لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: سيب الكلاب تنبَح ! (آخر رد :حكمت البيداري)       :: تكفى لاثنين (آخر رد :رافت ابو زنيمة)       :: IL s'attendait au pire (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: لا تسألوني .../ مباركة بشير أحمد (آخر رد :رافت ابو زنيمة)       :: أشرعة من بُخار (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: كن كَلَيْثٍ (آخر رد :غلام الله بن صالح)       :: ماهي الثقافة التاريخية للمجتمعات المعاصرة - الماضي والحاضر (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: أصبح قصر الإليزيه في بعض الأحيان مكانًا اكتشفوا فيه وحدة العزلة (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: خطير: أطفالنا واللغة العربية (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: فراشة (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: شيخوخــــة (آخر رد :عادل عبد القادر)       :: القاص المتألق حسن لشهب يترجم نصي بفنية عالية إلى الفرنسية (آخر رد :عبدالرحيم التدلاوي)       :: **شَبَه بعضيها** (آخر رد :رافت ابو زنيمة)       :: مُخاصَمَتي لحبيبي الشِّعْر/ ثناء حاج صالح (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: تنين (آخر رد :نجيب بنشريفة)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > ☼ تحت الضوء ☼

☼ تحت الضوء ☼ دراسات أدبية ..قراءة تحليل نقد ..."أدرج مادتك واحصد الاشتغال فيها وعليها"

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-02-2019, 01:14 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الفرحان بوعزة
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
المغرب
افتراضي مجالسة الفرحان بوعزة لأوراق تُعاتِبُني وأتْعِبُها زياد السعودي

الناص : زياد السعودي
النص : تُعاتِبُني وأتْعِبُها
المجالسة : الفرحان بو عزة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النص :
ــــــــــــــــــــ

تُعاتِبُني
ودمعُ الجَفْنِ مِدْرارٌ
يُهرِّبُ مِلحَه الكاوي
إلى طيني فأنْصَهِرُ
وفجرُ نهاريَ الأعمى
يقودُ ركابَ قافلتي فتَعْتَثِرُ
تُعاتِبُني
وفي جَنْبيَّ نارُ الوجد تَتَّقِدُ
ولا تدري
بأنّي في النّوى السَّفَرُ
تُعاتِبُني
ونادِلُ حظّيَ الصّادي
يصبُّ الجمْرَ في عصبي فأسْتَعِرُ
يَصولُ الهَمُّ في جَسَدي
يجولُ النّحسُ في عَضُدي
طَريدٌ قدَّني الكَدَرُ
تُعاتِبُني
فتَحقِنُني دياجي غُرْبتي ثلجًا
أخاتلُ (وجْهَ خاتِمتي)
وبينَ البَيْنِ والأشواقِ أُحتَضَرُ.
تُعاتِبُني
فأرسِلُ عيسَ أعْذاري لدارَتِها
أسوقُ الحَرْفَ قدّيسًا
فيتلوها وَيَنْبهِرُ
فذا شِعْري سأنْزِفُهُ
على قسماتِ صَعْلكَتي
وأسْقيهِ لظى أرَقي
ليلسَعَ شَهْوةَ الوَرَقِ
وَيَحرِقُنا لَهيبُ البَوحِ نَنْتَثِرُ
تُعاتِبُني
وشَوقي نَوْرَسٌ يَهْفو
لأن يَغْفوعلى فيروزِ "شاطيها"
وبَردي لم يزَلْ يَرْنو
لأن يَدْنو لِيدفَأَ في أياديها
إذا جَفَّتْ عُروقُ الطين في جسدي
أتَتْ غَدْقًا بمزنِ الطُّهرِ تسْقيها
وذا بوحي يُحاول أنْ يعمِّدَها
تحارُ بِحسنِها الأشعارُ توصيفًا وتشْبيها
تُعاتِبُني وتُتْعِبُني فأتبَعُها
لأقرأَ في مُحيّاها
عيونًا زانَها حَوَرُ
على وجَناتِها سِحرُ
يذوبُ بدفئهِ النّثْرُ
يخصِّب ديمةَ المَعْنى
فَيَرشَـــــــــــــــــــحُ
كالنّــــــــــــــــدى
الشِّـــــــــــعرُ

المجالسة
ـــــــــــــــــــــ

1 ـــ العنوان
تعاتبني/ يمكن اعتبار هذه الجملة الشعرية من العناوين المثيرة للفضول والتساؤل ،مع محاورة لأفق وانتظار القارئ في سياق تحفيزه وإثارة اشتهائه الشعري .فالعنوان يسم النص ويسميه ليصنع فرادته وسيولته داخل الخطاب الشعري ،شاهدا على انسجام عناصر الأبيات الشعرية التي تشكل " سبيكة " ترتكز على وحدة عضوية ونفسية في آن واحد.فيمكن اعتبار العنوان أنه يدخل ضمن عملية " إخبار" واستشعار للقارئ ،وربط علاقة متوترة بينه وبين الشاعر .إنها تعاتبه /فمن تكون ؟ ومن هي ؟ ولماذا؟.. إنها انطلاقة من أجل التصور والتخمين ،مع بداية التأويل الممكن والمنسجم ما بعد قراءة النص واستكماله .وإن كان أغلب الظن أنه أن الشاعر يتحدث عن أنثى.بمعنى لا يخرج التأويل عن ذات أخرى تتميز بالحس والشعور والغضب والثورة العاطفية .مع قدرتها على التجاوز والتحاور والنسيان ،عوامل قد تؤدي إلى التغير وتبدل الوضعية من التأزم إلى الانفراج . فالعتاب لا يكون محصورا في الكلام ،فقد يتجاوزه نحو صفات أخرى ترتبط بالحركات : الصراخ/ التجهم /الصمت/ التهميش/ الانفعال/ إسقاط العين/ الابتعاد / التراجع / اللامبالاة / ....
تعاتبني / هي حركة تجسدت بين اثنين ،حالة غير مألوفة بينهما،وقد تقع في الكواليس ،وأعتقد أن العتاب كبر ونما وشغل حيزا كبيرا من الزمن ،مما دفع بالشاعر أن يصرح به لما بلغت حالة العتاب ذروتها .فكان البوح والاعتراف هو السبيل للكشف عن غطاء النفس والذات، معاناة وخزت مشاعره ، وصدمة مفاجئة خلخلت حالته .وأزمة نفسية حركت حواسه...
2 ــــ الاعتراف بالأزمة
يقول الشاعر:
ودمعُ الجَفْنِ مِدْرارٌ
يُهرِّبُ مِلحَه الكاوي
إلى طيني فأنْصَهِرُ
وفجرُ نهاريَ الأعمى
يقودُ ركابَ قافلتي فتَعْتَثِرُ
لقد سقط الشاعر في أزمة نفسية ، فحاول أن يقربنا من شدة أزمته برسم صورة خارجية تتجلى في البكاء الشديد. فرسم لنا الصورة بالتفصيل ليقربنا من الحالة فقال: ودمعُ الجَفْنِ مِدْرارٌ
يُهرِّبُ مِلحَه الكاوي
إلى طيني فأنْصَهِرُ
فالشاعر لم يقل /ودمع العين مدرار / فمصدر الدمع هو العين ، ولما تدر العين دموعا كثيرة دفعة واحدة ،فإنها تمتلئ بالدمع المالح ،وقسرا تبحث عن منفذ تصرف من خلاله ما تجمع من دمع إلى خارج العين ،آنذاك يؤمن الجفن مجراه إلى الخارج ،/يهرب الملح الكاوي/ فأي ملح يعنيه الشاعر ؟أهو ملح الدموع أم ملح العتاب الذي تشكل في بؤرة العين والنفس والذات ؟ والأقرب هو ملح الدمع الحارق الذي يتسرب بين مسافة الخد والذقن والعنق ،وربما يغزو معظم صدره .. إن الشاعر يحاول أن يجد انسجاما بين قوة أثر العتاب وانهمار الدمع وتدفقه على جسمه، كما يتدفق الماء على الطين فيحلله ويبعثره .إنه تشبيه واسع ومستحدث مبني على خلفية أن الإنسان خلق من طين،ليثبت لنا أن إمكانية اختراق الدموع للجسم ممكنة الوقوع.
فحالة انهمار الدموع توازيها حالة انهيار النفس والذات ،الأولى صورة خارجية ،والثانية حالة داخلية .وقد أفلح الشاعر في رسمها ،وأجاد في تركيبها عن طريق لغة تتساوق مع الفكرة المراد توصيلها للقارئ.إنه اختراق للمألوف ..وقد يعده البعض من المبالغة وتهويل الحدث. فما دامت الحالة ممكنة الوقوع فهي قد لا تمس كل الناس ،لكن ،هي حالة خاصة بالشاعر وقد تمس الكثير من الناس أصحاب النفوس التي تتأثر بسهولة ، فما فائدة الشعر إن لم يبتعد عن المألوف والمتداول بين الشعراء ،إن الشعر بناء وتوليد للفكرة ،وتشكيل للمعنى من جديد ،فالمعاني مطروحة في الطريق كما قال الجاحظ ،وهي مشتركة بين جميع الناس ،لكن الاختلاف يكمن في كيفية تصويرها وتشكيلها من جديد بلغة شفافة مكتملة النضج تتساوق مع المشهد ، لغة تسير إلى أدق الأشياء النفسية وخارجها ، والتي تتابع الفعل في حالة الحركة والتحول ،والتكوين .
انتقل الشاعر من الذات الداخلية وما اعتراها من تغير وتبدل إلى ما هو خارجي عن لغة مدهشة ومفاجئة تترصد لقوة التأثير .
وفجرُ نهاريَ الأعمى
يقودُ ركابَ قافلتي فتَعْتَثِرُ
اختار الشاعر كلمة "الفجر" للفصل بين زمنيين ، زمن الليل وزمن النهار./والليل إذا أدبر ، والصبح إذا أسفر /انتقال من الظلمة، والدخول إلى نور النهار، حالة طبيعية تتجدد كل يوم ،فما يجري في الكون من اختفاء الظلام وبروز النهار يختلف عن ما يجري في نفسية الشاعر، فقد امتدت ظلمة نفسه رغم وجود نور النهار، فكان النهار/الأمل لم يستطع أن يحارب أزمته ،ويزحزحها أو يغيرها ويقودها نحو انفراج ممكن ،فأزمة العاب خنقته لأنها ما زالت رابطة ،وحالتها ما زالت مستقرة ،لذلك وصف النهار بالأعمى ،إن الشاعر يرى ظلمة نفسه تحاصره وتحول دون قيادة قافلة الأيام على الأمام ، فهي تتباطأ في مسيرها نحو الحل ، ولا أمل في فتح كوة في المستقيل.
تعاتبني/ عتابها غير حياته ،فعل ،وسلوك ،وانحراف طمس منافذ الحوار ،فلم يعد الشاعر يتحكم في نفسه ، بل فشل في الخروج من محنت ،فشل كذلك في تنقية الأجواء مما دفعه للاعتقاد بأن قوة خارجية ومؤثرات مفتعلة تدخلت نكاية فيه. تتجلى في سوء الحظ الذي أحدث ضجة كبرى هزت نفسه وفكره وذاته،إنه يشبه ذاك الصوت الذي يرتطم بجسده ليؤكد صلابة موقفها من العتاب ربما المفتعل.إنه إحراق للأمل،واستفحال للهم، وانتصار للنحس. فماذا كانت النتيجة ؟
عوامل كثيرة تكالبت عليه منها: الاحتراق بالجمر/ النحس/ سوء الحظ العاثر/ كلها أدت إلى نتائج سلبية وعلى رأسها: الطرد من المكان ،والتيه والضياع.
فتَحقِنُني دياجي غُرْبتي ثلجًا
أخاتلُ (وجْهَ خاتِمتي)
وبينَ البَيْنِ والأشواقِ أُحتَضَرُ.
للغربة ظلمة ، ودياجي متنوعة.استعمل الشاعر كلمة /فتحقنني/ ولغة الحقن لا تختلف عن تكة الإبرة التي تحمل بلسما وشفاء ، هناك مفارقة في هذا التعبير الشعري تتجلى في تميز حقن من نوع آخر وهو أن الدياجي حقنت جسمه بالثلج الذي قد يتسبب له برودة حادة في الجسم والنفس والفكر، فيعمل الثلج المتسرب على شل حركته وعدم قدرته على المبادرة،وعجزه التام على زحزحة التشتت الفكري والنفسي. فيدخل في متاهة الترقب لنهايته وهو يحتضر. مرة يختال، ومرة يماطل ، وأخرى يتحايل قبل الوصول إلى خاتمته . والمؤسف سوف يبقى قلبه موزعا بين البين والأشواق.
3 ـــ الانتقال المفاجئ/ نهاية وبداية
فأرسِلُ عيسَ أعْذاري لدارَتِها
أسوقُ الحَرْفَ قدّيسًا
فيتلوها وَيَنْبهِرُ
فذا شِعْري سأنْزِفُهُ
على قسماتِ صَعْلكَتي
وأسْقيهِ لظى أرَقي
ليلسَعَ شَهْوةَ الوَرَقِ
وَيَحرِقُنا لَهيبُ البَوحِ نَنْتَثِرُ
حاول الشاعر أن يفضفض اللحظة ،ويزحزح النفس والأحاسيس والخواطر نحو انبعاث جديد .بالصبر والجلد وطرد رتابة اليأس والفتور ، وبرودة النفس والحيرة الرابضة في عقله والتشويش الهادم لفكره ، فبعدما عاش في دوامة كبيرة ، ومتاهة متنوعة المنافذ، مدة وهو يدور حول نفسه وذاته وفكره دون جدوى انبرى كفينيق جديد إلى الوجود بعدما استدفأ برماده المحترق، برودة أنتجت حياة جديدة فاستطاع أن ينسل من سجنه عبر إحداث ثقب في الوضعية ،فأطل على الواقع بتليين الموقف ،وهو الرضوخ للاعتذار وتقديم أعذاره عبر نهر شعري فياض يحمل الخصب والنماء في القلب.
4 ــــ الاستفادة من الأزمة
عرف الشاعر كيف يخرج من أزمته. فقد استفاد من اللحظة ،فكانت مصدرا للإبداع الفني والشعري .إنها لحظة البوح والاعتراف والانفجار الجاد والمنظم المبني على الهدوء وإتباع ما يمليه القلب من قول وشعر وحرف له هيبته . بعيدا عن سلطة الغضب والتوتر والقلق والاندفاع .فالشاعر أحس باعتزاز كبير ،وغزارة في إنتاج الحرف الشعري وتشكيله بتلقائية دون تكلف أو تصنع .سوف يسوق شعره المهيب والقديس المرتكز على الإيمان والرجاء والمحبة. سوف يعتبر نفسه بطلا لما يقدم أعذاره بصدق ووفاء في ركب من العيس محمل بالثبات على الحب الوفي والصدق الدائم مهما تغيرت القلوب ،ومهما ضعفت المواقف .شعر يقده من قلبه يبهر الموكب أثناء ترداده . إن الشاعر يكابد ويجاهد نفسه في استنزاف قوته الإبداعية ، وشحذ همته وقريحته الشعرية عبر صفحات وصفحات من الورق أملا أن تتذوق الكلمة الشعرية فتغير موقفها من العتاب إلى التجاوز والنسيان. تدخلت عوامل نفسية قد تساهم في بناء حياة جديدة ، وبداية جديدة تنسل من نهاية العتاب الذي خلق الأزمة ..
5 ـــ سلطة الشوق
وشَوقي نَوْرَسٌ يَهْفو
لأن يَغْفو على فيروزِ "شاطيها"
وبَردي لم يزَلْ يَرْنو
لأن يَدْنو لِيدفَأَ في أياديها
إذا جَفَّتْ عُروقُ الطين في جسدي
أتَتْ غَدْقًا بمزنِ الطُّهرِ تسْقيها
وذا بوحي يُحاول أنْ يعمِّدَها
تحارُ بِحسنِها الأشعارُ توصيفًا وتشْبيها
شوق الشاعر له تغريدة خاصة ،شوق له من القوة والقدرة على التحليق في الأعلى مدة طويلة ، يحمل في طياته نسمات البرد المستقر في روحه ، بــرَد يقترب منها شيئا فشيئا لامسا يديها، وكلما تعدد اللمس كلما تدفأت روحه وانتعشت عروقه بعدما جفت من قبل وتيبست . ذلك البرَد تحول إلى ماء طاهر يساهم في سقي اللحظة بالحب والنقاء والطهارة . إنه السقي والارتواء والاغتسال في نفس الوقت، إنه التسامح وذوبان الجليد ،إنه البوح الفياض الذي جاء كوحي هبط من الأعلى من أجل تعميدها من جديد. فكلمة " يعمدها" لا تعني التعميد الذي يمارسه اليهود والنصارى ، فهو يعني أنه سوف يقدم لها ماء طاهرا تغتسل به، ماء نقيا يأتي من مزن طاهر ومن وحي شعر طاهر لكي تزداد بهاء وصفاء وجمالا يحار الشعراء في تتبع جمالها المتعدد.
تُعاتِبُني وتُتْعِبُني فأتبَعُها
لأقرأَ في مُحيّاها
عيونًا زانَها حَوَرُ
على وجَناتِها سِحرُ
يذوبُ بدفئهِ النّثْرُ
يخصِّب ديمةَ المَعْنى
فَيَرشَـــــــــــــــــــحُ
كالنّــــــــــــــــدى
الشِّـــــــــــعرُ
فرغم استمرارها في العتاب فإنها تنساق لأشعاري. فأتبعها وأجاريها من جديد رغم تمنعها، فكلما دققت في محياها ازدادت جمالا في عيني، حور في العينين، خدان ساحرتان، وهما كافيان لتحفيز إلهامي الشعري والنثري ..
فالشاعر من خلال هذه القصيدة الشعرية هو هادم لحياة وصانع لحياة جديدة، حياة قوامها التأزم والبؤس والشقاء، وحياة قوامها الأمل والانفراج والبناء. فالشاعر تعرض لمأزق حرج خلخل حياته. فلم يتحمل العتاب وتأثيره القوي ،ولم يخطر على باله أن سوف يعاتب يوما ما.مأزق نفسي دفعه أن ينعت نفسه بالضائع والمتشرد ،بل بالجريح والطريد ..فالأيام وقفت في وجهه ، فكان الحظ العاثر يقف ضد خطواته، والنحس الذي برز كظلام يعيق سطوع الانفراج. حالة نفسية حادة يعيشها الشاعر، جعلته يدور حول نفسه في زمان لا يتقدم، ومكان لا يتغير فضاءه .
في بداية القصيدة انشغل الشاعر بسرد حكاية العتاب الغامضة التي تتأرجح بين الارتباك والإثارة والتساؤل، بين التشويق والبحث عن مسوغ مقنع للعتاب. فالشاعر استطاع أن يعطينا صورة كاشفة لحالته النفسية وما آلت إليه من تراجع وتراخ وإهمال ،وضعف في العزيمة مع عدم القدرة على المواجهة والرد المفسر لقضية "العتاب" . فإشكالية العتاب تعتبر دعامة أساسية لتوليد هذه القصيدة الشعرية الشيقة، وهي تيمة غنية بالمعاني النائمة وما يترتب عنها من أخذ ورد وكلام وحوار ومواقف وسلوكات معينة ..
والملاحظ أن الشاعر أجاد في اختيار لغته العاشقة ،لغة ينحتها من معاني وجدانية تتسم بالصفاء والطهارة والتقديس ، واحترام الذات الأخرى دون الإغراق في العشق الجسدي، وعرض المفاتن المربكة .عشق قريب من الحب العذري الذي اصطلح عليه بالحب الرومانسي .
إن الشاعر صنع من نفسه وجوارحه وأزمته الخانقة "سبيكة " شعرية كما قلت سابقا تتسم بالقلق والتوتر والحيرة ،والتلهف إلى معرفة سبب العتاب ،أهو عتاب من أجل إيقاظ مكنونه المناجاة ،؟ أهو عتاب من أجل رغبته التي لم يكن قادرا للبوح بها؟ أهو عتاب من أجل طرد صمته القاتل؟ أهو عتاب من أجل تحفيز الإلهام الشعري /الفني ؟ أهو وسيلة للتعاطف والإثارة الروحية التي تخلفه طبيعة الجمال في نفسية الفنان المبدع ،والرسام البارع القادر على تصوير المواقف والمشاهد بلغة شعرية جذابة بدل الألوان المغرقة في الغموض.
فرغم تكرار كلمة "تعاتبني " ست مرات في القصيدة ،فهي لا تعتبر من التكرار الممل..بل هي صرخات القلب العاشق المتواصلة لتحطيم العتاب المستمر.إنها حساسية الشاعر المجروح الذي يعيش صدمة لم يكن يتوقعها. تكرار "تعاتبني" يدل على امتداد العتاب أياما وأياما. مما يكون لديه ضغطا كبيرا على النفس/فزع/قلق/ أسف/يأس/توتر/انفجار/ ....
6 ــــ مختصر لبنية القصيدة
وصف نفسية الشاعر ـــــ حالته النفسية والفكرية ـــــ الأزمة ــــ الانغلاق التام ـــ الاحتضار ـــ الإنعاش ـ ــ الرضوخ للاعتذار ـــ التقرب من الذات الأخرى ــ التحليق مع الأمل ـــ الإلهام الشعري ــ اكتشاف الجمال الجديد ..
7 ـــ دلالة الجملة الاسمية والفعلية
ارتكز الشاعر في بناء قصيدته الجميلة على الجمل الاسمية التي تدل على الصفة بثباتها ودوامها بالجمع بين الاسمية والإخبار بالفعل. وقد تدل على التأكيد أيضا:/ودمع الجفن مدرارا/وفجر نهاري الأعمى/ونادل حظي الصادي/ طريد قدني الكدر/وشوقي نورس يهفو/ وبردي لم يزل يرنو/على وجناتها سحر.
أما الجملة الفعلية فالأصل فيها الحدوث والتجدد. والشاعر أكثر منها: /يهرب/يقود/يصب الجمر/يصول الهم/أخاتل/ فأرسل عيس أعذاري/أسوق الحرف قديسا/فيتلوها/ وينبهر/واسقيه لظى أرقي/ويحرقنا لهيب لأن يغفو/ لأن يدنو/إذا جفت عروق الطين/ أتت غدَقا/تحار بحسنها/لأقرأ في محياها/البوح/ يذوب بدفئه النثر/ يخصب ديمة المعنى/فيرشح كالندى الشعر.. فإن كان الحال والموقف ثابت دائم، كانت الجملة الاسمية أنسب، وإن كان الحال والموقف حادث متجدد. فالجملة الفعلية أنسب لأنها تفسح المجال لتدفق الشعر من دواخل النفس كماء سلس عذب شفاف ورقيق ، له مذاق السمع والقراءة.
فالبناء اللغوي الذي اختاره الشاعر يتميز بين قوة الكلمة الشعرية وامتلائها بدلالات خفية.. وإن كان الشاعر يطبع تجربته الشعرية بطابع المسالمة والمهادنة والمصالحة. وقد استطاع في نهاية القصيدة أن يفتح عالما جديد مع إزالة قفل العتاب الذي عكر حياته.
فأزمة العتاب كونت الشاعر وصنعت منه شاعرا ذكيا استنجد بثقافته الواسعة. وكم من ألم جارح كان محفزا للإبداع الجيد والصادق. فكلما ضغط الألم على النفس إلا واكتسبت رهافة الحس، فتتحول النفس إلى أرضية خصبة يتكاثر فيها الحرف والكلمة واللغة المشحونة والممتلئة.
العتاب هنا له نكهة خاصة وإيقاع خاص، عتاب ينطوي على تجريب الرومانسية في حلتها الجديدة المعاصرة ،رومانسية حالمة تتأرجح بين الموضوعية والفنية. فالحزن والضعف والقلق وفقدان طعم الحياة ، والتألم إلى حد السقم والضعف الجسماني ،والجهد والإرهاق ... كلها مقومات تشكل ما هو وجداني ورومانسي. والشاعر لا يبتعد عن هذا كأنه يعلن هويته الشعرية.
وخلاصة القول، قصيدة شعرية وازنة ،محكمة البناء والصياغة ، تدفقت دون تكلف من دواخل النفس والذات والفكر. تتميز بروح الصدق والوفاء ،نقية في لغتها،وعميقة في معانيها. أتمنى أن تكون قراءتي أرضية لانطلاق قراءات أخرى ،دمت مبدعا متألقا أخي زياد..محبتي وتقديري .








  رد مع اقتباس
/
قديم 19-02-2019, 03:22 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: مجالسة الفرحان بوعزة لأوراق تُعاتِبُني وأتْعِبُها زياد السعودي

سلام الله
مارستم وعيكم الفنان
على متواضع بوحنا
فاحدثتم فارق التلقي
واستفدنا من سبركم لاغوار النص جم الفائدة
قبائل شكر لكم
على هذا الجهد الفني المدهش
الذي أضاء على النص
ومحبة






  رد مع اقتباس
/
قديم 20-02-2019, 10:26 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
جمال عمران
فريق العمل
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية جمال عمران

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

جمال عمران غير متواجد حالياً


افتراضي رد: مجالسة الفرحان بوعزة لأوراق تُعاتِبُني وأتْعِبُها زياد السعودي

أخى زياد
قرات النص ..وقرات مداخلة أخى بوعزة ..
ياللروعه فى القصيدة وياللروعة فى الغوص فى أعماقها..بحر من قصيد ..وغواص يملك أدوات البحث ..فكان اللؤلؤ.
مودتى






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:19 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط