت الجراح وصمت الآلام.. وهي تزين الأحداث الراهنة والوقائع المدمية بفرشاة الألوان الزاهية لربما غيّرت من الظاهر شيء.. أو جلبت للواقع صورة بمسحة جميلة لتعكس أملاً أبيضاً..
نحاول تزيين الواقع بلمسات ملونة لنقنع أنفسنا بواقع آمن...
صورة من خاطر الشاعر عكست معالم ذكراه ومعالم الواقع المرير.. لتكون عابرة وذكرى لا ينقشع بريقها من العيون..
صور متلاحقة مرصوصة بجمالية خيال خصب وفكر ناضج يأخذ بنا لأفق واسع التفكير يسبح
الفكر فيه بحرية واسعة التأويل...
.....
الشاعر القدير المبدع رياض منصور
شكراً لهذا الطرح الذي تفرز فيه أفكارك بطريقة إبداعية رائعة عميقة الألفاظ والمعاني تعتمد فيها على خلق كل جديد في الأفكار ..
بورك قلمكم المبدع ووفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير..



النّاص جوتيار تمر
النص طفلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


طفلة

أمس..
في اللّيل الأخير
وجع يستدرج ذاتي لموت بطيء
أنين يسرق السمع
يجيء من ظلّ طفلة ترسم الألم همسا
تساءلت الذات........
لِمَ تستغيث في شجن الهمس؟
أ هو فقدان دمية تؤنسها ؟
أم رياح تمر بين أمسها...
ونزف الفصول ..
التي قطعت أوردة من حولها
أُمٌ تقرع القبر بالكفن...
أخٌ يفتحون جثته للنار فيملأ الأرض بلون الغيوم الذبيحة
هنا وهناك سواد يغازل الحقد وسكين يلوح للأعناق..
يهبط اللّيل وتتسع الحناجر بصرخات تترامى فوق الجثث...
وبيوت ذابلة ، شاحبة ، تجهل الأحلام ...
هذه طفلة تئن وتُعلم السواد كيف يردد تراتيل الموت
هذه مدينة تعد المراثي وأشرعة الكره
طفلة وحيدة ,,,,,,,تجلس على شرفات الليل
تستدرج دمية في الحلم وصوت أمّ ترفض المجيء
تحمل رماد وجه أخ في الكف المختلط بدم رمادي
هي تدرك أنا الوحيدة المنفردة بوجعها منذ حمامة سقطت
فوق سطح بيتها ....
تدرك انه لا مكان الا لغربان تنعق فوق المآذن
هي تدرك أن الفصول في ذاتها بطعم الحجر
وروح معطّلة يترصدها الموت


القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


طفلة
أمس..*
في اللّيل الأخير*
وجع يستدرج ذاتي لموت بطيء*
أنين يسرق السمع*
يجيء من ظلّ طفلة ترسم الألم همسا*....
" الله الله على ما تنحت الحروف من صور رسمت بريشة الوجع وتلوّنت بلون الدماء..
بدأ الكاتب لوحته الفنية الباذخة بكلمة " أمس" وهذا يعكس أن الحدث قد تقوقعت فصوله وأحداثه من تراكم مسبق .. لم يكن ابن اللحظة بل هو يتنفس من دخان الأمس ويستدرج أنفاسه حتى الليل الأخير .. ويقول الكاتب"وجع يستدرج ذاتي لموت بطيء" هذا الوجع إنما كانت عصارته طوال الليل ولم يقل الكاتب أول الليل.. إنما حصر الوجع في آخره بعد أن تمرغت الروح بالألم وفاضت بالأنين.. وهذا كناية عن عمق الوجع ونحته في الذات من ظواهر عدة تشعبت في مسببات الألم..
" أنين يسرق السمع" من شدته وحرقة أثره ونخره في مسامات القدر ليجعل من الأنين الشديد دروباً لدهاليز وقنوات السمع برمّتها..***
هنا صورة مبهرة عميقة مثقلة بالجمال ونحتها في دقة التصوير..
وكل هذه الصور جاءت من وحي طفلة.. من ظلّها الذي ترسم منه الألم بهمس.. وكلمة همس هنا.. ربما لأنها تصارع الموت والوجع لوحدها لا مؤنس ولا قريب تبث له بما تحمله.. لذا يأتي الوجع همساً لأنه يصارع الدروب مفرداً..
هذا الوجع يستدرج روح الكاتب لموت بطيء لنزيف طفلة لم تضمد جراحهابالذات..
ويكمل الكاتب لوحته الفنية الغنية المكتظة بالصور الإبداعية بقوله:
" تساءلت الذات........*
لِمَ تستغيث في شجن الهمس؟
أ هو فقدان دمية تؤنسها ؟*
أم رياح تمر بين أمسها...
ونزف الفصول ..
التي قطعت أوردة من حولها
أُمٌ تقرع القبر بالكفن..."
في هذه المقطوعة النثرية الراقية.. ينتقل الكاتب لحوارية ذاتية في عملية إستفهامية في فلسفة عميقة لفهم الواقع المرير الذي يتلخص بنموذج حي تلخّص في طفلة.. والتي يمكن لنا أن نحدد معاني كثيرة لهوية الطفلة والتي يمكن أن تقع على حال هذه الأمة التي ما زالت في فقه فكرها طفلة بريئة لا تدرك وعي الأحداث والتراكمات التي تنبثق من جهل في استراتيجيات مجتمعنا الأعرج..
تساءلت الذات.. عملية التساؤل هذه إنما تنبع عن رحمة الأفراد واهتمامهم ببعضهم البعض.. وربما عملية التساؤل هذه تعتبر عملية توجيهية للبحث عن مواطن الضعف في المجتمع الغض للمساهمة في الكشف عن العلة وإصلاحها من جذورها.. وهذا ما يتمثل في التعاضد والتكاتف بين أفراد المجتمع الواحد..
وقول الكاتب: لم تستغيث في شجن الهمس.. أهو فقدان دمية تؤنسها
أم رياح تمر بين أمسها؟
سؤالٌ يحاول أن يجد له إجابة وهو يصارع فكره بتحديد نوعية الأزمة التي تلاحقها والتي يمكن أن تكون قد تعددت مواجعها..***
الدمية هنا تقع على التسلية والمتعة بمنتهاها.. فالإنسان يمارس عواطفه وشجونه وغضبه لدمية يتنفس عبرها همومه لأنها لا تتحرك ولا تعترض ويقلبها كيف يشاء بحرية كاملة دون أن يعترض عليه أحد بحكم الصمت والخنوع.. وهذا كما حالة العرب الدمى بين أنياب الغرباء يلوكونهم دون اعتراض وهو يتلذذون بتقليبهم وطيّهم كيف يشاؤون..
فالدمية لها دلالات عديدة تقع على صمت العربي والتبعية البغيضة..
وعملية فقدان دمية يعني فقدان الذات ونزع الثقة وفوضى الحواس..
وهذا نوع من الألم الشديد الذي يتعرض له الفرد الطفل لأنه ما زال في مرحلة النضوج المتأخر..***
ثم يرمز للدمية للصمت القاتل وإسقاط على حالة هذه الأمة..
ولربما أعاصير الماضي وبؤرة وجعه ونزفه ما زالت آثارها متراكمة من حروب حصدت الأهل والتي وصفها الكاتب بوصف يفوق الجمال والسحر .. ونزف الفصول ..
التي قطعت أوردة من حولها
أُمٌ تقرع القبر بالكفن..."
هنا صورة مغروزة في عمق الوجع التي ورّثته الحرب للأجيال المختلفة..فالأوردة هم من الأهل والمقربين.. ونزف الفصول كناية عن الوجع الذي يلامس الأرض بكل الأوقات بلا فرق بين فترة وأخرى..
والصورة الحية التي يجسدها قلم الكاتب الفذ والموحية بعمق الوجع قوله:
"أخٌ يفتحون جثته للنار فيملأ الأرض بلون الغيوم الذبيحة
هنا وهناك سواد يغازل الحقد وسكين يلوح للأعناق..
يهبط اللّيل وتتسع الحناجر بصرخات تترامى فوق الجثث...*
وبيوت ذابلة ، شاحبة ، تجهل الأحلام ..."***
صورة يصورها الكاتب بنبضه الحي ليجسد الحقيقة التي يمارسها الإنسان بأخيه الإنسان تحت أصناف عدة من ممارسات التعذيب البشعة والقتل الإجرامي الذي لا تنص عليه شريعة..
تنتهك حرمة الإنسان أمام ولاة الأمر والكل مغمض العينين موؤود الخطى..مقطوع اللسان بالصمت ينطق ويحكم..
هنا التشابيه مكتظة بارعة النسج تنطق عن بلاغة وفصاحة وقوة الكاتب ومهارته في انتقاء الكلمات وملاءمتها للحدث لتكون في قالب متماسك متين.. وهذا بحد ذاته قمة في الإبداع والتصوير ..
*فالغيوم الذبيحة التي كانت محملة بالخير والمطر قد أبادوها عن بكرة أبيها .. ذبح الطفل والمرأة والشيخ وحتى الشجر لم يسلم من هذه المذاهب والفرق التي تتفنن في الذبح والقتل

وتعقّ الأحلام وتتجاهلها..لتمتلأ الأرض بالنواح وصراخ الثكالى والأيتام أمثال هذه الطفلة..
يكمل الكاتب لوحته الفنية الذهبية.. بقوله:
" هذه مدينة تعد المراثي وأشرعة الكره*
طفلة وحيدة ,,,,,,,تجلس على شرفات الليل*
تستدرج دمية في الحلم وصوت أمّ ترفض المجيء*
تحمل رماد وجه أخ في الكف المختلط بدم رمادي*
هي تدرك أنا الوحيدة المنفردة بوجعها منذ حمامة سقطت*
فوق سطح بيتها ....*
تدرك انه لا مكان الا لغربان تنعق فوق المآذن*
هي تدرك أن الفصول في ذاتها بطعم الحجر*وروح معطّلة يترصدها الموت"
وصف لحالة الدمار وأنفاس الحروب التي ما زالت تعج الدروب وتحصد الأنفس في أيام رمادية اختلطت بدماء البشر..
هذا هو وصف المدينة التي بترت أعمدتها عن بكرة أبيها وباءت تنام ولعنة الطين ملوثة بوحل من جهل ولا تدبير حكم.. طفلة تدرك أن المكان لا بشر فيه ينبض بالإنسانية بعد أن تحجرت القلوب والروح ولا يسكن المدينة إلا الغربان .. دليل وإسقاط على الخراب والدمار الذي حل بالمدينة من اقتراف الظلم وممارسته بين البشر.. فلا عبادة لله تعيد اتزان النفس وإصلاحها .. حيث وصفها الشاعر هكذا بقوله.. أن الغربان تنعق فوق المآذن.. دليل هجران العباد لدينهم وعبادتهم وتجردهم منه ليطغى الفجور والفساد في كل مكان...
هذه اللوحة تستحق تاج الإبداع والتألق لنعلّقه على رؤوس الكلمات في حفلة الأدب الراقي.. وننسجها على خيوط الشمس لتظهر بإشراقتها في كل مكان يدب فيه الأدب الراقي..
الأستاذ المبدع الفنان المصور بكاميرات قلمه للواقع الحي الذي نعيشه في هذا العصر..
الأستاذ الأديب الشاعر جوتيار تمر
تحية كبيرة جداً وتصفيق حار لهذا الإبداع المتفرد في تشريح الواقع المؤلم.. لوحة فنية لا مثيل لها تستحق الصدارة ووسام الشرف على صدر الأدب..
شكراً لكم ولتألقكم الذي لا ينقطع
وجزاكم الله كل الخير ووفقكم لما يحبه ويرضاه



النّاص صلاح أبو شادي
النص فلسطين وسط العاصفة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فلسطين وسط العاصفة

(أَخي جاوَزَ الظالمونَ المَدَى)=فَمَنْ لِلْجِهادِ وَمَنْ لِلْفِدى
أَتَحْمي حِمانا قَصائِدُ شِعْرٍ= وَصَوْت خَطِيبٍ بَدَا مُرْعِدَا ؟
وهَلْ نَفَعَتْنا سُيوفُ القَصيدِ= وذادَتْ عَنِ الناسِ ثَوْبَ الرَّدَى ؟
بِلادِيْ وَتنْزِفُ مِنْها الْجِراحُ=وَهَانَ الْفِدائِيُّ وَالْمُفْتَدى
إِلامَ سَنَبْقى نُمَجِّدُ فِيها =انْتِفاضَةَ شَعْبٍ وَنُعْلِي الصَّدَى
وَهَلْ نَكْتَفي بِانْتِقاءِ الْحُروفِ=وَقَرْعِ الدُّفُوفِ وَذَمِّ الْعِدى
وَعَرْض الْحِجَارَةِ فِي كُلِّ نَادٍ=وَبِيْع (المَقاليعِ) في المُنْتَدى
أَنُخْفي الرّؤوسَ بِحُلْمِ السَّلامِ=وَنَحْلُمُ أَنَّ الضِّيا قَدْ بَدا ؟
أَيَذْهَبُ حُزْنُ الثَّكالى هَباءً=وَيَذْهَبُ ذُلُّ الشَّبَابِ سُدَى
أَنَزْرَعُ فَوْقَ الْجِراحِ وُروداً=وَنَسْكُبُ فَوْقَ الدِّماءِ النَّدَى
أَنُمْسِكُ غُصْناً بِصَمْتٍ كَئيبٍ=وَنَخْتَارُ مِنْ بَيْنِنَا مُنْشِدَا
فِلِسْطِينُ هُنْتِ فَهَانَتْ نُفُوسٌ=وَحَدُّ السّيوفِ عَلاهُ الصَّدا
أَنَنْتَظِرُ النَّصْرَ مِمَّنْ أَضَاعُوا = سَبِيلَ الرَّشَادِ وَدَرْبَ الهُدى
فَكُلُّ الْمَسَاجِدِ تَشْكو الْعُقُوقَ = وَأَضْحَتْ لِحِقْدِ الْعِدى مَوْقِدا
وَأَقْصَى الْعُرُوبَةِ مَسْرَى النَّبِيِّ = يُهَوَّدُ جَهْراً وَلا مُنْجِدا
وَأَرْضُ الْخَلِيلِ تَلُوكُ الْجِراحَ = وَتَنْعي الْعُروبَةَ والْمَسْجِدَا
وَكُلُّ الْمَدائِنِ بَلْ كُلُّ شِبْرٍ = يُقَادُ إِلَى جَالِبَاتِ الرَّدَى
أَيَا وَطَنِي أَيُّ ظُلْمٍ أَرَاهُ=وَكَيْفَ أَضَعْنَا دُرُوبَ الْهُدَى
أَمَا آنَ لِلْحَقِّ أَنْ يَنْبَرِي=أَمَا آنَ لِلذُّلِّ أَنْ يُصْفَدا
بِلادِيْ ،وَقَدْ كذب القائلون := فلسطين إِنّا أجبنا النِّدَا
فَمَاذَا جَنَيْنا مِنَ العُرْبِ إِلاّ = مَصَائِبَ كَانَتْ لَنَا مَوْقِدَا
ضَيَاعُ التُّرَابِ وَثَلْمُ الْحِرَابِ = وَنَكْثُ الْعُهُودِ وَطَمْسُ الْهُدَى
بَنُو يَعْرُبٍ قَدْ مَلَلْنَا الْوُعُودَ= وَنَار القُيُودَ وَعُهْرِ الْعِدى
بَنُو يَعْرُبٍ طَالَ عَهْدُ الْجُحُودِ = فَمَا قِيلَ أَمْسٌ يُقَالُ غَدا
فَمِا عَادَ لِلنَّاسِ فِيكُمْ رَجَاء = فَإنَّ السُّبَاتَ غَدَا سَرْمَدا
وكيف سنرجو من الميّتين = بُلوغُ الْأَمَانِيَ والسُّؤْدَدَا
فَهَلْ سَالَ دَمْعٌ عَلَى جِيِفَةٍ = وَهَلْ رَفَّ جَفْنٌ عَلَى رُقَّدا
(بِلاديْ ويَحْمي حِماكِ الشبابُ)=وَلكِنَّ فوْقَ الرِّقابِ المُدَى
فِلِسْطِينُ يَحْمِيكِ رَبٌّ رَحِيمٌ= سَيَنْصُرُ مَنْ أَقْبَلُوا سُجَّدا

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ



الله الله لهذا الحرف المتين المجبول بالوجع على بلادنا فلسطين.. حرف نقش بين الضلوع وهو ينبض بالصدق بأرض بارككها الله سبحانه..
حرف تألق جسمه وفكره وعلمه وهو ينحت حروف الألم التي ما زالت تنزف لليوم من عشرات السنين..
بوح بسحر الحرف وعمق المعاني وجزالة الألفاظ التي تشير على الشاعر المبدع أستاذنا الكبير صلاح أبو شادي..
كلمات هزت القلوب ونزت الأرواح وجعا على هذه الأمة اليوم...
أصبح الوجع يتكلم نيابة عنا والهم يهرول نحونا .. من ضياع أنفسنا ومن عدم تلاحمنا وتعاضدنا.. تفرقنا فنهشت الفرق المختلفة والغرب أجسادنا.. اختلفنا فاصطادتنا الكلاب لحراسة بيوتها.. فماذا بعد لنا اكثر من ضياع أصابنا وغربتنا لأنفسنا وبعدنا عن ديننا وشريعة ربنا ...
ماذا نريد أكثر من أن يوحدنا لواء وغاية وهدف وقاعدة وأساس وفكر وحق وأمن وعدل أكثر من منهاج الله تعالى..***
لكن العبث في وريد هذه الأمة المسلمة من أبناء جلدتنا .. يكثرون السياط علينا ولا يرحمونا ولا يتركوا للرحمة منفذ وشهقة انطلاقة..
ابتعدنا عن دروب الحق فأضلنا الله.. تركنا التوكل على الله واتكلنا على الحكام والقادة فأذلنا الله... اليس هذه عبرة لنا للعودة لحضن محراب الله ؟؟؟؟؟
ألا من معتبر ومتعظ؟؟؟ هيهات هيهات على حكامنا من الموعظة والإعتبار..إلا أننا جميعا في محل المسؤولية والأمانة لا نقف لهم مكتوفي الأيدي .. بل يجب أن نجاهد بكل ما نملك لنعيد نصاب الحق مكانه.. والله ولي ذلك والقادر عليه...
وما يكتبنا ونكتبه إلا الوجع الذي أصبح أسطورة يحدث به الأجيال.. وأصبح منقوش على صفحات التاريخ .. ولن يمحى طالما الطغاة على ثرى مقدساتنا ..
لكن بالوجع صنعنا أمة الصمود وحفرنا أمجادا سيحين قطافها قريبا بإذن الله...
وما الوجع إلا مدرسة الصبر والصمود .. به ازدادت الإرادة وجبلت الدماء قوة فوق قوة...
ومن لا يسكنه وجع هذه الأمة ولا يلامس أنينها.. بتنا في حاجة لتهليلة صحوة توقظ فينا جذوة التغيير والتحرك نحو اتجاه آخر يمحو الركود ويثير عصب الأمة في بناء نظام يقوم على إخراج هذه الأمة من احتضارها وقلع قيم الكفر التي تسيطر عليها أذرع الظلام المنبثقة من ولاة الأمر لنستطيع حينها دحر الإحتلال الذي يهيمن على بلادنا من عشرات السنين والتي كانت غاية وهدف في السيطرة على فلسطين وتمزيق بلاد الشام لتحقيق مآربهم في بناء هيكلهم المزعوم والسيطرة على المسجد الأقصى..لكن
لن يكتبنا التغيير نوراً مادام النوم والغفوة بين ذراع الظلم والشرك والكفر بأنعم الله..
لن يكتب النصر لهذه الأمة إلا تحت لواء الحق والعودة لمحراب الله كما تفضل الشاعر بأوصافه الفاتنة في رصد ما وصلت إليه هذه الأمة...
شاعرنا الكبير المبدع صلاح أبو شادي
جزاكم الله كل الخير على خريدتكم المبدعة هذه وسحر حروفكم ونبضها البليغ في تجسيد وتشريح الوجع الذي وثلت إليه الأمة اليوم
بارك الله فيكم وبمداد قلمكم العبق وشكرا على صوركم الشعرية الفذة المتناغمة مع الحدث وأوصافكم العميقة الراقية
وفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النّاص نوال الردويل
النص إلى السادة البكائين...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إلى السادة البكائين

أتركوهم بسلام يستعدون لأيام العيد دون أن
تقذفوهم بحمم غضبكم المكبوت
بعد أن تفرغ جيوبكم في الأسواق
تذرفون الدمع الكاذب
لتلبسوهم حلل الحزن
أليس من حقهم ككل الأطفال فرحة
تعيد لهم ابتسامة غابت حتى في العيد
بينما أطفالكم حولكم يفرحون ويمرحون
صحيح أن اليتم حرمهم الكثير
لكنه العيد.....
فكم هم بحاجة لابتسامة...
لا لدمعة تنهك ما تبقى بداخلهم من حياة
بحاجة لأن تفتح لهم الأبواب
لا أن تسد النوافذ ليختنقوا بأنفاسكم البائسة
ابكوا وتباكوا في كل الأيام
إلا في يوم العيد اعتقوه لوجه الله
من فضلكم
امنحوه الحرية ليتنقل كيفما يشاء
يفرد جناحيه يلقي بتحيته للأطفال
في كل مكان
فهو الأقدر على أن يهبهم السعادة
بقليل دراهم دعوهم يخلقون الفرح
من خلال طائرة ورقية
مرجوحة لعبة بلاستيكية
قطعة حلوى أو حبة شيكولاته
أغمضوا عيونكم
واحتفظوا بدموعكم وجيوبكم
وكفاكم كفاكم ....تمثيلاً وتدجيلاً

القراءة
ــــــــــــــــــــــ


عنوان مثير ومليء برصاصات تقذف تلك الضمائر المزيفة على ساحة عربية مشحونة بقناع الذل والزيف ..
لكن نفوسهم مكشوفة من تحت أفعالهم الدنيئة..
أطفال غزة وأطفال الحروب في كل مكان يعلموننا معنى الحياة ومعنى الصبر .. فقد صقلت نفوسهم الهدم والحرب والتشريد والحصار وأصبح كل طفل بمثابة أمة.. يتقن فن العيش ويرهب عدو الله.. هم من يعلموننا كيف نتحدث وكيف نقاوم..كل طفل يحمل في قلبه الرجولة ويقف أمام الدبابة لا يهاب عدو الله .. يكافح بقليل من الوسائل والتي هي بمثابة نار على الأعداء.. إذا تحدث أصغى له الحاكم والملك إذ خطابه وفصاحته التي تعلمها من الوجع تفوق مؤتمراتهم وخطاباتهم والتي تجد من هؤلاء الكبار لا يتقنون تصفيف الكلام ...
وإن سلبوا المتعة والفرحة بالعيد لكن العيد عندهم يوم يجابهون أمة الكفر والضلال ويتخرجوا من بطون أمهاتهم أبطال أحرار للكلمة ..
يا لهؤلاء الأطفال الذين حرموا لذة السعادة في الأمن والإستقرار ولم يتذوقوا طعم الأمان والحرية حتى مع ألعابهم التي بقروا لهم بطونها وجمالها... هم القوة والفكر والأمل في جيل المستقبل.. فالوجع والألم يعلّم فنون التحمل وفنون التصدي لكل ظالم ومعتدي...
ومن يتباكى على أوجاعهم وحرمانهم غدراً ورياء وتسقيطاً للواجب .. نقول لهم اليوم لهم وغداً لكم وليس ذلك ببعيد..
ومهما طال الحزن والهم فسينجلي الليل وتشرق الشمس ويندحر الظلام تحت غطاء النور...
الأستاذة الراقية الغالية نوال البردويل
شكراً لك أيتها الراقية ورسالتك العميقة الباسلة وقلمك الثائر على أذرع الظلم وأنياب الظلام في كل مكان..
بوركت وبورك هذا البوح الذي يكشف ما وراءه بعمق
دمت أيتها الرائعة وما تزرعين في بساتين الأدب من جمال الفكرة وإبداع اللفظ..
وفقك الله لما يحبه ويرضاه وزادك من فضله ونعيمه



النّاص محمد تمار
النص عندما يبيض الديك....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قَالَ رَبُّ الدَّجَاجِ لِلدِّيكِ كُفَّا
إِنْ تُؤذِّنْ نَتَفتُ رِيشَكَ نَتفَا
قَالَ سَمعًا وطَاعةً فَحيَاتِي
مِنْ صِيَاحِي أَغلَى .. وَآثَرَ خَوفَا
قَالَ نَقنِقْ كَمَا الدَّجَاجِ وَإِلاَّ
جَزَّ سَيفِي مِنْ رَأسِكَ الضَّخمِ عُرفَا
نَقنَقَ الدِّيكُ صَاغِرًا وَتَغنَّى
وَاهِمًا أَنَّ للإِهَانَةِ سَقفَا
قَالَ بِضْ لِي كَمَا يَبِضنَ إِذَا لمْ
تَكُ تَرجُو وَجرَ الثَّعالبِ مَنفَى
فَبكَى الدِّيكُ قَائِلاً مَنْ تَخلَّى
عَنْ مَبَادِيهِ بَاضَ أَو سِيمَ خَسفَ

القراءة
ــــــــــــــــــــــ


الله الله على هذا العمق في الفكر والفكرة التي ينطوي بين ثناياها عبر ودروس وحكم..
هكذا هو الشعر الذي ينبثق من قلم يحدد وجهة شعره ويوظفه برسالة لاذعة منتقدة لواقع مرير وإسقاط لحالة شخصيات هذا العصر
المجنون بتنويع الفساد والفتن والقتل بشتى الطرق..
يا لهذه السخرية التي تنساب من قلم قدير مبدع يعرف أين يضع غرسه وفي أية وقت يحتسب الحرف..
ففي قول الشاعر مدرسة لمن أراد أن يتعلم الصد لطرق الخنوع والذل والهوان ويخضع للكبار الجبابرة الذين يخضعون شعوبهم تحت سطوة التهديد والقتل والتوبيخ وإخضاعهم لآرائهم ومبادئهم وتهديدهم وهم يقبعون من ثمت وطاعة متنازلين عن شهامتهم وحقهم وكرامتهم..
يقول الشاعر ..
قَالَ رَبُّ الدَّجَاجِ لِلدِّيكِ كُفَّا
إِنْ تُؤذِّنْ نَتَفتُ رِيشَكَ نَتفَا
هنا الشاعر يوظف كلمة.. رب الدجاج.. ليتسنى لنا مدى سيطرة الكبار على الضعفاء وإخضاعهم لرغباتهم وإن كان على حساب كرامتهم وحتى شريعتهم.. فالدجاج هم الذين لا يملكون مواطن الحرية ولا التعبير ولا الصراخ في وجه الظلم ..ما عليهم الا التنفيذ فقط يطأطأون رؤوسهم من خنوع ..
يهدد رب الدجاج الديك ألا يرفع صوته ويخضع لحكمه كالدجاج وما عليه إلا تنفيذ الأوامر خوف أن يلقى حتفه.. وهنا الصور التي يوظفهاةالشاعر قمة في التجسيد ويدل على وجود مصور متقن لواقع مؤلم عاث فيه الفساد وغابت منه قناديل الرحمة وغرست القسوة في قلوبهم بل هم كالحجارة أو أشد قسوة..
الخيال هنا يتحكم به الشاعر ويأخذنا لواسع فقهه وبديع معانيه وقدرته على ملائمة الشعر لسربال القصة كي يزرع فينا لغة التشويق والمتابعة الحثيثة لكلماته وألفاظه المبدعة..
قَالَ سَمعًا وطَاعةً فَحيَاتِي
مِنْ صِيَاحِي أَغلَى .. وَآثَرَ خَوفَا
وطبعا لأن الكثير اليوم ينقنق دون أن يدافع عن حقه وأرضه وعرضه يكون مصيره الذل والمهانة.. والهوف دافع لئيم وقوي للحفاظ على حياة الشخص لكن يكونومنزوع الكرامة قد باع صوته للصمت والمهانة..
قَالَ نَقنِقْ كَمَا الدَّجَاجِ وَإِلاَّ
جَزَّ سَيفِي مِنْ رَأسِكَ الضَّخمِ عُرفَا
هنا التعابير الفذة التي تبث الإرهاب والتهديد على شعب لا يملك من نفسه الا أن يتهاوى ويسقط كالآخرين دون محاولة للصمود ونبذ لغة الإستعباد والتهديد..
نَقنَقَ الدِّيكُ صَاغِرًا وَتَغنَّى
وَاهِمًا أَنَّ للإِهَانَةِ سَقفَا
قَالَ بِضْ لِي كَمَا يَبِضنَ إِذَا لمْ***
تَكُ تَرجُو وَجرَ الثَّعالبِ مَنفَى***
فَبكَى الدِّيكُ قَائِلاً مَنْ تَخلَّى***
عَنْ مَبَادِيهِ بَاضَ أَو سِيمَ خَسفَا
وفي نهاية هذا الجمال من النسج والإبداع يترجم الشاعر لغته المدموجة شعرا وقصصا
بحكمة الكبار الأفذاذ وهو يبكي دليلا على قمة الذل الذي وصل إليه دون طاقة تبديد لهذا الظلم الواقع على أمتنا اليوم..حكمته التي تعتبر درسا لمن يقرأ ويرى من يتخلى عن مبادئه وقوانين أرضه ويتخلى عن كرامته أن يكون الموت له أولى وأفضل..لأن يموت المرء شهيدا يدافع عن وطنه ودينه أفضل من أن يعيش بالعار وهو يلاحقه...
شاعرنا الكبير المبدع محمد تمارالذي يتقن غرس حرفه في واحة جمالية من الإبداع والرقي والجمال..شكرا لهذا الغرس والجمال على لوحتكم النفيسة هذه حيث هي تاجا
ووشما على جبين الأدب العربي..
جزاكم الله كل الخير وزادكم منفضله ونوره ورضاه وبسطة من علمه المضيء



النّاص صلاح أبو شادي
النص رائحة الأرض...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


رائحة الأرض

تُحْرِجني دوْماً أسئلةٌ
أتلقّاها من أحفادي
هل نملك يا جدّي وطناً
قُيِّدَ يوماً بالأصفادِ..؟
ولماذا يا جدّي نحيا
والوطنُ سجينُ الأوغادِ ؟؟
ويطلّ حفيدٌ يحرجني
ويطيح بصمتي وسهادي
تُمْسِكُ كَفَّيْهِ (بأطلسهِ)
يسألني وبكلّ عنادِ
يا جدّي هيّا‎ ‎أخبرني‎
كيف اقتحموا حصن بلادي ؟ ‏
وأزالوا رسم خريطته
وتوارى الجدول والوادي‎
وتسيلُ الدمعة من عيني‎
تختنق الكلمات‎ ‎بجوفي‎
أتضورُ خجلاً من رَدّي‎
يستهجن أحفادي خوفي‏‎
أتردد .. هل كبروا حقاً‎ ‎؟‎
ولماذا أخفي ما أُخفي ؟‎
آهٍ يا وطني .. يا وجعي‎ ‎‏.. ‏‎!‎
أتساءل هل حزني يكفي ؟
أستجمع حزني ... أتذّكر
في الماضي الغابر والأغبر
‏ كادت خيمتنا تعصرنا‎
والريح بساحتها‎ ‎تزأر
و بساط الغربة يحرقنا‎
وجروح كانت تتفجر‎
تتساقط حبات الأمطارِ‎
على‎ ‎الأوكارِ .. تداهمنا‎
تتجمعُ بحراً .. يغرقنا
يتراقص ضوء المصباحِ
فيجدد ماء مدامعنا
والليل وعتمته كانت
تسكن في النفس وتقبرنا
وتعالت أصوات بكاءٍ
وأيادٍ ناعمةٍ بيضاءْ‏
كانت بحنان تحضنني‎
‏ وأفقت كسيرا .. إذ لمست‎
أيد ناعمة .. أحضاني‎
وتناثر حبي .. شرنقة‎
تحضنهم واهتز كياني
يا جدي ..لا تنس المفتاحْ
وهمست .. لكومة أحزاني‏‎
‏ ماذا‎ ‎سأجيب أحبائي
مرّت أعوام ٌقاتمةٌ‎
وبدأت ألملم أشلائي‎
ما زال الردُّ يؤَرِقُني‎
سرقتني الأيامُ بخُبْثٍ‎
تنقلُني‎ ‎أمطار الذكرى‎
تحت (المزرابِ) .. فتغرِقُني‎
وأَفَقْتُ .. وجدت أياديهم‎
من‎ ‎كلّ مكانٍ تحضنني‎
وتسيلُ الدمعةُ من عيني‎
تسقطُ كالنارِ على خدّي
وحفيد قبّل لي رأسي‎
يا جدّي‎ ..‎لا بأس ولكن‎
لا تنس الرد .. وتهملني‎
وخَلَوْتُ أُحِدِّثُ‎ ‎أخيلتي‎
وأُحَضّرُ في صمتٍ ردّي‎
يا أحفادي ... قد كان لنا‎
وطن ... كالجنة‎ ‎أو أكبر‎
وحقول تملأها الأمواجْ
وشعاب يملأها الزعتر‎
والتربةُ فيهِ‎ ‎مُقَدّسَةٌ‎
بالطهر وبالطيبة تزخر‎
ولنا أقصى ولنا مسرى‎
وبراق ومساجد تُعمر‎
قد‎ ‎كان لنا مُدُن تشدو
للحب وللمرج الأخضر‏‎
يشتاقُ الكونُ لِرؤيَتِها‎
يشتاقُ المَطَرُ‎ ‎لِتُرْبَتِها‎
‎.....وصَرَخْتُ بكلِّ معاناتي
سيعود الحسّون يغني
وإذا الأحفادُ تُفاجئني
يا جدّي هل حقّاً سنعودْ ؟؟؟
وصرخت ودمعي يخنقني
وبدونِ بروقٍ ورعودْ
ما دامت فيكمْ يا جدي
رائحةُ الأرضِ ..وبذرتها
سنقاومُ يا جدّي.. ونعودْ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


" رائحة الأرض... يا لهذا العنوان الآسر الذي استجمع كل مدارك أفكاري ووجدت فكري يغوص بأبعاده وإيحاءاته ودلائله التي تنثر عبق الوطن وتعيد للخيال أبعاده وللماضي أجندته التي تجلدنا بسياط القهر والحزن على رائحة الأرض التي انسابت بدمنا منذ ولادتنا على أرضها الحبيبة..
عنوان يحثنا للتأمل والتدبر في تلك الأرض التي جبلنا منها وإليها نعود.. الأرض التي امتلأت رائحتها الكرامة والضمير وتلحفت بالأمن والأمان الذي ينزف تحقيقه وتتمزق أثوابه بعد أن تدافعت عليه المطامع واشتهته الأذناب وقطعته إربا بالخيانة والغدر ..
الشاعر هنا قدم عنوان خريدته برائحة الأرض.. ولم يقل كلمة أخرى..إذ عنصر الرائحة يبقى يلازمنا كلما هبت نسائم الشوق واللهفة حتى من نسائم الغربة في أي أرض نكون..فقوة الرائحة تنساب مع الدم عبر الجسد ويكون لها تأثير أقوى وأشد..
ومن رائحة الأرض يشدنا التأمل بين أفياء هذه القصيدة المبهرة ليبدأ الشاعر عرض مأساة الوطن بطريقة جاذبة ممتعة عبر عملية التواصل الوراثي لحب الأرض من خلال توظيف الأزمنة والأمكنة للأجيال المتعاقبة ..وهذه بحد ذاتها عملية التواصل بين الأجيال للتمكين من الحفاظ على رائحة الأرض وقدسيتها النفيسة..
كان من الشاعر قدرة فذة في توظيف حرفه عبر الإيحاءات القصصية والحكايا التي ظهر وميضها في هذه القصيدة مما استدعى المتلقي انجذابا لمضمونها وعمقها والإبحار في أسرارها...
يبدأ الشاعر لوحته النفيسة بكلمة" تحرجني".. ولو تأملنا فحوى هذه الكلمة لوجدنا خلفها عبارات الحزن والأسى ..عبارات الخزي والعار على تضييع هذه الأرض وهدم ظلالها على أيدي قادة العرب وكبارهم الذين باعوها وقبضوا ثمنها مصالحهم الدنيئة..عبارات الخجل بسبب الأيدي المكبلة بقيود القهر ولا حيلة لإنقاذها وإنقاذ مقدساتها.. فكيف لا يكون الإحراج من جيل جديد يربد رؤية الماضي وأبعاده لتخطيط مستقبله..
عملية الإستفهام في طرح الإسئلة من أفواه الجيل الصاعد إنما هي أسلوب ذكي ومتقن من الشاعر ليعيد لنا تجديد الذكرى وفتح آفاق الفكر لإحياء عملية تغيير في جداول الوطن وفتح بصيرة الجيل الجديد على ضياع الأرض والبحث على جذور الفساد لبترها وكسر كل أغصان الخيانة التي أدت لضياعها ..وهي عملية محاكاة الماضي بالحاضر لسد فجوات الهزيمة واستعادة شيفرة النصر التي ترقد في منهاج الله..
هي رسالة يبثها الشاعر لجيل اليوم ليعيد بناء عمليات الهدم بطرق جديدة وعزيمة قوية تتجرد معها المنافع الذاتية وتسطرها الخشية من الله ..
الشاعر كان مبدعا بكل المقاييس .. وهو يرسم خريطة حروفه بإتقان مطلق حين نقش لنا صوره الشعرية بسربال السحر والجمال وهي تمضي بنكهة قصصية بارعة النسج ..
تُحْرِجني دوْماً أسئلةٌ
أتلقّاها من أحفادي
هل نملك يا جدّي وطناً
قُيِّدَ يوماً بالأصفادِ..؟
ولماذا يا جدّي نحيا
والوطنُ سجينُ الأوغادِ ؟؟
في هذه الأبيات استرسال في عملية الفهم والحوار ..التي تنم عن وعي الصغار والجيل الذي تشبع بالحصار وهدم بيته وتشريد أهله وموت أقربائه واستشهاد الأبطال..الأبيات هنا إسقاطا على جيل يرفض الواقع المؤلم والقهر ويفتش عن أسباب الإنهيار وسجن وطنه بين براثن المحتل.. وحينما يقول" ولماذا يا جدي نحيا
والوطنُ سجينُ الأوغادِ ؟؟.." هنا عملية رفض لواقع مهزوم ..وتحدي لعملية الإستسلام بالموت في سبيل الله لتحيى جذور الوطن.. ثم يأتي حفيد آخر يحمل أطلسه..بقوله:"
ويطلّ حفيدٌ يحرجني
ويطيح بصمتي وسهادي
تُمْسِكُ كَفَّيْهِ (بأطلسهِ)
يسألني وبكلّ عنادِ
يا جدّي هيّا‎ ‎أخبرني‎
كيف اقتحموا حصن بلادي ؟ ‏
وأزالوا رسم خريطته
وتوارى الجدول والوادي..
عندما ذكر الشاعر حفيد آخر له يرفض الواقع المرير..هذا يدل على كثرة الأجيال التي ترفض المأساة التي حلت بالوطن..ثم يذكر أن حفيده يحمل أطلسه..ولم يقل يحمل الأطلس..وهنا فرق واضح بأنه يوجد أطلسين..الأول الذي كانت فيه حدود الوطن الحقيقية والتي لم تمتد لها يد الغاصب بينما الثاني التي جرت عليه تمزيق الحدود ومحو رسمها الأصلي بتزييف متقن اشترك به العرب والعجم..فأطلسه هو حدود الوطن التي عاشها وتناقلها عن الأجداد وتم حفظها بالصدور وإن غيروا وبدلوها حسب أهوائهم ومصالحم..
والتساولات هنا إنما هي من باب العتاب واللوم على أهل الأرض وقادتها وتقاعسهم عن الدفاع عنها.. ويكمل الشاعر:"
وتسيلُ الدمعة من عيني‎
تختنق الكلمات‎ ‎بجوفي‎
أتضورُ خجلاً من رَدّي‎
يستهجن أحفادي خوفي‏‎
أتردد .. هل كبروا حقاً‎ ‎؟‎
ولماذا أخفي ما أُخفي ؟‎
آهٍ يا وطني .. يا وجعي
وتبدأ عملية التذكر والمحاسبة والخجل من ضياع الوطن .. والقهر الذي عبر به عن انهمار الدموع..
هنا الأوصاف متقنة جاءت سلسة غنية بالمعاني العميقة..يجسدها الشاعر من حسه الوطني الصادق وغليانه الذي ينزف.. فقد كان بارعا في الرسم من خلال الصور الحية التي وظفها في لوحته النفيسة هذه..
أتساءل هل حزني يكفي ؟
أستجمع حزني ... أتذّكر
في الماضي الغابر والأغبر
‏ كادت خيمتنا تعصرنا‎
والريح بساحتها‎ ‎تزأر
و بساط الغربة يحرقنا‎
وجروح كانت تتفجر‎
تتساقط حبات الأمطارِ‎
على‎ ‎الأوكارِ .. تداهمنا‎
تتجمعُ بحراً .. يغرقنا
يتراقص ضوء المصباحِ
فيجدد ماء مدامعنا
والليل وعتمته كانت
تسكن في النفس وتقبرنا
الشاعر هنا يبدأ بتلوين لوحته من خلال الأوصاف الرائعة التي تكحلت من عيون الأدب الراقي ..
أستجمع حزني..خيمتنا تعصرنا..والريح تزأر..بساط الغربة يحرقنا..وجروح تتفجر..
أوصاف غاية في الجمال تدل على قوة الشاعر وقدرته ..
ثم يقول في وصف الحزن وقمة الوجع وسوداوية العيش في ظل المحتل" والليل وعتمته تسكن في النفس وتقبرنا".. هنا اليلاغة والفصاحة من عناصر قوة الحرف وسحر اللغة..وبعد هذا الوصف البليغ من استجماع أكوام الأحزان تزداد طلقات البكاء قوة من إثارة الشجون والتفكر في رائحة الأرض التي ما زالت تستغيث بالله ليقول الله عز وجل في محكم كتابه": ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ..وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ..ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 7 - 9].".. وهذا ما تحتاجه أمتنا عودة لمنهاج الله والعمل بحدوده والتمسك بسنة نبيه علية الصلاة والسلام..ويوم أن أضعنا شريعة الله أضلنا الله..فلا عودة لأمن بلادنا وحربتها وكرامتها إلا في ظل محراب الله..
تتوالى الأوصاف المعبرة عن جرح القلب برقي الحرف وجمالية الألفاظ وهو يردف يقول:
وتعالت أصوات بكاءٍ
وأيادٍ ناعمةٍ بيضاءْ‏
كانت بحنان تحضنني‎
‏ وأفقت كسيرا .. إذ لمست‎
أيد ناعمة .. أحضاني‎
وتناثر حبي .. شرنقة‎
تحضنهم واهتز كياني
يا جدي ..لا تنس المفتاحْ
وهمست .. لكومة أحزاني‏‎
‏ ماذا‎ ‎سأجيب أحبائي
مرّت أعوام ٌقاتمةٌ‎
وبدأت ألملم أشلائي‎
ما زال الردُّ يؤَرِقُني‎
فالرد مازال يؤرقنا لأن حجم المأساة كبير تراكم معها التقاعس والخنوع في صد المؤامرات التي حيكت من كل حدب وصوب ومن أبناء جلدتنا التي وشمت على جباههم الخيانة وبيع الضمير..وتستمر حكاية الجد وأحفاده الذين يعبرون عن صحوة تغيير وتجديد البيعة لفهم خريطة الأحداث وتخطيط مستقبلي لهدم أسوار العدو وقلع جذوره
سرقتني الأيامُ بخُبْثٍ‎
تنقلُني‎ ‎أمطار الذكرى‎
تحت (المزرابِ) .. فتغرِقُني‎
وأَفَقْتُ .. وجدت أياديهم‎
من‎ ‎كلّ مكانٍ تحضنني‎
وتسيلُ الدمعةُ من عيني‎
تسقطُ كالنارِ على خدّي
وحفيد قبّل لي رأسي‎
يا جدّي‎ ..‎لا بأس ولكن‎
لا تنس الرد .. وتهملني‎
وخَلَوْتُ أُحِدِّثُ‎ ‎أخيلتي‎
وأُحَضّرُ في صمتٍ ردّي‎
وبين أغصان هذه الذكرى الموجعة يصف بدقة متناهية وحواره ومشاعره الصادقة والقهر الذي ينتظر على فوهة لسانه يستجمع قواه من بين براثن الضعف للذي أسكته سنوات عجاف..ويبدأ بكشف نعيم الوطن ونعمة العيش بين أحضانه يوم أن كان آمنا..يقول:
يا أحفادي ... قد كان لنا‎
وطن ... كالجنة‎ ‎أو أكبر‎
وحقول تملأها الأمواجْ
وشعاب يملأها الزعتر‎
والتربةُ فيهِ‎ ‎مُقَدّسَةٌ‎
بالطهر وبالطيبة تزخر‎
ولنا أقصى ولنا مسرى‎
وبراق ومساجد تُعمر‎
قد‎ ‎كان لنا مُدُن تشدو
للحب وللمرج الأخضر‏‎
يشتاقُ الكونُ لِرؤيَتِها‎
يشتاقُ المَطَرُ‎ ‎لِتُرْبَتِها‎
تصوير فني رائع للوحة وطنية تزخر بالجمال والعذوبة.. وتعيدنا الصور المبهرة لتاريخ الوطن وأمجاده وجماله العبق..ويعيدنا الشاعر للقطات بلادنا وهو ينفث سموم الغضب وهو يعدد سجاياها..ويعيدنا لأرض الأقصى ومسرى خاتم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام يوم أن ارتبطت الأرض بالسماء وقدسيتها التي هي بصمة أمانة على جبين كل مسلم..ويعيدنا لصراخ الأقصى وهو يستنجد الرحمة من التدنيس اليومي على أرضه والكل من الكبار نيام.. وهنا أقف من وجل لدعوة كل أبناء أمتنا بالتواجد في الأقصى كل حين لأن غيابنا هو استمرارية لهدمه والإستيلاء عليه.. فهبوا لنجدته وفروا إلى الله في محرابه...وهذه الذكرى من الشاعر أججت صراخه من تلك المعاناة القاسية..وأخيرا يفتح الشاعر الفذ أبواب التفاؤل وبصيص الأمل بقوله:
‎.....وصَرَخْتُ بكلِّ معاناتي
سيعود الحسّون يغني
وإذا الأحفادُ تُفاجئني
يا جدّي هل حقّاً سنعودْ ؟؟؟
وصرخت ودمعي يخنقني
وبدونِ بروقٍ ورعودْ
ما دامت فيكمْ يا جدي
رائحةُ الأرضِ ..وبذرتها
سنقاومُ يا جدّي.. ونعودْ
ونحن نقول ..سيعود الوطن بثوب العزة والكرامة يوم أن نلزم شريعة الله ومنهاجه..
وسنقاوم كلما هبت رائحة الوطن في أجساد أجيالنا القادمة لما يحملون من وعي وإدراك وفقه للواقع السياسي وفهم لعبة السياسة البغيضة والمؤامرات الدنيئة التي حيكت لتقسيم جسد أمتنا وحدودها ليسهل التلاعب والنهب فيها...
الشاعر الكبير وأستاذنا المبدع صلاح أبو شادي
لقد رسمتم لنا حدود الحرف وفق منظومة شعرية ووطنية بألفاظ حاكت الواقع المؤلم وجسدت حقيقته بلغة فنية راقية..
وشحنتم صوركم بتشابيه غنية عميقة جبلت بحسكم المؤثر ولغة ذات جمالية متقنة في البناء والنظم..
شكرا لكم أن منحتم الفكر يسبح في سماء حرفكم ويحلق في آفاق حرفكم المبدع ..
جزاكم الله كل الخير على لوحة تستحق أن توضع على صدر الأدب الراقي
وفقكم الله لنوره ورضاه ورزقكم بسطة من علمه وخيره المدرار



النّاص عمر الهباش
النص هروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هروب

أنصتُ لصوتكِ من بعيدٍ تحملهُ لي نسيمات الصباح العبقة المعتقة بضوع البحر فلا تصلني تضل في الدروب ,, فأغرق في رمال ِعنيدةٍ تبللُ ذاكرتي ببقايا موجها الهارب فتتلاشى كل أحلام الصباح وتهرب عائدة لزرقة الموج الأبيد

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


هروب...
عنوان يحمل عدة تأويلات ..ويفتح آفاق الذهن محملا خيوط الخيال على مصراعيه..وهذا بحد ذاته جمالية النص وسحره..
وهنا في هذا الحرف المشرق وقفنا نفتح نوافذ جماله بعدة تأويلات..منها ما يقع على هروب الأحلام في رمال الهزيمة لبناء أمل اللقاء به واستعادة ترتيبه بما يبعث الروح بالحياة بكرامة وفجر جديد..
ومنها ما يقع على المحبوبة التي تبعث في الروح جذوة السعادة ونور الأمل بعد سياط الغربة التي تلسع وخزاتها صميم القلب لتكسر مرآة اللقاء بشوق لإعادة أغصان العمر بالنمو من جديد..وتبقى الذاكرة تنعت ذكراها وقت الهروب تاركة نزف الجراح بلا تضميد..
ولكن أي هروب لا يلاحق حلاوة اللحظات الجميلة في أيامنا أيا كانت أنواعها وتحت أي مسمى.. فمع الزمن الأغبر اليوم قد تغيرت معالم البشر وتضاريس المجتمع ..لنجد الليل قد هربت منه النجوم خلف الضباب وتعرى البدر هلالا من كسوف الشمس..فكيف لا تهرب الآمال والأمل يحمل كأس الصبر ليعيد ملأه من جديد..فنغرق بين كثبان الهموم وهي تطارد النور في ظلمة الليل..
وتبقى الذكرى هي عبق العودة وعبق اللقاء ورائحة أنفاس الفجر في العيون نتطلع عليها والأمل في اخضرار ..
ليزهر القلب من جديد على بصيص الذاكرة...
الأستاذ الراقي والشاعر المبدع عمر الهباش
لحرفكم النور وبين ثناياه الأمل ..إذ يستريح اللسان وهو يتلقى أعذب الحروف التي صاغها قلمكم المبدع
كلمات لهاعدة قراأات لتجاويفها الغنية وصقلها المبهر..دمتم وحرفكم المبدع وكلماتكم الرائعة..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم من نوره وعلمه وخيره الكثير الذي لا ينقطع أبدا



النّاص زياد السعودي
النص "فسبكة"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حارت بنا الأخلاقُ ثم "تخوزَقَت"
إذْ عاث في أرواحنا الشيطانُ
"وتفسبكت" لغةُ الكلام وهادنت
مذ مات في إنساننا الانسانُ
بعض تَجِدْهُ رهيفَ حِسٍّ شاعرٍ
في شعره يتربعُ التحنانُ
فيدينُ مذبحةً هنا "متأنسنًا"
ويبيح أخرى سيفُها السلطانُ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــ


فسبكة...
ومضة لا يجيد غرسها بهذا الشكل وهذا المضمون إلا الكبار فقط أمثالكم عميدنا الكبير..
ومضة بكلمات مختصرة إلا أنها حازت على الفكر وتربعت بين عرش الأدب ..بين دفاتها ألف كلمة تغزل بمنولها
أعظم الحكم وأبلغ العبر..
ومضة تعرض في كل شطرة موعظة ويمكننا أن نؤول لها الكثير من المزايا والأسس التي تخص الفرد وتخص المجتمع
لتخص الأمة أجمع...
في الشطرة الاولى يقول الكاتب الشاعر الكبير:
حارت بنا الأخلاقُ ثم "تخوزَقَت"
نستطيع أن نقدم كتبا بل موسوعات عن الأخلاق والأزمة التي تمر بها من جراء الكثير من الأسباب..
وبما أن الكاتب أكمل حروفه لتظهر لنا العوامل المسببة لهذه الأزمة وبها يكفي الحديث ونصل لزبدة المضمون والرسالة التي أراد تحقيقها...وللأسف الشديد وأقولها والحزن يقطع القلب من أثرها بين بني البشر ..أن الأخلاق جفت ماؤها الرطبة وحل القحط بعناقيدها لتصبح أزمة حقيقية أدت إلى انهيار الأمة بأكملها..
عوامل كثيرة قضمت بهاءها وأغلقت نوافذ النور عليها..بسبب التخلي عنها وإباحة كل شيء أمام هذا الإنسان الذي خرج من دائرة الإيمان واستولى الشيطان على فكره وقلبه وملأهما بالفساد ..
وهنا يأتي كلام الشاعر بقوله:
إذْ عاث في أرواحنا الشيطانُ
فكان السبب والسبب الأعظم مسكن الشيطان في القلوب.. لأن الرادع الأكبر لأزمة الأخلاق هو الخشوع والخشية من الله والمكوث في محراب الله.. لأن العبادة تطهير للنفس وجلاء للقلب من المكاره والمفاسد...
ولا يتم ذلك مهما حاولنا إلا في محراب الله..لأنه ضابط لنوازع الشر زارع لبذور الخير..
وإذا عبدنا الله والفساد ما زال في القلوب ثم الأفعال يكون دليلا على ضعف الإيمان ..
وإن كنا نصلي ونزكي ونصوم ونحج ونذكر الله..يكون نقص في التوجه إلى الله من خلال اضطرابات في الصلاة وعدم استقامة في العبادة..والدليل على ذلك..قوله تعالى:" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر".. فصلاتنا هنا وأزمة الأخلاق لم تردع فينا شيء ..أي لم نتقن الصلاة من تدبر وخشوع وخسية ..فكانت مجرد تأدية حركات جسدية بلا روح مع الله...
وإذا قلنا من أين الفساد على الأرض ومن عاث فيها الفساد..لقلت قول الله سبحانه:" ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ".. فالإنسان تلقى على عاتقه المسؤولية الكبرى في تطهير النفس أولا ثم البيئة والأرض..وبسبب بعدنا عن الله وشريعته ومنهاجه..سمحنا للشيطان وأبوابه الدخول والعبث بنا كيف يشاء لتنتهي بنا الأزمة لقتل بعضنا البعض وسفك الدماء دون خشية من الله لأن الشيطان احتل كياننا وعسكر فيه بما يملي عينا من تنفيذ لدروب الشر..
والحديث طويل جدا إذا ما خضنا الأسباب والعوامل في خلع الإنسان ثوب الخلق..
ويكمل الشاعر ومضته بقوله:
وتفسبكت" لغةُ الكلام وهادنت
مذ مات في إنساننا الانسانُ
نأتي من أثر الأزمة الأخلاقية التي يتحدث عنها الشاعر بمضامين متعددة..لنأتي على تأثير الفيس على لغتنا وتغييرها لدرجات كبيرة يتدنى فيها من مراتبها الفصحى والبليغة لتصبح لعبة بين أيدي من لا أمانة له عليها..
نجد الكثير من يعد ترتيب الحروف شعرا ولا صلة لها بالشعر.. واللعب في مضامينها وتجريدها من جماليتها وعذوبتها لأنها خلت من الرقابة الذاتية أولا والرقابة العامة ثانية..
فكلام البذيء أصبح يتداولونه دون عقاب أو ردع من أحد ولا ردع من الذات التي غابت فيها دائرة الإيمان...
والمسؤولية اتجاه لغتنا أصبحت ضئيلة..ولا حول ولا قوة إلا بالله..
ماتت الإنسانية عند الكثير لأنهم قتلوها يوم أن قطعوا الصلة بالله..
ولن يعيد لها كيانها الذي اغتصبوه بجاهلية بغضاء إلا إذا احتضنوا الخشية من الله وعادوا لكتاب الله ..
ولقراءة العلم والفكر الصحيح..بعيدا عن تشويهات الفيس أو الأنترنت..
وللأسف أمة إقرأ لا تقرأ..بل تأخذ المعلومة من وسائل التواصل دون البحث عن حقيقتها..
لذا كبرت الأزمة بالجهل بعيدا عن دروب العلم الذي ينير العقول والنفوس..
....
أستاذنا الكبير المبدع زياد السعودي
لحروفكم بساتين من جمال وعناقيد لا تقدر بثمن لاحتوائها جلال الحرف ونزاهته وبياضه وقوته..
أتقنتم العزف على جرح الأمة لأن الأمة تنهض بالفرد أولا..
بوركتم وقلمكم النفيس المدرار عذوبة وعبقا..
لله دركم على لوحة تعلق على رؤوس الحروف وتاجا للأدب
وفقكم الله ورعاكم وحفظكم لكل الخير

النّاص عوض بديوي
النص ومن بطن واحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ومن بطن واحد...عنوان
تخاصما على الحبل السري ،
فاجأهما هبوطٌ اضطراري ...!!
سَــــكَنَ الليلُ ؛
بعد أنْ سكنا تحتَ التراب...!!
ومن بطن واحد...


القراءة
ـــــــــــــــــــــــــ


ومضة اتقدت عناصرها محلقة في أبعد مدى في خيال الفكر وتبحرت فيه
عدة تأويلات..
من جمالية الومضة أنها تدفع الفكر الوقوف على عمقها واستخراج مكنوناتها في
عدة أشكال وتأويلات.. وكلما كانت الومضة تبعث على التحليل والغوص في أسرارها كلما ازدادت جماليتها والمتعة في العودة لقراءتها.. وهذا سر الجمال فيها..
في هذه الومضة الراقية المبهرة.. استطاعت تجنيد الخيال والتفكر في نسجها بطريقة عميقة واستوقفتني بين ظلالها الوارفة أسبح في عناقيدها التي تتدلى من مزن الإبداع..
من خلال عنوانها "ومن بطن واحد" يأخذنا الفكر في كينونة واحدة متشابهة في الشكل تنتمي لأم واحدة ..كانت إسقاطا على أمتنا العربية الإسلامية..
وإذا قلنا لماذا أمتنا وليست الغرب أو أمة الكفر مثلا.. فوجدت من الكاتب الذي يحمل رسالة أدبية سامية يكون همه الأكبر أبناء أمته إذ هي ما تشغل بالنا... وهي همنا الأول والأخير.. والعرب هم من بطن واحد ..يتوارثون الجنسية ويتغيرون في الفكر والعقائد بل منذ تواجدهم في دائرة الجنسبة والهوية يبدأ الصراع ..
فالأفراد هؤلاء عناصر الأمة عدا عن الثقافة التي يبنى عليها تنشئة الأجيال وتأثيرهم بها..وانطلاقا في تصحيح مسارات الأمة واتزانها يكون الأفراد المؤمنون هم الذين يحققون للأمة التوازن الإجتماعي والصحة النفسية لكونهم عنصر من عناصر الأمة.. فصحة الأمة وسلامتها من سلامة أفرادها ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بالله..ومتى غاب الإيمان بالله تذبذب بين مرض الطغيان والإستبداد والظلم والهوان..ويؤدي إلى الكفر واليأس والهبوط عن الإنسانية..والإيمان بالله لا يمده بالعافية ويقيه من هذه الأمراض إلا إذا استمد محتواه من قلب المجتمع الإنساني.. كالهوية التي تبلور حقيقته الإنسانية ومنحه الجنسية كالجميع وتزويده بالثقافة داخل المجتمع الواحد...
ابتدأ الكاتب ومضته بكلمة" تخاصما على الحبل السري"...
الخصام يرمز للعداء والبغضاء والمشاحنات التي تولد القتال والحروب..حيث تبدأ من الخصومة لتنتهي للقتال والدم.. وبما أن الكاتب تعمد لكلمة الخصام بصيغة المثنى ..هذا دليل على تواجد قوى كبرى تتناحر على ذي أهمية كبيرة ..وهذه القوى أصلها واحد من بطن واحد إلا أن المذاهب والفرق هي التي تفصل بين الأخوة وتمزق أواصرهم وهذا إسقاط على واقعنا المؤلم الذي أصبح فيه الدم كلعبة تسلية خالية من الإنسانية ومعاني الحياة.. فلا يرجف الأخ لدم أخيه وقد صوب وأشهر سلاحه في وجهه..إذ انتزعت معالم العقيدة والإيمان من قلبه ليهرول في مسالك الكفرة واتباع الأهواء والشهوات والمصالح الذاتية.. وهنا تظهر قوتان كبيرتان متناحرتين على أساس الدين والشريعة.. قوة الإيمان وقوة الكفر.. والكفر والإيمان يولدوا من بطن واحد..
ونأتي لدور عملية الخصام وأهدافها وأبعادها..
إذ يذكر الكاتب مصدر هذا الخصام وهو الحبل السري..
للحبل السري رمزية تشير أنه يرمز حبل الحياة ..وكما هو معروف طبيا أن الحبل السري يتكون من شريان أيمن وشريان أيسر ووريد واحد من أسفل.. وهو شريان غذائي للجنين يعد مصدر حياة الجنين...
ويرمز هذا الحبل للعالم الإقتصادي والصراع الدائم عليه الذي هو شريان الحياة..
وصراعات الدول تقبع تحت هذا الصراع الإقتصادي.. ليتعمم الصراع بين أفراد هذه الأمة الذين هم من بطن واحد..ويتعدى معاني الخصومة لتصبح ساحة حرب لتصفية الدماء..
يكمل الكاتب عناصر ومضته المبدعة الساحرة..بقوله.." فاجأهما هبوط اضطراري"..
عملية الهبوط الإضطرارية ..تحدث نتيجة خلل ما أو تلف ما يمكن أن يؤدي لخطر التواصل والحياة..أو تكون نتيجة أزمة عارضة خطيرة نتيجتها قرار هبوطي اضطراري..ويبقى الخطر فيه حتى معالجته..
لكن هنا وأثناء عملية الصراع والتي عبر عنها الكاتب بقوله "تخاصما".. تدخل قوى ثالثة على حلبة الصراع ليتعرضا أطراف الخصومة إلى هجوم خارجي يودي بهما للخطر...وهذه هي المعادلة السياسية التي تلعبها الدول الكبرى مع الخصوم ..تيث تضرب ضربتها الأخيرة ببن المتناحرين بعد أن كانت سبب اشتعال الخصام..لتتخلص منهما وتقضي على وحدتهما قبل الخصام...لعبة سياسية قذرة ..لعبة الغاب للأقوى...
ومصير هذا الصراع الذي كان بين الأخوة العرب هو سيطرة أمة الكفر والمتمثلة بالصهاينة والدول الكبرى على أمتنا العربية والإسلامية التي تتناحر فيما بين بعضهم البعض..
ليصل الكاتب لآخر ومضته بقوله..سكن الليل.. بعد أنْ سكنا تحتَ التراب...!!
وسكون الليل لها رمزيات متعددة ..لكن هنا تقع على الصمت.. والهدوء من أصوات الحرب والشجار والذي يوضح ذلك قول الكاتب.." بعد أن سكنا تحت التراب".. رمزية الموت وانقطاع الأنفاس والصمت الأبدي الذي كان مباغتا هنا في هذه الومضة المبهرة جدا..
هذه نهاية الصراعات ..وأجد من هذه النهاية انطلاقة أمل وشعاع نور لحياة جديدة ولفينيق جديد..
نهاية حتمية لمن يشهر سلاحه في وجه أخيه..
هذه الومضة غاية في الجمال والإتقان ..تحمل بين ثناياها عدة تأويلات بدلالات عديدة ورمزيات مختلفة ..وهذا هو سر جمالها وسحرها..
وتفتح آفاق الذهن أن يحلق في سماء الفكر لاستخلاص أعذب العبر والحكم التي يتعلمها المتلقي في إبحاره بين تجاويفها النفيسة..
شكرا لصاحب الفكر الرزين والعلم الثري الذي أتحفنا بجوهرة نفيسة كومضته هذه..
الكاتب والشاعر والأديب الكبير أ. عوض البديوي
لك كل الخير والشكر والنور على ما أتحفتنا برائعتك الفاتنة هذه.. والتي أخذت بنا بعيدا لصور كثيرة لم أذكرها حتى نعود لقراءتها من جديد..
كل التقدير والفخر والإحترام لموهبتكم البديعة وقلمكم الفذ
وفقكم الله لنوره ورضاه وزادكم بسطة من العلم والخير الكثير



النّاص العربي حاج صحراوي
النص هل هؤلاء شعراء...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هل هؤلاء شعراء

أضْحَكُونَا بقولِهمْ :شـــــــــــــعراءُ = فــــــــــــــإذا همْ بِجَــهْلِهِمْ دخلاء
ما لَهُم مِن دِرايةٍ فـــــــي عَرُوضٍ = والقَوَافِي فـــــــي سَيْرِها عَرْجاءُ
وإذَا ما نظرْتَ لا صُــــــــــــوَرٌ مُدْ = هِشَةٌ أو تَفَنُّــــــــــــــنٌ أو بَـــهاءُ
ومِنَ النحْوِ أقبَحُ الذَّنْــــــبِ والصرْ= فُ بعيـــــــدُ الإدراكِ و الإمْـــــلاءُ
وكلامٌ مِن صَخْرِهِمْ نَحَــــــــــــتُوهُ = ليسَ يُسْــــــــــــقِي ألفاظَهُ إيـحاءُ
ظلَمُوا القولَ حينَ سمّوْهُ شِـــــعْرًا = كيفَ تغْدُو أرضَ الترابِ ســماءُ؟
وتُسَمَّى الفَوْضَى هدوءً و صـــمْتًا = ورجالاً في الناسِ تُدْعَى النــساءُ
صَفَّفُوا في السطورِ ألفاظَـهم حَشْـ = ـوًا وحَــــــشْرًا فكم تبادى عَــنَاءُ
وإلى النَّثْرِ فَرَّ جَمْـــــــــعٌ وقالُوا : = مَــــــــــوْضَةٌ وَهْيَ بِدْعَةٌ حـمْقاءُ
لايُحيطون في الكلامِ بمَــــــــــعْنًى = ويقولون ما أتَى الــــــــــــسُّفَهاءُ
ومساكينُ إن نظرتَ إليــــــــــــهم = حين يُخْفِي عُيـــــــــــــوبَهم إلْقاءُ
شطَحاتٌ مِن فوقِ منْـــــبرِهم مجْـ = نـــــــــــونةٌ كلُّ مُحْــــتَوَاهَا هُرَاءُ
هلْ لهم أنْ يكونَ فيـها اجْــــــتِهادٌ = أوْ بِبُعْدٍ عَـــــــــــــنَّا يكونَ حَيَاءُ؟
وسَعُوا في ظُلْمِ القصــــــيدةِ جَهْلاً = وبِقُبْحٍ إلى الجـــــــــــمالِ أساؤُوا
ويريدونَ بالحـــــــــــــــداثةِ إجْها = ضًا فَلا الشِّعْرُ مُطْرِبٌ بــل خَــوَاءُ
أو يُعيدونَ بالجُــــــــمودِ عُصورًا =ليس يَرْضَــــى يومًا بِــها الأحْــياءُ
وقـــــــــــليلٌ من جَدَّدُوا وأصَابُوا = فإذَا هُمْ في كلِّهـــــــــــــــا شـعراءُ
إنَّ للشِّــــــعْرِ نَبْضَ رُوحٍ ومَوْسِيـ = قاهُ والفِكْرُ مُــــــشْـرِقًا و الــغِـناءُ
وله من خيالنا صــــــــــــــــورإيْـ = ـــــقاعُهَا كمْ يَحْـــــلُو به الإصْـغاءُ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــ


قصيدة تكحلت بمضامين وتوجيهات مدروسة لنبذ كلمات صيغت وكأنها شعرا إلا أنها خالية من مقومات الشعر..
فللشعر ذوقه الخاص وقوانينه وشروطه وليس مجرد ترتيب الأحرف بروي معين يعتبر شعرا..
الشعر أولا إحساس ومشاعر تدفع النفس والفكر في تجنيد الكلمات لمنظومة شعرية منسقة لا خلل فيها ولا اعوجاج..
الشعر فكرة متكاملة وهدف نبيل ورسالة تجتث عبرها آفات المجتمع وتغرس النوايا والنفحات القيمة ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية هادفة
لا لمجرد أن نصفف الحروف ثم نصفق لهم بحرارة ..
الكلمة هي القلم التي تحرك مواطن الذات من مشاعر بصدق الرسالة وبلاغة الحرف وخلق نبيل..
والقلم مطواع لفكر وعلم وأمانة صاحبه... يسجل ما تبث الروح من جوهر الذات وتبث ما تحمل من معاني..
فليس كل من يكتب حروفا بقافية أصبح شاعرا..
للشعر علومه واتجاهه الوجداني بالتجربة العاطفية الصادقة.. مما تحمل في طياتها دلالات حية تختلف عن المألوف..بصورها الخيالية وتجسيم الألفاظ الشعرية بنكهة شعورية غير مقيدة بمادية محدودة..عدا أنه يمتاز بالأخلاقيات وانتقاء الألفاظ الراقية غير النابية يكون من أعمدتها المحور الديني الذي يؤدي رسالة السماء ونقله لنشر دعوة الله تعالى.. ثم المحور الإجتماعي الذي يحض على إصلاح المجتمعات بإصلاح أنفسهم بالأخلاق الحميدة حتى تصبح الكلمة رصاصة تخترق كل ظالم وعابث بمقومات الرسالة السامية..من خلال تزود الشاعر بالمعارف والعلوم وفقه المجتمعات ليستطيع نقدها بلسان قلمه الحكيم..لأن الكلمة الصادقة الحقة تقطع في النفس أكثر من ألف مدفع.. وهنا نتطرق للمحور الوطني الذي هو أمانة في أعناقنا..كرامته من كرامتنا والعكس صحيح..والوطنية إنما هي تسطير الحرف بما يتلاءم مع الإسلام شرعة ومنهاجا... من جوف العقيدة ننسج حروفنا..
وفي النهاية يتغنون بهم شعراء ولا تمسهم بها من شيء.. ويعلو شأنهم بين أكوام الشعراء المزيفين الذين لم يتدارسوا بحوره ولم يتصلوا بالفصاحة والبلاغة ولا يعرفون الفعل من الفاعل في النحو...
نتعلم الشعر سنوات وما زلنا عاجزين عن إتيانه سليما بلا أخطاء..
لا نريد ظلما للكلمة ولا نريد هدم لغتنا ولا العبث بجماليتها..لنترك الشعر للشعراء الذين يفقهون مسالكه وعلومه..
.....
شاعرنا الكبير المبدع العربي حاج صحراوي وصاحب اللغة المتقنة العذبة القوية بألفاظها الساحرة بصورها المتقنة في نظمها وفق رسالة وغيرة شديدة على هذا الأدب الذي يحتاج أهله الأحرار أمثالكم... بقلمه الثائر الحر على الفساد بكل أنواعه وعلى هدم بناء لغتنا العظيمة التي هي من وحي السماء ولغة القرآن...
أستاذي الراقي ..كلنا يعلم أن أمة إقرأ لا تقرأ...عادت بجاهلية جديدة أعاذنا الله من سوئها..
لله دركم شاعرنا المبجل على غيرتكم الشديدة وحرفكم الباذخ وأغصانه الوارقة
دام قلمكم مدرارا بفنون الجمال وهو يرسم لوحات جمالية مبهرة..
وفقكم الله لرضاه وزادكم نورا وعلما وخيرا كثيرا



النّاص أحمد صفوت الديب
النص صفحة الندم...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صفحة الندم

قَلَبْتُ بَعْـدَ عَنَـاءٍ
صَفْحَـةَ النَـدَمِ بِدَمْعَةٍ
وَتَخَلّى الوَجْـدُ عَـنْ قَلَمِـي
أَمَا انْتَهَتْ بِنَزِيـفِ الشِعْـرِ قِصَّتُنَـا؟!
مِنْ مُهْجَةٍ كَانَ فِيهَا الحُـبُّ كَالـوَرَمِ
وَ لَسْتُ أَهْتَمُّ فِـي يَـوْمِ الـوِدَاعِ
إِذَا سَفَحْتِ مَاءَ عُيُونِي
أَوْ سَفَحْتِ دَمِـي
أَتَغْزلِيـنَ شِبَـاكَ العَنْكَبُـوتِ
لِمَـنْ صِدْقاً أَحَبَّكِ
حُـبّ النِسْرِ للقِمَـمِ؟!
تُكَوِّرِيـنَ حُـرُوفَ اللَـوْمِ قُنْبُلَـةً
وَتَخْلِقِينَ لِيَ الأَعْـذَارَ مِـنْ عَـدَمِ
تُعَبَّدِيـنَ بِنَـارِ الشَـوْقِ أَوْرِدَتِـي
وَتُوقِظِينَ الهَوَى مِـنْ نَشْـوَةِ الحُلُـمِ
مَا أَغْفَلَ الصُبْحَ عَنْ وَجْدِي وَعَنْ أَلَمِي
وَأَثْقَلَ اللَيْلَ فِي وَطْـئٍ عَلَـى قَـدَمِ
إنِّي رَسَمْتُكِ شَمْسَ الحُبِّ فِي لُغَتِـي
تَزْهُو بِقَافِيَتِي مِـنْ سَالِـفِ القِـدَمِ
شَيَّدْتُ حُبَّكِ فِي الأَعْمَـاقِ كالهَـرَمِ
واليَوْمُ أُدْفَنُ كَالأَجْـدَادِ فـي الهَـرَمِ
إنْ فَتَّشُوا عَنْ كُنُوزِي اليَوْمَ
لنْ يَجِدُوا إلاَّ الدُمُوعَ
وَأَصْـدَاءً مِـنَ الكَلَـمِ
إنّـي بَكَيْتُـكِ
أَنْهَـاراً مُؤَجَّـجَـةً تَفْرِي الخُدُودَ
بِسَيْلِ اليَـأْسِ والسَـأَمِ
فَفِي الطَبِيعَةِ مَـا أَسْمَـى مَعَالِمَهَـا!
مَا النَهْرُ إلاَّ بُكَـاءَ السَهْـلِ لِلعَلَـمِ
وَفِي شُمُوخِكِ عِزُّ المَشْرِقَيْـنِ
وَفِـي طَيْفُ انْكِسَارِيَ
ذُلُّ اليُتْمِ فِي الحَـرَمِ
جَفَّ الوَفَاءُ بِقَلْبِي
وانْـزَوَى أَمَلِـي
وَسَالَتِ الرُوحُ فِي وَادٍ مِـنَ النَـدَمِ
فَلاَ أُعَاتِبُ
حَاشَى أَنْ يُجَـاوِزَ بِـي رَكْبُ العِتَابِ
حُدُودَ الذَوْقِ والقِيَـمِ
ولا أُلَـقِّـحُ آمَـالِـي
بِـشَـارِدَةٍ مِنَ الحُرُوفِ
وَ يرْوِي دَمْعَتِـي نَهَمِـي
وَ لا أُطِيـلُ حَدِيثـاً
أَوْ أُرِيـقُ دَمـاً مِنَ الخُدُودِ بِعَيْنِـي
أَوْ بِنُطْـقِ فَمِـي
كُونِي كَمَا شِئْتِ
إنّي كُنْتُ يَا تَعَبِـي كَمَا تَشَائِينَ
مِنْ دَمْـعٍ وَسَفْـكِ دَمِ
إنّي احْتَرَقْتُ بهذا الشِعْـرِ
فِـي وَرَقٍ الحَرْفُ يَرْكُضُ فِيـهِ
حَافِـيَ القَـدَمِ
لا كنْتِ يَوْماً وَلا كانَـتْ حِكَايَتُنَـا
ولا اعْتَلَيْتِ بِشِعْرِي صَهْـوَةَ القَلَـمِ
كنْتُ اقْتَرَفْتُ مِنَ الآثَـامِ أعْظَمَهَـا
حَتىّ تَكِيلِينَ لِي صَاعـاً مِـنَ التُهَـمِ

القراءة
ــــــــــــــــــــــ


ما أجمل هذا العنوان الذي أخذ حيزا من الفكر تباهى به حين استخرج منه درر التأويل وجوهر المعنى..
صفحة ..تأتي بصور كثيرة ورمزيات متعددة ولها دلالات كثيرة..لكن سنرسم لها خطوط التأويل بحدود هذا الحرف المذهل الذي يحمل بين ثناياه الإبداع..وينفث من جيوبه عبق النسج والتخطيط للوحة فاتنة راقية بناؤها مجبول من كوثر الحروف القوية المتقنة..
للصفحة رموز نقشت عليها ..فإما آلت للحفظ وإما آلت للتمزيق وإما قابلة للمحو والإندثار..وما نقش عليها هو بصمة الروح والمشاعر بشهقة قلم وزفرة حرف..
والندم هنا حوصر بين فكي صفحة واحدة وليست صفحات أو كتاب..وهذا دليل على بؤرة الوجع محدودة في بوتقة واحدة غير متعددة..
وهذا دليل على قدرة الشاعر في توظيف حرفه في دائرة الوجع التي يرسمها بحسه العالي ونور حرفه الراقي..
في هذه القصيدة قرأنا روحا تتكلم لا قلما يرسم.. إذ فنية الشعر وجماليته نراها في تلك الصور المتقنة والفذة مع بعض التشابيه التي لفتت الفكر بين ثناياها..كقوله.. من مهجة كان فيها الحب كالورم...
تشبيه الحب كالورم ..غاية في الذكاء والدراية في كونه يعرف أين يضع غرسه..ففي هذه القصيدة وصفحة الندم..يتلاءم وضعية الحب بتشبيهه بالورم..إذ كان هذا الحب من أصله وجعا وعندما يعطى له البلسم بالنسيان يصبح في غيابه عودة لما كان عليه من قبل ..
وهذا التشبيه مبهر جدا في مثل هذه الوضعية..فالشاعر ينتقي حروفه بفطنة وحرفية متكاملة ما بين البناء وبين الفحوى ..
أما الصور الشعرية ونظم الحروف على لوحة جمالية هي تنساب من قلمه بسحر التعبير وقوة اللفظ وقدرته الفذة على تجسيد المشاعر بكاميرا الحرف لمصور محترفا للفن في نقل الصورة كواقع ملموس..
صفحة الندم..قصيدة حوت جماليات من حيث المعاني والألفاظ والصور والحس الصادق
لتكون قصيدة متكاملة البنيان..
شاعرنا الكبير المبدع أحمد صفوت الديب
بوركت من قلم يجسد المشاعر على صفحات القلوب قبل الورق
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه



النّاص قصي المحمود
النص لن أبكيك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لن أبكيك
لن أرثيك
فكل الماضي
جميل فيك

القراءة
ـــــــــــــــــــــ


ومضة لها دلالات عدة ..تغتح مغاليق الذهن والخبال لأوسع مدى ويرسم الفكر لها أبوابا عدة..
لكن سأرسم لها نافذة اغترقت بها نظرتي ودلت عليها عيون فكري..
البكاء والرثاء يأتي من خلفية الموت..بغض النظر عن شخصية المقصود..
وفي للبكاء والرثاء نعدد فيها محاسن المقصود...
لكن أن يأتي النفي بعدمه..هذا يشد الفكر نحو التدبر بآخر الومضة الراقية عندما يشير الشاعر
بقوله.. فكل الماضي جميل فيك... سبب ونتيجة ..
عدم البكاء والرثاء بسبب الماضي الجميل...
لو قلنا على صعيد فردي..أن الفرد حينما تكون سيرته عطرة وسلوكه قويم ومحاسنه يشهد لها الداني والقاصي..
فكأن الشاعر أراد قوله ..أنه ما حاجة البكاء والرثاء وسيرته تناطح السحاب بجماليتها وعبقها من ماضيه الجميل..
لأن الرثاء ما جاء إلا ليعدد محاسن الموتى من رقة قلبه عليه..
إذ ماضيه يشفع له في ذكراه..وإن كان على مدارج النسيان.. فما حاجة البكاء بتلك السيرة العبقة..
وإن قلنا على صعيد هذه الأمة المنكوبة اليوم..لنجد أن لها ماض حافل بتاريخ مجيد يمكن لها أن تتعلم منه وتبرمج خطواتها وفق خريطته العتيدة المثقلة بالوعي والنضوج والقدرة على تسخير الأمور لصالحها.. وهذه برمجة جاهزة بين يدي العصر الحالي ليتنفس من عبق الماضي لتخلد الذكرى له بالفرح والنشوة للأمن والعدل الذي رفرفت أعلامه فيها..لتكون تخليدا لجمال هذا الماضي الذي لا نرثيه ولا نبكيه بل نعزز الفرح من خلفيته التي نعتز بها خاصة يوم أن كانت أبواب النصر مفتحة على مصراعيها تحت لواء الله وقبة السماء...
فلا بكاء ولا رثاء على أمل العودة من جديد بأسس جديدة وبناء متين...
شاعرنا الكبير المبدع قصي المحمود
لومضتكم أكثر من تأويل ورمزيات متعددة على صعيد اجتماعي وسياسي وحتى فردي
ويمكن أن يكون للمحبوبة دور فيها.إلا أنني تقوقع فكري في كلمات ربما تكون بعيدة الندى عن ومضتكم..
ويبقى للخيال والفكر دور في رسم حدودها وفق ما خاض به الفكر من فهم..
وكثرة التأويلات فيها ..يكسبها قوة وإبداعا وتدل على قدرة الشاعر في توظيف حرفه وفق دراسة متقنة..
بورك الحرف والقلم العطر الذي لا حدود لجماليته..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه



النّاص عدنان عبد النبي البلداوي
النص أقسم الحشد...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أقسم الحشد

كـلّ فـرعٍ بأصلهِ يـتباهـــى
وخنا الأصل قد اضلّ السبيلا
منبتُ السـّـوء أيــّما قيل فيه
لايعاني في رَوْعه تهـْويلا
ان من باع دينه كيف يمسي
ورفيفُ الوجدان بات عليلا
(مَن يهن يسهلُ الهوان ُعليه)
بئس عيشٌ في أن تصيرَ ذليلا
كلُّ من يحتمي بجلباب زيفٍ
لاتدعْه الأيامُ يســـعى طويلا
أيّ ظلم يعمّـقُ الجرحَ غدرا
يعتـلي نـازفا يُحـدّث ُجيــلا
ياثرانا يبقى رذاذك مِــسكا
عـهدنا فيـك لاتضم ُ رذيـلا
كم تحمّلتَ من مواطئ َ رجسٍ
كـان فيها للخائــنين عـديلا
اقسم الحشدُ لايفارقُ سيفا
وسنا المجد لايرومُ بديلا

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ


قصيدة نطقت بالحق وتجلت أضواءها تنعت السوء وأهله..
إذ كيف للسوء أن ينبت إلا سوء وفسادا..
قصيدة نزفت من جرح الوطن دم الغيرة على ثرى الأرض التي تتلاعب به وتنهشه
الفرق المختلفة..والذل تاج الخيانة وبيع الضمير ..
وكل يصفق لليلاه ويتباهى بعقيدته ويزعم استقامته وهو قرين الإعوجاج والظلم..
كيف لبائع دينه ومتاجرته بعقيدته أن يحصد الأمن والأمان والنصر..
من تاجر بالطيب جنى العطر من أوسع أبوابه..وتعطر هو وأهله وجمع معارفه..
ومن تاجر بالخنوع والهوان وبيع الكرامة جنى الذل والعار..
حبل الضعف قصير ينقطع عند أول هزة أو صرخة..ولا يبقى إلا قوة الإيمان ورسوخ العقيدة في النفوس..
يا ابن آدم كما تزرع تحصد..إزرع الظلم يأكله أبناؤك وتحصده ذلا وألما وتجردا من إنسانيتك..
لذا لا تهاب الموت إن زرعت الحق..فبالنهاية الحصاد للجميع بالموت..فكر ومت ميتة مشرفة تلقى بها وجه ربك راضيا..مت شهيدا ولا تمت الذليل الذي ينكب تحت نعال الظالمين يقبل كفرهم ويغرس بين ضلوع الوطن سمومهم..
عش بكرامتك..فالعمر واحد والموت واحد...
شاعرنا الكبير المبدع أستاذنا عدنان عبد النبي البلداوي
القدير في ثني حرفه بين أروقة الأدب بجمالية اللفظ وقوته
قصيدة لخصت معاناة الوطن في كل مكان من أول منبتها حتى هذه اللحظة..
قصيدة لخصت وجع الأمة بثلاث نقاط..
.. الأصل والفرع في تأسيس حضرة هذه الأمة في احتضار
.. بيع الدين والتجارة به حسب الأهواء والفرق والتبعية العمياء
.. الأمل بالنصر يكبر من رائحة التراب التي تمدنا بالمسك من الشرف والكرامة..
ليبقى الوطن بين يدي سيف يقاتل في سبيل الله

أستاذنا الكبير عدنان البلداوي
لكم تحية كبيرة تليق بمكانة قلمكم الباسق
ومدادكم الذي لا ينفذ من حبكم للوطن وغيرتكم الثائرة على ثراه
شكرا على هذه الوارفة الوارقة ..لوحتكم الفذة النفيسة
التي منحت للأدب إشراقة من عبقها الكامل..
وفقكم الله ورعاكم لما يحبه ويرضاه وزادكم علما ونورا وخيرا كثيرا



النّاص محمد الصالح الجزائري
النص التَّلاَشِي !؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التلاشي

عَلَى أَيِّ أَرْضٍ أَحُطُّ الرِّحَالَ،
فَإِنّيِ مَلَلْتُ السَّفَرْ؟!!
وَكُلُّ الْعَوَاصِمِ مَلَّتْ أَنِينِي ،
وَحُزْنِي وَطُولَ السَّهَرْ...
أَجُوبُ ..عَلَى كَاهِلِي وِزْرُ كُلِّ الْقُرُونِ،
وفِي مُقْلَتَيَّ دُمُوعُ الْبَشَرْ..
تَعِبْتُ..وعُمْرُ الْأَسَى ..مُسْتَمِرْ...
تُحَاصِرُنِي صَرْخَةُ الْأَبرِيَاءِ،
وَشَهْقَةُ شَيْخٍ ..مُسِنٍّ..
وَرَعْشَةُ زَيْتُونَةٍ عَارِيَهْ..
تُطَارِدُنِيِ نَظَراتُ الشَّهِيدِ،
يُوَدِّعُ أَهْلاً وَأَرْضًا ..
وَفِي مُقْلَتَيْهِ يَضِجُّ السُّؤَالُ:
مَتَى سَنَعُودُ..مَتَى سَنَعُودْ؟!
أَجُوبُ الْعَوَاصِمَ..كُلَّ الْعَواصمْ..
أُفَتِّشُ عَنْ بُقْعَةٍ وَاحِدَهْ..
أَمَامِي عَوَاصِفُ حُزْنٍ ..
وَرَائِي بِحَارٌ مِنَ النَّكَبَاتْ..
فَأَيْنَ الْمَفَر؟

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ

عنوان باذخ في التأويل واسع الإبحار في معطيات كثيرة تتماشى وهذا التلاشي.. المائل إلى الفناء من
فَنِيَ ، اضمحلَّ وصار إلى العَدَم ..
فعن أي شيء نخرج من قاموس الأوجاع لنتحدث عن نكبة تلاشيه بين مسامات الصمت والذبح من الوريد للوريد.. بقعة نتحدث وهي في طريقها للإنحدار نحو هاوية التبعية وتعدد والمذاهب التي مزقت المجتمعات من الأمن والإستقرار.. هل نتحدث عن تلاشي النضج الفكري واصفرار ثماره على شجرة القيادة اليابسة .. أم عن تلاشي مكوّنات الأمة الإسلامية من عنصر الأفراد المؤمنون وأهميّتهم كعنصر من عناصر هذه الأمة المسلمة.. ومن عنصر الهجرة التي توفره الأمة للأفراد أن يتحرروا من كافة الأغلال التي تكبلها مجتمعات الكفر والشرك إلى مجتمع صالح تدب فيه روح الإيمان..
والتحرر من ثقافات الشرك التي تبثها أنياب الغرب وتغرزها في عقول أفراد مجتمعاتنا... هجرة الفواحش والمذاهب الكافرة الظالمة والتبعية والسياسية البغيضة ..وغيرها.. والتلاشي من عنصر الجهاد في سبيل الله والرسالة التي كلّفنا بها رب العزة إزاء هذه الأرض الطيبة ليبقى ثمرها ناضجاً صالحاً .. الرسالة التي تحفظ الأمة من التمزق وكثرة الفتن والتفتت والحزبية والطائفية والصراع من أجل المصالح الذاتية والمناصب الشكلية..
عن أي تلاشي نتحدث بعد!! عن تلاشي الإيواء أي الموطن والإستقرار الدائم وتقديم الرعاية للأفراد من دعم وملجأ وحماية.. أم عن تلاشي عنصر ولاية الفرد المسلم لرسالة الله سبحانه أكثر من ولائه لنفسه.. وليست ولايته للسلطة المتسلطة الظالمة التي تدعو للقمع الجماعي والعمل بمبدأ الشورى..والتي تعمل تحت سيف التهديد والقتل والهدم..
يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:
عَلَى أَيِّ أَرْضٍ أَحُطُّ الرِّحَالَ،
الحيرة والقلق ينبثقان من وجع الشاعر.. من كثرة استنساخ الألم والصمت والأسى في أركان هذه الأمة العربية والإسلامية ..يجعل الشاعر في ازدياد متصاعد للوجع .. ولا يدري أين يوجه بوصلة الأمان لاستقراره .. ما عاد الأمن يفترش أجنحته في أي بقعة من الوطن.. ولا السكينة في مؤمن من الظلم والقهر.. يقول معلّلاً النفس بالأسى :
فَإِنّيِ مَلَلْتُ السَّفَرْ؟!!
مللت السفر..كناية عن عدم الإستقرار في بلد الشاعر.. وكلمة مللت.. ما جاءت إلا من عملية تكرار السفر.. والمرء لا يملّ شيئاً إلا إذا تكرر صنيعه.. فهل ستبقى أفراد الوطن في تنقل دائم وغربة ومنفى.. إلى متى هذا الوضع الدامي؟؟ يقول الشاعر:
وَكُلُّ الْعَوَاصِمِ مَلَّتْ أَنِينِي ،
وَحُزْنِي وَطُولَ السَّهَرْ...
عواصم.. هي البلاد المفروض أن يكون الإستقرار والأمن سيّدان بيئة الحاكم لأنها مقر ولايته وسيادته.. إلا أنها لم تأبه بالأنين المفرط الذي يعيش في دم الشاعر والحزن والسهر لا يبرحانه وهو يبحث عن بارقة أمل في السكينة والأمن.. لم تأبه بذلك حتى نتج عنها الملل.. والملل من ناحية نفسية يقتل روح الفرد ويعشش في رئتيه وقلبه مما يؤدي إلى تفاقم المرض وازدياد العلل المختلفة.. وتراكم القنوط والإحباط.. لكن عملية التغيير والبحث عنها والتجديد في مناهج الحياة يعيد للملل الزوال ويوقظ الفطنة ويشعل نور الحياة من جديد.. ويكمل شاعرنا المبدع صوره الفنية المبدعة :
أَجُوبُ ..عَلَى كَاهِلِي وِزْرُ كُلِّ الْقُرُونِ،
وفِي مُقْلَتَيَّ دُمُوعُ الْبَشَرْ..
تَعِبْتُ..وعُمْرُ الْأَسَى ..مُسْتَمِرْ...
أوصاف تذرف الدموع حقاً ومن الغيرة على حال أمتنا حملنا همومها ونكباتها وانكساراتها وأوجاعها منذ قرون..في مقلتيّ دموع البشر .. تعبير ساحر وسكب موجع معبّ عن قمة الحزن.. توظيف رمزي لمعاني احتضار الأمة ومرضها الذي أصبح يقارع الجثث التي تعيش وتدبّ على الأرض
واستعمال فعل المضارع.. أجوب.. تدل على الإستمرارية في الحدث .. وعمر الأسى مستمر.. بمعنى قافلة الوجع ما زالت تجوب الأوطان وتوزعها على فقراء الحيلة.. ويكمل الشاعر..
تُحَاصِرُنِي صَرْخَةُ الْأَبرِيَاءِ،
وَشَهْقَةُ شَيْخٍ ..مُسِنٍّ..
وَرَعْشَةُ زَيْتُونَةٍ عَارِيَهْ..
تُطَارِدُنِيِ نَظَراتُ الشَّهِيدِ،
يُوَدِّعُ أَهْلاً وَأَرْضًا ..
وَفِي مُقْلَتَيْهِ يَضِجُّ السُّؤَالُ:
مَتَى سَنَعُودُ..مَتَى سَنَعُودْ؟!
في هذه الألفاظ توضيح من الصورة الموجعة التي يستمر حملها على كاهل الشاعر.. فيعدد من صرخة الأبرياء الذين يدفعون صرخاتهم من غباء الكبار وسوء ولايتهم في الحكم والحفاظ على أفراد أمتهم.. وشهقات المسنين الذي لا ذنب لهم .. ثم يستحضر الأنسنة وهو يصف رعشة الزيتونة التي تساقط أوراقها رغم أنها دائمة الخضرة.. تعبيراً عن هول الموقف وعظم الأزمة..كرعشة الأنسان حين يشعر بجلل أو فزع..
ويستحضر الشاعر صورة الشهيد التي تهتز لها الأبدان .. حين تطارد نظراته الإنسان المقصر في الواجب نحو الوطن.. ليتمنى عودته للحياة ليموت ألف مرة شهيداً في سبيل الله ثم الوطن.. وصف ساحر اخترق الفكر والقلب ولامس الخلايا بالأحاسيس المترعة بالألم.. وهنا وكأن الشاعر يطالبنا بالتحرك شهادة لله للدفاع عن الأرض الطيبة لنعيد ماء كرامتنا ووجهها المخضر.. يلمّح الشاعر بطريقة فنية رائعة وبذكاء محكم لإعادة بناء المجتمع من جديد الذي لا يقوم قوامه إلا بالشهادة في سبيل الله والحق..
القوى الروحية والعقلية هنا في اندماج وموحد لهدف واحد هو ترميم جدار الأمة من جديد.. تصوير مبدع متقن جداً ذو ألفاظ تدل على قوة الشاعر وموقعه من البلاغة والفصاحة والبراعة في النسج وتنظيم فكره بما يتلاءم والقضية المعلقة .. استعمال الرمز هنا الذي يقع على عاتق الحكام وتقصيرهم اتجاه حماية أفراد هذا الوطن..إنما جاء ليعطي بعداً عميقاً ورحباً للنص مع حركة فاعلة في كلماته دلالاته..بشكل حسي كل يتلقاها المتلقي بسلاسة ويسبح في عالم خياله .. ثم يكمل الشاعر:
أَجُوبُ الْعَوَاصِمَ..كُلَّ الْعَواصمْ..
أُفَتِّشُ عَنْ بُقْعَةٍ وَاحِدَهْ..
أَمَامِي عَوَاصِفُ حُزْنٍ ..
وَرَائِي بِحَارٌ مِنَ النَّكَبَاتْ..
فَأَيْنَ الْمَفَر؟
قفلة مفتوحة على مصراعيها ويرددها كل مواطن عربي شريف.. أين المفرّ..؟؟ وقد فتش في بقاع الأرض عن مكان آمن فلم يجد.. وعواصف الحزن مازالت تتناسل أمامنا وتمتد أذرعها.. بالمقابل النكبات تزداد سيلانها وفيضها في كل أرجاء الوطن..
لنعاود السؤال مع كل هذا الوجع.. أين المفرٌ؟؟؟
شاعرنا الكبير المبدع المتألق صاحب الفكر النير أستاذي الذي أعتز بحرفه وأفخر.. القدير محمد الصالح الجزائري..
كم عشنا بإحساسكم الوطني قمة الوجع.. من خلال هذا الحرف الشامخ الثائر والمبدع.. لحرفكم البديع سحر وجمال .. تذوقنا عبره معنى النظم وأبحرنا في أعماقه عبر الخيال لنحصد زهراته الطيبة الغرس..
وننقش صوره على لوحة باذخة الجمال تعلق في سماء الوطن والأدب..
بوركتم وبورك حرفكم الكبير ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه.. وزادكم خيراً كثيراً وعلماً نافعاً يكون ذخراً لكم



النّاص زياد السعودي
النص وَيْ وَيْ ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وَيْ وَيْ ..

في الغياب
تحترِقُ الأشياء
وأنا يجتاحُني
صقيعٌ فوقَ احتمالاتِ الانجيابْ
تزجُرُني الـ لاجدوى
تلفظُني الجهات
تحقِنُني بملح الجَبابْ
لا مباءة تحضنُ دمي
أسيرُ حاملًا نعشي
تُشيِّعُني الريحُ التي تمشي
وداخلي
مكتظٌّ بقبائل الأنين والآه
صمتي أفشى سِرّه للوجعِ ...فتولّاه
من يشتري دمي ?
من يرأبُ بلور أمنياتي المُتشظي في مستحيلات الإيابْ ؟!
ويْ .. ويْ
تهرب من صريح أسئِلتي حتى مجازات الجوابْ !!
لا شيء سوى الخيبات تعوي كقطيع ذئابْ

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــــ


الله الله ما أرقى هذه اللغة وهي تباغتنا بجمالية السبك وجلال عمقها الذي يغلفها فلسفة الذات وهي تنحت الروح على ظهر الجسد الموشى بالغربة بكل أنواعها..
الحروف هنا صور تتجلى بوارق الفكر وتدفعها التأويلات نحو عدة نجوم تسطع في كل جزء منها وتنجب من فوهة القلم تلك الذات التي علقت بين أجنحة الغياب ..مما اعتراها ذلك الورم في الحس المؤلم وتداعت السطور تكشف عن وجهها غطاء الإحتجاب الذي كان يحمل عباءة الواقع المرير... إن كان على الصعيد الذاتي والصراع الذي يدور والبيئة الخارجية عنها..أو كان على الصعيد العام لواقع يحمل نعشه...
فلسفة الذات هنا عميقة ..تصور الجور الذي علق بها من واقع مباغت...
وحين يتطرق الكاتب للذات فقد بدأ بعنصر التغيير ونبذ الغريب فيه ..عن طريق ذاته المشحونة بالألم..
الأديب هنا يثني حروفه بفنية مطلقة عن طريق توظيف حرفه بصور بليغة عميقة نبعت مع الحس بل لازمته حتى النخاع..
وهذا يدل على قوة الكاتب وقدراته الجمة بي بلورة حروفه وفق منظومة متقنة كان الدافع لها ما يلامس الواقع من تغييرات غابت فيه كل مسببات الأمن والأمان والإستقرار وانكسرت فيه بوصلة السعادة بعد أن أغلقتها تعتيمات على حرية الذات في الفكر والعمل ولم تسمح ممارسة حقها خارجاً ..وبقيت تجلد الذات نزفاً وتحترق فيه شمعات النور في طريق هذه الحياة ..والتي اختلط فيها الصالح بالطالح..وتغيرت معالم البيئة الداخلية والخارجية...
ومن هنا كانت جمالية الألفاظ التي نحتت للذات قروحات من واقع غابت عنه سبل المسرات وضاعت بين دروبه الأمانات...
ونلمس ذلك الحزن من كلمات الكاتب المضارعة والتي تستمر في جلدها للذات من مرارة الواقع الذي كان بلا شك مرآة إجتماعية عكست سوادها لذات الكاتب ..وهذه الأفعال تدل على استمرارية المعاناة..
ومنها قوله..تحترق ..يجتاحني..تزجرني..تلفظني..
تحقنني..تحضن ..تشيعني..تمشي.....
وكل فعل مضارع هنا..كان له أبعاده العميقة على صعيد ذاتي..وصعيد خارجي ينطبق على هذه الأمة.. عدا عن ما يحمله من جمالية النسج وملائمة الصفة للموصوف بطريقة إبداعية نفيسة..تستحق أن نقف بين وجناتها نرطبها بالتصفيق لهذا الجمال البديع..
فنرى..قوله..تحترق الأشياء في الغياب..وهو في صقيع..ثم تلفظه الجهات دليل النبذ والقهر..وهذه الصور ذات الجلال والدلال في التعبير بليغة جدا تدل على الغربة بكل أبعادها دون الخوض للمؤثرات التي تطرأ عليها...
وكيف لو خضنا بصور من قاموسه الجزل وألفاظه السحرية في قوله..
تشيعني الريح
مكتظ بقبائل الأنين والآه
صمتي أفشى سره للوجع...
أية بلاغة أكبر من ذلك وهي تغزل لجمال الصور سحرها الفاتن..
هذه الألفاظ الموجعة نستطيع أن نطرز بها ألف لوحة وعباءة أدبية راقية..
لكن سأتوقف هنا لربما كان ذلك أبلغ...
......
الأستاذ الكبير والشاعر المبدع الأديب أ.زياد السعودي
لقد هطل علينا مطر حرفك فكان سقاية جمال ورذاذ إبداع..وصوت مطر حرفكم رنانا يطرب النفس وهي تستقي المعاني في النفس..
شكرا لهذا الأدب الذي يستحق أن يكون تاجا على جبين اللغة..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه



النّاص الشاعر حسن رحيم الخرساني
النص كما يعتقدُ النشيجُ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كما يعتقد النشيج

على حافةِ أشكالهم تتعددُ النهايات
مـنـفـيـون..
سرقوا شهيقَ النخيل
وكأنهم تفاصيل يوم ممطر..
تهددُ شوارعَهم ممارسةُ الوقوف
تحت الحلم..
إنهم خلايا الضوء
ورحم الفراتين..
لم تكن أقدامهم من الأبنوس
كما يعتقدُ النشيجُ
والمسافاتُ تتسعُ
كلما استُفزَ الوطن..
قالتْ الحربُ:
قلبي على بساط الموت
وأثماري ظلام جائع
تناسل أمام بوابات الحب
وإنبعاث أزاهير القبلات
لي لعابُ الصنوبر
أمشطُ به النوافذَ
لرغبتي بالنهود..
قالتْ الحربُ لحدائقَ عيونهم
أمطريْ لونَ الشمس
وخجلَ السحاب..
أمطري خوفَ الرياح من الجبل
كي تنتفي رائحةُ الوداع
والعشق العراقي..
على حافة أشكالهم
تتكلمُ السماء ُ، وتُسبّح لميسانَ السعف
مـنـفـيـون..
مثل حسرات المحيطات
قلوبهم على حصان الغربة
وأرواحهم تحت ظل شارد..
يحتشدون للإنتظار.. وبلا جزر
وفوق خليج ذابل
تقررُ أنفاسُهم النوم..
قالتْ الحربُ:
إنهم قشرةُ الأرض
لهم دوائر بإتجاه المياه
ولسنوات عديدة
كأنهم تفاصيل يوم ممطر..

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ


يا لهذه اللوحة النازفة وجعاً على عراق يتمرغ بين أنياب الغرباء..
يا لروعة الصور التي تشهق اصفرار الحال في العراق..
ما أبهى وما أروع هذه اللوحة التي رسمت أبعاد المعاناة ولونت أهوال
الظلام على دفتي الوطن..
نزفت من بين الحروف ألماً وحسرات على واقع مازالت أغصانه تتكسر..
والمسافات للحزن تتسع... وللمطر تنتظر أن تولد من رحمه الرحمة وأن يكون رذاذه سقاية بركة وتطهير من رجس الظلم الذي يمتد بين أذرع الذين باعوا الثرى بأطماعهم وغاياتهم المسمومة ... فلتمطر الشمس من نورها ما يعيد النور لأمجادها.. ولعل السحاب يخجل بهروبه من أرض مقدسة لها الحضارة مرآة الأمجاد والقوة.. وتاريخها يزغرد صمودها رغم ما تعرضت له من محن...
وقفت طويلاً أمام هذا الجمال المنبعث من خلايا هذه اللوحة ..
وتأملت الصور التي جسدتها ريشة فنان محترف يعزف على قيثارة الحرف بانسيابية وبلاغة وعمق في التصاوير لواقع يتنفس الوجع بين ثراه...
ألفاظ هذه اللوحة يغمرها السحر ويفتح للخيال مدارات التأويل لحياة إجتماعية وسياسية غابت عنها دروب العدل والحق وأفرزت مخالب الظلم
وبيع الضمائر...
الشاعر الأديب هنا استطاع أن يوظف حرفه بإتقان مطلق..من خلال فكره وعلمه الواسع.. وتوظيف أفكاره بتعابير دقيقة عميقة وتشابيه جمعت بين البراعة في التصوير والحس العالي بجوهر القصد الذي وصل لمستوى الرمز.. لتغليف أفكاره وتثبيتها في نفس المتلقي من خلال سحر هذه الصور البديعة ولغتها التصويرية المتقنة بلغة مؤثرة شحنت بدلالات معبرة عن أرض الواقع الموجع...

الشاعر الكبير والأديب المبدع
أ.حسن رحيم الخرساني
هنيئاً لنا بحرف يغزل على لوحة الأدب ديباجة نفيسة قوامها الجمال والسحر...
بورك هذا القلم الكبير ومداده العبق
ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير...



النّاص ادريس الحديدوي
النص فخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فخ
و لأنني أحب الألوان..
زرعوا ألغاما...
حجبوها بألوان الطيف..!!


القراءة
ـــــــــــــــــــــــــ


ما أرقى هذه الومضة بحروفها العميقة ورمزيتها المتقنة التي سقطت على عملية الربط بين الإنسان وقتل الحياة فيه...
ومضة مسكت بتلابيب الفكر بعمق ووظفت الخيال في رحلة فلسفية بين خلق بيئة جمالية للإنسن وبين قتل جمالها بطريقة التمويه..
قال الأديب هنا في أول كلمة في ومضته..ولأنني..
الواو هنا حسب ما قبلها من عمق تفتح آفاق الخيال لاستنتاج ما بحوزة هذه الدلالات من رسم حدود لها وفق ما جسدته الحروف من أشكال مختلفة تتلاأم وواقع القصد الذي يتبع الحروف بعد هذه الكلمة..ولأنني..
وأما كلمة.. أحب الألوان.. جاءت من سمات النقاء والعطاء والسعادة والأمن بكل أنواعه ومنها الأمن الفكري..
فالحب هو عملية التواصل بين كل المخلوقات وحتى الكون وما فيه.. في الحب نزرع الأمل والإرادة والوصول لقمة المبتغى ونرفع به راية العبور للأمان والسعادة...
فكان من الكاتب ذكاء واسع الندى وهو يعزف لحن الحروف على قيثارة الفن الإبداعي في غرس أصول الجنال من حرف يعرف كيفية غرسه وتلوينه وفق أهدافه المبتغاة..
ولأنني أحب الألوان.. هذه الكلمات وما قبلها تصف حياة الفرد سابقا وهو ينعم بنعمة الحياة الهادئة ونعمة الأمن والسكون
خالية من الحروب والدمار وتغيير معالم الإنسان الذي انحدر لهاوية التبعية والجهل الجديد بجاهلية عمياء..
فانقلب الحب لبغضاء نحصد معالمها على الصعيد الإجتماعي والسياسي والإقتصادي وحتى في دائرة الفرد الضيقة..
وأرى هنا عملية الغزو الفكري وأتباعه بقول الكاتب..زرعوا ألغاما.. وهو يجند من معالم الحب الملون على أبعاده المختلفة ..ما يطمس من بذور هذا الحب وقلعها لغرس الحرب بأشكالها المختلفة بعتادها أو في الفكر أو في الثقافة عدا عن قتل البيئة الحية وجماليتها المرتبطة بالله والتي تساهم في ربط الإنسان بالسماء....
زرعوا ألغاما.. جعل الكاتب واو الجماعة مطلقة غير محددة ..لأن الجماعة متعددة المذاهب مختلفة الجنسيات ..كلهم يقبع تحت عملية التدمير والقتل.. وزرعوا ألغاما..تعني هنا أن عملية الزرع تحتاج للري لتنبت سموما وقتلا وهدما ومن الزرع ينمو ثمار الحصاد التي تمتد بذورها واستمراريتها في عملية الدمار بأنواعها...
والري ربطه الكاتب بألوان الطيف..التي تكون مكانها السماء والألغام مكانها الأرض..
عملية انعكاسية للشكل مختلفة تماما عن المضمون وشتان ما بين ألوان الطيف الربانية التي أبدع جماليتها الخالق..وبين ألوان الدمار من الألغام التي حققت قتل الحياة بمل ما فيها من أشكال وهيئات ومعاني...
ومن هذا الربط المتقن الذي وظفه الكاتب بحجب ألوان النقاء ألوان الطيف الربانية لألوان الألغام..إسقاط على خداعهم ومكرهم ودهائهم.. وخططهم المسمومة في حرق هذه الأرض المقدسة...
أكتفي بهذا القدر من التجوال بين سحر هذه الحروف وجمالبتها العميقة البليغة ذات الدلالات المختلفة التي تصب في بورة الإنسان والأرض التي تعني الكرامة والحرية..
فهذه الومضة كانت رمزيتها متعددة تقع ما بين الأمن والأمان والحفاظ على قدسية المعاني الإنسانية وتحقيق العدل في الأرض وما بين الظلم والذل ودحر معالم الإنسانية لأجل المنافع الذاتية والأنانية التي تحكم حكم الغاب ..الحياة للأقوى..
والحديث لا يتوقف مداده وهو يسرح بالخيال نحو السمو والرفعة في التفكير والتأويل..
ولا نقف عند حد واحد من الخيال في وجنات هذه الومضة الساحرة النفيسة التي يجب أن تعلق على جبين اللغة وبين شعاع النور لتكون دليل الحكمة والعبرة..
.......
الأستاذ الكبير الكاتب الشاعر الأديب الفذ إدريس الحديدوي
شكرا لحجم هذا القلم الباذخ ورفعة هذا الحرف الوارف الوارق
وما رسمته ريشتكم الراقية على حرير الأدب من جمال..
سعدت جدا بين ظلال وارفتكم وجمال غرسكم
وفقكم اللع لنوره ورضاه وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النّاص صلاح أبو شادي
النص المطر الأحمر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المطر الأحمر

ابتسمت الوردة عندما أقبل الربيع
عانقتها رياح عاتية حاولت اقتلاعها من الجذور
هطل مطر أحمر
انتعشت الوردة وأيقظت الفجر
همست لها نسمة لمست أوراقها :
" تأكدي أنك أيقظت الفجر الصادق "
تأرجحت الوردة...


القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــ


ومضة إبداعية متقنة حد الدهشة...من قلم يفيض حكمة وعبرا وفكرا وعلما...
للعنوان وحده نستطيع أن نكتب منه ما يفيض من الخيال من تأوبلات عدة تسقط على واقع فاض فيه الألم وتمرد على الظلم من كثرته وجوره..
المطر الأحمر ...
للمطر تأويلات عدة ..إما يكون سقاية رحمة..أو سقاية عذاب
لكن هنا المطر الأحمر جاء بفنية مختلفة ربما توشح من كلاهما... وحمل بين أحداقه دم الأبرياء..فإما كان ابتلاء للأمة من سقاية العذاب ليعذبهم جراء تقصيرهم في شريعة الله وإقامة حدود الله على الأرض ورفع راية الحق والعدل ولواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..ونشر الفساد والظلم فيما ببنهم...
وإما كان سقاية رحمة.. لتتغربل النفوس وتستيقظ الهمم من سباتها ..
لنبعث من جديد بروح الحياة.. ليغسل شوائب الفكر من خيوطها التبعية لتحيي روح التغيير ووأد الظلم والطوفان القادم من الشرق والغرب...
وهنا يكمن عملية الربط الإبداعية ما بين المطر واللون الأحمر الذي يرمز لغزارة الدم الذي يستباح على المائدة العربية بأيدي ملوثة مختلطة مع الغرباء...
هنا جاء المطر أحمرا محملا بجثث الأبرياء وطعنات غرزت في قلب هذه الأمة الموجوعة... نزل على الوردة التي تدل رمزيتها على أمتنا العربية والإسلامية...
تلك الأمة التي يتعلم منها كل البشر باختلاف أجناسهم..لأنها أمة حية تصلح لكل زمان ومكان وتتكيف مع العصر وتطوراته.. تستحق أن تكون رمز للوردة..
قال الشاعر: ابتسمت الوردة عندما أقبل الربيع...
الوردة رمز الجمال والنقاء والطهر والنعومة والرقة...ليست كالنخيل بأوصافها..
وهنا كان من الشاعر توظيف متقن لهذه الرمزية...
لأن الأمة اليوم تشتكي الألم والضعف ورقيقة في مواجهة الإبتلاءات والمحن ..بحكم أن ساستها يسجدون للمصالح الذاتية وللكراسي الملونة..والشعب يصفق لوحده بيد مبتورة.. أمة تحتاج لنهضة متكاملة البناء وقواعدها وأوتادها شريعة الله..
أمتنا أصلها ومنبتها الجمال في كل شيء وهي مدرسة لكل شيء وللبشر جمعاء..
فكان من الشاعر إتقان مبهر في تحديد هذه الرمزية التي تعبر عن هذه الأمة التي تنهشها أنياب المارة...
ابتسمت حين أدركت أن هناك من يعيد لها بناءها ويدعم أساسها ويحيي أوراقها الذابلة..ذلك الربيع والسواعد الخضراء التي تدفع عنها الألم.. ظنت بأن الربيع قد جمع العرب لنصرتها ودفع بوحدتهم اقتلاع الجرثومة القاتلة...
لتتفاجئ بتمزيق جديد من الكبار الذين يبيعون بثراها مقابل ثمن بخس وأطماع ذاتية..
وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله: عانقتها الرياح العاتية حاولت اقتلاعها من الجذور..
هنا تكمن قوة الشاعر وقدرته الساحرة في توظيف حرفه باقتدار وجدارة وذكاء وفكر عميق وعلم مدروس واسع...
فعملية العناق تختلف كليا لو قال بدلا عنها.. لمستها الرياح أو مسكتها..
لأن العناق الإستحواذ على الجسد برمته..غير اللمس أو المسك الذي يكون بجزء من الجسد...لذا الرياح العاتية القوية كانت في المكان المناسب في الومضة..أي أنها أحتضنت كل الجسد بقوتها وأصابته كله وليس جزء منه..
هكذا هي الأمة كلها تشتكي من تلك الرياح التي جارت عليها وهزتها بعنف من جذورها حتى كادت اقتلاعها لولا المخلصين الشرفاء الذين يبذلون دماءهم فداء المحافظة على ثرى البلاد المقدسة ووفق منهاج الله وشريعته...
لأن هذه الأمة لن تنكسر أبدا بل تتناسل عزا وكرامة مادام فيها من يسبح الله ويجاهد في سبيل الله...
يكمل الشاعر بقوله: هطل مطر أحمر
انتعشت الوردة وأيقظت الفجر
عملية الهطول للمطر ..تكون إما رذاذا بمعنى خفيفا..وإما يكون بغزارة..
وهنا يكمن الجمال في عملية انتقاء الخرف وغرسه في الأرض الرطبة الطيبة..فعملية الدماء التي تحصدها الأمة متفاوتة من منطقة لأخرى ومن مكان لآخر وبزمن متغير...
ومن هذه الدماء التي تحصدها الأمة أدت لعملية انتعاش وصحوة للضمير وللفكر أن يعمل بتقنيات جديدة تعيد ترتيب أنظمتها وقوانينها..
لذا قال الشاعر عن الوردة بعد هطول الدماء أنها دخلت في مرحلة صحوة جديدة ..عبر عنها الشاعر بقوله..انتعشت الوردة وأيقظت الفجر..
والفجر هنا رمز الحياة المتجددة وانطلاق عمر جديد ..عملية الإيقاظ تعني هز وتحريك للفكر لتنهره عن تواجد مفاسد ومظالم قادمة تنحت في عصب هذه الأمة... وعليها الإستيقاظ والحذر والإستعداد لنهضة قوية حركتها كثرة المحن وتدفق الأزمات والإبتلاءات..مما جعلها من كثرة الألم أن تصحو وتتقوى من جديد..
اما في قوله: همست لها نسمة لمست أوراقها :
" تأكدي أنك أيقظت الفجر الصادق "
تأرجحت الوردة...
***النسمة كانت رمزية للأمل والإرادة ..
وكلمت ..همست ..وتعني الوشوشة والصوت المنخفض ..وهي عملية إحياء لتجديد الإرادة للصمود أمام الأنياب والأذرع الهدامة..وعملية الهمس والصوت المنخفض إنما جاء ليكون التغيير والعمل والتخطيط والإستغداد بطريقة سرية حكيمة حتى لا يفهم كنهها الغرباء فيفسدوا نقاء التخطيط وجدية العمل والتغيير...
والنسمة كناية عن الخير والأمل جاءت مطابقة للمعنى مع كلمة ..لمست..كناية عن اللطف والأمن والأمان والإنسانية...
وهنا يظهر لنا الشاعر فنية حرفه وقدرته على التلاعب فيه وطيه بمهارة عالية واقتدار...
ويختمها الشاعر بألفاظ تتلاءم والعمق والهدف الذي ينشده ويريد إظهار معالمه..
بقوله " تأكدي أنك أيقظت الفجر الصادق "
تأرجحت الوردة...
وهذا تأكيدا على أن الفجر الصادق سيبزغ لا محالة ..لأن الظلم لا يمكن أن يعمر في الأرض مهما طال..لقوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" 105 سورة الأنبياء...
ومن إرادة الشعوب وصمودهم في وجه عمالقة الظلم ستحيا الأمة الوردة ويبزغ الفجر الجديد في الجهاد في سبيل الله ..
ولن يعمر ظالم في أرضنا المقدسة وإن طالت أظفاره وامتدت أذرعه..
وبالأمل والفجر الجديد يعود الأمن وتتنهد الأرض وتمطر السماء ما يغسل شوائب النفوس وتتحرر الأرض من وحل البشر ...
ليكون خاتمة هذه الومضة المتقنة ما يتلاءم مع كل عناصرها ووحدتها النفيسة الغنية ..بقول الشاعر: تأرجحت الوردة
والتأرجح جاء من عملية الإطمئنان والراحة للخلود للسكينة والطمأنينة ..وجاء من عملية الإهتزاز بالرضا لبزوغ هذا الفجر الجديد وهو يسبح الله....
وبهذا تنتهي إحدى تأويلات هذه الومضة بما يتلاءم والفكر والخيال الواسع الذي سبح بين أجنحتها وحلق في سماء جماليتها ليترجم ما خفي بين ظلالها من رموز ودلالات كانت تحفة فنية وقدرة كبيرة من الإنسجام التام بين الكلمات والمعاني والألفاظ التي جاءت على هيئة صور وتشابيه جسدت الواقع برمزية متقنة مدروسة تناسلت من هذا الفكر العملاق الذي ينطلق من علم الشاعر وثقافته وحرفيته العظيمة...
التي جمعت من خصائص الأدب ما كان أدبا من نثر وسرد وشعر
وهذا لا يقدر عليه إلا الكبار..
شاعرنا الكبير وأستاذنا المبدع الفذ صلاح أبو شادي
هنيئا لنا بشاعر مثلك يملك من القدرات والحرفية ما يفتخر به
وما تسطرون من جمال في لوحتكم الذهبية هذه..
وفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والأدب والنور والخير الكثير



النّاص خالد صبر سالم
النص احتطاب الثلج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


احتطاب الثلج

لا تـَنـْفخي
ما ظـَلَّ جَمْرٌ عندَ مَوْقدَةِ الهوى
فـَلـْتـَسْتريحي
بالنـَفـْخِ قدْ ثارَتْ عواصفُ مِنْ رمادٍ طائشٍ عَضِلٍ قبيحِ
فتـَوقـَفي
ما عادَ نـَفـْخـُكِ بالمُريحِ
***
سنواتـُنا إنـّي احْتـَطـَبْتُ لدِفـْئِها عُمْري
وكانَ الجَمْرُ روحي
وبَقيتِ تمْثالاً جَليديَّ المشاعرِ
ما احْتـَطـبْتِ لجَمْرةٍ
ورَفضْتِ دَوْما أنْ تـُريحي
لمْ تأتي لي عَندَ اللقاءِ لمرّةٍ إلّا أتـَيْتِ
على جروحي
***
مَعْصومةٌ!!
لمْ تـُخـْطِئي حتـّى وإنْ حارَبْتِ شِعْري
واعْتـَديْتِ على طموحي !!
وبريئةٌ!!
لمْ تجْنـَحي لخطيئةٍ حتـّى وإنْ يوماً رقـَصْتِ
على ضريحي!!
كمْ كنـْتِ ظالمةً على رجلٍ أحَبَّكِ مخلصٍ سَمِحٍ نـَصوحِ!
لكنـَّما سِكـّينُ حِقـْدِكِ مَرْكبٌ
دوْماً يُجَدِّفُ في دَمي
ويَغوصُ في عُنـُقي الذبيحِ
لا تـُنـْكري
غـَطـَّيْتني بالثلجِ يُودِعُ صبْحَهُ للثلجِ بالعُرْي الصريحِ
وبقـيْتُ أصبرُ
ما شكوْتُ
ولمْ أكـُنْ غيرَ الصَفوحِ
***
عَينايَ تـَبْرقُ فيهما لغةُ العذابِ
وما اطـّلـَعْتِ على الشروحِ
والآنَ ثارَ الارْتِجافُ باضْلعي
ساُغادرُ العَصْرَ الجَليديَّ المُقيمَ على سفوحي
واُعيدُ ثانيةً
لقدْ كنـْتُ احْتـَطـَبْتُ الروحَ بالجَمْرِ الجَموحِ
لكنـَّما أنتِ احْتـَطـبْتِ الثلجَ لاهِيةً
ونـَفـَخـْتِ في ثلجٍ بَليدٍ مُسْتـَبيحِ
فخـُذي عصوراً مِنْ جليدكِ
واذهبي
وأريحي عُمْري واسْتريحي

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ


يا لهذا الجمال في النسج والنقش على حرير الشعر.. قصيدة بارعة النظم ممتلئة بالألفاظ المبهرة وتجاويفها المتقنة ..
هي لوحة فنية تلمع حروفها ويشتد بريقها عند كل قراءة لها..
قصيدة لها مميزات غنية بألوان الإبداع.. ثرية بالصور المنحوتة بإتقان في جدار الأدب ومرصعة بألفاظ جزلة وتصاوير سحرية..
مررت كثيرا على رياض هذا الحرف وقاموس هذا الشاعر لأتعلم منه فنون النظم ..إلا أن مثل هذا النسج له شيفرته الخاصة وريشته المبدعة..
احتطاب الثلج...
عنوان مثقل بالجمال مطرز بالإبداع..يثير المتلقي للدخول لمعالمه والكشف عن أسرار جماليته والتنقيب عن عمقه..
توظيف الشاعر لكلمة احتطاب الثلج..فيه فنية وذوق وسمة مميزة خاصة به..تحمل كل معالم السحر ..وتفتح غرفات الفكر لأوسع مدى في التعمق بين أسرار هذا الإبداع..
كلمة احتطاب..هي من الحطب..والحطب تتم فيه عملية القطع.. والقطع هي البتر عن بكرة أبيه.. لتصل إلى الموت.. وهذا إسقاط على وجود آلام وقهر ووجع.. لما في الإحتطاب من قطع الحياة وعدم التواصل بتاتاً..رمزية الحزن وانطلاقة الآهات تعليلاً على وجود عوائق حالت بين استمرارية الحياة..
وأما الثلج..ترمز للبرودة والجفاف وانتزاع الدفء والمشاعر وتعرية القلب من النبض..إذ هو مبعث الدفق العاطفي والدفء الشعوري في مراتب الحياة المختلفة..
وسنرى كيفية استغلال مصطلحات الطبيعة في غريزة النفس لتعطي عمق الحس الذي يتحلى به الشاعر لتصل لنا الصورة على أكمل وجه بتأثيراتها العميقة لتغلغل في النفوس وتطرب الذائقة الشعرية لدى المتلقي...
يبدأ الشاعر باستخدام الألوان المغرية بالتعبير الجمالي للحرف.. من خلال أولى كلماته الصادحة بقوله:
لا تـَنـْفخي
ما ظـَلَّ جَمْرٌ عندَ مَوْقدَةِ الهوى
فـَلـْتـَسْتريحي
بالنـَفـْخِ قدْ ثارَتْ عواصفُ مِنْ رمادٍ طائشٍ عَضِلٍ قبيحِ
فتـَوقـَفي
ما عادَ نـَفـْخـُكِ بالمُريحِ...
يبدأ اللوحة الفنية بعملية النهي والأمر لمن يقصدها الشاعر (محبوبته).. لا تنفخي.. والنفخ هو ما يثير من عملية الإتقاد التي ذهبت رمزيتها للوجع الذي يكمن في داخل الشاعر..
وكلمة جمر وموقدة وعواصف ورماد ..إنما باعثة لعملية الغليان والإحتراق والتعذيب...
ولمجرد توظيف مثل هذه الصور ورسم حدودها بنار الهوى..هذا دليل على قمة الوجع التي تغلي خصاله على موقدة البعد واحتراق المشاعر ...
يطلب الشاعر منها أن تتوقف عن تعذيبه من خلال اشعالها لنار الهوى ..إذ انتهت جمراته وهي تتقلب بالوجع على ما كان وانتهى حدوده..
في هذه الألفاظ صورة حية قد جسدها الشاعر بحس عالي من خلال القوى العقلية الواعية بتراكيب جديدة ترتدي ثوب التغيير في النظم لرسم دلالاته البليغة المبدعة ليبرز لنا حبال الوجع وهي تنكوي بمرارة لما وصل بينهما..
وينتقل الشاعر لصور جديدة أخرى قد تفرد بها وبجماليتها..بقوله:
سنواتـُنا إنـّي احْتـَطـَبْتُ لدِفـْئِها عُمْري
وكانَ الجَمْرُ روحي
وبَقيتِ تمْثالاً جَليديَّ المشاعرِ
ما احْتـَطـبْتِ لجَمْرةٍ
ورَفضْتِ دَوْما أنْ تـُريحي
لمْ تأتي لي عَندَ اللقاءِ لمرْةٍ إلّا أتـَيْتِ
على جروحي

الصور هنا غاية في السحر والجمال.. مصور حسي بارع..يلبسها تشابيه عذبة تدل على براعة الشاعر..
يشير من خلالها إلى بؤرة الألم وقمة الأزمة
التي فجرت بداخله حمم البوح لتكون لوحة تدفقية للمشاعر المجروحة.. عن طريق التدفق الشعري المميز لتحقق الغرض الشعري.. بعد عملية الإلحاح التي نخرت أدوات الكتابة لديه
وامتشقت مفتاح الجمال بألفاظه البارعة..
مما تدل على موقع الشاعر من البلاغة والفصاحة ومما يفتح الآفاق للسبح بين ظلالها الوارقة من عمق بالفكر وتغليف للأفكار لتثبيتها في نفس القارئ .. ولتوقظ عواطفه بلغته التصويرية المتقنة المؤثرة..ودلالاته المعبرة عن تأجج الحزن في دائرة ألمه..
يصور لنا الشاعر كيف يحتطب عمره مقابل الآخر ليهبه الحب الصادق.. ويقع التصوير على قمة التضحية بسنوات العمر ليحظى برضى من يحب.. وكيف يجعل من روحه جمراً يوقدها لمن يحب..كناية عن اللا حدود للإخلاص والنبل والوفاء.. ومقابل ذلك يلقى الجفاء والبعد وعدم الإكتراث من محبوبته التي رهن عمره لها... حتى وصفها بوصف بليغ مؤثر..على أنها تمثال جليدي.. كناية عن موت المشاعر والأحاسيس...
يكمل الشاعر لوحته الفنية بقوله:
مَعْصومةٌ!!
لمْ تـُخـْطِئي حتـّى وإنْ حارَبْتِ شِعْري
واعْتـَديْتِ على طموحي !!
وبريئةٌ!!
لمْ تجْنـَحي لخطيئةٍ حتـّى وإنْ يوماً رقـَصْتِ
على ضريحي!!
كمْ كنـْتِ ظالمةً على رجلٍ أحَبَّكِ مخلصٍ سَمِحٍ نـَصوحِ!
لكنـَّما سِكـّينُ حِقـْدِكِ مَرْكبٌ
دوْماً يُجَدِّفُ في دَمي
ويَغوصُ في عُنـُقي الذبيحِ
لا تـُنـْكري
غـَطـَّيْتني بالثلجِ يُودِعُ صبْحَهُ للثلجِ بالعُرْي الصريحِ
وبقـيْتُ أصبرُ
ما شكوْتُ
ولمْ أكـُنْ غيرَ الصَفوحِ
***
صور متتابعة لأفق الجمال وهو ينوع في تشكيلة لغوية قوية العمق ..
تلك الصورة التي رسمها بإتقان ..حين صوّر عمق وجعه وحزنه.. سكين حقدها يجدف في دمه ويغوص في عنقه الذبيح..
وما كان منه إلا الصفح.. دليل على معدن الشاعر وإخلاصه الكبير.. وصبره الواسع..
وتأتي نهاية قصيدته الرائعة المليئة بمقومات الجمال..بقوله:
عَينايَ تـَبْرقُ فيهما لغةُ العذابِ
وما اطـّلـَعْتِ على الشروحِ
والآنَ ثارَ الارْتِجافُ باضْلعي
ساُغادرُ العَصْرَ الجَليديَّ المُقيمَ على سفوحي
واُعيدُ ثانيةً
لقدْ كنـْتُ احْتـَطـَبْتُ الروحَ بالجَمْرِ الجَموحِ
لكنـَّما أنتِ احْتـَطـبْتِ الثلجَ لاهِيةً ونافخةً
على ثـَلـْجٍ بَليدٍ مُسْتـَبيحِ
فخـُذي عصوراً مِنْ جليدكِ
واذهبي
ولـْتـَتـْركي عُمْري مُريحاً واسْتريحي..

وهنا ينتهي عصر الجليد بينهما ..بعد أن يأمرها بالرحيل..
صور مكثفة وتشابيه جميلة ..يصف لغة العذاب في عيونه وهي تبرق الألم..
وينتهي به إلى القناعة التامة بتركها وإخراج ما تبقى منها من حسه للأبد...
قصيدة متقنة لها مميزات ذات جمالية في النسق والتفرد بلون جديد يثريها تلك التشابيه والصور البليغة التي أشارت لقدرة الشاعر وطيّه للحروف كيف شاء مما يزيد من براعته ويشير لقوة ألفاظه... عدا عن ذلك الخيال الواسع الذي استطاع به أن يوظف ألفاظه الجزلة بطريقة الدهشة مما استدعى الفكر للتأمل والغوص في مكنونات جماليته..
الشاعر الكبير المبدع
خالد صبر سالم
شكراً لإثرائكم للأدب بهذه اللوحة الفاخرة ولحرفكم المميز
وفقكم الله ورعاكم وزادكم من العلم والخير والنور الكثير..



النّاص عوض بديوي
النص زوربا في حارتنا...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


زوربا في حارتنا...
ما كل ما يتمنى المرء يدركه إن السفينة لا تمشي على ( الوعر )

الرواي مجمع بن مجمل ، الذي غالبا ما يروي ويحكي قصص أبي غالب ( الأمة )، حيث حدث عنه إنه قال :
قالت لي أمي –رحمها الله – ذات يوم مثلا شعبيا :" بحبك يا إسوارتي أما متل يدي لأ " في تلك الأثناء كان الطبيب يقول عير التلفاز : يحدث أن يستأصل أحدهم عضوا من أعضائه ؛ لسلامة الجسد ، مجيبا على أسئلة المشاهدين ، في برنامج صحي توعوي...
صليت الفجر ، دلفت إلى زاوية الحارة ، رأيت رجلا يقترب مني إلى مثلث الزاوية..صافحني..لاحظت أن إبهام أصبعه مبتور..ثم فاجأني بسؤاله :
ألست أبا غالب (الأمة) .؟!
قلت : نعم ولم أقل بلى..
قال : أنا زوربا ...فقاطعته سائلا : هل حقا بترت أصبعك لأنه يعيق عملك أم لأمر آخر..؟! أُصدقني.. إبتسم ، وأخفى في نفسه إعجايا ..وقال : أنظر إلى أصابعي التسعة ، كلها مجتمعة بالنشاط ذاته..و لا تعيقني ، ولا بأس
من بتر أي أصبع يعيقك ، غير أنني ما زلت أبحث عن فتوى لرقصتي المشهورة ......!!
فقمت بقطع يدى كاملة ، و ثبت الإسوارة ، بواسطة طبيب مختص ، في نهاية الرسغ...!!
فازداد جسمي جمالا فحزن القوم ....؟!
بعد زمن بعث لي زوربا اليوناني رسالة هذا نصها : شكرا لك أيها الصديق ؛ فقد وجدت في لقائك فتواي ، أما
يدك التي بترت ، فقد حملتها معي ، ودفنتها في خليط العجين الذي أصنع به التحف الفخارية....!!
في اليوم التالي ، كنت أتلو : " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون "
فوجئت ، في زاوية الحارة بأمي – رحمها الله – تضع لي رسالة ، تطلب بها مني أن أحافظ على أصبعي المتبقيين في يدي غير المبتورة بعد ... !!
في الوقت الذي كانت فيه الإسوارة تمدني بالنور والقوة والجمال ....
قال الراوي : عندما زرت أبا غالب في مسكنه ، وجدته يملأ كوزا فخارية فاخرة ، تشع نورا و بريقا ....
وعندما يشرب
منها يقول : أشتم رائحة بعض جسدي دونما ألم ...!! الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا ولم يسقنا ملحا أجاجا ...
ثم يتلو قوله تعالى :
" والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون "

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ


أقف أمام نص عملاق ..نص واعي وناضج..نص يغمس الكاتب جل أفكاره وقوة فكره في جمال لا آخر له...
لو تأملنا فقط العنوان ومكثنا بين جوانبه وأسراره..ولم ندخل للنص..لوجدنا في جعبتنا الكثير من القراءات..وتحت ضوء المعرفة العميقة لأرض الغرس...
زوربا الغريب الأجنبي وحارتنا..إلتقاء ويجمعهما هدف..ويشير إليها الكاتب ليس لمجرد شخصيات عابرة..إنما الهدف أعظم بكثير...لن أتطرق إليه الآن..لأني أتيت لأحجز في المكان مقعدا ولو كان الأخير ..ولكي تعود الأقلام بفكرها للتأمل في جمالية هذا النص العميق الذي يشير لدلالات لا حدود لها..
الشخصيات هنا ليست عشوائية لإكمال قصة..بل رأيت من الكاتب عمقا أراد أن يظهره في عين وفكر المتلقي..وهذه سعادة لا حد لها ..أن يجد الكاتب من يقرأ عمقه وفكره وفلسفته وقوة أبعاده ومعانيه..
العنوان له دلالات..
كل شخصية لها رمزها الخاص ومكملة للأخرى..ترتبط كلها لهدف أخير سأوضحه في القراءة الموسعة القادمة...
وكل شخصية تحمل رسالة في حضارتنا ومن تراثنا.. وتحمل تجربة هي بحد ذاتها توعية توصل لخيوط الأمل...
نص يناقش شخصتين مختلفتين في الأفكار والعادات والقيم والفكر..متناقضتين..يمثلان قطبان للتناقض إلا أنهما يجتمع بينهما الصداقة والحب..وهذا بحد ذاته مدرسة في معالجة احتواء الآخر بطريقة فكرية وسلوكية وإن اختلفت العقائد..ليحكمهما علاقة تكاملية.. وهذا يعطينا منهاج حياة لدراسة مثل هذه العلاقات التي تعيش في مكان ومجتمع واحد حتى لا تنشب بينهما الخلافات والعداوات..وهذا يفرض تربية التعايش تحت بؤرة وطن واحد بسلام وان تعددت الديانات والمعتقدات...
.... هذا النص يستحق أن يوضع تحت المجهر الأدبي العالمي ليتم تشريحه بدراسة عميقة تستحق التدريس....
سأكتفي إلى هذا الحد..
شكرا للكبير المفكر والشاعر الثاقب قلمه د.عوض بديوي
ولي عودة لهذا الألق إن بقينا هنا بخير



النّاص عادل عبد القادر
النص على أنقاض نزوتنا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


على أنقاض نزوتنا..

تعالى يابنة الثوره
و هاتى الكأس و الجره
تعبنا من أمانينا
و ضاع العمر ما مرّا
هنا قطفوا
هنا خطفوا
هنا قتلوا
و عاد اليوم من فرّا
سلامُ اللهِ يا وطنى
و يا مُدنى
و يا اِسفلتَ أحلامى
و يا رشأً بها خطرا
سلام الله للطلابِ للغرباءِ فى الأسواقِ
للفلّاحِ قد حصدَ الرصاصَ الغدرَ لا الثمرا
سلام الله للبسطاءِ للضعفاءِ
للشعراءِ حين تكبّلَ الحرفُ
فصبّوا فوقه شعرا
سلام الله للعمّالِ يقتسمون تحت الشمسِ غيثَ الجسمِ فى تعبٍ
و عند الليلِ يقتسمونَ همَّ العمرِ و الصبرا
فلا قدَراً يُقرُّ به و لا قَمَرا
سلام الله يا انتِ
و يا بنتى
سلام الله فى ريعانكِ الثورىّ حين تقلّدَ الأمرا
و قلتِ اليوم تلقانى
فتاةُ حلوةً حرّه
و ها نحنُ تلاقينا
رفاتٌ يحملُ المعنى
و شيخٌ يرقُبُ القَدَرا
سلام الله يا حرّه
مشيتُ اليوم فى أنقاضِ شارعِنا
فلا ورقاً و لا زهرا
و لا روادَ مقهانا
و صوتَ النادلِ الشجنىَّ و الهرّه
و عينَكِ حين تعترفين بالحبَّ
و بالأشواقِ بالرَغَباتِ بالفوره
سلام الله يا حرّه
تركتِ الشاعرَ المسكينَ للأمواتِ و الفوضى
صباحُ الذبحِ و القتلى
يموتُ الشعرُ فى قلبى و يقتلنى اِذا أغضى
- و ما أغضى -
سأحكى عن مصائبنا
وعن خيباتنا الكبرى
و عن أهلى و كيف الناسُ و القطعانُ و المرعى
على أنقاضِ نزوتنا
و رغم تقطّع السبلِ
أرانا يا بنتى الحرّه
أرانا
سنرجعُ تارةً أخرى

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ


الله على هذه اللغة التي تمتزج بها تلك الموسيقى العذبة الحزينة لترافق القصيدة حتى نهايتها..
استطاعت هذه الألحان العذبة أن تدخل بنا إلى عمق ذلك الوجع الذي يعزفه كل الوطن..
عنوان ذكي استطاع أن يجلب المتلقي للغوص بين مكنوناته العذبة..
والطواف بين زواياه المؤلمة..وجعلنا الشاعر من هذا العنوان أن يلقي الضوء على مسؤوليتنا
ودرجة ما نحمل من أمانة لهذا الوطن بكل أفراده...
الأوصاف والصور الشعرية هنا ترتجف في القلوب قهرا وأسى..
تحمل التاريخ والتراث وتنقل صورة حياتية لواقع مرير..
شملت جميع جوانب الوطن وما يجري على وجهه من صراع ومؤامرات...
وقد وظفها الشاعر ضمن المعاناة وعمليات القتل والهدم ..
التي يقوم بها هم أبناء الوطن الواحد ضد بعضهم البعض..
غير متداركين لعظمة المؤامرة التي تحاك ضدنا لقتل أنفاس العربي والمسلم..
زرعوا الفتن من أبناء جلدتنا ووزعوها بين أحضان هذه الأمة لتمزيقها وتحويلها إلى دويلات صغيرة ليسهل السيطرة عليها...
وكلنا أمل بقادتنا الكبار ..إلا أن خيبة الأمل أتت سريعا على نزواتهم واتضحت ضحل أفكارهم ووحل مطامعهم ..
وأصبحوا دمى متحركة كالروبوت بين عمالقة الظلم والكفر الأجانب الغرباء...
صور إبداعية سلسة التراكيب ذات جمالية نحتت القلب وأدمت الروح ..
والعين تدمع على أمتنا وحالها الذي يرثى له..
ويبقى الأمل بالله كبير وبنصر من عنده قريب ..
لأن الظلم لا تستطيع حمله الأرض طويلا ..فيبدل الله أثوابها من جفاف وذل إلى عزة ونصر كبير..
فالظلم وإن طال لن يدوم ..ليمكن الله من يأتي من عباده ليستخلف الأرض بطاعة الله وتغيير وجهة قبلتها من بوصلة شريعة الله ومنهاجه...وما يجري على وجه الأرض اليوم ..إنما بداية خلع الأرض لأثوابها واستبدالها بأرواح أكثر قوة يعيدوا لها نضارتها وحياتها..
والأمل بالله كبير ..والحمد له كثير على كل حال وعلى كل وضع..
ونافذة الأمل مفتوحة قد تعلمناها من قفلة القصيدة الرائعة الحية..سنرجع تارة أخرى....التي كانت مؤثرة جدا من الإحساس الذي شعرنا به من خلال تلك الأنغام الحزينة التي سرت بالروح بتلقائية عذبة..
أستاذنا الكبير وشاعرنا المبدع عادل عبد القادر
بوركت وقلمك الثائر الذي حمل هموم الوطن بين عينيه وقلبه..
فجمعت بين جمالية الألفاظ والصور وبين تدفق المشاعر التي فاضت من قلمكم المدرار الرائع..
سررت بين أغصان قصيدتكم الوارفة وأنا أتأمل ثمارها الناضجة وجماليتها العذبة..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وأسعدكم سعادة لا تنتهي..



النّاص الدكتور محمد أمين
النص وساوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وساوس

تبكينَ
تقرعُ داخلي الأجراسُ
ويقام بين كنائسي
قدَّاسُ
ويضج في صدري ذئاب
يشبهون قصائدي
لكنهم أشراسُ
تبكينَ
تنطفئُ النوارسُ
يستقيلُ الحظُّ مني
تؤلمُ الأنفاسُ
هل يستحقُ الكون هذا؟
أن يجفَّ بصدره الشعراءُ والإحساسُ
ظلي كطبع الماء هادئةً
فبينكما
من الشبه المثير
جِناسُ
عيناكِ ترتكبان دمعاً
إذ يسيل
يسيل منك كأنه الريماسُ
وتدق في ليل ارتعابي ساعةٌ
يخطو بها نحو الردى
نوَّاسُ
هل كلما أغلقتُ ذاكرتي القديمةَ
عاد ينفثُ حزنها وسواسُ
مِنْ سالفِ الوجع القديمِ
حكايتي
كالماردِ المذعورِ
كيف تُقاسُ
ضمي يديَّ وهدئيني
ربما
يَخْضَرُّ من بعد البكاء يباسُ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


ما أجمل السينية هنا وهي تقرع أجراس الجمال برقة وعذوبة للحرف وأعماقه...
وتعزف لنا سيمفونية سحرية على أوتار الحرف البديع...
عنوان آسر..من وساوس السين..حيث كثرتها بين الأبيات أعطاها رونق حسي وملمس صوتي أثرى الذائقة بمعزوفة طربية أنعشت الروح وهي تتلوها بتأمل وتدبر ..مما ساعد الفكر أن يقف على ضفافها وهو يسبح بين جماليتها بدلال...
تكرار السين هنا من العنوان حتى آخر كلمة في القصيدة ما يساوي أربعة وعشرون مرة..هذا دليل على قدرة الشاعر في تحويل نصه للوحة موسيقية باذخة الجمال ..وتحويلها لأيقونة تطرب النفوس من اهتزازات الحرف وهو يتراقص على حافة اللسان...
الصور الشعرية هنا فاقت حدود جماليتها وزادت للخيال آفاقا واسعة المدى...أبحرنا عبرها في تخوم الحرف وفي عمقها الآسر...
تصاوير مذهلة جدا أشبعت الجمال رقيا ودلالا..
تبكينَ
تقرعُ داخلي الأجراسُ
ويقام بين كنائسي
قدَّاسُ
ويضج في صدري ذئاب
يشبهون قصائدي
لكنهم أشراسُ
الله الله على عمق هذه الصور..فمن حفلة البكاء تسبب الوجع بين الضلوع ويحدث ضجيجا من قوة النبض ليشبهها بقرع الأجراس التي تضج الآذان بصوتها...
شدة الألم هي الكناية التي حملت ضجيجا بين الضلوع...
تشابيه فاتنة وتجسيد عميق لمدى الألم...بتعابير دقيقة للأفكار المتدفقة بين الصور...
صور أظهرت قوة المعاناة وهي تجلد الجسد والروح بزفرات غاضبة موجعة...
تبكينَ
تنطفئُ النوارسُ
يستقيلُ الحظُّ مني
تؤلمُ الأنفاسُ
هل يستحقُ الكون هذا؟
أن يجفَّ بصدره الشعراءُ والإحساسُ
ظلي كطبع الماء هادئةً
فبينكما
من الشبه المثير
جِناسُ
الله الله على سحر هذه الصور المبدعة..وتغليفها بدلالات موحية لعمق الجراح...
إحساس كمرآة يعكس ما يجول بخلد الشاعر من مشاعر على هيئة صور فتية عالية النسق والسبك والعمق..وكثىة التشابيه تكرم الشاعر بقوة لفظه وعلى موقعه من البلاغة والفصاحة والبراعة في القول...وهذا يمنح الدخول لعمق الفكر الذي يتحلى به
تنطفئ النوارس...وكأنها قنديل تهدي المارين لعصب الحياة والحرية ..لتنطفئ من مهامها فيسود الحظ بشذرات الظلام ليؤدي إلى سوء الحظ..
يقف الشاعر هنا موقف المصور الحسي لتصوير الروح وهي تعبث بالمكان والزمن...على هيئة خواطر نفسية بقالب شعري مميز متين...
عيناكِ ترتكبان دمعاً
إذ يسيل
يسيل منك كأنه الريماسُ
وتدق في ليل ارتعابي ساعةٌ
يخطو بها نحو الردى
نوَّاسُ
هل كلما أغلقتُ ذاكرتي القديمةَ
عاد ينفثُ حزنها وسواسُ

عيناك ترتكبان دمعا...
هنا كلمة ترتكبان...كانت غاية قوية في التعبير..لأن من عادة العين ان يسيل الدمع منها انسيابا لفرح كان أو حزن..لكن هنا أن تأتي العين وترتكب شيئا فظيعا وكأنه جناية...وهذا دليل على أن الدمع هنا له وقعه المؤلم الذي جاء عنوة بوقوع حدث جلل أو واقعة لها أثر الجراح العميقة...
هل كلما أغلقتُ ذاكرتي القديمةَ
عاد ينفثُ حزنها وسواسُ
يا لروعة عمق هذه الصور هنا...
بؤرة المعاني هنا تتدفق ..لا تخضع لزمن بل هي متغيرة حسب وقع الحدث الذي يعيد لها أوقاتا لا نسيطر عليها بوقت محدد.. فقد استطاع الشاعر أن يدمج الروح مع روح النص ليتناسل منه معاني عميقة وسعت عمليات الذهن أن تبحر في مكنوناتها بأفق واسع وخيال خصب...
مِنْ سالفِ الوجع القديمِ
حكايتي
كالماردِ المذعورِ
كيف تُقاسُ
ضمي يديَّ وهدئيني
ربما
يَخْضَرُّ من بعد البكاء يباسُ
هنا دلالات تجيد التجذر للماضي والتفاعل الوجودي في تكوين صورة حية تعيد محاكاته للواقع غبر تأثيرات متراكمة قد نحتتها الذاكرة من جدرانها الموجعة لتعود بالتمني لواقع يلامسها بكل تأثيراتها الوجودية والروحية...
رموز عديدة يتقن الشاعر رسمها على لوحته المثيرة المبدعة ..وإيحاءات بارعة استكاع الشاعر أن يبني عليها ألفاظه وأفكاره التي تأخذنا لأبواب عدة من التأويلات الجنالية والفكرية...
قصيدة بارعة النظم مبهرة الصور عميقة المعاني ..كثيفة الألفاظ الجميلة...
شاعرنا الكبير المبدع الدكتور محمد أمين
كنت في حضرة قصيدة ذات أبعاد جمالية وارفة الدلالات العميقة ..وبين أنانل قلمكم البارع أتفيؤ بين ظلالها السحرية...
بورك بكم وبقلمكم المدرار قوة وجمالا ..
ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه مع مزيدا من التألق والإبداع



النّاص زياد السعودي
النص الضمير العربي....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الضمير العربي

نحن الأمةُ المفعولُ بها
والفاعلُ ما كان يومًا ضميرًا
مُنفصِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلا
الفاعلُ جَهْرًا أثْخَننَا نَصْبًا
وصديقي غارَ على اللغة العربية
مُنفعـِـــــــــــلا
ماكان النصبُ صديقي بالفتحهْ
أنظرْ ... الثائرُ في وجهِ الطاغوتِ
يصرّحُ أنّ الفاعــــلَ كانَ ضميرًا
مُتَّصِـــــــلا
عربٌ نحنُ في الدّرْكِ
السفـــــــــــليْ
طَربٌ نحنُ في التَّخْتِ
الشَّـــــــــرقيْ
موالٌ في الحلمِ
العـــــــــــربيْ
قافيةٌ في دبرِ
قَصيـــــــدَهْ
شجبٌ ناريّ اللهجةِ في وهمِ
جَـــــــريدَهْ
دَجَلٌ في قممٍ عرجاءَ
قعيــــــدَهْ
جُمَلٌ في ديباجةِ
خُطْبَـــــــــهْ
أولها زيفٌ آخرُها
كِــذبَهْ
رتَّب بلفورُ خرائطَنا
بعثرَ وحْدتنا إِرْباً إِرْباً
أفنــــانا
هيّا يا أخي نستذكرُ
بعضَ محاسنِ
مـــــوتانا
حدّثْني
عن ذلك المدعوُّ
ضميــــر
حدّثْني
عنِ المجدِ
عنِ التاريخِ العربي
الكبيـــر
حدّثْني
عنِ المغفورِ لها
الصَّحْـــــوَهْ
يكفينا غناءً غبيًا
أن العربْ
إخـــــــوهْ
ويحَ الصَّدر
وويحَ العجز ويحَ الرويّ
ماتتْ فينا
النخْــــوَه
في حَنجرتي انتحرَ الصّدرُ:
بلاد العرب أوطاني
في حَنجرتي ناحَ العجزُ:
هوانُ العُرْبِ أبكاني
أبكاني
أبكاني

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ


يا لروعة هذه اللوحة من جمال..جاءت بطريقة متجددة وبأسلوب فني راقي..
وبحرفية متقنة جدا..أذهلتني..هو ذا الأدب حين يكون فنا راقيا..
يتلاعب فيه الشاعر بحروفه وفق لغة ساخرة وناقدة للواقع المؤلم اليوم...
يستعمل فيها الشاعر قواعد اللغة من رفع ونصب وما بين فاعل ومفعول به...
ويستدعي الضمائر عنوة لتحقيق لغة الوطن..وليعطي للصمت الصدارة..
ويكون حاصل الضرب بين المفاعيل والضمائر ما ينحت في جدران الوطن العربي...
قصيدة عميقة الجذور.. بناؤها القهر والأسى..جاءت بلون جديد ساحر..
يتميز الشاعر فيها بالذكاء والفطنة وحسن تصريف الأفعال بمكانها المناسب..
مما أعطى للخيال أن يسبح في كل حرف فيها وما تحوي بأعماقها من رموز ودلالات تقع كلها في جوانب
هذه الأمة المكلومة...تطريز للواقع بريشة الوجع المدفونة في الصدر..
ليعطيها القلم تأشيرة دخول لفج الصمت القاتل...
وها نحن نحضر مراسيم الدفن للضمير العربي ونكبر عليه أربع تكبيرات في كل مآذن هذه الأمة...
فقد نزف الحق والعدل وسال من بين شرايين هذه الأمة وأنامل أوردتها..
غاب عنها الأمن والأمان..بلا استقرار هو هذا الكيان..
بلا حرمة لدماء المسلمين..بلا حقوق ولا عدل...
تفرز العنف وتزداد الطوائف والمذاهب والفرق..والغلبة للقوة..
لعبة الغاب بين الأفراد تمارس..ولعبة الشطرنج يمارسها الغرب بالجنود القادة والساسة العرب...
وها هو القتل يزداد والتجويع قائم والهدم مستمر..والتجارب عليه قيد التفعيل..
الشاعر هنا رسم الوجع بصور إبداعية مبهرة...رسم خريطة الوطن اليوم بكل تضاريسها..
وبكل أدواتها..وكل معالمها التي تغيرت منذ تركوا شريعة الله ..
واتبعوا المناصب والأهواء والشهوات..
ومن ضعف الإيمان وعدمه يولد الفساد ويتناسل الذل والعار ويموت حينها الضمير...
لن يعود لهذه الأمة عزها إلا إذا عادت لدروب السماء...لأن الإنسان هو من عاث في الأرض الفساد..
قال تعالى:
:" ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم...
وها نحن نرى اليوم تجرؤ المغتصبين للأرض في القدس الشربف أن يمنعوا الأذان في المساجد..
من الذي جعلهم يقبلون على هذه الفعلة النكراء إلا تقاعس قادة العرب..
والذي سيؤدي إلى انتفاضة جديدة ..لأن شعبنا لن يقبل لالتمادي على شرعة الله وديننا الحنيف..
هذا غيض من فيض ..كان من نتيجة هذا الصمت والضمير العربي الميت...
أستاذنا الكبير وشاعرنا القدير عميد الفينيق الراقي أ.زباد السعودي
بورك بكم وبقلمكم الشامخ ونقشكم المتين ونقدكم اللاذع لواقع يحتضر...
جئتم بأسلوب مميز وصور نحتت الفكر من نضوجها وواسع العلم والدراية بفنيتها وتوظيفها...
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير...
.
.
الفاتحة ..
على روح الشهداء الذين استشهدوا..
من موت ذلك الضمير العربي..



النص : كيف أُخمدُها و تُخمدُني الحُرُوق
النّاص : طارق مخيبر قطف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

كيف يَسْكُنُني الرُّقاد ُ يا رُقيّتي
و كيف يُسْعِفُني الصّباح ُ إن ْ طَل ّ َ النّدى
و كيف يُغْرِيني الشّروق ْ
كيف يَخطفُني السّحاب ُ وكيف تَحملُني الدّروب ُ إن ْ رَجَع َ الصّدى
و جاء َ في رَجْعَاته تَنْهِيدَة ُ المَعْشُوق ْ
ما يفعل ِ المُشْتاق ُ يا حمامتي إن ْ يهدل ِ المَشُوْق ْ
يَمامة ُ الشآم ِ في الكويت ِ يا رُقيّتي عليلة ٌ
و عتاب ُ في برلين َ و المثنى
وفي قُرّيات ِ الحِجَاز ِ أم ُّ هيثم ٍ
يعقّها الزمان ُ و الأعياد ُ في حزنِها الخنساء ُ
تعقّها الحظوظ ُ و الأمطار ُ و الشّتاء ُ
لم تُرعد ِ السماء ُ لم تظهر ِ البُرُوق ْ
ونهاد ُ في الزّرقاء ِ
و أم ُّ عبيدة ٍ في الشّام ِ في بستانها
ونجمي عنها غائب ٌ و بيننا قفار ُ
ومَطِيَّتي تعوقُني و دربُها يَعُوق ْ
و العيد ُ يطرق ُ بابَنا و أهلنا في مأتم ٍ
لم يسأل ِ الطّارق ُ ما خَطْبُه ُ المَطْرُوق ْ
العيد ُ جاء َ يعُقُّنا و ما لنا في العيد ِ من أفراح ٍ
وما لنا في غيره ِ من سائر ِ الأيّام ِ ضحكة ٌ
حقُوقُنا مَسْلُوبَة ٌ ومَن ْ يُعيد ُ يا رُقيّتي الحقوق َ
ما أنصف َ الزّمان ُ إن ْ شَابَه َ السّارق ُ المَسْرُوق ْ
ديارُنا بيوتُها أطلال ُ وذكريات ُ رُحَّل ٍّ مرّت من هنا و نَوُق ْ
أمُّنا سورية ُ أبناؤها جميعُهم لإمِّهم عُقُوق ْ
فكيف يَسْكُنُني الرّقاد ُ
و كيف أُخمدُها و تُخمدُني الحُرُوق ْ

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ

يا لهذه اللوحة النفيسة من جمال..
وهذا العنوان الذي يحمل أكثر من لوحة جمالية غزلها الشاعر بروح وجعه..
ونزفت من عيونها الدماء..
كل حرف هنا وزفرات الأسى والألم تملأ هذه الأمة بأكملها..
صور حركت قوافل الفاجعة على صفحات القلوب...
وشربت من أنين الإحتضار من يعيد لها صدى الحنين..
فلا بأس عليك يا شام ويا كل سوريا الحبيبة وكل الوطن في كل مكان...
إن الله تعالى لا يقبل للظلم أن يستكين..ولا يقبل للكفرة أن تمتد أيديهم للبطش والظلم..
يمهل ولا يهمل..يرسل لنا إشارات توحي باقتراب الأجل لمردة الكفر..ويوحي لنا بدلالات على أن الفرج قريب...
ولأن الظلم لا يستقر في أرض الشام المقدسة ..وموعد النصر قريب..
لكن الله يريد منا أن نعيد لهذه البلاد الطاهرة كيانها المسلوب وحقها الشرعي في الإستقلال والإستقرار...
وللوصول لهذه القواعد الآمنة ..وجب دفع الثمن..والثمن لتحرير الأرض من قادتها الأنذال..هي تقديم قرابين تكون فدية عن أرض السلام..بالتضحية والشهادة في سبيل الله..وبالعودة بين أحضان الشريعة وكتاب الله...
للحرية ثمن..والثمن الغالي والنفيس هو الأرواح المجاهدة ..وأجر وثواب هذه الأرواح لقاء ما تبذله للدفاع عن البقعة المقدسة ..هو جنة عرضها السموات والأرض...وهنيئا لمن يقتل أو يموت في سببل الله ليمنحه الله الجنة أجرا والدرجات العلى...
فلا خسارة للأرواح التي تركتنا..بل منحتنا القوة والصبر ..وأسقتنا العبر والمواعظ...
والله أرحم بعباده من عباده..ولكن لانعلم أين هو ذلك الخير...
الله صبور يصبر على عباده وعلى كفرهم وعلى ظلمهم..
ونبقى في جهل لحكمة الله في الأرض...
وهو ولينا والقادر على عباده..

الشاعر الكبير الأستاذ المبدع طارق مخيبر قطف
كتبتم لنا لوحة باذخة الجمال بقوة ألفاظها وصورها البليغة الموجعة..
جسدتم وشرحتم الواقع اليوم بلغة متقنة وحس عالي موجع. .أثرتم الحزن وحركتم مواطن الألم ثورة على الباطل وأهله..
صبرا أستاذنا الكبير ولكل أجل كتاب ونهاية..
بوركتم وقلمكم النفيس ولوحتكم الماسية هذه
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وجعل الله لهذه الأمة المكلومة فرج قريب



النص : لا تجزعوا
الناص : ابراهيم محمود الرفاعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــــــــ

لروح القائد المجاهد أبي عبد الله

الشام أم الغوطتين تكبر = وعلى العدا نيرانها لا تفتر
الله خص صفيه ببشارة = كيد العدو على ثراها يقبر
لاذت بحبل الله ترجو نصره = وبغيره ماء الحياة معكر
إيفان جاء لحرقها وشوائب = رهن الطغاة بذبح طفل تسمر
الروس للبابا الزنيم مطية = يهوى دماء المسلمين الأبتر
أبشرعة الإنجيل ذبح موحد = أم قال إنجيل اللصوص الأصفر
قد بارك القتل الرهيب لأمة = وبروضها من كل سوء يبذر
يا سادة الأبرار هيا فانهضوا = خطب دهاكم كالبغايا يفجر
رصوا الصفوف بدينكم لا تنحنوا = وبسنة المختار شرخاً انحروا
من كان معتصماً بحبل عقيدة = الله فيها حاكم لا يكسر
إن كان فارسكم ترجل في الوغى = يحمي العرين وللأعادي يقهر
لا تجزعوا فالشام ليست عاقراً = إن غاب ليث جاء ليث يزأر
زهران يا زهر النجوم تحية = ستظل وهجاً في القلوب يبشر
قدت الجحافل ظافراً ومظفراً = ولراية التوحيد حقاً تنشر
هطلت عليك سحائب من رحمة = وبجنة الفردوس فيها تخطر
كن في جوار الله وانعم راغداً = فالشام بالأوثان لا تستنصر
سيكون عرسك والصليب محطم = وعلوج كسرى قرمها يتحسر



القراءة :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تجزعوا.....
عنوان قيل من شدة ما آلت إليه الأوضاع في الشام وكل بلاد أمتنا العربية...
لا تجزعوا... حروف امتلأت ثورة وحرقة ووصاية لشعب لم يعد يحسن الدفاع عن نفسه من كثرة الأيادي التي امتدت فيه تنهش حقه وتسلب أمنه وتقتل طفله بغير وجه حق...
لا تجزعوا... يا أهلي وأهل بلادي الحبية الشام وضواحيها..
نار اتقدت بالقلوب دفاعا عنك وعن حريتك وعن ذرات ترابك التي تلطخت بالدماء .. والتي تكاتف على ثراك من أبناء جلدتنا ومن طغاة الروس الذين استغلوا أرضك لتدريب جنودهم على أرض الواقع وبالسلاح الحي يعيثون بالأرض الدمار والفساد... والأدهى والأمرّ مساعدة بعض من فئات أبناءك لقتل بعضهم البعض.. والكل يحضر مسلسل الذبح على مائدة الصمت .. عمداً لينالوا من شعبها الحر ... ولكن مهما مرغوا الأرض بمؤامراتهم وخططهم إلا أن في هذا الشعب البطل تاريخ وأمجاد تعلموا منها كيف يقاومون وكيف يدافعون عن حقهم الشرعي في الأمن والأمان ...
أبطال سوريا يستشهدون لكنهم يتناسلون ليوم الدين... شهيد ينجب شهيداً..
قال الشاعر المناضل البطل .. شاعرنا الراقي المقاوم للظلم والقهر.. أستاذي الذي أعتز به كونه كان لي مشجعاً منذ أن وطأت أقدامي صرح الأدب الشامخ..
أستاذي الكبير والشاعر الملتزم بهموم هذه الأمة... أ. إبراهيم الرفاعي
قال في قصيدته الملتهبة الثائرة:
الشام أم الغوطتين تكبٌر .... وعلى العدا نيرانها لا تفتر
الله خص صفيه ببشارة... كيد العدو على ثراها يقبر
لاذت بحبل الله ترجو نصره.... وبغيره ماء الحياة معكر
نيرانك يا شام تحرق الأعداء لن تنطفئ ابدا .. مادام فيها أحرار يقاومون من يدنس ثراك..
وستكون أرضك مقبرة للغزاة ولمن يخدش فيك شبراً
سيطهرك الله من الطغاة وسيغسل سواد الظلم بدماء شهداءك.. لا تجزعي يا شام ..فلابد من كل غيمة أن تزول .. ولا بد للقيد أن ينكسر .. والخير ربما في ذلك ليطهرك الله وتنقلب الأحوال لما فيها خير من ذي قبل... وقال شاعرنا المبدع
يا سادة الأبرار هيا فانهضوا.... خطب دهاكم كالبغايا يفجر
رصوا الصفوف بدينكم لا تنحنوا.... وبسنة المختار شرخا انحروا
من كان معتصما بحبل عقيدة.... الله فيها حاكم لا يكسر
الله الله على هذه الأبيات التي توصي بوصايا خالدة بالتوحد بين صفوف المسلمين وتكاتفهم لطرد الشر والظلمة الطغاة عن الشام...
وصايا ونفحات ربانية .. هي كنز يوجهنا الشاعر بتوجيهاته الرشيدة الى أن التمسك بحبل الله وسنة المصطفى هو الطريق الى الله والنصر بإذن الله تعالى..
بقوله تعالى.." واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"
لأنه لن يحدث نصر اأدا الا إذا كان الدافع الجهاد في سبيل الله وليس في سبيل الطاغوت...
لا تجزعوا فالشام ليست عاقرا.... إن غاب ليث جاء ليث يزأر
أختم هنا بهذا البيت الذي يحمل في فحواه تأويلات مشبعة بنوعية القيادة وما يعتريها من ضعف وسوء تدبير وسوء فقه في إدارة البلاد وتنظيمها وطرد أذرع الظلام التي تكبر على حساب هذا الشعب الموجوع والجريح الذي ما زال يقاتل دون توجيه من قادة ...
.
شاعرنا المناضل المبدع أستاذي الكبير إبراهيم الرفاعي
قصيدتك أثارت غضب من تذوق معانيها الكبيرة الجليلة
وأثارت عاصفة شديدة بالقلوب على هؤلاء الذين حطموا الجمال في سوريا..
قصيدة معبرة صارخة مليئة بالحكم والعبر والدروس المستقاة من حوض شريعتنا الغراء..
لوحتكم هذه من صميم الوجع تتكلم ..
ومن أعماق الروح تتحدث على أوضاع يرثى لها ارتكبتها أيدي لا تعرف الله أبدا...
صور شعرية باذخة الجمال متينة البناء عميقة الدلالات ورمزيتها إسقاطا على أوضاع سوريا والوطن ..
تشابيه متقنة جسدت وشرحت الواقع وعاينت الشهداء ومدى جهادهم وكفاحهم لصد الغرباء..
ومع الألم النازف من عيون القصيدة ..إلا أنها تبث روح الجهاد والدفاع عن قدسية الأرض..
ويزرع الأمل بولادة جديدة لأنها رائدة تقاوم دون خشية إلا من ربها...
شكرا لكم وبورك بحرفكم ودمتم للحق والجهاد في سبيل الله راية تقاتلون بها أعداء الله.
جزاكم الله كل الخير ونصركم الله على أعدائكم من كل مكان..
وأعاد الله لهذه البلاد التي نعشقها حريتها وأمنها
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وزادكم بسطة من العلم والنور والهدى والتقى
وزادكم الله تقوى وإيمانا



النص : عين الريح
الناص : احمد المعطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــــــ

الريح صفراءٌ تَهارشُ في المدينة
والنوافذ في المَنازل مؤصدةْ
كل المَنافذ في الشوارع موقدةْ
جمرٌ هنا ..
لهبٌ هناكْ
مطرٌ خجولٌ بللَ وحدتي
وانا بقارعة السطورِ على سَفرْ
الريحُ خلف البابِ تصفرُ باردةْ
ماذا تريد الريحُ من حبْري..
ومن وَرَقي المُبعثرِ في المكان؟
ماذا أريدُ أنا وناري شاردة؟
الريحُ تطرُقُ بابَ بيتيَ والنوافذُ تستجير!
أستشعرُ الخوفَ المُزجَّجَ حينَ ترتعد النوافذُ أو تكادْ
ماذا هناكَ ومنْ هناك؟
يرتدُّ الصدى..
فالريحُ ضحْكتها زَئيرْ
وتظلُّ تطلقُ في الفضاءِ عُواءَها
الليلُ ينظرُ باضطرابْ
ماذا هناك؟ ومنْ هناك؟
الصّمتُ يطبقُ.. لا جَوابْ
الرّيحُ خائنةٌ تلوبُ وَعينُها
خَلف القناعْ
رتلٌ منَ الأنفاس يربْضُ خلْفَها
وَجحافلٌ تقعي وَراء البابِ وهوَ هزيلْ
ماذا تريد الرّيحُ من وَرَقي القليلْ؟
يا خائن العَينينِ خلفَ البابِ أنتَ لها الدَّليل؟!
يا خائنَ العيْنينِ ما للرَّيحِ إلا أنتَ...
كادَ البابُ يقفزُ شاردا
والرِّيحُ بهْجتُها صَدى
وأنا ألملمُ أحرُفي:
من أنتما؟
جاءَ الجَوابُ مُقهقهاً فيه الجَليدْ


القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عين الريح...
عين الريح تخلد من زمن بين شوارع المدينة.. وتطرق كل باب بزمجرة غاضبة.. لقنوها فن الرعد..
ودربوها الصراخ في آذان المآذن.. وعلى جدران البيوت المتشققة.. كل المفاصل ترتعد وتستغيث إلا أن الأبواب موصدة ولا من مغيث.. لا يسمع النداء الا الصدى وهو يجرجر أذيال الهزيمة..
رياح عاتية تشعلها نيران الخيانة .. ويبعثر من رمادها أكوام من البشر مفقوءة العين .. والليل يصفق بدجاه على أوتار الجراح.. يقذف ظلامه نارا من صمت وسكون.. قد تشرب البغض من ستائر القناع ... ونسأل والروح تنزف الأسى.. ماذا هناك؟ ومن هناك؟؟
حفلة زفاف تقام طقوسها على موائد غريبة..
........
الشاعر المتألق والمبدع القدير.. أستاذنا الكبير أحمد المعطي
عين الريح... عنوان مثير ومحفز للتنقيب عن أسراره ودلالاته..
قصيدة عميقة جدا قدمت إسقاطا ناضجا فخما على الصراع الذي يدور بين أوضاع هذه الأمة الذي يطرق زمجرة الرياح وزئيرها كل باب وبين الذات التي يعصفها الاضطراب وتنزفها الجراح وتسطرها الحروف على ورق صبغته الدم ومداده السواد..
عمت الأحزان وانتشر وباء الحرب في كل بقعة.. لتحصد الارواح .. والمطر الذي يطفئ اللهب ما زال لا حول له ولا قوة الا بإذن الله...
ندوس على الجمار حتى تعلمنا فن الرقص على الجراح وأتقنا تعويذة الصبر بقراءة الصمت كرقية لأطفالنا...
في القصيدة تكثر التساؤلات وأدوات الاستفهام.. وهذا دليل على عمق الألم الذي لم يتحرك نحو تغيير ما أو نحو جواب .. لأن الفرد أعزل عن ولاة الأمر ولا رابط للتفاهم بينهما... ان كان هناك أصلا من يجيب...
وقول الشاعر..يا خائن العينين... هنا تدور لائحة الإتهام في اللوحة السنوية ضد من يعيثون الفساد ويشعلون فتيل الحرب ويعيثون في الأرض الفساد... تحرك ملحوظ نحو دحر الصمت وإطلاق اللوم ورفع الصوت نحو كسر روتين الجمود لكن طبقات الجليد تزداد كثافتها ولا شمس تذيبها...
أستاذنا الفاضل وشاعرنا المبدع.. تطلق للروح أن تعبر جسور الصمت بالرغم من زئير الريح التي لا تفقه دروب الأزهار والعطر..
في هذه القصيدة الراقية كانت تحركها الأحاسيس الصادقة وتضفي عليها تجسيد الواقع من اضطراب الأرض وقهر القلوب ..
قرأنا الفكر وأمتعتنا الحروف وهي ترتدي ثوب التساؤلات المفعمة بالرموز والتي تتماشى من هذا الواقع المرير...
الألفاظ راقية والتشابيه والصور أدلت ببراعة الشاعر وحذقه بصناعتها وتوظيفها ليتلقاها المتلقي بعذوبة الحرف وجزالة اللفظ مع سهولة المعاني ...
حياكم الله أخي الكريم وجزاكم الله كل الخير على ما أتحفتمونا من لوحة باذخة رائعة الجمال...
وفقكم الله ورعاكم وأكرمكم بخيره ونوره وهداه وزادكم من العلم أنفعه..



النص : أشياءُ المُتعَبة
الناص : سلطان الزيادنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــ

أشياءُ المُتعَبة

الإهداء:
إلى إبراهيم الطورة حيّاً ميّتا

تئنُّ الرّوحُ من حمل الثّقالِ
ويُلهب ظهرَها سوطُ الكمالِ
وتصرخُ كُلَّما ألْقَـتْ غيوبٌ
حرائقها على غاب السؤالِ
هي الرّوحُ الشّقية دون جدوى
تحـاول سرّهـا بعسى النّـوالِ
وما عنبُ المُحال لها بدانٍ
ولا مرّار مُـمكنــها بحـالي
تريدُ تمامَها والنِّصف غيبٌ
ينادي مـِن قديـمٍ أنْ تعــالي
تحــنُّ لضـمِّـه وتمــوت برداً
ودفءُ الضّمِّ يُغري بالوصالِ
فتدنو مِن سماءِ الوصل لكنْ
تُعاجِـلُـها المصـائـرُ بالنِّـبالِ
فتهوي مِـن عَـلٍ والغـمُّ بادٍ
تُرمِّمُ وجهَها والدمع صالي
أُزمِّلُــها بأكـفـانـي وأدري
كثيـرٌ موتُــه مَـن رامَ عالي
وأنظرُ في المرايا ليسَ فيها
سِوى قمرٍ تمرّغَ في الرِّمالِ
وأدياكٍ تصيـحُ لغـير فجــرٍ
وفجـرٍ يختبي خلفَ التِّــلالِ
ووجهٍ مثل وجهي كان يمشي
ويجمـعُ ما تناثـرَ مِـن ظِــلالِ
وأخرجُ من مجازات المرايا
لينقشعَ الغموضُ عن المقالِ
فألقانـي فؤاداً ضلَّ صـدراً
وألقانـي جنوبـاً في شمـالِ
غريباً عشتُ أبحث في المنافي
عن الوطن البتـول فمـا بدا لي
عثارٌ خطوتي والبينُ لَصقـي
شـقـاءٌ أوّلـي والتـيـــهُ تــالي
وحظّي في الحياة مِن الأماني
كحــظّ البيــدِ من دِيَـم الغِــلالِ
فيومي أبيضُ النبضات كهلٌ
وأمسي أصفر الوجناتِ بالي
أقولُ وقد صبأتُ بدينِ "عِشها"
وقـيّدَنـي ترابـــي بالحـبــالِ
فدى الصدّيقُ بالغالي بِلالاً
فمـن بقليلـــه يفــدي بِلالــي

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

الله الله الله على هذا الجمال وما يتدلى من عناقيده السحر والبيان..
كلمات تظهر ما في خفايا الذات من مشاعر مدفونة مكبوتة .. يظهرها على الملأ ليطلق لقصيدته عنان الجمال والسحر وهي تخيط رموزاً تلتف في عنق الصراع الذاتي واللوم لها .. لسُكناها القلق وليس قلقاً عادياً بل قلقاً متوهجا.. يزداد توهجه عند أي طارئ مقلق.. والقلق المتوهج هذا لا يأتي من فراغ مطلقاً .. إلا وله خلفية استحوذت على ملكة أحاسيسه وأذابتها لتندرج في هذا العتاب الساحر..وراء هذا القلق مارد من الدجى يهز أعماقه لتنتفض مراكب حسه لينتهي في حوار ذاتي وصراع.
أشياء المتعبة....
يا لهذا العنوان من سحر وجمال...
عنوان ضج في فكري وألهم ذهني أن يبرح الخيال في رحلة أبعادها التحليق بين أجنحة هذا الدفق والنبض الزلال...
عنوان توقفت عنده كثيرا..وأدركت أبعاده المتينة وسبكه البديع..
لم يكن مجرد عنوان عادي..بل كان مركبا من عنوانين...أدركت أن بهما رابطا يدفعنا نحو التأمل والتدبر والتفكر بين مسامات حروفه وخلايا هذا الفكر المنير...
أشياء..يمكن وضعها عنواناً منفردا..ويندرج منه تأويلات عدة..في كل ميادين الحياة ..مما تدفع التفكير أن يدفع ضريبة تأمل لأبعاده العميقة...
عدا عن الأفق الواسع الذي يتناسل من أطيافه بلا حدود...
ولكون أشياء منكرة بلا أل التعريف..جعلها للتفكير مسارات متعددة وزوايا مختلفة..باختلاف لو كانت مع أل التعريف..والا تحدد نتاجها..
وأما.. المتعبة..هنا قمة الإبداع..إذ جعلها الشاعر في بستان التعريف..لتأخذ مسار التعريف عن الأشياء..وال التعريف لها كانت لتحديد ماهيتها وأحاديتها ..لترتبط بالكم الهائل من الأشياء التي أتعبت الواحدة والتي تتوضح صورتها لاحقا ..هي يعرفها الشاعر بقوله:
هي الرّوحُ الشّقية دون جدوى
تحـاول سرّهـا بعسى النّـوالِ
هي هذه الروح التي تتعبها أشياء كثيرة..
والشاعر هنا جعل من الأشياء في صيغة الجمع..لكي يقول لنا أن الروح لا تتعب كثيرا إلا بالتراكمات المختلفة وتنوع الأشياء التي تفتك بجدارها وتلامس قلبها...
لذا كان من هذا العنوان الفريد والغريب في تركيبه الفذ..جمالية وسحر فاق القمة وتربع على العرش على جبين الأدب...
وحتى ندرك مدى الوجع الذي يقطر من ثغر القصيدة والذي لخصه الشاعر بالعنوان..فهو يبدأ بها بكلمة تئن الروح...والأنين بصيغة المضارعة دليل على أنه مازال مستمرا في نحته للروح..والأنين صوت الوجع حين يفتك بالروح أولا ليخرط معه الروح ثانيا..والأنين حين يمسك بتلابيب الروح ..ندرك حينها خطر المعاناة وشدتها...لذلك افتتاحية القصيدة جاءت متلازمة تماما مع الروح المتعبة..
تئنُّ الرّوحُ من حمل الثّقالِ
ويُلهب ظهرَها سوطُ الكمالِ
وتصرخُ كُلَّما ألْقَـتْ غيوبٌ
حرائقها على غاب السؤالِ
وسنرى تلك الأشياء التي كانت سببا للروح بصفة المتعبة..
حمل الثقال..يعني تعدد المهام والمسؤوليات والرسالة والأمانة ..وتوظيف كلمة حمل للثقال موقفا..لأن الثقال حين تحمل تهدّ الروح وتتعبها والجسد..وهذا قمة الفنية وقمة الحرفية في توظيف الحرف وبنائه كسلسلة مترابطة البنيان قوية الألفاظ..مما يدلل على عمق النظم ومتانة النسج..
ومما يزيد الروح تعباً أن مرحلة الكمال حين يتخطاها الإنسان يعيش في مرحلة فراغ قاتلة ويتوقف عندها الإبداع والتواصل والتغيير ..إلا إذا تعداها بجديد واستمرارية في التنويع والعطاء..وهذه المرحلة كثيرا ما تقتل في الفرد الحياة وتميت قناديل الإبداع وتطفئ لذة النور بين سراديب الظلام..
وما زالت المضارعة تضرب الروح بأفعالها بقوله..وتصرخ...كلما افترشت من لسعات السؤال ما يضني الروح من كثرتها وسياطها الملتهب...
صور شعرية تمتد جماليتها حيث السماء والنقاء والصفاء..وسحرها يبعث حللا ماسية..
ويكمل الشاعر خريدته الفاتنة برغم الوجع الذي ينساب من أغصانها..
هي الرّوحُ الشّقية دون جدوى
تحـاول سرّهـا بعسى النّـوالِ
وما عنبُ المُحال لها بدانٍ
ولا مرّار مُـمكنــها بحـالي
هنا يعرفها الشاعر بقوله..هي الروح..لتذهب منها غياهب الحيرة والضلال..
ويسكبها شقية لأنها لم تحظ بالنوال ولم تدرك المنال لراحتها وتسكيتها..
وما عنب المحال بدان..يا سلام على هذا الوصف المبدع والبديع الرائع..
والصورة السحرية ورسمها بإتقان مطلق..الله ما أروعها من قطوف حرف هذا الشاعر الكبير..لم تقطف الروح قطوف الراحة والسعادة في وقت موسم القطف..إذ ما زال عنبها حصرما لم تستوِ ثمارها بعد..وهذا ما يجلد بجدرانها..
فنية عالية وبناء وسبك متفرد فاز على الجمال بهذا الألق...يكمل شاعرنا الكبير المبدع ما ينثر قلمه من مداد أنيق الحس يجسد وجع الروح الداخلي وما يؤثر على عوالمها من عوامل خارجية..
تريدُ تمامَها والنِّصف غيبٌ
ينادي مـِن قديـمٍ أنْ تعــالي
تحــنُّ لضـمِّـه وتمــوت برداً
ودفءُ الضّمِّ يُغري بالوصالِ
فتدنو مِن سماءِ الوصل لكنْ
تُعاجِـلُـها المصـائـرُ بالنِّـبالِ
فتهوي مِـن عَـلٍ والغـمُّ بادٍ
تُرمِّمُ وجهَها والدمع صالي
يا لروعة هذا الحصيد من الأوصاف والصور الفنية المتناسقة البناء..
تريد تمامها والنصف غائب
مما يتعب هذه الروح غياب نصفها..وتتكامل بالحبيب..أذ هذا الغياب من طيف الخبيب يسلخها ويجعلها على مشارف الجفاف..
إذ تحن لضمه لأنه يورث الوصال ويعززها بالدفء..
لكن سرعان ما تختفي شذراتها بالوصل عند قذفها بالنبال وسموم المتغيرات الخارجية عنهما.. فتهوي مِـن عَـلٍ والغـمُّ بادٍ
لتعاود بالسقوط من جديد وتتهاوى في منحدرات التعب والوجع..
فتهوي من عل والغم باد...ما أبرع ما وصف الشاعر من وجع..وكأنه يحمل ريشة رسام محترف ويلونها أمام البصر..ليقدم لنا لوحة باهضة الثمن غنية التجسيد بارعة الوصف..ويكمل الشاعر أشياءه المتعبة..بقوله:
تُرمِّمُ وجهَها والدمع صالي
أُزمِّلُــها بأكـفـانـي وأدري
كثيـرٌ موتُــه مَـن رامَ عالي
يا سلام يا سلام ما ألذ هذا الوصف المكوثر العجيب المتين الذي لا يقدر عليه إلا الكبار العمالقة الفحول...
شدتني هذه الأوصاف التي جبلت بماء الذهب..
هي ترمم وجهها من حر الدموع وهو يزملها ويغطيها بأكفانه إذ قتلت الروح هنا بعد ما انحدر منها الوصال..تجليات وصفاء روح وهي تخط هذه الكلمات..رائع عظيم هذا الوصف وهذه التشابيه النادرة..
ثم يجلد نفوسنا حزنا..ونحن نسبح في الخيال مع كل هذه الصور الإبداعية ..حين يصف قمة الوجع والألم بقوله..
وأنظرُ في المرايا ليسَ فيها
سِوى قمرٍ تمرّغَ في الرِّمالِ
أي جمال هذا! وأي إبداع وأي صور تتحلى على مسرح السحر والجمال!..
وصف فطر فيه الروح وهي تتابع ذلك الألم القادم من وجه لم يجده في مرآة روحه..ولم يجد سواها قمرا تمرغ في الرمال..كلنة تمرغ..كلمة معبرة جدا على قمة الوجع..وقمة الإحساس وقمة التصوير والتجسيد الذي يكشف معها أسرار الروح..من هلال كاميرا الشاعر المحترف..بفصاحة لفظه وجمال صوره...
ويكمل خريدته الإبداعية بقوله:
وأدياكٍ تصيـحُ لغـير فجــرٍ
وفجـرٍ يختبي خلفَ التِّــلالِ
ووجهٍ مثل وجهي كان يمشي
ويجمـعُ ما تناثـرَ مِـن ظِــلالِ
ويكمل أشياءه المتعبة للروح عدا عن غياب القمر ..
باستحضار أوصاف بارعة البناء بقوله..وأدياك تصيح لغير الفجر..يا سلام على هذه المعادلة المتغيرة لأسسها الصحيحة حين تهتز بها القاعدة وتجتثها من جذورها لتتغير بوصلتها نحو سبيل مختلف ليس المقصود..
استحضار الديك والفجر هنا له دلالات ورمزية متنوعة
فالفجر هو الحق والحقيقة الثابتة ولمعان القدر في رسوم الحياة .وتجديد عهد مع الشروق ..وغياب الليل والظلام وعتمة الروح..
والديك إنما عامل باعث على مناداة الروح لإحياء يوم نقي جديد بصلاة توبة ومحو ذنوب..
ويأتي الشاعر ليعكس هذا المسار وهذا الإتجاه ليغيب بين نوازع الظلام نحو الغروب..
ثم يكمل لوحته الإبداعية ...وفجر يختبىء خلف التلال...وكأن كل جبال الهموم تراكمت وما زال الفجر بعيد الإشراق..كناية عن التعب والشدة والألم الذي ينتاب الروح..
لننظر هذه الصورة التي يتدلى منها السحر والفتون..بقوله:
ووجه مثل وجهي كان يمشي ويجمع ما تناثر من ظلال...
لا أدري كيف أصف هذا الجمال وهو يرسم بهاءه بنظم مختلف الأبعاد وجمالية لا توصف..هنا قمة التعبير عن وجع الروح..كيف تلملم ظلالها لتعيد رمق الحياة من جديد..ويكمل شاعرنا الكبير لوحته الفاخره بقوله:
وأخرجُ من مجازات المرايا
لينقشعَ الغموضُ عن المقالِ
فألقانـي فؤاداً ضلَّ صـدراً
وألقانـي جنوبـاً في شمـالِ
يصف ما آلت إليه الروح بعد هذا التعب ..لتتداخل عصب حياته بمآزق من جديد .إذ ضل عن بوصلة السعادة والتصق بعنق المعاناة وتلخبطت مقاصده وتاهت دروبه عن السكينة والأمن والأمان..وما يعبر عن ذلك ..قوله..وألقاني جنوبا في شمال..قمة الوصف الدقيق لفوضى حواسه..يكمل بقوله:
غريباً عشتُ أبحث في المنافي
عن الوطن البتـول فمـا بدا لي
عثارٌ خطوتي والبينُ لَصقـي
شـقـاءٌ أوّلـي والتـيـــهُ تــالي
وحظّي في الحياة مِن الأماني
كحــظّ البيــدِ من دِيَـم الغِــلالِ
وهكذا ينتهي بأشياءه المتعبة للروح والجسد..إذ يعد نفسه غريب الديار والوطن فللغربة في الذات والروح أشد قسوة من أية غربة..لأن الروح هي بوابة الإستقرار في الوطن ونافذة الصعود للإطمئنان والسير نحو الأمل..
هنا الأوصاف تعلو نحو المثالية في الطرح والنسج والنظم..إذ يصف حظه من الأماني بالقحط كالبيداء لا كلأ ولا جمال فيها..
وروحه خالية من أي أمنية أو جمال أو سعادة..
ويكمل نحت روحه بوصفها:
فيومي أبيضُ النبضات كهلٌ
وأمسي أصفر الوجناتِ بالي
يومه قد شاب من الأمل وغابت عنه الشموس..كهل..كلمة مبهرة في توظيفها لقمة الأسى الذي تحمله الروح المتعبة..كهل وما امتلأت من تجاعيد السعادة ونيل المرمى وتحقيق الأحلام..
ليمسي يومه باهتا غابت عنه الحياة..فشبهه اصفرار اللون كالأموات..
ويختمها بذلك الجمال الفاتن من الوصف الذي كلل القصيدة بالبهاء والجلال بقوله المتفرد الفذ الذي أقف بين جماله تأملا والخيال يسبح في ظلالها بقوله:
أقولُ وقد صبأتُ بدينِ "عِشها"
وقـيّدَنـي ترابـــي بالحـبــالِ
فدى الصدّيقُ بالغالي بِلالاً
فمـن بقليلـــه يفــدي بِلالــي
قمة الجمال هنا ..وقمة الإبداع يُرصد في هذين الببتين..
الله الله على هذا الوصف الكبير النادر! ...
كيف يصبأ بهذا العذاب وكيف الروح تتقيد ولا تجد لها منفذا للخلاص..
ولا تجد لها حميما أو صديقا يدفع عنها الثقال...
................
الشاعر الكبير الراقي المبدع القدير الفنان
أ.سلطان الزيادنة
كم سررت وأنا أطوف ببن تغاريد حرفكم وواحة قلمكم المزهر وببن بساتبن كلماتكم وألفاظكم المتفردة..
كم تذوقت من شهد الحروف وأوصافها البديعة الراقية الغنية بالتأمل والتفكر والتدبر بين أسرار الألفاظ ودقتها وعذوبتها المبهرة..
تعابير دقيقة جدا جدا..وإحساس نابض بكل حرف..يصور خلجات النفس بدقة متناهية ،،لأنكم تملكون ملكة التصوير والتشابيه المثقلة بالجمال..والأجمل تلك الروح التي تبحث عن نفسها التي تصل لجذور الألم فتجلدها لتكون على قيد الحياة..والقصيدة التي تبحث عن الذات إنما هي تبحث عن الحياة النقية ونبذ الإعوجاج والتحلق في سماء النقاء ..وفلسفة الذات إنما هي أيقونة خاصة في الروح لتوصلها إلى الكمال وتطهيرها لبؤرة اللجوء إلى الله ونبذ ما يعيق انطلاقتها نحو الطهر ...ولها دلالات عظيمة مع محاسبة النفس وجلدها نحو تخليصها من شوائب وتقلبات العوامل الخارجية..
كلها تدل على شاعر يملك الفصاحة والبراعة والبلاغة..
وكثرة الصور الشعرية أغدقت على القصيدة بقوة لفظه وقدرته على خلق منافذ الجمال..
وهذا كله يدل على براعة الشاعر وجزالته وحرفيته في توظيف حرفه..
شكرا لهذا الجمال والرسم الإبداعي الفذ
بوركتم وقلمكم المضيء وشعركم الراقي الوارف الوارق..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه..وزادكم رفعة وسموا وعلما ونورا وخيرا كثيرا



النص : رسالة إلى حلب...
الناص : صلاح ريان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــ

بطلٌ قضى نحباً وآخرُ يطمعُ = فالموتُ حقٌ والمعيشةُ بلقعُ
والشامُ غاليةُ الصّداقِ فمهرها = رأسٌ تُخضّبُ بالدماءِ وأضلعُ
وتضجُّ بالأرواحِ أبوابُ السما = تشكو الى الرحمن ما تتجرّعُ
والحربُ نابحةٌ بكل ثنيةٍ = لا تعرفُ التقوى ولا تتورّعُ
للراكبينَ الموتَ ألفُ حكايةٍ = نفنى ولا نرضى الهوان ونخضعُ
في أيّ دينٍ أو بأيّ شريعةٍ = حقٌ يُباعُ بباطلٍ ويُضيّعُ
كم طفلةٍ تشكو الضياعَ لربها = من غير ذنبٍ أُستباحُ وأجزعُ
هدموا لها المهدَ الذي تغفو به = وتلوذُ من فزع الحياةِ وتهجعُ
ما حجّةُ الجاني عليَّ جهارةً = وبأي قولٍ كاذبٍ يتذرّعُ
من مُقرئٌ ( حلباً ) قصيدةَ شاعرٍ = تأسى لها عين العصيّ وتدمعُ
وبها ترنّمُ كلُّ ذاتِ فجيعةٍ = تسلو بها نفسُ المصابِ وتقنعُ
ما لي إليكِ وسيلةٌ ترجى سوى = أني لما يجري بها أتقطعُ
وتكادُ روحي أن تفارقَ مهجتي = مما أُشاهدُ في ( حماةَ ) وأسمعُ
وأذوبُ من صمت العروبة حسرةً = أجترُّ آهاتِ الفؤادِ وأبلعُ
وتخونني ساقي إذا عودي استوى = فأخرُّ متكئاً عليّ وأركعُ
للذلِّ فعلُ السمِّ في جسدِ الفتى = وأشدُّ من ألم الجراحِ وأوجعُ
ويزيدُ في طعم الحياةِ مرارةً = يجتثُّ أحلامَ الكريمِ ويخلعُ
كم شاعرٍ في الشام هزَّ نجومها = فهيَ التي تلدُ الفحولَ وترضعُ
وهي التي كانت تفيضُ مكارماً = ترعى بذورَ القافياتِ وتزرعُ
سُقيتْ بماء المكرماتِ فأينعت = أندى من الغصنِ الرطيبِ وأينعُ
وهي التي كانت تشعُّ نضارةً = تبدو إذا أفلَ الضياءُ وتسطعُ
للشامِ في إرثِ النبيِّ مكانةٌ = أعلى من الشرفِ الرفيعِ وأرفعُ
اللهُ يرحمُها بواسعِ رحمةٍ = ويذبُّ عنها العادياتِ ويدفعُ

القراءة :
ــــــــــــــــــــــ

الله الله ما أجمل هذا العنوان إذ كان ملتصقا لفحوى الرسالة..وبناؤه جاء متناغما مع الحدث والمأساة التي تقبع على ثرى حلب..
قصيدة بارعة النسج متينة الألفاظ قوية المعاني .ساحرة الأوصاف..
في قراءتها يدمع القلب دما وينبض وجعا على حلب وأخواتها.. وحيث لا من مغيث يسترها ويصد عنها ساستها الظالمين..
قصيدة جاءت بقوة الحرف تنسج خيوط الألم برسالة قلم ودعاء ..رسالة فقط إذ الأبواب مقفلة والنوافذ موصدة والأسوار محصنة...
للساعر هنا لمسات إبداعية يجسدها بأنفاس قلمه الحزين..وما له أن يغزوها إلا بمداد أحمر ينساب من تحت الأسوار ليجسد الحدث بكاميراته المبدعة..حيث يصور بإتقان حال الأمة على مسرح حلب والشام وأخواتها..بتصوير فني رائع متقن مجبول بروح الوطنية والغيرة والثورة على الباطل...
تعابير دقيقة لأفكار حارة التجسيد..مثخنة بالألم والحسرة..وصور شعرية جاء بناؤها ليدلي على براعة الشاعر وحذقه بصناعتها..والتشابيه التي ترمز على قوة اللفظ وبراعته في القول ما يفتح أبواب الجمال وآفاق الفكر للإتساع برقعته نحو الدلالات العميقة والرموز التي تشير لوجع هذه الأمة...
تعابير بلغة مؤثرة مما استدعت عبرات المتلقي بالهطول حزنا ونزفا على فاجعة الأمة ومأساتها البليغة...مما توقظ العواطف بهذه اللغة التصويرية...
فالأمة اليوم ضعيفة من الداخل مما يجعلها غير قادرة على معالجة الأمراض التي تفتك بها..
خاصة لوجود القوى الطامعة بها من الداخل والخارج..مما يؤدي إلى عقم في العلاج..خاصة إذا كان العقم قد بدأ بالتحرك في الفكر والإرادة..ليوقف عمليات التحرك وتوقف الممارسات العملية..ومن المعيقات ما يسود الأمة من قيم وأفكار واتجاهات مختلفةوعادات تؤثر في ميادين الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية..وعدا عن ظاهرة الإرهاب الفمري والمذاهب المختلفة التي مزقت الأمة إلى جماعات ومذاهب متناحرة ..وذلك بسبب انقطاعهم عن القرآن والسنة...
وهذا كله بسبب ما يخالف العقيدة ومنهاج الله ..ليتناسل منها النكسات من خلال التوارث من الأنفس المريضة الظالمة..
لكن لا نعدم المخلصين والدعاة الأنقياء الأتقياء الذين يعملون بالخفاء لإحياء جذور هذه الأمة المكلومة..
...........
الأستاذ الكبير والشاعر القدير المبدع أ.صلاح ريان
لحرفكم النفيس شموخ وعلو ..وترفع التحايا والتبجيل إجلالا واحتراما لهذا الجمال المتكامل..
قصيدة شرحت الواقع المؤلم بقلمكم الفذ وسطرتم على ثراها نزيفا لا ينقطع من وجع وقوة في اللفظ..
جزاكم الله كل الخير وزادكم علما ونورا وخيرا كثيرا



النص : أُحِبُّها وأدري
الناص : سلطان الزيادنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
ــــــــــــــــــــ

أُحِبُّها وأدري

مِنْ كوَّةٍ أخيرةٍ
في الصَّامِتِ المُمتَدِّ
مِنْ أوَلِ صبّارٍ بكى
حتى أسى آخرِ مِسمارٍ
يَئنُّ تحتَ وَقْعِ المِطرَقَه
وَجَدتُني أرى
-ومَنْ رأى دَرى-
جمَيلةً
مَعجونةً باللطفِ مِثل السَقسَقَه
مَمدودَةً
على سَريرٍ مِنْ دَمٍ
وفَوقَها يجثو القَبيحُ
يحتَسي جَمالَها بالمِلعَقه
...أسألُها
مالَكِ يا حَسينَتي
مُعتِمةً كالبَحرِ
إذْ يَبيعُ للعاصِفِةِ السَّوداءِ
طَوعاً أزرَقَه؟
أسألُها ولا تُجيبُ
هَلْ تجيبُ سائليها مُملِقَه؟!
للهِ دَرُّ الصَمتِ
-إنْ وَعيتَه-
ما أنطَقَه!
لَستُ أُدينُها أنا
لكنَّهُ
ما غُلِّقَ البابُ بِوجهِها
ولا أقدامُها
في القَيدِ كانَتْ موثَقَه!
ما أبشَعَ المَشهودَ
أدري
إنمَا ما أصدَقَه!
فما عَسى مَسيحُ شِعري أنْ يَقولَ
والبِلادُ
مِن رُواقِ إثمِها البادي
رَمَت قِدّيسَها بالهرطَقَه؟!
هذي البِلادُ
خَلطَةٌ عجيبةٌ
مِنَ الرِّضا العَريقِ
والحُزنِ المُغنَّى
والأماني المُزهَقَه
أقولُ خاتِماً
على ألواحِ قَلبي بالأسى :
لَيلُ بِلادي يَشرَبُ الرّوحَ
وأبوابُ الرّواءِ مُغلَقَه
يفتحُ للملحِ جِراحي
ويَفِحُّ صَحوَهُ الأليمَ
في وجهِ عيوني المُرهَقَه
ورَغمَ كُلِّ ذا
أُحبُّها
وأدري
أنَّها تُلقي بمَنْ يُحِبُّها في المَحرَقَه.

القراءة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أُحِبُّها وأدري..
يا لروعة هذا العنوان الذي يكمن في تشريحه أسرار محتواه على أرض الأدب الراقي..
من كلمة أحبها..يتدفق معنى الحب الذي نبحث عنه وغابت عنه البسمات ..وذابت فيه معالم الحياة.. حتى كدنا أن نطمس عناقيده ونغلق أفواه زهوره...
ويبقى الحب في ثوب الزفاف على مسرح القلب وعلى مرأى العباد...
يبدأ الشاعر قصيدته تحت هذا العنوان الرحب..الذي يتكون من تركيبتين...
الحب ..أحبها ..والدراية..وأدري
لمجرد أن أقف بين أضلاع هذا العنوان تأملا وتدبرا..أجد نفسي بين الرجاء والتمني لفلسفة الحب التي تأتي معاكسة لمعالم الواقع المؤلم..
وأحبها ..لازمتها كلمة أدري..التي لم ينتهِ عندها المعنى..ولها توابع واكتمال...
هو الحب الذي يساهم في بناء هذا المجتمع..
فرأفة القائد بجنده وتفاهمه لهم ينبع من حبه لهم ... رأفة الإنسان للإنسان هو حب يمنعه أن يخطو خطو الذبح والقتل والهدم له ولكيانه...
لنجعل الحب دستورا في صحائف حياتنا وبين مجتمعاتنا .. لنتخلص من رهبة العنف والفساد الذي يستشري بكثرة بعد وأد معالم الود والإنسانية...
وهل الحب يرافق من يزخون القنابل والطائرات فوق العباد وهم يدّعونه؟!...ليكون سكيناً على رقاب العباد بالفساد...
ثم يعاقبون دول الإرهاب بالإرهاب.. ولا يدرون أن أعظم الإرهاب حين نقتل الإنسانية فينا .. ونقتل الأمن في النفس .. الإرهاب الداخلي هو الذي يمنح الفوز للإرهاب الخارجي...
لندع لحظة الرحمة تدخل القلوب ونتدارسها مع أجيالنا لنقيم حضارة تخشى في الله كل ظلم..
ولن نجد معاني الحب الحقيقية إلا في ظل الإسلام ..وشريعة الله وعبادتنا الخالصة لوجه الله...
وكأن رسالة الشاعر أرادت لفت الأنظار إلى أن الحب يؤدي للتضحية والدليل ما أنهى به الشاعر قصيدته بقوله:
أُحبُّها
وأدري
أنَّها تُلقي بمَنْ يُحِبُّها في المَحرَقَه.
فكلمة أدري في العنوان..لم تعطِ معالم معرفته بحبها..ليكتمل المعنى في نهاية القصيدة بقوله:
وأدري
أنَّها تُلقي بمَنْ يُحِبُّها في المَحرَقَه.
ويبقى السؤال رهن الإجابة بمعرفة تلك الأسباب التي أدت بإلقاء المحبوب في نارها الحارقة...وستتضح الصورة من خلال هذه المنظومة السحرية...
يبدأ الشاعر بقوله:
مِنْ كوَّةٍ أخيرةٍ
في الصَّامِتِ المُمتَدِّ
مِنْ أوَلِ صبّارٍ بكى
حتى أسى آخرِ مِسمارٍ
يَئنُّ تحتَ وَقْعِ المِطرَقَه
وَجَدتُني أرى
-ومَنْ رأى دَرى-
ما هذا الإبداع الذي يتربع على عرش الأدب ..وعلى جبين قلمكم الباذخ..
صورة ولا أجمل! ..تشيع تفاصيل الحزن والألم وقي تخرق قلب الصمت الذي امتد طويلا وهو يحتضر من رؤوس المسامير التي تدقها مطرقة الظلم والطغيان ..لتئن تحت سطوة الصبر..
وهو يقول مع كل هذه المآسي والمعاناة والآلام:
وجدتني أرى...ومن رأى درى...
تلك هي أعاصير الذات المقهورة المغلوب على أمرها ..فلا يعرف قوة القهر وأنياب الوجع إلا الذي رأى نارها واحترق بها ...فلا يعرف حجم المعاناة وقوتها القاهرة إلا الذي كان قد تذوقها وكان شاهدا على اغتصابها...
في الصورة الشعرية التي ينسجها الشاعر بدقة وإتقان ويعبر بها عن ذلك الوجع بقوله:
حتى أسى آخرِ مِسمارٍ
يَئنُّ تحتَ وَقْعِ المِطرَقَه
صورة إبداعية مذهلة..وتشبيه فاق الخيال حدوده...هذه الصورة جلدتني وجعا من عمقها والدلالات التي ترتبط بها والرمز الذي يسقط على حال الظالم والمظلوم...
تشبيه المسمار والمطرقة ..كانت تدل على قمة الألم الذي ينحت جدار القلب والجسد..إن كان على الصعيد الفردي أو على الصعيد الواسع لهذه الأمة والبلاد المغتصبة..
هذا هو الجمال الذي يخترق الحروف بعمق ليخرج لنا دررا نفيسة نتذوق معها كل هذا السحر من النظم والسبك...
ويكمل الشاعر الراقي:
جمَيلةً
مَعجونةً باللطفِ مِثل السَقسَقَه
الصور هنا مشرقة ببنائها وفنيتها..حيث يصف فيها الشاعر تلك التي أحبها ..بلادنا ووطننا المكلوم..
يصف عمق الجراح التي ما زالت تنزف على مسرح العرب والساسة الذين يغتصبون شرفها ويقطعون جسدها وهم يتنعمون بتعذيبها ..
يصف محاسنها ويغدق علينا من صفاتها ما يوضح حبه لها..
يقول بوصفها:
جمَيلةً***
مَعجونةً باللطفِ مِثل السَقسَقَه.
جميلة..ومعجونة باللطف...أعطاها الشاعر هذه الصفتين الجميلتين..لتوضيح سر تعلقه بها..ثم إن إبراز هذه الصفات الآن قبل الشروع في العملية التوضيحية..يدل على فطنة وذكاء الشاعر وحسن غرسه في المكان المناسب..لأن عناصر الجمال إذا اكتملت ..هيأت المطامع والأفواه وغرزت أنياب الشهوة عليها من كل النوافذ والأبواب..لتصبح فريسة بين أيدي القناصة الظالمين..
لأن صفة الجمال واللطف الذي وصفها الشاعر وشبهها بالسقسقة ..دليل على رقتها وبياض كيانها وعذوبة شكلها الخارجي والداخلي..الذي كان سببا في غرز الأنياب فيها دون وجه حق..
تشبيه بليغ يحمل البلاغة بسر جمالية الصور مصحوبة بالدليل والتوضيح..لترتقي إلى مستوى الرمز الذي بنى الشاعر عليه فكرته التأويلية لتمخض الأبعاد الدلالية..إشارة إلى التمهيد للمعنى الإشاري لقمة الوجع ودمجها وروح القصيدة وحس الشاعر الحي الذي عبر به بألفاظه المؤثرة ولغته العذبة..وتغليفها وتثبيتها في نفس المتلقي ..ليوقظ عواطفه بلغته التصويرية...ويكمل الشاعر لوحته الساحرة بقوله:
مَمدودَةً
على سَريرٍ مِنْ دَمٍ
وفَوقَها يجثو القَبيحُ
يحتَسي جَمالَها بالمِلعَقه
هنا وبين أغصان هذه الصورة الشعرية البارعة الوصف..وقفت على أجنحة الخيال بذهول وحزن شديد .. أحلق على متن هذه الصورة التي تقشعر لها الأبدان..وتذرف لها العيون أدمعا من الدماء..وتتضارب نبضات القلب..إذ هي مرآة البلاد كلها والأمة بأكملها ..وهي تصف عملية الإغتصاب واستباحة دمها الطاهر وهي ممددة لا تملك قوة ولا سلاحا للدفاع..
يوظف الشاعر كلماته بدقة ويختارها بعناية لتحقق أكثر قدر من التأثير ..لتنخز كل قلب لاه عنها وعن وجعها..فقد استعمل كلمة..
يحتسي..يعني يشرب الجمال من دمائها على مهل وهو يتلذذ بتعذيبها رويدا رويدا..
ويحتسيها بالملعقة وليس يشربها مرة واحدة..وهذا دليل على نهش جسدها وهو في قمة النشوة والتلذذ بخيراتها..وصف متقن مؤثر دقيق ..
ووصف بارع بأوسع مدى وأبلغ صورة يمكن أن توصف عن هذه الأمة المكلومة...
كيف يصفها الشاعر بفنية محترفة وبدقة متناهية يشير على براعة الشاعر وقدرته الفذه في رسم حدود المأساة الوطنية والمعاناة المغتصبة ..والأذناب والساسة والقادة الأنذال ..كيف يغتصبون جمالها وهم يغرزون أنيابهم الوحشية في جسدها الطاهر...
وقد شبههم بالقبح إذ يجثون على أرضها ويستبيحون قدسيتها...صورة كانت كناية عن الوجع النازف والقهر والأسى..
أي عمق وأي وصف بارع هنا..لا يجيده إلا فحول الشعر وكبارهم.!.
يكمل الشاعر خريدته الإبداعية الراقية بقوله:
...أسألُها
مالَكِ يا حَسينَتي
مُعتِمةً كالبَحرِ
إذْ يَبيعُ للعاصِفِةِ السَّوداءِ
طَوعاً أزرَقَه؟
أسألُها ولا تُجيبُ
هَلْ تجيبُ سائليها مُملِقَه؟!
هنا يلجأ الشاعر الفنان إلى هذا الموقف من توجيه السؤال إليها وهو يسأل نفسه..بكلمة..أسألها..هذه الكلمة لم يتم غرسها عشوائيا ..بل أراد بذلك أن هناك من أفراد الأمة من يهتم بحالها ويسأل عنها..لا لأن يهملها وجرحها النازف..
وكيف هي صيغة السؤال من الشاعر.. عن هذه الحسناء الرقيقة التي لا تجد من يسندها بقوة ..أمام مارد الظلم وكثرة السفاحين من المذاهب والفرق المختلفة الذين يتقاسمون جسدها للتربع على عرش الكراسي والمصالح البغيضة...
يقول سائلا إياها:
مالك يا حسينتي معتمة كالبحر...
يبرز في هذه الحوارية ..الأسلوب التربوي وطريقة المعاملة مع الآخر..وكيفية أسلوب التوجه للغير..هنا عملية توجيهية لكيفية إدارة الحوار وكيفية التعامل بلطف وبحب لا بالعنف والهدم والقتل..وأسلوب التربية في نطاق الوطن يحتاج لبرمجة شاملة تدخل في كل الميادين بعيدا عن الإغتراب والتقليد..وتحتاج لتحديد الأهداف لتربية إسلامية ..لتعالج الأزمة التي تعاني منها التربية المعاصرة ..خاصة بتزاحم الثقافات واختلاف الفلسفات التربوية..لتوطيد العلاقة بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه..لأن المجتمع يرتقي لحضارة راقية من بناء الفرد وترببته وفق منهاج قويم يقوم بصقله وفق منهاج الله...
وقول الشاعر لبلاده ..مالك يا حسينتي معتمة كالبحر
هنا أيضا إشارة عظيمة جدا في وصف البلاد كعتمة البحر..وهل البحر معتما؟
هنا تأتي الآية الربانية التي تصف ظلمات البحر لتكون آية إعجازية يستدلها العلماء لاحقا ويدركون عظمة الخالق سبحانه ..يقول سبحانه وتعالى:
" أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)سورة النور
وظلمة البحر كقلوب الفجرة الكفرة لا يرون أنفسهم أبدا..وينقادون وفق الأمواج حيث تستريح...
وسؤال الشاعر لها كونها ما السبب في العتمة ..كان حك للذهن والعمل على التحليل والتفكر والتدبر بهالة النور هذه والتحفة الفنية التي رسمها الشاعر بجمالية لا تنتهي..
يقول:
مُعتِمةً كالبَحرِ
إذْ يَبيعُ للعاصِفِةِ السَّوداءِ
طَوعاً أزرَقَه؟
أسألُها ولا تُجيبُ
هَلْ تجيبُ سائليها مُملِقَه؟!
وقصد بالعتمة ..أنها شديدة وتكاد أن تخلو من بصيص نور فيها..وهذا كناية عن شدة الضيق واتساع رقعة الظلام والظلم..
والأجمل من ذلك كله ..الصورة الفنية الإبداعية التي تليها والتي تصف البحر وقد باع زرقته طوعا للعاصفة السوداء...
وهذا الوصف من أجمل وأبلغ ما قرأت رغم كل جمالية القصيدة وعمقها وبلاغتها...
لكن أن يصف البحر سهولة خضوعه للعاصفة السوداء طوعا..هنا يكمن قمة الروعة ..كناية عن تشبيهها بالإنسان الذي يخضع للظروف السوداء دون مقاومة ودون صد لأذرع السواد وعمالقة الظلم ممن يديرون دفة الحكم في البلاد...
ليكمل السؤال لها ..أنها لا تجيب إذ لا تملك ما تقوله وهي في العراء جدبة عارية من الأيدي الحانية...
وهنا تعميق مفهوم الواقع ونشره بشكل غير متوقع كما يكشف في الوقت نفسه عن ملامح جديدة لهذا الواقع وأسرار سحرية يكشفها الخيال والتأمل بين زهرات هذه الحروف الراقية المبدعة...
يكمل الشاعر قصيدته العملاقة بقوله:
للهِ دَرُّ الصَمتِ
-إنْ وَعيتَه-
ما أنطَقَه!
لَستُ أُدينُها أنا
لكنَّهُ
ما غُلِّقَ البابُ بِوجهِها
ولا أقدامُها
في القَيدِ كانَتْ موثَقَه!
هنا يتجلى الصمت في حضرة التهديد والقتل والإغتصاب لحقوق المواطنة والقدسية لبلاد شرفها الله...
ويبرز مفهوم الصمت على أنواعه..
إذ يوضحه الشاعر بالحكمة والعبرة بقوله : إن وعيته..
وهناك صمت يقبع فيه الحكمة..كالقول الذي يقول.."وفي الصمت حكم وقليل فاعله"
يريد الشاعر أن يوضح لنا أين يجب أن يجلس الصمت ..وأين يجب أن يفض عقدته...
منها الصمت على الظلم وهو أبشع أنواع الصمت..
ويوضح كيف الصمت فرض عليها لسد الأبواب في وجهها وعدم حراكها للتخلص من أثره والوقوف أمام معذبيها...
فالصمت يقتل إذا ما مارسته الشعوب أمام انتهاك حرمة الأرض وحرمة الإنسان..
ليصبح جريمة في حق الإنسانية...
يكمل شاعرنا الكبير لوحته النفيسة بقوله:
ما أبشَعَ المَشهودَ
أدري
إنمَا ما أصدَقَه!
فما عَسى مَسيحُ شِعري أنْ يَقولَ
والبِلادُ
مِن رُواقِ إثمِها البادي
رَمَت قِدّيسَها بالهرطَقَه؟!
يوضح الشاعر عناصر الوحشية وهي تترآى أمام الشهود ومشاهدة الأفراد لها ..
من أبشع المشاهد التي جردت من الإنسانية...والتي هي شاهد عيان على فظاعتها ...
والصور للجرائم أبشع ..عندما نراها نصب أعيننا وبمنظار الحقيقة..
كل لحظة ترتكب المجازر ..وتنتهك حرمة الإنسان التي وصفها الله تعالى أنها أعظم عند الله من بيته الحرام...دليلا على حرمة وقدسية الإنسان الذي وضعه الله على الأرض ..ليؤدي رسالة السماء وينشر العدل والمحبة والأمن والسلام وفق منهاجه وسنة نبيه الأعظم...لا لأن يقتل ويذبح ويعذب في الأرض..
ومن خرج عن دائرة الإيمان إنما هي قلوب كالحجارة بل أشد قسوة...
ويؤكد الشاعر على الظلم في الأرض ولبلاده ..بقوله: أدري..إنما ما أصدقه!
صورة حية جسدها الشاعر بملء حسه الحي يصور عبرها صورة الواقع المؤلم...
ويؤكد الشاعر ما آلت إليه البلاد من فتن وفساد حتى لم تعي بما تفعل لترمي بقديسها الشرفاء في الهاوية..
يكمل الشاعر لوحته الراقية بقوله:
هذي البِلادُ
خَلطَةٌ عجيبةٌ
مِنَ الرِّضا العَريقِ
والحُزنِ المُغنَّى
والأماني المُزهَقَه
وأية خلطة عجيبة هذه التي نمقتها أنامل فكر ناضج ووحي قلم فذ..
الرضا السخي على مآقيها والخضوع التام لفواجعها..
***والحزن المغنى..الذي أصبح أسطورة على جبين هذه الأمة المكلومة ...
والأماني المزهقة..التي طالت حتى اغبرت منالها وتوحلت نتاجها...
وما زالت في يتم مدقع ...
وفعلا تعتبر هذه خلطة عجيبة لبلاد لم تلق للنور مكان..
ويختم الشاعر بقوله:
أقولُ خاتِماً
على ألواحِ قَلبي بالأسى :
لَيلُ بِلادي يَشرَبُ الرّوحَ
يخاطب الشاعر نفسه لحجم الضيق الذي تربع على عرش القلب..
في قوله: ليل بلادي يشرب الروح...
صورة عميقة مبهرة كناية عن حجم الأسى والوجع الذي يمتصه سواد البشر..
بحيث جعل من الليل الذي له رمزيات عديدة ..منها السواد والضيق والعتمة وقتل النور بين الروح حين يمتصها سود العمل من بشر لا تفقه معنى النور ..ولا تعرف معنى الضمير والكرامة..
صورة مبهرة جدا يتقنها الشاعر في تجسيد حقائق هذه الأمة ووصف حالها المؤلم بإتقان..من خلال عمق حروفه وفنيته الفاخرة..
وأما فيما يقوله هنا من عمق الجراح والآلام:
وأبوابُ الرّواءِ مُغلَقَه
يفتحُ للملحِ جِراحي
ويَفِحُّ صَحوَهُ الأليمَ
في وجهِ عيوني المُرهَقَه
ورَغمَ كُلِّ ذا
أُحبُّها***
وأدري
أنَّها تُلقي بمَنْ يُحِبُّها في المَحرَقَه
ويختم الشاعر خريدته الراقية بالإجابة على فحوى العنوان..أحبها ..وأدري
حيث يعرض أوصافه بما امتلك من مشاعر مؤلمة على أوضاع هذه البلاد..التي تفتحت الجروح وازدادت في النفس من نزيفها وما أبلغ ما وصفه من هذا الوجع..حين رسم الوجع بقوله: يفتح للملح جراحي..
وصف بليغ وعميق يثف النزف بدقة على ما آلت إليه أوضاع هذه الأمة...
لذلك من شدة هذا الحب لبلادنا نفديها بأرواحنا ونحن نعلم أن حجم هذا الحب سيكون مصيره في المحرقة...
وأن كل من يحب وطنه ويدافع عنه بشرف .. حتما سيلقى العذاب مقابل أن يحظى بالحرية والعدل والإحسان والأمن..
.........
الشاعر الكبير المبدع القدير الراقي
أ.سلطان الزيادنة
في حضرة هذا الحرف العملاق تنحني الحروف إجلالا وتقديرا وتشريفا وفخرا
لما تنثرون من لوحات إبداعية فاقت حدود الجمال وأزهرت عناقيدها عبقا وألقا..
بورك هذا القلم العطر وما يحمل بين تجاويفه من إبداع وسحر..
وفقكم الله وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير




النص : اشتدّ الكربُ على المُهج
النّاص : عبد الحق بنسالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــ

اِشْتــــدّ الكـــربُ علـــى المهــــجِ****فأغــــــثْ مولانــــــا بالفَـــــــــرَجِ
أنــــت المقصود لـــــــنجدتنـــــــا****يـــــا ذا الإحســـــــان المنبلـــــــج
طَفَحَـــــتْ بغوائلنـــــا حِجَـــــــجٌ****لِتَقُــــــومَ الحُجَّـــــــــةُ بالحُجَــــــج
مالـــــــتْ للــــزَّيغ جوارحنــــــا****أوْدت بالرُّشْــــــد إلـــى العــــــرج
لـــم يُبـــقِ الغـــــــيُّ علـى قِيَــــمٍ****أنَّــــى و الهمــــــة فـــي مــــــرج
أضنـــتْ بالأنفـــــس شِقْوتهــــا****و خبــــالُ السّيــــر علـــى الهـــرج
في بحـــر الخيبــــة قد غُصنـــا****و عشِقْنــــا الخـــــوْض إلـى اللّحــج
و نَظُــــنُّ المُتعـــــةَ دائمـــــــــة****وَ نَخـــــالُ العصمــــةَ فـي البُــرُج
غـارتْ فـي الخِـزْيِ مقاصدنــــا****و علا الإسفـــــاف عُلا الـــــــدُّرُج
و إذا الأيـــــام بِنـــــا انعرجـــــت****فبِمُنحــــــــرِفٍ و بِمُنعــــــــــرِج
القلـــب بكـــى مــن غمـــــــــرته****فرمَتْــــــه الصحــــوة في الحـرج
هيهــــــات تطيـــــب دواخلــــــه****و الحســــرة حلَّـــــتْ فــــي الأوج
ربّـــــــــاه إذا الأرواح هـــــــوت****مِـــنْ ثِقْـــــــل وبــــــالٍ مُنتهَـــــج
مَـنْ غَــــــيْرُك يُفـــرج كربتهــــا****بنـــــدَى فضـــــلٍ عـذْبٍ بَهِـــــــج
مــن للمضطـــرٍّ و ذي لهــــــفٍ****و لطالـــب صفـــــحٍ مُنْـزَعِـــــــج
يشكــــوك أســـــــاهُ و لوعتــــــه****و مــــــرارةَ هـــــــــمٍّ مُعتلَــــــــج
بالْجَفْـــــــنِ شَقـــــــــاءٌ سَهَّــــــدَهُ****و القلــــبُ مِـنَ الأحـــزانِ شَجـــي
و النفـــسُ بغُصَّتهـــــا انشغلــتْ****و إذا الأشْجـــانُ ضــــرَتْ تَهِــــــج
و تدلّـــــى اليــــــأس بغمّتــــــــه****و بحُرْقــــــةِ مَأْتَمِـــــــهِ الوهِــــــج
يــــــا مَـــنْ للسائــــلِ رحمتـــــه****بالخيـــــر و بالأفــــــراح تــجــــي
مِــنْ مَنْسَجِـــكَ الدِّيَــــمُ انتَسَجَت****تَـــروي غَدَقـــــاً لَهَـــــفَ الـــحِوَجِ
النـــــاس بـــوِزْرٍ قــــد جــأروا****و هوىً يقْتـــــــادُ إلــى الــــرهـــج
برحـــاب الله فقــــد هجعــــــوا****لِعنــــــاق الصُّنْــــــــعِ المُنفـــــرج
ربّـــــاه لمـــــن نسعــــى طمعــــا****فــي ليـــل المحنــــة و العـــــرج
قـــد ضـاق العيــــشُ و لا فَــرَجٌ****يـــــا مـن بِيَديْه نـــــدى الفُــــــرَج
ندعــــــوك بدمــــــعٍ منهمــــــر****بشجـــــون الحســــــرة مُمْتـــــزِج
ذُلُـــلا نرجــــو ظفـــــر العُقبـــى****أنـــت المفتــــاح لكــــــل نجـــــي
يــــــا مــــن لا يفنــــى مكْنــــــزه****أزلِ الأقفــــــال عـــنِ الـــرُّتُـــــج
فخمائـــــل جـــودك مــن كـــــرم****بالحُسْـــــــنِ تملّـــــــــتْ و الأرج
يــا مــن أنشـأت النّـــــور أنِـــــرْ****مـــــولاي المقصِـــــــدَ بالسُّــــرج
أَيَخِيــــبُ مُنيـــــبٌ أنْـــتَ لــــــهُ****أدنــــى بالقـــــربِ مِـــنَ الـــــودج
كــــــلّا لا ضَيْــــرَ يَحُـــــلُّ بـــه****بَــلْ كــــلُّ رُقِـــــيٍّ فـي الــــــدُّرُجِ
لا ينكــــر فضـــــل الله ســـــوى****أربــــــاب العُــــــرَّةِ و الهمـــــــج
إشراقــــــة وجهـــــك مرحمــــة****تأتــــــي باليُمْــــــــنِ المنفـــــــرج
لــــولا الرّحَمـــات أُحيـــــطَ بنــا****فـــي بحـــــرٍ مُحْتـــــَدِم اللُّجَــــــج
و لَـــــمَا تُبْنـــا و لمـــــا عُجْنــــا****عَـنْ غَـيِّ غَــوىَ الفِتَـــنِ الخُلُـــــجِ
فاكـرم أرواحــــاً قـــد جَنَحَــــتْ****و أعِـــدْ مَـــنْ ضَـــلّ إلــى النّهَـــج
و امنحنــــا مِنْ إحســــانك مــــا****يُنْجـــــي الأهـواء مـــن الزَّلَـــــــج
هـذي الأتــــراح بنــــــا عصفت****و الظُّلْمــــــــةُ أودتْ بالبلـــــــــج
مولاي أغــثْ خلقــــا رجعـــــوا****بنفـــــــوسٍ ذاكــــــــرةٍ لُهُــــــــــج
و امْنُــنْ يــــــــا ربّ بمكرمــــة****و افتـــــــح أبوابـــــك بالفــــــــرج
فـــلَكَ العُتبى حتــــى ترضـــــى****يـــــــا ذا الإحســــــان المُنْبلـــــــج

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــ

الله الله على هذه النفحات التي انسكبت دموعها نزيفا في محراب الخشوع والتدبر ..
وبين أحضان الدعاء تضرع الرجاء للرب أن يرحم عباده من مارد الوجع الذي ينخر القلوب ..ويدمي النفوس حسرة وألم..
قصيدة لخصت أهداف هذه الأمة التي تحتضر..بسبب بعدها عن رب العزة ..وتقاعسها الكبير في المبيت في محرابه..والفساد الذي أرخى سدوله بين عيون البشر..
حتى أثقله الكرب وشق جيوب الأمل ومزق أوصال الصبر...
كيف لا يزغرد الظلم على الأفواه وقد نطقوا به والأيدي مغروسة بالذل والقهر..
وقد عم الفساد من صنيعهم المخزي..
ورحمة الله تتجلى في سمائه تنتظر الصدق في التوجه ..والعزيمة في التغيير ..والقوة في الإرادة...
اشتد الكرب..ولكن من الفساد الذي ينتشر على الأرض وغياب التكليف الرباني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
اشتد الكرب..وما من عودة بين آيات الله والعمل بمنهاجه العظيم..ليكون عقابا من رب السماء على ما اقترفت الأيدي من الظلم...
كيف للنور أن يشق دربه والظلام يفترشه قلوب لم تفقه من قدسية العبادة والأرض ..ويعيثون بالأرض الفساد وينتهكون حرمات الله بأيديهم الوحلة...
والقلوب المؤمنة ترقب ظلم العباد وهي في صمت..وتنسى أن الذي يقف في وجه الظلم عبادة نقية وجهاد يتحول لشهادة مصيرها جنات عدن وأعلى مراتبها...
الأرض تنزف من دماء الأبرياء لتطهر ذراتها من وقع الأرجل الآثنة التي تدوس المقدسات وتفجر وتقتل الإنسانية لأجل دناءة المصالح الذاتية والمناصب القذرة..
ما الإبتلاء والمحن إلا لتطهير النفوس من الذنوب وسواد المعاصي ..وتطهير الأرض وغربلة البشر ليأتي حكم العدالة والمساواة بعد بتر أذرع الطغيان وقمع طواغيت البشر ...
حتى يستريح النور على الأرض من مصارعة الظلام..يجب أن يمر في احتدام مع سواد العتمة ليخرج وينبلج الفجر الصادق...ليدفع لله قربان التضحية ..نورا يفج كل ظلام ويشرق معه نور الشمس لبعلو كبد السماء...
هكذا هي الآبتلاءات حين تضغطنا وتعصر دماءنا ليخرج منا شهداء قربانا لله وتطهيرا للأرض...
فما أحوجنا لمثل هذه الأيام أن نمكث في محراب الله لا ننفك عنه أبدا..لأن فيه رحمة الله وليست رحمة البشر..
والشاعر هنا قدم النفس وعمق الذات وهي تتألم على أنغام الظلم والإستبداد البشري..
ووصف لنا ما يركن بين الضلوع من وجع..بسبب الغفلة عن الله*** والبعد عن شريعته وسنة نبيه... ولأننا أضعنا دين الله ومنهاجه فأضاعنا الله وشتتنا وتمزقت الأوطان إذ كانت تعمل بالقوانين الوضعية ..وقد تركت قوانين السماء السمحة النقية..
ويبقى الإنسان هو مصدر الفساد الأول على كثبان الأرض وفي أجوائها...
حيث قال تعالى:" ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)الروم...
هذا دليل على ظلم الانسان ونشر الفساد دون التوقف عن امتداده وعودة لخشية الله وطاعته...
فالبعد عن الله يجعل اليأس والقنوط يسيطر على النفس ويفتك بها..فهي من أذرع الكفر بالله...
حيث قال تعالى:" :***وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى[طه:124-126]
وأكبر الدليل على معيشة الإنسان وعيشه الضنك والتعب والهم والوجع..بسبب الإعراض والإبتعاد عن الله تعالى...
لتشعر لالقهر والذل ..جراء بعدها عن الله..
فما أحوجنا للعودة لمحراب الله توبة وخشوعا والعمل بكتابه وسنة نبيه....
....
الشاعر الكبير المبدع الراقي الطبيب
د.عبد الحق بنسالم المبجل
من حي حروفكم الروحانية والتي امتلأت بعبق الإيمان ..كانت كلماتي تلخيصا لما قصدته في لوحتكم الفنية الراقية..التي احتوت على بلاغة وألفاظ إبداعية وأوصاف مدرارية من كوثر الذات وما تحمل من نفحات راقية..
لوحة ذات جمال من عمق ومعاني وصور شعرية راقية ..كانت بمثابة صحوة إنسانية ودفعة إيمانية للنفس ولكل هذه الأمة التي غابت عن طريق الحق.
بوركتم وقلمكم المبدع وحروفكم الثائرة للحق ..جاءت بلغة بديعة متينة البناء..
وفقكم الله ورعاكم لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النص : شاهد على نصف وطن
الناص : الشاعر حسن رحيم الخرساني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــ

ينحني البابُ ولا ينكسرُ، المدينةُ أُنثى لها قامةُ رمادٍ،عيونُ رمالٍ تبكي،وعلى جانبي الطريق أشباحٌ في نُعاسٍ دائم أمامهم براميلُ نفط ( في رؤوسهم فقط)، لا تُصدق السمك الذي رحلَ تاركاً للنهر ذكريات غزل ٍ أبيض، أمي تقولُ ولا تقول، لقد رحلتْ قبلَ ان يتورطُ قلبُها بالديمقراطية، وأبي كذلك، كلاهما سعفتانِ سرقوا منهما أسميهما ومنحوهما إشارة الدين!. العمامة ُ الوحيدةُ التي لم تقعْ تحت أقدام الكراسي هي الجوع.أركضُ مثلَ حروفٍ اصابَها إسهالُ بسبب فيروس الكذب. أقفُ ثانية ً، ثم أصرخُ بي:
أركضْ أيّها الــ ..
إلا إنني دون قدمينِ .
هكذا ولدتُ أحملُ معي نصفَ جسد.
قالتْ لي الحربُ :ـ أنتَ لغتي. لم يضحكْ ظلي لأنه ُ شاهدٌ على نصفِ وطنٍ لهذا بقي معي صامتاً كدموعِ بغداد.
أنا ثاني الملايين إذ هما في القلب ...أيُ قلب ٍفي هذا الكهف؟
ينحني البابُ ولا ينكسرُ.
النوافذُ غادرتْ ألوانَها .الترابُ يبصقُ على أقدامِهم .السماءُ تشتعلُ بالهواء المر.أصدقائي الطيبون نزلوا إلى أصابعِهم وقالوا كذلك .لم يبقَ إلا بائعوا الوطن. فتحوا كروشَهم حتى أصبحتْ مقابرَ!
غداً في أقصى الروحِ وردةُ جوري وآسٌ ودعاءُ أمٍ ونظرةُ طفلٍ يتيمٍ وما تبقى من حليب الطين.
غداً جميعهم يُشيدونَ العراقَ بنورٍ لا ينتمي إلّا إليهم،
إليهم فقط.

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــ

شاهد على نصف وطن...
الله الله الله على ما تحت الحروف من عمق وجمال وسحر..
عنوان فخم بليغ المعاني ..ترتجف الكلمات من قوة وقعه ..وجلال تراكيبه
والحرفية التي يمتاز بها هذا الشاعر..
نص بمجلدات ..يحمل بين ثناياه الوجع..ويعتصر من قلبه الألم..
لهذا الشاعر مدرسة تناسلت من أفقها جمال لا حدود له...
وهذا كله وليد القوة والسحر من رحم المعاناة التي تقبع في وطني العراق...
يا لقوة ما ابتدأ به الشاعر من عنوان ونص يعزف الألم على أوتار الوطن الذي لم يكتمل بعد من تمزيق أوصاله والعبث في أوردته النابضة...
شاهد على نصف وطن..عنوان يدل على فنية الشاعر وقدرته في نظم حروفه وفق لوحة جمالية تستحق الوقوف كثيرا والتصفيق الحار بلا توقف...
نص بهرني جدا وفتح أبواب التأويل على مصراعيها..وسمح للخيال أن يمتلك أجنحة السبح بين جمالية ما نسج هذا الشاعر المبدع...
استوقفني هذا النص وقد قرأته كثيرا..وسوف أعود لقراءته مرارا لعل الذائقة ترتوي من درره وبنائه وتراكيبه الإبداعية..
الشاعر الكبير المتألق المبدع
أ.حسن رحيم الخرساني
قرأت سحر حرفكم وجماليته العذبة..ولم أكتف بذلك
فنان حرف ومبدع كلمة بلا حدود
إذ تغرس بذور القلم في مداد فكر عميق وعلم واسع وبصيرة فذة
أهنئكم بهذا القلم الماسي الذي يتناسل قوة وجمالا
ولي عودة لقراءة خريدتكم هذه للتعمق بين طياتها وبين ظلالها..
قرأت لكم بعض النصوص ..فذهلت بعمق فكركم وأسلوبكم الفني المبهر..
سأكون في متابعة دائمة لقلمكم النفيس هذا..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم الله من العلم والنور والخير الكثير



النص : سَـأُعْـلِـنُ لِلأَرْض.....
الناص محمد خالد النبالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص
ــــــــــــــــــــ

سَـأُعْـلِـنُ لِلأَرْضِ

سَـأُعْـلِـنُ لِلأَرْضِ أَنَّ الأُنـُوثـَةَ
فِـي الأَرْضِ نـَـبْـعٌ وَفِـي الحُـبِّ مَـاءْ
تـُعَـلِّـمُ كُـلَّ الكَـسَـالَـي الفِـدَاءْ
وَتـَمْحُـو مِـنَ الـذِّهْـنِ ضَـعْـفَ
الصَّـبَـايـَا وَتـُثْـبِـتُ سُـلْـطَـانَ كُـلِّ الـنِّـسَـاءْ
فَـمَـنْ يـَعْـشَـقُ الأَرْضَ حَـتَّى
الـثُّـمَـالَـةَ حَـازَ الـبُـطُـولَـةَ
وَالكِـبْـرِيـَاءْ
وَأَنـْتِ كَـمَـا أَنـْتِ يـَا نـَاهِـدَاً
تـَعِـيـشِـينَ مِـن أَجْـلِ تـِلْـكَ
الـقَضِـيَّـةْ
وَمَـا زِلْـتِ أُنـْثَـى
وَمَـا زِلْـتِ فِـي كُـلِّ
عَتمٍ ضِياءْ
أَزُفُّـكِ لِلْحَـاضِـرِيـنَ الـنَّـبِـيَّـةْ
تـَعِـيـشِـينَ مِـن أَجْـلِ تـِلْـكَ
الـقَضِـيَّـةْ.

القراءة
ـــــــــــــــــــــ

عنوان ينطق بالثورة ...يحرك مسامات الوطن...يجاري بالتسويف الأنا للأرض والمرأة...
الشاعر هنا بالسين يبدأ عنوانه..والذي تكبل بسوف للمستقبل...
كلمة ..سأعلن.. تدل أن ما قبلها كانت هناك قناعة تامة ودراسة مثبتة وتحليل تام لدور المرأة العربية في الجهاد والمثابرة في التضحية والعمل بكامل مشاعرنا نحو البذل والعطاء نحو الأرض المقدسة التي تنتمي إليها...
وكلمة ..سأعلن للأرض..وكأن الشاعر يريد إعلام أهل الأرض بمختلف أجناسهم عن أهمية دور المرأة وقوتها في مجابهة العدوان والظلم والمحتل بقلب من حديد قد فاق هؤلاء الرجال الكسالى الذين يتقاعسون عن دورهم في الجهاد ..ويريد توجيه فئات المجتمع لدور المرأة ومكانتها ووجودها الحياتي على الأرض وجهادها الذي لا ينتقص عن جهاد الرجل بشيء...بعد أن أثبتت بطولاتها وقدراتها في صنع الأبطال للتصدي والتحدي للجبابرة ..
ومن خلال كلمة الأرض التي قالها الشاعر:

سَـأُعْـلِـنُ لِلأَرْضِ أَنَّ الأُنـُوثـَةَ
فِـي الأَرْضِ نـَـبْـعٌ وَفِـي الحُـبِّ مَـاءْ
يصفها الشاعر أنها نبع في الأرض...وليس فقط بالحب..
فقد اقترن اسمها بالأرض..الأنوثة في الأرض..فالأرض هي الوطن ..هي الخيرات..هي الكرامة..هي الثروات..هي النبض للحياة..هي المسكن والمأوى ..هي الروح والقلب..
هي كل المعاني المقدسة التي تربط الإنسان بالوجود...
لذا كان علاقة المرأة والأنوثة في الأرض ربط متكامل لما حققته المرأة في الجهاد في سبيل الله والتصدي والصمود أمام أعتى المصائب والإبتلاءات..
فكان حقا على الشاعر أن يشير لأهمية دورها وينصفها بميزان العدل ...وليس منتقصا بحقها ..وقد أكرمها الله من قبل بمنزلتها العظيمة في آيات عظيمة..
وقد أظهر المصطفى منزلتها وحقوقها وعلو منزلتها والحفاظ عليها من ظلم الرجال..حيث خصص لها من الميراث الكثير..
شبهها الشاعر الفذ أنها نبع..والنبع حالة طبيعية لا ينتهي له حد..كناية عن عطائها الغير منقطع والذي يلامسه الخب العظيم الشفاف الذي هو أيضا حب لا ينقطع معه حدود ولا تقف أمامه حواجز أو مؤثرات..المرأة تحب بلا مقابل ويتدفق عطاؤها بلا أجر ..تحمل الإخلاص وتجاهد بالإرادة المجبولة بالحب والعطاء...
الشاعر هنا نظم حرفه بذكاء وفطنة وخصها بخصال قد أكرمها الله بها من قبل..فجاءت قدرة الشاعر في ربط الأرض والأنوثة والعدل والحب ..في سياق مموسق رائع جميل مبدع..وعندما ينصف الشاعر حق المرأة ودورها.. يكون هذا دليلا على عدل الشاعر وما اتصف به من خصال...ويكمل الشاعر رائعته المكوثرة وبديع ما خط القلم..بقوله:
تـُعَـلِّـمُ كُـلَّ الكَـسَـالَـي الفِـدَاءْ
وَتـَمْحُـو مِـنَ الـذِّهْـنِ ضَـعْـفَ
الصَّـبَـايـَا وَتـُثْـبِـتُ سُـلْـطَـانَ كُـلِّ الـنِّـسَـاءْ
تـُعَـلِّـم..كلمة مشتق من معلم ..ومن فحوى مدرسة..إذ أن للمرأة مكانة عظيمة في إعداد أجيال المستقبل..ورحم من قال في حقها:
الأم مدرسة إذا أعددتها*** أعددت شعبا طيب الأعراق..
كتاب الله وسنة نبيه والتاريخ حتى اليوم يشهد بعظمتها ..وليست أية امرأة..بل هي المرأة العفيفة الشريفة ..وهي التي تحمل في مسامات روحها مخافة الله والخشية منه في كل عمل..وتعمل بكتابه وسنة نبيه...
هي التي تحمل في صدرها الرحمة وفي عيونها النظرة الثاقبة..وفي لسانها الموعظة والحكمة والعبرة..وفي يديها العطاء والتضحية والفداء والقوة ..وفي فكرها الوعي وحسن التصرف والتدبير والحكمة والمعرفة والدراية..وفي خطواتها الإتزان في المسير والخطى...وتعلم الكسالى الفداء...
الأوصاف هنا تحمل أسلوب الرمزية للتضحية والمجاهدة دون تقاعس...
ومضمون الأبيات يسقط على قوة المرأة وصمودها في أحلك الظروف وأعتاها...
ويكمل شاعرنا لوحته الراقية المتألقة بقوله:

فَـمَـنْ يـَعْـشَـقُ الأَرْضَ حَـتَّى
الـثُّـمَـالَـةَ حَـازَ الـبُـطُـولَـةَ
وَالكِـبْـرِيـَاءْ
هنا يكمل الشاعر ربط دور المرأة بعشق الأرض ..لا تنقص عن فئات المجتمع بشيء..
وبما أن الشاعر وضح دورها الكبير في المجاهدة ..فقد زاد على ذلك أنها حازت على البطولة والمبرياء لمن يعشق ويفدي نفسه في سبيل الله وثم الأرض..
وقصص التاريخ مليئة بقدرات المرأة وقيادتها وعظمتها وإيمانها ..كقصة الصحابية التي استشهد الكثير من اهلها ولم تأبه إلا بالسؤال عن رسول الله أهو بخير أم لا...حبها لله ورسوله أكثر من اولادها وزوجها وابويها واخوتها...لأن الإيمان كان أعظم من أي شيء بالدنيا...قوة العقيدة هي المحرك والبوصلة لرضا الله...
والحديث لا ينتهي عن الشخصيات الكبيرة والعملاقة التي تمكث في شخصية المرأة الذكية القوية في كل مجالات الحياة..وعن نساء الرسول عليه الصلاة والسلام..ونساء الأنبياء والصحابة وعلى مر التاريخ..واليوم تثبت الحروب في كل الوطن العربي ..دور المرأة الفلسطينية وقوة تحملها وتصديها لكل أنواع الإبتلاءات..وقدرتها على إعداد جيل الحجارة والسكين والثورة..والمرأة السورية والمصرية والليبية واليمنة والعراقية وغيرها في كل الوطن ...هي رمز القدرة على التحمل والعطاء والمجابهة دون الخوف والتردد والضعف...
ويكمل الشاعر بقوله:

وَأَنـْتِ كَـمَـا أَنـْتِ يـَا نـَاهِـدَاً
تـَعِـيـشِـينَ مِـن أَجْـلِ تـِلْـكَ
الـقَضِـيَّـةْ
وَمَـا زِلْـتِ أُنـْثَـى
وَمَـا زِلْـتِ فِـي كُـلِّ***
عَتمٍ ضِياءْ
الصور هنا متماملة الجمال في البناء والوصف ..وتصوير متقن في دور المرأة العربية والمسلمة...تصويرا ينقل الصورة كاملة..ليصف أنها ضياء في عتمات الحياة وما يسود الوضع من محن شديدة..يصف الشاعر من خلال مشاعره وفكره وحسه الوطني وعدله التام..دور متقن حي لا خنوع فيه لدور المرأة..بمثابة لوحات كلامية شاعرية متقنة الوصف والتجسيد..وتوضيح أثرها الكبير ودورها العميق في قيادة المجتمع من خلال إعداد جيل المستقبل وقوة صمودها...
ورغم ما تواجه بقوتها كل محتل وظالم إلا أن الشاعر لا ينقص في وصفه لأنوثتها وأنومتها ورقتها ..يعني لديها القدرة للملائمة في الحياة مع كل ظرف دون أن تقلل من أنوثتها بشيء...وهذه الأوصاف كانت قمة في التصوير والتجسيد تدل على قدرة الشاعر في ثني حروفه وفق سلسلة إبداعية جمالية متكاملة..يدل على قدرته في البناء وحبك ألفاظه بدقه..
ينهي الشاعر لوحته الراقية التي طرحت موضوعا من النواضيع المهمة التي توازي كفة العدالة في حق المرأة...
أَزُفُّـكِ لِلْحَـاضِـرِيـنَ الـنَّـبِـيَّـةْ
تـَعِـيـشِـينَ مِـن أَجْـلِ تـِلْـكَ
الـقَضِـيَّـةْ.
يلخص الشاعر قصيدته بأنه يزف بدورها الحضاري والإجتماعي والسياسي والإنساني..للحاضرين ليعلن أنها في قمة الذين ساهموا في الفداء والجهاد والتضخية وفق الظروف القاسية التي تنزفها الأمة بأكملها...ليجعل من صفاتها في أوصافه الراقية المذهلة ..أنها تعيش من أجل القضية ..بل تنغمس وروحها بكل أوصال الأمة ومساماتها..وهذا دليل على ترقية الشاعر لدور المرأة المجاهدة في كل مكان...
...........
الشاعر القدير المبدع المتألق في نظم حروفه وفق جمال وإبداع للألفاظ المؤثرة
أ.محمد خالد النبالي
قصيدة مذهلة راقية ..استطعت تجسيد دور المرأة في المجتمع وفق جمالية وعدالة منصفة حقا...يرتلها حروف تجسدت بإحساس متيقظ بالظروف اليوم وبتصوير فني رائع..وتشابيه بليغة تدل على مكانة الشاعر وبراعته في عملية البناء..وملكة التصوير المتقنة جدا...والدلالات المحبوكة على دور المرأة ومكانتها...
شكرا لهذا القلم الباسق..وجزاكم الله كل الخير على نبع حرفكم الجاري
ووفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة...



النص : همسات محلية
الناص : عدنان حماد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


همسات محلية

يا قارع الناقوس
لا تشعل الذكرى
رفقا بنا يا صاح
لنلملم الفكرة
فالكأس مترعة
من خمرة النسيان
شاخت كروم اللوز
وتصحّر البستان
ما غرّد الدوري
ما اخضرّت الأغصان
والمنجل المكسور
يبكي على نيسان
***
يا قارع الناقوس
رفقا بنا يا صاح
جفّت دموع الشمع
وتغيب المصباح
حتى انتظار الصبح
ما أسعف الأرواح
والروح ظامئة
لم تروها الأقداح
يا قارع الناقوس
أسرفت في شكواك
يا طُهر صوت الناي
تبتزني ذكراك
يا ملهم الفكرة
سبّحتُ من أسرى
عيني لكي تلقاك
يا قِبلة القُبلة
ما أسطعت أن أنساك
لا والذي سواك
ما أسطعت أن أنساك

القراءة
ــــــــــــــــــــــ

ما أجمل هذا الحرف وهو يتربع على عرش الجمال...
ما أجمل هذه الصور الساحرة التي يغلفها عمق المعاني وهي في ذلك الخيال الخصب
صور تشع بنور الوصف..وتضج بالنبض من سحرها وما والاها من عمق...
من همسات محلية..قرأنا فيها الذات والمحيط الذي يؤول بها..
يا قارع الناقوس...
تكررت هذه الألفاظ في هذه اللوحة الراقية...لهدف لفت النظر لأهمية المحتوى ونحت الفكر بين جوانبها وما تخفي من عمق ..
تكررت إذ هي بمثابة مفتاح لفك شيفرة الحروف لتبقى مشدودة نحو الهدف الواحد...
يا قارع الناقوس...بين النداء والمنادى وقفة للتأمل وتشغيل الخيال في استحضار المغزى الذي يقع على واقع مؤلم..
يقول الأديب الشاعر في خريدته والتي كانت بمثابة ثلاث لوحات جمالية إبداعية
يقول في بداية لوحته الأولى البديعة :
1
يا قارع الناقوس
لا تشعل الذكرى
رفقا بنا يا صاح
لنلملم الفكرة

هنا تأتي قيمة النداء في عملية التنبيه والإلتفات للتوقف عن عنصر اليقظة حتى لا يثير مواطن الذكرى..ليس إلا لهدنة ليلملم فيها ما شت من أفكار كانت سببها ما يعتمل في نفس الكاتب...
تعابير إبداعية واستجداء بقارع الناقوس وإدخال عامل الترخيم بقوله ..يا صاح..لتكوين سلسلة موسيقية لينة على السمع طيبة على اللسان ندية للمتلقي..بلغة مؤثرة وتراكيب راقية..تنخر الذات وتنحت الخيال ليسبح بين لملمة الفكرة ومغزى اللوحة..وأية فكرة هذه التي تستهوي المتلقي ليتوقف بذهنه عند أبعادها ويوحي برمزيتها ..حتما سيكون لها صدى الجمال والقوة في الفكرة..
يكمل الكاتب الشاعر بقوله:

فالكأس مترعة
من خمرة النسيان
شاخت كروم اللوز
وتصحّر البستان
يأتي جمال الصور هنا مغردا ساحرا في أداة التعبير المبهرة والألفاظ المبدعة ..وأثواب الرقي التي ترتديها الصور والتي أذهلتني في ترتيبها وتراكيبها الفذة..
فالصور هنا كانت عبارة عن نظام من الرموز يدعم بها الكاتب لوحته ليصبغ عليها مفاتن لغته العذبة..
فالكأس المترعة من خمرة النسيان...صورة جمالية إبداعية مذهلة ..وظفها الكاتب كصورة توقظ مشاعر المتلقي وتدعم بناء الكاتب ببلاغته وفصاحته ..وهذا يدل على قدرة الكاتب وحرفيته وفنيته العريقة في تطويع الحرف وفق فكرته التي يناشدها في منظومة نفسه وفي عين مجتمعه الذي يعيش...
فعندما يشيخ اللوز ويتصحر البستان..هنا كناية عن الوجع والألم الذي يمكث بين ضلوع الكاتب ليخرج على شكل ديباجة مرصعة بجمال المفردات وقوة الألفاظ في البناء...
ويكمل نظام الجمال اللفظي ورمزته التي تسقط على الذات والمحيط الذي يعيش فيه وقد تغيرت معالمه الربيعية إلى خريف في المجتمع الذي يراه أو يعيش به...
يكمل بقوله:
ما غرّد الدوري
ما اخضرّت الأغصان
والمنجل المكسور
يبكي على نيسان
يكمل الكاتب وصف مشاعره الحية ووفق ما يراه من صور إبداعية ..والتي يريد إيصالها لتوصيل الفكرة بالمعاناة التي يعيشها والتي تمخضت جمالا راقيا في اللغة الوصفية والصور الباذخة...
عندما يصف الدوري بتوقفه عن التغريد ..والأغصان لم تختضر..والمنجل كسر ليبكي على نيسان وجماله وربيعه ...هذا كله كناية عن الحزن الشديد الذي يشمل الروح والأرض والكون..ليتوشح بالسواد من مؤثرات طغت على الحياة وسارت بمسار معكوس عن البيئة وعن الذات...
هذه الصور كانت رمز للحياة الذابلة وللواقع المؤلم الذي يعيشها الكاتب وللذات التي تصارع البيئة بكل أحزانها...
في هذه اللوحة الأولى...استغل الكاتب الطبيعة هنا ورموزها.. لتغليف فكرته على ما آلت إليه الروح والبيئة من وجع..مثل..كروم اللوز..البستان..الدوري..الأغصان المنجل..
وكلها من هذه البيئة كناية عن الألم الذي يعتصر النفس..
يكمل الكاتب لوحته الثانية بقوله:
2
يا قارع الناقوس
رفقا بنا يا صاح
جفّت دموع الشمع
وتغيب المصباح
حتى انتظار الصبح
ما أسعف الأرواح
والروح ظامئة
لم تروها الأقداح
يعود الكاتب للمفتاح الذي بدأ به بعد كل فكرة وهي
يا قارع الناقوس..
يخاطب صاحبه برقة وبرفق ..وتحسسنا ذلك من قوله..رفقا يا صاح..
فالرفق ما هو إلا تعبيرا يدل على أخلاقية القائل وترفقه بصحبه...
رفقا بنا يا صاح..وكأنه يخاطبه بكل شفافية ورقة..ويستجديه أن يترفق به بلطف للأسباب التالية بقوله:
جفت دموع الشمع...وتغيب المصباح...حتى انتظار الصبح...والروح ظامئة
هنا الألفاظ عذبة النسج متينة البناء قوية المعنى بليغة العنق..
وهي كلها كناية عن السواد والظلام الذي يمر في الأرض والطبيعة ونفس الكاتب الذي يعيشها..كناية عن غياب النور ويرمز عن الظلم والآستبداد الذي يجفف عوامل النور وبهجة الصباح...
هذه اللوحة الثانية من أجمل ما قرأت..رغم جمالية كل أوراقها...لكن الوصف هنا جلد الروح وأدمى الخيال وهو يسبح بين ظلالها ويغوص في أعماقها...
ينهي الكاتب الشاعر خريدته بلوحته الثالثة التي كانت إسقاطا على الذات وما يجلد فيها من وجع ومحاسبة للذات بعدم نسيان ما مر به..

يقول وقد حمل مفتاح لوحته لفك شيفرة لوحته الثالثة بقوله:
3
يا قارع الناقوس
أسرفت في شكواك
يا طُهر صوت الناي
تبتزني ذكراك
يا ملهم الفكرة
سبّحتُ من أسرى
عيني لكي تلقاك
يا قِبلة القُبلة
ما أسطعت أن أنساك
لا والذي سواك
ما أسطعت أن أنساك
تأتي هنا محاسبة الذات بقوله:

أسرفت في شكواك
يا طُهر صوت الناي
لمجرد الإعتراف في عملية الإسراف في الشكوى ..
هذا دليل على الوقوف في عملية محاسبة الذات..وهذا نوع من أنواع التأنيب للنفس لتسويتها وتصحيح اعوجاجها..وهذا قمة في مراجعة الأعمال التي يقترفها النرء والتي تعود إليه بتغيير مساره للأفضل..وما أحوجنا لمحاسبة النفس وإيقاغها عن مسارها الغير منتظم...
بقوله ..أسرفت ..يعني فيها كثرة الشكاوى ..وهذا كناية عن نحت الوجع جسد الحقيقة وتعريته من الحلول والخروج من الأزمة والمأساة التي يعيشها الكاتب...
يا طهر صوت الناي...التي تعزف على جراحنا وما باليد حيلة...
وفي قوله:

تبتزني ذكراك
يا ملهم الفكرة
سبّحتُ من أسرى
عيني لكي تلقاك
يا لروعة هذه الصور الجمالية هنا...
تلك الذكرى التي تحدث عنها الكاتب من أول اللوحة الأولى وربطها باللوحة الأخيرة ..وهذا دليل على الوحدة في الفكرة ..
كلمة تبتزني..تدفعني من غير إرادتي من كثرة القهر والألم ...
الذكرى هي التي تبتز مشاعري وألفاظي ولغتي لما تحمل من وجع وأسى...
توظيف متقن بدل على براعة الكاتب الشاعر الكبير...
وينعي بقوله:
يا قِبلة القُبلة
ما أسطعت أن أنساك
لا والذي سواك
ما أسطعت أن أنساك
كانت هنا الصورة جلية لماذا لم يستطع النسيان
من نسيان المحبوبة التي تجمع معها الوطن ..
الربط في الفكرة كانت موحدا من أول اللوحات وحتى آخرها..
وهذا يعكس قوة الكاتب في توظيف حرفه بمهنية كبيرة بارعة ..
تدل على قدرته العالية في نسج الكلمات المدهشة...
........
الشاعر الكبير المبدع والأديب الفذ
أ.عدنان حماد
ثلاث لوحات إبداعية عالجت فكرة الكاتب وغلفت أفكاره بألفاظ إبتكارية حوت خيالا إبتكاريا..تحدد معه نوعية الغوص بين أعماق مراميه وأهدافه الراقية..وفق بناء فني مترع بالجمال...
أوصاف وتشابيه غاية في الجمال ..سكبتم عناقيدها على خرير الأدب فخرجت لوحة إبداعية ساحرة..
وفقكم الله ورعاكم وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير
شكرا لما منحتمونا تذوق جمالية اللغة وهي بسربال من بناء فني مزهر



النص : تجلي
الناص : محمد خالد النبالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــــ

تجلي

السَّمَاءُ في كَامِلِ هَيْئَتِها
تِيجَانُهَا الشُّهُبُ
وَثِيَابُهَا مُرَصَّعَةٌ بِالنٌّجُومِ
وَالأَرْضُ تَبْدُو كَلُفَافَةٍ سَقَطَتْ
مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهَا ...

القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــــ

يا لهذه الومضة من اتساع لأجندة الخيال..والأفق لها مدرار...
بدأ الشاعر ومضته من كلمة السماء..وليس الأرض.. حيث يصف الكون بجماله بداية من السماء قبل الأرض..
وصف السماء تزينها اللآلئ المضيئة بالشهب والنجوم.. وهذا الوصف لوحده يأخذ الفكر في رحلة إيمانية تجند الخيال للسبح في عظمة الخالق وتجلي الجمال الذي يكمن فيها وزينتها الإعجازية العظيمة..
السماء تأخذنا لحالة ترقب وتدبر وخشية بين تلك المعجزات المذهلة والتي بدورها تملأ القلب خشية من الخالق العظيم وتمنحه نفحات روحانية تفيض عذوبة القشعريرة من مخافة الله...
فالسماء من زينتها ..تلك النجوم التي ذكرها الله الرب العظيم في قوله تعالى:" ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾
(سورة الملك من الآية-5-)
قال الشاعر:
تِيجَانُهَا الشُّهُبُ
وَثِيَابُهَا مُرَصَّعَةٌ بِالنٌّجُوم
الشاعر جعل الشهب أن تكون تيجان السماء..
والتيجان مكانها أعلى الأماكن..وهنا توظيف الشاعر كان متقنا جدا ومبهرا..حيث ربط الشاعر وظيفة الشهب بمكانتها..لأن الله تعالى جعل من النجوم مصابيح ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البر والبحر..وتكون رجوما للشياطين..حيث كان الشيطان يصعد إلى السماء ليسترق السمع..ليتبعه شهاب يرجمه من هذه النجوم.. أي جزء من هذا النجم وهو الشهاب ليرجم الشيطان فيحرقه..
لذلك عندما وضع الشاعر الشهب تيجانا للسماء كان بحكمة وعلم وفطنة وذكاء...
لذلك النجوم كاللآلئ تزين السماء..
وهذه دلالات على التفكر والتدبر والخشية من الله تعالى..
وأما السماء وما ترمز إليه..فإنها تأخذنا لعالم الدهشة والإبداع الكوني وسحر وإعجاز ما كان منها ..لتكون آية يتدبرها الإنسان ليزداد إيمانا وطاعة لله..
وترمز السماء للنقاء والصفاء والجمال الذي لم تشوبه ولم تلمسه أيدي البشر..لتبقى نقية طاهرة..ترفع إليها الأكف لرب العباد لقضاء حاجات البشر..
كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى كان نقيا ويبقى نقيا طاهرا طالما لم تمسه أيدي الطين التي تعبث بكل جمال صبه الله في هذا الكون...
صورة شعرية رائعة متقنة انسابت من ريشة فنان محترف..
وأما الدهشة والذهول في هذه الومضة..والتي بهرني عمقها وفحواها ..ما قاله الشاعر:
وَالأَرْضُ تَبْدُو كَلُفَافَةٍ سَقَطَتْ
مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهَا ...
هذه الصورة المتقنة الفذة ..والوصف الذي أتقنه الشاعر عن الأرض..كان سحريا كبيرا..
ففي وصف الأرض..بلفافة..هذا يعني لي الكثير..
لفافة عبارة عن طيات متتالية متتابعة متراكمة على بعضها..لا يظهر منها شيء وما تحتويه في هذه اللفافة..ولا ندري ما تخفيه..إلا إذا قمنا بعملية فك لفلفتها وفتحها لتكون على مرآى من العين...وأما أن يصفها بلفافة..هذا يعني أن الأرض يشوبها الغموض..والتراكمات من القهر والظلم والإستبداد ..والذي طوته الساسة وولاة الأمر بلا فتح ملفاتها وكشف سوادها وإصلاح ما بها..وكأنهم أرادوا لها البقاء في دائرة الوجع ملفوفة لقيام الساعة..
وعملية لف الأرض يعني طي الأحداث وما فيها من سواد دون فتح لفوهات النور أن يفك عنها الرباط وعقدة الفكر والتفكير...
لذلك كان التشبيه هنا بليغا بليغا جدا لوضعية الأرض اليوم..والمؤامرات التي تقوم على طي الأمة الإسلامية والعربية دون وجه حق...
وبما أن الأرض عبثت بها أيدي الطين التي تلوثت بالوحل والظلم..كان حقا على الشاعر أن يصفها أنها في مرحلة السقوط..وقد سقطت الأرض من بين أصابع السماء بعد أن كانت آمنة مطمئنة بحفظ الله ورعايته..
وسقطت من النقاء ليجعل الله تعالى فيها الإنسان خليفة على الأرض ليقيم حكم الله ومنهاجه وشريعته وأن يقوم بالعدل والإحسان ونشر مهام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
سقوط الأرض يعني غياب التقوى والخشية وانتهاك حرمات الله وانتشار الفساد والمعاصي والفرق والمذاهب الذين دمروا البلاد والعباد بأفكار وأفعال لا تمتّ بصلة لدين الإسلام..
وحسبنا الله ونعم الوكيل..
الأستاذ الكبير الأديب والشاعر المبدع
محمد خالد النبالي
سقيتم الأدب برائع ومضتكم فأزهر جمالا في الحرف وارتقى بالعلم والفكر..
ومضة كانت سقاية سحر وجمال على الذائقة الأدبية ..لتستحوذ على المتعة في عين المتلقي..
لقصرها إلا أنها كبيرة وعمقها يطول في السبح بين جماليتها وحرفيتها وإتقانها...
بوركتم من قلم يرمز للإحتراف في نقش الحروف وفق هندسة الكلمات لبناء متين لومضة شعرية فاخرة..
وفقكم الله ورعاكم وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النص : ليلة بكى القمر
الناص : محمد الفاضل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــــــــ

وجه ملائكي يضج بالحياة والفرح ذو الثلاثة عشر ربيعا , نقي كالسماء في ليلة صافية مرصعة بالنجوم المتلألئة , له وجه قمر باسم وروح شفيفة , وصوت كهديل الحمام , وعيون براقة أسرة تخترق سهامها قلب أمه المسربل بالحزن , تتوق لوجوده بقربها , رحيله قد يذبحها . شعره البراق ينسدل على كتفيه , كان قطعة موسيقى باذخة من روح أمه الموغلة في الحزن , يشبه وردة حمراء في حديقتها الخريفية.
أرجوحة روح أمه وسلوتها , يخبئ القمر وجهه باستحياء عندما يبتسم وتفوح منه رائحة الياسمين , وتغرد الطيور في حنايا روح أمه عندما يدلف إلى البيت فيشيع الفرح في كل زوايا البيت الحزينة. رسمته حمامة بيضاء وقمر مضئ في زوايا روحها وحبسته خلف باب قلبها وأوصدت الباب بإحكام وأغلقت أضلاعها مخافة أن تفقده . فكرة فقده جعلها ترتعد وتغرق في صمت دفين يبعثرها ويشظيها , يمزق شرايين قلبها.
" هل مازالت الكهرباء مقطوعة ؟"
" نعم ياولدي , حاول أن تنام قليلا "
" سوف أوقظك عندما يطلع النهار "
" ألم يطلع النهار ياأمي ؟ لقد مللت . أريد أن أخرج وألعب مع أصحابي"
" كلا يا حبة القلب , لم يطلع "
تهاوت الأم تحت وطأة الحزن وحاولت أن ترسم شبح ابتسامة هزيلة , تنفلت الدموع من عينيها المتورمة , انسابت دمعة سخية فحاولت أن تغلق جفونها مخافة أن يحس بها , تشعر بإعياء شديد , تنتحب في غرفتها ويحفر الحزن أخاديد عميقة فوق شواطئ روحها المتعبة . لم يعد يزهر الياسمين في قلبها المترع بالأحزان , سمعها تهمهم ... "لقد فقد بصره " لقد فقد بصره" . بكى بحرقة ولم يستوعب ماحدث , البارحة سقط برميل حقد أسود من السماء , ينهش الوجع أوصال روحها فلاتقوى على الكلام.
لقد فهم سر دموعها ...

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ

ليلة بكى القمر...
عنوان مبهر وذكي وزخم وفيه تجاويف موجعة .. يحمل من معاناة كان القدر فيها صامتا للحدث الرهيب الذي يظللها..***
عنوان دمجت فيه معاني للتأمل والتدبر في هكذا وجع يفطر القلب..
من العنوان نستطيع أن ننسج العمق الذي يرمي إليه الكاتب بعدة تأويلات وعدة احتمالات .. إلا أنها تبيت تحت سطوة الألم وتنحت في القلب الأسى..
دمج الكاتب في العنوان بين لوحتين متداخلتين.. تصب في قالب واحد تحت مسمى النزف الدائم الذي لا انقطاع له إلا بالصبر..
ليلة بكى القمر... ليلة .. وما تحمل في ثناياها من ستر الأحزان .. ومن سواد الأيام .. ومن حلكة الظروف التي يتعرض لها الإنسان تحت سطوة الظلام.. ومن سترة الدموع التي تهطل ليلا ولا تراها العيون القريبة... ولا تحس بها من سواد الليل الساتر.. ومن ليلة .. تعني سواد الظروف التي يتعرض لها الحدث أو الشخصيات التي يتلاعب بها الكاتب في لوحته الباهرة الفذة المبدعة...
ثم يدمج الليلة ببكاء القمر.. للقمر تأويلات عدة .. جمال وإشراقة وسهر بين أفياء سطوعه وجمال تكوينه وبهاء طلته والسهر تحت نوره تدبرا وخشية وتأملا.. ليتحول هذا القمر لنزف البكاء .. ذلك القمر الذي يمكن أن يكون ذلك الفتى الذي هو في مقتبل العمر... ويصح أن يلتصق تأويله للأم التي تبكي ألم طفلها...
التعرض هنا للقمر وأنسنته..وتحويل صورته البهية لصورة بكاء وحزن ..دليل على خلق جو فظيع يعبر من خلاله الكاتب عن عمق المأساة ..وحجم المعاناة التي يريد الكاتب تسليط الضوء عليها..فجاءت الصور بلغة إبداعية وسرد بليغ تفنن بها الكاتب بحسه المفعم بالصدق والألم..لتكون تحفة جمالية رائعة..
هنا قرأت جمالا يتوشح بالإبداع وبأسلوب فذ رائع سلس يشد القارئ وينقل إحساس الكاتب للمتلقي مباشرة.. خاطرة بنكهة القصة الراقية..
ألفاظ منتقاة وصور مؤثرة وايحاءات غاية في الجمال.. النبض كان حياً متدفقا بمشاعر نبيلة طاهرة نقية...
استطاع الكاتب أن يجسد إحساس الأم بإتقان بارع.. لا يجدها إلا من تذوق هذا الإحساس.. وهذا دليل على قوة الكاتب في رسم أبعاد الحدث والتلاعب بالمفردات لتفيض للمتلقي العيش داخل الحدث والتعاطف مع المعاني الراقية...
الأديب الراقي والمبدع الفذ .أ. محمد الفاضل
أحييكم على هذا الأسلوب الساحر في الطرح والنثر.. وعلى سمة القصصية التي تجيدونها ببراعة متناهية...
بوركت الحروف التي تفيض من ريشة قلمكم سحرا في النسج والمعاني..
وفقكم الله ورعاكم وزادكم الله علما وخيرا ونورا



النص : ابتعدْ عن قراري
الناص : محمود قباجا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــــــ

ابتعد عن نار تكوي
عن وطني
وطن لا يسلوه الدمع
غيابه يشجي
والنهر من جوف اللهيب ينهمر
ابتعد عن دنيا فقدت بهارجها هنيهة
وانكمشت كسجل
تطفو سيرته على صفو النجوم كغشاوة ليل
بلا أنوار
ما القرار والحرف في رحلة بين الأمصار
بين لهو وبين مندل
يهوي كجرذ في مصيدة
يلتهمه القدر
ركلة يكاد يفر منها ولكن تسبقه الكدمات
بلا سكينة
بلا طمأنينة
بلا روح
بلا مأوى
هو القدر يأتي بلا اختيار
يقولون هذا مسيّر
وأين الخيار ؟
تساوت الأوساط والسياط
يهجون فُلكي في بحرها
يهجون طائري في ارتقاء
وأنت سيارة ترسو أهدابها في الملح بين الأجفان
بين البلدان عذاب
وأنت اللهيب
رمضاء غمست في عين القرار
يطوفون بي وأنا محمول
انظر بعين واحدة
ثكلى من أختها
ثكلى من أعراب طمست هويتها
ثكلى من رمق تنتشي من سيرته الأعماق
وأنت أنت
وطن بلا أوصال
بلا نسب يحن للماضي
بلا شريان يتدفق منه نبض وسكينة
تتساءلين عني
وأنا ما زلت ذكرى في كتاب

القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ابتعد عن قراري
يا لروعة هذا الحرف وما يحمله من وجع..على ما آلت إليه الأوضاع..
من حقنا أن نتبادل الأدوار..ونكون أصحاب القرار..
من حقنا أن نستعمل الأمر ..وأن ننفذ ما يعيد لنا الأمجاد..
نحن أصحاب الحق.. وأصحاب الأرض..وهويتنا العرض والأرض..
وليس أن يتقاسمون الأدوار ولا يعيثون بيننا التمزق والأمصار..
فليبتعد عن قرارنا كل من هو يداعب المصالح ويتلذذ بالمنصب..
يشعلون اللهيب ببن الأفراد ويعددون كم من شهيد على الأرض يبتلع التراب المقدس..
وهو يدافع عنوة عن هذا القرار..
ألم يئن لنا أن نختار .،ونقرر للأحرار مسار الحرية ؟
وهل كتب علينا الغربة والفرار..والتمزيق ببن أوصال الوطن..
هل سنبقى دمى على رف النسيان..؟
أم أسطورة يتغنى بها الأطفال؟
أم ذكرى بين دفتي كتاب؟
إلى متى وهذا الفكر في غياب عن فقه الحقيقة؟
وإلى متى فقدان الثقة بقدراتنا وجيلنا اليوم ..
الذي يحمل بين يديه لهيب النار أصبح في وعيه يقاتل الكبار ..
دون خوف أو وجل من براثن القيادة الضالة..
ابتعد عن قراري..لأنني أنا القرار....

الشاعر الكبير والأديب المبدع محمود قباجة
لقد أتحفتنا بلوحة بديعة ثرية..همست لنا بما فيها من وجع..ودفعتنا نحو قمة القوة ..
وعدم الخضوع للمصالح مهما كانت قيمتها ومن أي باب أتت..
حروف من جمال وفي طياتها ألف كتاب..وألف معنى
لقد سطرت للوطن الكرامة ..وكتبت له بدمك مدادا..وفتحت للإرادة سبل المقاومة..
وشحنت النفوس عزة وإباء..
لحرفكم جمالية خاصة متنوعة الأهداف ..غنية المرام..صادق المشاعر وجريء الكلمة..
وهذا ليس غريبا على أمثالكم وقوة ما تنسجونه من إبداع..
لوحة فنية وطنية عالية السمو والرفعة..
بورك هذا القلم الثائر الصادق..وبورك مدادكم النقي المجاهد..
وفقكم الله لنوره ورضاه وزادكم بسطة من العلم والخير الكثير وأسعدكم
سعادة لا حد لها



النص : ازدواجيَّهْ !.
الناص : رائد حسين عيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



النص :
ــــــــــــــــــــــــــــ

1
أنتم هنا ..
وأنا هناكْ ،
وهناكَ أقربُ من هنا .
بيني وبينكمُ الأنا ؛
بحرٌ منَ الأنتمْ
فهل أنتمْ سوايَ
بلا أنا ؟.

2
في البدْءِ
كنَّا في النهايةِ
وانتهينا اليومَ
في بدْءٍ جديدٍ
ينتهي بيْ ،
لستُ أدري أيُّكُمْ
فتحَ المتاعَ ؟
ولم يجدْ فيهِ الصُّواعَ ،
فهلْ دمي والذِّئبُ
مشتركانِ
في هذي الجريمهْ ؟!.

3
في اليمِّ
ألفُ سفينةٍ ،
طارتْ من احداها
الحمامةُ ،
ثم عادتْ ،
لم تجدْ بحراً
سوى زوجينِ
جسَّاسَ بنِ مُرَّةَ
والبسوسِ ؛
فهلْ تناسَلَ
كلُّ هذا الموتِ
من تلكَ الهزيمهْ ؟.

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــــ

ازدواجية...
أنتم هنا ..
وأنا هناكْ ،
وهناكَ أقربُ من هنا .
بيني وبينكمُ الأنا ؛
بحرٌ منَ الأنتمْ
فهل أنتمْ سوايَ
بلا أنا ؟.
وماذا أقول في حضرة هذه اللغة البديعة التي جاءت بقالب فكري وفلسفي عميق انصبت ألفاظه في مدار هذه الأمة التي نقف عند هزالها وتدبر أحداثها ونطلق العنان للفكر أن ينسج لها خطى الوجع على شكواها...
الشاعر هنا غزل لنا ثلاث لوحات إبداعية مختلفة عن المألوف..وكل لوحة لها ميزاتها الخاصة ولونها المتجدد عن الأخرى..وتحمل بصمات التألق من قلم كبير نقدره ونعتز به..
في اللوحة الأولى المبهرة في تركيباتها الفلسفية العميقة..يتحدث الشاعر عن
الضمير المنفصل هنا..أنا وأنتم...يتحدث بعين ثاقبة وبوجع الغربة التي تسلخ جسدنا وتدمي ضمائرنا...
الضمير والأنا له دلالات عديدة تصب في دائرة الخيال وهو يسبح بين جماليتها وينسج لها أثوابا من فلسفة وضعت الضمير موقع المركز من الحدث..وموقع القيادة في تحويل بوصلة المفاهيم لها.. لقاعدة يرتكز عليها قيمة الأنا في التداول في كل جدول يخص حراك هذه الأمة... عملية تدوير وتبادل للمهام ما بين الفرد والجماعة..
تبادل الأدوار يلقي مهمة المسؤولية على الطرفين..لأنهم بالناتج جسد واحد ضد أئمة الكفر والجحود والظلم...والضمير الأنا هنا له دلالات ترمز للذات وللأنانية...
وتبقى الأنا بدلالات مختلفة تنحجز بين البيئة والطبيعة المحيطة بها وبين الآخر القريب منها التي رمزت لضمير..أنتم.. ..والذي يحركها تلك الدوافع المختلفة التي تلامسها جميع الحواس..ويغير اتجاهها ما يبديه الآخر في دائرة التفاعل بينهما..لتتجلى معالم الأنا على حقيقتها نتيجة الإحتكاك بينهما...
من كلمة أنا وفلسفة توظيفها إنما هي تدل على الوعي الفردي..وانشغاله بحدود الذات..
ولمجرد أن يخوض الإنسان في هذه التساؤلات التي تنم عن فلسفة راقية يجندها
الشاعر في تذويتها للأعماق واستخلاص مكنوناتها..فإنه يدل عن بداية تغيير للذات ومحاسبة للظواهر في حياته..حيث تدلّ كلمة الأنا على الذّات ..
وهي بالمعنى المباشر تدلّ على الشّخص ..
بجميع أعماله وتصوراته وفكره..
أمّا بالمعنى الفلسفي فتدلّ على جوهر الذّات ..
وبالتّالي يتحدّد الأنا تبعا لتصوّر ماهيّة الذّات الإنسانيّة ..
فنجد أنّ فلسفة الوعي تحدّد الأنا ومنزلتها من شخصية الفرد..ومكانته بين ..الأنتم..
والأنا والأنتم إذا اجتمعن فإنها بالنهاية تجمع قوة وتلم عناصر الوحدة.. بينما حين يصبح الأنا منفردا خارج مجموعة الأنتم فلا بد حينها أن يحدث شرخ كبير في عملية التواصل ويعمل على التنافر ليصبح قطبين متضادين...كوضع هذه الأمة اليوم..وأسباب الإنشقاق والتمزق..انكسار في الهدف وتمزيق في الألفة ..من جراء المذاهب المختلفة والتيارات المعكوسة.والتي مزقت أوصال هذه الأمة...
ويكمل الشاعر لوحته الباذخة الثانية بقوله:
في البدْءِ
كنَّا في النهايةِ
وانتهينا اليومَ
في بدْءٍ جديدٍ
ينتهي بيْ ،
لستُ أدري أيُّكُمْ
فتحَ المتاعَ ؟
ولم يجدْ فيهِ الصُّواعَ ،
فهلْ دمي والذِّئبُ
مشتركانِ
في هذي الجريمهْ ؟!.
من أجمل ما قرأت من عمق لصور متبادلة الأدوار والمهام..حيث قدم الشاعر النهاية على البداية بلمسة فلسفية أثارت الفكر ونسجت معالم الخيال أن يعطي صور حية لواقع مؤلم هو حديث الساعة ولكن من زمن بعيد..
الفلسفة والصور الشعرية والتحليل العميق لنواة القضية ..يختصرها الشاعر وفق ميزان حرفه الفذ ..في توضيح مواطن الوجع منذ أجيال كثيرة مضت..وكلما تعاقبت الأجيال كلما رجعوا لماضي الأحداث وتكرارها ..بمعنى في البدء كنا في النهاية وانتهينا اليوم في بدء جديد..انعكاس متقن لواقع يجتر الأحداث ويعيد النهايات كأولها...
وخلاصة هذا الصراع إراقة الدماء من الطرفين والطرفين أقرباء..والذئاب مليئة شرقية وغربية.. يسكبان النفط على النار ويشعلانها في دم العربي المسكين الذي يبحث له عن مكان آمن...
هذه اللوحة برغم كلماتها القليلة إلا أنها صورت الواقع بصورة فظيعة مؤلمة ..نتيجة حرفية الشاعر وقدراته الكبيرة في نسج عمق للكلمات...وقدرة في تحويل قبلة القارئ لأكف الأحرف وقلب الكلمات..وهذه بحد ذاتها حرفية ليس كل شاعر يحملها..
وينطلق الشاعر لللوحة الثالثة التي لخصت عمق المأساة والفاجعة التي أحدثت هزة عنيفة أدت إلى مراجعة التاريخ ..ليكون شاهدا على أحداث هذا العصر الميت الثلجي...
في اليمِّ
ألفُ سفينةٍ ،
طارتْ من احداها
الحمامةُ ،
ثم عادتْ ،
لم تجدْ بحراً
سوى زوجينِ
جسَّاسَ بنِ مُرَّةَ
والبسوسِ ؛
فهلْ تناسَلَ
كلُّ هذا الموتِ
من تلكَ الهزيمهْ ؟.
وظف الشاعر من وحي القصص القرآني ما يفيد حكمة الواقع وعبرة للقلوب وللتاريخ أن يسجل ذلك..من وحي قصة الطوفان وسيدنا نوح عليه السلام..والكفر وعدم الإستجابة لقوانين السماء ..كانت هنا هجرة من موطن الكفر لموطن آمن..تخبرنا به حمامة تحمل غصن الزيتون ليكون محطة الأمن والإستقرار...
والتوظيف لوحي هذه القصة جاء متقنا معبرا..
في اليم ألف سفينة ..لا سفينة واحدة تريد الهروب من الواقع المؤلم.بل ألف سفينة..
وهذا ينطبق على الشعوب الكثيرة التي هربت من حكم قادتها لتأوي لمكان آمن..تهرب من ظلم ساستهم لتبحث عن بقعة سلام...
وعملية السلام دائما وأبدا في فشل ذريع...ولا تترك وراءها إلا تلك الحروب ..التي رمز لها الشاعر بالبسوس..الحرب التي قامت لهدف لا قيمة له..كحروب اليوم الاي تقتل الشعوب بلا فقه فكري ولا علم يديرها لصالح الأمة..وتتناسل سلالة الأموات من ذلك الحين لليوم..بمعنى عدم تغير عقول الذين يحملون المناصب ويديرون الدول تحت وطأة الملذات وشهوة الحكم والدكتاتورية..والتسلط على رقاب الفقراء الذين يجسدون الشعب...
الشاعر الكبير رائد عيد
والأديب المقتدر هو الذي يقوم بتوظيف مراميه وفق منظومة إبداعية متقنة..حملت ببن أوراقها نفحات الوعظ والعبر ..وسردت عمق المؤامرات التي تحاك وتتكرر من مئات السنين..
قصيدة عملاقة بحق..وتعلق تاجا فوق الأدب وفي سماء الفينيق..لأبعادها العميقة وحرفيتها العذبة المتقنة..
شكرا لهذا القلم المدرار سحرا وجمالا
وجزاكم الله كل الخير
ووفقكم لما يحبه ويرضاه



النص : متى أنبضك في القدس قصيدتي
الناص : عوض بديوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــــــ

دَعْنِـي أَقُـدُّ مِــنَ الآمَــالِ أَشْـعَـارِي= نَارِي تَلَظَّتْ مِـنَ الآهَـاتِ يَـا جَـارِي
إِنِّــي أَقُـــدُّ مِـــنَ الآمَـــالِ مَلْـحَـمَـةً=وَمْضُ الحُرُوْفِ وقَدْ ضَاءَتْ بِأَحْبَارِ
نَبْضِيْ يَسِيْرُ عَلَى البَيْضَاءِ يَسْبِقُنِـي=يُضيءُ كَـوْنِــيَ أَنْــــوَارَاً بِـأَقْـمَــارِ
جِئْـتُ الحَيَـاةَ وَرَحْـمُ الـهَـمِّ يَلْفظُـنِـي=لِحُـضْـنِ أُمٍ مِــنَ الـوَيْـلاتِ وَالـنَّــارِ
نَحْـنُ الَّذِيْـنَ بِـنُـوْرِ الـحُـبِّ أَشْرَقَـنَـا=حَتَّـى نُنِيْـرَ عَـلَـى المَعْـنَـى بِأَشْـعَـارِ
نَـحْـنُ الأَمَـاجِـدُ أَشْــرَافٌ وَعِتْرَتُـنَـا=أَخْـيَـارُ قَــوْمٍ وَقَـــدْ سُـدْنَــا بِـأَخْـيَـارِ
فِـيْ كُـلِّ حَـرْفٍ تَـوَارَتْ خَلفنَـا أمم=*وَنَسْـلُ عِزَّتِنَـا سَـيْـفٌ عَـلَـى الـعَـارِ
طَيْـفُ الـمُـرُوْءَةِ طَـيْـرٌ هَـاجَـهُ نَـغَـمٌ=وَقَـدْ تَـرَنَّـمَ فِــيْ الـجَـوْزَاءِ وَالـغَـارِ
قُـدْنَـا الــوَلاءَ وَعَـيْـنُ اللهِ تَحْرُسُـنَـا=وَالـغَـيْـثُ قُـدْوَتُـنَـا بَـحْــرٌ بِـإِعْـصَـارِ
فِيْـنَـا الإِبَــاءُ بِـحُــبٍّ ظَـــلَّ يَـغْـرُسُـهُ=خَيْـرُ الأَنَـامِ بِهَـدْيِ الخَالِـقِ البَـارِي

متى أنبضك في القدس قصيدتي }

دَعْنِـي أَقُـدُّ مِـنَ الآمَـالِ أَشْعَـارِي نَارِي تَلَظَّتْ مِنَ الآهَـاتِ يَـا جَـارِي
إِنِّـي أَقُــدُّ مِــنَ الآمَــالِ مَلْحَـمَـةً وَمْضُ الحُرُوْفِ وقَدْ ضَاءَتْ بِأَحْبَـارِ
نَبْضِيْ يَسِيْرُ عَلَى البَيْضَاءِ يَسْبِقُنِي يُـضـيءُ كَـوْنِـيَ أَنْــوَارَاً بِـأَقْـمَـارِ
جِئْتُ الحَيَاةَ وَرَحْـمُ الهَـمِّ يَلْفظُنِـي لِحُضْـنِ أُمٍ مِــنَ الـوَيْـلاتِ وَالـنَّـارِ
متى أنبضك في القدس قصيدتي...
يا لروعة هذا النبض الحي الذي يقدم للقدس خريدة جمالية
كيف لا والقدس نبراس العروبة ونبع العزة والرفعة وأرض الرسالات والأنبياء..
متى أنبضك في القدس...جاءت هنا ..كلمة النبض تنحت الصخر الأصم والقلوب المتحجرة .. والأعين المفقوءة..والخطى المبتورة.. ووحل الخيانة لمن تمرغوا بالطين..
جاء نبض الحرف مناديا مجاهرا صادحا ..يشق أثواب الآمال ليفتح أفواه الكلام ويشق أدران الصمت ..فلن يجدبنا من الصمت إلا الذل والعار..ولندع للحروف أن تجاهد بنصل الأشعار ..لعلها تحرق من نارها ما تمده الأحبار من نور الجرأة وصدق المقال...لعل بالنبض يحيي من عتمات النفوس ما يسير بها على المحجة البيضاء..والتوضؤ من ماء العقيدة والصلاة في محراب القدس متطهرا من رجس المحتل...
يبدأ الشاعر قصيدته بكلمة..دعني ..هذه الكلمة جاءت وكأن هناك صراع ما بين جهتين
لتكون الكلمة في مكانها بالضبط..تعطي أجواء مشاحنة سلبية ..وما يؤكد ذلك قوله..أقد من الآمال أشعاري..ويكمل ..ناري تلظت من الآهات يا جاري..هنا المحادثة مع من يجاور القدس وفلسطين من الدول التي تغفو من صمت على وجع القدس عاصمة الأمة المكلومة..كلمات تتقد نار النبض أن يتجمر بالألم على هذه البقعة المقدسة ..
الشاعر يستعمل فعل الأمر..دعني..وهذا يدل على رفض الركود وسبات الحراك في قضية القدس وفلسطين...وهذا الفعل هو انطلاقة نحو نوافذ الشاعر فيما يخطها لاحقا...وفعل الأمر دعني..كأنه يقول ..دعني وشأني أقد من الآمال أشعاري...ثم
يستعمل فعل الماضي في محله المحكم بقوله..ناري تلظت.. وتوظيف الماضي للفعل هنا..يستشهد به الشاعر ليقول أن الألم والنار تلتهب في النبض من زمن بعيد دون اكتراث من الجار الذي لمح له الشاعر عن أفراد هذه الأمة المتقاعسين عن نصرة هذه الأرض..وفعل المضارع المستمر ليومنا هذا بقوله..أقد من الآمال..نبضي يسير..يسبقني..يضيء..يلفظني..كلها أفعال مضارعة استشهد بها الشاعر بفطنته وحرفيته..ليقول لنا أن الحدث مازال قيد الإشتعال..أفعال المضارعة كثيرة قياسا على فعل الماضي والأمر.. وهذا يدل على الاستمرارية فيما يخصنا به الشاعر من لوحته النفيسة هذه..
استوقفتني هذه الصورة المبهرة الساحرة والتشابيه التي تكورت بجنباتها وفاض الخيال عبرها يفتح أجنحته لتتناسل الأفكار من وحيها..إذ يقول وهذه الصورة البارعة النسج المتقنة في رسم الوجع واستمراريته..
جِئْتُ الحَيَاةَ وَرَحْـمُ الهَـمِّ يَلْفظُنِـي لِحُضْـنِ أُمٍ مِــنَ الـوَيْـلاتِ وَالـنَّـارِ
الرحم هنا كلمة لها دلالات عميقة ورمزية لولادة الهموم والآلام...أما أن يكون للهم رحم يتناسل هموما ويلد منه ما يلفظ لحضن هذه الأمة هذه القدس التي منذ ولادتنا وولادتها ورحم الوجع ينجب الويلات والنار بين جذورها...
ما أجمل وما أروع هذه الصورة الشعرية الفذة والتي لا تقف المعاني عندها بل تتناسل أفكارا وخيالا لا حدود له...
قمة الجمال هنا وقمة الإبداع لريشة هذا المحترف الشاعر الذي يدفق عينا الحروف من قوى حسية مفعمة بالمشاعر النابضة الحية...
ويكمل الشاعر...
نَحْـنُ الَّذِيْـنَ بِنُـوْرِ الحُـبِّ أَشْرَقَـنَـا حَتَّى نُنِيْـرَ عَلَـى المَعْنَـى بِأَشْعَـار

نَحْـنُ الأَمَاجِـدُ أَشْــرَافٌ وَعِتْرَتُـنَـا أَخْيَـارُ قَـوْمٍ وَقَــدْ سُـدْنَـا بِأَخْـيَـارِ

فِيْ كُلِّ حَـرْفٍ تَـوَارَتْ خَلفنَـا أمـم *وَنَسْلُ عِزَّتِنَا سَيْـفٌ عَلَـى العَـارِ
منذ ولادتنا والهم يخيم محرابها..نلوذ لأمنا كي نستعطف النصر ..وإذ بساستها يلفظ أنفاس الرجولة ..ويقذف النخوة من قلوبهم..أمة من الويلات والنار..تتنفس الوجع وتحصد ألسنة الخيانة وتجتر الويلات تلو الهزيمة..
بالرغم من أننا أمة لها أمجادها وبالحب تواصلنا وبهدي المصطفى ابتغينا العزة والكرامة.. وأضفنا للحياة معنى الخلود..نحن أمة أنرنا الكون حين كان الظلام يقدم الجهل قربانا ..وحين يمارس عقوق الجمال الكوني بعبادة الجاهلية..
حضارة لها تاريخ وجذور لا تنقرض ولا تبلى أوراقها..لكن تريد من يحافظ عليها ويرعى أغصانها لتكبر وتثمر ويزهر جيلا كمصاحف يمشون على الأرض.. سيادة الكون..كما قال الشاعر:وقد سدنا بأخيار.. منذ بزوغ فجر الإسلام كانت بين أيدي قادة عظماء حكماء مفكرين يخشون الله بأفعالهم ..فكان الله لهم راع وحفيظ لهم وعلا شأنهم في كل بقاع الأرض...حفظوا حدود الله وعملوا بها ..فحفظهم الله ورعاهم حق الرعاية التي أزهرت جيلا لم يتكرر بعد...
نحن الأماجد أشراف..وكنا سادة هذا الكون وأخيارهم..إذ فتح الله من القدس
باب السماء لتكون ممرا لعبور الضوء على الأرض..لتكون لهذه البقعة شرف التقديس
إذ كانت خطوات المصطفى من الإسراء من بيت الله الحرام للعروج منها للسماء..
لتكون طقوس التوحيد وتراتيل الصلاة من عمق السماء.. هي تلك الأرض التي اتصلت بالسماء ..أولى القبلتين..وعروج نبي الهدى عليه الصلاة والسلام منها للسماء ..وقد سماه الله مباركا (المسجد الأقصى) في مطلع سورة الإسراء :"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله.لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"..لأنه مقر الأنبياء ..وقبلتهم..ومهبط الملائكة والوحي.وفيه يحشر الناس يوم القيامة..وله من المكانة العظيمة ما كان ترجمة نبويةكريمة لمكانة هذا المسجد والبلد الطاهر..لقول نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن الإمام البخاري.."لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام
ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى"...
ألسنا إذن كما قال الشاعر الفذ في لوحته الباذخة هذه..

فِيْ كُلِّ حَـرْفٍ تَـوَارَتْ خَلفنَـا أمـم *وَنَسْلُ عِزَّتِنَا سَيْـفٌ عَلَـى العَـارِ

طَيْـفُ المُـرُوْءَةِ طَيْـرٌ هَاجَـهُ نَـغَـمٌ وَقَـدْ تَرَنَّـمَ فِـيْ الجَـوْزَاءِ وَالـغَـارِ

قُدْنَـا الـوَلاءَ وَعَـيْـنُ اللهِ تَحْرُسُـنَـا وَالغَـيْـثُ قُدْوَتُـنَـا بَـحْـرٌ بِإِعْـصَـارِ

فِيْنَـا الإِبَـاءُ بِـحُـبٍّ ظَــلَّ يَغْـرُسُـهُ خَيْرُ الأَنَـامِ بِهَـدْيِ الخَالِـقِ البَـارِي
ونسل عزتنا سيف على العار...
صور شعرية أنجبت معها سلالة الجمال والرقي .وأعطت للقدس والإسلام أعذب الأوصاف..بتراكيبه الإبداعية وبلاغة ألفاظه المتينة..وقدرته على حياكة الكلمات ببناء متين يرتكز على حرفية وقدرة في تحويل الحرف لقبلة الكلمات البارعة...ببوصلة الحس وشراع الوجع استطاع الشاعر أن يرسم لحرفه وصوره نموذج حياة لكل حرف نسجه هنا بإتقان..وبتصوير رائع لأهمية هذه البقعة المقدسة من خلال هذه الأوصاف الفنية الرائعة وبنائها المتين وتصاويره التي جسدها بلغة قوية جزلة مؤثرة حملت بين ضلوعها فنية خاصة أبحرت بنا بعيدا في عمق دلالاتها العديدة..
شدتني الأوصاف والصور هنا بقوله:
فِيْ كُلِّ حَـرْفٍ تَـوَارَتْ خَلفنَـا أمـم *وَنَسْلُ عِزَّتِنَا سَيْـفٌ عَلَـى العَـارِ
يا لروعة حروف أمتنا المجيدة التي كانت عنوان الفخر والتي كان نسلها يعتز ويشاد به
ونسل حزتنا سيف على العار..أي جمال هذا يتناسل من قلم هذا الشاعر الراقي بحرفه..صورة مدهشة معبرة عميقة ذات رمزية عالية دلالاتها على مرامة الأمة الإسلامية التي سجلها التاريخ بصمة فخر لكل الأنساب والشعوب..أمة تقطع العار ودروبه وحججه لأنها من نسل لا يقبل العار لنفسه ويسطر الأمجاد بجدارة وقوة عقيدة...هذه الصورة فيها قوة خفية عظيمة تدفع الفرد بل الأمة أن تعيد حساباتها وتبني منظومة مدروسة بأهداف بعيدة عن الأنانية والتبعية والفرق..لتعيد لها من جديد قوتها وتاريخها المشرف...ويكمل الشاعر في نهاية خريدته.. زبدة القصيدة وحكمتها ومنها ننطلق بفكرنا ونزيل منه كل الشوائب..يقول :

قُدْنَـا الـوَلاءَ وَعَـيْـنُ اللهِ تَحْرُسُـنَـا وَالغَـيْـثُ قُدْوَتُـنَـا بَـحْـرٌ بِإِعْـصَـارِ

فِيْنَـا الإِبَـاءُ بِـحُـبٍّ ظَــلَّ يَغْـرُسُـهُ خَيْرُ الأَنَـامِ بِهَـدْيِ الخَالِـقِ البَـارِي
قدنا الولاء..أي ولاء هو اليوم..شتان بين اليوم وولاء الصحابة لرسول الله...الولاء باتباع شريعة الله..باتباع قادة النور..لا الولاء للظلام وقادة العتمة..
صورة موحية لمعنى الولاء ولمن يكون ومتى كان وهل سيكون؟
رائعة فاتنة هذه الصورة العظيمة بمعانيها...
وما أروع الصورة في البيت الأخير..إذ يرسم الشاعر الإباء والعزة والكبرياء في النفس*** مجبولة بالحب حين نغمسها من عين السماء والضمير بين ظلال كتاب الله..ليحرسنا الله بظله..وهذه الخصال إنما هي من غرس خير الأنام الذي مان بهدي الله الخالق الباري...
هذا البيت الأخير ..هو من منهاج الدعوة إلى الله ولرسالته العظيمة ..وخلاصة الحلول لهذا الألم الذي ما زال يتناسل منذ تركنا دروب السماء والتحفنا المفاسد والشهوات والمعاصي ...ولن يكون ذلك إذا ابتعدنا عن دروب الجهل والتحقنا دروب النور من وحي شريعة الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام...
الشاعر الكبير المبدع القدير د.عوض بديوي ..الذي يرسم جذورا نقية للحرف بحسه الوطني وبفكر ناضج ووعي مقتدر وفهم واسع يعرف كيف ومتى وأين يغرف كل حرف له..
صورت لنا الواقع في القدس والأمة من خلال حرفك الراقي الموجع..ومن خلال عذوبة الوصف والتجسيد بتعابير دقيقة للأفكار النيرة..
دمتم وقلمكم الشامخ وحرفكم الواسع علما وتاجا في سماء الأدب والفينيق..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير
وأسعدكم في الدنيا والآخرة



النص : أغفو وهذا الشوق
الناصة : خديجة قاسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــــ

أغفو وهذا الشوق يعبث في دمي.. وأفيق من لسعاته استعبارا
ألقي عليه من التجلّد عبرة .. يلقي عليّ مواجعي استنكارا
يا همسة في النفس بوحي مرة.. أفشي حديث القلب والأسرار
جوبي المدى بجسارة علّ الصدى .. يتلو القصيد يرتّل الأشعار
لا تركني للآه تحبس مهجة .. في قيدها وتسلّقي الأسوار
فلعل فجرك خلف ليل ظالم .. مدّي اليدين ومزّقي الأستار
هيهات عتم يغلب النور الذي .. بدعاء صدق يصنع الأقدار


القراءة :
ــــــــــــــــــــــــــ

ما أجمل هذا البوح وما أعذب ما فيه من معاني ..وما أطيب هذه الروح التي فاضت بالجمال ورقي الحرف..
برغم ما تحمل الحروف من وجع ..وبالرغم ما تفيض الروح من هم..
إلا أنني أرى بصيص النور بين أنانل قلمك وهو يختم القصيدة بقولك..
هيهات عتم يغلب النور الذي .. بدعاء صدق يصنع الأقدار
سيبزغ النور من أفواه الصدق عند الدعاء وتراتيله في محراب الله..
قصيدة عذبة الألفاظ ..متينة البناء ..موسيقاها تطرب الروح..
وصورها استحوذت على الذائقة ..وعمقها تلقفها الخيال في فسحة الذاكرة وعلو الفكر..
أغفو وهذا الشوق يعبث في دمي.. وأفيق من لسعاته استعبارا
يا لروعة هذه البيت وصوره التي أسرني جمال معانيه وقدرة الشاعرة على بنائه المتين..
أغفو...وأفيق..تضاد عكس في الروح جمال جذاب ..ونحت في القلب الوجع..
أفعال المضارعة في القصيدة ..يمنحها الحراك ويساهم في الإستمرارية في الحدث ليفيض منه قواعد عملية للتجديد والتغيير..باختلاف الأفعال الماضية الراكدة..التي تبقى في حدود الحدث...
الصورة الشعرية والأوصاف في هذا البيت ..ساحرة وجلدت ذاكرتي وجعا لأبعد مدى..
حيث تم إكتمال البهاء بين زوايا البيت ..من خلال تصوير الوجع بصورة عميقة وبلغة فذة..فالشوق كان العامل المساعد في تحريك الإغفاءة لعملية النهوض من السبات الذي اختلط فيه الألم..
جعلت الشاعرة من وصف الشوق أن يبلغ مداه..حين وصفته بأنه يعبث في دمها..
وهذا من أجمل الأوصاف الدقيقة التي تعبر عن قمة الوجع..
ثم تكمله وتكمل الصورة بنظم بديع قد أثر في النفس وذرفت معه الدموع ..
حين أكلته بقولها..وأفيق من لسعاته اعتبارا..الله ما أجمل هذا الوصف البليغ..
وظفت المضارع لأنه ما زال ينحت فيها الهم والألم..ووظفت كلمة لسعاته ..لتصل لقمة ودقة ما تبغيه من حس عميق يجلد روحها...ثم تكمل مع هذا النزف البليغ بقولها..
ألقي عليه من التجلّد عبرة .. يلقي عليّ مواجعي استنكارا
الله يا لهذه الروعة في البناء والعمق..حيث تكمل للوجع ما تحمله من صبر ..بكلمة التجلد..وهي تقع بين الصبر وبين محاولة الصبر بالتصبر..حتى تتيح للروح أن تهدأ وتستكين..لتعاود المواجع تستنكر عليها الصبر..وتعاود إثارة القلق ووخزات الشوق التي تنحت الروح ألما..
لغة ثرية وأوصاف عذبة .. وتكمل جمالية البوح عند مناداة النفس والحديث معها ..
فالحديث مع الذات هو نقطة تحول وبداية تغيير من خلال تجاويف الذات ومحاسبتها وتهذيبها..
ففي كلماتها الماتعة تقول..
يا همسة في النفس بوحي مرة.. أفشي حديث القلب والأسرار
جوبي المدى بجسارة علّ الصدى .. يتلو القصيد يرتّل الأشعار
لا تركني للآه تحبس مهجة .. في قيدها وتسلّقي الأسوار
هنا للذات أيقونة خاصة وفلسفة راقية..إذ تجعل من ذاتها بؤرة حراك أدبي فذ وجميل..
ويجعل للمتلقي أن يحمل تراتيل عذبة للروح..تدعم عملية التغيير وتساهم في عملية المحاكاة الذاتية لغرس الأثر البليغ في النفوس...
تطلب من الذات أن تفضفض عنها ما علق بها من علق وأسى..ليس إلا لتجعل الراحة والأمن الذاتي أت يستقر فيها ولتنزع براثن الحزن من بين جدرانها...
فقولها..ياهمسة في النفس..أفشي..جوبي المدى..لا تركني للآه..وتسلقي الأسوار..
كل هذه الألفاظ هي عملية تهذيب للنفس وإيداع مقومات ومناعة ضد أي هجوم خارجي يمكنه أن يزعزع النفس عن قواعدها الثابتة..
وهذا يدل على قوة النفس والقدرة على تمكينها من السيطرة على كل ما يمكنه أن يغير معالمها...
هنا يظهر ذلك الصراع الذي يكمن في النفس وفي كل نفس..والغلبة تمون حسب القدرة والقوة أو الضعف...
صراع بين قوى داخلية وقوى خارجية..كالصراع بين الخير والشر..والغلبة للجانب المسيطر أكثر..
وهذا يعكس صورة الشخصية ومعالمها..ومن خلال هذا الصراع نستطيع قراءة الشخصية وتحليلها ومعرفة عمقها وطريقة تفكيرها...الصور التي رسمتها الشاعرة كانت مرآة لكل ذات تتصارع فيها هذه القوى..
صور بليغة بديعة متقنة جدا جدا..
وفي أخر قصيدتها قالت:
فلعل فجرك خلف ليل ظالم .. مدّي اليدين ومزّقي الأستار
هيهات عتم يغلب النور الذي .. بدعاء صدق يصنع الأقدار
يا سلام على الجمال هنا..وهي تحمل سلال الأمل وتبثها في الروح لتقنعها فيه..
فلعل فحرك هلف ليل ظالم..ما أجملك هنا وأنت تمدين اليدين لتخرجي النور والفجر المضيء وتطلبي تمزيق الأستار ليظهر للعيان..
أفعال الأمر هنا..مدي .. ومزقي...كانا عملية عدم خضوع للظلم ولا للظلام ..وعدم الخضوع لواقع مؤلم..هما أفعال لا تقبل التأجيل..وتساهم على السرعة في الحدث للأوامر الموجودة فيه..
فكان من فعلي الأمر هنا ..هو تلخيص شامل للقصيدة وعبرة وموعظة وحكمة بليغة ..بأن نقوم بأنفسنا بعملية التغيير في النفس والواقع..وتحضرني قول الله تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"الرعد11
....
الشاعرة الكبيرة المبدعة الغالية خديجة قاسم
هنيئا لنا بهذا البوح الجميل والأوصاف العذبة والصور الحية التي حاكت الذات بحس ومشاعر صادقة
تدل على براعتك وعذوبة المعاني وجزالة الألفاظ ..
وملكة التصوير وروحك النقية..حيث أيقظت العواطف بلغتك التصويرية..
بورك مدادك الراقي وقلمك المدرار
وفقك الله غاليتي وأسعدك وزادك علما ونورا وخيرا كثيرا



النص : أدب.... ولكن
الناص : ياسر سالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــــــ

قلت يوما ..
قبيح ان تكون غاية الشاعر والناثر من الشعر والنثر هو التلون بلون الأنثى
وما أكثر هؤلاء (الرواد) في كل واد ..
وقبيح جدا ان يوقف الأديب شعوره وجُل نِتِاجه على استمالة الأنوثة
.والتمسح بنعومتها والانتماء لعوالمها .. بكلمات رخوة مائعة
لا تصلح ان يقتنيها رجل قد تحققت فيه أمارات الرجولة ومعانيها
وأقبح من ذلك أن يهدم الشاعر والأديب (الوطني) دينه ؛ ليبني لمريديه وطنا
لقيطا يعبده كدين جديد لا نعرفه .. يسكب ( بحرارة مُدّعاة) عبراته اللامعة على أعدائه الذين سلبوه ...!
ثم يتمنى أن يطول السلب حتى لا يتوقف سيل قصائده الباكية
يملأو ن الأرض من كثرتهم .:. ثم لا يغنون في أمر جلل
طم بهم الوادي ... وهملجت بهم البرازين .. وتلونوا كلبؤة ملأت وجهها بالأصباغ من كل لون ..
وأقبح الثلاثة ذلك المشاهِد الغَّر الذي يمجد هذين الصنفين
ويختزل فيهما صنوف الإبداع ومخايل الفن ومواكب الجمال
إن هذه الجماهير الداجنة هي الوقود الذي يُسيّر عجلات الآبقين الأدباء ...
أولئك الحمقى الذين تنكروا لقيم الحق والخير الجمال ... فمسخوا تلك القيم مسخا شائها ..
وبدلوا جلودها وحادوا بمعانيها عن مقاصدها .. وحشروها بواد غير زرع
إن الفساد الأدبي الذي انكمش منه العلامة محمود شاكر رحمه الله
والتزم قرار بيته لعقود طوال ؛ لا يقل عن الاستبداد السياسي بل يزيد ...
و يحتاج إلى ربيع عربي ، بل وخريف وصيف وشتاء ..
فالقصف الذي يدمر البنيان يمكن معالجته بالمال إذا توفر
ولكن القصف الفكري الذي يعيد تشكيل الذهنية المسلمة على مقاسٍ غربيٍ متحلل بغيض ،
يحتاج الى نبي ليصلحه ويعود به إلى سيرته الأولى ..
اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد ...
وأعد إليها هويتها ؛ لتعود إلى تالد عزها وسالف مجدها
واللهم تمم نورك ... ولو كره الكافرون..


القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــــ

عنوان جذاب لبحث مراميه والتنقيب عن أسراره.. تحت نصل الفكر المحشو بخليط من غزو وتهجين وطمس لمعالمه الحقة ...
أستاذنا الكبير المبدع .. وضعت هالة فكرك على الوجع الذي يركن في زاوية فكر هذه الأمة.. التي تناثرت فيه الوحدة .. وتساقطت سيادة الحق فيها .. وانجلت من ولاة أمرها الحكمة والدراية في بناء أسس متينة .. وطمست فلسفة تربوية يمكن من خلالها أن تنبثق أهداف التربية ومناهج تؤسسها وتعمل لها أساليب ووسائل لتوطيد علاقة الفرد في التربية ضمن فكر تربوي يحمل من مظاهر العبادة ما يكون رادعاً لها من أي غزو أو تفكك أو انحلال.. لأن في تكامل مظاهر العبادة والحفاظ عليها وتطبيق مفهومها وأهدافها حياة وإنعاش للأمة ثم طرد أي شائبة يمكن أن تعلق في زوايا الفكر الأدبي أو السياسي وغيره.. فبناء هذه الأمة اليوم على أسس هذه المظاهر أصبح شبه مستحيل .. منها المظهر الاجتماعي .. والشعائري وارتباطهما بالكون الذي هو مدخل للتقرب لنقاء الفكر وتجليه في سبحات الخالق والخشوع أثناء التدبر بعظمته.. مما يثمر من تنفيذ هذه المظاهر ما يعمل على توازن النفس وعدم تخبطها بأية سلوكيات شاذة في اعتناق مذاهب وأفكار دخيلة تذهب صفاء العبودية لله وتحيد عن جادة الحق.. ثم تعمل على تنقية العقل في المظهر الكوني أثناء تأدية العبادة في التأمل وعمل ما يرضي الله بتسخير الكون للعباد.. ثم في المظهر الإجتماعي حين نقوم بواجب الطاعة لله ينبثق حينها ثقافة وقيم وعادات ونظم وتقاليد ونقوم بتطبيقها وفق طاعة الله ليتمكن الأمن والعدل والمحبة أن يثمر في سلوكياتنا وعلاقتنا بالآخرين... وهذا المظهر يعتمد على التطبيق الفعلي في المجتمع لتنمو أغصان المحبة بين أفراده .. وتستقيم السلوكيات والعلاقات بين الأفراد..
بينما التربية المبتورة من علاقة العبادة وهذه كثيرا ما نراها اليوم.. مما تساهم في إفراز تناقضات عدة يعكس سلبا في سلوكيات الافراد ويفرز مذاهب وحركات تحاول خلق فكر جديد يتماشى مع هذا الفراغ العبادي الصحيح لينتج ولاءات مختلفة بلا هدف ولا فهم.. ولا وعي.. وهذا بحد ذاته قتل وإبادة الفكر النير وبتر الخشية من الله في كل منهج يمارسون تحقيقه.. وهذه التناقضات التي يصطدم بها الفرد بالبيئة المتخبطة المثل.. تفرز انهيارات أخلاقية وقلق ديني وسقوط القيم .. لذلك من الطبيعي وللأسف ان نجد ولاة الأمر منشغلون في مناصبهم والحروب المدمرة للكيان البشري والمادي.. لنجد التلف يسري في جذور هذه الأمة للإهمال الشديد في دراسة الأصول والقواعد في تطبيب بدل أن يشخصوا الداء ويبدأ العلاج من الأصول التربوية ..
فعند اضطراب مفهوم العبادة في المجتمعات وبين الأفراد.. يساهم في تشتت الفكر وتعدد محاور الولاءات المذهبية والحزبية والعصبيات المختلفة دون أن تشحذ هذا الولاء للأمة الواحدة ..
وهذا ما جعل الفكر الأدبي او السياسي أن لا يحتمل فقهاً ودراية للغزو الذي يتسلل إلى قاعدة العقل دون ردع له إذ لا رادع له من الأساس بعد تغيّب مظاهر العبادة في الفرد المسلم..
وهذا انعكاس في الأدب اليوم وإفراز أقلام لا تعي مدى أهمية الحرف الذي ينطق ويؤثر في الآخرين.. ولا يدري الفرد أنه في حدود المسؤولية والرسالة والأمانة عن كل حرف أضاعه فيما يغضب الله..
وفيما يسبب في شتات الفكر عن طريق الحق...
هو الأدب... ولكن
ولكن أن نقف أمام حمل الرسالة بمنظار الوجل والخوف والخشية من رب العباد...
هو فعلاً نعتبره زفير من أدب اليوم..لما فيه من إفرازات لا نعي أين يكون تأثيرها ..
أو أنها تنفث سموم حرف لم ندرك مداه..
....
الراقي الشاعر الكبير والأديب الفذ ياسر سالم ..
المتألق المبدع بحرف نقدره ونفخر بمداده ونعتز بحمل رسالة قويمة حقا تبحث دائما عن تحقيق ما ينشل هذه الأمة من أفكار وتنوير ... لربما كان هناك من يعمل
بحق..
بوركتم وبورك حرفكم المنشود الذي ينثر عطر الأدب أينما حلّ وأينما سكب..
لله دركم من قلم واعي ناضج مفكر مضيء .. سعدنا في الوقوف بين ظلاله وطيب ثمره..
حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم لما يرضي الله
وزادكم من العلم أنفعه ومن النور أوسعه ومن الخير أكثره



النص : قصيدة انت..لم تكتمل...
النأص : أحمد العربي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــــــ

قصيدة أنت ..لم تكتمل
................
كالبحر أنت
أو مثل شاطىء يتباهى بالرمل حينا
وصمود تجاه الموج مذ كانت سنين
نعدها كوابل من رمل
أو مثل ريح تهادى في أتون صحراء بعيدة
يوخزها الصبار مثل فجر عقيم لا يلد الا اصفرار الوقت
والوقت قبرة تبحث عن القمح في بهيم صحراء مقفرة لا ينبجس على ذراعيها الماء
ولا حتى الندى
...
يقشعر جلد الارض وانت مثل تراتيل نامت في المساء
ورغم تكرار السنين لما تستفق
تجلد ذاتك بسياط من خديعة
تمني التفس بالامال البعيدة
والبحر ذاته يشرب قهوته الصباحية على شرفة شاطئك العاري
ولا احد هناك كي يكشف تفاصيل الحقيقة
.......
انت تغرق كالمرساة لكن..
على جرف ..
او على صخر
تعبنا كي تبحر سفائنك في قضايانا المعلقة
والمعقدة مثل احجية
فشل كل ابناء القبيلة حتى في ترداها
مثل جوقة لم تتقن تفاصيل القصيدة
........
أنت وسادة للجرح
الذي ما زال مفتوحا على الاخبار
التي تصل كل مساء ملبدة بكسف سوداء لا ترى
ولا تري بعضا من مشاهدها العقيمة
...
ترجل من دمي
كي أعدّ اكواز الصنوبر التي ما زالت عالقة في عنق الحديقة
والحقيققة سفرجل لم ينضج رغم حمى الاحتراق
....
قصيدة أنت ..لم تكتمل
أو ربما لم يفكر شاعرها المبجل بعد في كتابتها
لتوصل الفكرة ذاتها لكل رعاعنا الحمقى
ولساستنا العظام
الذين يطبقون على صدر القصيدة

القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــــ

الله الله على هذا الحرف الفاخر الفذ وهذه اللغة العذبة التي لا يجيدها إلا الكبار...
قصيدة أنت..وربي إنك لم يحن اخضرارك بعد وقد سلبوا منك كل أبياتك..
ومزقوا الروي من عجزك..كيف لها أن تكتمل وفي أحشائها من يفتت الرباط ويفكك الجذورها ...
بقضم أعمدتها وتبيس أوراقها..فهل أنت مازلت كالبحر بهيجانك ...
أو علموك الهدوء والصمت وهم يبحرون بسفن سلاحهم..
هل أصبحت للرمال الصفراء عقيم..أو تبثين غضبك الصامت..
أما تدركين أن الوقت قد باع عقاربه للأفاعي والتماسيح...
وأنك تنامين وتصحين تطرزين لليل عتماته وللضمير تبتاعين هويته بين الذئاب...
أيا أنت لم تكتنل لوحتك بعد..وقد خلطوا ألوانك الزاهية بالسواد...
كيف ستعلقين الحقائق على شرفات الأفواه وأيديك باتت بالعراء عارية..
حاولنا أن نعزف لك ألحان الخلود في انتهاء القصيد..
ففوجئنا أن أبياتك قد جدلوها ضفائر من الدماء سالت على ثرى حلب والشام ودمشق ..
أين هم الذين يغرزون نصل ظلمهم بين أشلاء الأبرياء..
لنعلقهم على المشانق فوق بوابة الوطن...
أين هؤلاء الساسة اليوم الذين يبيعون الإنسان للروس وللمنافع الذاتية ..
أين هم من الله الجبار..
تبا لهؤلاء الزعماء والقادة الذين يتاجرون بوطنهم وأبنائهم مقابل عرض من الدنيا..
تبا لهم والأشلاء البريئة ممزقة وملقاة على الشوارع لا تجد من يواريها التراب...
أين أنتم أيها العرب .. هل عميت الأبصار وأقفلت الصدور ..
وبترت السواعد وكسرت الخطوات ..
هل غاب فينا خالد وعمر والمعتصم والجراح وصلاح الدين..
أين أنتم يا سفاحين ومجرمي الإنسانية..
هل سيغفل عنكم الله وقد وعد بالنصر..وأن هذه البلاد لا يعمر فيها ظالم..
لا نريد أماكن ولا ولا مناصب نجلس عليها حكاما وجلادين..
نريد قصيدة تكتمل بالإنسان وتحيا بالضمير..
.........
الأستاذ الكبير الأديب الأريب المبدع أحمد العربي
لقد شربنا من حوض حرفكم المبدع ماء مكوثرا نقيا عذبا***
ولمسنا جمالية قلمكم المبدع كيف تجدلونه بسحر الحرف ودقة الأوصاف ..
وقدمتم صورا مؤلمة تفطر الروح من وجعنا على هذه الأمة المكلومة..
كتبت برمزية عالية ودلالات راقية ..
إسقاطا على ما يحدث على ثرى هذه الأمة..
التي ما زالت تنزف الخيبات وانعدام الساسة من قلة إنسانيتهم وتجردهم منها..
أي قلوب هذه التي ترى الشهداء بلا غطاء ..فقد قالها الله سبحانه ما أعظمه..
" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون"َ(74) سورة البقرة...
فقد صدق الحق في وصفهم...
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)*الفرقان...
الأديب الكبير أحمد العربي..لحرفكم جماليته الخاصة ..
وإبداعكم حروفا لا تنتهي من السحر والرقي ..
وقوة اللغة وعمقها الذي يأخذنا بعيدا في خيال خصب يخضر عند كل قراءة..
دام قلمكم المدرار الوارق وألفاظكم البديعة المتينة البناء..
وفقكم الله ورعاكم وحفظكم لما يحبه ويرضاه
وحفظ الله سوربا الحبيبة وكل* الوطن في أي مكان
ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل بساستنا الظالمين..



النص : أميرة
النّاصة : عبير محمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

أميـــــــــرة
فى حبهـــــــــــا وحلمهـــــــــا
تملكُ قلباً يذوبُ في أعماقِه الحب
تسكنها انهارٌ من المشـــــــــاعر لاتنضب
ومن الوفــــاء صنعت جســـرا فوق هضاب الاشواك
اسيرة صمتها .. سجينة دموع تتحدى بشموخها الضعف
دموعها متمرّدة... أبيـــّـة
فهي إمرأة بضعفها قوية
عشقها وحبها سر هروبها بين أروقة الصمت
عزفت على أوتارٍ ممزقةٍ لحن الحب
سجنت قلبها في شرنقةِ وحدتها
مملكتها
مملكة الاحساس الفيروزيه
تعزف لحن الهوى على أوتار الوجد
تذوب شوقا لشـــعاعِ شمسٍ يُدفىء الاحساس
ويحتوى بشفافيته الروح والقلب
مُلهـــمـــها القــــــــــــــــمر
تعزف سيمفونيتها على أجمل وتــــــــــــر
ترسم أحلامها المجنونة كقطرات ندى
عندما تُقَبّل بعطرها أوراق الشجر
تعيش حالمة مُحلقة فوق السحاب
تسكن عالماً تهواه .. تعتنق مفرداته .. ترسم ملامحه على بيارق الهمسِ
عالم فى الخيال اسطورة
تعزفه أهزوجة عشق ... لكنه ســــــــــراب
تبحث عنه وتذوب أحلامها بين أمواج بحره
تحب وتعيش أسيرة َعالمه الجميل
عالم ليس له على الارض مثيــــل
تسكنـــه الملائكــــه وتحرســــــــــه الحور
جداره وفاء وسماؤه ورود ونـــــور
من يعرفها عن قرب
سيغزل من نظرة عينيها
شعاع حب وكبريـــــــــــاء
هي فى العشق أنشـــــــــــودة
ولحن تائه بين روابى الهمس ..يعزف أرقى النغمات
تسكن بحراً هــــادئاً بلا أمــــــــواج
نسيم الهوى يداعب صمتها
لتجد نفسها أســــــــيرةَ عشـــقٍ
شاردٍ حـــائرٍ
تــــــــــائهٍ... سابحا مع نجوم السماء
هي لغزٌ غامضٌ تلاشى ســــــرّه فى أحضانِ الصمت
يعانق القمرَ كل ليلةٍ بصهيل الكبـــــــــرياء

القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ

أميرة...وأية أميرة هذه...
وهي تملك مملكة من المشاعر والأحاسيس..
يا لهذه الأوصاف التي نبعت من القلب المليء بالحب...
والتي تسكنها مشاعرا لا تنضب أبدا...
وضعت الأديبة هنا أوصافها وصورها المبدعة ..
على مرآة حبها التي عكست سلالا من الوفاء ..
وجسورا من الأحلام ..داست عبرها على الآلام وأشواك البعد..
مرآة حبها ترمز إلى أزهار روحها..
التي غمرت أحاسيسها بدفء العشق ..وندى الحب ..
وهنا استطاعت الأديبة أن ترسم صورها السحرية ..
من خلال ذوبان المؤثرات الذاتية في تراكيب اللغة..
لتخرج شهدا عبر ألحان الهوى ..
وهي تعزف سيمفونية الوجد على أوتار القلب...
لتأتي بلغة عذبة أطربت كل المشاعر..
وترسم للروح أعذب بوح يحرك أبعاد النفس..
وهي تتجلى في تفاعلها مع المفردات اللغوية ...
وتطويعها في قالب إبداعي جمالي متين..
مما أبهر المتلقي وهو يرتشف من عناقيد هذا البوح الرقيق...
الروح هنا تندمج بشكل كلي ..
مع الرموز التي ترمي إليها الأديبة ...
لتتفاعل وإحساسها مع تراكيب اللغة وإحساسها المفعم بالشوق والحب والحياة...
فهي تعيش في نطاق ظل بوحها..
وهي تترجمه وفق لغة سلسة عذبة ذات رونق بديع ..
امتلأ بفصاحة وبراعة في تجسيد أوتار القلب..
وهو يتراقص على ضفاف القلب ...
ويعزف ألحانه بموسيقى أطربت المتلقي..
الأديبة هنا تغلف أفكارها وتثبتها في نفس المتلقي...
عن طريق رسمها لهذه الصور البارعة المتقنة..
التي تدل على قدرتها في تطويع الحروف ..
وبراعتها في ترتيبهم....وشحن الألفاظ بالدلالات المعبرة..
التي تقع على ذلك الأحساس العميق بالذات ..
وما يتراكم فيه من مشاعر رسمتها بأنامل قلبها الغض...
ويبقى لحروف أميرة الإحساس عالمه الخاص ..
الذي يفيض من شهد القلب ما يروي الذائقة من جمال وألق وإبداع...
أميرة الإحساس الرائعة الراقية المبدعة
أ.عبير محمد
لحرفك قناديل مضيئة من الجمال...
ولروحك العذبة أجمل المعاني الرقيقة الشفافة..
ولقلمك السمو والقوة
عزفت لنا ألوانا من الجمال
وغرد حرفك أعذب الكلام
فكان أمام أعيننا لوحة فنية مبهرة
مطرزة بالرياحين والزمرد
سعدت بين أنامل قلبك ...
وهو يضم جنات من عبق الروح
وفقك الله وأسعدك لما يحبه ويرضاه
وزادك خيرا ونورا كثيرا



النص : ما عاد وعدا
النّاص : احمد المعطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

كلُّ السَّحائبِ مرّتْ فوقَ تينَتِنا
لكنها أكلتْ من تينها وكفى
لم تسقِ جذرا ولكنْ ضلَّ ممطرُها
مرَّتْ مرورا وكان الهَطْلُ مُنْحرفا
"بلفور" أوْمَأَ لكنَّ (الألى) منَحوا
وتينَةُ اللُّدِّ (خسْفا) لم تَعُدْ هدَفا
واللُّدُّ كالقدْسِ يوما منْ مآذِنِها
اللهُ أكبرُ في الأسْماع قدْ هتََفا
بغدادُ عاصمةٌ (أخرى) وقدْ سُقِيتْ
نارَ الوَقيعةِ والميزانُ قدْ نُسِفا
"بلفور" يلعَبُ والعرْبانُ في يدِهِ
ما ماتَ بل سادَ في الشطرْنْجِ محترفا
هذي البيادِقُ في كفيهِ لمْلَمها
صارت مقسمةً في جيبه غُرَفا
هنا الجنوبُ عن السودانِ مزَّقَهُ
و"دارَفورُ" على الأعقابِ منْعَطِفا
قلبي على يَمَني واللِه "يأكُلني"
والنارُ تنهشُ والصومالُ قدْ خُطِفا
لبنانُ يلهَثً والأخطارُ محدقةٌ
حدِّثْ بلا حرَجٍ في شامنا طُرَفا
ما كانَ بلفورُ في الحُسْبانِ لو وقَفوا
كالسدِّ لولاهمُ الطوفانُ ما جَرَفا
ولا تجرّأَ كلْبٌ أن يُناكِفَنا
على ترابٍ من الفردوْسِ قد قُطِفا
لكنهم مالأوا بلفورَ وانجرَفوا
وها هو اليومَ في أحداقنا وقفا
"بلفور" في دارنا يُملي ومكتبهُ
يحتلُّ من رقعةِ "الصالون" منتصفا


القراءة
ــــــــــــــــــــــــ

ما عاد وعدا...
قصيدة من لب الحدث الذي مازالت آثاره تستنسخ في كل بقاع الأراضي العربية .. ماعاد وعدا محتكرا على المحتل الظالم المستبد في أراضينا والذي قهر الأرض قبل البشر.. أن وضع اقدامه المدنسة على ترابها الطاهر.. أصبح معمما.. وكرتا ممغنطا بين أيدي حكامنا الذين يضعون رقابهم تحت سيوف الغرب ومصالحهم الذاتية ومطامعهم المركزية ومناصبهم العاتية..
ماعاد وعدا.. في أرض واحدة بل سالت خناجره لتجتث الأرض والفكر والبشر من أنفسهم .....
وعد بلفور المشئوم كان بداية انطلاقة نحو زحف لكل البلاد العربية وقد تحقق من غسل دماء هؤلاء الحكام الذين لا يرون إلا ذواتهم وانحناء وركوع للغرب المهيمن والمسيطر ..
....
الشاعر المبدع قدم لنا هنا ملخصا للأمة العربية وما جرى فيها من وعود بل تنفيذ لبنود ذلك الوعد الأسود..
لقد قدم الشاعر هنا خارطة التقسيم والتمزيق التي انتشرت بين أغصان الوطن الواحد .. ابتداء من فلسطين وانتهاء بالصومال وسوريا والحبل على الجرار فيما تبقى..
سياسة ممنهجة منذ أن وطئت أرجل المحتل على أرض فلسطين..
سياسة لتمزيق الأوصال العربية والإسلامية حتى لا تقوم لها قائمة.. ولا ينبت لها جذع أو بذرة..
والأنكى من ذلك الدرس المغناطيسي ونومه العميق لحكام تسلموا زمام الحكم بالخيانة والتسلط والقوة والتزييف..
والشعب يقاوم بشدة ويحرك دماءه لعلهم يصحوا من السبات والتخطيط المبرمج على نسف الوجود الإسلامي خاصة والعربي عامة...
يبدأ الشاعر قصيدته الساحرة نظما والعميقة دلالة وبعدا..
كل السحابات مرت فوق تينتنا لكنها أكلت من تينها وكفى
لم تسق جذرا ولكن ضل ممطرها .... مرت مرورا وكان الهطل منحرفا
بلفور أومأ لكن منحوا وتينة اللد خسفا لم تعد هدفا
لكن البوصلة وجهت عقاربها للقدس وللاقصى بزعم هيكلها.. اخطبوط يمدد أذرعه لحصد أكبر عدد من السيطرة على الأراضي وقمع العربي من بلاده..
واللد كالقدس يوما في مآذنها... الله اكبر في الاسماع قد هتفا
لكن هيهات أن يظفروا بشرف قدسيتها وبقاعها المباركة إلا على الأجساد والأرواح...
ينتقل الوعد سيرا نحو بغداد .. ذلك الجرح الذي ما زال ينزف في القلوب للتلاعب بين أفراده والتلاحم البغيض الذي كان يتقد من الغرب لتهييج نزاع طويل بين فئاته ليصرفوا نظر الشعب عن كنوزهم للإستيلاء على ثرواتهم...
بغداد عاصمة وقد سقيت ... نار الوقيعة والميزان قد نسفا
بلفور يلعب والعربان في يده.... ما مات بل ساد في الشطرنج محترفا
بلفور الذي يمزق أوصال الوطن الواحد.. ويعيد استقراره وعرشه المكين بين كراسي الحكام .. ينزع منهم الملكية ليتمتع بها هو ..
ثم ينتقل الشاعر الى السودان واليمن والصومال..ولبنان...
أبيات شعرية محترفة النظم عميقة المعاني..
لينهي الشاعر حكمة من فكره الكبير الناضج الواعي
ما كان بلفور في الحسبان لو وقفوا..... كالسد لولاهم الطوفان ما جرفا
ولا تجرأ كلب أن يناكفنا ... على تراب من الفردوس قد قطفا
لكنهم مالأوا بلفور وانجرفوا... وها هو اليوم في أحداقنا وقفا
هذه زبدة القصيدة والحكمة النفيسة وضالة المؤمن لو عمل بها
إلى متى سنبقى في تعتيم كامل لقدراتنا وتوحدنا
إلى متى سيبقى الوعد حيا .. وباستطاعتنا مجابهته لو كنا بيد واحدة
لكن لن يكون ذلك أبدا طالما استغنينا بقوانين الأرض وشريعتها عن قوانين السماء وشريعة الله
لن نتوحد دون لواء الله والعمل بمنهاج الشريعة الغراء
سنعود ما عادت الخشية والعبادة والأعمال الصالحة والبناء الجديد بأسس جديدة وقواعد متينة تحت شعار رضا الله والعمل بالثوابت الممنهجة في بناء مجتمع متكامل قوامه مخافة الله.. ودستوره السماء..
لم تدرك العرب أن التمزيق ليس تمزيق حدود وأراضي.. بل الأدهى والأمرٌ من ذلك تمزيق الفكر والوعي وغسل العقول بدخوله في بيوتنا ومجتمعنا واوصالنا.. حتى تمزقت الاجتماعيات بيننا وأصبحنا أعداء أنفسنا.. وهذه أعظم حكمة قرأتها هنا والذي سطرها قلم المبدع الكبير أحمد المعطي..
بلفور في دارنا يملي ومكتبه.... يحتل من رقعة الصالون منتصفا
.....
في هذه القصيدة المبهرة..
استعمل الشاعر عناصر اللغة المتينة ..من فصاحة وبلاغة اهتزت من عمقها النفوس ..وعكست صدى صوت الوطن الجريح..وعبرات الأمة التي سالت على خد ثراها المغتصب..من تلك القوانين والدساتير التي فرضوها بالقوة على بلادنا المكلومة..والأفواه مازالت مغلقة ...
الشاعر رسم هنا الصور بحرفية وإتقان...اندمجت اللغة بتراكيبها وفق مؤثرات النفس الذاتية والبيئة الخارجية التي رمز لها الشاعر بواقع هذه الأمة كلها..
تجسيد متقن لصور الواقع الذي صوره الشاعر وعمق فكره ..بسبك متين وصور بارعة النسج والنقش على جبين أمتنا النازفة...
رموز تحمل بين طياتها أبعادا الحزن والسياسة التي لعبت في قلب الموازين لهذه الأمة لتكون بين بطش الجبابرة..فقد منحنا الشاعر من حرفه عملية البحث والتنقيب لكشف أسرار ما وراء السطور من أبعاد تأويلية تمنح الخيال بالإنسجام مع الفكر العميق والدلالات المتنوعة والتي تلامس الواقع المؤلم ..وانسجام فكره والمفردات التي عرت الحدث وكشفت سواد الأفعال...
القدير الكبير القدير المبدع الشاعر أحمد المعطي
لله دركم على لوحة الإبداع والجمال التي علقتموها على جبين الوطن العربي كله وتستحق أن تثبت على خد كل بلد لتكون عبرة للكبار وولاة الأمر .. وتكون صحوة للقلوب التي تشققت وتمزقت دون وعي وإدراك للتخطيط المدروس..
لوحة ماسية تلمع أحرفها قوة في اللغة والنظم وعمقا للمعاني والأهداف ..
بورك بهذا الحرف الكبير الذي لا ينسجه ولا يقدر عليه إلا كبير حرف وفكر وعلم..
وفقكم الله لمزيد من العطاء المثري والمثمر ..وجزاكم الله كل الخير ورعاكم حق رعايته..
دمتم للكلمة الحرة ودام قلمكم ثائرا غيورا على هذه الأمة التي تنزف وجعا...



النص : قادمون .. يا نينوى
الناص : عباس باني المالكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

قادمون .. يا نينوى
ما كانت الحافات المضيئة
سوى جناحي النسر الذي هوى وحيدا
ليعيد العدم من زمن الرماد
ينثر الأسماء المحفورة فوق الأضرحة
لتحرق بغداد أثوابها المفخخة بالنار
تحمل طعم الوطن الذابل من أعراف
قبائل قريش ... في رحلة الشتاء والصيف
الدرب لم يعد سالك للشام والعراق
هولاء المنقرضون لم يغادروا أثواب الأصنام
دولة الرب...؟؟؟؟
وحكايات تاريخنا شاخت في
مدننا تقتل فيها الشوارع بدم أرصفة الله
ما عاد الليل رحم النهار
كي يعود متفردا بالضوء...
وهناك نينوس يحمل سيف صدأ السنين
وسمير أميس تسبى عند أكتمال شبق القمر
في قوانين القبيلة ...
مشيمة السماء تسبح فوق تيجان النخيل
الذي ظل يرضع من تمره
حين جفت خلايا الماء في الوطن
هي الأماني تسرح بذاكرة أقفال الجفون
في زمن أغمض عينية على حضور الخليفة
لتأتي دولة الأسلام ..
وأبرهة مازال يحشد تاريخ البحر على أبواب قريش
ليأتي بأوثان الفيلة ..
السبايا لا يأتيهن الأمل عند أبواب سنجار
وفحل الظلمة نام في عيون أمراء الرقاب
هل نام حراس الرب على أبواب الخرافة
والموت المر في بطن حوت العراق والشام ؟؟؟
لكن حراس الوطن .. قادمون يا نينوى

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ

قادمون ....يا نينوى
عنوان يأخذنا للأمل ونحن في طريقنا لنينوى...لاحتضانها ..لغسلها من براثن الألم..
لتحريرها من أنياب الغدر..لنزع الصراع المذهبي من عيونها...
الكاتب هنا اختار الحديث عن مديتة نينوى العراقية ليس عبثا... جعل قبلة الرؤيا نحو نينوى لقيمتها الجغرافية والأثرية وعلى اسم العمليات التي تقاوم الفئات الباغية الإرهابية " عمليات" قادمون يا نينوى"...هي مدينة ساحرة غاية في الجمال وآية على الأرض..وقد وقعت تحت سيطرة الجهات الإرهابية يقطعون بها من كل الجهات ويمزقونها تحت إسم الدين...
الكاتب يتحدث عن بلاده بأوصاف سحرية وألفاظ منتقاة تحمل الرمز بين ثناياها بين تاريخها القديم وأسطورة نينوس وسمير أميس..وبين أحداث اليوم ولمحات من الجاهلية التي جسدها في دم قريش وتلك القبائل التي كانت تعادي نور الإسلام كجاهلية اليوم والفرق والمذاهب التي انتشرت تقاتل باسم الدين وهو بريء من أفعالهم الجاهلية البحتة..
الصور في هذه اللوحة أخذت بعدا عميقا وشرحت الواقع بدقة وجسدت الربط التاريخي الذي لم ينفك عن واقع اليوم..وجاءت بثوب أبي لهب لتعيد صنمية الأشخاص التي تدور في دائرة الإرهاب والفساد وتعيد الأصنام وعبادتها في الشخصيات الحاكمة اليوم..وما أشبه الماضي باليوم..وما أشبه جاهلية قريش بجاهلية اليوم بل هي اليوم أشد...
وهذا ما جسده الكاتب بدقة ووصف بليغ بقوله:
" هولاء المنقرضون لم يغادروا أثواب الأصنام دولة الرب...؟؟؟؟
وما أكثر الصنمية اليوم وهي ترتدي أثواب الحكم والقيادة..
هنا الصورة فيها سحر مركب البناء متين الأعماق بتراكيب إبداعية ..قل ما نجد نظيرا لها...الصورة الواحدة جاءت على شكل وصف التورية..
التورية هنا كانت الإتيان بِلفظٍ له معنيان ..معنى قَريبٌ ظاهر غير مقصود...ومتنىً بعيد خفِيٌّ هو المقصود..
فقد اشتق من تركيبة البناء معنين:
1..منقرضون..بمعنى منقطع.. أي لم يعد له وجود..إلتغى وجودهم وانقرضت هيئاتهم وأجسادهم..وهو معنى ظاهر غير مقصود..لكنه يستدرج المعنى الخفي..
2..لم يغادروا أثواب الأصنام دولة الرب...هو المعنى البعيد الخفي وهو المقصود...
بمعنى الأفعال والسلوكيات والفكر والسياسة والحراك العام ما زالت تمارس مع فئات الساسة والقادة وولاة الأمر...
صورة سحرية فاتنة في اندماج تراكيبها اللغوية مع تلك المثيرات الخيالية والأبعاد التي تتلاءم مع الحدث بانسجام العمق الذي يتصادم مع أنياب الواقع..
فالواقع ما كان إلا محركا أساسيا مع تصاعد الأزمة التي أثرت في ذات الكاتب ولغته الإبداعية...
فما كان هنا إلا عملية تجسيد متقن لصور الواقع المؤلم بفكر ناضج ووعي متدارك لسياسة المجتمع وتعريته وألاعيبها التي يملكها الكبار من طواغيت هذا العصر وجبابرة الظلم..وجاءت متوافقة مع لغة السبك المتين والخيال المشبع بطاقة ذهنية عالية النسج قوية النقش على صفحات الأدب الراقي..عدا عن الرموز التي تحمل الأبعاد التي امتصت لفات الظلم من ذهن هؤلاء الذين يمسكون زمام الأمور بأيديهم...
وبطبيعة الحال كان يعتبر نقدا لاذعا خفيا في تجاويف هذه الصور الإبداعية الراقية...
......
ومن آثار هذه الصنمية التي يمارسونها في كل طبقات المجتمع ...وبين بنائه المتزعزع..تحويل الأمن والعيش الرغيد في البلاد لحالة حصار دامي مقلق مهزوز غابت عنه معالم الحرية والعدل والمساواة.. وخرجت من دائرة المنهاج الرباني ليضفي عليه ستائر الظلام والوحشية التي أبادت الإنسانية من قلوبها لتتفنن في أنواع القتل والهدم والتشريد...
قيدها اقتصاديا وشل حركتها من جميع الإتجاهات..وسد طرق التجارة التي أشار إليها الكاتب بقوله:
قبائل قريش ... في رحلة الشتاء والصيف
الدرب لم يعد سالك للشام والعراق
قبائل قريش لم تتركنا يوما..بل طالت أظفارها وامتدت أنيابها بوحشية أكثر..لأننا دعمنا وثنيتها بترك عبادة الله بحق ولم نقترب سلوكيا وعملا بشريعة الله....
....وهذا ما قصده الكاتب في لوحته الفنية الباذخة المتينة بقوله:

وحكايات تاريخنا شاخت في
مدننا تقتل فيها الشوارع بدم أرصفة الله
ما عاد الليل رحم النهار
كي يعود متفردا بالضوء...
الصور هنا فظيعة جدا في قوة بنيتها الفنية اللغوية والتي تدل على قدرة هذا الكاتب
وحرفيته في انتقاءه لألفاظه التي تنسجم مع لغة الواقع ورمزيته التي تحمل للواقع دلالات متقنة السبك تشير لنقد أوضاع هذه الأمة النازفة..ورموز تحمل في طياتها عمق الألم ومدى الظلم الذي يقبع بين فلك الصنمية من جميع الجهات...
عملية تصوير التاريخ بالشيخوخة هي عملية تحريك لألفاظ اللغة وفق تدفق الخيال الخصب والحس الذهني بترابط متين السبك
يتلاءم متقن يدل على براعة الكاتب وفنيته وحرفيته القديرة في تطويع الحرف ببن أنامل قلمه المبدع...
وحكايات تاريخنا شاخت في
مدننا تقتل فيها الشوارع بدم أرصفة الله
ما عاد الليل رحم النهار
كي يعود متفردا بالضوء...
أوصاف حاكت الحدث وفق سلسلة تضاريس هذه الحرب ووفق هذا الفكر العميق ..
مما فتح آفاق الفكر ليسبح بين مسامات الخيال وينسج تحليلات ووفق الدلالات التي تسقط على واقع مرير مؤلم...
يا لجمال هذا الوصف الذي يأسر العقول والقلوب والذائقة في وصف الأحزاب التي تحمل الدين ذريعة وغطاء لارتكاب أبشع الجرائم التي لا تمت للإسلام بصلة...
ففي قوله:
ما عاد الليل رحم النهار
كي يعود متفردا بالضوء..
كناية عن الدكتاتورية والظلم الذي يمارسه الإنسان ضد طبيعته النقية..
لا يتركه يمارس حريته ولا يعطيه الفرصة في ممارسة حياته الطبيعية وحقه الحر..
صور تسلب العقول والألباب بجماليتها العذبة الفذة..من خلال اقتناص اللوحة الكونية من الليل والنهار وتوظيهما وفق عناصر النص لتوميء بهدف الكاتب وتحقق أبعاد المعنى الإشاري لتصل لروح المتلقي وفق منظومة سلسلة عميقة البحث مع جذور الخيال الواعي المتدارك والواقع الأليم النازف...
يكمل الكاتب خريدته اللامعة اللاذعة لصور الواقع المؤلم..بقوله:

وهناك نينوس يحمل سيف صدأ السنين
وسمير أميس تسبى عند أكتمال شبق القمر
في قوانين القبيلة ...
مشيمة السماء تسبح فوق تيجان النخيل
الذي ظل يرضع من تمره
حين جفت خلايا الماء في الوطن
هي الأماني تسرح بذاكرة أقفال الجفون
في زمن أغمض عينية على حضور الخليفة
لتأتي دولة الأسلام ..
وأبرهة مازال يحشد تاريخ البحر على أبواب قريش
ليأتي بأوثان الفيلة ..
تتميز هذه الصور هنا في قيمتها الجمالية وتوظيف الأسطورة لخدمة الكاتب في توصيل الفكرة المركزية التي تتلاءم مع أرضية الواقع المرير...
من خلال هذه الأسطورة التي تتحدث عن سمير أميس...لتردع الأفكار النائمة والعقول المشتتة للصحوة ودراسة التاريخ بطريقة صحيحة لا تشوبها الزيف والخداع..
" منذ اكثر من الفي عام..كانت ملكة عراقية.. تشتهر بالجمال والقوة والحكمة..وبقدرتها الفائقة على ادارة الدولة وقيادة الحروب والتوسع بالفتوحات وروح الاصلاح والتعمير. تنسب لها الاساطير بانها هي التي شيدت بابل بحدائقها المعلقة .. وانشأت العديد من المدن وغزت مصر و جزءا كبيرا من آسيا والحبشة، وحاربت الميديين.. واخيرا قادت هجوما غير ناجح على الهند.. كاد يؤدي بحياتها.."
لمجرد هذه اللفتة الذهنية الحكيمة من الكاتب ..والحث على عملية البحث والتنقيب عن هذه الأسطورة..يدل على الوعي الكبير للتخبطات التي تسري في المفاهيم والشرود من عمليات البناء الإجتماعي والحضاري..والهروب من بؤرة التاريخ العريق الذي يكتنز بين جدران العراق الأم الشامخ...
وجعل الكاتب من هذه القصة إعادة تأويل لبناء أجيال اختمرت من حضارة بلادهم العريقة لتنجب قادة من ينبوع الحكمة ونهر العبر والموعظة...
وللتوقف عند حدود الخلافة لتكون وفق منهاج السماء...
ويكمل الكاتب صوره السحرية التي اندمجت مع بؤرة الحدث وخلجات النفس ليرسم لنا لوحة فنية بديعة على أرض العراق تشمل كل نواحي الأمة..
ويمسح عن عيونها غبار التبعية وهو يقلم أظفار الظلم ليبعث في النفوس بعض الأمل...ففي قوله:

مشيمة السماء تسبح فوق تيجان النخيل
الذي ظل يرضع من تمره
حين جفت خلايا الماء في الوطن
هي الأماني تسرح بذاكرة أقفال الجفون
في زمن أغمض عينية على حضور الخليفة
لتأتي دولة الأسلام ..
نرى هنا مسحة نورانية ونفحات مضيئة ..من خلال الرمز الذي يثبه الكاتب في عيون دولة الإسلام الذين وأدوا حضورها ببتر الأماني لإعادة الخلافة الإسلامية التي تحقق فيها الأمن والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
صور بارعة النسج من رموز الطبيعة في النخيل والماء ...يستخدمها الكاتب ليمنح للنتلقي البحث والتنقيب عن عنق المعاني وعمقها الكبير.،ليكشف الأسرار التي يعتمدها في النص...
وهذا نوع من أنواع الإيداع المنتقى الراقي...
ويختم الكاتب لوحته الراقية ..بطريقة ذكية بارعة ..جعلت الدهشة حصاد النص البليغ..يقول:

السبايا لا يأتيهن الأمل عند أبواب سنجار
وفحل الظلمة نام في عيون أمراء الرقاب
هل نام حراس الرب على أبواب الخرافة
والموت المر في بطن حوت العراق والشام ؟؟؟
لكن حراس الوطن .. قادمون يا نينوى

كيف يصور الكاتب هذه اللوحة وفق رؤيته الفكرية العميقة ..التي تتماشى مع مدى عمق لغته العذبة..لتعرية الواقع برموز عميقة إسقاطا على واقع ما زال ينزف لم تجف دمعته...تنطوي بين طياتها الأبعاد المؤلمة التي تشير لمرارة الواقع الدامي...
كيف رمز للسبايا وانقطاع الأمل ..والموت المر الذي ابتلعه الحوت من ضحايا العراق والشام...اطلق عليه الكاتب بإسم..حوت العراق والشام...المأخوذة من قصة سيدنا يونس عليه السلام ..الذي ابتلعه الحوت ..والذي أطلق عليه حوت يونس...
........
قفلة سحرية تدل على هذا الفكر العملاق الذي بتلاعب بأنامل قلمه وفق محركات اللغة وقواعدها وألفاظها ومفرداتها بمزيج من الخيال والمشاعر اليقظة..
التي أحدثت في نفس المتلقي تفاعلا وانسجاما من أولها لآخر كلمة فيها...
وهذه هي الحرفية والفنية المميزة المبهرة...

الأستاذ الكبير والشاعر المبدع القدير
أ.عباس باني المالكي الراقي
سررت وأنا في كوافي حول قلمكم المميز المبدع
الذي قدم لنا لوحة إبداعية لييت ككل اللوحات..
إذ تتميز باشتمالها على كل عناصر الإبداع والتصوير الفني الراقي..
وجذب فكر المتلقي وتجنيد خياله وفق صور تجسدت من ملكة التصوير التي تتميزون بها..والتشابيه التي حوت قوة الألفاظ والبلاغة والفصاحة..ما يفتح الآفاق في التخيل والسبح في أعماق الفكر...
شكرا لكم وبورك بمدادكم
ووفقكم الله لنوره ورضاه..وأكرمكم بتقاه وهداه



النص : تأريخ لكل الألوان
النّاص : رياض منصور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



تأريخ لكل الألوان ..
ماذا لو حصلت على الجائزة ؟
قال :
أشتري بابا ونافذة
وأكمل الجدار
أقضي دينا مدته سبع سنوات
وبقية المبلغ
!!!هي لك


القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــ

تأريخ لكل الألوان...
كلمة تأريخ المأخوذة من العنوان تعني..
أنه قام بتأريخ الأحداث التاريخية وتسجيل وقائع الأحداث..إن كانت في الماضي أو في الحاضر..
وتأريخ بكل الألوان..أي أحداث مختلفة وحالات ووقائع على جميع الأصعدة وفي كل مجالات الحياة..
أحداث حملت جميع الصفات..
والسؤال الذي يطرحه الكاتب هنا ..بمثابة حلم لكل إنسان علقت أقدامه بوحل الحروب والذل والهدم والتجويع والقتل..
الكاتب هنا كان ذكيا فطنا في عرض كلماته..
ليس الهدف عملية التمني بحيازة جائزة..بقدر ما هو عملية رسم صورة الهدم والتجويع التي لحقت بمن تحت القصف وتحت الردم...
وما أعظم المطلب الذي أراده..والذي تهتز الروح والمشاعر له..
أشتري بابا ونافذة
وأكمل الجدار
لا يريد شراء لعبة أو لقمة هنية أو أي غرص يغري النفس ويسد حاجته..
بل كان مطلبه يذرف العيون دما ويفطر القلب حزنا وألما...
يريد
شراء بابا
ونافذة
وأن يكمل الجدار ليكتمل بيتا..
أناس تحلم بوجود مسكن وبيت يلم جمار قلوبهم من الصقيع..هم
بلا
مأوى
يريد بابا ليستطيع أن يحمي نفسه من الوحوش الضارية التي لبست قلوب البشر..
يريد
بابا
للإطمئنان والسكينة والأمن والأمان
ونوافذ
لسد الريح والمطر والبرد
تسجيل وتأريخ لكل احتياجات البشر وأعظمها بيت نسكنه فلا نجد مأوى يلم أجسادنا...
ويندرج تحت إسم الإيواء..الذي هو عنصر من عناصر تكوين الأمة..
الذي يوفر الإستقرار النفسي..والأسري والإجتماعي..والإقتصادي..
وهنا ما يحتاجه مأوى فقط..إذ أن الأمن يفتقده والطمأنينة أمنيته...
ويقول الكاتب:
أقضي دينا مدته سبع سنوات
هنا دليل آخر على الحياة الجافة والجفاف الذي تعرض له لمدة سبع سنوات..
سنوات سبع وهو في عيش للا بيت ولا طعام او استقرار
سبع سنوات وهو في موطنه في حالة الذل..ولم يستنصر له أحد..ولم يسد حاجته ومسكنه أحد...
وهذه أوصاف الذين تجرعوا مرارة العيش في ظل الحرب وعدم الأمن ..
وبين أنياب الخوف من التعذيب والقتل...
....
الشاعر المبدع الكبير
أ.رياض منصور
أومأت بحرفك ..فكان للأعماق وبين السطور سحرا..
تغزلون حرفكم وأنتم تسطرون قيما وحالات موجعة من الألم
وهذا دليل على إنسنيتكم العظيمة..
بورك الحرف والقلم وما تنثرون من جمال وإبداع
وفقكم الله ورعاكم وأسعدكم في الدنيا والآخرة



النص : عصف
الناص : محمد خالد النبالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

أَلَـوْ كُـنَّـا عَـلَـى المَـرِّيـخِ
كُـنَّـا بـِلاَ ظُـلْـمٍ وَلاَ جَـحْـدٍ
وَلاَ قَـتْـلٍ
وَكَـانَ الشَّـرْع ؟!

القراءة
ــــــــــــــــــــــــــــ

ومضة من لؤلؤ الحرف بعنقها وطرحها والتساؤل الذي يسبي الفكر ويطلق العنان للخيال...
عصف...
وأي عصف حل بهذه الأرض ..حتى انقلبت موازينها وتجعدت أنظمتها ..وبخلت على الإنسان
بالخير من جوره وظلمه الكبير..
أي عصف حل بالأرض وقد نسفها الإنسان بجبروته..
نسي أن هناك رب الأرض يمهل ولا يهمل..والله لهم بالمرصاد..
الكاتب هنا قدم لنا من خلال ومضته الشعرية..سؤال للتمني..غير بوصلة التفكير نحو عدالة السماء..
نحو قيمة الشرع في دولة الظلم مع غياب عدالة الإسلام..
ونحو تيبس الأمن وجفاف الإستقرار...
سؤال...
أَلَـوْ كُـنَّـا ...
يفتح باب الأماني ويجلب قوارير الأحلام أن تفتح فوهتها على أرض السلام...
وتتزاحم الأفكار في انعتاقها من قيود الآلام ونزفها الدائم...
الكاتب يريد بذكائه ..
توجيه عملية الفكر والذهن لواقع مؤلم غابت عنه الإنسانية من حكامها وساستها..
وكأن لسان حاله يرمز لحجم الظلم والبطش والكفر المستشري في جوانب الأمة كلها...
وطريق عرض التمني هنا بقصد معاكس للواقع المؤلم الذي وصلت له مجتمعاتنا اليوم...
والتي لن ينقيها من هذه البراثن والأنياب السامة إلا شريعة الله ودينه العدل ..
الذي ساد بروح عدالته ونظامه المنير ..سنوات طوال والأمة حينها تنعم وترفل بالحق والأمن والأمان..
أراد الكاتب بحروفه التي تعد وتحصى...
أن يرسم لنا منظومة واسعة عظيمة تلخص مكونات الحياة الآمنة العادلة...
عميقة بعبرها..متينة بأهدافها..راقية بطرحها..
تظهر أزمة التربية وما تحتاج من بناء جديد لإصلاح الأرض عن طريق شرع الله ..
وكم تحتاج من عناصر الإنسان الصالح ..
الذي يتمثل في العمل الصالح والإرادة العملية والعقلية الناضجة والتفكير السليم الشامل..
وليس التفكير البسيط والجزئي الذي يتقوقع في مدى قصير جدا...
وكل هذا يحتاج لبيئة آمنة مطمئنة لتنمية هذه العناصر..والتي جعلها الكاتب على أرض المريخ
لاستحالة تحقيقها على الأرض مع غياب منهاج الله العظيم...
وتحقيق ذلك مرهون بالحرية ..حرية التفكير ..وحرية العمل..وحرية الاختيار..والمثل الأعلى المربوط بالمنهاج وشريعة الله...
تحقيق ذلك يولد أسس متينة ..تبنى من عدالة الحق من منهاج الله الذي قدمه لنا لنتعايش به ونحقق
الأمن في كل نواحي هذه الأمة النازفة...

أستاذنا الكبير والشاعر القدير ..أ.محمد خالد النبالي
ومضة ناقدة للواقع المؤلم ..
رسمتها ريشة قلمكم ..بفنية وحرفية تدل على براعتكم وقدرتكم في توظيف حرفكم..
ومهارتكم في اختيار بضع كلمات في معجم من المعاني والعمق...
كل التقدير والتبجيل لهذا القلم المبدع الفذ
وفقكم الله وأسعدكم وهيأ لهذه الأمة من يعيد لها اتزانها وبهجتها بعودة الشرع بين مساماتها..
جزاكم الله على قلم أبدعتم اختيار مداده النقي...



النص : قبل اليقظة بقليل
الناص : عبدالرحيم التدلاوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

قبل اليقظة بقليل

كالوحوش الضارية
تنقض الكوابيس
على فتاة أحلامي.
حادث سرير.

القراءة
ـــــــــــــــــــــــ

قبل اليقظة بقليل...
ومضة ليست مجرد عملية طرح لحلم أو كابوس أحلام..
بل هو عملية انعكاسية للواقع المؤلم...والذي جسده الكاتب بطريقة فنية محترفة
تدل على قدرة الكاتب في انتقاء ألفاظه وبراعته في تصوير الواقع بطرق إبداعية فذة...
لنبدأ من عنوان الومضة...قبل اليقظة بقليل...
هذة العنونة هي مسار عميق فني مبهر يدل على ما قبل اليقظة والصحوة
التي يمر في الذهن شريط الماناة التي تعانيها هذه الأمة...
فاليقظة الحقة تتحقق بعد أن يجلدها سياط القهر والظلم والجراح والقتل والهدم..
وهذ كلها ما تقض نومنا وتوقظ الحواس والفكر والضمير...
فاليقظة التي تتمثل في الصحوة إنما كانت من معاول انعدام الإنسانية والوحشية
التي يمارسها العربي ضد العربي بغض النظر عن عقيدته...
هذه المعاول الحادة التي تجلد القلوب والعقول ..كانت عملية تمهيدية أن يرى النرء من جرائها الكوابيس
التي وصفها الكاتب كالوحوش الضارية...والتي يقع رمزها على حال الإنسان الذي انعدمت فيه روح الإنتماء لنفسه ولجنسيته وهويته ومجتمعه...
لتعبث الكوابيس بأحلام الأمة وبكيانها المغتصب ..والذي كانت فتاة أحلامه...
حتى الأحلام لم تسلم من الوحشية الضارية بين مسامات هذه الأمة المجروحة...
اغتصبوا الواقع الآمن ..واغتصبوا الأحلام الوردية النقية الطاهرة ..والتي رمز إليها الكاتب بفتاة أحلامه....
فالكوابيس هي عامل مؤثر استخدمه الكاتب للتعبير عن وحشية الساسة وولاة الأمر في ممارسة كل أصنافها
على حرمة هذا الإنسان المذلول بقلة الحيلة...والكوابيس كانت رمز هذه الطبقة الظالمة الحاكمة..
...وأما التوقيع لهذه الومضة...الذي قاله الكاتب:
حادث سرير...
وكأنه يريد قول حادث وطن ..حادث حلم مغتصب...
حادث سرير ...حادث يقض السكينة والأمن والأمان والطمأنينة...
وكأنه عامل متبوع لخاصية الحلم المرموز كناية عن وجع الأمة وعدم استقرارها وانعدام الأمن والطمأنينة فيها....
وكلمة حادث ..يعني وقوع الحدث بعين الواقع وليس بالخيال...ويريد أن يقول أن مثل ذلك هو واقعنا المرير...
.......
الأستاذ الكبير المبدع الراقي الفذ
أ.عبد الرحيم التدلاوي
لومضتكم أفق واسع ..امتد الخيال فيها لأوسع مدى
وسمحت التأويل لأكثر من قراءة..
وهذا بحد ذاته منتهى الإبداع...
تتقنون فن التلاعب بالحرف وتبرعون في كيفية البناء بطريقة مثالية متفردة...
شكرا لهذا المطر المكوثر المدرار
ولحرفكم التحايا والتقدير...
وفقكم الله لرضاه ولنوره وهداه



النص : تـَسْقُـطُ الحَـيَـاة
النّاص : محمد خالد النبالي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

سِفرُ المُسافر

يـَصْحُـو المَـوتُ , مَـوْتـِي فِي دِمَشْـق
نـَعِيبُ الأَجْـرَاسِ صَـاخِبٌ
يـَحُـومُ وَيـَرْقُصُ رَقْصَـةَ الأَحْـزَان
عَلَى رُفـَاتِ قَلْبِي
حَانَت سَـاعَةُ المَـوْتِ !
الضَّجِيجُ يـَمْـلأُ سَـاحَـاتِ عَقْلِي
حَفَّـارُ الـقُـبُورِ يـَنْهَشُ فِي تـَلاَفِيفِ بـِنْيَتِي
لَـم يـُتْـرَك مَكَـانـَاً فِي قَمِيصِ يـُوسُف
لَـم يـُصِبْـهُ التَّمَـزُّق !

مَـا زَالَت السِّهَـامُ تـُصَـوَّبُ فِي بـَشَاعَةٍ
إِلَى جَسَـدِ عِيسَى المَصْلُوبِ فـَوْقَ شَجَـرَةِ
الزَّمَانِ العَتِيقَـةِ وَبـَينَ عُـودَيـْنِ مِـنَ المِلْحِ
تـُسْخِنُ فِي أَجْـزَاءِ هَيْكَلِي مِطْرَقَةُ الأَعْـوَرِ الدَّجَّـال
تـَزْدَادُ مَـوَاطِنُ اسْتِعْمَـارِ الـبُـؤْسِ وَالشُّحُـوبِ
لِلْهَيْكَلِ المُقَـدَّسِ !
إِنـَّهَـا لَيْلَـةُ احْتِضَـارِ القَمَـر !!
اللِّسَـانُ رَافـَقَـهُ الجَفَافُ
رَغْبَةً فِي اغْتِيَالِ الهَمْسِ
وَخَلْفَ قـُضْبَانِ القَـدَر ؛
تـَقِفُ لَعْـنَـةُ السَّجَّـان

صَرَخْتُ بِهَا :
ارْحَلِي .....
أَنـْتِ اللَّعْنَةُ لاَ سِـوَاكِ
مَهْـزُومٌ أَنـَا عَلَى فـِرَاشِ الأَمَلِ الكَذُوب !
مِن أَجْلَكِ امْتَلأَتِ الآفـَاقُ
بِأَنـَّنِي نـَبِيُّ الجِـرَاح !
عَـقَـرُونـِي كَـفَـرَسٍ عَـرَبِيٍّ أَصِيـلٍ
دَارَت عَلَـيْـهِ الـدُّنـْيَـا .... ,
فَـإِذَا بـِالصَّهِيـلِ الشَّـامِخِ
وَقَـد صَـارَ بـَينَ أَجْـلاَفٍ مِـنَ الأَعَـاجِـمِ
لاَ يـَعْـرِفـُونَ قِيمَـةَ العَـرَبـِيِّ

أَنـَا الحَـرْفُ الَّذِي تـَجْـرِي حَـيَـاتـُهُ
فِي الدَّرْبِ المَجْهُـولِ مُنْذُ الأَزَل
تـَبَـدَّلَت عَلَى الحَـرْفِ أَقْـدَارُ الحَيَاةِ
صَـرْخـةٌ فِي قـَـبْــرِ المُحَـالِ الكَئِيبِ
الَّـذِي لَـم يـَكُـن قـَـبْــرَاً
وَلَـكِـنَّ الحَـيَـاةَ تـُرِيـد
مَـوْتٌ ... تـَحْتَ عَـينِ الشَّمْس !
مَصْلُوبٌ عَلَى جُـذُوعِ النَّخِيـلِ العَـتِيـقِ
بـِعَصْـرٍ يـُنَـادِي بـِآيـَاتِ هَــدْم
صُـوَرٌ وَمَشَـاهِـدٌ مَـرَّت عَلَى حَـرْفِي
مِطْـرَقـَةُ العَـرَّافـَةِ تـَدُقُّ بـَابِي فِي لَيْلَةِ مَـوْتِي
اذْهَبِي عَـنِّي !
مَهْـزُومٌ أَنـَا / مَهْـزُومٌ يـَا أَبـَتِ \ مَهْـزُومٌ مُـنْـذُ خُلِقْـتُ
لَم تـَرَ صَبَـاحَـاتِي كَـيْـفَ يـَسْتَـرِيحُ
السُّكُـونُ فِي صَـدْرِي / كَـيْفَ أُبـْحِـرُ ؟!
كَيْفَ ...؟!
لَن أُبـْحِـرَ ... ؛ ظَفِـرَ بـِىَ الوَجَعُ
وَأَنـَا بـَقِـيَّـةٌ مِـن رَمَـاد
لَقَـد بـَكَى .... وَجَـرَت الدُّمُـوعُ فِي رُبـُوعِ الشَّـام
أشبَاحٌ / أشباحْ بِفِعلِ أشباه الرِجالْ
مَتى تَهتَز شَوَاربِ العَربْ ..؟
أصْنَامٌ / أصْنامْ أنْتُمْ
بِلا مُؤَخْراتْ ..... !
المَوت يَنتَظرْ
الكَفَنُ يـَخْطُو نـَحْوِي فِي هُـدُوءٍ
فِي هَيْـئَةِ المَسْخِ المُنْتَظَرِ
الغِـرْبـَانُ السُّـودُ تـُحَلِّقُ فـَوْقَ رَأْسِي انـْتِظَارَاً
لِنَهْشِهِ حِينَ إِغْمَاضِ الأَجْفَانِ إِلَى الأَبـَد
جَحَافِلُ الظَّلاَمِ تَمْـلأُ الأَمَاكِنَ
وَكَأَنـَّهَا كَانَت تـَتَـرَبـَّصُ بِي فَهَجَمَت بـَغْتَـةً !!
الـنُّجُـومُ اخْتَفَت فَجْـأَةً !! هَـرِبـَت !! تـَخَلَّت عَنِّي
آهٍ يـَا وَجَعِي !!
كَيْفَ أَنـْتَ يـَا وَجْهِي وَقـَد صِـرْتَ أُنـْشُـودَةً لِلـرِّيح
نـَفْسِي غَـرِيبَـةٌ عَـنِّي
بـَل أَنـَا غَـرِيبٌ عَن نـَفْسِي
الـرِّيحُ تـَعْـوِي بِمَعْـزُوفـَةِ الاحْتِضَـارِ
وَصَخَبُ اللَّحْـنِ المُـرْعِبِ يـَضِجُّ مِـنْـهُ سَمْعِي
يـَصْحُـو مَـوْتِي ..!
حَانَ أَوَانُ احْتِضَارِ الذِّكْـرَيـَاتِ المُعَتَّـقَـةِ
شَبَحُ الرَّدَى يَمْشِي الهُـوَيـْنَى
حَفْلُ التَّـنَكُّـرِ لِتَنَـكُّرِي أَمَـامِي !!
وَفِي حَفْلٍ أُسْطُورِيٍّ لِكُلِّ أَصْحَابِ الدَّمِ العَرَبِيِّ
يَجِيءُ النُّصُبُ التِّذْكَارِيُّ
لِكَلْبٍ يـَتَعَفَّفُ الجُـثَث


القراءة :
ــــــــــــــــــــــــ

يـَصْحُـو المَـوتُ , مَـوْتـِي فِي دِمَشْـق
نـَعِيبُ الأَجْـرَاسِ صَـاخِبٌ
يـَحُـومُ وَيـَرْقُصُ رَقْصَـةَ الأَحْـزَان
عَلَى رُفـَاتِ قَلْبِي
""" تسقط الحياة...
عنوان مثير مدهش ..يمنحنا الوقوف مليا بين جوانبه ..تأملا وتفكيرا وعمقا...
(تسقط) ..فعل مضارع متناسل الفعل متين التواصل في الحدث... يستمر نزفه لما لا نهاية..
والسقوط هو عملية قضم للجذور التي تكسب الأشياء الثبات وتمنحها الشموخ..
والسقوط منح الشيء تغريبة عن القواعد والمتانة والصمود..وأنى الوقوف ثانية إلا بعد ترميم للقواعد من جديد...
فكيف وإن كان السقوط هي الحياة...
(الحياة)..عممت أبعادها ومقاصدها وجوانبها الكثيرة..الشاعر هنا لم يحدد معالم الحياة التي كانت آيلة للسقوط...بل جعلها شاملة لكل أصنافها...وهذا دليل على أن كل مناحي الحياة أصابها التلف واستبد بها المرض ..واستفحل بها العجز..لتصبح لوحة يرسمها فنان محترف متقن في مزج مفهومها وتلوينها ألوانا تعكس قوة البناء عند الشاعر...
لنتعرف على أدوات السقوط التي منحت الحياة الإنحناء نحو الأرض...
يبدأ الشاعر لوحته النفيسة بقوله:
( يـَصْحُـو المَـوتُ , مَـوْتـِي فِي دِمَشْـق
نـَعِيبُ الأَجْـرَاسِ صَـاخِبٌ
يـَحُـومُ وَيـَرْقُصُ رَقْصَـةَ الأَحْـزَان
عَلَى رُفـَاتِ قَلْبِي
حَانَت سَـاعَةُ المَـوْتِ !
الضَّجِيجُ يـَمْـلأُ سَـاحَـاتِ عَقْلِي
حَفَّـارُ الـقُـبُورِ يـَنْهَشُ فِي تـَلاَفِيفِ بـِنْيَتِي
لَـم يـُتْـرَك مَكَـانـَاً فِي قَمِيصِ يـُوسُف
لَـم يـُصِبْـهُ التَّمَـزُّق ! )..
يصحو الموت..موتي في دمشق...
يصحو ..هنا..كناية عن كثرة الموتى من موت اختلاف أنواع البشر...
وهنا يكمن الترابط بين سقوط الحياة وصحوة الموت لاختطاف البشر من دائرة الحياة..
وهذا تأكيد على عملية الإتقان عند الشاعر وقدرته في ربط حروفه بصيغ إبداعية جمالية النسج والرسم...أنسنة الموت جعلت الحدث في وهج الحقيقة وتركت في نفس المتلقي جذوة الوجع ..وسيطرت على المشاعر للتأثير في النفوس.. وهذا بحد ذاته نوع من أنواع الذكاء التعبيري ورصد المفردات وفق مشاعر الشاعر المؤثرة...
لننتقل لصورة جمالية بارعة الإتقان تجلد النفوس بقوة تأثيرها...وهي:
( نـَعِيبُ الأَجْـرَاسِ صَـاخِبٌ
يـَحُـومُ وَيـَرْقُصُ رَقْصَـةَ الأَحْـزَان
عَلَى رُفـَاتِ قَلْبِي)...
الأجراس تُدق لتراتيل العبادة والصلاة..والمثول لوقع هام روحاني جدا...
لكن أن يكون صوته نعيبا..وصاخبا..هذه إشارة لوقع حدث جلل..والنعيب يصحبه الوجع والبكاء والعويل..ويصفه الشاعر..أنه يحوم ويرقص رقصة الأحزان...
هنا قمة الإتقان في الوصف ورسم صورة الحزن القايمة في الحياة...حيث نعلم أن الجرس له بندول يتحرك يمنة ويسارا..ولكن الشاعر هنا جعل من الجرس يحوم..وهذا يتعدى اليمين واليسار..لأكثر من جهة..ويدل ذلك على مقدار القلق والوجع الذي ينتشر في المكان..أو الحياة...والأمرّ من ذلك أن ذلك كله كان يحوم على رفات قلبه... وهنا اكتمال الصورة الفظيعة التي تعكس الموت والحزن بدقة متناهية ...
يا سلام من منظار هذه الصورة المتقنة السبك القوية اللفظ المتينة البناء..رسمها الشاعر بملء مشاعره وحذقته وذكائه الأدبي المرموق...
جاءت متناسقة وفق صورة الحدث وسقوط الحياة....ويكمل لوحته البارعة بقوله:

(حَانَت سَـاعَةُ المَـوْتِ !
الضَّجِيجُ يـَمْـلأُ سَـاحَـاتِ عَقْلِي
حَفَّـارُ الـقُـبُورِ يـَنْهَشُ فِي تـَلاَفِيفِ بـِنْيَتِي
لَـم يـُتْـرَك مَكَـانـَاً فِي قَمِيصِ يـُوسُف
لَـم يـُصِبْـهُ التَّمَـزُّق ! )..
بعد تلك الأوصاف التي كان وقعها على وصف الجسد ساعة إحتضار...جاات الصورة هنا ملاصقة للصورة السابقة ومتابعة لحراك الفعل في وصف الموت...
حيث ساعة الموت حانت وضجيج الحياة يزعج العقل من أثره وقوته...
الضجيج هنا يعني الكثير ويفتح باب التأويل على مصراعيه..في استخراج كثرة معانيه ولربما انصبت في بوتقة واحدة وهي عدم السكون والراحة والهدوء..والخروج عن طابع الحياة الهانئة...
وهذا إسقاط على الفوضى العارمة المتواجدة في الذات وفي مناحي الحياة...وفوضى الذات لا تأتي إلا من المؤثرات الخارجية المتعددة..والتي تنصب في عمق النفس ليتفاقم الأمر وتتخبط السلوكيات لتصل لكل مناحي الحياة...
وهذا رسم فني بديع لصورة الحياة والصراع القائم بها والذي أودى بها للسقوط....
وأما حفار القبور وهو كناية عن قمة الوجع وعمق الألم...كان مناسبا في الوصف وكلمة ينهش في تلافيف بنيتي..
وكأنه يريد القول أن الجسد يستعد للقبور قبل موعدها..من طرقات حفار القبور..وهذا وصف مذهل في كيفية موت الجسد في الدنيا قبل انطلاقتة لتحت الثرى..
جزالة وقوة وبلاغة وإتقان لا يبنيه إلا محترف موهوب..كشاعرنا المبدع...
(لَـم يـُتْـرَك مَكَـانـَاً فِي قَمِيصِ يـُوسُف
لَـم يـُصِبْـهُ التَّمَـزُّق ! )..
هنا قمة الجمال في هذا التناص الذي قدمه الشاعر من وحي سورة يوسف...
قميص يوسف النبي عليه الصلاة والسلام..إنما يعني النبوة والرسالة والنقاء وعظيم التقديس والأثر...
فهو ليس مجرد قميص عادي..إنما رمز زلنبوة الشفافة والعبودية الكاملة لله تعالى...
وعملية تتابع الأنبياء ونسل النبوة وحمل رسالة السماء...
لكن أن يوظف الشاعر من قدسية القميص والرمز للعبادة ودين الله ورسالة السماء ..أن تتعرض كلها للتمزق..هنا تكمن الدهشة في التوظيف ورسم الواقع اليوم المرتبط بعملية السقوط وسبب من أسباب الإنهيار...
يجعل حفار القبور ..كناية عن قتل دين الله في النفوس..وموت الرسالة الربانية وبتر الأيدي التي تحملها ...لتأتي معبرة جدا في تمزيق هذا القميص.. الذي هو تمزيق الإيمان من النفوس...
وهذا التمزق الذي يمثل عبادة الله ودينه كان فاجعة للتمزق بكل مناحي الحياة..ليكتسب الفرد تلقائيا عملية نزع العقيدة من القلوب وتفشي التمزق في المجتمعات والأمة كلها..وأن يعم الفساد في كل شيء...تركنا عبادة الله والتزمنا عبادة العباد فأذلنا الله...

مَـا زَالَت السِّهَـامُ تـُصَـوَّبُ فِي بـَشَاعَةٍ
إِلَى جَسَـدِ عِيسَى المَصْلُوبِ فـَوْقَ شَجَـرَةِ
الزَّمَانِ العَتِيقَـةِ وَبـَينَ عُـودَيـْنِ مِـنَ المِلْحِ
تـُسْخِنُ فِي أَجْـزَاءِ هَيْكَلِي مِطْرَقَةُ الأَعْـوَرِ الدَّجَّـال
تـَزْدَادُ مَـوَاطِنُ اسْتِعْمَـارِ الـبُـؤْسِ وَالشُّحُـوبِ
لِلْهَيْكَلِ المُقَـدَّسِ !
إِنـَّهَـا لَيْلَـةُ احْتِضَـارِ القَمَـر !!
اللِّسَـانُ رَافـَقَـهُ الجَفَافُ
رَغْبَةً فِي اغْتِيَالِ الهَمْسِ
وَخَلْفَ قـُضْبَانِ القَـدَر ؛
تـَقِفُ لَعْـنَـةُ السَّجَّـان
...........
صور مذهلة وإيحاءات قل نظيرها..
والتلاعب في مساحة الخيال واقتناص جمال الفكرة..هو الذي دفع الغرس لنضوج الحرف وإظهار مفاتنه مبكرا جدا...
مما يدل على خصوبة القلم في تنوع الألوان فيه..حيث قال:
(مَـا زَالَت السِّهَـامُ تـُصَـوَّبُ فِي بـَشَاعَةٍ)
هنا عملية السهام.. من طبيعتها عند انطلاقتها الهدف وإصابته ..فإنها تخرق المكان وتحدث خللا ما أو تحطيمه نهائيا...لكن ان تصوب في بشاعة ..هنا كناية عن طرق الإجرام التي وصل إليها إنسان اليوم..والتلذذ في عمليات القتل لأهل بلده وأخوته...
ويزداد الوصف جمالا وإبداعا..والشاعر يصف تصويب سهامه..لجسد عيسى عليه السلام..
وهذه صورة فظيعة ..حين تصوب السهام لجسد الأبرياء ولدين الله..
وهذه دساتير أهل الظلم..وأهل الباطل..الذين يسحقون دين الله بمناصبهم وعتمة نفوسهم التي خلت من نور الله...وهذا ما يؤكد قول الشاعر:
( إِلَى جَسَـدِ عِيسَى المَصْلُوبِ فـَوْقَ شَجَـرَةِ
الزَّمَانِ العَتِيقَـةِ وَبـَينَ عُـودَيـْنِ مِـنَ المِلْحِ)
تناص حقق الدهشة وما يحمل من عمق في المعنى وقوة في التراكيب البليغة والأوصاف المتقنة ...
وصف الشاعر عملية صلب جسد عيسى عليه السلام ...بطريقة إبداعية غنية التشابيه والأوصاف..حيث وصف جسده مصلوب بين عودين من الملح..على شجرة الزمان العتيقة..وهذا كناية عن الظلم والطعن بالدين ..وانتهاك حرمة الإنسان والذي ابتدأ من الزمن العتيق ليومنا هذا ..بل ازداد التفنن في فظاعة وبشاعة لهذا الإنسان الذي حرمته أغلى وأعظم من حرمة الكعبة المكرمة...
لكن اليوم يخترقون كل قوانين السماء في كل الديانات لتحقيق مآربهم الدنيئة...
طعنوا بالدين واستمردوا ونسوا بأن الله لهم بالمرصاد...
(تُسْخِنُ فِي أَجْـزَاءِ هَيْكَلِي مِطْرَقَةُ الأَعْـوَرِ الدَّجَّـال
تـَزْدَادُ مَـوَاطِنُ اسْتِعْمَـارِ الـبُـؤْسِ وَالشُّحُـوبِ
لِلْهَيْكَلِ المُقَـدَّسِ ! )
في هذه الصورة المرتبطة بالتي قبلها..قد توّجت اللوحة بضوء مقدسي نفحاته من بيت المقدس وذلك الهيكل المزعوم...
تناص وتوظيف يدل على براعة الشاعر في حبك الأحداث والتناص القرآني والأعور الدجال لخدمة الأدب وتفتيح الذهن والفكر نحو ذلك الغزو والإستعمار الذي ما زالت أنيابه تقضم جذور المقدسات والأراضي المقدسة ..
ولتفتيح الأعين على ذلك المارد المستبد الذي يحفر الأهداف لصالحه والإستيلاء على الشرق.. صور عظيمة تتجلى في هذا السبك الإبداعي الكبير..
والشاعر يشير لنهضة العقول والتفكر بما يجري حولها من تخطيطات قوى كبيرة لهدم الأنسان العربي والمسلم ومحو حضارته عن الوجود...
ويكمل الشاعر لوحته بنفحاته الواعية الناضجة ومحطات الأمة اليوم...

( إِنـَّهَـا لَيْلَـةُ احْتِضَـارِ القَمَـر !!
اللِّسَـانُ رَافـَقَـهُ الجَفَافُ
رَغْبَةً فِي اغْتِيَالِ الهَمْسِ
وَخَلْفَ قـُضْبَانِ القَـدَر ؛
تـَقِفُ لَعْـنَـةُ السَّجَّـان)..
صورة عذبة ثرية جدااا وهي تقدم وصفا بليغا لحال هذه الأمة اليوم...كناية عن المعاناة والصمت القاتل الذي كان هادما لأسس أمة اليوم....
اللسان رافقه الجفاف..كناية عن العجز ..قول الحق..الوقوف أمام الباطل..ولو بالكلمة..لكن الخوف يعشش في القلوب..فيمسك اللسان عن الدفاع وعن النطق...
وهذه هي فئات المجتمع اليوم التي باتت في خوف على حياتها من ظلم الكبار ...مما جعلهم يعيشون في دائرة الضعف..والسبب ضعف الإيمان في النفوس...وترك منهاج الله...فاغتيلت الحناجر وبترت الأيدي..وكسرت الخطى نحو الكرامة وبات الضمير عريانا...
...
الرموز هنا واضحة كل الوضوح التي تقع بين فكيّ الواقع المؤلم وإنسان اليوم...
والدلالات المتعددة هنا أيضاً تكشف عن أسباب الضعف وانهيار الأمة بصور شعرية متينة البناء ..
.....
(صَرَخْتُ بِهَا :
ارْحَلِي .....
أَنـْتِ اللَّعْنَةُ لاَ سِـوَاكِ
مَهْـزُومٌ أَنـَا عَلَى فـِرَاشِ الأَمَلِ الكَذُوب !
مِن أَجْلَكِ امْتَلأَتِ الآفـَاقُ
بِأَنـَّنِي نـَبِيُّ الجِـرَاح !
عَـقَـرُونـِي كَـفَـرَسٍ عَـرَبِيٍّ أَصِيـلٍ
دَارَت عَلَـيْـهِ الـدُّنـْيَـا .... ,
فَـإِذَا بـِالصَّهِيـلِ الشَّـامِخِ
وَقَـد صَـارَ بـَينَ أَجْـلاَفٍ مِـنَ الأَعَـاجِـمِ
لاَ يـَعْـرِفـُونَ قِيمَـةَ العَـرَبـِيِّ )
في هذه الصور المتلاحقة بالقوة لغة وبناء..وبالتشابيه التي أضفت على النص روح المتعة وجمعت قلائد العذوبة والطلاوة والبلاغة....
(صرخت بها..)..الصرخة هنا لها دلالة عمق الوجع من براثن الحياة..وتعبير عن التكتلات والإفرازات التي باتت تهجع في مصب الروح...
والصراخ لا تتم ثورته إلا بعد أن يطفح الكيل ألماً وضيقاً..
والتي أفرزت الحقل الذي يمثله الشاعر بشكل بارز والذي عكس ذلك صراعه الداخلي ..من خلال قوله( مَهْـزُومٌ أَنـَا عَلَى فـِرَاشِ الأَمَلِ الكَذُوب !)..
فالأمل الكذوب هو عملية انتحار الحق وخفوت النور...وكيف لا والمرء رهينة بين يدي خيط أمل يعيده للحياة..والأمل الكذوب..كناية عن التغييرات في القيم والمبادئ وانقلاب الموازين في الحياة ..وهذا من أصعب عصف على الروح وانحصارها في دائرة الضيق والوجع..
لذلك هذه الصورة كانت من أنفاس الجمال تناسلاً ورقياً...
وأما ( مِن أَجْلَكِ امْتَلأَتِ الآفـَاقُ
بِأَنـَّنِي نـَبِيُّ الجِـرَاح !)..
هنا توقفت مليّاً وأنا أعدّد مناقب هذا العمق المذهل والصورة الموحية لسحر النسج والبناء...
امتلأت الآفاق...بوجود نبيّ للجراح...
والنبيّ هو الذي ينبئ ويحمل كل أنواع الجراح ويبلّغها للغير...فكيف بالشاعر نبيّ الجراح..كناية عن الرسالة التي يحملها والحياة التي تسكنه وقد ذرفت من عيونها الجراح وحتى أصبح عنواناً له... ويدل ذلك على عمق ما يحمله من آلالام...
( عَـقَـرُونـِي كَـفَـرَسٍ عَـرَبِيٍّ أَصِيـلٍ
دَارَت عَلَـيْـهِ الـدُّنـْيَـا .... ,)..
ودائما وأبدا نجد أن كل نبيّ وقد تعرّض للإغتيالات والمحن والتربص به ..لنجد من هذه الصورة البليغة العميقة المؤثرة عن حجم المأساة وما تتعرض له هذه الأمة من نزيف لا يجف..
كلمة عقروني..تمثل عملية الذبح...ويشبه الشاعر نفسه كفرس عربي أصيل..لا ينكر صاحبه ويخلص له بوفائه ويخدمه بإخلاص..والفرس العربي الأصيل عنوان الأصالة..من صفاته:
الوفاء لصاحبها والتضحية في سبيله..
الذكاء والفطنة وحب التعلم..
الشجاعة والحماسة..
الصبر والقدرة على تحمل المشقات والفوز بالسباقات الطويلة...
الصحة الجيدة وحب الموسيقى..
لذلك عملية العقر تعني ذبح كل الإنسانية والقيم والأخلاق والمبادئ ..وقتل كل جميل في هذه الحياة...
(فَـإِذَا بـِالصَّهِيـلِ الشَّـامِخِ
وَقَـد صَـارَ بـَينَ أَجْـلاَفٍ مِـنَ الأَعَـاجِـمِ
لاَ يـَعْـرِفـُونَ قِيمَـةَ العَـرَبـِيِّ )...
وما أفظع هذه الصورة التي مزقت القلوب التي تخوض بين أعماقها وتحس بكل ما ينبض فيها من قوة وتأثير...
فعند عقر الفرس وقتل الأصالة ..تصرخ الفرس بصهيلها شموخا وكبرياء رغم اغتيالها..ليصل قوة صهيلها للأعاجم وهم يتلذذون بذلك لأنهم لا يدركون قيمة هذا العربيّ الأصيل...وهذا كناية على طربهم لقتل العربيّ إذ لا قيمة له عندهم...ليكون للعنصرية دور بلا إنسانية لحرية الفرد....
(أَنـَا الحَـرْفُ الَّذِي تـَجْـرِي حَـيَـاتـُهُ
فِي الدَّرْبِ المَجْهُـولِ مُنْذُ الأَزَل
تـَبَـدَّلَت عَلَى الحَـرْفِ أَقْـدَارُ الحَيَاةِ
صَـرْخـةٌ فِي قـَـبْــرِ المُحَـالِ الكَئِيبِ
الَّـذِي لَـم يـَكُـن قـَـبْــرَاً
وَلَـكِـنَّ الحَـيَـاةَ تـُرِيـد
مَـوْتٌ ... تـَحْتَ عَـينِ الشَّمْس !
مَصْلُوبٌ عَلَى جُـذُوعِ النَّخِيـلِ العَـتِيـقِ
بـِعَصْـرٍ يـُنَـادِي بـِآيـَاتِ هَــدْم
صُـوَرٌ وَمَشَـاهِـدٌ مَـرَّت عَلَى حَـرْفِي
مِطْـرَقـَةُ العَـرَّافـَةِ تـَدُقُّ بـَابِي فِي لَيْلَةِ مَـوْتِي
اذْهَبِي عَـنِّي ! )..
وتتكاثف الصور المبهرة المتقنة التراكيب..لتعلن عن ولادة قلم فذ يعرف أنّى يغرس حرفه...وبقدر إحساسه بالحرف وقدسيّته..بقدر ما يؤثر عليه نواتج الخارج الداخلي..وهذا ما يعبّر به الشاعر بقوله:
(أَنـَا الحَـرْفُ الَّذِي تـَجْـرِي حَـيَـاتـُهُ
فِي الدَّرْبِ المَجْهُـولِ مُنْذُ الأَزَل
تـَبَـدَّلَت عَلَى الحَـرْفِ أَقْـدَارُ الحَيَاةِ)..
أنا..ضمير منفصل...معبّر عن وحدانية الشاعر وما يخصه ...(وأنا الحرف)..له دلالات عدة...لأن للحرف قدسيته وخواصه وامتيازاته المتعددة...وهو يساوي جزء من كثرة أو من كلمة...وهو عملية تكوين للغة عامة والتي هي لغة كتاب الله...وأن يتحدث الشاعر على أنه حرف ..هذا يعني أنه يملك مقدرات كل الكلمات التي لا تنتهي..يعني أنه يساوي جيلاً أو أمة بحجمه وقدراته ...ولكن هذا الحرف تغمسه عواصف الحياة وآلامها المختلفة...
هنا انتقل الشاعر من الخاص إلى العام بعمق معانيه...وكل المعالم والمبادئ والقيم والأسس البنائية لقيا وثبات الأمة...
صورة حكت الكثير وامتلأت بالدهشة ..والقوة في السبك ...يرتقي فيها الشاعر لمستوى الرمز..الذي بنى عليه فكرته التأويلية التي أعطت تلك الأبعاد الدلالية المختلفة...
عملية الإندماج بمشاعره مع روح النص جعل لها قاعدة مؤثرة في نفس المتلقي وله امتداده الروحي في معناه الوجداني..وهذا ما رفع النص عالياً في تأثيره والتحليق في عالم الخيال للتنقيب عن تأويلات عدة يتوسع مدار الفكر عبره...
(صَـرْخـةٌ فِي قـَـبْــرِ المُحَـالِ الكَئِيبِ
الَّـذِي لَـم يـَكُـن قـَـبْــرَاً
وَلَـكِـنَّ الحَـيَـاةَ تـُرِيـد
مَـوْتٌ ... تـَحْتَ عَـينِ الشَّمْس !)
وما أفظعها من صورة تقشعر لها الأبدان..من قوة رسمها ونقشها على لوح الإبداع...
قبل هذه الصور كان الشاعر قد صرخ..
بقوله..
(صرخت بها ..إرحلي...)
لتتطابق مع نوعية الصرخة هنا...
لكن بطريقة أفظع عمقا من إتقانه للحرف في نسجه بطريقة بالغة الأثر...
الصرخة هنا كانت في قبر المحال الكئيب..
والقبر هو المعبر عن مساحة قليلة للفرد بعد انقطاعه عن الحياة...وحين يتم الصراخ فيه..يعني لا أمل للرد عليه والإستجابة المستحيلة...وقد أراد كناية عن موت الحياة وتساقطها تحت عين الشمس..أي بوضوح النهار وعلى مرآى من الجميع..وهذا أيضا كناية عن قمة الألم وموت الكرامة والعدل والضمير والأمن والأمان والعيش الهني..
(مَصْلُوبٌ عَلَى جُـذُوعِ النَّخِيـلِ العَـتِيـقِ
بـِعَصْـرٍ يـُنَـادِي بـِآيـَاتِ هَــدْم
صُـوَرٌ وَمَشَـاهِـدٌ مَـرَّت عَلَى حَـرْفِي
مِطْـرَقـَةُ العَـرَّافـَةِ تـَدُقُّ بـَابِي فِي لَيْلَةِ مَـوْتِي
اذْهَبِي عَـنِّي ! )..
ويكمل دائرة الوجع بنغمة وجدانية مؤثرة جدا مذهلة ...وشدة إتقانها المحكم أفرزت مشاعر حية نابضة من المتلقي أثارت أحداقه وجلدت نبضه حزنا وألماً..
الصورة هنا جاءت بانحناء تام من الأقلام لحرف باسق وارق كهذا...
مصلوب على جذوع النخيل...والصلب كما ذكرت سابقا..قتل الأنسانية وقتل الحق واغتصاب الشرع...وأن يكون صلبه على جذوع النخيل...يعني مصلوب على أرضه وطعن بقدسيتها وشموخها وقوتها وكرامتها...
لأن الصلب على النخيل هو قتله أيضا وانتهاك لقوته ومكانته المقدسة والتي أوصانا بها نبي الرحمة...
وهذا كناية عن التعرض لحرمة الإنسان والمقدسات بانتهاكها واغتصابها...
وهو مصلوب في زمن يهدم كل نعم الحياة ..ويكثر الدجل والكذب والصدق ينتحر..وهذا ما وضّحه الشاعر ..بكلمات ..مطرقة العرافة...
زمن بيعت في المثل العليا ..والضمائر والقيم وبات الهدم عنوان الحضارة.....
وهذا يوحي للغربة والوحشة والمعاناة ..والتي ربطها الشاعر مع وحي النص.
النغمة الطاغية على روح القصيدة هي نغمة التمزق والحزن والضياع وتبديد الوحدة بين أبناا الوطن الواحد..مما يعكس ذلك السقوط والمعاناة في الوطن الجريح...وهذه تأملات تولج لذات الشاعر تمثّلت في طقوس الفكر المجسدة في ذات الشاعر ووجدانه..وهذا بحد ذاته تعبيراً عن تأملاته في سقوط الحياة وتصوراته وفلسفته الراقية في وصف عمق الجراح....

(مَهْـزُومٌ أَنـَا / مَهْـزُومٌ يـَا أَبـَتِ \ مَهْـزُومٌ مُـنْـذُ خُلِقْـتُ
لَم تـَرَ صَبَـاحَـاتِي كَـيْـفَ يـَسْتَـرِيحُ
السُّكُـونُ فِي صَـدْرِي / كَـيْفَ أُبـْحِـرُ ؟!
كَيْفَ ...؟!
لَن أُبـْحِـرَ ... ؛ ظَفِـرَ بـِىَ الوَجَعُ
وَأَنـَا بـَقِـيَّـةٌ مِـن رَمَـاد)

هنا تتجدد الصور الإبداعية العميقة ..وقد طحنتها الهزائم في ظل انكسار الأعماق من انكسار الأرض..
(مهزوم أنا..) صورة حديث الذات الخاص وتأثير المعاناة على الروح الشاعرة..لتبدأ بالإنطلاق للعام بشكل سلس ومغري للذائقة..
هذا التقوقع الذاتي يبدأ بتراكماته نحو الخارج .. إفراز هذه الأوجاع نحو الأب
(مَهْـزُومٌ يـَا أَبـَت)..والسبب لذكر الأب..إذ كان يعاصر تلك الأوجاع وشاهدٌ على ذلك العصر..
والدليل قول الشاعر مَهْـزُومٌ مُـنْـذُ خُلِقْـتُ
لَم تـَرَ صَبَـاحَـاتِي كَـيْـفَ يـَسْتَـرِيحُ
السُّكُـونُ فِي صَـدْرِي / كَـيْفَ أُبـْحِـرُ ؟!
كَيْفَ ...؟!)..وكأن الشاعر يريد من الأب أن يلتفت لهذه الهزائم التي لم تتوقف بعد من ولادته..ليقول لنا ..بأن الجراح طالت بنا أمدها وما زالت تنحت ذاكرة المجتمع كله..
هذه الصورة التي ترمز لشدة الأوجاع النفسية التي سببتها المعاناة للوطن ..ما زالت تبيت في الصدر لم تنفك عنه أبدا...
صورة عميقة متقنة النظم وما بها من مرامي وأبعاد...استطاع الشاعر هنا رسم حدود الذات وما يجري بها من صراع ..وهذا النوع من الصراع..يساهم في خلق مفاهيم تقرّب المتلقي من التحسس بهموم الشاعر والعيش في ظله ليتمكّن من التفاعل معه والإنخراط في الأزمة التي خُلقت مع الشاعر..ليتمكن المتلقي من الدفاع عنه بصدق والثورة على الباطل..
وبمثل هذه الصورة يعلو شأن الشاعر ويرتفع حرفه نحو قمة الجمال والكمال..والذي يدل على براعته وإتقانه في تجسيد الحدث باندماج تام بين الحرف والمشاعر والصورة الممتلئة بالحدث..
( لَن أُبـْحِـرَ ... ؛ ظَفِـرَ بـِىَ الوَجَعُ
وَأَنـَا بـَقِـيَّـةٌ مِـن رَمَـاد)..
وهذه الصورة المدهشة الذي يعبر بها عن قمة وجعه إذ يشبه نفسه ..بقية من رماد..
يرسم الوجع وكأنه قد تخطّفه فازداد به السوء وحاله الموجع ليبقى منه قليل من رماد..على حافة الموت..بعد عمر طويل ..
لو جئنا نفصل هذه الألفاظ ونفكك ما بها من وجع في ميزان الوطن..لوجدنا كفة الوجع رجحت كفة الوطن..إذ أصبح الوجع هو الوطن في كل مكان..وها نحن في عباءة الأمل نتدثّر..ونحن نرفع الأكف والأعين نحو رحمة الله بانتظار النصر الذي وعدنا به بإذن الله...
(لَقَـد بـَكَى .... وَجَـرَت الدُّمُـوعُ فِي رُبـُوعِ الشَّـام
أشبَاحٌ / أشباحْ بِفِعلِ أشباه الرِجالْ
مَتى تَهتَز شَوَاربِ العَربْ ..؟
أصْنَامٌ / أصْنامْ أنْتُمْ
بِلا مُؤَخْراتْ ..... !)..
من منطلق هذه الصورة المؤلمة يتدحرج بنا الشاعر نحو أرصفة الوجع بين أزقة الشام وربوعها التي غطتها الدموع من حرارة الألم...
فتجلده وتهزه خذلان العرب وسباتهم العميق..وغفلتهم عن الدماء التي تسيل بلا توقف..هم أصنام قلوب وضمائر وموت معاني الكرامة من ألسنتهم وأيديهم...
وصف دقيق جدا لقادة العرب الذين يشربون دماء الأبرياء نخب سكرهم وتعاطيهم مخدر الغرب والمصالح الذاتية...
أي لو تفجرت قنابل في أولاداهم وبيوتهم ما رقّت قلوبهم للحق والعدالة...
لقوله تعالى:
"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف 179)..
هذه أصدق آية تقال بحقهم.. وكفى
(المَوت يَنتَظرْ
الكَفَنُ يـَخْطُو نـَحْوِي فِي هُـدُوءٍ
فِي هَيْـئَةِ المَسْخِ المُنْتَظَرِ
الغِـرْبـَانُ السُّـودُ تـُحَلِّقُ فـَوْقَ رَأْسِي انـْتِظَارَاً
لِنَهْشِهِ حِينَ إِغْمَاضِ الأَجْفَانِ إِلَى الأَبـَد
جَحَافِلُ الظَّلاَمِ تَمْـلأُ الأَمَاكِنَ
وَكَأَنـَّهَا كَانَت تـَتَـرَبـَّصُ بِي فَهَجَمَت بـَغْتَـةً !!
الـنُّجُـومُ اخْتَفَت فَجْـأَةً !! هَـرِبـَت !! تـَخَلَّت عَنِّي)...
ويستمر الشاعر في خلق الصور المذهلة المبهرة وهو يمسح عنها غبار الصمت بقلمه الفذ لينطق حرية التعبير عن حقيقة الواقع الموجع واندماجها بذات الشاعر حد الذوبان... وهذا هو سر الجمال..تناسق ما بين روح النص وروح الشاعر..ليتدفق السحر من بين أصابع هذا القلم الفذ...
(الموت ينتظر)..وهذه اللفظة كناية عن هول الوجع وحدوث كارثة حقيقية موجعة جعلت من الكاتب نافذة تذكّر للموت واستعداد الكفن للوصول ( الكَفَنُ يـَخْطُو نـَحْوِي فِي هُـدُوءٍ
فِي هَيْـئَةِ المَسْخِ المُنْتَظَرِ)..
للوصول بهدوء..هذا دليل على وجود تخطيط مسبق غير مباغت لتشريع الموت على هيئة أولويات معاصرة تقف بالدور ...وهذا قمة الألم الذي يحمل سكينا لذبح وانتهاك الحرمات بغير وجه حق..واغتيال الإنسانية...
والغربان السود تنتظر الجسد حين يستسلم للموت لتنهش لحم البشر ...
( الغِـرْبـَانُ السُّـودُ تـُحَلِّقُ فـَوْقَ رَأْسِي انـْتِظَارَاً
لِنَهْشِهِ حِينَ إِغْمَاضِ الأَجْفَانِ إِلَى الأَبـَد)..
ومتى تنهش الغربان الرأس والجسد..إلا إذل تعرض الجسد لصلبه عاليا..أو ترك الجثة بلا غطاء أو دفن تحت التراب..وهذا كناية عن الإستبداد والظلم ومنع مواراة الجسد التراب..ليكون ملتحفا السماء..ولربما دلٌ على كثرة الموتى لقلة من يكفنها ويدفنها..ووجه الظلم العاتي في الأرض والأيدي التي تقتل وتغتصب حرمات الإنسان...
( وَكَأَنـَّهَا كَانَت تـَتَـرَبـَّصُ بِي فَهَجَمَت بـَغْتَـةً !!
الـنُّجُـومُ اخْتَفَت فَجْـأَةً !! هَـرِبـَت !! تـَخَلَّت عَنِّي)...
وللغربان تأويلات عدة..تنصرف لقادة وحكام لهم أنياب يمزقون بها جسد الطهر والكرامة والضمير والإنسانية بكل معانيها...
جنودهم طغاة يتربصون البشر بلا ضمير ..مجردين من معالم الإنسان وهم على هيئة وحوش ضارية..ينهشون الحق والدين ...فغطى الأرض الظلام وغابت معالم النور وحتى النجوم التي تهتدي بها البشر قد اختفت عن معالم الطريق وتركت ظلاما يتخبط به الإنسان ...

(آهٍ يـَا وَجَعِي !!
كَيْفَ أَنـْتَ يـَا وَجْهِي وَقـَد صِـرْتَ أُنـْشُـودَةً لِلـرِّيح
نـَفْسِي غَـرِيبَـةٌ عَـنِّي
بـَل أَنـَا غَـرِيبٌ عَن نـَفْسِي ..
في المقطوعة الأخيرة هذه..يدمج الشاعر الفلسفة بين أنامل حروفه..لتكون بارقة قوة لحروفه العميقة المتقنة..
حيث يتداخل الوجع والصراع الذاتي المجبول بفلسفة الذات..
(آهٍ يـَا وَجَعِي !!
كَيْفَ أَنـْتَ يـَا وَجْهِي وَقـَد صِـرْتَ أُنـْشُـودَةً لِلـرِّيح
نـَفْسِي غَـرِيبَـةٌ عَـنِّي
بـَل أَنـَا غَـرِيبٌ عَن نـَفْسِي )..
فلسفة الذات لها أبعاد .. حوار الذات مع الذات.. وعندما نتحاور وننقاش ونتحدث مع الذات.. هذا يعني أننا نقوم بتحريكها وهزّها ولومها وعتابها.. وهذه مرحلة في علم النفس تفيد إما صراعاً لا ينتهي وإما إيقافاً عما هي عليه.. بحسب الصراع المتراكم في الذات البشرية.. والشاعر يطلق عنان الجمال والسحر في محادثته مع الذات..حيث تخيط رموزاً تلتف في عنق الصراع الذاتي واللوم لها .. لسُكناها القلق وليس قلق عادي بل متوهج.. يزداد توهجه عند أي طارئ مقلق.. والقلق المتوهج هذا لا يأتي من فراغ مطلقاً .. إلا وله خلفية استحوذت على ملكة أحاسيسه وأذابتها لتندرج في هذا العتاب الساحر..وراء هذا القلق مارد من الدجى يهز أعماقه لتنتفض مراكب حسه لينتهي في حوار ذاتي وصراع.. من خلال الصورة الفنية الرائعة التي يصف بها غربته خارج وداخل الذات..
هنا سوف أخوض لأبعاد أخرى ربما يرمز لها الشاعر .. وهو العراك الدائم أثناء التصادم مع الواقع.. الحياة داخل الوطن المفعمة بالحزن والألم .. والتخبطات التي تحدثها سياسة العصر التي تقذف الأمن بعيداً.. وتجلب القتل والفساد والدمار ولا تزرع إلا الويلات والحروب..
( الـرِّيحُ تـَعْـوِي بِمَعْـزُوفـَةِ الاحْتِضَـارِ
وَصَخَبُ اللَّحْـنِ المُـرْعِبِ يـَضِجُّ مِـنْـهُ سَمْعِي
يـَصْحُـو مَـوْتِي ..!
حَانَ أَوَانُ احْتِضَارِ الذِّكْـرَيـَاتِ المُعَتَّـقَـةِ
شَبَحُ الرَّدَى يَمْشِي الهُـوَيـْنَى
حَفْلُ التَّـنَكُّـرِ لِتَنَـكُّرِي أَمَـامِي !!
وَفِي حَفْلٍ أُسْطُورِيٍّ لِكُلِّ أَصْحَابِ الدَّمِ العَرَبِيِّ
يَجِيءُ النُّصُبُ التِّذْكَارِيُّ
لِكَلْبٍ يـَتَعَفَّفُ الجُـثَث)..
صور ورمزية عالية متقنة..كلها تصب في الذات وتفاعلها مع الخارج من البيئة ..وكأن الكون يلحن معزوفة حزن بكل ما فيه تفاعلا مع الإنسان المصدوم بهذه الحياة وما فيها من ظلم البشر...فالريح تعوي للإحتضار..
وقد حان احتضار كل الذكريات المعتقة..في حفل تنكري وأسطوري لنصب تذكاري لكلب يتعفف الجثث...
تشابيه وأوصاف غاية في الإبداع..وصور ذهنية نابضة بواقع مرير...تحمل أبعاد الألم والغربة..وتجسد تلك الطاقة التي تلامس الوجدان..وتطلق لفكرته التأويلية العنان في السبح في الخيال مع روح النص..ليكتمل معها كل عناصر الجمال والإبداع...
..........
الشاعر الكبير المبدع المتفرد بحرفه ..الغني بفكره..الواسع في علمه...
أ.محمد خالد النبالي
كنت في حضرة قلم مبهر ومدهش..وقد تنقلت بين أفيائه في متعة الذائقة الأدبية وبين جمال هذا النظم البديع من حرفكم المتألق..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم رفعة ورقيا وعلما نافعا ونورا وخيرا كثيرا...



الناص : عدنان حماد
النص : نكوص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص
ـــــــــــــــــــــ

صوت الدلّال
تزاحم الأقدام حول بائع السلع الرديئة
صوت الغجرية التي أرخت ضفيرتها للريح
يستقطب الرواد
وحيدا كنت في الركن البعيد
اصغي لدرويش ينشد
(بحر لأيلول الجديد)
لكن صوت الدلّال أعلى
صخب التصفيق وخلخال الغجرية الاكثر جاذبية
والرواد كالتفاح وما رحم ربي غيري انا
صوت
تسلل فجأة ليقول لي
فيم التمعن يا فتى
فالحبر اصفر
ارحم وقارك يا أخي
فالعمر أدبر


القراءة
ــــــــــــــــــــ

نكوص...
هذا النص وما يهدف إليه من معاني وأبعاد ودلالات...يعتبر ثروة أدبية جليلة قوية البناء ..محكمة البيان..متقنة التراكيب..
من العنوان الضخم نخوض لعمق النص الفاخر..
نكوص...كلمة بألف كتاب...معبرة متقنة لمرامي الكاتب وأهداف النص...
نكوص..هي كلمة ومصطلح في علم التحليل النفسي...
يغوص في النفس وفي سلوكيات الفرد وتراجعه عما كان عليه من سلوك لإثارة الماضي الجميل وللفت نظر الحاضر لقيمة مدخرات الماضي وما كانت عليه من مجد وقوة...
الكاتب هنا ..انطلق في النص من عمق الوجع الذي يقض فكره ويقلقه لأبعد الحدود..ويشعر بنفسه أنه وحيد عصره بانسلاخ القيم الجمالية وانحدار المبادئ القيمة الأساسية لأسفل مستويات المجتمعات اليوم...
فمن الغيرة الشديدة التي تتملك الكاتب وقهره على زمن الإنحطاط في كل شيء..وخاصة زمن النفاق الأدبي وهبوط المستوى في زمرة الأدباء والشعراء...رغم أن الإنحطاط وتغيير بوصلة النظم والثقافات السائدة مما ما أصابها من عطب وخلل..
جعله في محطة المسؤولية الكبيرة والأمانة في تقديم لوحة أدبية راقية ..تؤثر في المتلقي لتعيد له اتزانه المفقود مع التغييرات التي طرأت على القيم الإجتماعية وساهمت في تغييرها بشكل سلبي أكثر...
ومن (صوت الدلال ..وتزاحم الأقدام حول بائع السلع الرديئة
صوت الغجرية التي أرخت ضفيرتها للريح
يستقطب الرواد...)
كلها مؤشرات تدل على هذا النكوص والتراجع البليغ عن الأساسيات والمبادئ..لانحدار نحو هاوية الحضيض ..
نلاحظ من واسع إبداع الكاتب أنه قال كلمة..وتزاحم الأقدام..وهذه صورة جدا متقنة تشير على الأكثرية الذين ينقادون نحو السقوط ..وتزاحم تدل على كثرة بشكل غير طبيعي..وتزاحم الأقدام ..تختلف عن تزاحم الخطوات..لكن أراد بها الكاتب التحقير لهذا المستوى الهابط الذي وصل إليه الأكثرية من الأدباء والشعراء...
ثم يوضح أهدافه..بكلمة..السلع الرديئة..
وهنا تظهر قدرة الكاتب وذكائه في اختيار الألفاظ القوية المؤثرة البليغة ..حين يعتبر الأدب اليوم من يتخذه سلعة للتجارة به مقابل العلو ورفعة المكانة بين الآخرين وتحقيق الذات على حساب الأنقياء والشرفاء ...
وأما صورة الغجرية واستهوائها للمارة ضعاف القلوب وتستقطب الرواد....تمثل تلك الأهواء المحايدة عن الحق والشهوة لتحقيق الرغبة بطريقة غير شرعية ..شاذة كليا عن قاعدة المستوى المستقيم ..
وهنا نرى الحرفية والقوة في الذكاء الأدبي الذي يملكه الكاتب لتوصيل فكرته الراقية التي تحمل كل معالم الرسالة الأدبية والأمانة الفكرية ...
صورة جسدها الكاتب بإتقان وبتراكيب ساحرة الأبعاد والعمق..وما تحمله من رمزية متقنة جدا...
وما أكثرها الصور المثيرة والمذهلة هنا في خاطرة قليلة الألفاظ واسعة العمق والدلالات والأبعاد ..واتساع بؤرة الخيال من خلال تلك الرموز التي يوظفها الكاتب كوسيلة للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه الشعورية واللا شعورية..وللتأثير في نفس المتلقي..لكشف أبعاد الكاتب وأسرار حرفه ومراميه التي يسعى لتوصيلها للمتلقي بطريقة غير مباشرة بهدف الوصول للمتعة في التنقيب والبحث بين خفايا الحروف...
(وحيدا كنت في الركن البعيد
اصغي لدرويش ينشد
(بحر لأيلول الجديد)
لكن صوت الدلّال أعلى)
صورة متقنة معبرة مؤثرة جدا ..تدل على قمة الألم والجرح الذي يعانيه الكاتب وقد طفح به الكيل مما وصل إليه حال الأدب اليوم..
وقد لمست ذلك من خلال هذه الصورة الذي يقول بها أنه ..وحيد في الركن البعيد..ركن أدبي أصبح بعيد المنال عن الأكثرية وابتعد بمصداقيته عن أدباء اليوم...
يصغي لدرويش الأصالة والوطن والجذور ..لكن صوت الدلال أعلى...
ما أبلغ هذه الصورة وكم تؤثر أبعادها في النفس...أصبحت جذور الأدب في خطر الإنهيار عن جادة الحق والأصالة والفكر ...
صورة متقنة لا يجيد رسمها إلا الكبار العمالقة الذين يملكون فكرا وأدبا وأخلاق أدبية حية..كأمثال هذا الكاتب الأصيل البارع الرسام لحدود ما آلت إليه المجتمعات في تدهور وضياع...
(صخب التصفيق وخلخال الغجرية الاكثر جاذبية
والرواد كالتفاح وما رحم ربي غيري انا
صوت
تسلل فجأة ليقول لي
فيم التمعن يا فتى
فالحبر اصفر
ارحم وقارك يا أخي
فالعمر أدبر)..
التفاح هو رمز الشهوة والفتنة والوقوع في الهاوية عن مسار الحق ..
وعملية المتساقطون الذين انحرفوا عن سبل الصدق والمسار الصحيح وقضموا جذور الأدب الحقيقي الأصيل..لينحرف الكثيرين عن سبله ..
كلمة التسلل..تدل على السرقات الأدبية التي أصبحت بكثرة اليوم دون مراعاة لقدسية الأدب والأمانة الأدبية..
والحبر أصفر...
تشابيه متقنة إبداعية متقنة من قلم واعي مدرك لقيمة كل حرف..
فالحبر الأصفر..كناية عن الذبول والإحتضار للأقلام المخلصة الصادقة الجادة..تشبيه مؤثر كبير كصاحبه..يدل على مكانة الكاتب وحرفيته وعمق ما يرمي إليه بطريقة جمالية مؤثرة جدا...
ارحم وقارك..فالعمر أدبر..
صورة جليلة جميلة مترابطة مع روح النص والحس الداخلي والخارجي..
بمعنى أن من يعترض هؤلاء سيصاب بالإهانة والتجريح وتقلل من شأنه وشأن المبادئ التي يحملها...
هنا اندماج واضح بين عناصر النص والإحساس الداخلي والمفردات والرمزية التي احتواها النص..مما قرّبت المفاهيم واتضحت الصورة من خلال هذا الأندماج المتقن البناء ..
التشابيه التي استعملها الكاتب تدل على موقعه من بلاغة وبراعة وعمق وثقافة ووعي ونضوج..وهذا ما جعل الخيال يحلق عاليا وينقب بين جمالية النص...
لغة عميقة ذات وعي عالي قام على بناء تراكيب للكلمات بطريقة إبداعية متفردة جدا..
......
الشاعر الكبير والأديب المبدع الراقي
أ.عدنان حماد
يطيب التحليق بين جمال حروفكم وينتشي الفكر وهو يطوف بين إبداعكم الكبير هذا..
لله دركم من قلم يجسد شرائح المجتمع وقضايا ذات قيمة عالية تمس الأدب ..رسمها قلمكم على حرير الأدب الراقي..
دمت قلما يرشح بالجمال ويسطر الحق لإعلاء قيمة الأدب من باب المسؤولية والغيرة المحمودة..
بورك المداد ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه
زادكم الله بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النص : أمدُّ إليك أشطانَ الاماني
النّاص : عمر الهباش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــ

إلى روح ابن مدينة اللد الشاعر الفلسطيني الصديق
المناضل عبد الكريم شكوكاني



أرى عينيكَ تسمرُ في المحال= وترميني إلى شطِّ الخوالي
إلى رملِ اللجين* عبرت تعدو = فينطرك الوصول إلى الغوالي
فقد فاقت خطاك وجيب قلبي = وأسمع وقع خطوك في ارتحال
لعنقود الكروم اراك تهفو = وتقطف ما يروق بلا سؤالِ
وآه كيف أغفو يا رفيقي = وانت هناك ما بين التلالِ
رأيتك في المنام قيود ذكرى= تكبل معصمي وبك انشغالي
إلى "اللد" البعيدة كنت تصبو= وفي عينيك غزة في الظلالِ
أمدُّ إليك أشطانَ الاماني = فتسقط عنوة بيد الكلالِ
أيا عبد الكريم أراك فينا= تعانقك الاديم ولا تباليِ
إلى جسر الخلاص أراك ترنو= وركبك قد خبا بين الجبالِ
ألا اني فديتك نبض عمري = بشعرك أرتقي أفق الكمالِ
أيا نورا سنيا في بلادي= أراك الحي وضاء المجالِ
فلسطين الجريحة فيك تحيا= تتوق إليك يا نهج النضالِ
وقدسك في القيود تدرّ دمعا = وعُرْبُكَ في الحضيض إلى الزَّوالِ
أودِّعُ فيك دمعا فيه ناري= تُمَزِّقُ أضلعي تسري ببالي
تسافر للبعيد بلا ظلال = فأنت اليوم توشم في الخيالِ
عرفتك اخضرا في كل وادٍ= فأنت النبع بالماء الزلالِ
عرفتك كالفينيق تطير حرّا=ومن بين الرماد إلى المعالي
عرفتك في الفينيق تفيضُ شعرا =وتنظم من دماك ولا تبالي
القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــ

أمدُّ إليك أشطانَ الاماني ..
أرى عينيكَ تسمـرُ فـي المحـال وترمينـي إلـى شـطِّ الخـوالـي
إلى رملِ اللجين* عبـرت تعـدو فينطرك الوصول إلـى الغوالـي
فقد فاقت خطـاك وجيـب قلبـي وأسمع وقع خطوك في ارتحـال
لعنـقـود الـكـروم اراك تـهـفـو وتقطـف مـا يـروق بـلا سـؤالِ
وآه كـيـف أغـفـو يــا رفيـقـي وانـت هنـاك مـا بـيـن الـتـلالِ
رأيتك فـي المنـام قيـود ذكـرى تكبـل معصمـي وبـك انشغالـي
إلى "اللد" البعيـدة كنـت تصبـو وفي عينيـك غـزة فـي الظـلالِ
أمـدُّ إلـيـك أشـطـانَ الامـانـي فتسـقـط عـنـوة بـيـد الـكـلالِ

أمد إليك أشطان الأماني...
عنوان باذخ..بتراكيبه وجيوب معانيه العميقة الممتلئة بالجمال ...
قصيدة عبر بها الشاعر عن حزنه الشديد للشاعر الكبير عبد الكريم شكوكاني..رحمه الله والذي كان علما يرفرف بأدبه وشعره راية الأدب النقي..وقد ترك لنا بصمة حرفه لنتعلم منها فنون الجمال في تراكيب لغوية على شكل قصائد وخواطر تفيض وطنية وعزة وكرامة...فإن رحل عن الحياة بجسده..إلا أنه بقي بأدبه المتناسل لكل الأجيال القادمة...
بما أن الشاعر بدأ لوحته الراقية بفعل (أمد) التي تعبر عنه فقط ..ليكون دليلا على علاقة ورابط بينه وبين من يقصد..وهذه العلاقة إنما هي علاقة
متينة تحدد مدى قوة تلك الصلة التي تجمع بينهما....
وسنرى ما تلك الأماني التي يقصدها الشاعر في جوف قصيدته الراقية....
(أرى عينيكَ تسمـرُ فـي المحـال وترمينـي إلـى شـطِّ الخـوالـي
إلى رملِ اللجين* عبـرت تعـدو فينطرك الوصول إلـى الغوالـي)
الشاعر يبدأ خريدته بلغة حوارية مع الذات ومع من يقصده في الرثاء...
بدأ لوحته الفنية الرائعة في توجيه حديثه للعينين..لأن لغة العيون هي لغة النبض ولغة المشاعر..ولغة الحس بالآخر المقابل له..ومن العينين نقرأ ما بين الضلوع ..ونشعر بلغة الجسد ..التي ترمز لنا نوع المحاكاة وكيفيتها وانفعالاتها..لنستطيع دراسة فكر الآخر ونتدارك مشاعره...لكن الشاعر هنا يخاطب عينين غابت عن الدنيا وهجعت بالمستحيل المحال..
والشاعر هنا استطاع توظيف حرفه بإتقان مطلق لكيفية مخاطبة من هو في عالم المحال...فيصف العينين وهي تبيت بالسمر ..ليلا وبسواده..وترميه إلى شط الخوالي...حيث الذكريات الجميلة التي كانت تجمعهما...ورمل فلسطين المقدسة..
(فقد فاقت خطـاك وجيـب قلبـي وأسمع وقع خطوك في ارتحـال
لعنـقـود الـكـروم اراك تـهـفـو وتقطـف مـا يـروق بـلا سـؤالِ)..
الله كم لهذه الصورة من أثر في النفس ووقع في القلب..وحيث التشابيه تحاكي التي تدلي على براعة الشاعر..
لنتأمل بناء هذه الكلمات وجودة الريشة التي خطت للجمال أفق لا حد له ولا نهاية..
إذ خطاه (الشاعر عبد الكريم) تخطت جيوب القلب..وهنا استعمال كلمة جيب..إنما لتخبئة شيء ثمين ونفيس ..فكيف وصديقه الراحل قد خبأه في قلبه وأغلق جيبه عليه ..ليكون في مأمن الحب والدفء..ثم ينتقل لصورة خطواته وهو يسمعها في ارتحال..وكأنه يشعر به وبرحيله متى يدنو منه...وهذا دليل على الروابط المتينة التي كانت تجمعهما بالحب والأخوة والصداقة العظيمة النادرة..
تشابيه رتعت في حوض جمال اللغة وحسن التوظيف لها..وهذا يدل على براعة الشاعر في انتقاء مفرداته وكيفية بناء الجمال على أصوله ووفق أسس الإبداع والتألق...
(وآه كـيـف أغـفـو يــا رفيـقـي وانـت هنـاك مـا بـيـن الـتـلالِ
رأيتك فـي المنـام قيـود ذكـرى تكبـل معصمـي وبـك انشغالـي
إلى "اللد" البعيـدة كنـت تصبـو وفي عينيـك غـزة فـي الظـلالِ
أمـدُّ إلـيـك أشـطـانَالامـانـي فتسـقـط عـنـوة بـيـدالـكـلالِ )..
الله الله على قوة العلاقة التي كانت تجمعهما والنادرة اليوم وذلك الإخلاص والوفاء في الأخوة والمحبة..
فالصورة هنا تجمع كل الصدق ومعاني الإنسانية في قوله: كيف أغفو يا رفيقي وأنت هناك بين التلال...صورة تشع وجعا وألما على القلق الذي يجتاح نفس الشاعر على غياب رفيق الروح..وهذا يعكس قمة الإخلاص والحب ...وهذا يعكس صفات الشاعر المتكاملة النقاء والإخلاص والوفاء لمن يحب...
وما أروع هذه الصورة التي رسمت بريشة فنان محترف وبارع..حيث وقفت طويلا بين كل صورة وأخرى..لجمالها الآسر وبنائها المتين ورونقها الجاذب للذائقة ...
فكيف يرى صديقه في المنام وقد قيدته الذكرى وانشغل باله بهذا الرحيل الأبدي والذي قض مضجعه حزنا ووجعا على الفراق الأليم...
ويصف الشاعر صديقه كيف كان يتنقل بين بلده اللد وبلد الشاعر غزة والتي كانت تجمعهما بالحب والمودة ..وكيف غادر الأمكنة والأزمنة بلا عودة وهو يحمل كف الأماني لبقائه التي ذهب معها برحيل ترك الوجع مع الذكريات...
انبثقت من خلال هذه الصور البارعة الماهرة إحساس الشاعر بالزمن وذكرى الأمكنة التي كانت تجمعهما..والتي انساب من وصفها جمال متفرد في البناء ورسم الصور التي جسدت


الفراق..ورسمت معالم الرحيل والذكرى بتشابيه عذبة من قوة الألفاظ التي بحوزة الشاعر ..ولمسات الشاعر الحزينة كانت الطابع الغالب المتفاعل مع إحساسه الداخلي وكأنه يعيش في حلقة هذا الرحيل الموجع الذي أفرز تراكيب حسية مترابطة مع البيئة التي كانت تجمعهما في وحدة الصداقة والأخوة الصادقة والتي تركت أثرا بليغا في نفس الشاعر مما انتقلت هذه المساعر لروح المتلقي..مما عكست جمالا في البناء انسجم مع روح النص وأشعلت الألفاظ قوة وتأثيرا من سحر نسجها ...
(أيــا عـبـد الكـريـم أراك فيـنـا تعانـقـك الاديـــم ولا تـبـالـيِ
إلـى جسـر الخـلاص أراك ترنـو وركبـك قـد خبـا بـيـن الجـبـالِ
ألا انـي فديتـك نـبـض عـمـري بشعـرك أرتقـي أفـق الكـمـالِ
أيـا نـورا سنـيـا فــي بــلادي أراك الـحـي وضــاء الـمـجـالِ)..
أيا..
من أدوات النداء للبعيد هي الأدوات التي يستخدمها المُنادي لمناداة الأشخاص البعيدين عنه..وهذا يدل على ذكاء وتوظيف الشاعر لأدوات حرفه بحرفية ودراية ووفق الوعي التام للغة ..
لأن الراحل إنما هو أصبح في عداد البعيدين جدا واللا عودة لهم..
الشاعر يستعمل كلمة ..(تعانقك الأديم)..والعناق هو من نتاج الحب والمودة ..وكأنه يريد القول أن روحك الطاهرة ونقاءها تشتاقها الأرض ..كناية عن حب كل لشيء له لخصاله وصفاته الحميدة...
يناديه الشاعر ويخاطبه بلغة رقيقة من وحي حبه العميق له..ومن عظمة هذا الحب يتخذ من شعره مدرسة يتعلم منها ويفديه بعمره من شدة إخلاصه ووفاءه الكبير له..
ينتقل الشاعر للوطن فلسطين الحبيبة وأثرها النضالي بين مسامات نبضه رحمه الله..بقوله:
(فلسطيـن الجريحـة فيـك تحـيـا تتـوق إليـك يـا نـهـج النـضـالِ
وقدسك في القيـود تـدرّدمعـا وعُرْبُكَ في الحضيض إلى الزَّوالِ)
الشاعر هنا يدمج بين ذكر الصديق الوفي ونضاله التاريخي بالكلمة الثائرة وكفاحه بعطر قلمه في مجابهة الطغاة في فلسطين الجريحة..ويذكر حجم حبه لفلسطين...وما زالت قيود القدس والأقصى تنزف دمعا ودما ..إذ خذلها العرب وساستهم وقادتها وهم في زوال والظلم وعنوانهم..ومهما استبدوا في البلاد فهم في زوال وإلى مزابل التاريخ...
وكأن الشاعر يريد القول..أن رحيلك سبق فتح القدس بتحريرها من قيود المحتل ...ورحلت وما زالت في قيد الطغاة لم يحرك من زعامة العرب ساكن...
الشاعر هنا دمج اللغة الواعية المتينة بين الوطن فلسطين وحبه لها وغيرته عليها ..وبين حبه لصديقه ورحيل شعراء الكلمة الحرة المجاهدة..ووظفها في تراكيب جمالية تخدم الهدف المنشود الذي أراده الشاعر في لفت أنظار العالم العربي على وضع فلسطين على رف الوجع والنسيان.. فيستغل الشاعر حروفه ليقض مضاجع هؤلاء الذين تخلوا عن ضمائرهم وكرامتهم التي تمرغت بالتراب...والدمج هذا يدل على ذكاء الشاعر وحسن توظيفه لحرفه لمعاني جليلة وغرض يخدم الأمة من خلال قلمه الثائر..وهذه هي رسالة الشاعر الأدبية الحقة..
النغمة الطاغية على القصيدة نغمة الحزن والوجع والفقدان لعزيز ..وحقل الزمان من ضخ الوداع والرحيل وربطه بالوطن وساعات الحزن التي ارتبطت باندماج بين المشاعر الخاصة بالعامة...حيث الحقول الدلالية في القصيدة يتضمن حقل يمثله الشاعر ومشاعره الخاصة الداخلية في عالمه الخاص..وحقل يمثل الوطن والصاحب .وهذا يعكس صراعه ولوعته على الفراق بالدمج مع وجعه على حال الوطن الجريح..وهذا هو قمة الوفاء في رسالة الأدب والعمل بمنهاجية تعكس أبعادا عدة تفيض من وعي الشاعر وقدرته في توظيف حرفه وفق مبادئ وأغراض شعرية هادفة ...
وينهي الشاعر قصيدته حول مشاعره الموجعة نحو صديقه الشاعر الراحل...بقوله:

(أودِّعُ فيـك دمـعـا فـيـه نــاري تُمَـزِّقُ أضلعـي تسـري ببـالـي
تسـافـر للبعـيـد بــلا ظـــلال فأنت اليـوم توشـم فـي الخيـالِ
عرفتـك اخضـرا فــي كــل وادٍ فـأنـت النـبـع بالـمـاء الــزلالِ
عرفتـك كالفينيـق تطـيـر حــرّا ومن بين الرمـاد إلـى المعالـي
عرفتك في الفينيق تفيضُ شعـرا وتنظـم مـن دمــاك ولا تبـالـي)
الصورة الجمالية هنا قمة في الإتقان ورسم إبداعي جمالي يحرك منابت المشاعر وينحت القلب وجعا وهو يودع علما من أعلام الأدب الذي ترك لنا لوحات يفتخر بها ...
ما أوجع هذه الصورة الشعرية التي تنز من قلب الشاعر وجع الفراق...
أفعال المضارعة التي يستعملها الشاعر ..أودع/تمزق/تسري/تسافر/توشم/..أفعال يستمر أثرها ويبقى في حراك وتحريك كلما عبرت أطياف الذكرى...وهذا دليل على توغل حبه لصديقه بحيث لا ينتسى أبدا..
كل فعل من المضارعة هنا كان بمثابة سحر لفظي وظفه الشاعر بطريقة إبداعية اشتملت على معالم الذكاء والحرفية والإتقان...
فجعل من الدموع الحارة سبيل الوداع..والتي مزقت الضلوع وهي تسري في كيانه...
وتصوير سفر الفقيد بلا ظلال وتوشم في الخيال..الله الله على جمالية هذا الرسم المتقن المبهر والمدهش...كيف يغرس الشاعر حرفه في حوض جمالي متقن..وهذا يدل على براعته وقدرته في استحضار عناصر الجمال في لوحة إبداعية متقنة الأبعاد ..
(عرفتـك اخضـرا فــي كــل واد فـأنـت النـبـع بالـمـاء الــزلالِ
عرفتـك كالفينيـق تطـيـر حــرّا زومن بين الرمـاد إلـى المعالـي
عرفتك في الفينيق تفيضُ شعـرا وتنظـم مـن دمــاك ولا تبـالـي)
وهنا الشاعر يلخص صفات الراحل الكبير الشاعر الوطني الحر الثائر عبد المكريم الشكوكاني..رحمه الله إذ هو علما أخضر الحرف يورق أثره ويزهر قلمه ويحيى كالفينيق حرا يفيض بشعره الذي جبل من دمائه ونبضه وجهاده ...
....
الأستاذ الكبير والشاعر العملاق ابن بلادي الحبيبة فلسطين
أ.عمر الهباش
قدمت لنا لوحة مبهرة بحروفها ومشاعركم المتدفقة صدقا ووفاء وإخلاصا..واللغة العميقة المضيئة بقوتها وجمال نسجها..والتي ارتبطت بأوصاف تقطر إبداعا وتدرك تراكيبها البنائية وربطها في صور مفردات حية نابضة بعناصر القوة والجمال...وجمالية الصور كانت بوابة العبور لذائقة المتلقي عن طريق تغليف الأفكار في نفس المتلقي بلغة تصويرية بارعة أيقظت معها العواطف الصادقة لتنساب كمرآة في نفس المتلقي..
وتمنحه البحث وكشف الأسرار من عنق النص الغني النفيس...وتعرية الوجع من قعر الواقع المؤلم ...
هنيئا للأدب بشاعر فذ بارع كأنتم..
وفقكم الله ورعاكم وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النص : مجروح
النّاص : كمال اللحام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

الإهداء الى الغالية (أم مراد)
مجروح...
جرح...
عذب دوائي
يشرب من جراحي دواء له
من عذابي
يا يـــمــة..
كنت زهرة البيت .. زهرة الحي ..
زهرة على كتف كل وادي
تطوف حولك الفراشات
واليوم تأتين بيد صاحب زهرة تمسح الدمع
زهرة للعزاء..
في جعبة الذاكرة ما يقيض على جمر
وترتجف شموعي
يا عقد لؤلؤ انفرطت حكاياته وفرت منه الحكايات
كحلم على شاطئ بعيد..
كرحيل طير في ليل يئن من الوريد الحزين
يا يمـــه
انطوى الليل بالحزن .. وشق الفجر متاعه بالبكاء
شجرة النخيل تلوح للأفق البعيد
رحلت.؟!
من عيني يسقط دمع اللهيب
نار الدمع تكوي خدي وذكرى تهز قلبي
بصعق عجيب
ما زلت طفلة يا أمي وأشتاق الدفء والحليب
ما زلت أبكي من وجع عجز عنه الطب والطبيب
ما زلت أغفو وأحلم بك يا كل أحبابي .. أنا الآن
غريب..
يا يمــــه...
ليس للغريب إلا أمه .. هي الحياة .. وهي
الحبيب.!


القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــ

مجروح...
الله الله الله على هذه المعزوفة الحزينة التي تدق طبول الذكريات ..وتزفر الوجع
ألحانا على أوتار العود...
ألحان نزت من القلب وجعا على الرحيل..فخيم الحمام فوقها يحاكي البكاء نعيبا..ويهدل فوق جسدها تراتيل الذكرى عند حوض الماء الذي لم يجف من يديها..وكسرات الخبز ما زالت عالقة بصوتها...
أية معزوفة هذه التي خرقت الأحداق دمعا..ونزف القلب لوعة على الفراق...
وكأني أسمع لحن الحزن بين أوتار هذا العود الذي شرب من بسمة والدتكم ما يثير الذاكرة كل حين...
وكأن الكلمات المدهشة البليغة المتينة قد اصطفت للوداع والدعاء...
فمن يملك عودا للعزف..يملك قلبا حيا ممتلئ بالمشاعر ..تخرج منه الكلمات النابضة على هيئة ألحان تأسر القلوب من تصميمها الإيقاعي الحزين..فتخرج الكلمات وفق أي مقام موسيقي كان..إن كان مقام النهاوند أو الراست أو البياتي أو الحجاز أو الصبا..
المهم ذلك التأثير الذي يخترق النفوس عبر نوتات سحرية تشحن المتلقي لطلب المزيد..إذ لعزفها شجون لا يمحى أثره من النفوس...
خاطرة عبرت عن وجع رحيل الدنيا كلها..
لأن الأم معزوفة خالدة لا تستطيع الدنيا ومن فيها أن تمحوها من النفوس والوجود..
فهنيئا لمن يكون لها في البر والإحسان مقيما أبد الدهر..
برضاها نسعد..وبرضاها يوفقنا الله لرضاه في الدنيا والآخرة...
ولنكن بارين لها في حياتها وبعد الممات...
الشاعر الكبير الأديب الراقي
أ.كمال اللحام
نسجت الجمال على طبق الرقي.. على صفائح ذهبية من الأدب البديع
رحم الله والدتكم ووالدي وجميع أموات المسلمين
لوحة فاخرة بهية عميقة المعاني
شكرا لقلمكم الذي فاض لنا ألقا وعبقا فأثريت الذائقة بالجمال



النص : لوحة ذات ألوان باهتة
النّاص : صلاح ابو شادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

(سهادُ) بنت الخامسة , هي وردةٌ جوريةٌ نبتتْ بأرضٍ يابسةْ ,
عصفورةٌ فقَدتْ جناحَيْها وتدفنُ ذكريات بائسةْ ,
هيَ لوحة لمّا تراها تذكر الرحمن ... تهمسُ :
يا اللهُ !!! ما هذا الجمال !!!
كيف تعلو مسحة الحزن وجوه الأبرياء , كيف يغفو من يظلّل وجه طفلٍ بالكآبة ,
كيف يجعل شيطانٌ ... رياض الكون غابة .
(سهادُ) غطّت وجهها علّها تخفي الدموع , طفلة لم تدر أن الكون فيه أبالسة .
قالوا لها : لِمَ أنت دوماً عابسة ؟؟
سكن الندى فوق الخدود , تأوهت واستسلمت لشرودها ,
واستحضرت ذكرى أيادٍ , كالندى فوق الورود , لا تذكر الأيدي لمن ,
لكنها مثل النسيم , ولم ترَ مثل هاتين سوى كفين لامرأة تراها منذ ذاك اليوم ,
واجمة كتمثال يجللّه الغبار
كم يشعر الإنسان بالإحباط حين تذبل وردة , كانت بروض الزهر عابقة معتزة بل شامخة ,
وأما الآن لا شمس ولا قمر ولا مطر ولا طير على الأغصان .
كانت (سهاد) وما تزال تلح منذ سن الثالثة :
يا جدتي هل لي أب مثل ابن جارتنا علي؟
فتقول جدتها : نعم , فتقول أين ؟ فتلتقي الأعين , والندى فوق الجفون الناعسة
ثمّ يهطل الدمع الغزير من اللآليء كالدرر


القراءة :
ــــــــــــــــــــــ

لوحة ذات ألوان باهتة..
الله الله الله
على هذا الإحساس العميق الصادق الذي رسم للوحة ألوانها
ورمزيتها وأبعادها..التي لا تقع على طفلة الخامسة سهاد..
إنما هي إشارة ترمز لكل إنسان اغتصبت أرضه وناحت حمائمه وضاعت حريته وانتهكت حرمات مقدساته...
سهاد عنوان الوجع..عنوان الفقد لكل عزيز في الحرب..وبأيدي لا تعرف الحق..ولا تمتّ بصلة لكرامة إو إنسانية..
سهاد عنوان كل المآسي التي تتعرض لها أمتنا المكلومة...
سهاد رمز الإنسانية التي طعنوها القادة بنصل سذاجتهم وقلة وعيهم وكثرة غرقهم بالمصالح والأهواء والكراسي...
لمجرد أن علّق الشاعر لوحته على جبين اللغة المتينة والسردية العالية التراكيب والأسلوب الممتع الذي لم يكتب حروفه من فوهة قلمه..بل قرأته بمداد دمه ..وقلم دمعه..وريشة نبضه
لتأتي بعنوان يشدّ الذائقة حدّ الدهشة .. ويلحّ الفكر على التمركز بين فنّيّتها وأسلوبها المحبّب السلس الذي رسم لوحة بارعة الألوان زاهية بعمقها
باهتة بالوجع الذي يغطي الفرح بصور الواقع المؤلم...
الشاعر هنا قدّم لنا لوحة نفيسة تحمل أبعادا اشتملت على لغة ذات رونق وطلاوة..
وقدّم صوراً حيّة ناطقة ..جسّدها قلمه الفذ..ليقدّم مثالا ونموذجاًً واحداً يمثّل واقعا كاملاً في جميع جوانب هذه الأمة...
الشاعر..هنا يعرض لوحة تحمل تاريخ هذه الأمة بمعاناتها وتعاقبها الأجيال وهي ما زالت في حضن الألم..
فقد ذكر الجدة عن سواها...بقوله:
( يا جدتي هل لي أب مثل ابن جارتنا علي؟
فتقول جدتها : نعم , فتقول أين ؟ فتلتقي الأعين , والندى فوق الجفون الناعسة
ثمّ يهطل الدمع الغزير من اللآليء كالدرر...)
إذ جعلها تمثل أجيالاً عديدة وحضارة ما زالت ترقد تحت نصل الوجع ..وتوضّح حملها للرسالة في كيفية بناء عملية التربية..وذلك الأسلوب الحكيم وطريقة توصيل المعلومة للطفل بطريقة تربوية ناضجة..وكيفية الخروج من الأزمة بطريقة تحمل فقهاً في طريقة العلاج وبناء شخصية الطفل...
فلم تشير الجدة بشكل صريح لوفاة الأب..خوفاً وحفاظاً على مشاعرها..واكتفت بأسلوب الرمز والمشاعر..من باب الحفاظ على نفسية الطفلة ..وهذا نوع من أنواع التربية السليمة التي تبني ولا تهدم...لتصنع أجيالاً هم قادة المستقبل...
الشاعر بأسلوبه قدّم نظماً تربوية ..وجسّد بناء المجتمع المترابط في علاقاته بين أفراده..علاقة الجدة بالطفلة وابن الجيران..
وهذا دليل على صياغة متينة في عرض عناصر المجتمع وتركيباته الإجتماعية في البناء..والعلاقات والنظم التي تنشأ فيه..
وهذا البناء عكس العلاقات الإجتماعية ووضّح الأسلوب وطرق الأداء في الحدث ذات الطابع المستمر بين الأجيال..وعكس العلاقات بين الأدوار والمراكز الإجتماعية وفاعلية دور كل واحد منهم..
عدا عن ذلك فالجدة والحفيدة وابن الجيران..هم شكل من أشكال الحياة المجتمعية ..تقوم على القرابة وارتباط أفراد الأسرة بعلاقات متينة ..وكان للجدة هنا دور في النظام التربوي ودور تمثّل مؤسسة لنظام تربوي تؤدي دورها الحكيم في التفاعل العاطفي...واندماج وتكيّف وتوافق بين الأفراد لاكتساب عادات وأنماط سلوكية وخبرات في توصيل الحدث ..يساهم على عملية التواصل في كل الفترات الزمنية وفق المعايير والقيم الإجتماعية التي تحكم سلوك الناس في المجتمع الواحد..
وقد أوضح الشاعر أيضاً أسلوب الحوار بين الجيل القديم وجيل اليوم..والإنسجام بينهما من خلال النقاش والتعبير عن المشاعر وثقافة العرض لطريقة النقاش الرائعة...
وهذا يُدخلُنا في أبعاد التنمية البشرية..كإشباع الحاجات الأساسية ..والتنمية الإجتماعية في تلقّي الحدث وكيفية تذويته على أرض الواقع...
.....
الشاعر الكبير الراقي بحرفه وثقافته وفكره العميق..
أ.صلاح أبو شادي
يسرّني جداً أن أطوف بين حروفكم الحية الناطقة..وأن أتعلّم منها فن النسج..وطريقة الغرس..وكيفية غمس الحرف في كل المشاعر النابضة الصادقة ..والتي حوّلت النص لجمالية حاكت مشاعرنا وأثارت فكرنا ..وهزّت قلوبنا لواقع مؤلم نعيشه بكل أبعاده من فكر وثقافة ووعي بكل ما يدور في مجتمعاتنا من معاناة وآلالام...
شكرا لكم ولهذه اللوحة التي يجب أن تعلّق على جبين مجتمعاتنا لتكون بصمة خالدة للتاريخ وللأجيال القادمة..
جزاكم الله كل الخير وأسعدكم سعادة لا تبلى ولا حدّ لها..



النص : نازِحْ ،،،
النّاص :زياد السعودي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :

أسْقَمَ القَّرُّ زماني فانْحَنى
نَحَرَتْ طيني تباريحُ الضَّنا
ذا رَصيفي بالرَّزايا مُثْقَلٌ
ودُموعي فيهِ تَسْري هَتَنا
إنْ رَأَيْتُمْ واصِبًا في دَرْبِكُمْ
فاتْرُكوهُ نازِحًا.. ذاكَ أنا


القراءة :
ـــــــــــــــــــــ
نازح...
ماهذه العظمة في ومضة قليلة الحروف تحمل معاجم هذه الأمة كلها..
عنوانها لوحده قصيدة موجعة يفرض نفسه بنفسه ليحدث عن قمة الوجع الذي حمله إنسان هذا العصر..
ومضة كانت بمثابة رسالة وجع لكل من كان له سبب النزوح..من قادة وولاة أمر ومذاهب تناحرت على نار الدنيا ومصالحهم فيها...
منذ أن قرأت هذه الأحرف وهي تجلدني وجعاً وقهراً ..وتركت في ذاتي وشم الأسى والنزف الحي المتساقط دماً من حالة ما وصل بهذا الإنسان
من ويلات الحروب والجوع والبطالة..
عنوان يشير لحرفية الكاتب وفنه وبراعته في نسج حروفه وفق ما تتداعى الأحداث وما آلت إليه المشاعر من الألم والحزن..حتى أصبحت شعاراً لكل
من تذوّق ويلات الحروب وهجرته قسراً ..
نازح...
كلمة توحي بالشدائد..
توحي بالمعاناة العظيمة الذي يعيشها هذا العربي على أراضي مغتصبة
من حكامها وكبارها..
كلمة تطوي في ثناياها أبعاداً لا عدّ لها ولا إحصاء لدلالاتها..
( أسْقَمَ القَّرُّ زماني فانْحَنى
نَحَرَتْ طيني تباريحُ الضَّنا)..
أيّ قرٍّ هذا الذي أسكن الزمان وجعاً وقهراً ..مما جعل الحياة مثقلة بالهموم
مليئة بالآلام جعلها لا تطيق التحمل لتنحني قهراً من قوة ما فيها من معاناة
هذا البرد وعدم الأمن والإستقرار والظلم ..جعل الزمان بهم ينحني لشدة الأهوال وكسر الإرادة والأحلام والآمال...
هذه صورة فاخرة النسج ممتلئة المعاني ..عجيبة النسج مذهلة في تراكيبها وبراعة في تصويرها وتجسيدها..
بيت شعري فاق حدود البلاغة في اللفظ وفاق حدو المعاني بالدلالات الكبيرة المذهلة...وقفت طويلاً هنا حتى وصلت لقمة عمقه لتنحني الحروف
أمام عظمة ما نسجتم من إبداع...
بيت شعري عظيم هو..إذ جعل الفكر ينسج تأويلات عدة
والخيال يخيط عناقيد جمال من قوته انسجم مع ذلك الفكر الواعي المتقن لنظم الجمال...وما زادها بهاء وبراعة وذهولاً أن الشاعر قام باندماج نراكيب لغته مع المؤثرات الذاتية والخارجية التي منحت الخيال والفكر
أن يرسم أبعاداً تتلاءم مع الواقع المرير في مسامات الوطن والمواطن الحزين..
صورة ذهنية بارعة أثارت قضية النزوح بالمشاعر المدفونة والتي يعيشها
كل مواطن في كل الأقطار العربية التي داهمتها الحروب والفتن ...
يكمل الشاعر بيته الثاني بقوله:
(ذا رَصيفي بالرَّزايا مُثْقَلٌ
ودُموعي فيهِ تَسْري هَتَنا)...
يا لروعة هذه الصورة الشعرية المتقنة الفذة البارعة النظم..
الرصيف هو حياة هذا الإنسان الذي عاش الألم والإبتلاءات والمحن
وكيف هو ممتلئ بالرزايا والموت والوجع..حتى قضت مضجعه وجعلته يذرف دموعه دماً كناية عن الوجع العظيم الذي حلّ بهذا النازح الذي ابتعد عن مكان سكناه غصباً وخرج نازحاً يلتمس الأمن المفقود...
الشاعر هنا حمل ريشة وجعه وألمه وأخذ يرسم حدود وجعه عن كل إنسان ارتشف الذل والقهر والألم...
الشاعر امتشق قلمه بحرفية متكاملة بإتقان مبهر ..وضع حالة المواطن العربي اليوم تحت مجهر قلمه وبدأ بتلاوين المعاناة وفق مشاعره الفياضة النازفة بالقهر...
طريقه محمّلة بدموع من شجن...حكمتها الشدائد المثقلة بالأنين..
تجسيد للواقع تشجّر منه معاني الوجع من خلال الدلالات المختلفة التي تصب في واقع العربي اليوم...
(إنْ رَأَيْتُمْ واصِبًا في دَرْبِكُمْ
فاتْرُكوهُ نازِحًا.. ذاكَ أنا)..
هنا في هذا البيت كانت الدهشة الغير متوقعة من فنان محترف عملاق..
كيف يُدخل نفسه في دائرة هذا الوجع ليكون من ذاته رسالة عامة تتحدث عن كل نازح عربي هجرته وغرّبته الويلات والحروب ..
هنا كانت قمة الوجع وهو يعبر دروب القهر ..بصورة شعرية أتقن الشاعر فيها لعبة الإندماج مع روح النص ليحقق كياناً خاصاً له امتداده الروحي في
معالم معانيه الإشارية في تحقيق كيانٍ للنص في معناه الوجداني..مما جعله يرتقي بالحرف لمستوى الرمز ..الذي بنى عليه فكرته التأويلية التي منحته عبور الأبعاد الدلالية...
استطاع الشاعر أن يقدّم دهشة في قفلة ومضته ..
وهذا يدل على قدرته وحرفيته في نسيج مدروس متقن وفق قاعدة ذاتية واجتماعية..مما أعطى للغة أفق التعددية في الأوصاف بمثل هذه الصور الحية التي جسدتها ريشته المتألقة...
هنا لامسنا وعي لغوي كبير بقيمة التراكيب البنائية للكلمات في صور متقنة حية...
الصور هنا أدلت على براعة الشاعر ..وحذقه في صناعتها..جمعت العذوبة
والجزالة والرصانة...
الأستاذ الكبير شاعرنا العملاق عميدنا الراقي
أ.زياد السعودي
تنحني الحروف إجلالاً وإكبارا وتقديراً لهذا الحرف الفاخر الفذ
شكراً لكم لتحفتكم الفنية هذه ولوحتكم السحرية المذهلة
وفقكم الله ورعاكم لما يحبه ويرضاه



النص : من معجزاتِ نبيٍّ مخلوعٍ
الناص : محمد العموش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــ

يبِستْ مطامعُهُ ، فأزهرَ موتُهُ
وهَوی بمبدئهِ ليعرجَ صوتُهُ
خذني إلى عَدْلِ السماءِ مُكَبَّلاً
لأسَلِّمَ الوحيَ الذي أكرمتُهُ
في عُهدةِ الظلِّ الخَؤونِ مشاعري
في ذمّةِ الريحِ الذي أبدعتُهُ
هو موطني الرسميُّ أوّلُ كافرٍ
بنبوئتي في الشعرِ مُذ أُلهِمْتُهُ
لا بيتَ يؤويني ،وكلُّ قصيدةٍ
أسّستُها نبضاً ليعلوَ بيتُهُ
وطني الذي زرعَ الملوحةَ في فمي
فمزجتُها بالشعرِ ثمّ سقيتُهُ
فأنا الذي مُذ قيلَ " إقرأْ " هَزّني
وَجْدٌ إلى عَلَقِ الثری فتلوْتُهُ
ومسيلمَ الكذّابُ تأتأَ مَرّةً
طارَ الفضاءُ بها ، وضُخِّمَ صوتُهُ
تتكرّمُ الشعراءُ في أوطانِها
وأذلّني الوطنُ الذي عَظّمتُهُ
قد جاء يضحكُ - ساخراً - بجنازتي
لكنّني بحياتِهِ عَزّيتُهُ

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــ

من معجزات نبي ّ مخلوع
الله الله الله
جمال نظم.. وعمق حرف..وسحر لغة..وبلاغة تحت أجنحتها سرّ الكمال كله...
مذهل هذا الرقص على جراح الحرف ووجع القصيدة..نلوك جمّ الأحزان بين أذرع الوطن وتحت سقيفة القلم..وبين أنامل الرحيل عن بيت الحرف وعن بستان التألق على ثرى الأدب وفي مسرح الإبداع..
يبقى للمثل أو القول الذي يقال على عثرات ألسنتنا صِدق النبض ومحلّ الركود حين قيل ما قيل: " لا نبي في قومه"..
ومن منطلق عنوان هذه القصيدة المذهلة الباذخة الفذة في تلاوين سكبها ونقاء مدادها..
عنوان جاء مفاخراً يتراقص على سمو أوجاعنا وعظمة جراحنا..

( من معجزات نبيّ مخلوع)

لهذا العنوان أسفارٌ من جمال ومن معاني ومن تأويلات ودلالات نستطيع نسجها في كل زمان وكل مكان..لكن بشخصيات متغيرة الشكل تنبض بقلب واحد..
عنوان ابتدأه الشاعر بحرف جر ( من ) وهذا يعني أن هذا الحرف جاء بعينة واحدة من المعجزات أو ببعضها ..لكن ليس بمجملها..
بمعنى بعض من كثير..ليقول لنا الشاعر أن معجزات نبيّ الشعر كثيرة لا تنتهي إبداعاته كلما ارتقى بحرفه وفكره ونبضه..لكن ما أراد إلا البعض والتي تُدلي عن الكثير بفحواها ومحتواها..وبالغنى عن ذكرها ..إذ تأني بأكبرها وأفخمها...
ويقترن حرف الجر ببعض من معجز المفاهيم والأفكار النيرة.. والذي يسحب لنا من المعجزات ما تحمل بلاغة الألفاظ وجمالية الصور وقمة اللغة في معجم سميك الرموز وبين دفّتيه قوالب فنية مزركشة لها أبعاداً تسحب الفكر بين طبقاتها وتحت نبض جماليتها...وتقدمها نول غزلٍ لقيمة الشاعر ما بين أصل موطنه الثابت وبين أهزوجة التلاعب في دفاتّه على قدر الخيانة والسفهاء الذين يشربون رحيقه من ظمأ السفاهة والجهالة..
الشاعر هنا اختار عنوانه هذا مصحوباً بدلالات من قيمة المعجزات ومن مفاهيم النبوة.. ليظهر لنا قمة الوهن والضعف والفساد الذي استشرى في بيئتنا الأدبية أو جميع مناحي الحياة..ما أراده هو تمكين الصورة الصحيحة العميقة التي تسير بها مجتمعاتنا وفكرنا والأساليب السلبية التي نمنحها للأقلام اليوم من ضعف لنرفع من كينونة أقلامنا تحت مجهر الظلم وعتمة البصيرة...
فالمعجزة بتعريفها الذي تعلمته ..هو أمرٌ خارق للعادة..وتعتبر الدليل والإثبات على صحة الرسالة والنبوة لتعميق التوحيد لله تعالى ..ولمواجهة الأقوام المختلفة باختلاف عقائدهم وأفكارهم ..إن كان دليل حسي أو معنوي..وهنا أكتفي بالحديث عن المعجزة لأنها لها أغصان تمتد لكثير من المعالم والمواضيع..
فتوظيف الشاعر لكلمة معجزات وربطها بالنبوة.. ما جاءت عبثاً أبداً ..
كأنه يريد القول أننا في زمن لو قدم الشاعر لهم معجزات على سبيل الكناية للقوة في الدليل والإثبات ما أثرّ ذلك في هذه الجماعات أو الفئات المختلفة..ولو قدّم لهم كل شيء لن يحيدوا عن ضلالهم وعلى عن الإعتراف بوهنهم وجهالتهم..خاصة لمثل هذا العصر الممتلئ بالذين يحملون الأدب والشعر والفكر تسلقاً للشهرة وتحقيق مآرب الذات...
ويبقى لفحول الأدب وعلمائها نصيب متقطع لا يحمل شهادات تعزيز وتقدير لعلمهم ونظمهم المتين وبنائهم القوي لغة وبلاغة وفكراً ونارة يحارب به الجهل والمتسلقون على جدار الأدب بأرجل مبتورة أو منكسرة..
فالعنوان ( من معجزات نبيّ مخلوع)
كان متقناً بليغاً في معانيه ومراميه وأهدافه المتنوعة والذي يصور مجتمع اليوم تحت نصل الذات وتحقيق الأطماع..دون العمل برسالته السامية...
يبدأ الشاعر لوحته الفريدة المتفرد بنظم خيوطها المضيئة بقوله:

(يبِستْ مطامعُهُ ، فأزهرَ موتُهُ
وهَوي بمبدئهِ ليعرجَ صوتُهُ)

هذا البيت المتقن غزله بنول يغزل الضوء على مشارف الأدب لتتوهج الألسن حين التلقي ..
بيت يلخّص مراد الشاعر ..وكأنه يقدم لنا مقدمة العروج لزهور حرفه والتذوق من رحيق عمق معانيه..
ابتدأ لوحته ..بفعل ماضي مشتق من الجفاف والتيبس ..وإلا كيف سيكون التأثير واضحاً لحالة التيبس إن لم يمرّ عليه وقت من الزمن..وهذا التوظيف لفعل الماضي والمعنى الذي يحمله إنما أتى مع نفحات الذكاء الإبداعي في ربط الحروف وفق منظومة مترابطة تحقق الهدف بدقة جلية..
والذي تيبس هنا ومرّ عليه الوقت للوصول لحالة اليباس هي تلك المطامع التي تخلد في النفوس والقلوب والتي تدل على مرور زمن طويل عليها في هذه الحالة ولم يتحقق منها شيء..ومن خلال حالة التيبس الظاهرة تدل على دنو الأجل..وجفاف اخضرار تحقيقها ونوله ما يحبو له..
في هذا البيت له تأويلات عدة ..تأخذنا لعدة مناحي في الحياة..تصلح لأن تكون لكل زمان ومكان..
يمكن أن تكون من حليف الشاعر الذي يريد لنفسه تحقيق الرقي والسمو وتحقيق مطامعه في الوصول للقمة بالجهد والكد والتعب...
إلا أن البيئة لم تسعفه للوصول لمبتغاه...ليبدأ الموت من تحقيق ما يريده يزهر ويدنو منه..
( وهَوي بمبدئهِ ليعرجَ صوتُهُ)..
ليسقط بما يحمل من مبادئ لم تعش في ظل البيئة الخاصة..كلمة هوى..هنا جاءت مواتية لمعاني الشاعر ..حيث تأخذنا لمعنى السقوط من عل ورفعة وسمو...ولم يحقق له منزلة ولا منصباً..
ومن خلال هذا البيت كان بمثابة مقدمة للدخول لمعالم القصيدة والولوج بين مسامات معانيها وإخراج دررها النفيسة..
عملية الإنتقال من البيت الأول للثاني..كان عبارة عن قوة وحنكة من الشاعر ..لأنه مباشرة يتم توضيح عملية التوجه لعدل الله وكأنه يطلب دعاء...
حيث يقول:

خذني إلى عَدْلِ السماءِ مُكَبَّلاً
لأسَلِّمَ الوحيَ الذي أكرمتُهُ

في عُهدةِ الظلِّ الخَؤونِ مشاعري
في ذمّةِ الريحِ الذي أبدعتُهُ

عملية التوجه لطلب عدل السماء وأن يكون كونه مكبّلاً ..هذا دليل وكناية على أن الحيلة في الأرض وبين البشر قد نفذت في تحقيق قيمة العدل لمبتغاه...وأن البشر تتفلت منها تلك القيمة التي لا يحققها إلا الضمير والخشية من الله...يتوجه الشاعر لعدل السماء كي يريح ما بداخله من ظلم وترتاح سرائره..وهنا عملية استسلام تام لعدل السماء والتنازل عن وحي الشعر ..
يتوجه للسماء حتى يعيد وحي الشعر الذي أكرمه وتلك العباءة النقية التي ألبسها له من نقاء وقوة وقدرة في الشعر ..لأن الوحي تعود ولايته لوحي الشعر الذي يكرم صاحبه...
في هذا البيت نشعر أن الشاعر مسك بتلابيب مشاعره وجمعها في قيود مستنجداً عدل السماء.. يريد أن يسلم الوحي في عهدة الظل الخؤون وفي ذمة الريح..لأنه لم يعد يجديه وحي الشعر ولم يعد ينصفه أمام من لا يقدّر قيمته وينحر بلاغته ويكسر قوته..
لن يعد يجد من ينصفه من طبقة الشعراء ومن الذين يتقنونه..لعامل الغيرة والحسد أو لعدم وجود من هم في مستوى وحيه الشعري...
لذا عملية اندماج بين النص والمشاعر الحية جاءت بصيغة إبداعية وصورة غاية في الإتقان والجمال وقوة البناء..جسّد من خلالها حزمة فكره وجلال نظمه على مائدة الشعراء ليجد منهم ما يصفق لعدل وحيه الشعري..إلا أنه لم يجد من العدل فيهم ولا الإنصاف..
وطبعاً هذه المملكة الشعرية هي موطنه والمفروض منها أن تنصفه..لكنها تكفر بنبوأته الشعرية ولا تمنحه حقه العادل من المنزلة الرفيعة التي صنعها بقوة لغته وبلاغته وفصاحته.. كما يقول:

هو موطني الرسميُّ أوّلُ كافرٍ
بنبوئتي في الشعرِ مُذ أُلهِمْتُهُ

لا بيتَ يؤويني ،وكلُّ قصيدةٍ
أسّستُها نبضاً ليعلوَ بيتُهُ

وفي هذه الأبيات هنا قمة الوجع وقمة القهر الذي شربه من موطنه الذي لم يرفع له راية ولم يعترف بما نسجه من معجزات شعرية فاقت فيها حدود الجمال..
بيتان من الجمال رُصّعت بزمرد الحرف ودرر البلاغة التي تدل على سحر هذا القلم وهطول
مطره في ذائقة المتلقي..
فعندما يشعر الشاعر بالظلم في ببته الشعري ..حتماً سيشعر بالوحدة وعدم الإنتماء لهذا البيت الذي جفاه ولم ينصفه...

وطني الذي زرعَ الملوحةَ في فمي
فمزجتُها بالشعرِ ثمّ سقيتُهُ

يوضح الشاعر معنى الوطن في ربقة شعره وفي سلال بلاغته..حين يصفه بطعم الحياة واللذة حين يمضغ معانيه في فمه أي باللغة المتينة التي مزجها بالشعر الساحر البليغ ..والملوحة كناية عن طعم الحياة وجمالها..فيمزج هذه الملوحة بالشعر لتكون درراً حية ناطقة نابضة بكل معالم الجمال وتدفق الحياة فيها...
هذا البيت بألف قصيدة لما يعمل من أبعاد وتأويلات ويسبح عبرها الخيال بطعم فكر نيّر يزرع بذور الجمال في ثرى شعره الفاخر...

فأنا الذي مُذ قيلَ " إقرأْ " هَزّني
وَجْدٌ إلى عَلَقِ الثري فتلوْتُهُ

ما أغنى هذا البيت وما أفصحه وما أبلغه..
حين يستدل الشاعر بعظمة العلم والفكر والتعلم الذي أبتدأه الوحي في وضع منهاج القراءة والوعي والفهم من خلال مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم..عملية الربط ما بين الشعر هنا وعملية التنوير اللغوي من خلال كلمة الوحي لنبي الله " إقرأ" جاءت بفعل أمر..
والشاعر قصد ذلك للأبعاد المختلفة التي تحتويها هذه الكلمة وما حملت من منهاج عام لكل البشرية..وهذا يدل على قيمة العلم وأهمية القراءة والتفقه في كل شيء بما لا يخالف قوانين السماء..
لننظر كيف صدر البيت قد هزّنا أيضاً بعد أن هزّ كيان الشاعر وحرفه..لأنه أدرك معنى العلم والشعر الذي يتدفق من هذه المنظومة العلمية التي يتوجب على كل فرد من البشرية أن يتسلح بنور العلم ..لأنه من خلال العلم يتوصل الإنسان لمعرفة خالقه ويتقرب منه للوصول لجناته ولنور الأرض وما فيها من جمال يقربنا للرب الخالق العظيم..
وهنا التناص القرآني إنما جاء لعملية التوجيه والإرشاد والعبر والحكم البليغة بأن يسهم كل فرد بالتوجه للعلم ليكون نوراً على الأرض بعيداً عن الظلم بكل أنواعه...
وصف برع فيه الشاعر وهو يتجمّل بموعظة بليغة على مائدة التدبر والتأمل للعودة لجذور العلم وما فيه من نور يرضي رب العزة وينير فيه القلوب والعقول...
ومسيلمَ الكذّابُ تأتأَ مَرّةً
طارَ الفضاءُ بها ، وضُخِّمَ صوتُهُ

في هذا البيت يعرض الشاعر شخصية مسيلمة الكذاب..الذي ادعى النبوة والعلم...دون وجه حق..
فقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله"..
وللأسف الشديد أنه في عصرنا هذا كثُر أتباع مسيلمة الكذاب وأصبح لهم شأن وصيت..وللجهل دور في اتّباعهم والتصفيق لهم..والشاعر هنا يصف مثل هذه الحالة في الأدب والشعر ..فمن الشعراء من يدعي النبوة لشعره وأدبه وهو بعيد عن دروبه ومنزلاته..
فكان من الشاعر وصف زلزل كيان الفكر وهو يتعمق بين حروفه وبين هذا الطرح المميز الذي أراد به الإتزان ومعرفة الأدب والشعر من طرقه المشروعة..لا من خلال ادعاء العملقة لحرفه ..
فقد ربط الشاعر هذا البيت بالبيت السابق ربطاً محكماً ما بين كلمة "إقرأ" التي أُنزلت من السماء على نبي الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام..وما بين إدعاء مسيلمة الكذاب للعلم والنبوة بتنصيب ذاته بنفسه..

ومسيلمَ الكذّابُ تأتأَ مَرّةً
طارَ الفضاءُ بها ، وضُخِّمَ صوتُهُ

الوصف هنا كان رهينة الإبداع وقوة الألفاظ وجمال البناء..في تصويره لهذا الحدث الذي يتكرر في عصرنا اليوم ولكن بصور جديدة ومعالم حديثة..ومسيلمة الكذاب هو وليدة كل عصر لبشر ضعاف النفوس هشة الفكر والإيمان..والأدهى والأمرّ من ذلك أنهم يجدون من يصفقون لهم بقوة..وأصحاب الحق على شفا حفرة من الوأد والطمس لمنزلتهم ومكانتهم...
( تأتأ مرة) فعل ماضي حدث في زمن تكالبت الفئات الضالة على الحق المنزل من السماء باطلاً وافتراء..واليوم لا يتأتؤون بل يتفننون بكل ثقة بعلمهم الواهي..
عملية التأتأة التي يتحدث عنها الشاعر إنما تدل على عدم الثقة والغير شرعية في الإدعاء..
حتى ضُخم صوته إسقاطاً للتصفيق له وكثرة الملتفين حوله والمؤيدين له..
هذه الصورة جاءت تجسد حالات مختلفة تحمل نفس الأثر ونفس الفكر والمقصد وكثرة الفساد في كل مجالات الحياة..
ويكمل الشاعر خريدته الباذخة بقوله:

تتكرّمُ الشعراءُ في أوطانِها
وأذلّني الوطنُ الذي عَظّمتُهُ

قد جاء يضحكُ - ساخراً - بجنازتي
لكنّني بحياتِهِ عَزّيتُهُ

هذين البيتين إسقاطاً على ما وصل الحال بالشعراء الأفذاذ الذين يملكون ملكة الشعر والقوة في اللغة والبلاغة والسحر في البناء والعلم والدراية بأصول وفقه الأدب والشعر ..
وما يلاقونه من بيئتهم الشعرية من طمس لهم وإهمال وطعن والتصفيق لهؤلاء المزيفون ممن يدّعون الشعر ويشهرون أنفسهم ويرفعهم العامة تحت جناح الجهل والظلم والمصالح المختلفة.. فيأتي عنوان القصيدة سربالاً ملاصقاً لوجه وجسد القصيدة..بتكامل معالمه وجمال ألفاظه وقوة عمقه..لتنطقها الحروف بقوة البلاغة والسبك والنظم باندماج تام متكامل الصور الحية ..متّزن الأفكار يسبح في خيال واسع لا حدود له..ويجمعنا تحت ظل الجمال والعمق..وهذا دليل على قدرة الشاعر وحرفيته وهو ينسج من الحروف قمة الضياء في عالم الحرف البديع الراقي...
تشابيه راقية وصور حية جاءت تجسد حالة الشعراء اليوم ومنزلتهم التي تنهار على أيدي الجهلة ... وهذا فن قائم بذاته جاء لرسم قضية باتت موجوعة وقائمة ومجسدة في عصر كثرت فيه أساليب الخداع والدجل والتزوير..
....
الشاعر الكبير الراقي المبدع أستاذنا الماهر
أ.محمد العموش
لقد أهديتنا قصيدة فنية رائعة الجمال ..قوية البنيان..بليغة المعاني والفكر..ساحرة الحروف والألفاظ..
فكانت لوحة فنية تجمع كل معالم الجمال والسحر..
هنيئاً لنا بقلم يحمل من الدرر الكثير وينسج للضوء وهجه
دمتم ودام عز قلمكم يرسم ألوان الرقي والتألق والجمال
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم من العلم والنور والخير الكثير
وحفظكم علماً يرفرف في زمن نحتاج فيه علمكم وقوة فكركم ونهج حرفكم..
دمتم بخير وصحة وعافية



النص: نازِحْ ،،،
الناص: زياد السعودي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
ــــــــــــــ

أسْقَمَ القَّرُّ زماني فانْحَنى
نَحَرَتْ طيني تباريحُ الضَّنا
ذا رَصيفي بالرَّزايا مُثْقَلٌ
ودُموعي فيهِ تَسْري هَتَنا
إنْ رَأَيْتُمْ واصِبًا في دَرْبِكُمْ
فاتْرُكوهُ نازِحًا.. ذاكَ أنا
...............
نازح...
ماهذه العظمة في ومضة قليلة الحروف تحمل معاجم هذه الأمة كلها..
عنوانها لوحده قصيدة موجعة يفرض نفسه بنفسه ليحدث عن قمة الوجع الذي حمله إنسان هذا العصر..
ومضة كانت بمثابة رسالة وجع لكل من كان له سبب النزوح..من قادة وولاة أمر ومذاهب تناحرت على نار الدنيا ومصالحهم فيها...
منذ أن قرأت هذه الأحرف وهي تجلدني وجعاً وقهراً ..وتركت في ذاتي وشم الأسى والنزف الحي المتساقط دماً من حالة ما وصل بهذا الإنسان
من ويلات الحروب والجوع والبطالة..
عنوان يشير لحرفية الكاتب وفنه وبراعته في نسج حروفه وفق ما تتداعى الأحداث وما آلت إليه المشاعر من الألم والحزن..حتى أصبحت شعاراً لكل
من تذوّق ويلات الحروب وهجرته قسراً ..
نازح...
كلمة توحي بالشدائد..
توحي بالمعاناة العظيمة الذي يعيشها هذا العربي على أراضي مغتصبة
من حكامها وكبارها..
كلمة تطوي في ثناياها أبعاداً لا عدّ لها ولا إحصاء لدلالاتها..
( أسْقَمَ القَّرُّ زماني فانْحَنى
نَحَرَتْ طيني تباريحُ الضَّنا)..
أيّ قرٍّ هذا الذي أسكن الزمان وجعاً وقهراً ..مما جعل الحياة مثقلة بالهموم
مليئة بالآلام جعلها لا تطيق التحمل لتنحني قهراً من قوة ما فيها من معاناة
هذا البرد وعدم الأمن والإستقرار والظلم ..جعل الزمان بهم ينحني لشدة الأهوال وكسر الإرادة والأحلام والآمال...
هذه صورة فاخرة النسج ممتلئة المعاني ..عجيبة النسج مذهلة في تراكيبها وبراعة في تصويرها وتجسيدها..
بيت شعري فاق حدود البلاغة في اللفظ وفاق حدو المعاني بالدلالات الكبيرة المذهلة...وقفت طويلاً هنا حتى وصلت لقمة عمقه لتنحني الحروف
أمام عظمة ما نسجتم من إبداع...
بيت شعري عظيم هو..إذ جعل الفكر ينسج تأويلات عدة
والخيال يخيط عناقيد جمال من قوته انسجم مع ذلك الفكر الواعي المتقن لنظم الجمال...وما زادها بهاء وبراعة وذهولاً أن الشاعر قام باندماج نراكيب لغته مع المؤثرات الذاتية والخارجية التي منحت الخيال والفكر
أن يرسم أبعاداً تتلاءم مع الواقع المرير في مسامات الوطن والمواطن الحزين..
صورة ذهنية بارعة أثارت قضية النزوح بالمشاعر المدفونة والتي يعيشها
كل مواطن في كل الأقطار العربية التي داهمتها الحروب والفتن ...
يكمل الشاعر بيته الثاني بقوله:
(ذا رَصيفي بالرَّزايا مُثْقَلٌ
ودُموعي فيهِ تَسْري هَتَنا)...
يا لروعة هذه الصورة الشعرية المتقنة الفذة البارعة النظم..
الرصيف هو حياة هذا الإنسان الذي عاش الألم والإبتلاءات والمحن
وكيف هو ممتلئ بالرزايا والموت والوجع..حتى قضت مضجعه وجعلته يذرف دموعه دماً كناية عن الوجع العظيم الذي حلّ بهذا النازح الذي ابتعد عن مكان سكناه غصباً وخرج نازحاً يلتمس الأمن المفقود...
الشاعر هنا حمل ريشة وجعه وألمه وأخذ يرسم حدود وجعه عن كل إنسان ارتشف الذل والقهر والألم...
الشاعر امتشق قلمه بحرفية متكاملة بإتقان مبهر ..وضع حالة المواطن العربي اليوم تحت مجهر قلمه وبدأ بتلاوين المعاناة وفق مشاعره الفياضة النازفة بالقهر...
طريقه محمّلة بدموع من شجن...حكمتها الشدائد المثقلة بالأنين..
تجسيد للواقع تشجّر منه معاني الوجع من خلال الدلالات المختلفة التي تصب في واقع العربي اليوم...
(إنْ رَأَيْتُمْ واصِبًا في دَرْبِكُمْ
فاتْرُكوهُ نازِحًا.. ذاكَ أنا)..
هنا في هذا البيت كانت الدهشة الغير متوقعة من فنان محترف عملاق..
كيف يُدخل نفسه في دائرة هذا الوجع ليكون من ذاته رسالة عامة تتحدث عن كل نازح عربي هجرته وغرّبته الويلات والحروب ..
هنا كانت قمة الوجع وهو يعبر دروب القهر ..بصورة شعرية أتقن الشاعر فيها لعبة الإندماج مع روح النص ليحقق كياناً خاصاً له امتداده الروحي في
معالم معانيه الإشارية في تحقيق كيانٍ للنص في معناه الوجداني..مما جعله يرتقي بالحرف لمستوى الرمز ..الذي بنى عليه فكرته التأويلية التي منحته عبور الأبعاد الدلالية...
استطاع الشاعر أن يقدّم دهشة في قفلة ومضته ..
وهذا يدل على قدرته وحرفيته في نسيج مدروس متقن وفق قاعدة ذاتية واجتماعية..مما أعطى للغة أفق التعددية في الأوصاف بمثل هذه الصور الحية التي جسدتها ريشته المتألقة...
هنا لامسنا وعي لغوي كبير بقيمة التراكيب البنائية للكلمات في صور متقنة حية...
الصور هنا أدلت على براعة الشاعر ..وحذقه في صناعتها..جمعت العذوبة
والجزالة والرصانة...
الأستاذ الكبير شاعرنا العملاق عميدنا الراقي
أ.زياد السعودي
تنحني الحروف إجلالاً وإكبارا وتقديراً لهذا الحرف الفاخر الفذ
شكراً لكم لتحفتكم الفنية هذه ولوحتكم السحرية المذهلة
وفقكم الله ورعاكم لما يحبه ويرضاه



النص : كَـفَــــــاكَ
الناص : ناظم الصرخي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النص :
ـــــــــــــــــــــ

أيا كانِـزَ اللُّؤْمِ بين الضلوعْ
كلانا بحضـرة هــــذا السَـــفَرْ
سنلقاك يوماً وما من غراب
مُـوارٍ لســوءةِ عبـدٍ فَجَــــرْ
ويا أيها الذئب ذات التبــاس
ألـمْ تـدرِ؟ لليــل فجــرٌ أَغَـــرْ
فمالك عفْـت سنين البيــاض
وجئتَ بوجـهٍ بـدا كالصَخَـــرْ
أترويْ غليـل موات السنيـن
بومـضة زيـفٍ طغى واندثـرْ
أما ترعويْ؟ أمْ تراه السراب
فَتـنْــكَ بدربٍ يغـرَ البَـصَــــرْ
كفاكَ جحـــودًا كفاكَ اِختيــالاً
فإنك مابـيـن فكـــيْ حجــــــرْ
يحبّــك شيطانــها والشـــواذ
إذا شئْتَ واددْ لتـلقى سَـقَـــرْ
حنانيـــك يا خــالــقي أننــي
إليــك أوكّــل مـا في البشـــرْ
لبسنـا سـواداً على ضَيْـمنـا
كأن الســـوادَ لنــا مُدَّخَــــــرْ
ومـا زاغَ يـومـاً بنـا طـرْفُنـا
على جـارِنا أو بسوءٍ حَضــرْ
تعــال أيا صــاحبي نلتــقـي
لأوْريك غيّكَ والـمتّـجَــــــرْ
تعــال أصالـح فيــك الزمــان
وأَسْمُ بروحــك عـن منحَــدرْ
فروحيَ تأبى شــذاذ النفوس
وليـس بقلبـي لهــا مستــقـرْ
ولكنّ ربيْ هــدى بالسمــاحِ
إليه الردى والهـدى والظفـرْ
فوجّه لصوب السماء اليدين
وقـلْ هاكَ عبـدٌ بكى واعتَــذَرْ


القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ

كَـفَــــــاك....
ما أبهى هذه الخريدة وما تحمل بين ضلوعها عطر العبر والحكم..
قصيدة من عالم الجمال نُسجت..
ومن وحي الحكمة جُبلت..
ومن نفحات العبر وَجّهت..
لتكون مَعلَماً أدبياً راقياً من معالم الأدب الذي يُفاخر به...
ليس إلا لاكتمال هلال البناء بدراً من البلاغة والتصاوير والتشابيه والصور الفنية المبدعة المتقنة..التي تعتبر توجيهات ومواعظ لإنسان طغت عليه أنياب الظلم لنفسه ولغيره..فبات عقيماً للفرح والسكينة والعيش الآمن ..من أمن ذاتي وأمن فكري وأمن اجتماعي..
ليصبح أسير العتمة والتخبط والإنحراف عن جادة الحق...

كفاكَ...
لمجرد أن نتجول بين أضلع هذا العنوان ..يتبادر لذهننا تساؤلات جمة ..تسقط تحت سياط النهي والزجر من أشياء جمة..
فكلمة ..كفاك..وحدها تدعم تفكيرنا نحو الخيال أن ينسج خيوطاً من بؤرة ما يحدث مع الإنسان في زمنٍ يباغتنا بكثرة ذنوب البشر ولا حياة لمن يعتبر إلا من رحم ربي..
خاصة وبعد أن امتدت أذناب الفسق والعصيان في ممارستها في تمزيق أواصر المجتمعات في كل مكان ووضع بصمة الظلم بين الأفراد..وهذا بكل تأكيد تخطيط مبرمج مدروس في توسيع بؤرة الفساد بين أغصان هذه الأمة المكلومة..
ومن منطلق هذا العنوان ودون قراءة المضمون..فإنه يرشدنا على وجود سوداوية في الحياة وفي الإنسان ..يريد الشاعر بها أن ينهى عن شيء ما ..فيه عبرة ونصح وتوجيه وابتعاد عن منكر ما...
يبدأ الشاعر الكبير بلوحتك الفنية الراقية بقوله:
( أيا كانِـزَ اللُّؤْمِ بين الضلوعْ
كلانا بحضـرة هــــذا السَـــفَرْ

سنلقاك يوماً وما من غراب
مُـوارٍ لســوءةِ عبـدٍ فَجَــــرْ

ويا أيها الذئب ذات التبــاس
ألـمْ تـدرِ؟ لليــل فجــرٌ أَغَـــرْ)..
أيا كانز اللؤم...
(أيا) هي من أدوات النداء للبعيد..
والنداء هو الوسيلة التي تُستخدم في إثارة انتباه شخص ما..
و( ويا أيها الذئب..) هنا ( يا) من أدوات النداء للقريب والبعيد..
فالشاعر مناداته اشتملت على الجميع..لإثارة انتباههم لما يريد ايصاله من تحذيرات وتوجيهات ونهي..سنتعرف عليها من خلال ما رسم من إبداع بين أروقة الكلمات...

( أيا كانِـزَ اللُّؤْمِ بين الضلوعْ
كلانا بحضـرة هــــذا السَـــفَرْ)
صورة شعرية تقشعرّ لها الأبدان..رُسمت بحرفية عالية وبناء محكم ..
عندما قرأتها ذهب خيالي لآية كريمة " والذين يكنزون الذهب والفضة"..

والشاعر هنا كنز اللؤم بين الضلوع لتكون صورة موحية لهؤلاء الممتلئة قلوبهم بالحقد والظلم والقسوة..
فكلمة (كانز..يكنز) معناها الذي يدخر المال دون أن يزكيه أو ينفق منه..بمعنى الوقوع بالآثام ..
{ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
وأما كانز اللؤم..كناية عن الوقوع في المعاصي وما يغضب الله..فاللؤم واكتنازه في الصدور ..كناية عن قمة الظلم والسواد الموجود في القلوب..فكان تشبيهاً غاية في البراعة والإتقان ..ومهارة في توظيف الصور في مكانها المناسب وهذا يدل على براعة الشاعر في رسم حدود حرفه الفذ..
فيخاطب الشاعر هذا الإنسان الذي يحمل بين ضلوعه القسوة أن ..كلانا بحضرة هذا السفر...
يشمل نفسه وغيره وكل فئات المجتمع بأنهم في سفر من هذه الدنيا..وكل ما يجري على الأرض من فساد سيجد الإنسان أثر ذلك حين يكثر الظلم وتتمزق أوصال البشر عن بعضهم فلا يجدون من يقف معهم وقت الشدة ولا يجدون الرحمة فيما بينهم من كثرة القلوب الميتة الفاسدة..حيث عبّر عنها الشاعر بقوله
( سنلقاك يوماً وما من غراب
مُـوارٍ لســوءةِ عبـدٍ فَجَــــرْ )
تناص رائع من قصة الغراب وما حصل بين هابيل وقابيل في القرآن الكريم...كناية عن الفساد والقتل والظلم..
والصورة الشعرية هنا صورة موجعة جداً للفساد الذي عمّ الأرض وانتزعت الرحمة من القلوب...
( ويا أيها الذئب ذات التبــاس
ألـمْ تـدرِ؟ لليــل فجــرٌ أَغَـــرْ)..
وأما الذئب هنا صورة وكناية عن الخداع والمكر والدهاء الذي يُنصب بين عيون البشر الظالمة ..أفلا يدري أن ما من ظالم إلا وعقابه يدنو ..وما من ليلي إلا ويعقبه الفجر...

(فمالك عفْـت سنين البيــاض
وجئتَ بوجـهٍ بـدا كالصَخَـــرْ

أترويْ غليـل موات السنيـن
بومـضة زيـفٍ طغى واندثـرْ)...
هنا يهز الشاعر الانسان من أعماقه ليعيده لرشد عقله كما كان في السابق من بياض العقل والقلب..يريده أن يصحو ..وهذه طبعاً عملية توجيهية إرشادية لمن غابت عنهم جمال الحياة ونقاء القلوب...فالقلوب اليوم أصبحت كالصخر ..وهذا تشبيه بليغ متقن في تعرية قلوب البشر في هذا الواقع المرير اليوم ..
(أما ترعويْ؟ أمْ تراه السراب
فُتـنْــكَ بدربٍ يغـرَ البَـصَــــرْ

كفاكَ الجحـود كفاكَ اِختيــالاً
فإنك مابـيـن فكـــيْ حجــــــرْ

يحبّــك شيطانــها والشـــواذ
إذا شئْتَ واددْ لتـلقى سَـقَـــرْ)..
( أما ترعوي ).. صيغة سؤال باستفهام لحثه على الصحوة والتنبه بما في هذه الحياة من غرور وفتن ممتلئة بالفساد والشهوات مما تؤدي بصاحبها للجحود والتبختر بكبرياء من ظلم وقسوة..
يخاطبه الشاعر ..كفاك الجحود كفاك اختيالا..
ينبّهه حتى لا يكون سقر هو المأوى النهائي ..
يحذره ليعود عن غيّه والتيه الذي يلم به والفتن المحيطة به..ويكفي السواد البشري الذي يغطي الأرض بسبب التمزق في كل شيء والإنحرافات المختلفة التي سادت المجتمعات اليوم..
صور مذهلة ووترابط وإتقان مع الألفاظ وما تعكس من معاني تربوية عميقة تستند على النصح والتوجيه وصحوة للضمائر الميتة ..
وترتبط مع روح النص وفق الحس الداخلي والخارجي..مع اندماج النفس ونبرة الحرف وفق رموز تتفاعل مع هذا الإحساس الداخلي الذي يعيشه الشاعر في حلقة الأمة وتضاريسها المختلفة وفق فكر واعٍ حكيم ..
حيث يستند الشاعر على صور واقعية وتشابيه دلت على موقع الشاعر من البلاغة والفصاحة والبراعة في النسج..ضمن الدلالات المختلفة التي تقع على عاتق ذلك المجتمع المتفكك والفرد المفسد الضال...

(حنانيـــك يا خــالــقي أننــي
إليــك أوكّــل مـا في البشـــرْ

لبسنـا سـواداً على ضَيْـمنـا
كأن الســـوادَ لنــا مُدَّخَــــــرْ

ومـا زاغَ يـومـاً بنـا طـرْفُنـا
على جـارِنا أو بسوءٍ حَضــرْ)..
هنا الروعة تكمن حين يوكل الشاعر أمره لله ..بعد أن عاث الفساد بين البشر على الأرض..
(لبسنا سواداً على ضيمنا).. صورة موجعة مؤلمة متقنة الأبعاد والمفاهيم على كل الأصعدة..تصلح لكل زمان ومكان..وهذا هو سر جمالها وقوّتها في النظم.. فما الضيم إلا
الظلْم..والإِذْلال أو المَذلَّة...التي كانت من عمليات الإفراز الفردي وعلى مستوى جماعي ومجتمعي..فنتيجة حتمية من تناسل الظلم والهوان والمذلة أن ينبت لباس السواد في النفوس..لأنهم من زرع ذلك وتم حصاده علقماً...لعدم التعاضد والتكاتف والتوادد بين أفراد المجتمع الواحد...

(تعــال أيا صــاحبي نلتــقـي
لأبصرْكَ غيّكَ والـمتّـجَــــــرْ

تعــال أصالـح فيــك الزمــان
وأعْـرجْ بروحـك عن منحَـدرْ

فروحيَ تأبى شــذاذ النفوس
وليـس بقلبـي لهــا مستــقـرْ)...
هنا الروعة في قمة الإنسانية لدعوة الأفراد للتصالح ونبذ الفساد وتغيير النفوس وتوجيهها لمصالحة الذات ..فالمجتمع يستقيم من استقامة أفراده..والمجتمع يبدأ صلاحه من صلاح الفرد..ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..قال تعالى:
" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".. سورة الأنفال 53..
" وقول الحق تبارك وتعالى في سورة الرعد: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" 11 الرعد..
فعملية التغيير والإصلاح في أي مجتمع تبدأ من الفرد أولاً ومن مبادرته بذلك..
ويختم الشاعر لوحته الراقية النفيسة بدرر هي خلاصة التوجه إلى الله..
(ولكنّ ربيْ هــدى بالسمــاحِ
إليه الردى والهـدى والظفـرْ

فوجّه لصوب السماء اليدين
وقـلْ هاكَ عبـدٌ بكى واعتَــذَرْ)..
بمعنى أصلح نفسك مع الله يصلح الله نفسك مع كل شيء..
عملية تربوية وتبليغ رسالة هادفة وسامية ودعوة لله في إصلاح الذات وتوجيهات تربوية قدمها الشاعر على طبق من ماس لمحاسبة الذات قبل محاسبة الله لنا وحتى يصلح مجتمعاتنا..فحين نمد الأيدي للسماء بصدق وخشوع وتبتل ..فلن تعود خاوية من رحمة الله وهدايته ورحمته..فقط ينقصنا حسن التوجه إليه والصدق في الدعاء..والتدبر والخشوع في آلائه لنيل رضاه وهدايته..
(وقـلْ هاكَ عبـدٌ بكى واعتَــذَرْ)..
الشاعر يذكر عملية البكاء والإعتذار ..
وهذه العمليات إنما قمة الخنوع والتودد لله بالمغفرة وهي دليل الصدق في المشاعر ..
وهذا ما يحتاجه كل فرد في محاسبة نفسه لتستقيم في محراب الله..
كفاك..
كفاك..
أيها الإنسان الظالم لنفسه ولغيره
وكفانا جميعاً ظلماً وبعداً عن دروب الحق واتباع الهوى...
...
الشاعر الكبير المبدع المحترف في صياغة الكلمات النفيسة البليغة في النفس أثرها...
الأستاذ ناظم الصرخي
قدمت لنا لوحة فريدة جمالها سحري تحمل نفحات الوعظ والإرشاد والموعظة الحسنة ..
وهذه رسالة الشاعر المبدع ليرتقي بشعره نحو الكمال والجمال والجلال..فالشعر مرآة الشاعر وذاته وأفكاره وعقيدته ومبادئه...
في هذه الخريدة قدمت لنا تراكيب لغوية متقنة مندمجة مع المؤثرات الذاتية التي منحت الخيال أبعاداً تتلاءم مع الحدث والمشاعر المدفونة والتي تصادمت مع الواقع الإنساني الذي أثار البوح بما يتلاءم مع الحدث والأزمة الخانقة اليوم..وبتجسيد محكم يصور عبرها الفكر الناتج وبناء المجتمعات التي وصلت لدرجة التفكك وعلاقتها بالفرد ..
ألفاظ إبداعية مشحونة بالدلالات المعبرة عن صفات الفرد والمجتمع...
بوركتم وقلمكم النفيس وحرفكم البديع وما تنسجون من جمال وتألق..



النص : شَيءٌ مِنْ مَهْما
الناص : سلطان الزيادنة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
ـــــــــــــــــــ

وأنا..
ألعنُ ما يكتُبني
والحَرفُ مَسيحٌ في مَذبحِنا يقطِرُ دَمّا
رَمَقتني تِلك النَظرةُ
بالمِلحِ النازفِ مِنْ موجَتِها
قالَت ومَعاجِمُ عَينَيها
تُشعِلُ في شَكوى تَعَبي الحُمّى:
لي قَلبٌ
بَدَويُّ النَبَضاتِ يُراكمُِ هَمّا
أوغَلَ بالحبِّ تَليداً
فغَدا مِنْ ضَجَّةِ صَمتِهِ
للصَّمتِ المُفزِعِ جِسما
فتَعالَ
وخُذْ مِنْ روحي القَمحَةَ
والقَهوةَ
والقَلْبَ
ولا تنظُرْ لِشِفاهي
فمَساحَةُ صَوتي
قَهرٌ..
وضِياعٌ ..
وبُكاءٌ أعمى..
عُمري ..يا أنا صَيّادٌ
يَنصِبُ أشراكاً لِطيورِ الحُلْمِ
كتابٌ أُحكِمَ حُزنُه
لَنْ تَقرأ في أنحائهِ
للفَرحَةِ رَسما
أتَساءلُ..
هَلْ تجهَلُ بابَ البرءِ جِراحي
أمْ أنَّ رِياحي
لا تُتقِنُ إلّا..
عَزفَ الناياتِ عَلى شُرفتِها سُقْما؟!
إيهٍ يا أنتِ
كأنتِ أنا واللهِ
لكنْ رَغمَ أسايَ
تُجَندِلُني الأشواقُ
فأُسعِفُ أوراقَ القَلبِ
بحبرِ النَّبضِ
فيَنفخُ فيها العَزما
فأروحُ
أُراودُ قافَ اللُقيا
بسَماءٍ أدعو
أنْ تُمطِرَني إيّاكِ وَلو حُلْما
وليعَلمْ قَلبُكِ
أنَّه حينَ يَغوصُ اليأسُ
عَميقاً بينَ ضُلوعِ العتمةْ
حَتّى القِنديلَ الصاحي
سيُقررُ موتَه حَتما
إلّاهُ قِنديلي
فسيَبقى مُشتَعِلاً لعيونكِ
أقسمُ مَهما.


القراءة
ــــــــــــــــــــــــــ

شَيءٌ مِنْ مَهْما...
وما أجملها من لوحة ...
دارت جماليتها بين لغة القوة ولغة المشاعر فانسابت بنا تأملا وعمقا بين
سطورها الفاخرة...وتجملت بمسحة فلسفية نتجت عنها تساؤلا يثير معجم الفكر
وهو يقف متأملا على حوض هذا النسيج الإبداعي المتقن...
جمالية القصيدة تكمن من عنوانها الغامض..والذي يجبر الفكر التريّث والإبحار في معالمه المتعددة والتي صحبت معها خيالاً حلّق بين ثنايا أبعادها وموازينها بين صيغة التساؤل التي وقعت بين (مهما) و(شيء)..ومن هنا ينطلق العمق والبحث عن مكنونات هذه المعاني التي تترجم عدة تأويلات تصلح لكل زمان ومكان..وهذا بحد ذاته يعطي للقلم دراسته والتنقيب عن كشف أسراره..
ليقدّم معالم الفحوى والمغزى التي أرادها الشاعر أو التي يريد تأويلها المتلقي...في النهاية هي عبارة عن رسم لوحة فنية في كل فكر وخيال ..كلٌّ حسب مستوى تفكيره وما ينتقي الخيال من معالم تفيد الجانب الباحث فيها...
(شيء)..هنا جعلها الشاعر بلا تحديد ..حرة ..بلا قيود..لم يذكر لها صفة تحددها...وهذا أكسبها فكراً واسعاً يبحر بين فرضياتها وتأويلاتها ورمزيتها..مما يجهد الفكر في تحديد خواصها
وطبعاً هذا ينمّ عن حرفية في نسج أثوابها وفق التحليق بين أجنحة الخيال..وهذا يساهم في توسيع المدى في عمليات الذهن والتي من وظائفها تنشيط وتجديد خلايا كانت في سبات...ولمثل هذا العمق في رصد الحرف براعة ومهارة إتقان..تحدد مكانة الشاعر ومنصبه من فنون البلاغة وتوظيفه لكل معالم الأدب بما يخدم إبداعه هذا للعلو من شأن الكلمة وغرسها في قلب وفكر المتلقي...
وأما ...
(مهما)..فكان اختيارها احترافاً..فهي تعبّر عن الدلالة لغير العاقل...وهنا يكمن أول الخيط في فك شيفرة الكلمات للوصول لذروة التمتع بأنواع الأدب وعناصره المختلفة ..والسيطرة على خيوط هذه الحروف وتجديلها بشكل ضفائر بنائية لكلمات ماتعة مشوقة...
يبدأ الشاعر خريدته المبهرة بقوله:

(وأنا..
ألعنُ ما يكتُبني
والحَرفُ مَسيحٌ في مَذبحِنا يقطِرُ دَمّا)...
(وأنا)..الواو حسب ما قبلها من حكاية..أو حوار ..أو جدال على شيء غير عاقل أو...
لتأتي( الأنا )دفاعاً موجعاً عن مهما...
في كلما الأنا..تأتي بصحبة فلسفة عصرية تواكب هذا الواقع...لتفتيح أهدافها وتوضيح صراعها وفق ما تشمله من خطوط المد والجزر في الداخل والخارج منها وإليها...
وأما في كلمة..(ألعن ما يكتبني)..
اللعن ..معناها الطرد من الرحمة والخير ..السّب...واللعن من إنسان لإنسان هي من حق الله وليس من حق البشر..يعني طرد إنسان من الخير والرحمة هي من الله وحده وليس من خصوصية إنسان أن يلعن إنسان...وهنا يدخل الإنسان في حدود الإثم...
لكن الشاعر كان ذكياً أن يقع في ذلك..لأنه أقرنها بحرف (ما) التي هي لغير العاقل...
وهذه قمة الحذر والذكاء في انتقاء الألفاظ ..
ويقع على الحرف..وقد أمتعنا بوصف الحرف بقوله..
( والحَرفُ مَسيحٌ في مَذبحِنا يقطِرُ دَمّا)..
صورة تجسّد الألم..وتصوّر عمقه...وصف منسوج بحروف ذهبية..شبّهه بمسيح يصلب بهتانا وزوراً..ويصوره صورة مأساة أمتنا..حيث سحبني الخيال إلى مجتمعاتنا وتكميم الأفواه..وخرسها عنوة عن قول الحق والجرأة في النقد بأي منظومة تخص أمتنا المغلوب على أمرها والمكلومة...
وهنا أقرأ هذه الصورة كناية عن قتل الحرف الذي يعلو بالحق..وصلبه إذا تمرّد عن كباره...
صورة ساحرة جدااا ..وقفت على شرفاتها طويلاً.. باتجاهات عدة وتأويلات مختلفة..تصلح أن تكون نموذجا وعبرة وحكمة لتُدرّس للأجيال اليوم والقادمة من حيث الظلم والدكتاتورية... وقمع الكلمة الحرة...

(رَمَقتني تِلك النَظرةُ
بالمِلحِ النازفِ مِنْ موجَتِها )..
صورة إبداعية مكملة للوجع..نقرؤها بعين الفكر ..في تدبر مطوّل..ينحت جدرانها وما انغرز فيها من معالم ومعاني عميقة...
إذ هي تُغري المتلقي وتشدّه لاستخراج دررها
الثمينة...
النظرة المطوّلة التي رمقته..إنما صوّرها الشاعر بمهارة لا توصف..كيف ينسجها نازفة بالملح ..وفوق ذلك الوجع الذي أصيب به يكمله ويزيد به...أنه ينزف من الموج والذي هو كناية عن الغليان وازدياد الأمور سوء...
وكلمة نزيف تدل على وجعٍ ما زال حيّ...
صورة مشبعة بتشبيه غاية في الإنبهار في عمقها ودلالتها ونظمها...

(قالَت ومَعاجِمُ عَينَيها
تُشعِلُ في شَكوى تَعَبي الحُمّى:
لي قَلبٌ
بَدَويُّ النَبَضاتِ يُراكمُِ هَمّا)..
لفت نظري هنا قوة التوظيف..وكيف استخدم المعاجم وما فيها من زخم لتكون مقترنة للعينين كناية عن كثرة ما فيهما وكثرة ما تحمل فيهما..وكل ذلك ورغم ما يحمله من التعب الذي ضاق به ليشتكيه إلا أن نظراتها أشعلت الحمى فيه..ليكون نتيجة ذلك من جوابها الذي أثقله..إذ قلبها ممتلئ بالهموم والآلام يخلو من الحب والمعاني الدافئة..حيث
وصفه الشاعر بدويّ النبضات..وصف بليغ معبّر جدا ومتقن في استدلاله...
(أوغَلَ بالحبِّ تَليداً
فغَدا مِنْ ضَجَّةِ صَمتِهِ
للصَّمتِ المُفزِعِ جِسما
هنا نلاحظ كثرة الصور الفنية الباذخة التي تحكي عن قدرة وبراعة الشاعر...
وكيف يصف القلب وما فيه من مشاعر ..وكيف من قديم أوغل فيه الحب...ليصبح من كثرة صمته وصخبه وضجة الصمت التي فارت وثارت لتصبح جسما محسوسا.. على مرآى ممن يراه..
استعمل الشاعر كلمات ثرية عميقة جدا..
تليدا/ ضجة الصمت/ جسما/
كانت لها وقعها المؤثر وقوة توظيفها بطريقة فنية راقية ليوصل إلينا عمق تفكيره ومشاعره الناطقة...
عملية تحويل ضجة الصمت لجسم حي..هذا من أجمل ما قرأته وما يحمل من رمزية الأنين والألم من أثر الصمت وقوته ليتدفق عبر جسم حي..وكلمة جسم كناية عن قمة القهر وعن شيء ملموس نشاهده ونتحسسه..
كل شيء كلما زاد عن حدّه تحوّل لمنظومة أخرى جديدة نتيجة الغليان المكبوت..
كالصمت وزيادته أدى أولاً لحدوث ضجة من تراكمه..ثم تحوّل إلى ثوران وغليان ليصبح الناتج جسما جديدا محسوس..
كعملية كيميائية وتفاعل عناصر متغيرة مع بعضها لتكوين مادة جديدة...
هكذا هي المشاعر حين تختلط ذراتها تتفاعل وينتج عنصراً آخر من هذه المعادلة..
ويكمل الشاعر بصوتها..وهي تقول..

(فتعالَ
وخُذْ مِنْ روحي القَمحَةَ
والقَهوةَ
والقَلْبَ
ولا تنظُرْ لِشِفاهي
فمَساحَةُ صَوتي
قَهرٌ..
وضِياعٌ ..
وبُكاءٌ أعمى..)..
عملية المناداة هنا بُغية العطاء والتوضيح..
كي تعطيه ..قمحة من روحها...قمة الجمال والرقي والإعتراف الكامل بالحب..
لتكبر القمحة ..كناية عن المشاعر الدافئة..وينمو حبها الروحي فيه ليصبح سنابل لحصاده في قلبه...مع التنبيه له بمساحة القهر والضياع والبكاء الأعمى الذي لا يرى مطبب له...قمة الروعة والإنبهار في الوصف والتشابيه والبلاغة والفصاحة...
استعمال..روحي القمحة/ والقهوة/ والقلب
القمحة للنمو والإزهار ورطوبة الحياة..
القهوة لطعم الحياة والذوق فيها
والقلب نبض يحيا لتستمر الحياة....
ثلاث مقومات تزرع حياة نابضة تريد الإكتمال...
(عُمري ..يا أنا صَيّادٌ
يَنصِبُ أشراكاً لِطيورِ الحُلْمِ
كتابٌ أُحكِمَ حُزنُه
لَنْ تَقرأ في أنحائه
للفَرحَةِ رَسما )..
يا لروعة هذا السور الجمالية وحرير نسيجها المتقن...
يا أنا..مناداة للذات التي هو والتي أراها للحبيبة أيّاً كانت..وكأنه يخاطبها بصفة الذات..
وأما اختيار كلمة صيّاد..كناية عن المهارة والفن والإتقان في التقاط واصطياد ما يبغيه..وهنا كان الصيد نفيساً غريباً متفرداً في غزله...يصطاد الأحلام التي قد سطرت كتاباً ممتلئ الأحزان خالي من الفرحة...
وصف إبداعي مبهر جداً..
( كتابٌ أُحكِمَ )..ذكّرتني..بالآية القرآنية في سورة هود..
" الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير.."ٍ (1) هود..
تناص محكم بديع...
أوصاف وتشابيه واستعارات في صور شعرية سحرية لا يتقنها إلا محترف بارع...

(أتَساءلُ..
هَلْ تجهَلُ بابَ البرءِ جِراحي
أمْ أنَّ رِياحي
لا تُتقِنُ إلّا..
عَزفَ الناياتِ عَلى شُرفتِها سُقْما؟! )..
التساؤل هنا إنما هو بريد فكري لعمق الذات تدخل فيه همسة فلسفية راقية وهي تحاور الأعماق للوصول لهدأة مع الذات..وغمرها بصمت يُسكت أوجاعها التي تعالت من السقم وأنّى العلاج خارج حدودها...
يحاور الذات ورياح الشوق واللقاء هل من بُرءٍ للجراح..أم أن رياح الشوق قد جعله لا يتقن على شرفتها إلا الأسقام...
الألفاظ جاءت متناغمة مع مفردات اللغة التي تحركت وفق الحس الداخلي والخارجي..بترابط متقن وروح الكلمات التي اتسعت فيها بؤرة المعنى الإشاري...
فاندمجت الذات مع الرموز التي حوت فكر الحروف ..حتى تم فيها تقاعلاً يجمع أبعاد الحرف والإحساس الداخلي لنحصد جمالاً لا نظير له بين السطور...

(إيهٍ يا أنتِ
كأنتِ أنا واللهِ
لكنْ رَغمَ أسايَ
تُجَندِلُني الأشواقُ
فأُسعِفُ أوراقَ القَلبِ
بحبرِ النَّبضِ
فيَنفخُ فيها العَزما
فأروحُ
أُراودُ قافَ اللُقيا
بسَماءٍ أدعو
أنْ تُمطِرَني إيّاكِ وَلو حُلْما..)
هنا تتضح معالم الصورة حين يعتبر ذاته وهي روح واحدة...ويقدم لها تبريرات ..عن همومه وأحزانه الجمة..إلا أنه رغم ذلك فالأشواق تقتاته ليتمنى أن تمطره الأشواق رؤيتها ولو حلماً..
هذه الألفاظ كلها تحتاج لعناية وإبحار في كشف أسرارها والوقوف على جمالية بنائها..إذ تستحق التقدير والتعلم منها لأنها بمثابة مدرسة شعرية منتقاة للتعلم فنون النظم والبناء..إذ حرّكت منابت الفكر وسبح في الخيال ..وهذا هو الجمال وسر الإبداع...
(وليعَلمْ قَلبُكِ
أنَّه حينَ يَغوصُ اليأسُ
عَميقاً بينَ ضُلوعِ العتمةْ
حَتّى القِنديلَ الصاحي
سيُقررُ موتَه حَتما
إلّاهُ قِنديلي
فسيَبقى مُشتَعِلاً لعيونكِ
أقسمُ مَهما.)...
يا لجمال وبهاء خاتمة هذه القصيدة التي ختمها الشاعر بالقسم لأجلها مهما حصل ومهما تغير الزمن سيبقى قنديله مشتعلاً ..حتى ولو اليأس اعتلى العرش فوق العتمة ..لن يضيره سواد ..إذ هو يبقى مضيئا لأجلها...
أوصاف غاية في الإتقان..
ووعي لغوي كبير مبهر بقيمة التراكيب البنائية للكلمة في الصور الحية..
نغمات فنية راقية بتأملات تولج لذات الشاعر وما يملكه من طقوس فكرية عميقة عكست ذات الشاعر ومشاعره..والتي عبّرت عن تأملاته وتصوراته الفلسفية..في وحدات فكرية منها الذات الشاعرة ووضعيته ما بين عالم ظاهري لعالم باطني ...من خلال رؤيته المختلفة وفلسفته العميقة...
وكل ذلك يدل على قدرة الشاعر الفذة في استحداث أوصاف وصور إبداعية متفردة..
بوركتم شاعرنا الكبير المبدع أ.السلطان الزيادنة
على خريدتكم ولوحتكم الفنية الفذة البارعة ..




النص : أخرس
الناص: محمد بديوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
صعد الى خشبة المسرح
ليؤدي دوره الصامت.
ارتبك
فنطق

القراءة :
ــــــــــــــــــــــ

أخرس..
ومضة وارقة جداً جداً..
مضيئة على مستوى الفكر واللغة والوعي والنضوج..
بضع كلمات في مجموعة حروف ..تساوي مجلدات..إذا ما فصلنا كل رمز فيها...لأنها تحمل درراً كشفت عن أبعادها بالتنقيب والبحث العميق...
هذه الومضة حلّقت بي لعدة تأويلات في مناحي الحياة العامة وحتى على الصعيد الخاص...وتغلغلت مضامينها في الخيال لأبعد مدى..
العنوان وحده..( أخرس).. مفتوح عام لم يخصصه الكاتب بأل التعريف..ولم يقيّده بها..
حتى يكون في دراسة عميقة يصلح لكل زمان ولكل قراءة..وهذا يدلي بذكاء الكاتب وعبقريته في تحديد خطواته ببراعة في فن النسيج البنائي ومعانيه العميقة ..والتي ترمي لقوة الومضة...
الأخرس هنا ..معناه لغة...
"الأخرس في اللغة- وزان أفعل- صفة من به الخرس.. وهو ذهاب النطق خلقة أو عيّاً..وفي الجمهرة : « انعقاد اللسان عن الكلام»"...
"الأخرس هو أبكم ، انعقد لسانه عن الكلام..عجز عن الكلام خِلْقَة أوعِيًّا أو لسبب آخر .."...
لذلك احتمال للنطق وفق صدمة مباغتة يمكن أن تحوّله لنطق بسيط إذا كان الخرس عن طريق العيّ..
لكن ما رأيته في هذه الومضة التي استوقفتني طويلاً ...لجوانب متعددة..
لا أريد الخوض بكلها.. كحالات الخرس التي تحدث نتيجة صدمة من واقع مؤلم..أو حادثة مريرة صعبة جداً..جعلت عقدة اللسان عاهة مستديمة..وما أكثر الحالات الأجتماعية التي تطرأ على الذات فتحبس النطق في سبات عميق لا يرجعه إلا حالات صادمة مباغتة...
لكن ما أريد تأويله هو تكميم الأفواه وتعتيم الحروف الناطقة من قبل الحكام والطغاة اليوم..لأن قول الحق يفج رؤوسهم ويحطم كراسيّهم من تحت نعالهم...
حكام العرب وساسة الظلم وكبار الإضطهاد..يمارسون عنف السيطرة على من يتفوه بفكرٍ من شأنه هدم سياستهم أو قتل مناصبهم...
فيقومون بتدريب شعوبهم على الصمت ويلقنونهم دور الأخرس..حتى ينجحوا في الحفاظ على مناصبهم ومنافعهم ..ويكونوا عملاء ووقاية للغرباء في تنفيذ مآربهم...
فحرية التعبير عن الرأي يدربونهم عليها من خلال لعبة دور الأخرس على خشبة مسرح الحياة والمجتمع ومسرح السياسة الممزوجة بدم الأبرياء...
وفي هذه الومضة الفنية الراقية المتقنة ..وجدناها منسوجة على عدة تأويلات.. في عمقها أرحاماً تتناسل الخيال وتلد الجمال على صوره المتعددة...
الأخرس هنا كما يقول الشاعر:
(صعد الى خشبة المسرح)
كلمة صعد...تعني ليَ الكثير ..ففي الصعود لشيء ما..يحتاج لبذل جهد وطاقة لتنفيذ الهدف في غاية الصعود...ويتتطلب مهارة عالية لتنفيذ هذه المهمة..وربما يصعد المرء درجة معينة ويخفق فيها بعد عناء فيسقط..
وهنا الأخرس يريده الكاتب الصعود لتأدية مهارة معينة كان قد رسمها له...
وهي الصعود على خشبة المسرح...
توظيف كلمة صعد كانت متقنة جدا بصياغة ماهرة تدل على صاحبها وعلى قدرته في النسج...
وأما اختياره خشبة المسرح مكانا لتأدية الدور ..فكان اختياراً مذهلاً جداً..
لأن المسرح هو عملية تقمص أدوار معينة للممثل يؤديها وفق التوجيهات والإرشادات وحفظ مادة العرض غيباً ..ليتم عرضها أمام جمهور البشر المختلف الأصناف...
وبعد الإنتهاء من الدور الذي يلقنونه إياه..يعود لسابق عهده...
فالمسرح مكان للتمثيل يعكس المجتمع وأفكاره وأدواره وثقافته ومبادئه..
عن طريق شخصيات تلعب هذه الأدوار كالدمى..يحركونها وفق ما هو مرسوم لهم ومكتوب...
لذلك ألفاظ خشبة المسرح..متقنا لما يهدف إليه الكاتب...ثم رأيت أن كلمة خشبة..تلائم الحدث والهدف..إذ هي من كلمة خشب والذي هو قابل للإحتراق والإشتعال وتخويله إلى رماد..أي أن كل ما يقال فوق خشبة المسرح إنما هو غير ثابت قابل للزوال ..وهذا ما يعكسه دور الممثل بكلامه القابل لغير حقيقته ولمتغيرات مختلفة...
يكمل الكاتب الشاعر ومضته بقوله:
( ليؤدي دوره الصامت.)..
في هذه اللقطة يكمن الإبداع والعمق...
تأدية دور أخرس هنا..ربما قلنا أنه سهل جداً لأنه لا يستعمل اللغة لحفظها وتأديتها مع الحركات...
لكن الدور كان هنا أصعب لأنه مرهون بشنقه وشنق صوته للأبد ..نتيجة خوف عدم الإتقان في طاعة المدرب والمخرج السياسي المسؤول عن نجاح شعبه في الصمت..
لكن الفاجعة الكبرى التي تحرك الصمت وتمزقه هو هوية الإنسان وكرامته وتلبية نداء الرسالة الأعظم وهو طاعة الله لصالح الوطن..فعندما تشتعل معاني ...لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق...وعلى هذه الأرض ما أكثر العصاة الذين يبيعون أنفسهم ثم أوطانهم للشيطان ..مقابل المصالح الذاتية والأهواء والكراسي...وولاة الأمر يريدون الأفراد دمى متحركة تتقن أدوارهم...
فتتحرك حرارة الكرامة والهوف من الله...فيرفض هذا الدور ..ليرتبك نتيجة الخوف الأعظم من الله ..بقول الكاتب ( ارتبك)...
عملية الإرتباك تأتي من الخوف أو الضعف..
إما خوف من الوقوف أمام الجمهور..أو أمام الله ..وإما ثقة بالنفس متزعزعة..أو خوف من النتيجة...
وفي كل الحالات هي سلوك توتري يتراكم عليه أسباب كثيرة ومسببات...
ومن نتائج الخوف وعدم إتقان الدور أنها هناك محركات كثيرة لعبت دورها في زعزعة الثقة لتكون النتيجة النطق...
والنطق هو الدور الطبيعي للفرد العادي..لكن إذا كان الصوت تحت نصل الصمت فإنه يُحدث صرخة غير اعتيادية من كثرة الضغط....
وهنا يكمن أهمية الكلمة وجرأة قولها في المكان المناسب وأمام سلطان جائر..فإنها كثيرا ما تؤدي كلمة الحق لشنق الشخص الذي يلفظها بحق...وما أحوج مجتمعاتنا للوعي الفكري والثقافة الواعية لإدراك أهمية النقاش والحوار لرفع مستوى الأمة والحفاظ على حضارة عريقة كما كانت من قبل تقوم على أساس مبدأ الشورى...لكن أين هي الشورى اليوم وشريعة السماء ..وقد احتلت شريعة الغاب الحكم اليوم...
لن أطيل أكثر في حق مثل هذه الومضة الرائعة الساحرة بعمقها...
الشاعر الأديب المبدع الراقي البارع
أ.محمد بديوي
قرأتكم في كل مكان ..فكان لحرفكم أثر في الذائقة الأدبية ..وكان لقلمكم مزايا إبداعية تلونت بتلاوين المطر..حيث رسمت جمالاً وفنّاً ثمين على أشعة شمس الأدب الجلية...
بورك بما نسجتم من سحر..وطاب لي المكوث بين أروقة حرفكم النفيس أين كان....




النص : حبل سرّي
النّاص : زياد السعودي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حبل سرّي

"إنّ الحُروفَ تَموتُ حينَ تُقالُ"
غَيْرَ أنّ حُروفي في رَحِمِ البَديعِ أجِنّةٌ حَبْلُها السِرّيّ جَمالُ



القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الله الله الله
على ذكاء الشاعر وعمق حروفه وما تحمله من أسرار ودرر نفيسة..
بما أن هذه الحروف عبارة عن ومضة شعرية..هذا يعني أنها اختزلت الكثير في بعض كلمات تحمل معاني القوة والجمال بتراكيبها الفنية وفحواها الماطرة...
ومضة أطلقت أجنحة الخيال على امتدادها..وأنشأت للتأويل أبواب الفرضيات..وهي تحمل دلالات مختلفة حسب ما يحمله الفكر من رسومات..
فالشاعر بدأ ومضته بحرفية متقنة وذكاء فني ومعنوي ليبرز لنا قدرته على إنجاب حروف تتميز بالجمال والدهشة..
فمن خلال العنوان ..حبل سرّي..نستطيع من خلاله تحديد بداية الخيط في تفكيك شيفرة هذه الومضة السحرية بتراكيبها وفحواها...
فالحبل ما هو إلا امتداد وعملية وصل بين شيئين متكاملين أو مكمّلين لبعضهما..أو امتداد لطرفٍ على حساب الآخر..وهنا يكمن التأويل وعمل أجندة الذهن وفق ما يفرزه خبايا الحرف...
ابتدأ الشاعر ومضته بقوله:
(قد قيل)...
وهذا بحد ذاته قمة الذكاء وقدرة الشاعر على نسج تراكيبه البنائية بدقة حتى لا يقع في دائرة التساؤل ولكي يمنح المتلقي في حك منظومة الذهن والفكر لتحويلها نحو العمق بين أسرار هذه اللغة ونفحاتها العميقة...
فكلمة..قد قيل..تمنح الشاعر تبرئته من نسب هذا القول له وإعطاء شرعيته لمن قاله..ولكن هذا القول كان بمثابة دعم لما يريد إيصاله في الشطرة الثانية من قوله..
نأتي لفحوى ما قد قيل عن حروف تصاغ بصور مختلفة وبمعاني متعددة وبتأويلات عدة بدلالات مختلفة...فنسيج اللغة ممتلئ وتراكيبها مختلف يعتمد على فكر صاحب الحرف وكيفية تفعيله للمتلقي بطريقة تعبّر عن آرائه وأفكاره وأهدافه...
الومضة تحتوي على شطرتين متناقضتين..
أما الشطرة الأولى من الومضة فكانت بقول الشاعر على لسان من قيل:
"إنّ الحُروفَ تَموتُ حينَ تُقالُ"
بما أنها مقولة فهي قابلة للطعن والنقاش..
والتغيير..ولكلٍ وجهة نظره الخاصة..
هذه المقولة بيت شعري قد قاله الشاعر الكبير نزار قباني في الحب والمشاعر...
فالكلام المنطوق عبارة عن فن وذوق..يدل على صاحبه..ويشير على مشاعره وعقليته..
فأحياناً كثيرة وفي مواضع عدة يلزمنا الصمت ..لأن بالكلام قد لا نفي حق مشاعرنا أو فكرنا ..ونقع في دائرة التهم والإزدراء نتيجة التعبير المنقوص..ليكون الصمت أبلغ من الكلام...ولكن هذه قاعدة لا تنطبق على كل كلام يقال...فكم من كلام كان درة ومشكاة يستضاء منه ويُستفاد وأصبح مدرسة نتعلم منه قواعد الحياة..
أما بخصوص المشاعر والأحاسيس فكم وقعنا فريسة سوء التعبير وحوصرنا بوابل من سوء الظن وتراشق التهم ..لتموت الحروف نتيجة عدم البوح الكافي البليغ الذي يعبّر ما بأعماقنا...
لذلك اختيار الكلام يحتاج للتأني والحكمة والبوح بما يصف فكرنا ومشاعرنا..خاصة في قضايا تعتبر المصير...

وأما الشطرة الثانية التي تعتبر ناطقة على لسان الشاعر ومعبرة عن مشاعره وأحاسيسه اتجاه الحروف التي تتحول لبلاغة وجمال ووعي حين ينطقها وهي تلامس المشاعر الصادقة وتحيك من سرّ البلاغة ما يمتّع الذائقة للمتلقي ويسجّل عبرها سحر لا متناهي...
يقول الشاعر في شطرته الثانية في الومضة السحرية:

غَيْرَ أنّ حُروفي في رَحِمِ البَديعِ أجِنّةٌ حَبْلُها السِرّيّ جَمالُ

الشاعر هنا وكأنه ينقض سلسلة الحروف السابقة ليوضّح لنا نقيضها ويعلن من الحروف سحرها وجمالها على لسانه ومن خلال بوحه...
بقوله..(غير أن حروفي)..
كلمة "غير" من الإستثناء تدل المغايرة..
ومن خلالها يبدأ الشاعر بوصف مشاعره وأحاسيسه وفق لغته المنطوقة والتي يعتبرها ينبوع الجمال لاعتداده بنفسه وثقته العظيمة باتزانه وقوة تعبيره نحو الآخر ..لأنه يحمل في طياتها كل الحب والنقاء والشفافية ..فالثقة بالحب للآخر يجعل دعمه للقول أبلغ وأكثر متانة بتراكيب حروفه حين تنطلق من ينبوع لغته الصادقة..
في هذه الشطرة يبرز جمال التعبير وقوة النسج والنظم..إذ جعل من حروفه تشبيهاً راقياً ..بالأجنّة التي تتغذى من بدايتها ومن قبل ولادتها على الجمال لأنها مغموسة في رحم البديع من التكوين والإعداد...وحين يكون الغرس سليماً يلد من الأرحام الجمال..
وهنا قمة الجمال وسحر التعبير ..
وكأن الشاعر يريد بنا التوجيه نحو علم البديع وما يحمل من البلاغة التي تختص بتحسين أوجه الكلام إن كان على شكل لفظي أو معنوي..وما تكسب الكلام من القبول والحسن والجمال..بعد التدقيق في دلالاتها وما تهدف له..
والشاعر هنا أيضاً يريد إيصال فكرة عملية غرس الكلام..أن يكون منبتها الجمال من علم البديع الوافي المتكامل وانتقاء الحروف وفق منظومة متوازنة ليكون النتاج سحراً يهيمن على قلب المتلقي..

من خلال هذه الومضة العميقة النسج والفكر ..فتحت أمامنا باب التأويل نحو الإبحار في علوم اللغة ومفرداتها وكيفية صناعتها لتكون منفذاً لقلوب الآخرين..وتكون علامة فارقة منطوقة يحملها الفرد الواعي لمنظومة حروفه التي ينسقها وفق فكره ومشاعره..
وتفتح لنا باب الإبحار في علوم كتاب الله ونوره ومدى تأثير الحرف المنسوج بالنور والصدق في كل نفس ..

الأستاذ الكبير وشاعرنا المتألق المبدع
العميد أ.زياد السعودي
لمنظومة حروفكم الجمال والجلال والإبحار في دنيا البديع من اللغة ..وفتح أبواب التأويل والخيال لفرز ما ينتجه عمق التفكير في قلب من تنسجونه من إبداع..
حروفكم تحفّز الفكر في التعمق وتبحر بنا نحو خيال خصب..
بوركتم وقلمكم النفيس وفكركم الرشيد
دمتم والتألق لكم عنوان..
وفقكم الله لنوره ورضاه
ومبارك عليكم هذا الشهر العظيم ونفحاته المباركة..



الناص : المختار محمد الدرعي
النص : أمم أمثالكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــ

كان العصفور ينتصب في قفصه صامتا أمام التلفاز , يزيّن الصالون الفاره .
و كلّما شاهد مظاهرة في نشرة الأخبار , تنادي بالحرية ,
أطلق زقزقة يتيمة لعلّهم يدركون مغزاها .

القراءة :
ـــــــــــــــــــــــــ

الله الله كم لهذه الومضة براعة في النسج وفن في التراكيب وإبداع فيما رمت إليه من أبعاد وتأويلات..
ومضة قالت الكثيير وعزفت حزنها في غلاف فني رائع ..قد عبّر عن حالة المواطن العربي في كل مكان..
تجسيد متقن لواقع مزري يعيشه المواطن العربي على جنسياته المختلفة..
فالكاتب هنا برأيي هدفه أعمق وأبعد مدى لمجرد الحديث عن الرفق وحرية الحيوان أو الطير..إنما كان بمثابة انطلاقة حية لمفاهيم سياسية واجتماعية وإنسانية واقتصادية أيضاً في قوله ( يزين الصالون الفاره)..
الكاتب بدأ ومضته بفعل ماضي( كان) وبما أنه فعل وليس إسم..يدل على حدث كان فعله من زمن وما زالت آثاره قائمة ينهش الحقيقة المرة التي مازال يعيشها..
فقول الكاتب: (كان العصفور ينتصب في قفصه صامتا أمام التلفاز ,)
فالعصفور رمزيته تقع على المواطن العربي المسكين المسجون مع حريته في قفص الحكام والذين حجزوه تحت نصل الصمت وهو يشاهد كل حدث أمام عينيه وهو يجلد نفسه قهراً من أثر السياط التي يتعرض لها من أثر القيود في حريته وصوته وفعله..
وفي قول الكاتب ( العصفور ينتصب).. إسقاط على عدم الرضا وقهره وكأنه يقف على جمر الصمت وقيود الحرية..فكلمة ينتصب فعل مضارع مازال مستمراً في عملية القهر والرقص على الوجع...فإستمرارية الفعل دليل على إستمرارية الحال اليوم...وكونه ينتصب العصفور تعني على عدم الإستقرار وعدم الراحة وهو في جوف المعارك المحاكة له من جميع الأطراف والتي تمت بتخطيط لدحر العربي من الوجود وسلخ حقوقه منه كاملة حتى لا تقوم له قائمة..
وأما قول الكاتب في كلمة قفصه ..وليس القفص..لأنه جعل لكل عربي قفصه الخاص الذي يختلف ووظيفته ومراكزه ومكانته في المجتمع..لكل مواطن عادي أو قائد أو وزير أو ملك وما بعد ذلك..لكل واحد له قفصه الخاص الذي له أسسه وأبعاده وطرقه في تجميده بما يتلائم مع منصبه..لذلك كلمة قفصه كانت تتلاءم والحدث بطويقة ذكية ومهارة عالية تدل على حرفية الكاتب وقدرته في صياغة الحرف بذكاء وحنكة ..
وأما فيما عبّر عنه الكاتب لحال المواطن العربي والذي نسج تراكيب حرفه بإبداع وإيجاز كانت المهارة والبراعة تتحدث لوحدها عن قوة هذا الحرف بقوله (صامتا أمام التلفاز ).. وهذا شأن العربي اليوم الذين يريدونه وفق أهوائهم وكراسيّهم ونفوذهم ومناصبهم..يريدونه صامتاً يشاهد الصراعات والظلم والألم والإنكسار عن بعد لا في داخل الحدث..وهذا ما عبر عنه الكاتب ( أمام التلفاز) وليس أن يعيش الحدث ليحرك جموده ويحرر صنميته من أقفاص الأوغاد والطغاة...الكاتب جعل العربي مشاهداً للحدث ..خاملاً ليس له دور في تغييره أو كسر بوصلته من الظلم والعبودية إلى التحرير والحرية..وقفٌ فاق حدود الفكر وحلق بنا في ربوع الخيال لأبعد من ذلك من تأويلات..وهذا بحد ذاته قمة الإبداع والتألق..
ويكمل الكاتب بقوله: ( يزيّن الصالون الفاره ).. يتضح المفهوم الإقتصادي والتجارة بالدم العربي لمصالح اقتصادية بحتة..عملية تقييد العربي وحجزه وسجن حريته مقابله النفوذ المالي لكسب مادي إقتصادي لإنعاش الحالة المادية لذواتهم على حساب الشعوب الفقيرة المسكينة ولتحرير مناصبهم من التجميد الغربي لهم..على مرأى من العربي وتحت نصل سيطرة الغرب والطغاة في كل مكان...يتاجرون بآلام الشعوب لتحقيق مآربهم الدنيئة...
وأما بقول الكاتب( التلفاز ).. وهو أداة مصنعة وجهاز ثابت غير متغير لا يتحرك إنما يبثون فيه ما يتلاءم ومصالحهم..فجعل الكاتب التلفاز أداة مشاهدة للأحداث أمام الشعوب عن بعد حتى لا يستطيع العربي أن يحرك ساكناً ولا أن يغير شيئاً ...وهذا ما عبّر عنه الكاتب في قوله (و كلّما شاهد مظاهرة في نشرة الأخبار ).. كلمة مظاهرة هي لغز الومضة كلها..بمعنى عملية تحفيز ودافع قوي يدفع بالمشاهد عملية حراك فكري وعملي ..لأن المظاهرات ما هي إلا تنديد واستنكار للأحداث وتعبير عن متنفس المواطن بأقل القدرات ..لذلك كلمة المظاهرة هي عملية توجيهية للشعوب نحو الوصول للمبتغى وإن كانت أقل وأضعف الوسائل..تكفي أنها تحرك المدفون من الغضب والقهر لانطلاقة نحو التغيير الفعلي والمسار نحو الحرية...
وفي قوله بكلمة( نشرة الأخبار).. إنما هي إسقاط لكل أنواع الكذب الذي تتناقله قنوات التواصل ببث أحداث مدمجة بين الحقيقة والكذب والإفتراء وتسويد الحقائق وتزييفها ونشرها عبر محطات النقل الكذوب...لتضيع الحقائق وتتلخبط الأحداث عن صدقها وشرعيتها..وكسب الشعوب لدفّتهم الظالمة...فما نراه في الأخبار إنما نشرات تميل وفق أهواء الحكام والكبار لتسويق منافذهم وفكرهم وغسل عقول الشعوب بما يتناسب وأطماعهم...
ويكمل الكاتب قوله: ( تنادي بالحرية).. شعار فذ وتوظيف حكيم متقن يدل على براعة الكاتب في تحديد هدفه ونشر مغزاه بين العقول المتفتحة اليقظة لما يدور حولها من تعتيم ودفن للحقائق.. فالكاتب بحنكته وذكائه وبراعته ..جعل من الحرية شعاراً تتنادى به الشعوب على طول الأمد وما زالت ليوم الدين..وهذا دليل على استعباد الشعوب وظلم الحكام لهم وتقييدهم بفكرهم وأهوائهم...وهذا قمة الظلم والقهر والوجع أن يكون للحرية شعارٌ مفقود حتى هذه الساعة وهذا دليل على حجم المعاناة التي يعانيها المواطن داخل وطنه وهو ما زال يبحث عن حريته المدفونة...وقد جعل الكاتب لكلمة الحرية كلمة موجعة أكثر وهي كلمة( تنادي).. ذلك الفعل المضارع الذي يعبر عن المناداة وكأن موقع الحرية ما زال بعيد المنال يحتاج لبذل الجهد لوقوعه والحصول عليه..والفعل هنا يدل على الإستمرارية في المناداة...وهذا دليل على قوة التوظيف في تراكيب الحرف ودمجه بالحدث الموجود الحاصل...
ويختم الكاتب ومضته بوجع كبير وألم ينحت القلوب بأثر ذلك القيد الموشوم بالقهر..بقوله: ( أطلق زقزقة يتيمة لعلّهم يدركون مغزاها)..
فالمواطن الضعيف الذي يملك قلب ضعيف رقيق والذي شبهه بالعصفور الذي لا يملك قوة ولا حيلة...لا حيلة له إلا أن يطلق زقزقة يتيمة..كناية عن صوت العربي الذي ما زال هشاً ضعيفاً لم يحدث تغيير في ساحة المؤامرات التي تحاك له في كل مكان..وكلمة( يتيمة) كناية عن موت الأب أو الأم وهو الحاكم أو الولاة أو الملوك التي تحكم البلاد..بمغنى لا إنصاف من الكبار لشعوبهم..المواطن يصارع لوحده وقد فقد أبويه من الحكام وأصحاب السلطة...توظيف متقن وبارع وساخر جداً ولفظه سحريّ بديع...
وأما ما اختتم من القول( لعلهم يدركونها) تبقى لعل وعسى في قائمة المجهول الأسود القاتم...ولعلهم يصحون ويغيرون الواقع المزري المؤلم لنافذة الأمن والعدل والسلامة والإسلام الذي لا يوجد حل في الأرض لكل أنواع الظلم إلا في ظل العدل وشريعة الإسلام..لقوله تعالى:" إنّ الدين عند الله الإسلام"...
من منطلق هذه الومضة المبدعة المتقنة والتي فتحت أبواب الخيال ونوافذ الفكر على مصراعيها لتحصد أجمل وأرقى التقاطة أدبية إبداعية حاكتها أنامل قلم مقتدر قدير ماهر في اصطياد الحروف وفي منظومة إبداعية عظيمة راقية متألقة...
لله دركم أستاذنا الكبير المبدع الراقي
أ.المختار محمد الدرعي
على قلم بارع ماهر الذي جسّد لنا الواقع بكاميرا حرفكم المتقن
جزاكم الله كل الخير ووفقكم لما يحبه ويرضاه
وكل عام وأنتم بخير وإلى الله أقرب



النص : كأننا لا شيء
الناص : عبدالهادي القادود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ
والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ
وعلى ضفافِ الدّهرِ حطَّت خيلُنَا
يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ
بـات الدُّعـاءُ رسولنـا فـي عـالـمٍ
طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ
والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ
فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ
تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ
ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ
نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ
فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ
وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
ماتـت علـى أهدابـهـا الأضــواءُ
وكأنّـنـي نـبـضٌ يــئنُّ بـأسـطـري
ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ
مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ
حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
وتـرمَّـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ
مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ
ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ
والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ
والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ
يـا رب إنـِّي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ
أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .

القراءة :
ــــــــــــــــــ

كأننا لا شيء ....
يا لروعة هذه اللوحة السحرية التي جُبلت بماء الوطن مع نبض النفوس التي تبحث عن الخلاص وتستعطف الدعاء للخلاص من الظلم الذي أصبح قوت الشعوب وزادهم في الرحيل والنزوح...
للعنوان سطوته في النفس حين سبحت الروح في الخيال من وثيقة هذا الحرف المبهر ..
يمنحنا الشاعر وقفة تأمل مع الذات المرتبطة مع نبض الوطن الذي يسري بين مساماتها دماء هذه الأمة المكلومة النازفة...
( كأننا لا شيء).. توظيف متقن لجلب المتلقي الدخول بين أوراق القصيدة...وتفكيك شيفرته بما يتلاءم وأبيات القصيدة ..فللعنوان نسبة كبيرة لتهافت القراء عليها ..والنجاح في خرق حدود القصيدة وجذب الألسن الذواقة للتمعن بين جماليتها...
عندما نقف أمام هذا العنوان..ونتفحص أبعاده نجده يسقط في بؤرة الفلسفة الذاتية وتفاعلها مع الفكر والبيئة الخارجية...
فقول الشاعر في العنوان حرف ( كأننا ) هذا الحرف بحد ذاته يفِيدُ الشَّكَّ وَالظَّنَّ...وهذا يفتح للمتلقي مجال الصراع مع الخيال..
ويفتح للخيال أجنحته أن تحلق في رسم حدود وأبعاد ودلالات ما يرمي إليه الشاعر..
(فكأننا لا شيء) تحتمل العدم أو الضعف وفي كلاهما اعوجاج في المسير..وتوظيفٍ للرمزية في تدوير البحث عن الشيء..ومن هذه الرمزية تنطلق اللغة الوجدانية الأنيقة المثيرة الموحية للغموض والإبهام في حلة الصورة الشعرية..بحيث تبقى في جزئية الوضوح لتمنح للمتلقي كشف أسرارها وتعرية الدلالات التي ترمي إليها في حدود الأمة النازفة..
يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

هذه الأبيات جاءت لتقدم للعنوان متنفساً قويّاً يصف الأبعاد الذي يرمي إليها الشاعر في لوحته الفنية هذه..
(هزّ الزمان غصوننا)... هي عملية تحريك من الزمان ونوائبه ومحنه وابتلاءاته بغض النظر إن كانت هزّاته قوية أو ضعيفة..لأن للهزّة درجات في عملية حدوثها...بمعنى استحواذها على درجات مختلفة من القوة..وهذا التوظيف من الشاعر بحد ذاته قوة وحنكة وذكاء..لأن الزمان متغير الأحداث مختلف السبل والطرق في تفعيل عملياته مع الأفراد...وأحياناً كثيرة تأتي الهزات مدمرة تقلع جذور الأمة حين لا تتداركها الأنفس ولا تستعمل الفكر والتدريب على مواجهاتها ..ولا تضع خطط شاملة ذات أبعاد تشمل مستوى الأمة بأكملها أي جميع مناحي الحياة ..بحيث تعمل على كل الأصعدة مع الأخذ بالحسبان فيما يحدث ويُتوقّع ما لم تسيطر على حدوث هذا الطوفان...وهذا يترتب مسؤوليته على الكبار الذين يملكون زمام الأمور ويحملون دماء الشعوب بين أكفّهم المتجعدة...بمعنى.. تحتاج الأمة لمن يحميها من الداخل والخارج بواسطة تخطيط مبرمج للتصدي لكل هزة أو ذبول أو عصف أو طوفان...
فلنتابع ما أشار إليه الشاعر عن هذه المحن التي مرّت بها بلادنا وما تزال...بقوله:

فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

التشبيه بنا هنا بارع جدااا..(كأننا بيدٌ تطوف)...وكلمة بيدٌ تفيد معنى : فلاة.. صحراء أي أرض تُبيد سالكهَا...ومن شدة القحط وانعدام الحياة فيها ..نجد صدى الأفعال والعمل ينحت في كفّ فارغة لا نسمع للحياة فيها غير صدى الرياح وأصوات الفراغ فيها..وهذا تشبيه بليغ لمساعي الحياة والخيبات التي يحصدها الفرد على أرض لم يحسن الدفاع عنها والعمل لها...فلا ثمرة لأفعالنا ولا سماع لأصواتنا غير الصدى الذي يخترق الجبال والصخور التي نشبهها بصنمية الأشخاص وعقليتهم الجوفاء...
التشبيه هنا كان في قمة البراعة والحنكة..الذي يتوازى مع حال هذه الأمة اليوم وخمودها ومرضها الذي استفحل بين جوانبها وأفرادها...
ويكمل الوصف شاعر الوطن بما هو أبلغ وقعاً وأثراً في النفوس ..بقوله:

والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

بيت بمجلدات وما تحوي من عمق وما تنثر من أبعاد ..وهذا تلخيص المعاناة التي يعيشها المواطن على أرضه المغتصبة...
الألفاظ محكمة التوظيف متقنة الوصف..
من خلال تعبير ( والعمر لملم ما لديه)
نشعر كم فيها من تمزق وبعثرة في كل شيء من ناحية الفكر والعمل وغيره..لذا تأتي كلمة ( لملم) مناسبة جدااا لما يعتري الفرد من تمزيق وشتات ليلملم ما قد تفرق منه...وهذا قمة الإبداع في توظيف المعنى المناسب الذي يلائم الحرف المقصود المعبّر عن حال هذه الأمة...ثم يشبهها (كالسراب تضمه البطحاء)
وهذا قمة البراعة في تجسيد الواقع الذي لم يجني من الأمن والإستقرار والحرية ما يثمر من الأفعال وما يعيد بعض ما تمزق وتبعثر..
أوصاف نسجها الشاعر من وحي قلمه تدل على قدرته ومهارته في التقاط صورة الحدث بما يتلاءم والواقع المرير...
ويكمل الشاعر لوحته المتقنة المبهرة بقوله:

وعلى ضفافِ الدّهرِ حطَّت خيلُنَا
يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ

بـات الدُّعـاءُ رسولنـا فـي عـالـمٍ
طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ

نعود هنا لمواصلة مسيرة القوة في اللغة
وفي بلاغتها وجزالتها..وهو يرسم قلائد المعاني بريشة فنان محترف...
الوصف العميق الذي يتمتع به الشاعر هنا غاية في الإتقان والنقش..إذ جعل من الخيل التي هي كناية عن خوض الحروب في الدفاع عن الوطن.. المساعي والجهود في مجابهة الأعداء قد أصابها الإعياء..ولم تعد تملك بعد هذا الوهن والضعف إلا الدعاء الذي شبهه الشاعر بالرسول الذي لا يقف بينه وبين الله حجاب...
تشبيه الشاعر للدعاء على أنه رسول..كان متقناً وبليغاً وهذا يعكس ذكاء الشاعر في اختيار ألفاظه بما يتناسب وأفكاره وعمق معانيه..لو تحدثنا عن أهمية الرسول ودوره في المجتمع الذي تجمعه الشعوب المختلفة ..لوجدناه يختلف في المعنى والوظيفة بينه وبين كلمة النبي.. سأوضح الفرق بين النبي والرسول لإثبات ذلك الوعي والنضوج في رسم حدود الحرف وقدرة الشاعر في توظيف حرفه بإتقان..
قيل:" النبي هو إنسان يتلقى الوحي من الله فإن أُمر بتبليغ ما يوحى إليه فهو رسول.."
هذا باختصار شديد إضاءة في الفرق بينهما..
وأما بخصوص الدعاء على أنه رسول..فهو مخ العبادة وأساسها وسر قوتها..لأنه إحساس عظيم بأن الله سبحانه هو الذي يجلب له الخير ويدفع عنه الضر ويمنحه فيه ما ليس في غيره..فهو تبليغ من الله على أن الدعاء رسولنا بوحي من الله لأنه سبحانه يحب العبد اللحوح..الذي يلح بالدعاء لأنه كنز النفس والتوحيد والإخلاص لله..فالدعاء إنما صلة العبد بربه لا يحجب بينهما شيء ..والله تعالى يحب أن يسمع صوت عبده وهو يدعوه..ومن أحبه الله ظفر بجنات النعيم..
لذلك جعل الشاعر الدعاء رسولاً ليبلغ الأمة بأننا بعد هذه المؤامرات والمعاناة التي تعيشها الأمة..لن تجد بداً من اللجوء لله وحده ليخلصنا من الطغاة والظالمين...
ويكمل الشاعر لوحته البديعة بقوله:

والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ

فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

الصورة الشعرية البنائية التي تتجلى في هذه الحروف كانت تتمتع بفلسفة راقية حملت بجنباتها تأويلات عدة فتحت مغاليق الفكر وحلّقت تداعب الخيال في أهزوجة راقية الأبعاد منغمسة بتشريح متقن لأبجديات الذات ..والتي منها ينطلق المجتمع لأحد القطبين ..إما جذب الذات لقواعد المجتمع وأسسه ومنهاجه..وإما نفور وابتعاد عنه بحيث يحمل من السلبيات ما يعكس سلوك الفرد وانحرافه عن متن المجتمع الواحد الملتزم بالحفاظ على أبنائه...
الشاعر هنا وصف القصائد الشعرية بالشيب في حضرة الشعر البليغ الفصيح.. والتي تعتبر متنفساً للكلمة الحرة والضمير اليقظ مع مسحة الكرامة التي تضيء حروفه بما يعيد للوطن بعض مائه ويشد من أزره..وهذا كناية عن طول المعاناة التي يعيشها الشاعر حتى استنزف كل طاقات شعره ليعيد المجد ويوقظ الضمائر والقلوب المغلقة..ولكن لا حياة لمن ينادي به من السعي للحفاظ على أرضه ووطنه..
وهذا تشبيه لا يتقنه إلا محترف بارع..
وينتج من عملية الشيب هذه ونزيف الحرف على الواقع المؤلم..ما يمنحنا من فلسفة انبثقت من عمق الحرف في البيت الشعري التالي الذي منه كان عنوان القصيدة وهو الهدف الذي يرسمه الشاعر لنقف بين يديه تأملاً بأبعاد مراميه..بقوله:

فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

(لاشيء في أشيائنا).. حروف تحمل مضامين فلسفية تتحدث عن الذات..عن الإنسان الذي ما هو إلا جزء من هذا المجتمع الذي يعيش به..
فكلمة ( أشياء- نا) عبارة عن أشياء مختلفة غير محددة لتكون عامة لكل شيء وتعطي الصورة بشكل كبير بحيث نستطيع تأويلها لعدة مناحي في الحياة إن كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو فكرية أو علمية..
أو في المجال العملي الحراكي..الخ
وهذا كناية عن عدم امتلاكنا سبل الحياة الطبيعية كافتقادنا للأمن والعدل والحرية والعتاد للوقوف في وجه الطغاة ..فلا سلطة لنا ولا حكماً حراً لا يتقيد في الأنظمة الخارجية ولا يخضع تحت سيطرة القوى الخارجية ..عدا عن أشياء كثيرة نفتقدها كشعب يحمل المؤهلات التي تؤهله بقيادة نفسه ضمن إطار حدوده على الأقل..والخوض فيها لا ينتهي من الظلم الذي نتعرض له حتى من أبناء جلدتنا الذين باعوا كرامتهم وضميرهم وأنفسهم للطغاة والغرباء على إسم العملاء الخائنين..
نرى ارتباط كلمة أشياء بحرف..نا..الضمير المتصل الذي يقع على نحن..بمعنى تحديد الشاعر الأشياا التي تخصنا نحن أصحاب القضية وأصحاب المعاناة...
فالشاعر هنا ..
فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

استخدم أداة التشبيه..(كأنّ ..نا) لتوسعة مدارك الفهم والوعي الذاتي لدورنا في هذه الأمة ..
وختم على فوهة التشبيه بلا شيء في أشيائنا
وهنا نرى دور الذات في تحقيق قمة الهرم الإنساني في تحقيق الذات ..
دور الذات له مقاليد القوة أو الضعف..حسب ما تملكه من مكامن ذاتية وقدرة قوية في تهذيب الذات وفق قواعد السلم الذاتي أولاً ثم السلم الإجتماعي..فالذات وفلسفة الذات هنا تحمل ناصية الحكم في تحقيق القدرات التي تهيمن على جذورها ...
يكمل الشاعر خريدته المبهرة بقوله:

تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ
ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ

نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ

في هذين البيتين ترابط متقن مبني على وعي تام في بناء الحرف وما يحمله من أبعاد ودلالات ..
فالوصية هنا يلحقها ورثة من الأبناء..ولا تسمى وصية إذا لم يحملها الورثة وينفذوا ما حملت بين دفتيها...
والوصية ترمز على تواجد أجيال متعاقبة تعمل في مسار واحد يعكس مفاهيم مشتركة ومنهاج مشترك يقوم على أساس بناء سلسلة التعاقب بجيل يحمل المجتمع والرسالة بين كفّيه الطاهرتين..
لكن أن يرسم الشاعر لنا وصية بلا ورثة لها ..بقوله:
(تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ)..
وهذا كناية عن الإنقطاع بين الأجيال وتوصيل رسالة الأجداد المجاهدين لله..
بلا أهداف ولا تخطيط ولا بناء لتكون معراة للقضاء دون سابق وعي وإدراك..
( ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ)..
ليكون المصير الرحيل وترك الموطن والنزوح بعيدا عن أرضنا..
( نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ)
ويأتي دور الأبناء وهم صفر اليدين من التنفيذ والعمل المدروس... بلا توجيه ووصية ينفذونها وفق حضارة وتراث..
ويكمل الشاعر مراتب الجمال في النسج بقوله:

فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ

وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
ماتـت علـى أهدابـهـا الأضــواءُ

ومن خلال العشوائية في المجتمعات التي تركت وصية الأجداد ..حتما سيولد الحقد والظلم من خلال العبور بلا بوصلة قائد ولا خيوط ضوء من الكبار..
نتيجة متقنة مترابطة من جعل الأرض محطة عبور لا مكوث لكل أذرع الطغاة..
كلمة صفة (محطة ) للأرض يعني عمق عظيم وملائمة فائقة النظم مجسدة المعنى المتقن لما يحدث لهذه الأمة والحروب التي تحط على ثراها أثقالهم للتدريب على شعوب العرب بأسلحة دمار وإشعال الفساد وتمزيق المجتمعات ...
وقد جعل الشاعر من الأحلام تشبيهاً بالنوارس التي لا تستقر مكاناً كزعزعة الأحلام الثبات..وكأن العربي لا يحق له الأحلام لتموت ضوأها ولا ينبت لها فتيل.. مستعملاً أداة التشبيه..كأنّ..والتي تلزم المعنى بصورة تعكس تشبيهات تمكّن الشاعر من تدعيم عمق مراده من خلال الصور الشعرية وتشبيهاته المتقنة..
بتصوير فني متقن يدل على براعة الشاعر وقدرته على نسج حروفه بوعي تام لكل معنى وعمق أراده...
يكمل الشاعر لوحته بقوله:

وكأنّـنـي نـبـضٌ يــئنُّ بـأسـطـري
ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ

مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ

نلاحظ أداة التشبيه مجتمعة بأوصاف ترتبط لتجتمع في كل ما يخص الفرد والعباد أجمع..

(فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ/ وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ/ وكأنّـنـي نـبـضٌ...)

فجمع ما بين الأرض التي يدب عليها البشر ومسكنهم وموطنهم..وبين الأحلام التي تجمعهم..وبين نبضه الذي يبدأ المجتمع من نبض الفرد..كل هذه التشبيهات جاءت لتعطي صورة متكاملة لمجتمع وما ينقصه للنهضة والصحوة...
فوصف النبض الفردي الذي به يصحو المجتمع ..بالأنين وانقطاع اللقاء بالجفاء والتبيس في إكمال مسيرة الحياة ...
وهذا الإنقطاع نتيجة حتمية لهجرة البلابل التي ترمز على وجود حياة النقاء والجمال والأمن والسعادة والإستقرار...

(ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ)
هنا وجدت قمة الإبداع والتصوير الإحترافي لظاهرة الغروب التي ترمز لغياب البشر وانعدام الحياة النقية ووجود معالم للبشر..
لأن الغروب يصهل لوجود بشر يتعاون معه في المغيب...غياب البشر عن أرض المقاومة والإستسلام التام...
لتكون النتيجة التي وافقت القصور في العمل وغيابه عن الواقع بقوله:

حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
وتـرمَّـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ

وكلمة ( ترمّلت) هي انقطاع السواعد والخطى مبتورة ..واجتثاث البوادر التي تعيد اخضرار الأرض...

مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ

ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ

من هنا يبدأ الشاعر بوصف من يملكون زمام الأمور بأيديهم ..وكأنه يريد القول أن البلاغة بيده..ويعني القوة في المجابهة ولو بأضعفها بكسر الصمت.. بالصوت المنادي والمكتوب..إلا أن الخطباء الذين يرمزون بالرويبضة ..الذين يمثلون الجبناء المتجردين من العلم والدراية ..التافهين الذين يملكون زمام الأمور بغير فقه وعلم...

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» . ؟"
وهذا أكبر دليل على قادة اليوم بلا ذكر أسمائهم ..الذين هم أضحوكة ودمى متحركة بين أيدي الغرباء ..ليكون نصيبنا الإنكسار والذل والقهر والوجع..

والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ

الخيل هنا ترمز بأبعادها ودلائلها لأرض المعارك..تدل على قادة البلاد والأمة التي وصفهم الشاعر باللقطاء..الذين ولدوا بطريقة غير شرعية ..أي أنهم طغاة ليسوا أصحاب الأرض ويقاتلون في البلاد ويعيثون فيها الفساد ..لأنهم باختصار ليسوا أبناء الوطن الشرعيين ..بمعنى استيلاء الغرباء على حرب أمتنا النازفة...

والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ

ما أوكع هذا الوصف بالصبح المكفن بالدموع..والذي يرمز لبزوغ فجر منكسر متألم..
لا يحمل من الفرج إلا الحزن والبكاء لغياب رايات النور...بعد أن أعياه الليل بأصوات القنابل وصيحات الحروب واليتامى والصراخ..الذي وصفه الشاعر بقوله:

( والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ)
وصف متقن دقيق جسده الشاعر باندماج مشاعره وملكة تصويره بعين قلمه الفذ البارع...
صورة متقنة لعالم الليل الذي يرمز لعدة أوجه مختلفة منها ظلام البشر وقسوتهم..كما ويعبر صمته عن صمت الظلم والسواد..حتى تأتي الجلبة والضوضاء بتغيير معالمه الوعنوية والوجودية...
وينهي الشاعر خريدته الفنية السحرية بقوله:

يـا رب إنـِّي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ

التوجه لله أعظم ما بيدي المواطن الفاقد لكل شيء إلا الرجاء من الله وعدم القنوط من رحمته بأن يبدل أقواماً فاسقين ظالمين بقوم ينشرون رحمته ودعوته للإنسانية كما جاء بها دين الله تعالى منذ أول رسالة من السماء..
هنا نرى الخنوع والخضوع لله بالرجاء بعد أن استنزف الفرد دماء ولم يحقق مبتغاه..

أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .

قفلة مبهرة من شاعر متمكن لأدوات الإبداع والبلاغة والفصاحة..
إذ جعل كل الوجع الذي يتذوقه في حضن الوطن وبين يدي الله إنما هو دواء لتحقيق الحرية والأمن والعدل والإستقرار..
فالداء في حضن الحبيب دواء
بيت بألف قصيدة ..شيّده قلم بارع متين ..
لأجل الوطن الحبيب تشفى الروح بعد أن يستقر أوردته ويحيا النبض فيه ...
....
كأننا لا شيء...
قصيدة عملاقة واسعة العمق لها أبعادها وجماليتها المتعددة الجوانب..والتي منحت المتلقي الإبحار بين مساماتها بما تحمل بين أضلعها من معالم الجمال والرقي والقوة في التراكيب والبناء..من خلال ما كشفت عن سواعدها من الأسرار والخفايا والتي ساهم المتلقي بالبحث والتنقيب بين أسطرها المتقنة..
قصيدة تم فيها اندماج الذات مع الرموز التي ساهمت في تفاعل المشاعر والإحساس الداخلي بعناصر النص وما احتوت من عمق وأبعاد في حلقة هذه الأمة المكلومة وما حملت من ألم ووجع..
فالقصيدة كانت مفتاح الخيال الذي حمل فكراً عميقاً وثقافة عالية ضمن الدلالات المختلفة المتواجدة في قلب الأمة العربية والإسلامية..
..
الشاعر الكبير عملاق الفكر الواعي الناضج
أ.عبد الهادي القادود
تنحني الألفاظ والحروف لهذا الجمال المنهمر من زمزم قلمكم النقي المبدع
ولا نقول لهذا الإبداع إلا ..
جزاكم الله كل الخير
ووفقكم لما يحبه ويرضاه
وزادكم الله بسطة من النور والعلم والخير الكثير..



النص : حرية
الناص : خالد يوسف أبو طماته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
ـــــــــــــــ

" أوقفوه على الحدود
وبعد طول انتظار...
قالوا له...
اخلع جناحيك وتفضل بالدخول!"
خالد يوسف أبو طماعه

القراءة :
ــــــــــــــــــــ

يا لروعة هذه الومضة المتقنة في رمزيتها ودلالاتها التي تسقط على واقع العربي المسلوب من حقوقه الأساسية ومن حريته في أرضه التي ولد فيها...
ومضة نُسجت بماء الوجع ..وتخضبت حروفها بالقهر والقيد..
أدركنا من خلالها تلك الأبعاد الثاقبة التي يشير إليها الكاتب تحت ظل العبودية والذل..وفتحت مدارك الخيال للمتلقي أن ينسج لنفسه سربال الوجع ويعيد للذاكرة وحل الإحتلال وعتمة الظلم الذي نتوارثه جيلاً بعد جيل...
ومضة جعلتنا ندخل لذواتنا ونتحقق من ماضي هو حاضرنا المؤبد...
الومضة صيغت بلغة يعيش تحتها ألف قصة وألف ذاكرة وألف لون من العذاب والحزن..
لمجرد الإبحار في عنوانها جعلنا في حلم آسر لنفحاتها وحلم ربما نحققه وربما نكتب به وصية لأبنائنا بالأخذ بها..ألا وهي الحرية
تلك المعزوفة والأنشودة التي ننسجها عبر ألسنتنا وندرّب أبنائنا على نفحاتها لعلها تتحقق يوماً ما..وأنّى لنا ذلك؟؟
من خلال عنوان ( حرية) خاصة وأنها قد خلعت ثوب أل التعريف..يعني أنها أصبحت متعددة المجالات..وتخطت حدود النوعية لوجه واحد..وجودها نكرة تعني أنها عامة وليست خاصة تخص فئة معينة أو نوع واحد منها..بل تعدت حرية الذات وحرية الوطن وحرية المجتمع..وأخذت تطرق أذيال الهزيمة بمحو معالمها وانعدام الحس بتواجدها..
فالحرية كانت أساساً متيناً..لها معناها الحقيقي حين خرج الإنسان في زمن رسالة الإسلام
من عبادة الأوثان والأفراد إلى عبادة الله الواحد الجبار..
لذا فالحرية من فم قلم الكاتب تعني التخلص من عبودية الطواغيت البشرية وفك قيودها ..لتستقيم لعبودية الله وحده..
في مثل هذه الحرية التي تجمع كل المعاني النزيهة من حرية العقيدة وحرية التفكير والرأي والحرية السياسية والحرية الدينية..
عن طريق العقل الذي هو بؤرة الوصول للإيمان..لبناء مجتمع إنساني سليم..
لا عن طريق الأهواء ونزعات النفس العوجاء..
وعن طريق التبعية والطائفية...
حرية بمعناها الصحيح الذي يثمر الوصول لرضى الله وتحقيق بناء الأمة من جديد...
...
يبدأ الكاتب ومضته المدهشة المتقنة نسجاً وتعبيراً وعمقاً..بقوله:

أوقفوه على الحدود

وبعد طول انتظار...

هنا عملية الوقوف على الحدود..تعني وصوله لحدود بلاده من سفر ويريد الدخول إلى وطنه..والذي يدل على أنه وطنه الأصلي بقول الكاتب كلمة( الحدود) بأل التعريف..والتي كان لها الدور في تحديد ملكيته لوطنه الأم..فلو كانت نكرة لاعتبرنا وجوده في بلاد غير معروفة له ولنا...
وعملية إيقافه تعني أن هناك غرباء واحتلال نزعوا من الوطن قدسيته وخلعوا منه أبواب الأمن والأمان ليتحكموا بمصير أهله وأفراده الأصليين..فالإيقاف تعني عملية التعذيب والممطالة والإهانة والإذلال لشعب تركوا بلادهم للمحتل واغتربوا وقد أضاعوا مفتاح وطنهم وفقدوا هويته..
لذلك أصبحوا في ذل وانكسار..واستبدال المواطن الأصلي بالمواطن المغتصب للأرض وقدسيتها...
وبعد طول انتظار ..ماذا يتمخض من مرحلة التعذيب هذه إلا إهانة أعظم وهي قص جناحيه بعدم التحليق في الوطن وعدم استرداد حريته..بقول الكاتب:

قالوا له...

اخلع جناحيك وتفضل بالدخول!

( اخلع).. فعل أمر..وهذا فعل مقصود من الكاتب..لأن المحتل فقط عليه إلقاء الأوامر دون وجه حق في الديموقراطية وتحت نصل الإهانة والذل..
وما نريد من محتل اغتصب طهر الأرض وبات عرياناً من ثراها وقد خلعت أثوابها للغرباء...
فعل الأمر..اخلع..إنما جاء ليظهر قسوة وسياط المحتل حين تنتزع منه معالم حرية الفرد وتنتهك حرماته..
عملية الأمر والإجبار والضغط..هي عملية توضيحية لأساليب المحتل التي يمارسها مع أبناء الوطن الأصليين..
اخلع جناحيك...
الجناحين إنما هما تعبير يدل على الكثير من الدلالات والمفاهيم وما يحمل من رموز الحرية والتعبير عن الرأي والتفكير وممارسة حقهم الوطني بكل حرية ..
الجناحين ..هما الحرية بكل أنواعها مع ما تحمل من معالم الأمن والأمان..
ولكن أن ينتزعها المحتل ..فهذا يعني كل معالم العبودية والقهر والظلم...

اخلع جناحيك وتفضل بالدخول!

بعد أن ينتزع المواطن الأصلي من حقوقه وحريته داخل وطنه فإنه يعيش معيشة الإذلال والوجع والظلم..
حينها يستقبلونه بلا رأي ولا تعبير ولا قيمة لوجوده على أرضه...
هذه الومضة تصلح لكل زمان ومكان يعيش فيه احتلال..ومكان قادة عرب وحكام وولاة أمر قد قامروا وشربوا نخب الخيانة وأصبحوا عملاء للغرباء..
فالومضة هذه ليست حكراً على محتل اغتصب الأرض..بل تمتد أذرعها لعرب قادوا أمتهم بالخيانة والولاء التام لأطماع الغرباء وشهواتهم التي نصّبوها على الكراسي والمصالح الدنيئة على حساب رقاب شعوبهم الفقراء...
.
.
الشاعر الكبير والكاتب الراقي المبدع
أ.خالد يوسف أبو طماعة
كتبتم ومضة حملت كل معالم الجمال في النسج والعمق لأبعادها التأويلية التي أتقن نسجها قلمكم المبدع ورسم حدودها مدادكم
الذي حمل الفكر الواعي الناضج ..
ومضة قالت الكثير وحملت بين أضلعها معالم وطنية مجروحة بلغة متينة حلقت معها القلوب والأفكار وسبح بين أجنحتها الخيال على أوسع مدى..
بورك مدادكم النقي وما أتقنتم من رسومات الوطن تحت سياط الألم...
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير




النص : ارفعْ راسك لفوق
الناص : صلاح أبو شادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص:
ـــــــــــــــــــــــ
ارفعْ راسَكْ لَفوقْ ....... إِنْتَ فلسطيني
إلَكْ جَذِرْ مِمْتَدْ ...........كالتوتْ والتينِ
احْضُنْ ْترابْ الأرضْ .. المجْبولْ بِالدَّمْ
شوكهْ في حَلْقِ البَشَرْ.....غير المحبينِ
إنْتَ نَشَرْتِ العِلِمْ وين ما رُحْتْ وكُنْتْ
راعي الأَدَبْ وِالْخُلُقْ .. والعِلِمْ والدّينْ
مِنَّكْ تْعَلَّمْنا ...... حُبِّ الوَطَنْ والناسْ
حُبَّكْ لِأرضَكْ .....بِيِجْري في الشرايينِ
عُمْرَكْ ما انْحَنيتْ .....إلاّ لَرَبِّ العَرْشْ
دُوم الكَرامهْ لُقْمِتَكْ ... والمَبْسَمِ الزّينِ
القُدسْ أولى القِبْلِتينْ منْ اجِلْها ضَحِّيتْ
وِريحْةِ الدَّمِّ اللي سالْ ..مِسْكِ وُرياحينِ
الضيمْ والأسى عُمْرُهُ .....ما مِنَّكْ نالْ
وانتَ تقولْ يا رَبْ ....تِحْمي فلسطينِ
غَزِّهْ ضَميرِ الوَطَنْ .. يا جُرْحْها ما صارْ
وِقْفِتْ وقوفِ الْجَبَلْ لِرْياحِ الْخَماسيني
أمّا الخَليلْ ما انْحَنَتْ.. يومٍ ولَوْ لحَْظاتْ
أهْلِ الشَّهامَهْ والوفا .. والصَّبِرْ والدِّينِ
جِنينْ وطولْكَرِمْ وباقي المُدُنْ عَ الرّاسْ
تُصْمُدْ صُمودِ اللّيثْ فـوقْ السكاكينِ
حتى الشَجَرْ يا ناس كلُّهْ شَجَرْ صَفْصافْ
واقفْ بِوِجْهِ الرّيحْ .......وَقْفِةْ سَلاطينِ
منْ بَعِدْ ظُلْمْ وصْمودْ ........مِثْلْ جْبالْ
ارْفَعْ راسَكْ لِفوقْ ..... إنْتَ الفِلِسْطيني

القراءة :
ـــــــــــــــــــ

ارفع راسك لفوق.....
يا لروعة هذا الوطن الساكن في شرايينكم..
يا لجمال هذا الصهيل النقي الذي يعزف بمعزوفة فلسطين على أوتار القلوب..
ستبقى الهامات والأنفاس مرفوعة الراس حتى الشهادة ..وحتى آخر قطرة دم تسيل على ثرى فلسطين ليرثها كل فلسطيني ..ويرثها التاريخ ليوم الدين..
حروف كُتبت بالروح النقية الصادقة..وهي تحمل موسيقاها العذبة ترتل
زغاريد النصر وتعزف الأمل على جبين كل عربي فلسطيني..


ارفعْ راسَكْ لَفوقْ ....... إِنْتَ فلسطيني
إلَكْ جَذِرْ مِمْتَدْ ...........كالتوتْ والتينِ
احْضُنْ ْترابْ الأرضْ .. المجْبولْ بِالدَّمْ

ارفع راسك لفوق...
الشاعر هنا كل ما أراده من هذه العبارات والألفاظ المنتقاة..إلا لرفع همة كل فلسطيني ذاق من غصص الأيام ما نزف من دمه ودمعه وهو يتشبث في جذور الأرض بصموده..حيث شبهه الشاعر لقوته ومجابهة المعاناة والمحنة بالصبر..بجذور التوت والتين والزيتون.. التي ندل على حضارة فلسطين وتاريخها المشرف بأبطالها الأفذاذ والذين سطّروا التاريخ بالشرف والوفاء وبضمائرهم الحية وكرامتهم التي لم تداس يوماً إلا والدماء على السيوف ترشق..

ويطلب الشاعر أن نحضن تراب الأرض المجبول بالدم..
هذا المطلب عبارة عن توجيه الأجيال لمعرفة قدسية الأرض وتاريخها المشرف..توجيه كل فلسطيني ليتذوق معنى التصدي والجهاد في سبيل الله..ليتذوق طعم تراب فلسطين المقدس..ولن يعرف قيمته إلا إذا احتضن ترابها المجبول بالدم.. كناية عن الدفاع عنها بالشهادة في سبيل الله ويدافع بكل ما اوتي من قوة ليشتم رائحة الدم ورائحة الشهداء من قبلهم الذين داسوا ترابها واستشهدوا على ثراها ودماؤهم ما زالت تعبق رائحتها من ذرات التراب ليوم الدين...
احضن تراب الأرض..لتبقى في شموخ وكبرياء نحو النصر والحفاظ على أرض المحشر ومسرى المصطفى والتقاء الأنبياء ...احضن الأرض لتشم رائحة أقدام الأنبياء والرسل والقادة الذين حملوا شرف تاريخها وراية النصر ودحروا عنها أعداء دين الله...
احضن الأرض لتنال الكرامة وتشرب أنفاسك من دماء من سبقوك من الشهداء...
...
الشاعر هنا قدم نظم هذه الألفاظ بصورة سحرية عميقة متقنة النسج لها دلالاتها المختلفة وعمقها الذي لم نصل بعد لكنهه وأبعاده..إلا إذا سبحنا مع الخيال وفق فكر ناضج منتج لإفرازات الذهن التي توحي بحب هذه الأرض وعشقها الذي لا ينتهي بل يزداد في تصاعد كلما مددنا السواعد أمام المحتل...
...
شوكهْ في حَلْقِ البَشَرْ.....غير المحبينِ
إنْتَ نَشَرْتِ العِلِمْ وين ما رُحْتْ وكُنْتْ
راعي الأَدَبْ وِالْخُلُقْ .. والعِلِمْ والدّينْ
مِنَّكْ تْعَلَّمْنا ...... حُبِّ الوَطَنْ والناسْ

وسيبقى الفلسطيني شوكة في حلوق الحاقدين الطغاة المتآمرين..
فهو صاحب رسالة ربانية ..لا يعرف الإنكسار..بل يصنع من كل ابتلاء ومحنة مدرسة للصبر ومدرسة لفنون التخطيط في تمزيق مآرب المحتل ومكائد الغرباء.. يلوك الجرح ليبقى الصمود.. يلوك الخوف ليبقى الأمن..يلوك الظلم ليسود العدل..
هو صاحب ثقافة عالية ودراية بعمق كل المؤامرات التي تحاك على أرضه..يتناسل من نزيفه جيل محنك ذكي يحمل فكر ناضج ..وشريعة الله في قلبه وبين عينيه...
لا يساوم على أرضه ولا عرضه..يتدفق في سلوكه الخشية من الله..ويتجذر في دمه حب الله ورسله...لا يركع لعدو ولا يخضع للعملاء...ومن يخرج عن هذه الدائرة لا يسمى فلسطينيا حراً أبياً شجاعاً ..إنما يصبح خائن لقدسية هذه الأرض التي جعلنا الله فيها خلفاء للعقيدة والدين...
خلقه ينثر من جسده بأفعاله وتصرفاته...
هذا هو الفلسطيني الحر الذي لا يقامر على بلاده على مسرح السياسة ولا يثمل من نخب الخيانة...
بل نتعلم منه كيف نعشق الوطن والأرض التي داستها أقدام الأنبياء..وكيف نقدس مسرى الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم...

حُبَّكْ لِأرضَكْ .....بِيِجْري في الشرايينِ
عُمْرَكْ ما انْحَنيتْ .....إلاّ لَرَبِّ العَرْشْ
دُوم الكَرامهْ لُقْمِتَكْ ... والمَبْسَمِ الزّين

هنا الصور النقية الصادقة والأوصاف الساجدة في محراب الوطن..
وصف دقيق جدا لمن يحملون فلسطين على أعناقهم ..وللمقاومين الصامدين في وجه المحتل ووجه كل متآمر..
الفلسطيني كما يصفه الشاعر البارع النسج الذي يرسم صورة القلسطيني بإتقان..وهو في شموخه وصبره ومحافظته على كرامته وكرامة شعبه..يتذوق كل أصناف المحن وهو يتلقاه بالرضا والصبر ..ليتخرّج من دائرة الألم مجاهداً لا يخاف إلا الله ..ويمشي مصحفاً على الأرض من شدة إيمانه وتقواه ..
أوصاف قدمها الشاعر بدقة لوصف الفلسطيني الحقيقي الحر..الذي يحمل كفنه على أكتافه...والموت بين عينيه...
الشاعر هنا..في وصفه للفلسطيني الحر المقاوم للمحتل..جعل حب الأرض يسري في الشرايين..كناية عن الحب الشديد ومعاني التضحية والعشق الحقيقي لأرض فلسطيني..
بالكرامة يتغذى الفلسطيني ويتصدق بالبسمة من فوق الجراح والآلام ..كناية عن قمة الأخلاق والصفات الحرة الحقيقية التي يتحلى يها هذا الشعب الذي ما يزال تحت براثن الإحتلال الظالم..
وهذه الصفات التي يرسمها الشاعر لهذا الشعب متقنة نابعة من الأعماق جُبلت بالصدق والوفاء والحب العظيم..

يكمل الشياعر لوحته الفذة بقوله:
القُدسْ أولى القِبْلِتينْ منْ اجِلْها ضَحِّيتْ
وِريحْةِ الدَّمِّ اللي سالْ ..مِسْكِ وُرياحينِ
الضيمْ والأسى عُمْرُهُ .....ما مِنَّكْ نالْ
وانتَ تقولْ يا رَبْ ....تِحْمي فلسطينِ

هنا يبدأ وصفه بأولى القبلتين..القدس..
التي كلما ذكرتها نزف القلب وجعاً واشتد بي الغضب وثار القلم..
كيف لا وهي أرض مباركة ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم..وملتقى الأنبياء ..وإلتقاء الأرض بالسماء..ومنها نزلت الصلاة وأصبح كل الخلق عبادة بها لله..
أرض الرسالات والمحشر ..أليس بالأحرى أن تبدأ انطلاقة التحرير بها ..لأن فك قيودها يعني تحرير كل الوطن العربي ..نقطة التحول للنصر لن تبدأ من أي مكان في العالم إلا منها ومن القدس بالذات...من يعشق ثراها يحس بعظمة هذا التقديس والخصوصية التي خصها الله بأرض مباركة...
أرض امتلأت ذراتها بدم الشهداء والأبرياء..فكيف بنا لا نعانقها ونقبل ثراها وهي تحمل كل هذه القدسية العظيمة..
ويكمل الشاعر عن قدسية قرى ومدن فلسطين المقدسة ..ليعدد ما فيها من جمال وقدسية ورهبة..يقول:

غَزِّهْ ضَميرِ الوَطَنْ .. يا جُرْحْها ما صارْ
وِقْفِتْ وقوفِ الْجَبَلْ لِرْياحِ الْخَماسيني
أمّا الخَليلْ ما انْحَنَتْ.. يومٍ ولَوْ لحَْظاتْ
أهْلِ الشَّهامَهْ والوفا .. والصَّبِرْ والدِّينِ
جِنينْ وطولْكَرِمْ وباقي المُدُنْ عَ الرّاسْ
تُصْمُدْ صُمودِ اللّيثْ فـوقْ السكاكينِ
حتى الشَجَرْ يا ناس كلُّهْ شَجَرْ صَفْصافْ
واقفْ بِوِجْهِ الرّيحْ .......وَقْفِةْ سَلاطينِ
منْ بَعِدْ ظُلْمْ وصْمودْ ........مِثْلْ جْبالْ

يا لغزة وما في القلب من نبضاتها..وكم هي المتنفس العميق لفلسطين..تلك الرئة التي نتنفس عبرها رغم الحصار الذي يقيدها...
غزة لا يشبهها من المعالم أحد..غزة الصمود غزة الروح..غزة القلب..بالرغم من التضييق والحصار إلا أن شموخها وكبريائها وصمودها علّم العالم بأسره معاني الجهاد ومعاني القيادة الحكيمة ومعاني القوة ومعاني الجهاد في سبيل الله..غزة خرّجت أجيال من أرحام الحروب هم قدوة للعالم كله..وقد برهنت على ذلك فيما كان من كرامات وهبها إياها الله تعالى..هي البوصلة التي توجّهنا نحو الحرية والصمود والأمل..وتزرع فينا الحياة بكرامة من جديد...غزة عالم قائم بذاته..لا تتسعها المعاجم والمجلدات لو افترشنا صفاتها وتحدثنا عن أطفالها الأبطال ونسائها الأحرار..
لا ينتهي الحديث عنها وعن البطولات التي تحصدها أمام عدو يرتجف ...
فالشاعر هنا أتقن بدقة وصفها بأنها ضمير الوطن..صفة رسمها قلم بارع يدل على قدرة هذا الشاعر الذي يتقن رسم حدود الكلمات بمشاعره الصادقة..ويصور المدن وفلسطين بكاميراته النقية وبمهارة عالية...
وأما الخليل..أهل النخوة والشهامة والصبر والدين والثورة والصمود..بلد خليل الرحمن لها معزة خاصة وحب كبير لما قدّمته من عبر وحكم للعالم بأسره علّمت الشعوب معنى التضحية والوقوف أمام العدو دون وجل ولا خوف..كانت تقدم كل ما تملك من قدرات واقتصاد في سبيل كل ذرة تراب ..
بلد البطولة والثورات ..بلد وقفت في وجه العملاء وعرّتهم عن بكرة أبيهم..فكانت منارة فلسطين..
جنين وطولكرم ونابلس ورام الله وباقي المدن عالراس..
كل مدينة من فلسطين هي مجموعة دول بصبرها وتخطيطها وقوتها وصمودها وتضحيتها..
كل شيء بفلسطين يقاوم المحتل..الزيتون والزعتر والتين واللوز والبلوط والسنديان..كله بجذوره وصموده يعلّمنا معنى الصمود أمام متغيرات الحياة والرياح العاتية...

ارْفَعْ راسَكْ لِفوقْ ..... إنْتَ الفِلِسْطيني

ألا يستحق الشعب الفلسطيني أن يكون مثالاً ومدرسة نتعلم منها كل معاني الصمود والثبات والصبر والقيادة الرائدة؟؟!
هو ذا الشعب الفلسطيني وله أن يفتخر بتكريم الله له في تواجده في أقدس بقاع الأرض...
الشاعر الراقي المبدع المبجل الأب الرائع
أ.صلاح أبو شادي
لقد رسمتم فلسطين ورجالها الأحرار بصورة متقنة بارعة مذهلة بصهيلكم الحي النابض لتكون لوحة ذات بهاء وجلال وجمال..
براعتكم تحدّثت عنكم من خلال ما نسجتم من إبداع وما حملتم من فكر عميق..
فكان من تراكيب لغتكم العذبة أن اندمجت مع مؤثرات الذات والبيئة ما منحت الخيال والذهن من تحريك منابت البوح بما يتلاءم مع الأزمة الموجعة والتي قضّت مضجع الشاعر وأثارت لغته الإبداعية بتجسيد متقن لفكره ورؤيته للواقع بما يتلاءم ومشاعره الحية النابضة...
بوركتم وما تحملون من هموم هذه الأمة التي رسمتم فيها الوجع على حقيقته وزرعتم الأمل في كل قلب عربي..
جزاكم الله كل الخير ورفع الله مكانتكم
وسدد خطاكم لرضاه
وفقكم الله لنوره وعلمه وهداه




النص : ضد الجاذبية
الناص : عبد الرحيم التدلاوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــــ
قفز الذئب الجائع إلى داخل أذني..
سقط قلبي في بركة الخوف..
خضبت الماء الشمس الغاربة..
أيقظتني من إغماءتي الطويلة قبلة الحياة..."

القراءة
ــــــــــــــــــــ

يا لروعة هذه الومضة وما حملت بين جنبيها من تأويلات واسعة المدى..وحركت معها مغاليق الذهن وشرّعت أبواب الفكر للإنطلاق نحو خيال خصب واسع التأويل..
ومضة بارعة النسج متقنة التراكيب عميقة المعاني ..أهدافها متعددة المرامي..
نبدأ من العنوان..الذي هو خيط الومضة الذي يؤدي لكشف أسرارها..
ضد الجاذبية..
الجاذبية برأيي لها اتجاهين..جذب نحو السلبية وجذب نحو الإيجابية ..ولكل واحدة لها مدلولاتها وخواصها وتأثيرها الكبير العميق في الطريق الذي تسلكه..
وبما أن الكاتب يضع عنوانها بكلمة ( ضد).. هذا يعني أنه يريد الشكل الإيجابي..والذي يأخذنا نحو النقاء والسمو والرفعة لا للجذب نحو المكر والدهاء والخداع والمكيدة والإفتراس البشري ..والتي توارث هذه المعاني الفكر المتناسل من تواجد الذئب الذي يبدأ به الكاتب ومضته...والذي يرمز لهذه الصفات..
فالذئب له عدة دلالات ورموز يستخدمها الكاتب ليتسلح بها الكاتب في تمكين ومضته من إحداث الفارق وتكون سبباً من أسباب الجمال في السبك والتراكيب البنائية..ليفتح للمتلقي ذهنه ويوسع له خياله وهو في طريقه نحو البحث والتنقيب وكشف أسرار المعاني المختبئة بين الحروف...
يبدأ الكاتب ومضته بقوله:

( قفز الذئب الجائع إلى داخل أذني..)

عملية القفز هنا تكون كثيراً من الأحيان على حين غرة ..بشكل مفاجئ بسبب حدوث عملية تخلص من موقف ما..أو قفزٌ للفريسة للإنقضاض عليها..وأرجح الثاني لدهاء ومكر الثعلب وخديعته..والأدهى والذكاء هنا أن الكاتب أراد من الذئب رمزاً لما يحمله من خبث وخديعة للإستيلاء الكامل على فريسته وهو الإنسان الضعيف..
فالقفز له توظيف متقن لأن عملية القفز تتم بسرعة وتحقق الذهول والفجاءة للطرف الآخر..وتحقق فرض السيطرة والإحتلال البشري للفكر..
أما كلمة الذئب الجائع ..توظيفها كان حنكة وفطنة ودهاء من الكاتب لتحقيق معالم أهدافه وبصمة فكره من قوة نسيج حرفه ..لتكون لها ذات قيمة ووزن في الأدب وقد تحقق ذلك ..
الذئب هو ذلك الإنسان المفترس الذي يتصف بكل صفات الذئب ثم ينقض على البشر بعد الخديعة والدهاء..والذئب ذلك العالم الغربي والفكر اللقيط الذي يغرسونه في فكر الإنسان العربي والمسلم ليتشبع بصفاتهم ومزاياهم اللا إنسانية..ودليل على تجرد البشرية مع هذه الحروب من معالم الإنسانية ليتخذوا صفات العدوانية والحيوانية لكبار الساسة الذين يتلاعبون ويوشون بالضعفاء للمسير على طريقتهم ونهجهم الغبي...
وعملية القفز تدل على وثبة المكر والخديعة للإنسان بغير إرادته وموافقته ..وإلا لما حدثت عملية القفز من البداية ..
عملية الجوع للذئب هي دليل على قوة الإفتراس والهجوم والإستيلاا ..ليكون الحصيلة بشكل حيوان مفترس بكل ما تحمل الكلمة من معنى..

( إلى داخل أذني)..

أذني ..وليست أذنيّ..وهذا توظيف مدروس أيضاً..إذ تكفي عملية الولوج من أذن واحدة لتحقق المراد من عملية السمع وإيصال المادة لداخل الذهن...
والأبلغ من ذلك كله..والذي يدل على عبقرية التوظيف وقمة الذكاء لحرف الكاتب ..أن جعل عملية القفز لصفات الذئب داخل الأذن..لماذا؟!
لأن عملية التذويت والإستيعاب وبرمجة الكلمات وترجمة الألفاظ وما تحمل من أصوات وحروف ..إنما يدخل عبر الأذن والتي هي أول قناة لتفكيك ذبذبات الصوت الخارجي داخل الذهن وعملياته العميقة في تفكيك شيفرة هذه الأصوات وتحويلها للقراءة ثم تدوينها لردات فعل حقيقة يجسدها الجسم بأعضائه المختلفة....لذلك الأذن هي أهم طريق للإستيعاب وتحقيق عملية الغرس وتحويلها لمنظومة ملائمة للسلبية أو الإيجابية ..بحسب ذبذبات الصوت العابر داخلها لتصل لكل مراكز الحواس في الجسم وتصبح منظومة تحققت فيها ما دخل إليها من رموز وإشارات صوتية...
وهنا يريد الكاتب توضيح الذكاء والفكر العميق من الفكر المسموم المحمل من طغاة الفكر وكيف يتسللون لفكر الإنسان البسيط الفقير والشعوب عامة..عن طريق العقل والفكر يتم الإستيلاء عليهم..
وهنا تأتي عملية التجاذب وصدها أو الإنجذاب لمسامير الأفكار المسمومة التي يبثونها في العقول الهشة الضعيفة والفقيرة من الفهم والوعي..
ومن خلال هذا العبور عن طريق الأذن والوشاية والكذب والدهاء الذي يغرسونه في أذن العربي الفقير..والذي يدخل لمركز الحواس ألا وهو القلب..لتحدث عملية الخوف الشديد..بقول الكاتب:

(سقط قلبي في بركة الخوف..)

عملية السقوط تحدث عندما يمتلئ القلب بالكثير ولم يعد يحمل المزيد..بمعنى ازدياد عملية الخوف بشدة مما أثار القلب من الرعب ليتحول لعملية السقوط من وهل ما سمع وما امتلأ من رعب..
وماأجمل الوصف بكلمة بركة الخوف..ليضيء الكاتب لنا مقدار الخوف الذي يعيشه الإنسان والذي هو سبب الصمت والتقاعس والجبن وعدم القدرة على الصمود والتصدي للطغاة..لأن الخوف هنا كان هو المسيطر لأبواب الشاعة الثورة واستبدالها بالخنوع والذل وقلة الجرأة والإرادة...

(خضبت الماء الشمس الغاربة..)

الشمس الغاربة..هي رمز لبعض من نورها ..أي ضوء خافت ضعيف ..لأنه في حالة غاربة..تحويل عن مسارها المشع الأكثر إضاءة..وهذا يعني أن ثمة بصيص من الأمل يعيد الإتزان لأهل الأرض..
والماء هو رمز الحياة ..والنقاءة وإعادة جدولة الحياة من جديد..
لقوله تعالى:" وجعلنا من الماء كل شيءٍ حيّ"..
ليعيد الماء والشمس الحياة للإنسان مع أمل جديد ليتحقق عملية الإنجذاب نحوهما ..بمعني تحقذق العنوان..ضد التجاذب..

(أيقظتني من إغماءتي الطويلة قبلة الحياة)

وهنا مع بريق الأمل والشجاعة والإرادة يعيد الإنسان كيانه الحر ولا يستسلم للوشاة المخادعين وإن كان التأويل للدنيا الفانية وليست للحياة الكريمة...
فالضوء والنقاء الذي كان رمزهما الماء والشمس..هو الخيط الذي يتمسك به الإنسان الحر الصامد الصبور الغيور على أمته..
ليوقظه من غفلته وإغفاءته الطويلة وسكرته التي ثمل من خمر الغرب ما أضاع له فكره وعقله وتشتت عمله وضعفت جرأته..
يعود بعد هذا السبات الطويل ليجدد العزيمة ويأبى الجاذبية للباطل وأهله من خلال إعادته لسبل الحياة السليمة وما منحته في الأخير من قبلة توافق معها لتحقيق كيانه المستقل والحفاظ على ما منحته من نفائس ما عليه أن يحافظ عليها من خلال عقيدة نقية كان رمزها الماء وطريق المنير بالحق وهو ما رمزت به الشمس...
......
أستاذنا الكبير الشاعر الكاتب الراقي المبدع
أ.عبد الرحيم التدلاوي
لقد أتحفتنا بوضة ما زالت تتناسل تأويلات ويلالات مختلفة متعددة الأهداف والمعاني واستطعنا استخراج من دررها ما يعيد للفكر اتزانه
بورك قلمكم وحرفكم الواعي الناضج العميق وفكركم العملاق
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه




النص : اتجاه معاكس
الناص : خالد يوسف أبو طماعه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــ

" ببراءة طفولته كان عائدا إلى بيته
يحمل في يده ربطة خبز يابسة
استوقفه في منتصف الطريق بحجة التحقق من هويته
لم يكن من أنصار الحزب ولم يكن من طائفته
صوب البندقية على الرأس تماما
ابتسم الطفل عندما رأى الرصاصة تخرج
من بين العينين ."

القراءة :
ــــــــــــــــــــــــ

اتجاه معاكس......
ومضة إبداعية لبست ثوب القصة القصيرة جداً فأثارت فينا الوقوف في محرابها..تأملاً وتدبراً في معانيها وما حملته من أسرار دفينة...
عندما خطفت عيناي هذا العنوان..توقفت دون قراءة النص..حتى أسمح للفكر والخيال يحلقان بتجاويفه واستخراج ما به من معاني..فكان من الفكر أن رسم للعنوان ( اتجاه معاكس).. أن هناك ثمة تناقضات وتضاد بين طرفين في نفس المستوى من الفكر والقوة والحوار..
لكني تفاجأت بفارق الحدث وعدم توازي بين الطرفين حين تلعثم فيها اللسان..وحين دخلت قلب النص..
يبدأ الكاتب ومضته الراقية بقوله:

(ببراءة طفولته كان عائدا إلى بيته)

كان لزاماً على الكاتب توضيح معالم الطرفين وتحديد صفاتهم ..لتتم عملية النجاح في توصيل المغزى الذي يلتصق بالنص بجماليته العميقة في ذهن المتلقي..وهذا نوع من أنواع الحرفية المتقنة المدروسة..
فكان من الكاتب إعلان صفة الطرف الأول من الإتجاه المعاكس..وهي كل معاني الطفولية التي توحّدت تحت جناح البراءة..بقوله ببراءة طفولته)
وكلمة براءة ..إنما أرادها الكاتب لتوضيح صورة الحدث بما في ذلك صورة المجتمع الذي وقع فيه الحدث..
فالبراءة تعني النقاء والشفافية والسلم والتصالح مع الذات والقناعة وصفاء النفس من الأحقاد ..إلخ
ليعكس لنا الكاتب صفة المجتمع قبل وقوع الحدث..وفي قوله كان عائدا لبيته)..ليظهر لنا الكاتب أهمية البيت الذي يعود إليه أفراده ليخلعوا تعب نهارهم وعملهم داخله باطمئنان وراحة..وسنرى هيئة الطفل وهو عائد لبيته..
فيقول الكاتب:

(يحمل في يده ربطة خبز يابسة)

تتضح صورة الطفل البريء الذي خرج من بيته يبحث عن سلم الحاجات الأساسية بدافع غريزي والحاجة الملحة للبقاء التي وجّهت سلوكه ونشاطه نحو البحث وتحقيقها بمنجزات ضعيفة من خلال (ربطة خبز يابسة)...
وهذه هي الحاجات الفسيولوجية التي تعتبر أقوى الحاجات لأنها أساسية ضرورية للحياة ليضمن استمرارية البقاء..
في هذه الصورة المتقنة التي توازي فناً متفرداً يتضح صورة المجتمع الذي استحوذ عليه الفقر..لدرجة خروج الطفل للبحث عن قوت يومه له ولعائلته..
في هذا القالب الإجتماعي نرى أبعاد التربية السائدة في الوطن العربي وأهداف ساستها وقادتها وولاة أمرها في قولبة العقل وتقييد الإرادة مما يعكس صورة الإدارة والأنظمة التربوية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية في فشل ذريع يدل على سوء البناء من القيادات والولاءات المختلفة التي لها الدور الكبير في تحطيم سلم الحاجات وزعزعته تحت نصل المصالح والمناصب..لتكون الحروب منافذ للتجويع والهدم والقتل..
وهدم كل معالم الحاجات الإنسانية من حاجات فسيولوجية وحاجات الأمن وحاجات الإنتماء وحاجات التقدير ثم حاجات تحقيق الذات..وكلها قد وأدتها الحروب التي أثارتها ساستنا قبل أن تثورها الغرباء للأسف..وهذه معادلة صحيحة لأن إشعالها تم من بين أنامل قادتنا وكبار الطغاة التي تحكمنا وتسيطر بالتجويع على منافذ قوتنا...
من منطلق الصورة التي عرضها الكاتب عن ربطة الخبز اليابسة..أراد توضيح معالم المجتمع المستسلم لأدوات الحرب لأنه يحمل هماً أكبر هو تحقيق حاجاته الفسيولوجية الأساسية مما أفقده التفكير في كيفية الدفاع عن كيانه...
صورة بارعة النسج متقنة السبك متينة البناء...
يكمل الكاتب بقوله:

(استوقفه في منتصف الطريق بحجة التحقق من هويته)

استوقفه..كلمة تدل على الضغط والسيطرة والإجبار وفرض السلطة عليه..
وهذا يعكس صورة الطرف الآخر الذي هو القوى المستبدة الظالمة والذي يثبت ذلك حين يقول الكاتب في منتصف الطريق)..ربما هنا في منتصف الطريق يريد الكاتب توضيع الظلم الذي يتعرض إليه المواطن الأعزل البريء الذي حدد معالمه الكاتب بكلمة (براءة).. من ظلم واستبداد وقتل وتجويع وتشريد..فمنتصف الطريق..أرادها الكاتب قبل وصول الطفل لآخر الطريق وهو بيته ومكان وطنه واستقراره واللجوء لمن يحميه من أهل بيته..وهذه من الخطط التي يرسمها محتل ضعيف التخطيط جبان يستقوي على الضعفاء الذين لا يملكون أدوات الدفاع عن أنفسهم ولا عن بلادهم..
منتصف الطريق..تعني الحيلة والمكر والدهاء والجبن..
( بحجة التحقق من هويته) ..
هذه حجة واهية للتحقق من هوية طفل لا حول له ولا قوة ..وهذا قمة الذل والخسة من عدو الله ما أراده إلا الجرائم في حق الإنسانية والمحرمة دولياً ..لكنهم يخترقون كل القوانين والأنظمة وهم يلتحفون بغطاء عربي غربي..
وهذه الحالة كمعظم الحالات التي تقع في مجتمعنا العربي الذي تجرد من قادة العدل والكرامة والضمير..
وما أراده الكاتب من( التحقق من هويته) لمعرفة جنسية المارين والعابرين في بلادهم حتى تتم عملية الغربلة للإنسان العربي والمسلم والتخلص منهم حتى يمنعوا تكاثرهم ويئدوا زحفهم الديني الإسلامي الذي يرعبهم منذ التقاء الأرض بالسماء في إسراء الحق نحو المعراج إلى الله في البقعة المقدسة الطاهرة والتي تقام عليها حتى الآن كل أنواع العداء والأطماع..

(لم يكن من أنصار الحزب ولم يكن من طائفته)

صورة توضيحية جديدة تثبت نوايا المحتل والغزاة..إذ يبحثون عن فريستهم في اصطياد وقتل من يحمل إسلامه في قلبه قولاً وعملاً..
الحرب حرب دينية لشريعة الله لقوتها عندما تتمكن من الإستقرار في القلب..خوفهم من الزحف الإسلامي في كل مكان..
وهذه الجملة توضح هدف الإتجاه المعاكس الذي لا يبحث عن أمور إجتماعية أو أمنية إنما بهدف عقائدي ديني..وهذه أكبر الحروب والهجمات التي تقام في العالم كله..

(صوب البندقية على الرأس تماما )

تتم عملية التصويب بالبندقية نحو رأسه تماما.. لقتل هذا الفكر والعقل الذي يحمله الطفل خوف من أن يكبر وينضج..لأن عقل العربي والمسلم إذا أتيحت له سبل الأمن والحاجات الأساسية فإنه يحقق المعجزات..
عملية قتل الرأس تماماً دليلاً آخر على الجبن والذل للفئات الجاحدة الكافرة..الذين يستقوون على الضعفاء..

(ابتسم الطفل عندما رأى الرصاصة تخرج من بين العينين) .

قفلة إبداعية مدهشة مبهرة لصورة الوطن العربي والمجاهد العربي المسلم
وهذه تدل على قوة الأمة التي مهما قتلوها ومزقوها ستبقى تتقبل الطعن بالقهر عن طريق الإبتسامة التي تدل على قوة الصبر والتحمل ..وتدل على الإستهزاء بالمحتل والغزاة والظالمين..وكأن الإبتسامة عملية توريث للصمود والمجابهة وعدم الخنوع والذل أمام الطغاة والجبابرة ..
فلم يعد يهم هذا الشعب البريء عدد الطعنات التي يتجرعها ولا عدد الإبتلاءات التي يتعرض لها..طالما يصفق بصموده ويرفع من آرادته دون خنوع في الصبر الذي يحمله...
قفلة إبداعية قالت الكثير وأعلنت عن شعب لا يهمه كثرة المحن إنما يهمه كيفية الصمود والثبات...
......
الكاتب الكبير والكاتب المبدع القدير الراقي
أ.خالد أبو طماعة
بورك قلمكم الباذخ وحرفكم الوطني الثائر
وما حملت هذه الومضة من أدوات الإبداع والتألق والفن البارع والرمزية العالية الإتقان بدلالات المختلفة والتأويلات المتعددة..
قلم تنحني له الحروف وتصفق له العقول من جمال وجلال ما يحمله من فن ماهر يدل على قدرة وحرفية صاحبه..
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم الله بسطة من العلم والنور والخير الكثير



النص : واستشهد القمح نايا ..
النّاص : محمد ذيب سليمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ـــــــــــــــــــــ

أثـلجـت صـدراً هـمــوم الأرض تسـكـنـه
واستـوطنتـه سَــمـوم الريــح فـي الـظُّلَــم
في عـتـمـة الـلـيـل ملـقـىً والـرؤى أمــلٌ
صنـو السـراب تـراءت وانمحـت بـدمـي
حتــى تـفـجـر يـأس الـشـيب فـي حــلــم ٍ
راهـنت ردحـاً بـأن يـنـجــو مـن الــسَّــأم
لـــكـن كـفــــاً تـراخـت عــن أصابعــهــا
تـثــاءبت بـيـــن وهــم الـروح والــســقـم
نـادت فغــاب بصيـص الصـوت مندحـراً
فـي قـعــــر جـبٍ بـــلا ردٍّ لـمـعــتــصــم
وانحـاز بعـض غـريـب الهـطـل مـلتـويـاً
كعــابــر الحـــزن يـرجـو عـفــو منتـقــم
فـاسـتـدبـر الـنهــر حـقــلا ً كـنت أبـــذره
مـضــى يــوجِّـــه محـــراثــاً الـى العــدم
هـبت نــوارس أيـام ٍ بحــقـــل غـــــــدي
تعـانـق المـنجـل المـصـكـوك مـن أدمـي
فاسـتشـهـد الـقـمـح نـايــاً قـرب نـافـذتــي
وبـعـثــر الــلحــن فــوق الـروح والقـلــم
ناطحـت خـــذلان أهــل كـنـت أحســبهـم
كــفّـاً تـهـدهــد متـنــاً ضـاع عـــن قـــدم
ولــم يهـن عــزم شــعـب المـاردين ومــا
تـأخَّـر الـفجــر حـيــن الـلـيــل لــم يـنـــم
حـيـن اسـتفــاق بـيـــان الـبحــر أدركنـي
من طاقـة المـوج ما فـي البحـر مـن نِعَـم
هــبـت ســفائنـــه بالـحــــق مشــــرعـــة
تسـتـنهض الـفـجـر بيــن الـذل والـسـقــم
واخـتـارت الـجــري فـي درب أُريـد لــه
أن يبلـغ المــجـد لا كالتـيـس فــي الغـنــم
شــقــت دروبـاً عــلى اســم الله ســابحـها
واجتاحت المــوج كالضرغام في الأجــم
واسـتثـمــرت سُــننـاً يـنحـــاز صـاحبهــا
لبـــاذر الخـيـــر فـي أرجـــاء مــلتــطــم
هـنــاك تحــت فــؤوس الــغدر منتـصـب
شــعـب تـجــذر عـمــلاقــاً عـلــى الثـلــم
تقـوى عــزائـمــــه لـلحـــــق مـرتـديـــــاً
مـهـمـا تـخـاذلـت الـسـاحــات مـن رحــم
يـصــارع العـتـــم والأحــداق وارِفـهــــا
يـراقـب الـمجـد مـرسـومـاً عـلى الـهمــم
أضحـى مـنــــاراتِ عــزٍ لاذَ نـاقــدهـــا
بِـشــرِّ صـمــتٍ طـويـلٍ غـيــر مـنفـصـم
يـا ليـــت يوســـف فـي إخـوانـــه مثــــلاً
لســـــادةٍ أبــدلــوا اليــاقـــوت بـالـنَّــــدم

القراءة :
ــــــــــــــــــــــ

واستشهد القمح نايا...
يا للروعة..يا للجمال في السبك والنظم والبناء والبلاغة والدلالات المختلفة
التي تدل على قلم عملاق كبير يستحق الوقوف طويلاً بين أغصان حرفه وسطور قلمه البارع..
عنوان..واستشهد القمح نايا..هو معزوفة عملاقة بمعانيها ومرماها ورمزيتها..
استوقفني العنوان المتكامل جمالاً كثيراً وصفقت له بحرارة..إذ أنبت روحاً جمالية تنبض بكل أسس الجمال وتحيي دروب التألق..
من خلال كلمة (واستشهد ).. هذا دليل على قيمة القمح وثروته العظيمة في بناء الحالة الإقتصادية وبناء الإنسان منه..وعملية قياسه بالإستشهاد والإنسان هذا دليل على أهميته ودوره الأساسي في الخياة وقدسيته في عالم البناء الإنساني..
وهنا يأتي من الإستشهاد معزوفة الناي الحزين..وكأنه يريد وقوع كارثة بشرية مسؤولة عن أوجاع هذه الأمة..
فيربط الشاعر أبعاد القمح مع المعاناة التي تحققت من تفكك الأمة وضياعها وكثرة الفساد فيها..
ثم يعالج ويطرح القضية اليوم من خلال التناص القرآني من قصة يوسف عليه السلام..
فنلاحظ أن الكثير من العبر الموجودة في هذه القصة قد استخدمها الشاعر بنظم بارع مذهل وبأسلوب متفرد يغري انحناءة إعجاب وتقدير لهذا القلم الكبير..
كلمة قمح/ حلم/ يوسف/ إخوانه/ قعر جبّ
كلها تخدم عمق ما أراده الشاعر في تفصيل الوجع المتراكم بين مسامات الأمة...
ومن خلال قصة يوسف وارتباط الشاعر في عرض ملامح القمح وأبعاده من خلال الحالات الإقتصادية والتلاعب بالجوع في بطون الشعوب.. ومن خلال ما دار بين يوسف عليه السلام وأخوته والحلم الذي كان من ورائه العبر والحكم والمواعظ الجمة..جعل من القصيدة لوحة سحرية نادرة وديباجة نُقشت على جدرانها حلل من الجمال..
...
قصيدة الشاعر الكبير الراقي الرائع المبدع البارع
أ.محمد ذيب سليمان
كانت خيوطها من ذهب وأبعادها ورموزها ودلالاتها تدل على براعته وحرفيته
وقدرته على تطويع القلم بكل قوانين الحرف وبكل اندماج متقن
مع الحس الخارجي والحس الداخلي ليكّن لوحة فنية لا حدود لجمالها..
كتبتم أستاذنا بمداد نقي بديع
ليكون مرآة حقيقية للشعر البليغ المؤثر المنظوم على إيقاع متقن بارع
حفظكم الله ورعاكم وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير
ولربما سيكون لي عودة لتشريح خلايا القصيدة
لعرض جماليتها وتعليق زهورها على جدار الأدب الراقي
أحييكم على باقات حرفكم الذي أمتع الذائقة ودمتم في جمال الحرف عنوان..



النص : سري
الناص : ناظم العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــ

للمرة السادسة
يفشل في التصويب
حدّثتني الطلقة
أن الجندي كان يستهدف طفلة


القراءة :
ـــــــــــــــــــــ

يا لجمال وروعة هذا البناء الجامع لعناقيد اللغة ..ومحمّل بسحرٍ مميز يدل على صاحبه ..
هنا يبرز فنية الحرف وإبداعه في بضعة حروف قالت لنا الكثير وهي محملة بألف تأويل..

(للمرة السادسة.. )

العدد هنا له دور كبير على إصرار الظلم لطعن البراءة في كل أنواعها.. وهتك قدسيتها ومحاولة بتر براعم وطن ما يزال ينشئ في احضان الصبا..
لكن للمرات العديدة يتم الفشل لأنه يصوّب نحو طهر وجذور شربت النقاء من رب السماء.. لأنها نقية لم يكتب لها التاريخ اعتداءها على أحد ممن نسجوا لها العداء..عملية التكرار للطلقات إنما توحي بقوة الجهة المقصودة..وأهميتها وبؤرة الحدث التي تدير عناصر التخطيط لإبادتها والتخلص منها..وهذا يدل على أهميتها ومكانتها وإلا لما تمت المحاولة لإطلاق الرصاصات عليها بعدد ست مرات...وبهذا التحدي لإطلاق الرصاص ..إنما يدل على قوتها ومدار صبرها ..

( يفشل في التصويب)

أراد الكاتب أن يقول لنا ..أن أهل الظلم والطغاة لن ينالوا من الحق شيئاً..
لأنهم فاشلون بأسلحتهم التي يستخدمونها ضد الإنسانية وضد الأبرياء..ومهما كانوا على قوة منهم إلا أن الفشل حصادهم مهما حاولوا غرس الظلم وقمع الحق ..فالفشل صفة الغير متمكن من ممارسة التصويب لزعزعة في النفوس وتخبط في التصرف..مما يحدث تشوش في الأداء..لأنهم يشعرون بهول ما يمارسون من فساد وظلم على أبناء جلدتهم...

(حدثتني الطلقة...
أن الجندي كان يستهدف طفلة)

هنا تبرز قمة الإبداع والتصوير.. ويظهر مهارة الكاتب القدير..
الطلقة والتي يستعبدونها لسد شهواتهم وتسكيت ظلمهم .. تكون هي حبل التواصل مع المظلوم لترد عنه بؤسهم وظلمهم.. الطلقة هي التي تقوم بتوجيه مسارها بعيداً عن هدفهم واستبدادهم..
يستخدمون من الشعب ما يكون سهما لتحقيق مآربهم.. إلا أن الصحوة والضمير تضيء في إعادة برمجة النخوة والشهامة لترد عن المظلومين عبوديتهم وتأبى الخنوع لهم وإن كانوا في خدمتهم..
أما دور الطفلة.. وهذا من أجمل الأوصاف في وصف أمة البراءة والطهر والتي مازالت في مراسيم الإعداد والعتاد والقوة والفكر ......
طفلة.. مازالت قيد الإعداد والتدريب وإن كان ينقصها خبراء التدبير..
ومع ذلك ورغم صغرها ورغم أنها ما زالت غضة في كل الميادين إلا أنها قادرة على الصمود أمام عمالقة الظلم.. باختصار لأنها صاحبة حق.. وصاحب الحق لا يموت.. ولا ينحني أبدا...
لذلك فإننا نرى الكاتب قد جعل الطلقة والجندي هما من شاهدا عملية الإرهاب التي تنفذ في كل الوطن العربي بسرية تامة ( سري).. لا يعلم مدى جرائمهم ولا أبعادها إلا هذا الطرفين..فكان من الكاتب نوظيف العنوان متقن جدا مع المضمون السحري الذي أرادنا أن ننقب عنه ونكشفه من خلال الخيال الرحب والإبحار في جذور النص الراقي...
........
يا لروعة هذه الومضة وجمال سبكها ونظمها .. وقوة رمزيتها التي ما زالت تقبل التأويل وتسمح للخيال بالإنطلاق نحو دروب طوتها زرقة السماء..
بورك بهذا الإعداد المتين لحروف الجمال التي سكبت هنا ..
إبداع يتناسل من مبدع له باع كبير وراق في صفحات الأدب السامي..
الكاتب الأديب البارع المبدع الكبير
أ.ناظم العربي
بوركتم على هذه اللوحة الجمالية الراقية الومضة الإبداعية والقليلة الأحرف العظيمة المعنى والتي تعدل مجلدات..
وفقكم الله لحبه ورضاه وزادكم من علمه ما ينير دربكم وحرفكم



النص : مساء الخير
الناص: قصي المحمود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص :
ــــــــــــــــــــ

مساء الخير
حين تبتلع الغيوم خيوط الفجر
وتغادر البلابل أعشاشها بغير رجعة
وتتيبس الأجساد من هول النزيف
وتتوقف عقارب الساعة
على جسد طفل رضيع مزقته شظايا
مساء الخير
مدن القباب الكئيبة
والأرض النحيبة
لا مساءات فيها الخير
مُنذ حلَّ على شرفتنا الأنيقة
طائر البوم...
مساء الخير
بلاد الهجرة
والدم والنزوح
بلاد الأضرحة
والألام والجروح
مساء الخير
سراقة..وأسماء
ورحلة الصيف والشتاء
والغار والعنكبوت
وظل السماء
وسنام يضمحل
وقمر يأفل
وسراج يتمزق
وفارس وفرس رعناء
مساء الخير
عروبتي..حبيبتي
والعاصي ..والفرات
يتامى الهوى والإيمان والغزل
ثكالى الغدر والخطب الجلل
مساء الخير.. الخاتمة
في متحف اللوفر والشمع
ظل الضاد ..وكان وأخَواتُها
دليل السواح لهما
حروف العلل....

القراءة
ــــــــــــــــــــــ

ما أجمل هذه القطعة الفنية الباذخة بالجمال والمحملة بالمطر الكثير المعبأ بكل الخير والنور..
الشاعر هنا وضع عنوان لوحته على هيأة دعاء أو تمني..وكلاهما يصلح مع واقع مؤلم ينزف كل أصناف الألم...
العنوان ( مساء الخير) جاء محملاً بتباشير ربما ستتحول لمطر خير ورحمة لا مطر عذاب ونقمة على أمة أضاعت مفاتيح حريتها وجوارير فكرها الذي خزّنت بها محاصيل الماضي وما فيها من فكر جلّي عن التبعية والغزو..
وقد أتحفنا الشاعر ب ست لوحات فنية غنية بالرموز والدلالات ومفتوحة الصدر على التأويل..مرنة في تطويع الخيال بما يستجيب لواقع ممتلئ بالدماء والوجع...
سأقوم برصد ما تحت الحروف من جمال من زاوية الرؤيا التي تحملني وما تتسع من تأويل وتشريح يوافق التعمق تحت قلب الكلمات الحية..
اللوحة الأولى:

(حين تبتلع الغيوم خيوط الفجر
وتغادر البلابل أعشاشها بغير رجعة
وتتيبس الأجساد من هول النزيف
وتتوقف عقارب الساعة
على جسد طفل رضيع مزقته شظايا)

هذه اللوحة تيبّس معها النبض حين غصت بين تشريحها وما حملت من أبعاد تُصبّ في جسد هذه الأمة النازفة..
الشاعر بدأ بتوظيف حرفه وفق أولوياته من ناحية الحس الوطني وما حمل من رسم الوجع بدقة متناهية وبصور متفردة عميقة الدلالة ..حتى ظهر لنا عمقه كمرآة لا تنطق إلا وجعاً ولا تصف إلا صوراً نحتت القلب والروح وهو يعتصر من هول ما شاهده ولاقاه من ظلم حكامنا وتمسكهم بظل المناصب والمصالح الذاتية...
في هذه اللوحة قرأنا أجمل المعاني والصور الحية ...فكان الوصف صورة مؤلمة ..بقوله:
حين تبتلع الغيوم خيوط الفجر
وتغادر البلابل أعشاشها بغير رجعة
وتتيبس الأجساد من هول النزيف
وتتوقف عقارب الساعة...
حين تبتلع الغيوم خيوط الفجر...هذه لوحة بحد ذاتها وقفت بين ثناياها تأملاً وتدبراً من قوة التعبير وما حملت من خيال وتنسيق وقدرة على صياغتها...حيث وصف الغيوم وكأنها ابتلعت خيوط الفجر..وهذا كناية عن الأحداث التي تدمي القلوب وتنحت الجسد ألماً..فجاءت بتصوير فني مذهل بارع..فللغيوم رمز الوجع والمثقل به..وعملية الإبتلاع جاءت مذهلة جدا بدل من الإختفاء أو تغطية خيوط الفجر..لأن للإبتلاع هناك إمكانية قذف النور بعد مخاض عسير ويعود كما كان..كقصة سيدنا يونس عليه السلام حين ابتلعه الحوت وقذفه من جديد بفضل التسبيح والإستغفار ...
كقوله تعالى :" : {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [سورة الصافات:139-148]...

نستطيع القول هنا..أن الشاعر استطاع رسم حدود الحرف بإتقان بارع يدل على تمكنه من استخدام عناصر الأدب بحرفية متقنة وبناء متين للخيال وأبعاد الحرف...
وجمال الصورة هنا ...( وتتيبس الأجساد من هول النزيف).. يدل على قاموس الشاعر الواسع وسفر حرفه الذي لا ينقطع جماله..فتيبس الأجساد كناية عن قمة النزف وهول الألم..من ( على جسد طفل رضيع مزقته شظايا).. صورة البراءة والطهر والنقاء التي تتجسد في صورة طفل رضيع لا ذنب له من تلوث الحكام والمغرضين لأمتهم وبيعها على حساب الأرواح البريئة...وصف متقن وصورة تتحدث لوحدها عن قمة الوجع...فقد استطاع الشاعر ربط حسه الداخلي والخارجي لتحريك مفردات اللغة بإتقان ارتبط مع روح النص لتوسيع بؤرة المعاني في نفس المتلقي...

اللوحة الثانية:
( مساء الخير..
مدن القباب الكئيبة
والأرض النحيبة
لا مساءات فيها الخير
مُنذ حلَّ على شرفتنا الأنيقة
طائر البوم)

وروعة هذه اللوحة بما حملت من رموز إسقاطاً على ما يجري على أرض الواقع ممن حرثوا الأرض من الأمن والأمان والحق والحرية وابتاعوها لأيدي ملوثة بالدماء البريئة..فالأرض النحيبة التي باتت تتغذى الشؤم من أفواه هؤلاء الحكام وولاة الأمر والقادة الذين تربّوا على أيدي غربية غريبة وقد أودعوا فكرهم وضمائرهم تحت مخالب التبعية...
لوحة متقنة جاءت كبوصلة لتوجيهنا للصحوة من الغفلة التي أصابت من يمسكون زمام أمورنا..والإنعتاق من قيود الصمت البغيض...

اللوحة الثالثة:
( مساء الخير
بلاد الهجرة
والدم والنزوح
بلاد الأضرحة
والألام والجروح)

مساء الخير ..وجودها في كل لوحة كمفتاح الصول في كل معزوفة غنائية..وكمقدمة بهدف التذكير للدخول على جسد اللغة التي يرسمها الشاعر...
اللوحة هنا عرض جديد بمفهوم توضيحي تشريحي لتفاقم الوجع بألوانه المتعددة..
فمن نتائج الحروب والهدم والقتل ..من الطبيعي أن ينتج عنه الهجرة والنزوح وكثرة الأضرحة والآلام والجروح...
هذه اللوحة جاءت لتهتز معها الأبدان وتوقظ الغفلة من سباتها لإحياء الضمائر بباقي الوطن العربي..ليتخرك دفاعاً عن الأراضي التي مازالت تنزف الدماء وتسبب التشرد والضياع للحمة الأمة وتماسكها وتعاضدها...
فهل من مستجيب؟؟؟؟!!!

اللوحة الرابعة:
( مساء الخير..
سراقة..وأسماء
ورحلة الصيف والشتاء
والغار والعنكبوت
وظل السماء
وسنام يضمحل
وقمر يأفل
وسراج يتمزق
وفارس وفرس رعناء)

هنا يتجلى التناص القصصي القرآني وما حدثنا به نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام..
فالتناص الديني هنا أعطى للخاطرة رونقاً إبداعياً جميلاً إذا ما سقنا خيالنا وفكرنا نحو جذور المعنى وأخرجنا منها كنوز الألفاظ بالبحث والتنقيب عن ما يرمي إليه الشاعر..
عملية الربط هنا جاءت مع إضااة مشرقة من فحوى وكنوز الهجرة التي تتجدد اليوم بصور مختلفة لكن تحت هدف يجمعهم ومعاني مختلفة..تتكرر الأحداث من زمن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليومنا هذا ولكن تحت غطاء آخر وظروف مجددة تقبع في نفس الهدف ..هجرة الأنفس من أرض الظلم لأرض الأمن والأمان وحيث الإستقرار الروحي والإجتماعي ..
الشاعر قدم رموز مختصرة ..ليكون هناك مجالاً لعملية البحث والتنقيب بالخيال والفكر..وحتى نحاول التحليق بتأةيلات عدة تمكّننا من خلق الإبداع...كقوله:
سراقة/وأسماء/رحلة الصيف والشتاء/الغار والعنكبوت/ظل السماء... كلها معايير نتسلح بها لتكون تهدئة للنفوس ومواساة لها في جلب الصبر والقدرة على التحمل من جميع سكاكين الظلم المفروضة على الشعوب التي لا تملك لا حول ولا قوة لها..إلا بالتحرر من نصل الصمت وإحياء الثورة على الباطل...
لتتمزق قيود السراج الذي يبعث الضوء في الأرض والأرواح...

اللوحة الخامسة:
( مساء الخير
عروبتي..حبيبتي
والعاصي ..والفرات
يتامى الهوى والإيمان والغزل
ثكالى الغدر والخطب الجلل)

هذه اللوحة عملية تجسيد لواقع مؤلم يعبشه العربي كصورة عن الماضي والتي تتكرر بطرق جديدة ...العروبة والحفاظ على الهوية والجنسية التي لاصقت أجسادنا..هي نبع الصحوة ..ولتكن ما يجري في العاصي والفرات عبرة لمن لا يعتبر..ولتكن صورة الظلم فيها جلية واضحة مع ما يجري فيها من دماء وحصاد اليتامى من الفكر والإيمان والخوف من الله ..والتشبث بالظلم والغدر والخيانة...
هنا أراد الشاعر توجيه الأرواح المتقدة غيرة على الوطن العربي نحو ما يجري في العراق وسوريا..وهما مثالان على شدة الظلم الذي تمركز فيهما وأصبحتا تمثالاً يؤمه كل سائح فكر يتجول بفكره ليتعلم منهما ما دار على الثرى من تخطيط وظلم وفساد وتبعية ومذاهب هدفها تمزيق البلاد لدويلات صغيرة حتى يسهل الإستيلاء عليها ويسهل التلاعب به وتتمزق بذلك من جسدها الواحد...تخطيط من عشرات السنين وها هو اليوم يتحقق...
فلماذا لا نعرف أسس التخطيط ومنهاجه الذي يحقق لنا الإستيلاء على العالم بقوة فكره وقدرته على التلاعب بالكبار لتحقيق علواً في السماء..والسبب في فشل ذلك ذلك هو عدم التخطيط بما يخدم الشعوب ..بل تخطيط ذاتي وراءه المصلحة الذاتية والكراسي البراقة...

اللوحة السادسة والأخيرة:
( مساء الخير.. الخاتمة
في متحف اللوفر والشمع
ظل الضاد ..وكان وأخَواتُها
دليل السواح لهما
حروف العلل....)

خاتمة محكمة الإتقان كان مفادها أن أصبحنا تمثالاً يؤمه السائحون في ظل لغة بات استخدامها بغرض غير مشروع ..وقد أضاعه أصحابها وفرّطوا بها لتكون بين أيدي الغرباء..فاللغة والكتابة والأدب ظلت الطريقة التي يمكن ان تكون نافذة للتغيير وإن طالها النقصان والعلل..وتتلاعب بها السواح كدليل لاختصاب الأمة...

الأديب الكبير الشاعر المبدع
أ.قصي المحمود
كان لهذه اللوحة معاني جوفية تفور بنا إعجاباً ودهشة من براعة نسجكم وجمال تصويركم المتقن لصورة الواقع اليوم..مما فتح النص مجالاً للخيال أن يحلق بنا وفق الفكر العميق ضمن الدلالات المختلفة التي كانت إسقاطاً على جسد هذه الأمة المكلومة النازفة..ولامست الواقع بمرارة مما ساهم اندماج المشاعر مع رموز مختلفة كانت بؤرتها الأمة اليوم وما يجري على ساحاته في كل مكان..
فشاهدنا في النص حالة اندماج تراكيب اللغة مع التناص الديني والمؤثرات الذاتية والبيئية التي منحت الخيال أبعاداً تتلاءم والحدث والمشاعر وتصادمها بالواقع المرير مما حرّك منابت البوح بما يتلاام مع رؤية الشاعر الفكرية وفق مساحة اللغة المتينة والصور الذهنية البارعة...
جزاكم الله كل الخير على هذه اللوحة الإبداعية وما حملت في جوفها من سحر المعاني...
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وزادكم بسطة منا العلمو النور والخير الكثير







  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.