لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: دماء (آخر رد :جمال عمران)       :: سناد التأسيس في قصيدة التفعيلة (آخر رد :ثناء حاج صالح)       :: موالاة (آخر رد :أفراح حمود أبو عريج)       :: سواء أكان حسِّيًّا أم معنويًّا (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: نحن موجودون وجودا ،،سرابياً (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: لأنّ ما قبلكم هو أنا ،،وما بعدكم هو أنا ،،، (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: خلج (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: حديث قلب (آخر رد :حنا حزبون)       :: استعداد../ زهراء العلوي (آخر رد :عبد الرحيم عيا)       :: أنا الشخص المختار لمواجهة الصين ... : ترامب: (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: سنعود ذات يوم (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: قال الأقصى (آخر رد :الزهراء صعيدي)       :: هل فيكَ مثلي أنا (آخر رد :الزهراء صعيدي)       :: اااااه قاسية/ رافت ابو زنيمة (آخر رد :الزهراء صعيدي)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > ☼ تحت الضوء ☼

☼ تحت الضوء ☼ دراسات أدبية ..قراءة تحليل نقد ..."أدرج مادتك واحصد الاشتغال فيها وعليها"

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-12-2018, 10:51 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
بوشعيب العصبي
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل وسام الأكاديمية للعطاء
رابطة الفينيق / الرباط
المغرب
افتراضي بلاغة الطبيعة وصوت اللّغة في وصفية أبي تمام: (لم يبق للصّيفِ لارسمٌ ولا طللٌ)*

تقديم:
تعتبر الطبيعة موضوعا للشعراء؛ ينغمسون في جمالها، و يهيمون بها، ويُفْتَتَنُون بمحاسنها، ومن أبرز هؤلاء الشعراء " أبو تمام"؛ الذي تأثر بالطبيعة أثناء تنقلاته بين الأمصار، التي امتدّ إليها حكم الدولة العباسية، فقد أتاحت له الطبيعة أن يصفها ويتغنى بها؛ بصيْفها وشتائها، بسهلها وجبلها، بأشجارها وكرومها، بحيواناتها وأطيارها، برياحها وغيثها، وبشدتها ورقتها..، فكان وصف الطبيعة بكل ملامحها إما مدخلا لكثير من أغراضه الشعرية من مديح ورثاء وفخر وغزل..، وإما غرضا خالصا؛ مثل هذه القصيدة التي أفردها الشاعر لوصف البرد في خراسان، ولأجل ذلك، وحتى يكون الوصف أبلغ، أضفى الشاعر نزعة إنسانية - لا تخفى- على مختلف مكونات الطبيعة عن طريق التشخيص.
القصيدةُ:
قال أبو تمام يصف البرد في خراسان¹:
لم يَبْقَ لِلصَّيْفِ لا رَسْمٌ ولا طَلَـــــــلُ
و لا قشيبٌ فيستكسى ولا سمَلُ
عدلٌ من الدّمعِ أن يبكي المصيفَ كما
يُبْكى الشبابُ ويُبْكى اللّهــوُ والغزَلُ
يمنى الزمانِ طوت معروفها وغــــدت
يُسْراهُ وهْيَ لنــــا مِنْ بعدِها بَدَلُ
ما للشّــــــتاءِ ولا للصيفِ من مثلٍ
يَرْضَى به السَّمْعُ إلاَّ الجُودُ والبَخَلُ
أما ترى الأرضَ غضبي والحصى قلِق
والأفقَ بالحَرجفِ النكبـــاءِ يقتــتلُ
من يزعم الصيفَ لم تذهب بشاشتهُ
فغيرَ ذلكَ أَمــــــسَى يَزعمُ الجَبَـــلُ
غدا لهُ مِغْفرٌ في رأسهِ يقِــــــــــــــــقٌ
لا تهتك البيضُ فوديهِ ولا الأسَلُ
إذا خراسانُ عن صنِّبْرها كشرت
كانت قيـاداً لنا أنيابهُ العُــــــــــصُلُ
يُمْسِي ويَضحِي مٌقيـــــــماً في مباءته
وَبَأسُهُ في كُلَى الأَقــــــوامِ مُرْتَحِــــلُ
من كان يجهلُ منهُ جدَّ سورتــــــهِ
في القريتين وأمرُ الجوّ مكتــهـــــلُ
فما الضُّلوعُ ولا الأَحشَاءُ جاهِـــــلَةٌ
و لا الكلى أنهُ المقـــدامةُ البطـــــلُ
هذا ولم يَتَّزِر لِلحـــــــــــرْبِ دَيْدَنَهُ
و أيُّ قِـــرنٍ تراهُ حين يشــــــــتمـــلُ
إنْ يَسَّرَ اللَّه أَمراً أَثمَـــــــــرتْ معه
من حيثُ أورقتِ الحاجاتُ والأمـلُ
فما صلائيَ ان كان الصـــــــلاءُ بها
جمرَ الغضا الجزلِ الا السيرُ والإبـلُ
المُرضِياتُك ما أَرغمـــــــــــــتَ آنُفَها
و الهادياتك وهْي الشُّــــــرَّدُ الضُّلُلُ
تقرّبُ الشقةَ القصوى إذا أخــذت
سِلاحَها وَهُو الإرقـــــــــــالُ والرَّمَلُ
إِذَا تَظَلَّمْتَ مِن أَرضٍ فُصِلْتَ بها
كَانَتْ هي العِـــــــــــــــزَّ إِلاَّ اَنَّها ذُلُلُ!
¹- أبو تمام(ديوان أبي تمام)، شرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبدو عزام، المجلد الرابع، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص526.
الشّرح:
أخبرنا الشاعر في مستهل القصيدة برحيل الصيف عن خراسان ؛ إذ انمحت آثاره، و اندرس وجوده، ولم يترك وراءه قشيبا، ولا سميلا ممّا كان يرتديه؛ لذلك حُقّ للدمع أن يبكيَه، كما تُبكى أيام الشباب، واللهو، والغزل. ثم تحدث أبو تمام بعد ذلك عن جبروت الزمن، الذي طوى بيمناه معروف الصيف وجوده، وأحلّ محله الشّتاء بعسره، وبخله، مما جعل الأرض بما فوقها غضبى، وقلقةً، يقتتل أفقُها.
يقول الشاعر: إن من يدّعي بقاء بشاشة الصّيف وطلعته الجميلة، فليتأملِ الجبلَ، الذي أصبح رأسه يعتمر زَرَدًا من الثّلج، لا تهتكه السيوف ولا الرّماح. فحينما يزور خراسانَ البردُ، يستسلم الجميع لقوّته. ورُغم أنه يبيت في مباءته وراء الجبل، يصل بأسُه إلى كل الأطراف. فلا ينكِر حدّتَه وقوّته أحدٌ؛ إن الجوارح جميعَها تعلم جبروته، وإقدامه، دون أن يبدي استعدادا للحرب، إذ لو فعل ذلك لذهبت سَوْرتُه على حدّ قول حبيب بن أوس الطائي.
وبعد أن ربط الشاعر تيسير الأمور بمشيئة الله عز وجل، الذي بفضله تُقضى حاجةُ الإنسان ويُتحقّق أملُه. اختتم قصيدته ببيان كيفية مواجهته البرد؛ فإذا كان الناس يلتمسون الدفء من خشب الغضا، الذي لا ينطفئ جمرُه إلا بعد زمن طويل، فهو يقصر الدفء على السير و الإبل، التي ترضي راكبها رُغم أنوفها، وتهديه إلى وجهته المقصودة، وهي شاردةٌ ،ضالّةٌ، و تقرّب المسافاتِ البعيدةَ بسرعتها، وإذا ما تعرّض للظلم في أرض فصلته عنها، وأبعدته، فكانت هي العزّ، وهي ذُلُلٌ خاضعة للرّكاب، منقادة لهم.
التحليل:
أ‌- تشخيص الطبيعة:
تمتلئ القصيدة بالاستعارات خاصة المكنية منها؛ فكل بيت شعري يحضن واحدة أو أكثر، مما أكسبها جمالا وسحرا لا يقاومان، وقد ساعد ذلك على تشخيص البرد موضوع الوصف، وغيره من مكونات الطبيعة التي أسند إليها الشاعر أفعالا إنسانية، فأصبحت تشعر بمثل ما يشعر به الإنسان من مشاعر، وأحاسيس مختلفة.
فالصيف في المطلع لم يعد ذلك الحيز الزمني، الذي لا يمكن لمسه وتحسّسه ورؤيته، بل إنه أضحى مثل أي شخص، يمكنه أن يغادرنا إذا ما اضطرّ إلى ذلك، أو حان موعد الرّحيل، ويرتدي كذلك ما يرتديه الناس من ثيابٍ قشيبة، أو قديمة؛ إذ شبه الشّاعر الصيف بالإنسان، وحذف الإنسان ، وأبقى على شيء من لوازمه ( يستكسى) على سبيل الاستعارة المكنية ، لهذا يزعم الشاعر في البيت الموالي، أنه من العدل، والحقّ، أن يُبكى المصيف، كما تُبكى زهرةُ الشّباب والحبّ.
والدمع هو الآخر تمت شخصنته؛ إذ شّبِه بإنسان، ، وحذف الإنسان ، وأبقي على شيء من لوازمه ( يبكي) على سبيل الاستعارة المكنية ، فغدا الدمع وحده قادرا على فعل بكاء الصيف، والشباب، واللهو، والغزل، كما أن الزمان له يدان كالإنسان، الذي تم حذفه ،وأبقي على بعض لوازمه على سبيل الاستعارة المكنية، ييمينه طوى معروف الصيف، ويمنه، وبيسراه أتى بفصل الشتاء، نظيرِ البخل والعسْر، كما يظن الشاعر.
استرسل الشاعر في تشخيص باقي مكوّنات الطبيعة، التي أثّثَ بها فضاء هذه اللوحة الشعرية، إذ لفت انتباهنا، ودعانا إلى رؤية الأرض، والحصى، والأفق، و الصّيف، و الجبل، الذين نفخ فيهم أرواحا إنسانية، وحذف الإنسان وأبقى على ما يرتبط به، ويدل عليه(غضبى، يرضى، قلق، يقتتل، يزعم..)؛ مما أسبغ على القصيدة حركية ونشاطا باديين.
إن غضب الأرض، و قلق الحصى، واقتتال الأفق، و ذهابَ ضِحْكة الصيف وبشاشتِه، وإحساسَ الجبل بما يحدث حواليه..، كلها انفعالات ومشاعرُ تأجّجت داخل الذات الشاعرة، فتوجهت بها إلى الطبيعة، التي ألفتها، وأحبّتها، واستكانت إليها ،وتناغمت معها، فأعطتنا هذه القصيدة الرائعة، التي تتدفق جمالا وبلاغة؛ فهناك مناظرُ طبيعية خلابة داخل القصيدة/ الطبيعة؛ إذ نكاد نبصر الجبل، الذي كسَتْ قمتَه الثلوجُ البيضاء، وحمَته من البرْد، كما يحمي المحاربُ نفسه من الأعداء بالزّرَدِ.
و شبه الشّاعر خُراسانَ وهي تبدي البرد الشديد بحيوان مفترس، فذكر المشبّه(خراسان) وخذف المشبه به الحيوان، وأبقى على بعض ما يتعلّق به(كشَرت، أنياب) على سبيل الاستعارة المكنية، هذا الحيوان المفترس حين أظهر عن أنيابه الصّلبة المعوجّة، استسلم له الجميع، بمن فيهم الشاعر نفسُه، الذي شمله هذا الضعف والاستسلام الجمعي، من خلال "نا" الشاملة، في قوله (قيادا لنا).
أصبح البرد من أهل خراسان، يقيم في مأواه صباح مساء مثل كل الناس، على سبيل الاستعارة المكنية؛ إذ تم ذكر المشبه(البرد) وحذف المشبه به ( الإنسان)، وأبقي على بعض متعلقاته( مقيما، يرتحل)، وبأسه وسورته يمتدان حتى "كلى الأقوام"؛ كناية عن الأمكنة المخبوءة، وأطراف خراسان.
فلا أحد من الناس يجهل بأس البرد في هذا الجو العاصف، الذي تم تشبيهه بالرجل الكهل في القوّة، فذكر المشبه(الجو)، وحذف المشبه به(الرجل الكهل)، وأبقي على ما يدل عليـــــه(مكتهل) على سبيل الاستعارة المكنية، كما شخْصنَ الضّلوع، والأحشاء والكلى، حين نفى عنها فعل الجهل على سبيل الاستعارة المكنية المنفية كذلك، ووصف البرد بالشجاعة، والإقدام من خلال تشبيه بليغ، مرسل (أنه المقدامة البطل)، هذه البطولة التي تتّضح أكثر بفضل الاستعارة المكنية المطوية في قوله لم يتّزر للحرب)؛ ذلك أنه شبّه البرد بمحارب، وذكر المشبه "هو" الضمير المستتر جوازا في الفعل(يتزر) العائد على البرد، وحذف المشبه به ( المحارب ) وأبقى على بعض ما يتعلق به ( يتّزر) على طريق الاستعارة المكنية.
فضعف الشاعر، واستسلام خراسان أمام جبروت البرد، قاده إلى تفويض أمره إلى الله عز وجل الأقوى، الذي ييسر كل عسير؛ فالحاجات بإذنه تورق فتثـمر، ومثلها الأمل؛ إذ تم تشبيههما بشجرة، فذكر المشبهان( الحاجات - الأمل)، وحذف المشبه به( الشجرة)، وأبقي على شيء من لوازمه(أورقت، أثمرت) على سبيل الاستعارة المكنية.
شعور أبي تمام بالدفء مختلف تماما عن الآخرين؛ فلا يتأتى له الشعور به إلا من خلال السّير و الإبل، التي جمعت بين المتناقضات؛ فهي ترضي راكبها مكرهة، وتهديه وهي ضالة شاردة، تقرّب البعيد، وتحمله إلى بَرّ العز وهي ذلول، خاضعة، كل ذلك في صور من بديع الطباق وحسَنِه؛ إذ جعل المخاطب يشترك معه في التأمل في هذا الاختلاف والتطابق( الرضا/الإرغام، الهدى/الضلالة، القرب/ البعد، العزّ/الذل)، الذي يعتبر سرا من أسرار الوجود، ولا تستقيم الحياة إلا به.
ب-بداعــــة الأسلوب:
يغطي الأسلوب الخبري جسد هذه القصيدة الشعرية النّاعمة، دون أن يحجب عنا جمالها، وفتنتها؛ خاصّة الجمل الخبرية الابتدائية الخالية من كل المؤكدات، وهذا لعمري يناسب موضوع النص، الذي يصف شراسة البرد، التي لا يحتاج المخاطب إلى من يؤكد له حقيقتها الناصعة، غير أن هذه الأخبار التي نقلها لنا الشاعر غالبا ما تحمل بين ثناياها أغراضا شتى.
فالأخبار الواردة في البيتين الأولّين لا يقصد الشاعر في كل منها "فائدة الخبر"، ولا "لازم الفائدة"؛ وإنما يلوي على أشياء أخرى يستطلعها اللبيب من خلال سياق الكلام؛ فأبو تمام في قولهلم يبق للصيف لا رسم ولا طلل..) لا يريد إخبار السامع بذهاب الصيف، وإنما يتحسّر على رحيله، وهو الغرض نفسه الذي أراده من إلقاء الخبر في البيت الثاني، حين قال: (عدل من الدمع أن يبكي المصيف..) فهو يتحسر ويظهر الأسى والحزن بسبب رحيل المصيف، وفي البيت الثالث كذلك نتحسّس ملامح التوجع والحسرة (يمنى الزمان طوت معروفها..، وغدت يسراه وهّي لنا من بعده بدل..).
جل الأبيات متآلفة ومنسجمة، بعضها لبعض خدمٌ، ففي المطلع هناك براعة، إذ تعتبر الجمل( ولا طلل، ولا قشيب، ولا سمَل) أجزاءً من معنى الجملة الأولى (لم يبق للصيف لا رسم)، وكلها جمل اتحدت في الخبرية، وتناسبت في المعنى، وتشترك في الحكم الإعرابي نفسه، ولم يكن هناك من سبب يجعل الشاعر يفصل بينها، وهذا ما يسميه علماء المعاني ب"الوصل"، هذا الأسلوب الذي شيّد المعنى الذي طلبه الشاعر، و استعمله مرات عديدة؛ نذكر على سبيل المثال قوله( كما يُبكى الشباب ويبكى اللهو والغزل)؛ إذ وصل الشاعر هذه الجمل الخبرية على جملةِ ( عدل من الدمع أن يبكي المصيف) ، وأمثلة الوصل كثيرة في النص، ساعدت إلى جانب أساليب أخرى على تحقيق انسجام النص وكمال معناه.
كما يمكننا أن نقول إن الشّاعر في مطلع القصيدة وقف موقف الباكي على طلل الصيف، وكأنه حبيبةٌ استوقفته ديارها الدّارِسة، وفي ذلك نوع من التجديد الذي طال القصيدة الشعرية العمودية في العصر العباسي. و كيف لا يبكي الشاعر الصيف وهو الجواد، المعطاء؟ . وقد خصّه بالجود وخصّ الشتاء بالبخل، هذا التخصيص الذي يسميه علماء المعاني ب"القصر"؛ إذ قصر الشاعر موصوفين(الشتاء- الصيف) على صفتين( البخل- الجود)، وهو قصر آزره الطباق( الصيف/ الشتاء، الجود/ البخل) وبأّر معناه في ذهن السامع، وفيه لوعة وتحسّر كذلك، شأنه شأن الأخبار السابقة.
استعمل الشّاعر الإنشاء الطلبي، من خلال أسلوب الاستفهام، الذي خرج لفظاه" الهمزة" في قوله (أما ترى الأرض غضبى) و"من" في قوله (من يزعم الصيف لم تذهب بشاشته) عن معناهما الأصلي لإفادة معنى آخر يستفاد من السياق؛ وهو التقرير؛ تقريرُ غضب الأرض وقلق الحصى واقتتال الأفق بالحرجف ، والنفي في البيت الذي يليه، فقد نفى الشاعر وجود من يدعي بقاء بشاشة الدهر وبِشْره. وهو ما يؤكده الخبر الابتدائي الذي ساقه: ( فغير ذلك أمسى يزعم الجبل)؛ فالجبل أمسى علامة على ذهاب بِشْر الصّيف.
صوّر لنا الشاعر الجبل في هيأة محارب باسل، وضع مغفرا على رأسه استعدادا للدخول في حرب، للدلالة على قوة العدو (البرد) وبطشه، وفي ذلك نفسِه خبر ابتدائي خرج عن حقيقة معناه إلى التعظيم ؛ أي تعظيم البرد الذي خضع الجميع تحت إمرته، بمن فيهم الشاعر.
تحمل باقي الأبيات أخبارا ابتدائية، تعدّت معناها الحقيقي إلى تأكيد عظمة البرد في خراسان وبأسه وسورته( يمسي ويضحي مقيما في مباءته، بأسه في كلى الأقوام مرتحل، لم يتزر للبرد ديدنه..)، هذه السّورة التي أعطتها الأفعال المضارعة(يمسي، يضحي، يجهل، يتزر، تراه، يشتمل) استمرارا وتجددا، و للذين بقي في أذهانهم شيء من الشك فيما يخص جبروت البرد .
وبخلاف ما سبق، أكد أبو تمام بواسطة المؤكد(إنّ) على إقدام البرد وبطولته الّذَيْن لا يمكن للجوارح أن تجهلانهما، وهو بذلك قام بتبئير ضعفه، وضعف كل من في خراسان أمام سطْوة البرد، هذا الضعف الذي جعله يلتمس اليسر من الله عز؛ كأنّ لسان حال الشاعر يقول؛ إن كان البرْد قويا، فقدرة الله عزّ وجلّ أقوى، فالخبر هنا خرج عن معناه الحقيقي إلى التعظيم؛ أي تعظيم الله سبحانه وتعالى، الذي ييسّر كل عسير، ومخرج الشّاعر من حالة الضعف التي اعترته، وجعلته يلتمس الدفء على صهوة السّير والإبل.
اختتم الشاعر قصيدته بهذه الأخبار الابتدائية( فما صلائي..إلا السير والإبل، المرضياتك ما أرغمت..، تقرب الشقة القصوى..، كانت هي العزّ إلا أنها ذلل) التي خرجت عن حقيقتها إلى غرض الالتماس، التماسُ الخروج من حالة الضعف إلى القوة من خلال الإبل التي اعتبرها فاصلا؛ يفصل بين الظلم و العزّة.




خاتــــــــــــــمة:
للطّبيعة في هذه القصيدة بلاغة، وللغة صوتٌ؛ فالصّيف وإن لم يتكلمْ، كان رحيله دون أن يترك وراءه علامة أبلغ من القول، والدّمع نفسه استطاع أن يعبر وحده بالبكاء عن فَقْد الصّيف، كما تُبكى أيام الشباب والحب، والزمان بدوره كان بليغا حين طوى بيمينه معروف المصيف، والأرض التي لم يسبق لها أن نبست ببنت شفة، ها هي في هذه القصيدة غضبى وثائرة، والحصى كذلك قلق، والأفق بدوره يقتتل. هذا الحراك، وهذه الأصوات المندفعة من الطبيعة (الأرض، الحصى، الأفق..)، سببها ذهاب بشاشة الصيف، التي إن غابت عن أحد، عليه أن ينظر فقط إلى قمة الجبل؛ إذ يكاد الثلج ينطق فوقها.
للبرد في خراسان صوت شرِسٌ؛ نكاد نسمع عُواءه، حين يكشّر عن أنيابه العُضُلِ، ليمتدّ إلى أقاصي المدينة، كأنه كلمةُ حاكم مستبدّ سليطٍ، بأسُها إلى كلّ الأقوام يرتحل، حتى الضلوع والأحشاء أصبحت تعرف عنه.
وللإبل في هذه القصيدة دفء لم يعرفْ حقيقته غير الشّاعر أبي تمام، واستطاع أن يقاسمنَا إياه، من خلال هذه الرائعة التي أدفأتنا بحق.













*بوشعيب العصبي.






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:56 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط