لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: عصبُ الحياة (آخر رد :ناظم الصرخي)       :: ظلم !. (آخر رد :عبير محمد)       :: التسامح (آخر رد :عبير محمد)       :: رقص على الجراح (آخر رد :عادل ابراهيم حجاج)       :: شكرا لهم ..! (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: عُثمانُ والقُمصانُ والوطنُ السليبْ (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: ○○◘إلــــــي أمـــــ♥ــــــي ○○◘ (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: حروف بلا أرصفة (آخر رد :يزن السقار)       :: إبليس يزور أرض العربان..؟! (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: إنعتاق ق ق ج (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: صمت الّليل (آخر رد :الزهراء صعيدي)       :: الوطن ...أرقام! (آخر رد :مصطفى الصالح)       :: لأجل غزة (آخر رد :مصطفى الصالح)       :: أنا الفينيق \ م الصالح (آخر رد :مصطفى الصالح)       :: الحرب على النور \ م الصالح (آخر رد :مصطفى الصالح)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ۩ عَمّــــــــون ⋘

۩ عَمّــــــــون ⋘ مكتبة الفينيق ...... لآل فينيق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-08-2017, 06:30 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

لماذا الاهتمام بقضايا نظرية في أجواء ملتهبة؟

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
لماذا الاهتمام بقضايا نظرية في أجواء ملتهبة؟


- تقديم الملف: لماذا الاهتمام بقضايا نظرية في أجواء ملتهبة؟
- أولاً: الحرية والديموقراطية مفهومان متكاملان ومتلازمان
- ثانياً: المسألة الديموقراطية في منظور الحركات الإسلامية.
- ثالثاً: الديموقراطية وتلازمها مع العلمانية.
- رابعاً: المفهوم العلماني في منظور الحركات الإسلامية.
-خامساً: مفهوما الديموقراطية والعلمانية في منظور الدول العظمى.
- سادساً: المسألة العلمانية من وجهة نظر قومية.
- سابعاً: مفهوم الحرية والديموقراطية عند الأحزاب العقيدية
- ثامناً: لكي لا يكون مبدأ نفِّذ ثم ناقش مقبرة لإبداع المفكرين.
في 14/ 3/ 2017 حسن خليل غريب



تقديم الملف:
لماذا الاهتمام بقضايا نظرية في أجواء ملتهبة؟
في جلسة حوارية مع بعض الأصدقاء الغارقين في هموم الأمة العربية، أثارت فكرتي بأن نقوم بتسليط الضوء على قضية الحرية والديموقراطية. فسأل بعضهم عن جدوى التنظير في أجواء الأمة الملتهبة، بل ألحَّ على أن نوفِّر الوقت بالبحث الميداني لما يجري على مساحة الوطن العربي وإصدار مواقف منها.
وردَّ البعض بأن البحث الميداني هو عمل صحفي يجب أن يستند إلى أخبار موثوقة، ولكننا لو تابعنا كل وسائل الإعلام لما وجدنا ما هو موثوق لكي يؤسس لمواقف رصينة، فالإعلام موجَّه من قبل من يستطيع توفير نفقاته، وهؤلاء بدورهم يصوغون الخبر بما يتوافق مع مصالحهم.
ومن لديه الإمكانيات لتأسيس وسائل الإعلام وتغطية نفقاتها الكبيرة، لا تهمه مصداقية الخبر. فهو إذا لم يبتكره بما يتناسب مع أهدافه، فيضعه بالصيغة التي تخدم تلك الأهداف، لا بل يعمل على تشويه الأخبار الحقيقية ويُعتِّم عليها. ومن هنا تكون مهمة الأقلام الملتزمة بقضايا الأمة القيام بغربلة الأخبار من شتى المصادر والمنابع قبل الاستناد إليها في صياغة الموقف.
ومن أجل إنجاح مهمة الغربلة، لا بُدَّ من أن يستند المغربلون إلى أسس نظرية تكون وحدها الوسيلة الأساسية في تصويِب اتجاهات الموقف. ولذا يترتب على من يتصدَّى لمشاكل الوطن العربي الراهنة من أن يكتسب خبرة نظرية في شتى مجالات الفكر خاصة ذات العلاقة بالأحداث الساخنة. وخلص إلى القول بأن الموقف السياسي بحاجة دائمة إلى عمق فكري نظري. وحاجتنا إلى امتلاك هذا الفكر يوجب علينا أن نقوم بالتنظير في أجواء ملتهبة لوضع أسس ومفاهيم ثورية تعبِّر عن القضايا التي تتم معالجتها، وبالتالي فإن الغوص في الأعماق النظرية لمن يقبعون في الخنادق حاجة وضرورة، كما أنه ليس ترفاً فكرياً لمن هم بعيدون عن الخنادق الساخنة.
وبدوري قمت بالمداخلة التالية: بعد احتلال العراق في العام 2003، استأنفت الكتابة عن قضية العراق قبل الاحتلال، بمقالات عنها بعد الاحتلال. وبالإضافة إلى المقالات والأبحاث التي نشرتها قبل نهاية العام 2003، فقد أعددت خطة لصياغة بحث بحجم كتاب، وباشرت في تأليفه وأنجزته قبل مرور أربعة أشهر على الاحتلال.
في حينه، وقبل نشره، نصحني أحد الأصدقاء أن أقلع عن فكرة النشر لأن الوضع كان ما زال غامضاً في ظل غياب الأخبار، أو قلَّتها وخاصة من القيادة الحزبية. وكذلك إصدار مقالات بهذا الشكل المبكِّر سيكون مشوباً بالأخطاء. وسألني بعد ذلك قائلاً: ألا تعتقد أن ما تقوم به هو ترف فكري لأنه مبني على الحدس النظري فقط وبعض الأخبار القليلة؟
فأجبته إن ما أمتلكه من أبعاد نظرية حول حزب البعث، بالإضافة إلى ما كنت أطلِّع عليه من معلومات على قلتها، سيشكلان حصانة لي من الوقوع بأخطاء استراتيجية. ولاحقاً بعد أن أخذت الأوضاع في العراق تميل نحو وضوح جزء من الصورة، راحت حقائق الوضع تؤكد على إصابة تحليلي في معظم جوانبه.
ولذلك تابعت مداخلتي في الجلسة الحوارية، قائلاً: إن وضع الإعلام المعادي، الهائل التشويه والتعتيم، بالإضافة إلى قلة مصادر الأخبار الموثوقة المتوفرة لدينا، وعجزنا عن امتلاك أي وسيلة إعلامية لكلفتها المادية العالية، يدفعنا إلى تحصين مواقفنا بالدلائل النظرية. وما نشرته سابقاً، وما سأقوم بنشره حالياً، يصب في مصلحة الثقافة القومية خاصة في المرحلة الراهنة التي تشتعل فيها النيران من كل حدب وصوب لتكون المفاهيم النظرية مقياساً تقاس عليه المواقف السياسية لتكون أقرب للموضوعية منها إلى المغامرة غير المحسوبة. وإذا كانت تلك هي أهداف البحث في مسائل نظرية، فهي لن تصبَّ على الإطلاق في دائرة الترف الفكري، التي أشار إليها بعضكم الآن، والتي سبقكم إليها آخرون عندما واجهوا بها ما قمت بإنتاجه في الأشهر الأولى بعد احتلال العراق.
واستطردت بالمداخلة متسائلاً: وهل كل الذين سبقونا في وضع أهم النظريات، التي ما زلنا ننهل من معينها منذ آلاف السنين، قد صاغها واضعوها في أجواء هادئة؟ أم أنهم وضعوها في أجواء ساخنة وملتهبة؟ وهل كانت تلك النظريات وليدة حالة من استرخاء مرَّ بها المفكرون القدامى والجدد، أم أنها وُضعت بناء لحاجة المجتمعات التي كانت تصارع الظلم والاستغلال والجهل؟
لقد وضع أرسطو وسقراط وإفلاطون نظرياتهم وهم يعانون من حالة صراع بين المفاهيم القديمة والحديثة. وهل دفع سقراط حياته لأنه كان يمارس ترفاً فكرياً؟ أم أنه كان يصارع تيارات التخلف والصنمية في مواجهة الكهنة؟
وهل وضع من وضع نظرياته من الفلاسفة العرب منذ أكثر من ألف سنة إلاَّ في أجواء ملتهبة من الصراع الطائفي الذي كان يقف من ورائه لفيف ممن يعتقدون أنهم حراس للشريعة؟ وهل ننسى ما دفعه المفكرون العرب في ذلك الزمن من أثمان باهظة في مواجهة أولئك الحراس؟ وهل ننسى أنه منذ حُكم على كتب ابن رشد بالحرق، أقفلت بوابات العقل التي ما نزال ندفع أثمانها حتى الآن؟
وهل وضع من وضع من فلاسفة الغرب نظرياتهم إلاَّ في أجواء سيادة محاكم التفتيش الرهيبة التي كان قضاتها ممن يعتبرون أنفسهم حاكمين باسم القدرة الإلهية؟
وهل... وهل....؟
وأنهيت المداخلة عن ضرورة الكلام عن نظريات الحرية والديموقراطية قائلاً:
إن هذين المبدأين تخاض اليوم باسم تصديرهما أقسى أنواع التنكيل بشعبنا العربي.
إن أقسى الخلافات التي تخاض بين الدول الكبرى والصغرى سببها أن كل دولة تعتبر أن حدود الحرية والديموقراطية تقف عند حدود حريتها الفالتة من أي قيد أو شرط.
وإن أقسى الصراعات اليوم بين الشعوب والأنظمة تدور رحاها على قواعد حق الشعوب بالحرية والديموقراطية.
وهل ندفن رأسنا في رمال الخلافات داخل الأحزاب اليسارية نفسها بسبب تسلط البعض واجتهاداتهم الخاصة في وضع حدود للحرية والديموقراطية والعمل على تقييدهما؟









  رد مع اقتباس
/
قديم 07-08-2017, 10:45 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

الحرية والديموقراطية مفهومان متكاملان ومتلازمان

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة الثانية)
أولاً: الحرية والديموقراطية مفهومان متكاملان ومتلازمان



لغوياً: عن التكامل والتلازم:
تكاملتِ الأشياءُ : كمَّل بعضُها بعضاً بحيث لم تحتج إلى مايُكمِّلها من خارجها. وتلازم الشَّيئان تَعلَّقا تعلُّقًاً لا انفكاك فيه.
ولماذا أطلقنا مصطلح التكامل والتلازم بين مفهوميْ الحرية والديموقراطية؟
إن الحرية قيمة إنسانية مطلقة، وهي تعبير فلسفي قديم قائم بذاته، أطلق لتأكيد حق الإنسان في أن لا يكون مقيَّداً من أية سلطة أخرى. وهي تعني حرية التفكير من دون قيد أو شرط. وحرية الاعتقاد من دون إكراه. وحرية الانتماء بقناعة ذاتية من دون إلزام. إذن الحرية حقيقة مطلقة ما دام الإنسان يعيش بمفرده بعيداً عن الآخر.
وأما الديموقراطية، فهي تعبير سياسي حديث، وهو الجانب التنفيذي لقيمة الحرية في الحالات التي تجمع أكثر من إنسان فرد واحد. ولأنه جاء لينظم العلاقات بين فردين أو أكثر، كان من أهم وظائفه أن يوفِّق بين حريات مختلفة. لذا جاء ليعترف بحق كل فرد بالتفكير والاعتقاد واتخاذ القرار، ولكن على شرط أن يعترف الفرد بحق الآخر في التفكير والاعتقاد واتخاذ القرار. ولأن الفرد ملزم بمشاركة الآخر بالحقوق ذاتها، ولكي لا تصل ممارسة الحقوق إلى حدود التناقض الذي يؤدي إلى انفصال الواحد عن الآخر، جاء مصطلح الديموقراطية لكي يلزم كل فرد بالتنازل عن حقه في القرار لمصلحة قرار الجماعة، فساعتئذٍ تبدأ مرحلة الإلزام، أن تفقد الحرية صفتها المطلقة لتصبح حرية نسبية، وتخضع حرية الفرد للقيود لأنها أصبحت مرتبطة بحرية الآخرين. وهذا ما يصح القول فيه: (تنتهي حريتي عند حدود حرية الأخرين).
بناء عليه يتكامل مفهوم الحرية مع مفهوم الديموقراطية ويتلازمان.


الحرية والديموقراطية من المفهوم الفلسفي إلى المفهوم السياسي
من أكثر المفاهيم المعاصرة إشكالية هي العلاقة بين الحرية والديموقراطية، سواءٌ أكان الأمر متعلقاً بحياة الأفراد كخصوصيات شخصية، أم كان داخل المجتمعات الإنسانية التي تتطلب مفاهيم خاصة تواكب حالة التوازن القيمي بين الفرد والآخر. وهذا ما يُلفت النظر إلى ضرورة الاهتمام بعلاقات الدول فيما بينها وصولاً إلى توحيد مفاهيم الحرية كناظم إنساني وقيمي بين الدول المعاصرة كحاجة وضرورة في بناء علاقات متوازنة لا تطغى عليها عوامل القوة والمصالح الضيقة.
من استعراض العناوين أعلاه، يظهر مدى تعقيد هذه المسألة، ومدى اتساع إشكالية البحث عن وضع حلول تضمن حرية الفرد من دون المساس بحريات الآخرين، كما تضمن حقوق المجتمع الواحد من دون المساس بحرية المجتمعات الأخرى. وتضمن أيضاً حريات الدول من دون المساس بحريات الدول الأخرى.
يبدو مما ذُكر أعلاه أن مدى أهمية الحرية كمفهوم إنساني قيمي عام، يكشف مدى أهمية البحث عن الديموقراطية كوجه تطبيقي يضع الحلول السليمة لشتى أنواع العلاقات الإنسانية انطلاقاً من علاقة فردين اثنين وصولاً إلى علاقة سليمة بين شتى أنواع المجتمعات الإنسانية. وهذا بدوره يكشف عن مدى اتساع هذه الإشكالية، وعظم المهمة الموكولة إلى كل من يتجرأ ويدخل في البحث عنها.
وعلى الرغم من كل ذلك، ولكي لا يكون السؤال مهمة أساسية لوحده، يمكن أن يشكل البحث عن جواب مهمة أخرى لا تقل أهمية عن السؤال. واستناداً إلى ذلك سنتقدم ببعض ما يفرضه علينا عبء التفكير والتنظير. ولذلك سننطلق بداية من محاولة تكثيف لتعريف الحرية والديموقراطية، على أن تكون فاتحة لمواكبة مجموعة أخرى من الأسئلة التي تتعلق بتطبيق مبدأ إنساني يتعلق بالحرية التي شغلت بال كل من انخرط في هموم الفكر ومشاكله ومشاغله وما جرَّ إليه من نكبات شخصية تعرَّض لها معظم المفكرين على مدى التاريخ الفكري السحيق.


أولاً: الحرية مفهوم فلسفي والديموقراطية مفهوم سياسي
1-الأبعاد الفلسفية والسياسية للحرية.
موضوع الحرية هاجس دائم، يبحث عنه الإنسان، أياً كان عمره، وأياً كان مستواه وموقعه. هذا الموضوع لا يكتسب معناه، ولا يرتسم مشكلة في ذهن الفرد وتساؤلاته سوى في الوقت الذي يلتقى فيه، هذا الفرد، مع الآخرين، وفي الوقت الذي تظهر فيه قضية ما في دائرة التعارض أو التناقض بين حدين: الأنا والآخر.
الفرد المنعزل، عن غيره من الأفراد، في أفكاره وطموحاته وحاجاته، لا يشعر أنه بحاجة إلى أن يطرح السؤال: إلى أي حد يُسمح لي بأن افكر كما يحلو لي، وأن امارس، دون عوائق أو حواجز، ما أعتقد أنه صحيحاً.
الفرد/ الإنسان، يتعلم ويكتسب خبرات وعادات وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه ومعه، ويتلقاها بطريقة تفاعلية بينه وبين الآخرين. فالمجتمع يشبع الفرد بثقافته وعاداته الاجتماعية، كما أنه يعلمه الخبرات والمهارات. هذا الاكتساب الذي يناله الفرد من مجتمعه، أو الثقافة التي يتلقاها منه تحمل، في حد ذاتها، قيوداً وحواجز وممنوعات. عندما يصل الفرد/ الإنسان إلى مرحلة من النضج الاجتماعي والثقافي -والنضج هو مسألة نسبية لا تنفصل عن مستوى الثقافة الخاصة بالمجتمع الذي يعيش فيه- يقوم بدور فاعل، مستنداً إلى كفاءاته الذاتية، حينئذ قد يمتلك المقدرة على تطوير هذه الثقافة. وفيما يضخه الفرد من ابتكاراته الفكرية والثقافية إنما يصبح ملكاً لهذا المجتمع، إذا حاز قناعة لديه.
فالفرد مكبل بالثقافة السائدة في مجتمعه، لأنها في غالب الاحيان تكون ملزمة له، هذا الأمر يضع قيوداً على حريته الشخصية إذا لم تشكل لديه القناعة الكافيه بها. لكن هذه القيود قد تولِّد عند الفرد/ الإنسان حافزاً له لكي يضخ في مجتمعه أفكاراً جديدة تعبِّر عن حريته الشخصية وتفسح له المجال للإسهام في بناء ثقافة هذا المجتمع. لكن قد لا تلقى هذه الإضافات الفكرية قبولاً لدى أفراد المجتمع الآخرين، لكنه إلى الحين الذي يقتنع بها المجتمع ويهضمها ساعتئذ تصبح إضافات جديدة في ثقافة المجتمع العامة.
تحمل الثقافة العامة لأي مجتمع من المجتمعاًت قيوداً للأفراد، وكلما أزدادت الوظائف الاجتماعية أو السياسية أو التقنية لمجتمع ما تزداد هذه القيود لأن هذه الوظائف تحتاج إلى مزيدٍ من الأدوار والتقسيمات والتنظيمات.
لأن الفرد/ الإنسان إجتماعي بمتطلباته وحاجاته ورغباته، ولأن المجتمع هو الوسط الضروري لكي يمارس الإنسان فيه إنسانيته، ينبع السؤال - الهاجس: أين نحدد موقع الحرية في دائرة الفرد، وأين نحدد موقعها في دائرة المجتمع؟
عندما يبقى الفرد فرداً، أي عندما لا يعيش في داخل مجتمع ما، تكتسب الحرية بُعداً فلسفياً خالصاً ومفهوماً مجرداً لأن الفرد يمارس نشاطاته دون ضغط أو إكراه، ولأن غيابهما مرتبط بغياب الإنسان الآخر، وكأن قيود الأنا مرتبط بوجود الغير.
فهل نستطيع القول، إذن، وفي سبيل الحصول على الحرية الكلية المجردة، أن الغاء الآخر شرط ضروري لممارسة الحرية، بينما هذا الإلغاء، بحد ذاته، هو عملٌ ضد الحرية. فوجود الآخر هو واقع حتمي وضرورة ماسة:
فأما الوجود هو واقع حتمي، فلأن الإنسان يولد من إنسان آخر.
وأما هو ضرورة ماسة، فلأن الإنسان المولود هو بحاجة إلى مساعدة الوالد.
لذلك فالفرد، كجزء من مجتمع، له رغباته وحاجاته وأفكاره وهذه حقوق شخصية، ولكل فرد آخر له مثل هذه الحقوق. لكن الرغبات والحاجات والأفكار عند الأنا والآخر ليست متجانسة، ولأن الإنسان لا يمكنه تحقيق كل رغباته وحاجاته بنفسه فهو بحاجة إلى الآخرين، فإنه يعمل للاندماج مع الآخرين لتأمين هذه الحاجة بإختيار حر، فالحاجة الاجتماعية للإنسان هي حاجة أساسية: الأنا والغير هما ركيزتها، فكيف يتم التوافق والتوفيق بين حرية الأنا وحرية الغير؟
لهذا السبب وُضعت معايير ومقاييس، أو ما نستطيع تسميته حدوداً وحواجز بين حقوق الأفراد لكي يمنع عليها التصادم، وهذا ما نُطلق عليه مفهوم الحقوق العامة، هذه الحقوق لا يمكن أن تستقيم إلا بوجود طرف المعادلة التسووي وهو مفهوم الواجبات.
فالتصادم بين حقوق الأفراد تم ضبطه بوضع مجموعة من القيم القانونية والسياسية والأخلاقية لتقوم بوظائفها في تنظيم حركة التبادل العلائقي بين الأفراد، وأصبحت معادلة التسوية قائمة على نظرية الحقوق والواجبات العامة.
لكن الحقوق الفردية قد تتجاوز الحدود المرسومة لها، أو لأن الحدود ليست مرسومة بدقه، فتطغى حينئذ على الحريات العامة، أو قد يحصل العكس، عندئذ تُطرح الإشكالية التالية : كيف نؤمِّن التوازن بين الحقوق والواجبات لكي نمنع طغيان حد على الحد الآخر؟
إن مناقشة هذه الإشكالية تتطلب، باعتقادنا، معالجة مسألتين هما: البُعدان الفلسفي والسياسي للحرية.
2-البعد الفلسفي للحريـة
جاء في القاموس الفلسفي، للدكتور جميل صليبا - صادر عن دار الكتاب اللبناني، عن الحرية ما يلي:
للحرية معانٍ ثلاث:
-الأول: المعنى العام: الحرية خاصة الموجود، الخالص من القيود، العامل بارادته أو طبيعته.
-الثاني: المعنى السياسي والاجتماعي: وهو قسمان:
أ- الحرية النسبية: فهي الخلوص من القسر والإكراه الاجتماعي، والحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون، ويمتنع عما نهى عنه.
ب- الحرية المطلقة: فهي حق الفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط في سلكها. وليس المقصود حصول الاستقلال بالفعل، بل المقصود منها الاقرار بالاستقلال واستحسانه، وتقديره، واعتباره قيمة خلقية مطلقة.
- الثالث: المعنى النفسي والخلقي: فالحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة، العالمة بذاتها، المدركة لغايتها، وإذا كانت الحرية مضادة للهوى والغريزة، دلت على حالة إنسان يحقق بفعله ذاته من جهة ما هي عاقلة وفاضلة. لذلك قال (ليبنيز): إن الله وحده هو الحر الكامل«.
يعتقد المثاليون، كما جاء في الموسوعة الفلسفية (روزنتال + بودين الصادرة عن دار الطليعة في بيروت) إن الحرية والضرورة مفهومان يستبعد كل منهما الآخر بالتبادل، ويعتبرون أن الحرية هي تقرير الروح لمصيرها، وحرية الإرادة وإمكانية التصرف وفق إرادة لا تحددها الظروف الخارجية.
لكن، كما جاء في الموسوعة ذاتها، إن التفسير العلمي للحرية والضرورة يقوم على أساس تفاعلهما وتداخلهما الجدلي، وقد قدم هيغل تصوراً دقيقاً للوحدة الجدلية بينهما إنطلاقاً من مواقف مثالية. يعتقد هيغل أن الضرورة الموضوعية هي أولية بالمعنى المعرفي وأن ارادة الإنسان ووعيه ثانويان مشتقان من الضرورة.
فالضرورة، كما جاء عند هيغل، توجد في الطبيعة والمجتمع على شكل قوانين موضوعية. فالقوانين غير المدركة تكون «عمياء». ففي بداية تاريخ الإنسان، وكان غير قادر على استكناه أسرار الطبيعة، ظل عبداً للضرورة غير المدرَكَة وكأنه غير حر. وكلما ازداد الإنسان عمقاً في إدراك القوانين الموضوعية سواء كانت طبيعية أم اجتماعية أم سياسية كلما ازداد نشاطه حرية ووعياً.
جاء تعريف الحرية في الموسوعة السياسية (د. عبد الوهاب الكيالي الصادرة عن مؤسسة الدراسات العربية- بيروت) كما حدده الفكر الليبرالي الفردي الأوروبي، كما يلي:
الحرية هي أساساً غياب الإكراه والقيود التي يفرضها طرف آخر، فالإنسان حر عندما يكون قادراً على اختيار هدفه وطريقه، وأن يكون في وضع يستطيع معه الاختيار بين احتمالين، وأن لا يكون مرغماً على اختيار ما لا يريد أن يختاره، سواء من خلال خضوعه لإرادة شخص أو دولة أو أية سلطة أخرى، وهذا ما يسمى بالحرية السلبية.
فوجود الحرية مرتبط بثلاثة أمور أساسية:
-الأول: غياب الإكراه والقيود البشرية.
-والثاني: غياب العوامل الطبيعية التي تحول دون تحقيق القرار الحر.
-والثالث: امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً.
لكن، لكي تكتسب الحرية الفردية مفهومها الصحيح، حرية اختيار الهدف والطريق، أن يكون الاختيار واعياً، فكيف يتحقق الاختيار الواعي؟
يشكل التعليم والثقافة، بتوسيعهما لقدرة الإنسان على الاختيار والقرار، شرطاً أولياً مهماً من شروط ممارسة الحرية، فالمعرفة تطور قدرة الإنسان على الافعال الحرة والتصرف الحر.
فالحرية في بعدها الفلسفي، استناداً إلى ما عددناه من تعريفات، هي حرية مطلقة تتنافر مع مبدأ الضرورة الطبيعية والاجتماعية.
أما الحرية في بعدها الاجتماعي، فهي حرية نسبية، من شروطها الخلاص من القسر والإكراه، لكن، على أن لا تتنافى مع الأعراف والقوانين الاجتماعية السائدة المشروطة بالوعي والمعرفة من قبل الفرد.
أية ثقافة هي المطلوبة للأعراف والقوانين؟ هل هي ثقافة المجتمع السائدة؟ أم هي ثقافة النخبة من الناس؟ وكيف يكون الأمر فيما لو تناقضت مفاهيم المعرفة عند الأفراد، مع الثقافة السائدة؟
ينزع الفرد بالغريزة إلى حرية الفعل، تظهر عند الإنسان منذ ولادته في تصرفاته وحاجاته، كحرية اللعب واختيار الطعام، حريته في ملكيته العامة وأغراضه الخاصة، وتظهر لديه ميول في الاستيلاء على ممتلكات غيره، ومقاومة الميول ذاتها عند أنداده من الأطفال.
حينئذ يبدأ الفرد بالإدراك، أن هناك العديد من الحواجز التي يضعها الآخرون في وجهه، وهي التي تحد من حرية تصرفاته وتمنعه من ممارسة الكثير من رغباته، فيشعر أنها قيوداً أمامه. فالطفل يشعر حتى في علاقاته مع أمه بمثل هذه الحواجز والروادع، وكلما اتسعت علاقاته مع الآخرين تزداد القيود، وهذه بدورها تراكم العامل الثقافي عنده الذي هو عبارة عن مجموعة من العادات التي يحدد له فيها المجتمع، الصغير أو الكبير، حقوقه ويرسم له واجباته.
كلما كان المجتمع متقدماً، يؤمن للفرد طرائق متقدمة لاكتساب ثقافة مجتمعه، وكلما تقدمت وسائل التعليم وطرائقه تسهم في تطوير ثقافة الفرد وتعمقها، ساعتئذٍ تتراكم العوامل الثقافية التي تؤهل الفرد إلى الوصول للمستوى الذي يصبح فيه قادراً على الاختيار الواعي، أي الاختيار الحر الذي يشبع قناعته الذاتية على أن لا يتخطى دائرة حقوق الآخرين.
يتميز كل مجتمع بثقافته الخاصة، ولأن ليس كل أفراد المجتمع يقتنعون بهذه الثقافة يظهر في داخل كل مجتمع عدد من الرافضين لها، كلياً أو جزئياً. هذا الرفض قد يؤدي إلى إنتاج فكري جديد، فإذا أخذ طريقة في اقناع آخرين بصحته، يشكلون حينئذ تجمعاً ثقافياً متميزاً في داخل مجتمعهم يروِّجون فيه لفكرهم الجديد. فإذا كان الفكر الجديد بمستوى من العمق يجيب فيه على حل مشكلات كثيرة، فإنه يشق طريقاً لكي يأخذ موقعاً في التراث الثقافي للمجتمع بما يُسهم في تطويره أو تغييره.
تصبح الثقافة الجديدة، أكثر جدية، عندما تتحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. وهنا تتحول هذه الثقافة إلى دائرة الالتزام في داخل التجمع البشري الذي يعمل على تحقيقها.
فالثقافة الملتزمة، من هنا، تحمل عنصرين أساسيين لهما علاقة بالبعد الفلسفي للحرية، وهما : حرية اختيار الهدف، وحرية اختيار الوسيلة لتحقيقه.
لكن الثقافة الملتزمة تثير إشكالية حول مفهوم الحرية في بعدها الفلسفي وهي التالية: كيف يستطيع الفرد/ الإنسان الملتزم ان يوفق بين مفهوم الحرية الفردية، وبين القيود التي يفرضها التجمع الذي انتسب إليه؟
الحرية الشخصية/ الفردية في اختيار الهدف تحقق ذاتها، لأن الاختيار ما زال في دائرة الفكر، وقد تم دون ضغط أو إكراه. لكن المشكلة تنبع عندما ينتقل الفرد إلى المرحلة الثانية وهي اختيار الوسيلة أو الطريق الذي على أساسه سوف يعمل لترجمة خياره الفكري إلى واقع عملي، فهل يتم هذا الاختيار فردياً أم جماعياً؟
بداية، لا يمكن للفرد أن يحوِّل أفكاره إلى واقع عملي دون الاستعانة بالآخر، لذلك أين يكون موقع حرية الاختيار الفردي إذا اصطدمت بحرية الاختيار عند الآخرين، وكيف يكون الحل إذا انقسم أفراد الجماعة الواحدة حول تحديد وسائل التنفيذ إلى أكثر من فريق؟
الثقافة التي تجمع أفراداً كثيرين، تتحول إلى ثقافة ملتزمة لأنها تحمل إمكانية التطبيق. وللتنفيذ شروط، ومنها: ضرورة امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة جماعياً. فوسائل القوة لها شروط العمل الجماعي، فإذا لم يقتنع فريق أو فرد من الجماعة بوسائل التنفيذ التي أختارها فريق آخر من داخل الجماعة الواحدة، فسوف تتواجه هذه الجماعة بعدد من الاحتمالات منها:
-إما أن ينخرط الفرد أو الفريق في التنفيذ حسب الوسائل التي اختارها الفريق الآخر، وهنا تفتقد حرية الاختيار الإرادي ، وهذا ما يتعارض مع البعد الفلسفي للحرية.
-وإما أن يبتعد الفرد/ الفريق عن الجماعة لأنه غير مقتنع بالطريق الذي حدده الفريق الآخر ولأن هذا الطريق لا يعبر عن الاختيار الإرادي. وهو إذا ابتعد يكون قد أنقذ حقه في الاختيار الحر.
هذان الاحتمالان، كلاهما، يخلقان الإشكالية التالية: إذا كان النهج الثقافي الجديد/ الهدف، قد حاز على القناعة الإرادية الحرة لدى الفرد، فعلى الفرد أن يعمل لتحقيق هذا المنهج. وإذا تخلى عنه فهو قد تخلى عن قناعته الفكرية الحرة.
فلكي لا يختل التوازن بين الحرية الفردية (في اختيار الهدف الفكري) وبين الحرية الفردية ( في اختيار وسيلة تطبيقه)، جاءت نظرية الديمقراطية لكي تجيب على هذه الإشكالية.


3- البعد السياسي الاجتماعي لـ(الديمقراطية).
جاء في القاموس الفلسفي حول الديمقراطية ما يلي: معنى الديمقراطية سيادة الشعب، وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم. ولهذا النظام ثلاثة اركان:
-الأول: سيادة الشعب.
-والثاني: المساواة والعدل.
-والثالث: الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
هذه الاركان الثلاثة متكاملة، فلا مساواة بلا حرية، ولا حرية بلا مساواة، ولا سيادة للشعب الا إذا كان أفراده أحراراً.
إن كل نظام سياسي يعتبر إرادة الشعب مصدراً لسلطة الحكام هو نظام ديمقراطي، إلا أن إرادة الشعب في الواقع هي إرادة الأغلبية فيه.
فالديمقراطية، إذن، كما جاء في الموسوعة السياسية، هي نظام سياسي- اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأين: المساواة بين المواطنين، ومشاركتهم الحرة في وضع التشريعات التي تنظم الحياة العامة.
فإذا كانت الحرية في بعدها الفلسفي هي الإرادة الحرة على بناء مجموعة من الأفكار أو اختيارها اختياراً حراً. وشعور الفرد، بعد اعتناقه لها أو الإسهام في انتاجها، أنه غير مقيد أو مُكرَه باختيارها أو الاعتقاد بها. وإذا كانت هذه العملية الفكرية مرتبطة بتوليد إحساس ذاتي بالسعادة والسرور، فإنما الديمقراطية تبحث عن تجسد هذا الاحساس في صورة العلاقة بين الأنا والآخر، العلاقة التي لن تولد إحساساً بالسعادة إلا إذا حافظت على التوازن، الأقرب للدقة، في تأمين السعادة الذاتية وسعادة الغير.
فالديمقراطية تفتش عن الوضع الأفضل الذي يتحقق فيه البعد الفلسفي للحرية بنتائجها الفكرية والنفسية على الأنا وعلى الآخر. فهي، بهذا المعنى، تفتش عن أفضل إطار سياسي واجتماعي ممكن يستطيع أن ينظم العلاقة بين الأنا والآخر بشكل يطلق إرادة الحرية لدى الفرد ويمنع طغيان إرادة على أخرى.
أ- الد يمقرا طية ذات خاصية فردية، تُعنى بحرية الفرد:
مفهوم الديمقراطية يرتبط، إذن، مع عوامل فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية. وهذه العوامل يفترض وجودها في بناء العلاقات بين الإنسان والآخر.
الفرد هو كيان مستقل بذاته، إنما عدة أفراد يشكلون مجتمعاً تتمايز طبائع أفراده ورغباتهم وحاجاتهم، الفكرية والسياسية والاقتصادية، وكل منهم يشعر أنه يجب أن يعبر عن حريته وأن يمارسها. وحتى لا تتصادم طرائق التعبير والممارسة للحرية الفردية، جاء المفهوم الديمقراطي ليقوم بدور التوفيق بين الحريات الفردية التي بمجرد اصطفافها في اطار مجتمعي، تكتسب صفتها الاجتماعية، ثم صفتها الاقتصادية والسياسية... الخ... ويأتي الدور التوفيقي بين الحريات الفردية الذي يلعبه المفهوم الديمقراطي كتسوية بين حرية الفرد وحرية الآخر ليقدم كل منهما تنازلات للآخر. وكلما كانت التشريعات قادرة على تأمين التوازن والدقة في التنازلات كلما أصبحت المعادلة قابلة للاستمرار. وكلما اختل التوازن يتخلخل البناء الديمقراطي ويصاب بالاهتزاز.
فالمفهوم الديمقراطي في إطاره النظري، هو إقامة تسوية ما بين الأفراد. أما في حالة تطبيقه فتظهر صعوبة في تأمين التسوية العادلة ما بين الحقوق والواجبات الفردية، وهنا تظهر الحاجة المبدأية في أن لا تكون التشريعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ثابتة، وإنما يجب أن تحمل إمكانية الحركة في تطويرها كلما برز الاختلال في التوازن بين الحريات الفردية.
من هذا المنظار، وكي لا تصبح مسألة إعادة التوازن، الهدف المراد تحقيقه من تطوير التشريعات، ميكانيكية مادية تدفع الفرد كي يتسلط للحصول على مكاسب على حساب الآخرين، يأتي المفهوم الأخلاقي رادعاً معنوياً، لكي يلعب دوراً ذاتياً كابحاً ضد الانزلاق في دائرة التسلط الفردي.
ب- ا لمركزية ذات خاصية اجتماعية تُعنى بحرية الجماعة:
فالتشريعات كما الرادع الأخلاقي لا يمثلان سوى سلطة معنوية ليس لها قوة إقامة الحدود ومنع الحريات الفردية من الطغيان على الحريات العامة. لذلك كان لا بد من سلطات مركزية يتم اختيارها اختياراً حراً من قبل الأفراد، كتعبير عن الحرية الفردية، لكي تمارس قوة الرقابة على تنفيذ التشريعات الديمقراطية.
وقد تتحول مركزية السلطة إلى أداة للتسلط؛ في مثل هذه الحالة، يأتي بناء المؤسسات الديمقراطية، ووسائل ممارسة الحريات السياسة، الحل الممكن للحد من أية محاولة للمركزية بالانحدار تجاه التسلط.
وهل ليس للديموقراطية إشكاليات كونها مبدأ سياسياً خاضعاً للتطبيق؟
إن أية تسوية بين الفرد والآخر، على الأسس الديموقراطية النظرية ستكون نظرية محض إذا لم تراع الخصوصيات الفردية. فالمسألة النظرية للديموقراطية تساوي بين جميع أفراد المجتمع على افتراض أن جميع أفراد المجتمع متساوون في الخصوصيات والإمكانيات الفكرية والجسدية. ولذلك جاء المبدأ السياسي الذي يعتمد مبدأ حكم الأكثرية. وهنا تبدأ إشكالية الديموقراطية.
إذا كانت التشريعات القانونية، والقيمية الأخلاقية، ملتزمة بمبدأ المساواة بين البشر سيبقى الالتزام نظرياً سليماً، أي سيبقى مبدأً قيمياً منشوداً. ولكنه على أساس أن يتساوى جميع الأفراد بامتلاك المواصفات ذاتها. ولكن الواقع يحمل عوامل الخلل في هذا الجانب. وهذا الخلل يصبح أكثر وضوحاً إذا ما اعتمدنا حكم الأكثرية، أو رأي الأكثرية، مبدأ نخضعه للتطبيق. فماذا نجد إذا ما قمنا بتشريح اجتماعي إحصائي لنكيل به عدالة مبدأ حكم الأكثرية؟
نقول بداية أن إثارة إشكالية مبدأ (حكم الأكثرية) ليس نفياً لعدالته، فالنفي يتناقض كلياً مع مبادئ العدالة والمساواة بين البشر. بل تأتي إثارتها من أجل الإسهام في وضع خطط مرحلية لتأهيل المجتمع الذي يصبح بإمكانه تطبيق هذا المبدأ تطبيقاً سليماً.
ومن أجل الإسهام في هذا الواجب، نثير الأسئلة التالية:
-إذا كانت أكثرية المجتمع تنتمي إلى دين واحد، أو إلى مذهب واحد. وإذا كانت غير محصَّنة ضد الطائفية، فمن الواقعي أنها، في ظل النظام الديموقراطي، ستختار ممثليها من دين واحد، أو حتى من مذهب واحد.
-إذا كانت الأكثرية في حزب واحد تنتمي إلى طبقة العمال، أو طبقة الفلاحين، أو طبقة المثقفين الثوريين، وإذا كانت غير محصَّنة بوعي تنظيمي تدرك فيه ضرورة التنوع في إمكانيات القيادة، فمن الواقعي أنها، في ظل النظام الديموقراطي، أن تختار ممثليها من الطبقة التي تمثل الأكثرية في مؤتمراتها.
هناك أمثلة أخرى نقتصر على ما أوردناه لنستخلص منها أن تطبيق المبدأ القيمي يجب أن يكون مسبوقاً أو مترافقاً مع تعميق ثقافة المستفيدين منه ليصبحوا مؤهلين لتطبيقه بوعي.
ولكل ذلك نقول: إنه لا ديموقراطية من دون ديموقراطيين. فما هو العمل؟
من أجل ذلك، نتساءل:
-من واقع الدولة الحديثة، أي الدولة المدنية، هل يمكن أن يشكِّل المفهوم الديموقراطي جامعاً مشتركاً في مجتمع متعدد الثقافات؟ بل هل يمكن للدولة الحديثة أن توحِّد الثقافات المتعددة بين شتى شرائحها الاجتماعية؟ وهل يمكن للثقافة الدينية أن تلتقي مع الثقافة العلمانية؟ وهل يمكن لثقافة المذاهب، داخل الدين الواحد، أن تُجمع على ثقافة ديموقراطية موحَّدة؟
-أو حتى في الشرائح الاجتماعية الواحدة التي اختارت النظام الديموقراطي في بناء الدولة الحديثة، هل يستطيع جميع الأفراد في تلك الشرائح، على مستوى تعددية مستوياتهم الثقافية، أن يطبقوا النظام الديموقراطي بوعي واحد، وبشكل سليم بعيداً عن الأهواء والغرضية، ومهما تعرَّضوا لضغوط؟
-ومن واقع المجموع الدولي، هل تتساوى الدول القوية مع الدول الضعيفة في وعي النظام الدولي العادل الحريص على تطبيق مبادئ العدالة في العلاقات بين الدول؟
-ومن واقع الحركات والأحزاب العقيدية هل يتساوى جميع الأعضاء بمستوى الوعي الديموقراطي؟
كلها أسئلة تضيء الأجوبة عنها طريق الوصول إلى نظام ديموقراطي أقرب للتطبيق منه إلى البقاء في برج الديموقراطية العاجي. ولهذا، وفي سبيل تمهيد الطريق أمام الباحثين عن مبادئ العدالة والمساواة بين أبناء الجماعة الصغيرة الواحدة وصولاً إليها في علاقات الدول على مستوى العالم كله، أن نقوم بتقسيمها على أبواب ثلاث، وهي:
-الباب الأول: مبادئ العدالة والمساواة بين أبناء الجماعة الواحدة في الدولة الحديثة الواحدة. وهذا يشمل العلاقات الديموقراطية داخل الجماعة الواحدة كالجمعيات الأهلية أو الأحزاب السياسية، أو التيارات السياسية على شتى مشاربها.
-الباب الثاني: مبادئ العدالة والمساواة بين التيارات الثقافية المتعددة في الدولة الواحدة. كمثل الثقافات الدينية والعلمانية.
-الباب الثالث: مبادئ العدالة والمساواة على مستوى علاقات الدول في العالم.
يتمزَّق المجتمع العربي تياران ثقافيان متعارضان أو متناقضان، وهما: الثقافة القديمة بسماتها الدينية التي تجاوزت مهمتها الإرشاد الأخلاقي والنفسي إلى تحقيق أهداف سياسية، والثقافة الجديدة بسماتها الحداثية المدنية أو العلمانية. ولأن الثقافة القديمة تشكَّل الوعاء الأساسي الذي ينهل منه معظم أفراد المجتمع العربي منذ مئات السنين، ويعتبر أن الثقافة الحداثية الجديدة جاءت بالضد من ثقافة الأكثرية الساحقة من هذا المجتمع، ويعتبر روادها أن الثقافة الجديدة تشكل غزواً ثقافياً خطيراً، شنَّ الرواد الأوصياء على الدين حرباً واسعة ضد الثقافة الجديدة. ولهذا السبب، وانطلاقاً من مبدأ بحثي أكاديمي، يستند إلى أنه لا يمكن وصف العلاج لمريض من دون تشخيص المرض، سنبدأ بتشخيصه انطلاقاً من البحث عن مسألتين متلازمتين، وهما موقف الإسلاميين من العلمانية والديموقراطية. وأما السبب فلأن مبادئ الثقافة الحديثة تستند في بناء الدولة الحديثة عليهما.
ولذا سنبدأ بالبحث عن المسألة الديموقراطية في ميزانها أولاً. ومن بعدها ننتقل إلى البحث عن المسألة العلمانية في ميزان تلك الحركات ثانياً.









  رد مع اقتباس
/
قديم 09-08-2017, 04:27 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

المسألة الديموقراطية في منظور الحركات الإسلامية

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة الثالثة)
ثانياً: المسألة الديموقراطية في منظور الحركات الإسلامية



الديمقراطية نظرية سياسية وضعية تنظم علاقة الحاكم والمحكوم في مجتمعات الإثنيات الدينية: الديموقراطية تعبير غربي، فهي: نظام سياسي- اجتماعي، يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة. أما أساس هذه النظرة فيعود إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة أمام ممثلي المواطنين وهي رهن إرادتهم.
بداية، اعتمدت المجتمعات الغربية أنظمة الحكم المطلق من خلال مبدأ الحق الإلهي لمدة طويلة من الزمن. أما انبثاق النظام الديموقراطي فقد جاء نتيجة عملية تدريجية تمخَّضت عن الصراع الاجتماعي بين الطبقات الحاكمة: الدولة والكنيسة، الملك والنبلاء الإقطاعيون. وقد تزامن تزايد اجتماع ممثلي الطبقات مع نهاية نظام الإقطاع وبروز أفكار جديدة مثل حكم القانون، ثم النظام الدستوري في بريطانيا، والحق الطبيعي والمساواة السياسية والعقد الاجتماعي والحرية في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، والتي أدت إلى نشوب الثورة الفرنسية وثورة حرب الاستقلال الأميركي.
لكن «تشعُّب مقومات المعنى العام للديموقراطية، وتعدد النظريات بشأنها، علاوة على تميز أنواعها، وتعدد أنظمتها، والاختلاف حول غاياتها، ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذات قيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة، يجعل مسألة نمط ديموقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة عملياً»([1]).
وبالإجمال فإن الديموقراطية، في التقاليد الغربية، تعني «أن إرادة الشعب ذات حرة لا تتقيد مطلقاً بقيود خارجة عنها، سيدة نفسها، ولا تسأل أمام سلطة غير سلطتها»([2]).
ولأن الديموقراطية، كمفهوم سياسي- اجتماعي، من نتاج وضعي من جهة، ولأنها من نتاج الفكر الغربي من جهة أخرى، ولأن لها علاقة بالعلمانية كمفهوم سياسي وضعي من جهة ثالثة، انقسمت المواقف النخبوية العربية والإسلامية من حولها، كل من منطلقاته الخاصة، لذا تميزت مواقف العلمانيين تجاهها عن مواقف الإسلاميين.
فإذا حسبنا أن النخب السياسية والثقافية، قد آمنت بأهمية الإرادة الشعبية، وتبنت المبدأ الديمقراطي كأساس لنظام الحكم السياسي، فقد راحت تفتش عن النمط الديموقراطي الذي يتناسب مع واقعنا السياسي والاجتماعي وقيمنا الحضارية والفكرية.
أما اتجاهات السلفيين الإسلاميين فسارت في خط معاكس. وكانت لهذه الاتجاهات علاقة وثيقة بالنص الديني؛ وهي إشكالية طالما تناقضت مواقف المسلمين من حولها؛ ويكفينا الإشارة إلى إشكالية الجبر والاختيار التي كانت سبباً في نشأة فرقتي القدرية والجبرية منذ بدايات العصور الإسلامية، بعد وفاة الرسول مباشرة. انقسمت، منذ ذلك الوقت، المواقف حول أعمال الإنسان: هل هو مخيَّر أم مسيَّر ؟ وقد استطاعت كل فرقة أن تجد في آيات القرآن ما يدعِّم وجهة نظرها.
لم تكن أهداف الجدل حول هذا الموضوع ذات أهداف سياسية، وإنما كانت ذات أهداف دينية، تريد أن تحدِّد مسؤولية المخلوق عن أفعاله أمام الله عز وجل. إلا أنه كانت من بعض نتائج الجدل الديني الذي كان يحصل حول تلك المسألتين: الجبر والاختيار، أن السياسي كان يعمل على الاستفادة من القائلين بالجبرية لصالح تثبيت سلطته وتغليفها بمبدأ الحق الإلهي. ولأن النظام السياسي الإسلامي كان منظوراً إليه كحاجة ملازمة لسيادة الدعوة الإسلامية، ولأن المجتمع الذي كان خاضعاً لذلك النظام لم يكن يهتم بحقوقه السياسية تهيباً من المسلَّمات الدينية التي كانت تحمي السلطة، لم يتخط العلماء المسلمون، في كلامهم عن الحرية، دائرة مضمونها الديني.
ولأن أصل العقيدة الإسلامية يستند إلى الكتاب والسنة، وهي عند المسلم أوامر إلهية لا يمكن القياس إلاَّ عليها، ولأن بعض المذاهب الإسلامية ألزمت أتباعها بطاعة (الإمام المعصوم، وأولي الأمر...)، لم يشعر المسلمون أنهم بحاجة للنظر في مسألة الحرية من جانبها السياسي. ولماذا يتصور المسلم أن له دوراً في الرأي ما دام النص من جهة والفقيه من جهة أخرى، يُعَدَّان شرطان كفائيان في الوصول إلى معرفة مختلف شؤون الدين والدنيا، أي أن مصادر المعرفة تلك، هي التي تحدد للمسلم خطواته الدينية والسياسية بكل تفاصيلها ([3]).
فمن كان يمتلك معرفة ذات مصدر إلهي، لا يمكن أن يتسلل إليها الخطأ، كما يحسب الفقهاء المسلمون، فهل يستبدلها بما هو وضعي من صنع البشر ؟
حددت هذه المعادلة خطى بعض الإسلاميين في رسم اتجاهاتهم في مسألتي الحرية والديموقراطية. وفيما يلي سوف نعرض لبعض تلك الاتجاهات:
«إن الأساس الذي جاء به الإسلام يقضي بأن يكون المسلم عبداً لله تعالى. وأعظم مكرمة وأكرم صفة يتصف بها المسلم أن يكون عبداً لله تعالى... ومن كمال العبودية أن يطيع العبد أوامر المعبود. وصفة العبودية هذه تتنافى مع ممارسة السيادة دون ضغط أو إكراه، فالإنسان المؤمن بالله يلتزم لأوامره... وإن ممارسة الإرادة في أحكام التخيير، وإن كان يبدو فيها الحرية في العمل... فإنما هي إجازة من الله سبحانه للإنسان بالفعل أو الترك (و).... إنما هي تفضل (منه)... أما الحرية فإنما تعني اتِّباع الهوى وإشباع الرغبة...».
فالحرية والديموقراطية «لها معنى محدد... يتناقض مع الإسلام تناقضاً بيناً لاختلاف المصدر بينهما على الأقل. فمصدر الديموقراطية والحرية العقل، ومصدر الشريعة الوحي، ويكفي هذا لنبذهما وإبعادهما من أذهان المسلمين».
«فالديموقراطية جعلت السيادة للشعب وجعلت مجموعة من الناس تضع التشريعات لتنظيم علاقات الناس فيما بينهم، فمصدر التشريع في الإسلام هو الوحي وليس الناس... والحرية تترك للفرد أن يحكِّم هواه ومقاييسه النفعية وما يشبع جوعاته الجسدية... وهذا مناقض لعبودية الإنسان لله تعالى والتزامه بما يرتضيه...» ([4]).
ولأن الديموقراطية والدستور ونظام رئاسة الجمهورية هي تشريعات وضعية من صنع البشر أولاً، ومن صنع الدولة الغربية ثانياً، فإن للإسلام موقفاً متميزاً منها كلهاكما يحسب حزب التحرير الإسلامي، ويفنِّد رأيه قائلاً: «إن الإسلام يعتبر مفهوم الديموقراطية مفهوم كفر، ويعتبر جميع ما يبنى عليه من دساتير وأحكام دساتير، كفر وأحكام كفر، لأنها كلها غير منبثقة عن العقيدة الإسلامية ولا مأخوذة من كتاب الله ولا من سُنَّة رسوله، وإنما هي تشريعات البشر».
ولهذا فإن نظام الحكم في الإسلام ليس نظاماً جمهورياً، يُنتخب رئيسه من قبل الشعب لمدة معينة، ويملك حق عزله، كما أن الرئيس مقيَّد برأي الشعب وعليه أن يأخذ بما يشرِّعه نواب الشعب لأن التشريع من حقه؛ فشكل الحكم في الإسلام هو على خلاف ذلك «فهو نظام الخلافة، أو الإمامة الذي ينصب فيه الخليفة أو الإمام، بمبايعة أهل العقد من الأمة، على أن يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله، وليست له مدة محدودة ولا تملك الأمة حق عزله». فالحرية «التي تطلق اليوم هي من أنظمة الديموقراطية الغربية. وهي تعنى حرية العقيدة، والحرية السياسية، والحرية الاقتصادية، والحرية الشخصية، وجميع هذه الحريات تتناقض مع الإسلام، لأن المسلم مقيد بالأحكام الشرعية، في عقيدته، فمن يرتد يقتل، ومقيَّد في سلوكه السياسي، وفي سلوكه الشخصي، ومقيَّد في الملكية وحيازتها وإنفاقها بالأحكام الشرعية»([5]).
وعلى الرغم من أن بعض الإسلاميين حاولوا أن يوفقوا بين الشورى والديموقراطية، انبري محمد حسين فضل الله، ليقول بأن الشورى ليست هي الديموقراطية، ففي معرض تفسيره للآية ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[ (آل عمران: من الآية159)، يقول: «ليست واردة في اتجاه الأخذ بالرأي الذي توافق عليه الأكثرية في الشورى، وإن كان الحق في جانب الأقلية، ولذلك اتجهت الآية الكريمة إلى النبي محمد (ص) لتطلب منه إمضاء الرأي، بعد المشاورة، سواء كان على وفق الشورى، أو على خلافه»([6]).
لكن يرى علماء مسلمون آخرون غير هذا الرأي، إذ يحسب أحمد شوقي الفنجري أن نتيجة الشورى ملزمة للحاكم حتى لو خالفت رأيه «وإذا اختلف الحاكم مع المجلس في رأي فعليه أن يحاول إقناعه أولاً... فإذا لم يقتنع المجلس فعليه تنفيذ رأيهم لا رأيه الشخصي، لأن رأي الجماعة أصوب من رأي الفرد دائماً»([7]).
لقد انقسم الإسلاميون في موضوع الشورى إلى رأيين، كما يرى عبد الحميد الأنصاري، قال بعضهم بأنها مُلزِمة، أما البعض الآخر فعدَّها مُعلِمة، ولكل منهما أسانيده من الكتاب والسنة وسلوك الصحابة. لكن البعض يرجح رأي الفريق القائل بأن الشورى مُلزِمة لأن أدلته سلمت من الاعتراضات الكثيرة. فهذا البعض يستند في ترجيحه إلى أن «الاختيار من الأمة هو مقتضى الأمر بالتشاور في قوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (الشورى: من الآية38)، ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر[ (آل عمران: من الآية159)، إذ المقصود بـ (أمرهم) و(الأمر) هو جميع الأمور العالقة المتعلقة بالمصالح العامة في المجتمع، وأهم هذه الأمور بالطبع- رئاسة الدولة- فإذا كانت الأمة محرومة من حق الاختيار فماذا تملك؟ وماذا يتبقى لها بعد ذلك؟»([8]).
أما من حيث العلاقة بين الشورى والديموقراطية؛ فقد وجد البعض، الذي يرى أن الديموقراطية ليست حكراً على التيارات الأخرى، يرى حسن عباس حسن: إن هناك ديموقراطية إسلامية تقوم على «عناصر ثلاثة لا انفصال بينها من أجل تحقيق ما تدعو إليه من حقوق الإنسان: وهي المساواة، والمسؤولية الفردية، والشورى الدستورية، وهي مقيَّدة بمفهوم الطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر من المسلمين»([9]).
فإن حاول البعض أن يعمل على المقاربة بين مصطلحات الشورى والديموقراطية والحرية، فإنه لم يخرج بالجوهر عن الفهم السلفي لمضامين هذه المصطلحات.
وفي ظل الرؤى المتعددة ينبري محمد عمارة، مفكر إسلامي آخر، ليقول إن العلاقة بين الشورى والديموقراطية ليست علاقة عداء: «فالرؤية الإسلامية للشورى ليست مناقضة للديموقراطية، وليست مطابقة لها». فبينهما مساحة اتفاق لأن «الشورى تعطي السلطة للأمة، والديموقراطية أيضاً تعطي السلطة للأمة»، وبينهما أيضاً مساحة افتراق من حيث أن الديموقراطية تعطي «السيادة للقانون الطبيعي، فإن الشورى تعطي السيادة للشريعة». ولأنه لسنا نحن- كما يحسب- بصدد تطبيق الشريعة، وهذه قضية أصبحت غير واردة في المجتمعات الإسلامية، ولأن التحدي الأساسي، الآن، هو تحدي الاستغلال والتبعية، ولأن شعار الديموقراطية يجمع إسلاميين وغير إسلاميين، فإنه يرى ضرورة فك الاشتباك بين الديموقراطية والشورى، أي بين القانون الوضعي والشريعة([10]).
وبالإجمال كما يرى عبد الفتاح إسماعيل: «نحن أمام توجهات رافضة للفكرة الديموقراطية، إلاَّ أنها ليست كتلة واحدة، تتفاوت في تسويقها: الرفض أو التحفظ حيال هذه الفكرة أو القبول المشروط أو المقيَّد. وضمن ذلك جميعه سنرى توجهاً نظرياً رافضاً الفكرة...وفق تصور يظنه ثابتاً كامناً في الفكرة الديموقراطية، وتوجهاً آخر يرى أننا لسنا بحاجة إلى تلك الفكرة، لأننا نملك فكرة بديلة وهي (الشورى). وتوجهاً (يرفضها) لارتباطها بفكرة العلمانية سيئة السمعة... وتوجهاً يسوِّغ رفضه إياها لعدم اتفاقه مع بعض الأفكار التفصيلية التي تتضمنها... وتوجهاً يرفض ذلك لبعض ممارسات في الغرب ترتبط بمضمون للحرية قد يتعلق بمضامين الإباحية... وتوجهاً يرفض الممارسات الشكلية والمظهرية من جانب النظم السياسية العربية ... بدعوى الديموقراطية التي تغلف عناصر الاستبداد الدفين... وتوجهاً يؤسِّس رفضه وتحفّظه على ضرورة إثبات فكرة الشريعة كأولوية»([11]).
ولأن موضوع الديموقراطية شأن سياسي له علاقة بقضية حساسة عند الإسلاميين، متمثلة بوضعهم أمام اختيار حاسم: إما الشريعة كأمر إلهي، وإما القوانين الوضعية كأمر بشري، فإنهم ولحسابات عقيدية سوف يبقون في داخل دائرة الرفض للديموقراطية مثلما أصبحوا في داخل دائرة الرفض للعلمانية قبلها. ولأن مبادئ الشريعة الإسلامية لا تلزم غير المسلمين، دفاعاً منهم عن مبدأ المساواة في الحقوق؛ ولأن الفقه الإسلامي موزع إلى أكثر من مذهب، فلن يستطيع أي مذهب منها أن يلزم المذاهب الأخرى، السبب الذي قد لا يحقق المساواة في الحقوق السياسية حتى للمذاهب الإسلامية في ظل دولة الإسلام. جميعها تشكل حوافز وحاجات أساسية في سبيل إعادة النظر في الموقف من الديموقراطية.







([1])موسوعة السياسة (ج2): م . س: ص ص 751- 753: (المادة: الديمقراطية).

([2]) حسن، حسن عباس: الصياغة المنطقية للفكر السياسي الإسلامي: الدار العالمية: بيروت. 1992: ط 1: ص 247.



([3]) المظفر، محمد رضا: عقائد الأمامية: دار الزهراء. بيروت: 1983: ط 4: ص 67.

([4]) صالح، حافظ: الديموقراطية وحكم الإسلام فيها: دار النهضة الإسلامية: بيروت: 1992: ط3: ص103و120 و126.

([5]) حزب التحرير الإسلامي: نقض مشروع الدستور الإيراني: (كراس منشور): 30/8/1979: ص 10 و13 و16.

([6]) فضل الله، محمد حسين: م.س: ص 152.

([7]) الفنجري، احمد شوقي: م.س: ص 209.

([8]) الأنصاري، عبد الحميد اسماعيل: نظام الحكم في الإسلام: دار قطري: قطر: 985 1: ص 59 و72 و134.

([9]) حسن، حسن عباس: م. س: ص 247.

([10]) عمارة، محمد: مجلة المستقبل العربي: بيروت: العدد 70 1 (4/1993): صر 104.

([11]) إسماعيل، عبد الفتاح: "التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية" (76-115): مجلة المستقبل العربي: بيروت: العدد 70 1 (4/ 1993): ص 85.








  رد مع اقتباس
/
قديم 09-08-2017, 10:40 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

الديموقراطية وتلازمها مع العلمانية

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة الرابعة)
ثالثاً: الديموقراطية وتلازمها مع العلمانية

إذا كانت التشريعات الدينية تستند إلى أصول نصوص مقدَّسة ناطقة باسم الله، يعني أنها تشريعات إلهية مطلقة، كما يصفها رجال الدين، فلا يجوز للبشر أن يتدخلوا فيها، وأن لا يجتهدوا فيها لأنهم بذلك يخالفون الأوامر الإلهية. ولأن لكل دين، سماوياً أكان أم كان غير سماوي، له نصوصه المقدسة. ولأن معظم المجتمعات على مستوى الدولة الواحدة متعددة الانتماءات الدينية، بل إن التعددية وصلت إلى داخل التجمعات البشرية الصغرى على مستوى المدينة أو الحي أو الشارع أو حتى المبنى السكني الواحد، وهذا يعني أن تداخل المقدسات المتناقضة يقود إلى أن تقوم كل عائلة بمفردها ببناء دولتها الدينية لكي تحافظ على مقدساتها الخاصة. هذا غني عن القول يقود إلى ما يشبه ليس تفتيت الكتلة إلى ذرات، بل تفتيت الذرات إلى أقل منها، الأمر الذي يؤدي إلى ما يشبه التفجير النووي في داخل المجتمع الأكبر، فكيف يكون الحال إذا حصل هذا التفجير في داخل الكتل الأصغر؟
من البديهي القول باستحالة بناء الدول على قواعد وأسس الفكر الديني وتشريعاته. وهنا، لا بُدَّ من اللجوء إلى المفاهيم الوضعية والاستعانة بها من أجل بناء دولة موحدَّة التي لن تتم سوى بتوحيد التشريعات التي تساوي وتعدل بين شتى مكونات المجتمع مهما كان عددها، ومهما بلغ حجم كتلة هذا المكون أو ذاك.
من أجل التفتيش عن حل لتلك المعضلة، وإذا رحنا نفتش في ذاكرة الفكر الإنساني وفي تجارب البشرية الحديثة والمعاصرة، فلن نجد حتى الآن من حل آخر غير الاستفادة من الفكر العلماني، وتجارب الدول التي طبَّقت العلمانية. ولأننا لن نلجأ للتفتيش عن مفهوم للعلمانية لأنه كتب الكثير عنها، بل نختصرها بإيجاز أصبح منتشراً، وهي أن العلمانية هي نتاج الفكر السياسي الإنساني الذي يفصل وظيفة رجل الدين عن وظيفة رجل السياسة، أي فصل الدين عن الدولة، بمعنى الاعتراف بالدين من دون إقحامه في الميدان السياسي. وفصل وظيفة رجل السياسة عن وظيفة رجل الدين. وباختصار لكل منهما حقله الذي يعنى بشؤونه. وبما يعنينا الكتابة عنه هنا، وبما تقتضيه أصول الدراسة المعنونة بالبحث عن الديموقراطية، ستقتصر على توضيح العلاقة بين الديموقراطية والعلمانية.
من بديهيات القول، وبعد أن بحثنا عن مفهوم الديموقراطية في ميزان الفكر الديني، ووصلنا إلى نتيجة أن الفكر الديني، بما هو فكر مقدَّس، لا يعترف بالفكر الديموقراطي أكثر من حرية الاجتهاد التي لن تقبل من أي كان إذا لم يكن منتسباً للمؤسسة الدينية، أو إذا لم يكن معترفاً به منها. ففي الدولة الدينية لا مكان للديموقراطية على الإطلاق، لأنه كما يزعم رجال الدين، لا يجوز أن تستوي أحكام الله مع أحكام البشر. ومهما قام رجال الدين أو فقهاؤه بتزويق معنى الشورى أو تجميله، فلا يجوز أن ينوب نصان أو أكثر عن عشرات الآلاف من الأبحاث والدراسات والرؤى الفكرية لمئات السنين. ولأن الديموقراطية نتاج الفكر الوضعي، كيف نراه بمنظار العلمانية ذات النتاج الوضعي أيضاً؟
بنتيجة كل الأبحاث والدراسات وجدنا أن تعسف الفكر الديني أدى إلى إنتاج فكر جديد بعيد عن التعسف والإكراه، وهو الفكر العلماني الوضعي. وإذا كنا نبغي الوصول إلى مبدأ العدالة والمساواة بين كل مكونات المجتمع الدينية بالحقوق والواجبات في تشريعات موحدة، ففي النظام العلماني سنجد الحل. ولكن، المساواة بين مكونات المجتمع الدينية قد لا تحقق المساواة بين طبقات المجتمع. عدالة هنا، واعتداء هناك. وهذه إشكالية من إشكاليات العلاقة بين الديموقراطية والعلمانية. فكيف ننظر إلى تلك العلاقة؟
-أولاً: أصبح من المحتم القول إن الديموقراطية والفكر الديني خطان متوزايان ولن يلتقيا.
-ثانياً: أصبح من الواضح القول إن الديموقراطية والعلمانية خطان يلتقيان في نقاط، وقد يفترقان في نقاط أخرى. وإن نقاط الالتقاء تتلخص بحرية اختيار الشعب للدستور الذي يوحِّد، الذي على أساسه تتم صياغة القوانين والتشريعات التي تخضع لها وترتضيها مكونات المجتمع الدينية على اختلاف مشاربها. وأما نقاط الافتراق فقد تكون ماثلة بعامل تعسف السلطة بحق الطبقات الاجتماعية، ولأن لهذا بحث آخر، نوجز نتائج هذا الجزء من الدراسة بالقول: إذا كان معنى التلازم لغوياً (تلازم الشَّيئان، أي تَعلَّقا تعلُّقاً لا انفكاك فيه)، فإن مفهوم الديموقراطية متلازم مع مفهوم العلمانية، إذ لا وجود لديموقراطية خارج النظام العلماني، إذا غاب هذا النظام تغيب الديموقراطية. وأما إشكاليات العلاقة في الجوانب الأخرى فلن تفسد لتلازمية العلاقة بينهما ودَّاً.









  رد مع اقتباس
/
قديم 11-08-2017, 03:01 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي


المفهوم العلماني في منظور الحركات الإسلامية

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة الخامسة)
رابعاً: المفهوم العلماني في منظور الحركات الإسلامية

مدخل إلى ردود فعل الإصلاحيين في الحركة الإسلامية:
عجز النظام السياسي الإسلامي طوال مرحلة حكمه للدولة الإسلامية عن توفير مبدأي العدل والمساواة بين رعايا الدولة على المستويين الطبقي والإثني الديني والإثني المذهبي، ويشمل ذلك أول تجربة لهذا النظام بعد وفاة الرسول وصولاً إلى آخر حلقاته في العهد العثماني. ومن أجل الدخول في نقد آراء الفقهاء المسلمين في العصر الذي دخل فيه العالم عصر الدولة المدنية الحديثة، كان لا بُدَّ من أن نلقي نظرة على ما هو المقصود من مبدأيْ العدل والمساواة، ليشكل المدخل الرئيسي لحركة العلماء المسلمين الإصلاحية.
إن العدل والمساواة مبدآن قديمان لأنهما يعبِّران عن قيمة إنسانية عليا في أي نظام حياتي يخضع له البشر. ولم تأت الثقافات الجديدة بتعريفات لهما تُعَدُّ قفزة نوعية في تاريخ الفكر الإنساني. لكن ما يكسبهما أهمية في سياق بحثنا هذا، هو أنه منذ تأسست الدولة الإسلامية وحتى انتهاء آخر مظاهرها، الامبراطورية العثمانية، كانا يكتسبان مفهومين نسبيين. فما كان يبدو عدلاً ومساواة في داخل طبقة من المسلمين لم يكن كذلك عند طبقة أخرى. وما كان يبدو عدلاً ومساواة بين المسلمين لم يكن يعني ذلك عند أصحاب الديانات الأخرى. وما كان يبدو عدلاً عند أصحاب المذهب الحاكم كان ظلماً عند أصحاب المذاهب الأخرى. ومن هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية، لماذا ؟
وأما على الصعيد الطبقي فيدافع الأغنياء عما وصلوا إليه من ثروات بالنص القرآني التالي: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: من الآية212).

وأما على صعيد التمييز بين المذاهب فكانت هوية الحكم المذهبي تسمح بتطبيق فقه المذهب الذي يعتنقه، وهذا ما يُخوِّله بإغداق الامتيازات على فقهاء المذهب ونخبه الاقتصادية. وفي كثير من الأحيان كان الظلم والتمييز يلحق بالمذاهب الأخرى. وبالعودة إلى تاريخ الصراع على الخلافة بدءاً من الدولة الأموية، مروراً بالدولة العباسية والدولة الفاطمية، وكذلك بين الدولتين الصفوية والعثمانية، مليئة بالشواهد المأساوية عن هذا الجانب.
وأما على صعيد التمييز بين الأديان فيظهر بصورة مبدأ «أهل الذمة» الذي يعطي الامتيازات للمسلمين على حساب النصارى واليهود. فإنما يعتقد المسلمون بعدالة هذا المبدأ استناداً إلى نصوص القرآن الكريم؛ لكن في المقابل ينفي الكتابيون عدالته، لأنهم كفئة من مواطني الدولة، غير مشمولين بعدالته. ويؤيد هذا ما جاء في سورة التوبة من النص القرآني: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31).
ولهذا في ظل الدولة الدينية، فإن ما يعدُّ مبدأ عادلاً عند فئة من المواطنين لن يكون بالضرورة عادلاً بالنسبة لفئة أخرى؛ فمبدآ العدل والمساواة عند المسلمين وفي دولة إسلامية، هو غيره عند المسيحيين أو اليهود أو غيرهم من الأديان الأخرى. وإذا كانت الدولة الإسلامية تميز المسيحيين واليهود بأنهم أصحاب كتاب سماوي فإن ما عداهم يُعتبرون من الكفار. لكل هذا تولَّدت إشكاليات متتالية برز التناقض فيها بحدة عندما شعر المسيحي بالقوة التي تسانده في موقفه الرافض لمبدأ «الذمية»، بعد أن كانت كالجمر المستكين تحت الرماد، طوال ثلاثة عشر قرناً ونيف، كانت فيه الدولة الإسلامية قادرة على لجم المعترضين على مبدأي العدل والمساواة المطبَّقين على رعاياها من غير المسلمين.
في الوقت الذي كان فيه المسيحيون العرب غير قادرين على تجاوز الإشكالية، وجد بعض المسيحيين اللبنانيين مخرجاً حينما اتجهوا نحو الدعوة إلى مبدأ القومية العلمانية، الذي سبق وأن وجد فيه الغرب حلاً لإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة. وحينئذٍ خضع مبدآ العدل والمساواة، لمعايير أخرى تقوم على مبدأ ضمان الحقوق السياسية لجميع المواطنين من دون تمييز بين طبقة وأخرى، ودين وآخر.


المؤثرات الفكرية-السياسية الغربية، ثورة فصلت بين الديني والسياسي
كانت الطفرة الحضارية في أوروبا، في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد وصلت إلى أقصى آمادها، من بعد أن بدت الصورة أمام الأوروبيين، في خلال القرون الوسطى، واضحة في أن الطغيان الديني على السياسي كان عاملاً مؤثراً بين التخلف والتقدم. فلذلك استطاع الفكر الأوروبي أن يحقق فصلاً بين الديني والسياسي.
دفعت هذه النتيجة بالقوميين، تحديداً، إلى الدعوة للفصل بين الديني والدولة؛ ولئن ظهرت بدايةً تحت شعار «الدين لله والوطن للجميع»، إلاَّ أنها اكتسبت مضامينها العلمية بعد أن أخذت تناقش مبادئ سياسية، مثل: الديموقراطية والعلمانية والاشتراكية والقومية، وهي المبادئ ذاتها التي انخرط الإسلاميون السلفيون والإصلاحيون في مناقشتها وتحديد المواقف منها.
لم يستطيع العلماء المسلمون الإصلاحيون، إنكار مدى عمق التخلف والعجز الذي عانى منه المسلمون والعرب من النظام السياسي والاقتصادي للامبراطورية العثمانية، فكانت دعواتهم متأثرة برياح الفكر السياسي الأوروبي، وقائمة على إصلاح هذا النظام. ولذا فقد قاموا بالدعوة إلى إصلاح ذلك النظام بتزويج مسألتين: العودة إلى أصول الإسلام والسلف الصالح من جهة، والاستفادة من القفزة الحضارية العلمية للغرب من جهة أخرى.
ليست المشكلة محصورة في حل إشكالية المساواة في الحقوق السياسية بين المسلمين والمسيحيين فحسب، وإنما ستظهر أيضاً إذا استقرأنا تاريخ العلاقات المذهبية بين الفرق والمذاهب الإسلامية. ومن خلال هذا الاستقراء سنرى أكثر من محطة حُرِم فيها مذهب أو أكثر ليس من حقوقه السياسية فقط، وإنما حُرِم من ممارسة حقوقه الفقهية أيضاً.
ب- العلمانية نتاج فكري غربي أسقطت مهمة التشريعات الدينية لصالح التشريعات المدنية: فالعلمانية وليدة للصراع الطويل والشديد بين السلطتين الدينية والدنيوية في أوروبا، جاءت كجملة من التدابير النظامية والقانونية، «استهدفت فك الاشتباك بين السلطتين، باعتماد فكرة الفصل بين الدين والدولة، بما يضمن حياد هذه تجاه الدين، أي دين، ويضمن حرية الرأي الفكري والعقيدة الدينية، ويمنع رجال الدين عن إعطاء آرائهم واجتهاداتهم صفة مقدسة باسم الدين، ومن ثم فرضها على الأفراد والمجتمع والدولة»([1]).
فالعلمانية فصلت بين الممارسة الدينية، التي عدّتها ممارسة شخصية، والممارسة السياسية التي نظرت إليها كممارسة اجتماعية، ورفضت معاملة المواطن من خلال انتمائه لطائفة معينة، لكن دون أن تعادي الإيمان الديني أو تنادي بالإلحاد([2]). فالعلمانية كفكر سياسي غربي، كانت له انعكاساته على شتى التيارات النخبوية العربية والإسلامية، فكيف كانت هذه الانعكاسات؟ لنسرد بعض النماذج:
في بداية انعكاس تأثير الفكر القومي على العرب، منذ أواسط القرن 18، أخذت تبرز إلى العلن مناهج تنويرية في الفكر الإسلامي، تعمل على لِّم الشمل الإسلامي، متحصنة بالمسألة القومية، في سبيل مواجهة الغزو الغربي الجديد.
-جمال الدين الأفغاني:
كان جمال الدين الأفغاني رائداً لهذه الدعوة (1255-315 1هـ/1839-1897م) الذي أكَّد أن التعصب بنسبته إلى العصبية، هو عقد الربط في كل أمة، يلِمُّ شملها، ويوحدها بالدفاع عن نفسها. وكون التعصب-بحسب الأفغاني- له حد اعتدال وطرفا إفراط و تفريط، فاعتداله هو المطلوب. وينبعث عن التعصب قوة لدفع الغائلات عن الأمة، لا يختلف شأنه إذا كان مرجعه ديني أو جنسي، فإذا طغى الإفراط والمغالاة علىالتعصب الديني أو الجنسي يتحول إلى ظلم وجور. فتحت وطأة الضغط الفكري- النفسي للغرب، نفر بعض العرب المسلمين من العصبية الدينية لكي يستبدل بها رابطة الجنس، فقدَّم الأولى ولم يكن قد بنى الثانية. لكن إذا كانت العصبية الدينية ضرورية لكان على المسلمين أن يرعوها بالعدل، ويأتي ذلك بحفظ الحقوق لأربابها وإحكام الألفة في المنافع الوطنية بين المسلمين و بين أبناء أوطانهم من الأديان المختلفة، لأن المصالح مشتركة ومتبادلة ([3]) .


-أبو المعالي أبو الفتوح:
رجَّح البعض «الولاء للإسلام وليس لشيء آخر. فأساس الرابطة التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، هي الولاء للإسلام، وليس لقومية أو وطن أو أسرة... وليس معنى ذلك أن ولاء الإنسان لقومه أو حبه لهم، أمر يمقته الإسلام، ولكن إذا تعارض ذلك الولاء مع إقامة أحكام الدين، فعلى المسلم أن يكون ولاؤه لدينه ولربه»([4]). ويرى دعاته: «أن تعميق دعوة القومية ما وُجِدَ أساساً إلا للقضاء على وحدة المسلمين»([5]).
-الدكتور محمد عمارة:
- هناك من يرى أنه لا تعارض بين الإسلام والقومية، فهو يحسب أن «التوحيد الذي حققه الإسلام للجماعة العربية الأولى كانذاطابعقومي، ومتسماً بملامح عربية واضحة... والقرآن الكريم يذكر القوم الذين وحَّد الدين الجديد بينهم، وضمَّ صفوفهم، وألَّف بين قلوبهم، يذكِّرهم بحالهم يوم أن كانوا قبائل وشيعاً يتنازعها ويستبد بها سلطان الفرس والروم ونفوذهم»([6]).
تصب هاتان الرؤيتان في منهج الموقع الوسط، الذي يحاول التوفيق بين الإسلام والعروبة، لكن علىأن تكون القيادة فيها للإسلام كعقيدة روحية وسياسية. فالإسلام كأساس يتفاعل مع الحضارات الإنسانية، ومع التعددية الدينية لأهل الكتاب بالعدل، تربطهم مع مواطنيهم المسلمين علاقات الود والمصلحة والجنس.


-الشيخ محمد مهدي شمس الدين:
يرى بعض علماء الدين المسلمين أن العلمانية هي بدعة استخدمها الاستعمار في معركة شرسة ضد الإسلام فغزت «مؤسسات التعليم والثقافة من جهة، فأحكمت سيطرتها عليها، وتسللت إلى مؤسسات التشريع والقضاء من جهة أخرى». ولهذايعتقد محمد مهدي شمس الدين «أن الإسلام يوجد فيه نظام حياتي كامل لا يترك مجالاً لأي نظام آخر، ولا يدع منفذاً للشعور بالحاجة إلى تنظيم جانب من جوانب الحياة، لأن الشريعة الإسلامية، بقواعدها الكلية العامة وبالفقه الذي بني على أصليها الكبيرين (الكتاب والسُنَّة)، شاملة مستوعبة لكل ما تقضي به سنة الحياة إلى نظم وأحكام»([7]).



مرتضى المطهري:
أصبحت مسألة تضخيم الذات عقيدة ثابتة عند معظم العلماء، فيقول مرتضى مطهري مثلاً: إننا «نملك تراثاً فكرياً ضخماً وغنياً وأننا لسنا بحاجة إلى أي مصدر آخر للفكر...»([8])!!!


-الشيخ القرضاوي:
فالمسيحية، كما يحسب القرضاوي، تقبل قسمة الحياة بين الله وبين قيصر، وهي تعترف أيضاً بثنائية الحياة كما جاء في قول السيد المسيح «أعط لقيصر ما لقيصر وما لله لله»، فتاريخ الفكر الغربي «لم يعرف الله الذي نعرفه نحن (المسلمون)، محيطاً بكل شيء، مدبراً لكل أمر، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب من علمه ذرة... (إنما) إله الفكر الغربي إله آخر، مثل إله أرسطو، الذي لا يعلم شيئاً غير ذاته، ولا يدري عما في الكون شيئاً، ولا يدبِّر فيه أمراً، ولا يحرك ساكناً».
ويستطرد قائلاً، بأنه ليس في المسيحية تشريع لشؤون الحياة: إنما روحانيات وأخلاقيات، أما الإسلام فهو عقيدة وشريعة ، فالمسيحي إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيراً، ولا قليلاً لأنه لا يعطل قانوناً فرضه عليه دينه، ولا يشعر بالتناقض بين عقيدته وواقعه.
ففي المسيحية سلطتان: دينية ويمثلها البابا، ودنيوية يمثلها الملك أو رئيس الجمهورية، أما في الإسلام فإذا فصلت السلطتان يبقى الدين بغير سلطان يؤيده ولا قوة تسنده. وتاريخ الكنيسة غير تاريخ الإسلام: فتاريخ الكنيسة، مع العلم والفكر والحرية، تاريخ مخيف، مشهور بالاضطهاد والقتل ومحاكم التفتيش..
وبعد أن يعدد القرضاوي هذه المطاعن يتساءل: «فهل الإسلام كان كذلك ؟ وهل يمكن أن يؤاخذ بمثل ذلك ؟ ليجيب: "إن وقائع التاريخ وحقائق الإسلام تجيب بالنفي».
فمن أجل هذا لا يتصور القرضاوي للعلمانية أن تنجح في بلد إسلامي، لأنها مناقضة لطبيعة الإسلام، الذي تدين به الشعوب المسلمة، ومناقضة لمضامينه وسلوكه وتاريخه، ولا يوجد أي مبرر لقيامها، كما وجد ذلك في الغرب النصراني([9]).
لكن على الرغم من ذلك، فإن وقائع التاريخ الإسلامي لم تجب بالنفي على وجود مطاعن، كما يحسب القرضاوي، مثلاً، لأن هذا التاريخ شهد عدداً من محطات الصراع الدموية بين السلطة السياسية- الدينية الإسلامية وخصومها من أتباع مذاهب أخرى غير مذهب السلطة، بلغـت حدودها حدود الثأر و الانتقام، و هنا «نلاحظ الآثار السلبية والمؤذية لحرية الفكر من جراء الانحياز الذي تبديه الدولة لمذهب ديني معين»([10]).
لكن إذا كان حل إشكالية العدل والمساواة، بين المسلمين والمسيحيين، أو في داخل دولة تتعدد فيها المذاهب الدينية، للمحافظة على وحدتها السياسية، يكمن في المبدأ القومي العلماني، فإن تيار الإصلاحيين المسلمين، وعلى الرغم من دعوتهم إلى التآزر والوحدة بين أبناء الوطن الواحد، وعلى الرغم من أن بعضهم يعتقد بأن الإسلام لا يضيق صدره بالوطنية أو القومية إلاَّ أن ذلك مشروط، كما يحسب الشيخ يوسف القرضاوي، بأن لا يتضمنا محتوى يعادي الإسلام أو «ينافيه كالإلحاد أو العلمانية...»([11]).
وإذا كان الإلحاد ينافي قيم الإسلام، فإنه أيضاً ينافي قيم المسيحية، لذلك فهو مرفوض لأنه ينافي قيم العلمانية أيضاً وأيضاً. فالعلمانية تحترم المعتقدات الدينية لكل الأديان لأن الأنظمة المدنية التي تستنير بالعلمانية تتعهد باحترام كل المعتقدات الدينية. وأما لماذا تنافي العلمانية الإسلام، كما يحسب القرضاوي، فهذا أمر مستغرب. وهنا نتساءل: إذا كانت مقاييس الإسلاميين على هذا المنوال فهذا يعني أن المسيحية فيها ما يتناقض مع الإسلام، وفي الإسلام هناك ما يتناقض مع المسيحية. وبناء عليه تبقى الحركات الإسلامية رافضة ليس للعلمانية فحسب، بل هي ترفض حق الأديان الأخرى في ممارسة معتقداتها بحرية. ولهذا علينا أن نلقي نظرة على الكيفية التي نادى بها الغربيون بالمبدأ العلماني وعملوا على تطبيقه في أنظمتهم السياسية.
وإن ما يطرحه أنصار هذا التيار من إبراز لإيجابيات لا طائل تحتها، ونفيهم لوجود سلبيات، ليس إلاَّ تضخيم غير مبرر للذات، وهو يلعب دوره الكبير والمؤثر في تعميق حالة الاغتراب التي قد يعيشها المسلم العربي، تقوده إلى الخوف من الاستفادة من أي جانب من جوانب الحياة الحضارية الإنسانية، على مستوى الفكر والعلم.


-أحمد شوقي الفنجري:
تبقى الحقوق السياسية لغير المسلمين منقوصة في ظل نظام سياسي إسلامي، حتى إن أقصى ما يمكن الاعتراف لهم به لا يرتقى إلى درجة تحقيق المساواة العادلة على الإطلاق؛ وما يقوله إسلامي معتدل لهو خير دليل؛ فهو يقول: إن «أهل الذمة» أو الأقليات غير المسلمة في دولة الإسلام لها حقوق المسلمين نفسها: مساواة في حق العمل... مساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، ولهم أيضاً حق الانتخاب والترشيح لكل مجالس الدولة، وكل هيئات الإدارة والحكم. ولهم أن تكون منهم نسبة من الوزراء تتناسب مع عددهم. «ولكن ليس لهم حق رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء»([12]).
ما ذكرنا من بعض أقوال الفقهاء أو الباحثين الإسلاميين، ممن نعدهم من المعتدلين، فإن هناك الكثيرين ممن لا يقبلون من المسلمين وغيرهم إلاَّ التقيد التام والصارم بتشريعات الإسلام في الدنيا والآخرة، تحت طائلة الحساب ليس في الآخرة فحسب، وإنما في الدنيا أيضاً بحيث وصلت أحكامهم الصارمة، تحت شعار (إما الإسلام أو السيف)، إلى تكليف كل مسلم بأن يطبِّق ما يعتبرونه الأحكام الإلهية بحق كل من هو غير مسلم، بل بحق كل ما هو مسلم مرتد، أو بحق كل مسلم لا يتمم أصول الإسلام وفروعه.

في نتائج البحث
لم تكن العلمانية، ولن تكون، نظرية فكرية جامدة، تملك الحقيقة المطلقة التي لا تحتمل التبديل والتغيير والتطوير؛ إنما كانت، وما زالت، إحدى النظريات الفكرية- السياسية، التي توصَّل المفكرون السياسيون إليها نتيجة حاجتهم لحل إشكاليات حصلت في التاريخ والفكر السياسيين، والتي تدور حول تحديد الأفضلية في تسيير شؤون البشر الدنيوية: أتكون للديني بمنهجيته الثابتة، أم للسياسي بمنهجيته القابلة للتطور ؟
واجه الغرب هذه الاشكالية التاريخية- السياسية، في أثناء حكم الكنيسة والذي أثبت فشله؛ وواجه المسلمون مثلها أيضاً، فبرز تيار العقل في الفكر الإسلامي عند المعتزلة وعند المفكرين والفلاسفة المسلمين مثل الغزالي وابن رشد والجاحظ وأبو العلاء المعري...ثم قاوم العلماء المسلمون أنفسهم، منذ أواسط القرن19م، الأفكار الرجعية الجامدة، ومهَّدت كتاباتهم للأفكار القومية والاشتراكية، وأسَّسوا للاتجاهات العقلانية ولإمكانية الانفتاح على الأفكار الجديدة القادمة من الغرب.
لكل ذلك كانت العلمانية مشروعاً فكرياً لحل إشكالية المساواة في الحقوق السياسية بين المسلمين وغيرهم من رعايا دولة واحدة، مهَّد الطريق إليها المثقفون المسيحيون العرب، لأنهم وحدهم كانوا يشعرون بعبئها.
لا يمكن أن نحصر دور المثقفين المسيحيين من خلال تأثرهم بنشاطات الارساليات الأجنبية وبالثقافة الغربية، ونمو دورهم الاقتصادي مع توسع الرأسمالية الأوروبية في المشرق العربي، إنما كان العامل الديني ذا تأثير فعالا في تفكيرهم، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم رعايا في دولة ذات أكثرية إسلامية تنتقص من حقوقهم السياسية. ومن هنا كانت الموضوعات التي عالجوها، كفصل الدين عن الدولة، ومحاربة الحكم الاستبدادي ذات علاقة وثيقة بوضعهم. وكان اتجاههم للعروبة، في وقت كانت تسود فيه الفكرة القومية في أوروبا، نشداناً للمساواة مع المسلمين العرب للتخلص من حكم إسلامي غير عربي ([13]).
فسواء كانت المسيحية تنص على جمع الديني مع السياسي، أم أنها تقر بما لقيصر لقيصر وما لله لله، فإنها لن ترضى أن يكون قيصر مخالفاً للتعاليم المسيحية؛ ولهذا فإن الفصل بين السلطتين ليس إلاَّ لمنع استخدام الأوامر الإلهية ستاراً يرتكب فيه المؤمنون بها ما لا يُرضي الله، وما لا يحقق العدالة والمساواة بين كل رعايا الدولة. في مثل هذه الحالة، عندما يتولى السلطة سياسي علماني تمكن مناقشته إذا أخطأ، وتنتفي المعصية عن الذي يناقش لأنه ليس الراد على أولي الأمر، في الفكر الوضعي، راد على النبي والراد على النبي هو راد على الله تعالى.
لم يأت الفكر الأوروبي، منذ بداية انطلاقته، ردَّاً على الإسلام، بل جاءت ردَّاً على التعاليم المسيحية التي كانت تعمل على التفرقة بين المذاهب المسيحية بالذات. بل كانت ثورة في وجه الكنيسة التي احتكرت السلطات الدينية والزمنية، واعتبرت سلطة بابا روما ناطقة باسم الله. ولو أن الكنيسة لم ترفع مبدأ (الفرقة الوحيدة الناجية من النار)، فإنما في تعاليمها مارست ما يشبه ذلك المبدأ عندما اتهمت وحاكمت كل من يخرج عن سلطة البابا بتهمة الهرطقة. لذلك اعتبرت كل سلطة دينية لا تعترف بسلطة البابا سلطة الهرطقة بالدين المسيحي. ولأنها كانت تحتكر السلطتين الدينية والدنيوية، فهي حكماً ضد أي فكر علماني يسلبها تلك السلطات. وبهذا تساوت مبادئ التشريعات المسيحية مع مبادئ التشريعات الإسلامية الرافضة للعلمانية، أي فصل الدين عن الدولة. وهنا سننقل بعض النصوص التي ترفض ذلك، من العهدين القديم والجديد للكتاب المقدس عند المسيحيين.
جاء في سفر تثنية التشريع، الفصل الثالث عشر: » (1) إذا قام بينكم متنئ (2) وقال لك تعال إلى آلهة غريبة فنعبدها. (3) فلا تسمع كلام هذا المتنبئ (5) وذلك المتنبئ أو رائي الحلم يقتل]حتى ولو كان أخوك أو ابنك أو ابنتك أو زوجتك أو صديقك[ « : الكتاب المقدس (العهد العتيق، المجلد الأول): المطبعة الكاثوليكية: بيروت: ص 322.
وجاء في العهد الجديد ما يلي: (34) لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً، لم آت لألقي سلاماً لكن سيفاً. (35) أتيت لأفرق الإنسان عن أبيه والإبنة عن أمها والكنة عن حماتها. (37) من أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني فلن يستحقني. ومن أحبَّ ابناً أو بنتاً أكثر مني فلن يستحقني. (38) ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فلن يستحقني. (39) من وجد نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي يجدها. (40) من قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني. ]راجع، الكتاب المقدس (العهد الجديد: إنجيل متى: الفصل العاشر: المطبعة الكاثوليكية: بيروت: د. ت: د. ط: ص 17[ .
وعلى الرغم من اعتقاد المسلمين أن الإسلام دين ودولة، فإنه ليست هناك نصوص ثابتة تحدد مضامين النظام السياسي للدولة الإسلامية، باستثناء دولة المدينة التي أسسها الرسول وقادها.
إن إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، فيما يتعلق بالحقوق السياسية للأقليات الدينية داخل أنظمة دينية، هي إشكالية عامة تواجه النظام الإسلامي كما تواجه النظام المسيحي أيضاً. ولأن أفراد المجتمعات/ الدول/ الأنظمة السياسية على اختلافها، ليسوا من دين واحد، وإنما في كل مجتمع أكثرية وأقلية، ولأن لكل أصحاب دين ثوابت مقدَّسة، يصبح من الضروري أن تخضع علاقات الأكثرية والأقلية إلى قوانين ومقاييس متحركة. فكيف يمكن أن نتصور هذه القوانين والمقاييس؟
إذا استبعدنا إشكالية التناقضات بين المذاهب المتفرعة عن دين واحد-وهو مستحيل- فإنه لا بُدَّ للأكثريات الدينية الحاكمة في دولة ما، من أن تجد حلاً، يتساوى فيه مواطنوها من جميع الأديان والمذاهب أمام القانون بالحقوق والواجبات.
فلو افترضنا، مثلاً، أن الأكثريات الدينية، غير المسلمة، الحاكمة في دولة ما، أرادت أن تعامل غير المنتسبين إلى دينها، من الأديان الأخرى، معاملة الذميين كما يعتقد الإسلام، وهي معاملة بالمثل، فهل يرتضي المسلمون هذا الوضع؟ أم أن عليهم أن يفكروا في تطوير الاعتقاد بمبدأ «أهل الذمة» حماية لأبناء دينهم الخاضعين لسلطات سياسية غير إسلامية؟
نشأت العلمانية، كمبدأ سياسي، وترعرعت في أوروبا، في بيئة مسيحية؛ وكان السبب من وراء ابتكارها إيجاد حل لذلك الصراع الدموي الطويل بين المذاهب المسيحية من جهة، وبين السياسيين ورجال الدين من جهة أخرى. ولم تكن الغاية منها، عند واضعيها والمنادين بها من المفكرين الغربيين، إعلان العداء للإسلام والمسلمين؛ ولم يخطر ببال أحدهم هدف علمنة الشرائع الإسلامية، بقدر ما كانوا هم بحاجة إلى حل فنشطوا في التفتيش عنه، وجاء الحل في وجوب الفصل بين الديني والسياسي لأن مشاكلهم كانت ناتجة عن طغيان رجال الكنيسة في أحكامهم الدينية والدنيوية، والتي أسبغوا عليها هالة «المقدسات».
فالعلمانية كانت حاجة مسيحية أوروبية، أولاً وأخيراً؛ وعندما تيسَّر لها أن تخرج من دائرتها، التي نشأت فيها، إلى المشرق العربي- الإسلامي، وهو الذي كان يعاني بشكل أو بآخر من طغيان الديني على السياسي، وجدت فيه النخب الثقافية العربية، وبينها بعض علماء المسلمين، والمسيحيين العرب بشكل خاص، متنفساً فكرياً حسبوا أنه قد يحقق لهم حلاً لإشكالية المسلم و «الذمي»؛ وكانت الأصوات التي ارتفعت تأييداً ليست موجهة، بالأساس، ضد الشريعة الإسلامية، ولكن أهدافها كانت تصب في سبيل حل إشكالية سياسية عانى منها أهل الكتاب وبعض المذاهب الإسلامية على حد سواء.
هل كانت العلمانية موجَّهَة لحل إشكالية الثنائية السياسية، إسلامية-مسيحية فقط؟ إذا كان ذلك كذلك، فعلى أية قاعدة كان يمكن حل الإشكالية الإسلامية – الإسلامية بين مختلف المذاهب الإسلامية، خاصة وإن التاريخ الإسلامي كان مشحوناً بالصراعات المذهبية؟
ليست العلمانية إطاراً فكرياً سياسياً لحل الاشكالية، الإسلامية- المسيحية فحسب، وإنما هي أيضاً مشروع لحل الاشكاليات الإسلامية- الإسلامية.
لم يثبت أن العلمانية هي مبدأ سياسي استعماري، بالقدر الذي يمثل اتجاهاً فكرياً سياسياً نظرياً اكتشفه المفكرون الأوروبيون لحل إشكالياتهم الخاصة. ونحسب نحن أنه، إذا جُرِّد من بعض خصوصياته، و إذا دُرِست مشاكلنا الذاتية على ضوئه، لربما يشكل الحل الملائم لإشكالياتنا الدينية والمذهبية.
فإذا كانت هناك خصوصية للعلاقة بين العروبة والإسلام، لاقتران التكوين القومي بالدعوة الإسلامية، فإنها لا تتعارض مع الاتجاه نحو العلمنة. فالعروبة كمفهوم تقدمي تعارض التنظيم الاجتماعي والسياسي القائم على أساس الطوائف والانقسامات الطائفية؛ «وهي تشدد على ضرورة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والعرقية والإقليمية للمواطن»([14]).





([1]) العيسمي، شبلي: العلمانية والدولة الدينية: دار الشؤون الثقافية. بغداد: 986 1: ص 19.

([2]) الكيالي، عبد الوهاب: موسوعة السياسة (ج 4): م. س: ص 179: (المادة: العلمانية).

([3]) الافغاني، جمال الدين: "التعصب"أضواء على التعصب:مكتبة الفكر الاجتماعي: دار أمواج: بيروت: 983 1: ط 1: ص 27-39.

([4]) أبو الفتوح، أبو المعاطي: حتمية الحل الإسلامي: مطبعة الجبلاوي: القاهرة: 977 1: ص 68.

([5]) م. ن: ص 208.

([6])عمارة، د. محمد: فجر اليقظة القومية : دار الوحدة: بيروت: 1984 : ص 50.

([7]) شمس الدين، محمد مهدي: العلمانية: المؤسسة الجامعية: بيروت 1980: ط 1: ص 86-87.

([8]) المطهري، مرتضى: الحركات الإسلامية في القرن الأخير: دار الهادي: بيروت: 1982: ط1: ص 121: (ترجمة صادق العبادي).

([9]) القرضاوي، يوسف: م. س: ص 53 -57 و59- 60.

([10]) العيسمي، شـبلي: العلمانية والدولة الدينية: م . س: ص 33.

([11]) القرضاوي، يوسف: م. س: ص 44.

([12]) الفنجري، أحمد شوقي: كيف نحكم بالأسلام في دولة عصرية: الهيئة المصرية العامة للكتاب: مصر: 1990: ص 126.

([13]) مراد، سعيد: الحركة الوحدوية في لبنان بين الحربين العالميتين (1914هـ/1946م): معهد الإنماء العربي: بيروت: ط1: ص 74.



([14]) موسوعة السياسة (ج4): م . س: ص :179 (المادة: العلمانية).












اهلي يريدون مني .... العلو الذي يليق َ!!!
وهل بغير جناحيَّ ......... اقدر التحليق َ ؟؟؟

الاول جناح الثورة وقرينه الحرية ... هما !!!
سلاحي ....لاقاوم الجهل والاستعمار العتيق َ؟!

تحاصرون شعبي ...عقودا من السنين ؟؟!!
فهل تريدون مني ..... ان اعتنق الرقيق َ ؟؟؟



  رد مع اقتباس
/
قديم 13-08-2017, 05:28 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

ححححححححححححححححححححححححححححححححححححححح










اهلي يريدون مني .... العلو الذي يليق َ!!!
وهل بغير جناحيَّ ......... اقدر التحليق َ ؟؟؟

الاول جناح الثورة وقرينه الحرية ... هما !!!
سلاحي ....لاقاوم الجهل والاستعمار العتيق َ؟!

تحاصرون شعبي ...عقودا من السنين ؟؟!!
فهل تريدون مني ..... ان اعتنق الرقيق َ ؟؟؟



  رد مع اقتباس
/
قديم 13-08-2017, 05:32 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

اقتباس:
مفهوما الديموقراطية والعلمانية في منظور الدول العظمى.

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة السادسة)
خامساً: مفهوما الديموقراطية والعلمانية في منظور الدول العظمى.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتقال حكم العالم إلى سيطرة الدولتين العظميين الجديدتين، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، سادت أنظمة الحكم فيهما نظريات ومفاهيم فكرية وسياسية جديدة، بحيث وسمت كل منهما مفاهيم تضاد وتناقض حول العلمنة والديموقراطية، ناهيك عن مفاهيمهما المتناقضة بالنسبة لمفاهيم الفكر الاقتصادي. ولأن حقل بحثنا يدور عن العلمانية والديموقراطية سنولي هذا الجانب اهتمامنا الخاص بهما، تاركين التناقضات الأخرى إلى دراسات أخرى، لكن على أساس استخدام مفهاميمهما في الفكر الاقتصادي بما يتناسب مع ميدان بحثنا الذي بين أيدينا. لذا سنوزِّع بحثنا في دراسة مفاهيم كل دولة منهما بشكل منفصل عن الآخر، وبالتالي سننتقل إلى مقارنة بينهما من جهة، وإلى مدى انعكاسات تأثير كل منهما على موضوع دراستنا.


1-مفاهيم العلمانية والديموقراطية في الولايات المتحدة الأميركية:
للمفهومين المذكورين علاقة وثيقة بمذهب الفكر الاقتصادي الذي انبنى عليه النظام الأميركي. وحيث إن الفكر الرأسمالي هو الذي يوجِّه مسارات النظام الاقتصادي في ذلك النظام، فقد انعكست تأثيراته على مفهوميْ الديموقراطية والعلمنة.
-الأول: بالنسبة لمفهوم العلمنة فقد ارتكزت تأثيرات الفلسفة الرأسمالية بالنسبة للدين على قاعدة اعتبار وضع مصلحة الرأسماليين في رأس هرم أولوياته. ولأن رأسمال المال لا دين له، فقد اكتسب مفهوم العلمنة فيه اتجاهات ليبرالية، على أن يختار المواطن بمفهوم الرأسمالية الدين الذي يرتضيه بمحض اختياره من دون إكراه أو توجيه طالما أنه لا يمس بمصلحة النظام الرأسمالي، وأن لا يتدخل بشكل التشريعات والقوانين التي تحمي مصلحة الطبقة الرأسمالية.
-الثاني: وأما بالنسبة لمفهوم الديموقراطية، فقد عمل النظام الأميركي -بحسه المادي (الربح والخسارة)-على تصدير السلع الاستهلاكية؛ ويعمل على تسويق هذه السلعة بواسطة ثقافة اقتصادية هدفها الأول فن الترويج للسلعة، وتوفير الأسواق الواسعة لبيعها. وبهذا فقد استنبط الغرب - التاجر أسلوباً اقتصادياً قائماً على ثقافة إعلانية تدعمها وسائل الإعلام المتعددة الوجوه والأغراض. واستدعى هذا الأسلوب في سبيل إنجاحه عولمة لمفاهيم سياسية/ اجتماعية/ اقتصادية تصبُّ في دائرة ثقافة الاستهلاك السُلَعي، فأسس بهذا ثقافة للمستهلك كتابع للمنتج كل همه أن يلاحق السلعة الأفضل من خلال الدعاية والإعلانوليس من همٍّ لثقافة الاستهلاك غير أن تكون جذَّابة في الشكل، جاذبة للمستهلك بسهولة. فيَعِدّ نفسه بسلعة تُيسِّر له الرفاهية والراحة فيصبح مستهلكاً مُترَفاً أكثر منه راغباً في ثقافة الإنتاج.
إن كل هذا يندرج تحت سقف حرية الرأسمال. هذا في الوقت الذي يمنع فيه كل صوت يصب في معارضة هذا الهدف أو الحد من سلطة رأس المال، فمنع قيام نقابات للعمال، بل حاربها بكل شراسة وقوة. ولهذا فقد أصبح النقيض الدائم للمذاهب الاقتصادية الأخرى ويأتي في الأولوية منها المذهب الاشتراكي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شرَّع لنفسه أن يستخدم، إلى جانب ذلك، قواه العسكرية في الخارج من أجل فرض مفهومه الخاص. وإن الصراع البارد والساخن الذي وسم علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع الاتحاد السوفياتي في مرحلة النصف الثاني من القرن العشرين، كان مبنياً على أيديولوجيا العمل من أجل نشر المبادئ الديموقراطية الرأسمالية القائمة على (حرية رأسمال المال، وحق الرأسماليين في سرقة ليس مواطنيهم فحسب، بل سرقة كل ثروات كل شعوب الأرض). فما قصة هذه الأيديولوجيا؟


أ-نهاية التاريخ عند إيديولوجيا المحافظين الجدد قديمة:
تعود الأصول الفكرية للمحافظين الجدد الى مجموعة مفكرين يهود ظهروا في حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وعُرفوا بمجموعة سيتي كوليدج أوف نيويورك. والمفارقة اللافتة أن بداية النظريات السياسية لهؤلاء جاءت من الفكر اليساري التحرري المتمثل في القيم الاجتماعية والاقتصادية المنادية بالمساواة. لكن مع مرور الوقت وإزاء التحفظ على النظام الشيوعي السوفياتي، وقمع الحريات الذي مارسه ستالين، تحولوا إلى مجموعة فكرية تعادي الشيوعية الى أقصى الحدود.
تعود صياغة إيديولوجيا المحافظين الأميركيين الجدد الأولى، بالتبشير بـ«نهاية الإيديولوجيا» إلى حوالي أربعين سنة قبل فوكوياما. فقد أطلق (رايموند آرون) القول بـ«نهاية عصر الأيديولوجيا» وتبلور الإصلاحات التي أطلقها خروتشوف. وبعده أصدر (دانييل بل) كتابه «نهاية الأيدولوجيا»، في العام 1960.
أكَّدت أطروحات آرون وبل انتصار الرأسمالية الغربية من خلال ازدهار الغرب وبروز دولة الرفاه الاجتماعي، والتوسع الإنتاجي الهائل. بينما كان التعثر والنكسات التي مني بها المعسكر الاشتراكي سمة المرحلة السابقة. وبمثل هذا السقوط، وبمثل انتصار الثورة الديموقراطية الاجتماعية في الغرب، اعتبر الكاتبان أنه لم تعد ثمة حاجة لأيديولوجيا أخرى غير الرأسمالية الليبرالية التي هي وحدها تحدد مستقبل البشرية.
ومن بعد الرعيل الأول من الكتاب، كتب فوكوياما «نهاية التاريخ» بالقول: «إن الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية الغربية لا يؤدي إلى نهاية الأيديولوجيا أو إلى نقاط التقاء بين الرأسمالية والاشتراكية .. ولكن إلى انتصار لا شبهة فيه لليبرالية الاقتصادية والسياسية»، وقد حددها صمويل هنتنغتون بـ«الديمقراطية الليبرالية، السوق الحرة، الحكومة المحدودة، حقوق الإنسان، الفردية، حكم القانون». لكن التطورات اللاحقة في السياسة الدولية بددت سريعاً تفاؤل مفكري المحافظين الجدد، بحيث استفاقت أنظار العالم على خطورة مشروع أمركة العالم وراحت تخوض حرباً ضدها.
هذه النتائج المخيبة عززت من مواقف المحافظين الجدد الداعية إلى ربط العولمة بالقوة العسكرية الأميركية المتفوقة، وانتقلت العولمة من طورها السياسي الأيديولوجي التبشيري إلى طورها العسكري خلال عقد واحد من الزمان.
ليست العولمة مجرد أفكار حول التجارة العالمية والاقتصاد العالمي فحسب، بل إنها تتشكل في صورة ثقافة متكاملة عابرة للقارات. ويرى أنصارها أن هناك ثقافة عالمية تتشكل على نطاق العالم. ثقافة تطمح إلى إشاعة نمط حياة مستوحىً من نمط الحياة الغربية.
انتبهت الولايات المتحدة لأهمية التأثير الثقافي لذلك فعملت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية على تبني سياسات اتصال تضمن تفوقها في هذا المجال الحيوي. وبالفعل تمكنت من الهيمنة على مجال الاتصالات في العالم خلال سنوات معدودة، وفي هذا الاتجاه تم تصميم ونشر العديد من السياسات التي تهدف إلى استيعاب المزيد من شعوب العالم ضمن الثقافة الغربية. لكن شعر المحافظون الجدد أن التأثير الثقافي وحده غير كاف لنشر العولمة فرجحوا التلويح بالقوة الأميركية المفرطة واستخدامها إذا لزم الأمر.
لقد تكوَّنت إيديولوجيا الطبقة الأميركية البيضاء، على مسارات ثلاث:
-عرقياً: حتى تاريخ قريب كان محظوراً التجاوز على الواقع العرقي المفروض في أميركا، فكان الإعدام يطبق بشكل تلقائي على أولئك الذين ينتهكون الامتيازات الطبيعية للأمريكان البيض.
-طبقياً: في ظل غياب قوانين لتنظيم الإنتاج والمتاجرة، استفادت الشركات الكبرى، وتحوَّلت إلى اتحادات كبرى (تروستات)، سيطرت على مجمل الحياة الاقتصادية الأميركية؛ وطبَّقت مبدأ داروين على الحياة الاقتصادية تحت شعار »إن الأقوى والأكفأ في الصراع مع الحياة هو المنتصر«.
-اقتصادياً: ولكي يضمن أصحاب الشركات الكبرى سيادة رأس المال، ترافق بناء مشروعهم الإيديولوجي مع هدف الهيمنة على القرار السياسي الداخلي، بالسيطرة على صانعي القرار السياسي، ومفصلهم الأساسي رؤساء الجمهورية.
ولأن المشروع الإمبراطوري الأميركي يقر أن قوة أمريكا سوف تنازعها باستمرار استراتيجية الضعفاء، ويرى في كل دول العالم أعداء محتملين‏، لذا يضع نفسه فوق القانون.‏ وتحاول الإدارة الأميركية سد الفجوات في المؤسسات الدولية ‏بالـ(المناصب القيادية‏)‏ التي قد ينفذ منها أعداء الولايات المتحدة‏,‏ بأناس مخلصين.‏
ومن أجل تمويه القرار الأميركي بغطاء دولي، تستغل الإدارة الأميركية نفوذها في البنك الدولي مثلاً من أجل مساعدة الأنظمة المخلصة لأميركا.


بـ-ديموقراطية زائفة لا عدالة فيها ولا مساواة:
يضمن النظام الديموقراطي الأميركي الحق بإبداء الرأي للمواطن الأميركي، كما يضمن له الحق باختيار المرشحين في الانتخابات التشريعية، واختيار الرئيس. وهذه مسألة ظاهرة تثير الإعجاب. ولكن المواطن الأميركي عليه أن يختار مرشحاً أو مرشحين من بين أسماء محدودين يختارهم الحزبان الرئيسان والوحيدان في أميركا. وبالنظر إلى طبيعة تركيب اتجاهات وإيديولوجيات الحزبين الرأسماليين، فإن الخيار بينهما أحلاهما مر، إذ تفرض تلك الإيديولوجيات خيارات لا يمكن أن تتجاوز مصلحة النخبة الرأسمالية. بل وهناك حظر فعلي لترشيح من هم خارج النادي الرأسمالي، بحيث يعجز غير الرأسمالي أن يوفر نفقات الدعاية وتغطية مصاريف الحملات الانتخابية.
وبالعودة إلى الدستور الأمريكي نجده يضمن حق الانضمام إلى النقابات واختيار المهنة فقط، ولا يعترف بحق العمل والأجر المناسب وحق السكن والطعام والملبس، وحق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، أو حق حماية الأسرة والأم والطفل. وهذا يظهر واضحاً على الصعيد العملي، بحيث يُصدم المرء بحقائق تنتشر في المجتمع الأميركي، لا تنم عن روح العدالة والمساواة بين المواطنين.


جـ-الديموقراطية الرأسمالية ديموقرطية اقتصاد السوق:
يزعم النظام الرأسمالي أن (اقتصاد السوق)، سيحقق التنمية والرفاه الاجتماعي، وستضيق الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وسيصهر المجتمع البشري في دولة عالمية خالية من الضغائن والأحقاد الطبقية، بينما واقع الأمر يناقض تلك المزاعم لأن ظاهرة اقتصاد السوق، تعني ترويج السلع التي تنتجها المصانع الكبرى أو تلك التابعة لها كفروع. وهي لا تفسح الطريق لغير تلك السلع. واقتصاد السوق يعني خصخصة الملكية العامة، ووضعها في خدمة الأشخاص الرأسماليين. ويرافق عملية التحويل هذه تشريعات وقوانين تسمح بانتقال السلع والرساميل من دون عوائق، وهذا ما يُسمى بـ«ديموقراطية اقتصاد السوق». والفرق بين الخصخصة، والقطاع العام، هو أنه إذا كانت الملكية عامة تستثمرها الدولة لمصلحة الخزينة العامة، وبالتالي تُستخدم لمصلحة المجتمع الوطني في توفير الخدمات العامة من بنى أشغال عامة وصحية وتعليمية واجتماعية... بينما تعني خصخصتها تحويل عائداتها لتصب في خزائن مالكيها.
وتعني الخصخصة، أيضاً، للرأسمال الخارجي حق التملك وهذا يقود إلى حرية انتقال رأس المال بسهولة ليشكل استنزافاً إلى إخراج رساميل يمكن استخدامها في برامج التنمية الوطنية. وغالباً ما تشتري الرساميل الكبرى الخارجية القطاع العام والأملاك العامة بواسطة وكلاء محليين، لتضفي عليها شكلاً الغطاء الوطني.
وبالخصخصة تحدث عملية تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تابع للشركات الكبرى، ولهذا فعولمة الاقتصاد، ستقود إلى عولمة الأزمات الاقتصادية ، وإذا ما ظهرت هذه الأزمة في الدول الصناعية المتطورة ، فسوف تنعكس آثارها على اقتصاد العالم كله. فالثمن الاجتماعي الذي يصاحب الأزمات الاقتصادية العالمية ستدفعه الطبقات الفقيرة في كل المجتمعات. فالعولمة بسياساتها الانفتاحية وتحرير التجارة ، وتغيرات هيكلية لتكييف الاقتصاد الوطني مع الاقتصاد العالمي يترتب عليها ظهور عدد المشاكل، ومنها:
-زيادة مستويات البطالة وانخفاض المستوي المعيشي للفئات الدنيا والوسطي.
-إنصهار الأسواق المحلية والسلعية والخدمية والعمالية في سوق واحدة يربط الإنتاج الوطني بالطلب في الأسواق الأخرى. وهذا الأمر سيضعها في منافسة غير متكافئة مع التكتلات الاقتصادية العملاقة التي بتوسع نشاطها من دون قيود سيجعل مناطق النفوذ الضعيفة غير قادرة على المنافسة.
وعلى الرغم من كل الادعاءات و الأطروحات، التي يروجها دعاة عولمة الاقتصاد، لا يزال عالمنا اليوم يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، تمثلت في تدني مستويات الدخل وارتفاع عدد الفقراء والعاطلين عن العمل، وارتفاع حجم ديون الشعوب النامية والدول غير الصناعية.
أما الادعاء بأن العولمة قد أنهت الحرب الباردة وحققت السلام فهذا مجرد هراء. فخطر العولمة هو انتصار التكنولوجيا على الأيديولوجيا، والذي نفهمه بأنه انتصار اقتصاد تحكمه قيم السوق.


-مفاهيم العلمانية والديموقراطية في الاتحاد السوفياتي:
حيثما ورد مصطلح (الاتحاد السوفياتي) في هذه الدراسة يُقصد منه النظام الشيوعي في العالم الذي تأسس في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهار في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. ولاقيمة لدراسة المفاهيم التي سادت حينذاك أكثر من أنها كانت تمثل نهجاً أيديولوجياً زالت تأثيراته على الصعيد العالمي بزوال الاتحاد وتفتيته وعودة أعضائه من الدول إلى أحضانها القومية. فإلقاء الضوء هنا ليس أكثر من تجربة تاريخية لعلَّ في استعادة استذكارها فائدة لدراسات شبيهة بدراستنا.
لقد انبنى الاتحاد السوفياتي على قواعد أيديولوجيا اقتصادية تعتبر أن (الاقتصاد محرك التاريخ) وانطلقت من النظرية الماركسية التي تهدف إلى بناء دولة أممية اشتراكية تتغلَّب فيها مصلحة العمال والفلاحين على أي مصلحة أخرى، وتعمل على عولمة الدولة الاشتراكية كأهم خطوات الوصول إلى الدولة الشيوعية التي تعتقد بأنها الدولة التي (يعمل فيها الإنسان حسب طاقته، ويستهلك فيها حسب حاجته). وهو مجتمع مثالي أفلاطوني، وليس من الغريب أنه انتهى قبل بلوغه القرن من الزمن. لذا فقد فصَّل النظام السوفياتي مفاهيمه في العلمانية والديموقراطية على مقاييس نظريته في الاقتصاد. فكيف حصل ذلك؟


-المفهوم العلماني: انطلاقاً من اعتبار الاقتصاد محركاً للتاريخ، استند الفكر الماركسي في تنمية الطاقات البشرية على مبدأ الإلحاد فأغرق نفسه في التنمية الاقتصادية متجاوزاً التنمية الروحية عند الإنسان وحاجة الإنسان إليها، وباعتباره (الدين أفيون الشعوب) فقد بشَّر بمبدأ الإلحاد. بحيث كانت الثقافة الإلحادية من المقررات التي تُدرَّس في المؤسسات التعليمية في دول الاتحاد السوفياتي. وذلك الواقع يؤدي بطبيعة الحال والواقع إلى اختيار النظام فوق العلماني، الذب طبَّقه بشكل متطرف في قيادة الدولة. وإذا كانت العلمانية مبدأ سياسي للحكم، فتأتي الحل الوسط بين النظام الديني ما قبل العلماني، والنظام الإلحادي ما فوق العلماني.
هذه الإشارة، وكما دلَّت وقائع وواقع ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تكن تعني إلغاء للدين بقرار، بل إغراق المجتمع السوفياتي في معركة ضد الثقافة الدينية عنوانها الترويج للإلحاد، على أن يتم تطبيقه بتغيير الثقافة الدينية تدريجياً بإعداد المثقفين الملحدين أولاً وتوسيع رقعة ثقافة الإلحاد ثانياً. ولذلك أخذت التنمية الاقتصادية مداها الأقصى إلى أن احتلت الدولة السوفياتية مقعداً في صفوف الدول الأكثر تقدماً في العالم، ودخلت في معركة حادة مع الرأسمالية الدولية.


-المفهوم الديموقراطي: وهذا المفهوم أيضاً يرتبط بمفهوم الإيديولوجيا الاقتصادية. إذ أنه باعتبار النظام السياسي نظاماً إشتراكياً يهدف إلى توزيع الثروة المادية بالعدل والمساواة بين مواطني الدولة، فقد انطلق من نقطة اعتبارها دولة للعمال والفلاحين، القائمة على شعار ثورة عالمية للعمال ضد الأنظمة اللاإشتراكية بالقول: (يا عمال العالم اتحدوا). ولهذا، وفي مواجهة ديكتاتورية الطبقات الرأسمالية والإقطاعية، فقد طبَّق شعار (ديكتاتورية البروليتاريا). ولهذا فقد كان حاسماً في أهدافه من دون استخدام وسائل الانتقال التدريجي من مرحلة إلى أخرى.

انطلاقاً من مفاهيم الدولتين الأكبر في العالم، نجد أن لكل منهما مفاهيم للعلمنة والديموقراطية وُضعت من أجل خدمة أهدافهما الإيديولوجية الاقتصادية، خاصة أنهما يمثلان أيديولوجيات متناقضة ومتحاربة، فلا حل وسط بينهما يمكنهما الاتفاق عليه. وعليه فإننا نخلص إلى نتيجة نرفض فيها أن تشكِّل المصالح الفئوية مقاييس تكال بها المبادئ الإنسانية الكبرى.












اهلي يريدون مني .... العلو الذي يليق َ!!!
وهل بغير جناحيَّ ......... اقدر التحليق َ ؟؟؟

الاول جناح الثورة وقرينه الحرية ... هما !!!
سلاحي ....لاقاوم الجهل والاستعمار العتيق َ؟!

تحاصرون شعبي ...عقودا من السنين ؟؟!!
فهل تريدون مني ..... ان اعتنق الرقيق َ ؟؟؟



  رد مع اقتباس
/
قديم 14-08-2017, 07:01 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

المسألة العلمانية من وجهة نظر قومية

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة السابعة)
سادساً: المسألة العلمانية من وجهة نظر قومية

إن التيارات القومية العربية تدعو ليس إلى القومية كنظرية فكرية فحسب، وإنما إلى تحقيقها في عمل سياسي وجغرافي أيضاً، فحزب البعث كأحد أهم تلك التيارات، مثلاً، يعتقد:«بأن الشعور القومي الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاًهوشعور مقدَّس... والفكرة القومية... هي إرادة الشعب العربي في أن يتحرر ويتوحد وأن تعطى له فرصة تحقيق الشخصية العربية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم على كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية». ولهذا فإن «الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة، وتكافح العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية»([1]). أما كيف ينظر هذا التيار إلى علاقة العروبة بالإسلام؟
إن الإسلام هو محطة كبرى فيالتاريخ العربي،انتقل بالعرب من التعددية القبليةوالدينية إلى الوحدة السياسية والدينية، وورث من تاريخ العرب كل ما اتسمت به الشخصية العربية من قيم([2]) .
لم تشهد بواكير الدعوة الإسلامية، وحتى مرحلةمتقدمة من العصر الأموي، مثل هذهالتعقيداتفي العلاقةبينالعروبة والإسلام؛ ويعودذلك إلىأسباب عدةمنها:
-لما كانت المسألة القومية ليست بالوضوح النظري الموجودة عليه في هذا العصر، لذا لم يكن مطلوباً من المسلمين الأوائل تحديد موقف منها في أثناء التبشير بالدعوة الإسلامية.
-أثيرت علاقة العرب بالشعوب الأخرى، في مراحل متقدمة من التاريخ الإسلامي ، عندما استهلكت الخلافات السياسية، الداخلية بين العرب، والخارجية مع غيرهم، انكب المسلمون، العرب وغير العرب، على القرآن والسنةلاستخلاصموقف من المسألة القومية. وقد ارتفع الكلام حولها كلما كان يرتفع مستوى التفسير للقرآن ويتفرع، وكلما كانت الخلافات بين المسلمين العرب وغيرهم تزداد حدة.
-في عهد متأخر عن العصر الأموي، وبفعل الفتوحات الإسلامية، وانضمام مجتمعات كثيرة غير عربية إلى الإسلام، وانفتاح العرب على حضارة تلك الشعوب والمجتمعات، حملت كلها مشاكل جديدة لم يكن يواجهها المسلمون في المراحل الأولى، السبب الذي دفع بهم إلى الاهتمام بتفسير القرآن في محاولات للحصول على إجابات عما طرحته الحضارات الأخرى,
كان تعدد الولاءات السياسية،مدخلاً أساسياً لتعدد المذاهب الدينية، وهو ما أثَّر على نشأة مذاهب عديدة في التفسير الإسلامي.ولما كان التفسير يصب في خدمة المذاهب، وهذا ما صار ينطبق على قول العالم اللاهوتي، بيترفيرنغلس، في الإنجيل: «كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس،وكل امريء يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه». وهذا ما يصدق على تفسير القرآن ومذاهب التفسير الإسلامي ([3]).
إن هذا الواقع كان العامل الأساسي الذي أسهم في تفتيت السلطة السياسية، فدخلت المذاهب والفرق الدينية في صراع على السلطة مما أدى إلى تشرذمها وتفتيتها، وساد عصر الدويلات الطائفية في الدولة الإسلامية ردحاً طويلاً من الزمن، وكانت من أهم نتائجه فتح الطريق أمام التدخل الخارجي والاستقواء بغير العرب لتدعم كل دويلة سلطتها وتحميها. وفي النهاية انتقلت السلطة السياسية في الدولة الإسلامية إلى أيدي غير العرب. فكانت الدولة الإسلامية مصدراً لارتكاب أخطاء فادحة حيث سادت مفاهيم التمييز بين مكوناتها الاجتماعية. وبهذا أثبتت الدولة المدنية فشلها في توحيد تلك المكونات. واستمرت على هذا الحال حتى أواخر القرن التاسع عشر عندما أخذت مبادئ جديدة تتسرب من أوروبا، وكان من أهمها الدعوة إلى دولة لا دينية، أي دولة مدنية تقوم بتوحيد تشريعاتها وقوانينها لكي تضمن مبادئ العدالة والمساواة بين شتى مكونات المجتمع. وهذا ما عُرف بالمبادئ العلمانية، أي المبادئ الوضعية التي تنظر إلى المواطن بغض النظر عن انتمائه الديني والمذهبي.
غني عن القول أن تحديث مفهوم الدولة في المنطقة العربية قد استقطب مجموعات نخبوية من المثقفين والمفكرين، وصولاً إلى تأسيس أحزاب سياسية، راحت تنحت في بنية الثقافة الشعبية التي كانت مشبعة أصلاً بالمفاهيم الدينية. وهذا السبب فتح بوابات الصراع بين التيارات التحديثية الجديدة والتيارات الدينية.
ولاستكمال البحث عن العلمانية في مناظير التيارات الإسلامية سنفرد هنا بحثاً آخر عن العلمانية في منظور التيارات القومية، آخذين المفهوم العماني عند حزب البعث أنموذجاً.
يقول الدكتور محمد شيا: «اجتمعت في دستور حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أقره المؤتمر الأول التأسيسي في 4-6 عام 1947، كل الأركان العامة (النظرية) التي سمحت، بل ألزمت، بلوغ فكر علماني محدَّد. فالعقيدة التي تكوِّن قومية خالصة، وتتبنى تطلعات الطبقة الوسطى في التحديث، واشتراكية في المضمون، ثم لا تذكر في دستورها ونظامها الداخلي كلمة واحدة في الإسلام أو الدين عموماً، هذه العقيدة (النظرية) ستسمح حتما بقيام فكر علماني واضح ومحدَّد، وفي حدود تفوق أو تتجاوز ما بلغته الناصرية في هذا المضمار»([4]).
وإلى ماذا استند في البرهان على رؤيته؟
-ينص المبدأ الأول في دستور البعث على أن «الأمة العربية، وحدة ثقافية، وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية زائلة تزول جميعها بيقظة الوجدان العربي».
-تنص المادة الثالثة: «حزب البعث العربي الاشتراكي قومي يؤمن بأن القومية حقيقة حيَّة خالدة وبأن الشعور الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاً هو شعور مقدس».
-وفي المادة (13) يجعل الحزب الرابطة القومية الرابطة الوحيدة القائمة بين المواطنين: «الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية»([5]).
يقول محمد شيا: « إن جعل الرابطة القومية، والتعبير لقوميي الثلاثينات، الرابطة الوحيدة القائمة، هو نفي واضح لكل ما يتعارض أو لا ينسجم مع الرابطة القومية. وهو نفي الرابطة الدينية كأساس أو إطار جامع في الدولة العربية، وهو التعارض الأول والمبدئي بين المنظور القومي والمنظور الديني»([6]). وإذا حسبنا نحن أن التعارض بين المنظورين قائم فعلاً، فهذا لا يعني الوقوف موقفاً سلبياً من الدين، بل الموقف السلبي يطول أهداف حركات الإسلام السياسي التي تصر على إعادة بناء الدولة الدينية.
ومن أجل الدفاع عن اعتبار الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة، ينقل أمثلة عن ذلك من نصوص دستور الحزب:
-فالمادة العاشرة تعتبر أن: «العربي هو من كانت لغته العربية وعاش في الأرض العربية أو تطلع إلى الحياة فيها وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية».
-والمادة الخامسة تنص على أن: «حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها من إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها... ».
-والمادة 17، تنص على أن الحزب يعمل: «على تعميم الروح الشعبية (حكم الشعب) وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية ويسعى إلى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم...» ([7]).
-وعلى المستوى الاجتماعي يناضل البعث، كما ينصّ المنهاج، لتعميم العمل والعلم واحترام الأسرة والمرأة وخلق «ثقافة عامة للوطن العربي: قومية، عربية، حرة، تقدمية، شاملة، عميقة، وإنسانية في مراميها وتعميمها في جميع أوساط الشعب».
فالقومية الخالصة الجماهيرية والاشتراكية، هي بالضرورة علمانية. فالقومية الخالصة لا تكون إلاَّ بتجاوز الديني تحديداً، وهذا جانب مهم في العلمنة، التي تسعى من خلال الاشتراكية إلى التحديث والعقلنة والعصرنة والتنمية والتطوُّر. وهي كلها القاعدة التي تتخلَّلها العلمنة وتستند إليها.
يقول محمد شيا: « وليس من باب المصادفة في شيء أن يخلو دستور البعث ومنهاجه في مواده الثماني والأربعين من أية كلمة تتناول الدين (أو الإسلام) ما خلا إشارة واحدة لحظت المذهبية والطائفية كعاملين معيقين للرابطة القومية وللتوحُّد الوطني»([8]).

نصوص المؤتمرات القومية التي أكَّدت العلمانية
ولم تتراجع مؤتمرات الحزب المتلاحقة عن أي من هذه الاتجاهات، وإنما على العكس تماماً، فقد كانت الدعوة منصبةً دائماً على تعميق أطراف المثلث الذي ذكرناه، مما يشير بمقدار ما يعنينا إلى تجذير متزايد لعلمنة النظرية البعثية وتوفير مقدماتها وشروطها وأسبابها. فقد أشار بيان المؤتمر الثاني، في 6-9 نيسان عام 1950، إلى أن «على الحزب أن يزداد شدة في محاربة الرأسمالية والإقطاعية والرجعية وأن يدعو الجماهير العربية إلى التمسك بالاشتراكية العربية وبالاتجاه التقدمي».
وتوالت بياناته، قبل الوصول إلى السلطة، تحذر من خطر استغلال الدين من قبل الرجعيين وحلفائهم «فالحزب حرب على الطائفية والقطرية والعشائرية» على حد تعبير بيانه الصادر في 23 أيلول 1959([9]). كذلك دعا المؤتمر الرابع، في آب عام 1960، وفي توصيته الرابعة إلى ما يلي: «يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة، ولذلك يوصي القيادة القومية:
1- علمانية الحزب، خاصة في الأقطار العربية التي تشوِّه فيها الطائفية العمل السياسي.
2- إبراز التناقضات بين مصالح الفئات الرجعية المتاجرة بالدين ومصالح الجماهير الشعبية.. ».
وتشير التوصية التاسعة إلى علمانية الحزب بالاسم والتحديد كما يلي: «وجدت القيادة بعد دراسة الوضع في لبنان أن الفكرة العربية تقترن في أذهان جزء من أبناء الشعب بالطائفية الإسلامية والتبعية للجمهورية العربية المتحدة، لذلك تقرر أن أفضل سبيل لتوضيح فكرتنا القومية هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العلماني... وعلى ذلك سيكون نضالنا في هذه المرحلة مُركَّزاً حول تأكيد علمانية حركتنا ومضمونها الاشتراكي لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية من كل فئات الشعب وطبقاته»([10]). أما موقع الإسلام في هذا التفكير، فلم يرد فيه نص في دستور البعث على الإطلاق.

نصوص عفلق في تأكيد عروبة الإسلام وليس في أسلمة العروبة
غير أن أدبيات البعث الأخرى، وخصوصاً في كتابات ميشيل عفلق الأولى، تذهب مذهب القوميين عموماً في التفسير القومي للإسلام في استثماره كقوة دفع للروح العربية في التاريخ كما في تعبير ميشيل عفلق: «لنهجر اللفظ قليلاً ولنسمِّ الأشياء بأسمائها وصفاتها المميزة، فنستبدل بالقومية العروبة وبالدين الإسلام... فالإسلام في حقيقته الصافية نشأ عن قلب العروبة وأفصح عن عبقريتها أحسن إفصاح وساير تاريخها وامتزج بها في أمجد أدواره... ». فالإسلام في غالب ذكرياته عربي، كما يقول عفلق في خطاب له عشيَّة «المولد النبوي» عام 1943، إذ إن «الإسلام في جوهره، وحقيقته حركة عربية ويعني تجدد العروبة وتكاملها، ولأنه نزل في أرضهم ولغتهم ولأن الرسول عربي والأبطال الأوائل الذين ناضلوا من أجل الإسلام هم من العرب» ([11]). وينتهي خطاب عفلق إلى تقرير الحقيقة التالية: «إن قوة الإسلام في هذه المرحلة قد بُعثت وظهرت بمظهر جديد هو القومية العربية».


مواقف قادة بعثيين من المسألة العلمانية
ولعل أكثر الكلام وضوحاً في علمنة البعث هو لشبلي العيسمي، أحد قادة حزب البعث في الخمسينات والستينات، حيث يقول في طبيعة المناقشات التي دارت في المؤتمر التأسيسي الأول عام 1947: «لقد حرص الحزب على أن يتميز عن الأحزاب التقليدية التي كانت قائمة في مرحلة الأربعينات، فأراد أن تكون عقيدته علمية ثورية وعلمانية عصرية مع عدم التنكر للقيم الروحية المرتبطة بتاريخ الأمة العربية وتراثها الحضاري».
وبعد، فإن قومية البعث الخالصة الكاملة، ثم مضمونها الاشتراكي العصري، قد قدَّما إطاراً لبروز علماني لا يمكن التنكر له، ويمكن اكتشافه والإشارة إليه على الدوام. إن الرابطة القومية في عقيدة البعث، وفي المستوى الحاد الذي بلغته، لم تترك مكاناً لأية رابطة غير قومية وللرابطة الدينية بالذات، وكما يقول العيسمي مرة أخرى: «إن الشعور القومي عند العرب نما... وغدا أكثر قوة وقدرة على تخطي الرابطة الدينية وتجاوزها» ([12]).

علاقة البعث مع الحركات الدينية السياسية علاقة احتراب دائم بسبب علمانيته
ومما لا شك فيه أن جزءاً من موقف البعث العلماني هو الذي كان يقف باستمرار في التاريخ الدامي الطويل بين البعث والحركات الإسلامية وبخاصة «الإخوان» ، والذي بلغ ذروته في الصدامات الدموية التي حصلت عام 1977 والذي يذهب مؤتمر البعث القطري السادس إلى أنه جزء من الهجوم الرجعي الإمبريالي الدائم ضد قومية البعث وتقدُّميته. يقول التقرير: «لقد اعتبر حزبنا منذ تأسيسه الحامي الحقيقي للقيم الإسلامية والمدافع عنها كتراث حضاري أصيل للأمة العربية، ورأى في الرجعية الدينية أخطر عدو لهذه القيم ولمضامينها الحقيقية، لأن هذه الرجعية كانت ولا تزال القوة الضاربة للإمبريالية والصهيونية التي هي العدو التاريخي الشرس اللدود للعروبة والقيم الإسلامية. فضلاً عن أن هذه الرجعية الدينية كانت ولا تزال الغطاء الإيديولوجي للرجعية الاجتماعية والسياسية التي تحاول التستر بالدين تضليلاً للجماهير عن حقيقتها المعادية لحرية هذه الجماهير وحقها في خيرات وطنها وفي حياة كريمة... ليس هذا بجديد على حزبنا الذي اصطدم بهذا التنظيم الرجعي العميل منذ تأسيس الحزب وقاتله في مختلف مراحل تطوُّر نضاله... بل إن حركة التحرر العربية بمختلف فصائلها اصطدمت بهذا التنظيم الرجعي العميل بخاصة ثورة 23 تموز / يوليو بقيادة جمال عبد الناصر».
ويتابع التقرير فيقول: «لقد اصطدم حزبنا بالإخوان المسلمين في الأربعينات عندما ناضل من أجل الجلاء... كما اصطدم به عبر نضاله ضد تحالف الإقطاع والبرجوازية التجارية... كما قاتله في مطلع الخمسينات من أجل وضع دستور قومي عربي تقدمي للقطر العربي السوري. وكذلك في النصف الثاني من الخمسينات إبَّان نضال الحزب ضد حلف بغداد والعدوان الثلاثي عام 1956 ومبدأ أيزنهاور 1957. كما قاتلهم كذلك في مرحلة الانفصال... وفي جميع هذه المراحل كان تنظيم الإخوان المسلمين رأس الحربة للرجعية الداخلية ولقوى التآمر الخارجي» ([13]). وينتهي التقرير إلى «أننا نعلم حق العلم أننا لسنا وحدنا المعنيين بهجوم الرجعية الدينية بل جميع القوى التقدمية في العالم كله».
هذا الصراع الدموي الطويل بين البعث والإخوان المسلمين هو انعكاس طبيعي، شئنا أم أبينا، لموقف البعث الحاد في المسألة القومية وفي مسائل التحديث والتنمية (والعلمنة بالتالي) ولطبيعة تحالفاته وسياساته التي بدت على تناقض تام مع تنظيم الإخوان والتنظيمات التقليدية المشابهة.
علمنة البعث، إذاً، لم تكن نصاً وكفى، وإنما كانت جزءاً من الأسباب التي قادت إلى مواجهات دامية مع الإسلاميين، تماماً كما كانت قوميته الخالصة سبباً في مواجهات مماثلة، وإن تكن قد ضعفت الآن، مع الشيوعيين.





([1]) دستور حزب البعث العربي الاشتراكي: نضال البعث (ج4): دار الطليعة: بيروت: 1975:ط 3: ص 25 و27.

([2]) فرح، الياس:فيالثقافةوالحضارة :م. س: ص 83-84.

([3]) جو لد تسهر، أ جنتس : م. س: ص3 و 73 و106 و107 و111.

([4]) الدكتور محمد شيَّا: الحركات الجماهيرية في الوطن العربي: معهد الإنماء القومي: بيروت: 1991: ص 126 - 137.

([5])المبدأ الأول في دستور البعث. حيث تنصّ المادة الثالثة. والمادة (13).

([6]) الدكتور محمد شيَّا: الحركات الجماهيرية في الوطن العربي: معهد الإنماء القومي: بيروت: 1991: ص 126 - 137.

([7])المادة العاشرة. و المادة الخامسة. والمادة السابعة عشرة.

([8]) الدكتور محمد شيَّا: مرجع سابق: ص 126 - 137.

([9]) نضال البعث، ج 2، ص ص 55 - 56. و289.

([10]) نضال البعث، ج 4، ص 97 و103.

([11]) ميشيل عفلق: في سبيل البعث، ص 43 و55.

([12]) شبلي العيسمي: حزب البعث العرب الاشتراكي، الأربعينات...، ط 3، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص 11 و72.

([13]) نضال حزب البعث، ص ص 280- ا 28.








  رد مع اقتباس
/
قديم 15-08-2017, 04:12 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

مفهوم الحرية والديموقراطية عند الأحزاب العقيدية

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية

(الحلقة الثامنة)
سابعاً: مفهوم الحرية والديموقراطية عند الأحزاب العقيدية

إذا كانت الأحزاب العقيدية نتاج سياسي حديث. ولأنها تأسست لتجميع جهود الأفراد من أجل التغيير بما يصب في مصلحة المجتمعات. ولأن من أهم مبادئها نشر مفاهيم الحرية والديموقراطية في المجتمع كأهم وسائل التغيير. ولأن الأحرى بها أن تطبق مبادئ الحرية والديموقراطية في حياتها الداخلية. ولأن التزام الفرد بالعمل مع مجموعة من الأفراد يعني تشاركهم باتخاذ القرار. ولأن اتخاذ القرار الجماعي يعني تنازل أفراد المجموعة عن جزء من حريتهم الفردية مما يقود إلى تقييد الحريات الشخصية لكل فرد من أفرادها، وبالتالي تكتسب الحرية داخل الجماعة مفهوماً جديداً وتجردها من الشخصنة وتنتقل بها من فرديتها (بتعريفها الفلسفي) إلى جماعيتها (بتعريفها السياسي)، وهذا ما جاءت به النظرية الديموقراطية لحل الإشكالية بين حرية الفرد وحرية الجماعة. ومن أجل كل ذلك، سنستكمل البحث عن الديموقراطية في الأحزاب العقيدية.


ا- الحزب مجتمع مصغر:
يتميز الإنسان بالمقدرة على التفكير، وله الحرية في اختيار النظريات الفكرية والسياسية. أما النظريات الفكرية والسياسية، فهي إسهامات من الأفراد في إغناء الفكر البشري، ولا تكتسب أهميتها إلا بمقدار استجابتها لحاجات الإنسان، ولا يمكن لها أن تؤمن هذه الحاجات سوى بالعمل على تطبيقها، والتطبيق لا يأخذ طريقه الجدي إلا إذا تضافرت جهود المؤمنين بهذه النظريات لترجمتها إلى أهداف واختيار الطريق المناسب لتنفيذها.
إذا خرجت الأفكار من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة تصبح ملكاً عاماً لها؛ وهنا يدخل العقل الفردي، باختياراته الفكرية الحرة دون خضوع أو إكراه، دائرة الجماعة، فيتفاعل معها، ويأخذ منها، ويرفد أهدافها الفكرية بطاقاته الفردية.


2- الحريـة لها بعد اجتماعي
هنا قد يطرح السؤال التالي: إذا دخل عقل الفرد داثرة العقل الجماعي، هل يحصل انتقاص في حريته الفردية؟
حاجة الإنسان الأساسية أن يعيش في داخل مجتمع، لكنه لو عاش منعزلاً عن هذا المجتمع لانتقصت إنسانيته، ولا معنى لأن نقول عنه إنه حر أو مقيد. لكن الإنسان حتى لو لم يخضع إلى عوامل الضغط والإكراه البشري، فإنه سوف يخضع لعوامل الضغط والإكراه من جانب الطبيعة سواء كانت مادية أو حيوانية، فهو في مثل هذه الحالة لن يستطيع أن يمارس الاختيار الحر في طرائق مأكله ومنامه لأنه لن يستطيع أن يجبر نظام الطبيعة لأن يسير كما يشتهي هو كفرد.
فالحرية المطلقة هي شأن من شؤون الخالق، وليست من شأن المخلوق، لأن امكانيات المخلوق قاصرة عن تنفيذ كل الأهداف الفكرية التي يؤمن بها. فالحرية الفردية، إذن، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع امتلاك وسائل القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً. وحيث إن وسائل القوة الفردية عاجزة عن ذلك، أصبح على الفرد أن يكون عضواً في داخل مجتمع، لأن المجتمع هو الذي يستطيع، بتضافر جهود أعضائه، امتلاك وسائل القوة النسبية التي تحقق الأهداف التي يختارها أعضاؤه مجتمعين أو الأكثرية منهم.
لا ينتقص من قيمة حرية الفرد انتماؤه المشروط إلى مجتمع ما، لأن الحرية الفردية ليست مطلقة، وإنما هي حرية اجتماعية لا فلسفية، فوجودها أو عدم وجودها خارج المجتمع لا قيمة له . فمن هنا كان الإنسان مخلوقاً اجتماعياً يكتسب قيمته من داخل مجتمعه. وتكتسب الحرية، إذن، معناها الاجتماعي المقيِّد وتبتعد بالمقدار ذاته عن معناها الفلسفي المطلق.
وحيث إن الحرية تكتسب مفهومها من خلال المجتمع، كانت الحرية الفردية وممارستها مفهوم نسبي، تحقق الغاية من وجودها بالقدر الذي يضيِّق هذا المفهوم شقة التناقض أو التعارض بين أفراد المجتمع في خياراتهم الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
فالحرية لا تكتسب مفهومها من خارج المجتمع، والمجتمع لا يكتسب مفهومه الإنساني من خارج دائرة الحرية، فكيف نوفق بين المستوى الذي يرفض وجود الحرية بالمطلق، أي بمفهومها الماورائي النفسي، وبين تجسيدها في حقوق وواجبات محددة؟
إن بحثنا عن هذه المسألة لا يتناول جانبها المتعلق في خاصيات العلاقة بين الفرد والمجتمع الواسع، وإنما على الرغم من ارتباط المسألتين، تتناول العلاقه بين الفرد والحزب السياسي الذي ينتمي إليه.
فالحزب هو تجمع من الأفراد اختاروا أهدافاً فكرية ذات مضامين سياسية واقتصادية واجتماعية، ارتضوا فيما بينهم العمل معاً لتحقيق هذه الأهداف. فتجمُّعهم أصبح يشكِّل، ما اصطلح على تسميته، حزباً. فوظيفة الحزب هو ترجمة الأهداف الفكرية إلى واقع عملي. على الرغم من أن الحزب ليس مجتمعاً واسعاً وإنما هو تجمع لنخب من هذا المجتمع، فهو صورة مصغرة عن المجتمع الذي يطمح لبنائه. فتعريف الحزب، إذن، هو أنه يمثل أهدافاً فكرية في السياسة والاقتصاد والمجتمع، أولاً، وإنه يشكل قوة لتنفيذ هذه الأهداف ثانياً.
حيث إن الحزب قد تُفرض عليه وسائل السرية في العمل، خاصة عندما يطرح أهدافاً تتناقض مع أهداف السلطات السياسية القائمة، فيلجأ عندئذ إلى بناء نفسه من الداخل بشكل يؤمن له تفويت الفرص على أجهزة السلطات من اكتشاف هيكله التنظيمي البشري وخطط عمله وأساليب حركته.
يصبح، في داخل الحزب، لكل فرد وظيفة، فبانخراطه الحر في الحزب، وفي قيامه بوظيفته يكمل قيام الآخرين بوظائفهم، وأي اختلال في ممارسة وظيفة الفرد ينتج عنه اختلال في وظائف الآخرين. ومن هنا يصبح دور الفرد في داخل الحزب ذو قيمة معنوية وتكتسب وظيفته قيمة مادية، ويصبح التفاعل بين الوظائف كلها عنصراً أساسياً في المحافظة على هيكلية البناء الحزبي الداخلي من جهة، وفي تطوير وسائل العمل وارتقائها نحو الأفضل من جهة ثانية.


3- الدور الوظيفي للعضو الحزبي يزاوج بين المركزية والديمقراطية:
داخل هذه الدائرة المجتمعية/ النخبوية التي اصطلح على تسميتها حزباً، والتي حازت على شرط الثقافة والوعي بالأهداف الفكرية ووسائل تنفيذها، كيف يمكن التوليف بين الديمقراطية والمركزية؟
لتنظيم العلاقات بين الأعضاء المنتسبين إليها اتخذت الاحزاب العقائدية التي تتبع النظرية التنظيمية الهرمية التسلسلية، جملة من الاجراءات للتوليف بين الديمقراطية والمركزية. ولذلك كل حزب عقيدي يعتنق هذه النظرية، فقد اتخذ لنفسه إطاراً نظرياً ينظم العلاقات الداخلية على قاعدة المركزية الديمقراطية، فإلى ماذا تستند عوامل التوليف بين هذين الحدين في مفهوم الحزب؟
بالنظر إلى كل من هذين الحدين على انفراد، نرى أن التعارض بينهما هو القاعدة النظرية للعلاقة بينهما. فالديمقراطية إذا لم تستند إلى مفهوم العلاقة بين الأنا والآخر، تقترب إلى حدود المفهوم الفلسفي للحرية والذي لا يرتضى أن يكون خاضعاً لأي إكراه أو قيود أو أية معيقات تحول دون تحقيق الأهداف سواء كان مصدرها إنسانياً أو مادياً.
ولأن الديموقراطية جاءت ذات مضمون سياسي مجتمعي حملت داخل ذاتها قيوداً. كذلك، حملت إمكانية ذاتية لتخفيف هذه القيود إلى الحد الذي لا تنفلت فيه تجاه الفوضى، وأن لا تتكاثر إلى الحد الذي تنحرف فيه اتجاه العبودية.
أما المركزية، فهي نظام فكري قد يجنح باتجاه التنازل عن القرار الذاتي لمصلحة الغير وهو الرضى بالعبودية، أو استخدام القرار الفردي (سواء كان فرداً أو أقلية ضئيلة) الذي يجنح باتجاه تكبيل الغير بإرادة الفرد وقراره. وهو ممارسة الاستعباد على هذا الغير.
سواء استندت المركزية إلى مبدأ الرضا بالعبودية أو مبدأ ممارسة الاستعباد فهي ديكتاتورية بالشكل والمضمون، وهذا بحد ذاته يشكل النقيض للديمقراطية بمضمونها الفلسفي.
وفي محاولة من الحزب صهر هذين الضدين في أتون واحد على قاعدة أن يتنازل كل منهما عن أقصى مضامين التطرف: من فوضوية الديمقراطية ومن ديكتاتورية المركزية، وُضعت تشريعات منصوص عليها في عقد يتوافق عليه الاعضاء الملتزمون حزبياً، وهو ما يعرف بالنظام الداخلي. وسوف نناقش مضامين هذه التشريعات، وبالتالي نخلص من هذه المناقشة لنرى من خلال واقع وتجربة ذاتية كم تستطيع نظرية المركزية الديمقراطية أن توالف بين حدين متناقضين.


4- التشريعات التنظيمية تخفف من الطغيان المتبادل بين المركزية والديمقراطية:
نرى بداية أنه لا بد من إعادة التذكير بمسلمتين اثنتين، لا يمكن بدون التقائهما وتفاعلهما أن يستقيم العمل الحزبي، وهما:
-الأولى: وجود أهداف فكرية- إيديولوجية يعتنقها كل فرد من أعضاء الحزب، بوعي وحرية، دون ضغط أو إكراه، وهذا يمثل جانب الحرية الفردية بمفهومها الفلسفي.
-الثانية: وجود قناعة بوجوب تحقيق هذه الأهداف. بهذه المسلمة يتحول الفكر من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية/ الاجتماعية، وبها يتحول الفكر من أجل الفكر، إلى الفكر لأجل مصلحة المجتمع. هنا، يتحول مفهوم الحرية، من الفردية إلى الجماعية.
إن تحويل الأهداف الفكرية/ الإيديولوجية، من أهداف نظرية إلى مصالح اجتماعية، يفترض جهوداً تتجاوز إمكانيات الفرد، وهذه الجهود تتوفر في تشكيل الحزب السياسي. ولذلك، يمكن لكل عضو فيه أن يعتنق أهدافه الفكرية/ الإيديولوجية، بحرية ووعي ودون ضغط أو إكراه. لكن عند البدء بالترجمة العملية لهذه الأهداف قد تتعدد الآراء حول أفضل الوسائل لإنجاح العمل؛ هنا، تتولد الإشكالية الأولى: أي رأيٍ يمكن اختياره الذي على أساسه يمكن التنفيذ العملي؟ هل هذا الاختيار يلزم المعارضين له؟
تتولد الإشكالية من الإلزام الذي هو معنى من معاني الضغط والإكراه، وبمجرد ارتباطه مع قضية الحرية، فإنه يشكل انتقاصاً من مفهومها الفلسفي.
من هذه الإشكالية، ومن نتائجها في إحداث الانتقاص من الحرية الفردية، هل يولد سبب يبرر للمعترض على الرأي المأخوذ به بالانفصال عن الجماعة التي انخرط معها على أساس قناعة مشتركة بالأهداف الفكرية/ الإيديولوجية؟
من الواقع التعددي في وسائل التطبيق، لن تعرف التعارضات بالآراء نهاية معروفة لها. وبحجة المحافظة على قدسية الحرية الفردية، تتوالى عملية الانفصال لأصحاب الرأي الآخر في عملية التطبيق، وهذه دائرة مفتوحة لن تعرف نهاية لها، واستنزافاً دائماً لا يسمح للحزب بأن يضع خطة تنفيذية لأهدافه ويكون متأكداً من إمكانية تطبيقها.
لكي يتم التوفيق بين الاعتناق الحر للأهداف الفكرية، وبين الضرورة الملحة في تطبيقها حتى تحقق الحاجة الإنسانية الكامنة فيها. بمعنى آخر، لكي يتم التوفيق بين الحرية الفردية في اختيار الأهداف، وبين الالزام في ترجمتها كحاجة اجتماعية، جاءت النظرية التنظيمية في المركزية الديمقراطية، بعدد من التشريعات للتوفيق بين الحرية الفردية والالتزام الجماعي، أي بين الحرية بمفهومها الفلسفي المطلق وبين الإلزام بمفهومه الاجتماعي المقيَّد. وهذه المسألة تدور حول نظرية المركزية الديمقراطية.
القاعدة الأساسية في التقريب بين المركزية، كمفهوم ديكتاتوري، وبين الديمقراطية، كمفهوم للحرية الفردية، تستند إلى عملية التنازل المتبادل للحدود المتباعدة بين دائرتيهما للاحتفاظ بالعناصر المشتركة المتقاربة، بحيث يشمل التنازل من جانب المركزية عن حالة الطغيان والتفرد، ومن جانب الديمقراطية عن حالة الفوضوية، والتخلي عن جزء من حريتها المطلقة لصالح حرية الآخرين.
إن التنازل المتبادل هي عملية إلزام ذاتي لكل من حدَّيْ العملية التنظيمية، وهو التزام مقيَّد، برضى الطرفين، بالضوابط التنظيمية المنصوص عليها في اللوائح والأنظمة الداخلية. ويأتي الالزام الذاتي والالتزام المقيَّد مستنداً، ليس إلى عملية آلية، وإنما إلى حصانة أخلاقية لها علاقة بالطبيعة البشرية للإنسان بما تحتويه هذه الطبيعة من تعقيدات اجتماعية ونفسية، قد تؤثر سلباً أو إيجاباً على حسن تنفيذ العقد الرضائي بين المركزية والديمقراطية.
في إطار العقد الرضائي، تأتي التشريعات/ النظام الداخلي لكي تمنع طغيان المركزية من أن تتحول إلى ديكتاتورية، لتقر للديمقراطية بحق الاختيار الحر للقيادة المركزية في عملية الانتخابات الحزبية، وفي ممارسة نقد القيادة ومحاسبتها في المؤتمرات الحزبية. وفي الجانب الآخر جاءت التشريعات/ النظام الداخلي، ولسبب تسهيل اتخاذ القرارات وتنفيذها، لتنص على حق الأكثرية في إلزام الأقلية بالتقيد بالقرارات المتخذة والاشتراك في التنفيذ.

ولأن الطبيعة البشرية معقدة لأسباب اجتماعية ونفسية، ولأن الحرية، لاسباب ذاتية ونفسية، تجنح باستمرار نحو الفردية، ولأن العقود التشريعية قد لا تُلِمُّ، وهي لن تلم، بكل هذه التعقيدات الاجتماعية والذاتية، سوف تبقى الإشكاليات مستمرة في التوفيق بين الذات والمجموع. لكن، إذا تميزت النظرية التنظيمية بسمة الحركة وتحررت من الجمود فإنها وإن لم تستطع الخلاص من الإشكاليات بشكل كامل، وهي لن تستطيع، فعلى الأقل هي قادرة على مواجهتها بالمعالجة المستمرة للتخفيف من آثارها السلبية.






  رد مع اقتباس
/
قديم 17-08-2017, 08:13 PM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
زحل بن شمسين
عضو أكاديميّة الفينيق
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
العراق
افتراضي رد: دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية بالفكر القومي

لكي لا يكون مبدأ نفِّذ ثم ناقش مقبرة لإبداع المفكرين

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة التاسعة والأخيرة)
ثامناً: لكي لا يكون مبدأ نفِّذ ثم ناقش مقبرة لإبداع المفكرين

إن دراسة التجارب الحزبية، بحس نقدي، تشكل ضرورة وحاجة في سبيل تطوير الوسائل الحزبية لتحصين الحياة الحزبية الداخلية، وخاصة في كل ما له علاقة بالمبادئ الديموقراطية داخل الجهاز الحزبي، لأنه ما لم يتم تطبيق المبادئ الديموقراطية في العلاقات الحزبية، أو أسيئ تطبيقها سيحدث تفسخاً بين الحزبيين أنفسهم من جهة، وبين القاعدة والقيادة من جهة أخرى. ومن بين أهم تلك التجارب هو ما يتعلق بمبدأ (نفِّذ ثم ناقش).
جاء هذا المبدأ من أجل تطبيق سياسة الحزب تطبيقاً سليماً، حتى لا تفوت الفرصة المناسبة في تنفيذ أمر ما. وبناء عليه، لا نرى أن هذا المبدأ يصلح في كل الميادين التي تحتاج إلى قرار حزبي، لأن الميادين تتوزَّع بين العسكري والأمني، والسياسي والفكري. ولأن الميدان الأمني العسكري يختلف عن الميدان السياسي الفكري، فتنفيذ الميدان الأول يحتاج إلى شرطيْ السرية والسرعة، بينما الميدان الثاني لا يحتاج للشروط ذاتها. وهذا ما يدفع إلى الاجتهاد الذي يقول بأن مبدأ (نفِّذ ثم ناقش) لا ينطبق على الميدان السياسي الفكري.
ولأن هناك اجتهادات تساوي بين الميدانين، نرى من المفيد أن نلقي الضوء على الاجتهاد الآخر الذي يدعو إلى منع تطبيق هذا المبدأ في الميدان السياسي والفكري.
من الأصح أن يُطبَّق المبدأ المذكور على الصعيد العسكري والأمني للشروط المشار إليها أعلاه، لأن تنفيذ أمر عسكري أو أمني قد لا يحتمل الانتظار. وأما استخدام مصطلح القرار في الشأن السياسي فقد يجوز في المسائل المرحلية، ولكنه لا يجوز في المسائل الاستراتيجية، فيمكن التعبير عنه بالموقف وليس بالقرار. وأما الشأن الفكري، وباستثناء الثوابت، فيجب أن لا يخضع إلى سلطة القرار، بل يخضع لقيمة الحوار. وهذا ما عبَّر عنه النص الذي جاء في الفصل المتعلق بـ(الحرية والديموقراطية) من مقررات المؤتمر القومي الثاني عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي عن حرية التفكير ما يلي:
(إن تعدد الآراء، بحد ذاته، أمر ضروري لاستقامة الحياة السياسية، فتكوين المعرفة عملية مستمرة، كما أنها، من أجل أن تكون فاعلة، تحتاج لتفاعل الآراء والحوار المستمر وسماع العديد من وجهات النظر. .. ففي مجال العلوم أصبح من المسلم به أن عملية تكوين المعرفة لا تحصل مرة واحدة، بل بصورة مستمرة... فالموقف العلمي يتطلب دوماً ان يأخذ الإنسان في الاعتبار وجود إمكانية أن يكون الموقف الذي يتخذه على خطأ، فلا يعتبر رأيه بمثابة الحقيقة النهائية، ... لذلك كان هناك فرق في العلوم الطبيعية بين النظرية والحقيقة. إن هذا الموقف نفسه يجب أن يسود أيضاً- وربما بصورة أقوى- في المسائل الاجتماعية، ... علينا أن نعتبر آراءنا اجتهاداً وليس حقيقة، وعندها يصبح من الضروري قبول رأي الآخرين- ليس بمعنى تبنيه، بل السماح بوجوده....إن عملية التفكير نفسها تتطلب التعدد، فذهن الإنسان الفرد لا يستطيع فهم الموضوع المطروح للتفكير من جميع الجوانب، بل قد ينحاز لجانب أو جوانب دون أخرى، لأسباب عديدة تتعلق بالثقافة والعوامل الذاتية والظروف المحيطة، لذلك فعملية التفكير تكون أكثر اكتمالا وإحاطة بالموضوع، عندما يتناولها المجموع بدلاً من الفرد).
هذا النص يطرح إشكالية علاقة المثقف الثوري، والمفكر الثوري، مع الحزب. فمبدأ (نفِّذ ثم ناقش) بالنسبة للمسائل الفكرية يُعتبر (مقبرة) لإبداع المثقف أو المفكر، ولأنه يقف بالضد مما نصَّ عليه دستور الحزب في الفقرة الأولى من المادة الثانية، التي تنص على ما يلي: (حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها). وقد أكدَّ عليها البند الثالث من المادة (42)، الذي ينص على ما يلي: (العمل الفكري من اقدس أنواع العمل وعلى الدولة أن تحمي المفكرين والعلماء وتشجعهم).
ولأن التجارب الحزبية برهنت على أنه ليست هناك إشكالية في علاقة المثقف أو المفكر مع السلطات السياسية فحسب، بل هناك إشكالية أيضاً في علاقتهما مع السلطات الحزبية. ولأن إهمال وضع حل لتلك الإشكالية بينهما وبين السلطات الحزبية، الأمر الذي دفع بالكثير منهم لاعتزال العمل الحزبي، وفيه خسارة كبرى للحزب، شكَّل دافعاً لوضع هذه الدراسة في ميدان الحرية والديموقراطية، من أجل جسر الهوة، والإسهام في الإضاءة على بعض مقترحات الحلول. وعلى ذلك نحاول أن نجيب:

1-لا تغيير من دون أحزاب عقائدية:
إذا لم تترابط أهداف الفكر الإنساني مع مصالح البشر فسوف يكون فكراً فوقياً لن يُكتب له الاستمرار، فأهمية الفكر إذن أن يحمل إمكانية التطبيق. ومن هنا تنتهي مهمة المُفكِّر لتبدأ مهمة المُفكَّر بهم، أي أصحاب المصلحة في تطبيق الفكر، وأصحاب المصلحة لا يمكنهم أن يصلوا إلى نتائج ملموسة وفعلية إذا لم يتعاونوا وينظموا صفوفهم في حركات جماعية، والحركات الجماعية هي ما تم الاصطلاح عليه بالأحزاب السياسية المنظمة.
فمن أولى بديهيات الحركة الحزبية المنظمة أن تمتلك عقيدة نظرية قابلة للتطبيق، التي هي بلا شك تمثل أهداف الجماعات، وهي تشكل البوصلة التي تساعد تلك الحركات على تصحيح اتجاهاتها كلما ازدادت ضبابية الرؤية أمامها لسبب أو لآخر.
فالعقيدة هي تلك البوصلة في الحزب العقيدي، والمنتسبون إلى الحزب هم الربان الذي يجيد استخدام البوصلة لتصحيح اتجاهات السفينة.
2-لا حزب منظم من دون جناحين، ربان وبحارة، تجمعهما مصلحة واحدة:
إذا كان الحزب سفينة، والعقيدة بوصلة، فوجود الربان والبحارة أمر لازم لا يكتمل وجود السفينة والبوصلة من دونه، فهما جناحان متكاملان، تغرق السفينة إذا فقدت أياً منهما. أما الأمر اللازم الآخر فأن يتوزَّع الجناحان المهمات على قاعدة أنه لا يمكن، واقعياً، أن يكون الجميع ربابنة وبحارة في الوقت عينه، لأن هذا إذا حصل من قبيل التمني النظري والمثالي، إلاَّ أنه لن يكون من قبيل الواقعي.
3-لا حزب عقيدي من دون مثقفين:
إن القاعدة الأساسية لبنية الحزب العقيدي أن يكون المنتسبون إليه من المثقفين، لأنه لا معنى لحزب عقيدي مستند إلى فكر يميزه من دون مثقفين يفقهون أهدافه المعلَّلة أولاً، ويكونوا قادرين على نقل تلك الأهداف بوضوح إلى الآخرين ثانياً.
4-لا حزب عقيدي من دون فكر قابل للتجديد:
كل عقيدة لا تكون قابلة للتجديد ستتحول إلى عقيدة مقدسة، وليست الأحزاب، التي جاءت رداً حديثاً على العقائد الدينية المقدسة، أو العقائد الشوفينية المنغلقة، إلاَّ مشروطة بتجديد عقائدها في عالم يتغير باستمرار.
فباستثناء الأهداف الثابتة للأحزاب، أي الأهداف التي تتوجه إلى مستوى المجتمع العام أو طبقاته، لا يجوز أن تتجمد وسائل الوصول إليها.
5-لا فكر من دون مفكرين، ولا فكراً تجديدياً من دون مفكرين مجددين:
أما الجهة الصالحة للعمل الفكري فهي نخبة من المنتسبين إلى الحزب التي تتميز بالمقدرة على الإنتاج الفكري. والإنتاج المجدد لا يمكن أن يتم:
أ-من دون مقدرة نقدية تتناول القديم وتثبت مدى صلاحيته، في ظرف معين ومكان معين، للاستمرار، فتعمل على إغنائه. أو تثبت تخلفه، كلياً أو جزئياً، عن المتغيرات فتعمل على التجديد في جوانب القصور والتخلف فيه.
ب-من دون مقدرة على وصف البديل الجديد الذي يتناسب مع المتغيرات التي فرضت عملية التجديد.
6-كيف يمكن المحافظة على معادلة التكامل بين مركزية الحزب الفكرية وحرية المفكر الفردية؟
من أجل معالجة هذه الإشكالية نرى أنه لا بدَّ من تحديد المفهوم الرئيسي لطرفيْ الإشكالية:
أ-مركزية الحزب الفكرية، أي المحافظة على الوحدة الفكرية: الوحدة الفكرية، تعني وحدة الأهداف التي يتعاقد عليها المنتمون لحزب واحد من أجل النضال لتحقيقها، وهي من الشروط الأساسية التي يجب أن تتوفر للأحزاب من أجل المحافظة على وحدتها التنظيمية.
بينما الوحدة الفكرية لا تعني عملية تجميد لها، بل تكون مرنة تستوعب التجديد، حتى لا تتحول إلى نصوص مقدسة في عالم متغير يتطلب نسقاً معرفياً يتجدد ليواكب متغيرات الزمان والمكان. بحيث يطرح هذا الجانب إشكالية كيفية المحافظة على الوحدة الفكرية وفي الوقت ذاته إخضاع فكر الحزب لعملية التجديد. وهل عملية التجديد تتناقض مع المحافظة على الوحدة الفكرية في داخل الحزب؟
ب-حرية التفكير نقيض لقدسية النص، أي تجميده. وهذا ينطلق من نسبية الحقيقة. ولأن مبدأ التفكير هو الركيزة الأساسية في التغيير، يصبح حاجة للأحزاب الحديثة. ومن آمن به عليه احترام حرية الفرد في التفكير. ولأن الحرية في التفكير والاعتقاد مبدأ إنساني عام، يصبح من البديهيات أن يكون مبدأً خاصاً تعتمده الأحزاب الحديثة.
ج-بين المركزية الفكرية للحزب، كمؤسسة جمعية، وحرية المفكر كفرد، مساحة من التناقض بين شخصية الجماعة وشخصية الفرد. وإذا سلَّمنا بأن شخصية الجماعة تكون في الغالب من إنتاج الأفراد المتميزين، يتم تكوينها عبر سلسلة من التمثلات والتحولات المتتالية، زمنياً ومكانياً، يمكن للحزب استيعاب ما تنتجه حرية الأفراد فيه من أفكار جديدة، والاستفادة منها. أما الوسيط بين الاثنين فتكون المؤسسة الفكرية، التي يجب أن تكون جاهزة في الوقت المناسب والمخطط له للدراسة والتدقيق، وإعطاء الحكم بالاستفادة من كل إنتاج جديد.
وإلى أن تُتاح الفرصة للباحثين الذين قد يهتمون بهذا الجانب، للتعمق فيه ودراسة أسبابه الحقيقية أو ما هو الأقرب إليها، نضع بعض الاحتمالات التي حددت تطور العلاقة بين المفكر والحزب، وسنحسبها عوامل لعبت دوراً في تحديد علاقة بعض المفكرين بحزب البعث، وهما: المؤسسة التنظيمية، والمؤسسة السياسية.
إننا نحسب بداية أن العوامل التي ترسم مصير العلاقة الإيجابية بين المفكر الملتزم وحزبه تكاد تنحصر بمؤسستين تحددان طبيعة العلاقة بين أعضاء الحزب الواحد بشكل عام، وبين الحزب والمفكرين الملتزمين بشكل خاص، وهما: المؤسسة التنظيمية وهي الأساس الأول، والمؤسسة السياسية إن وُجدت.
أما المؤسسة التنظيمية فهي عامل دائم لأنه لا وجود لحزب من دون مؤسسة تنظيمية تقوده. وأما المؤسسة السياسية فهي ليست شرطاً متحققاً دائماً في حياة الأحزاب، لكن إذا وجدت السلطة السياسية، نحسب أن العامل السلطوي قد يشكل عاملاً في رسم علاقة المفكر الملتزم بالحزب.

أ-دور المؤسسة التنظيمية:
كما في مؤسسات المجتمع المدني توجد تراتبية هرمية تصنِّف البشر درجات درجات، فالمؤسسة الحزبية تعرف أيضاً تراتبية مماثلة بالشكل. وتلك التراتبية، هنا أو هناك، تُعتبر العامل الذي يشكل مركزاً للتجاذب والتنافس بين أعضاء المؤسسة الواحدة. ويلعب عامل المنافسة، في أحيان كثيرة، دوراً حاداً في مراحل الانتخابات. ومن النادر أن تكون معايير الكفاءة والأهلية القيادية حكماً موضوعياً بين المتنافسين، إنما العلاقات والمواقف الشخصية، غالباً، هي التي تتحكم بمعايير الانتخاب.
في زحمة عامل المنافسة على احتلال المواقع القيادية، غالباً ما يذهب المتميزون بثقافتهم وإنتاجهم الفكري ضحية هذا العامل. وبه تبدأ الخطوة الأولى في رحلة تراكم إشكاليات العلاقة السلبية بين المثقف والمفكر من جهة والمؤسسة الحزبية التي ينتمون إليها من جهة أخرى.
فإذا كانت شريحة المثقفين أوسع بكثير من شريحة المفكرين، وقد يعوِّض بعضهم عن البعض الآخر، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتم تعويض الشريحة المفكرة، التي قد تكون محدودة جداً هذا إذا لم تقتصر على أفراد معدودين.
هذا الأمر يطرح جملة من الفرضيات العلاجية، ومن أهمها: طريقة وعينا للديموقراطية وفهمنا لجوانبها النظرية والتطبيقية. من حيث جانبها النظري نفهم أنها وسيلة تتساوى فيها حقوق كل أعضاء المؤسسة الحزبية. لكن على أساس التكافؤ في المميزات، وهذا الأمر يدفع إلى التساؤل: هل هناك تكافؤ بالمؤهلات بين أعضاء الحزب الواحد؟ وهذا ما يستدعي الجواب: واقعياً ليس التكافؤ موجوداً، إذن فالمبدأ الديموقراطي يتم تطبيقه شكلاً. ولكي تتم المقاربة بين النظرية والتطبيق لا بدَّ من تحقيق المساواة الجوهرية في الحق الديموقراطي. فهل من الممكن اقتحام هذه المغامرة؟
نقول مغامرة، وهي فعلاً كذلك، لأنه من الصعوبة بمكان، في الأحزاب العقيدية التي تستند إلى قاعدة واسعة من العمال والفلاحين وصغار الكسبة، أن يتم الاعتراف بطبقية تصنِّف ما بين مفكر ومثقف يمتلك ثقافة معمَّقة، ومثقف آخر أقل عمقاً، وحزبي لا يمتلك من الثقافة إلاَّ شدة إيمانه بشعارات حزبه ومبادئه. فهذا الاعتراف يثير حساسية بين أعضاء المؤسسة الحزبية الواحدة، وقد يذهب ضحيتها المتميزون بثقافتهم بما قد تُلحَق بهم من مواصفات الفوقية والنرجسية، وبها من سهولة التحريض وتأثيراته التي تنتشر بسرعة في وسط حزبي أكثريته من متوسطي الثقافة.
وبذلك لا يمكن القاعدة الواسعة من الشريحة التي لا تمتلك من الثقافة إلاَّ عامل الإيمان، أن تختار بوعي ونضج، فهي ستكون مزاجية بخياراتها حتى في الانتخابات الحزبية.
ولعلنا نبدأ بتحديد العوامل الأولية التي تؤسس لإشكالية العلاقة بين المثقَّف المتعمق، والمفكر المنتج، وبين المؤسسة الحزبية التي ينتميان إليها.
-من خلال النظرة السائدة إلى المثقفين في الأحزاب بعين الريبة، وإلى المفكرين أيضاً، ويتم ذلك بحجة أن ما يأتون به من نظريات التجديد، تكون مشبوهة إلى أن يثبت العكس، بينما الواجب أن يتم التعامل معها بإيجابية إلى أن يثبت العكس.
ولهذا علاقة بمدى عمق الوعي الديموقراطي أو سطحيته من جهة، أو عمق الوعي الثقافي أو سطحيته من جهة أخرى. وهذا الجانب يجد رواجاً في حالات غياب تداول المواقع القيادية بحيث يلعب المتمسكون بمواقعهم واحتكارها دوراً في التحريض والتعبئة ضد كل من يحاول التجديد سواءٌ أكان في مناهج التنظيم ووسائله، أم في مناهج الفكر ووسائله.
يلعب عمق الوعي الديموقراطي من جهة، والقناعة بتداول المواقع القيادية من جهة أخرى دوراً أساسياً في استيعاب رغبة المثقفين والمفكرين بدور لهم في حياة أحزابهم التنظيمية والفكرية. وما يحد من تلك الرغبات هو عمليات الإقصاء التي يمارسها المتسلطون على القيادة التنظيمية.

ب-دور المؤسسة السياسية:
نعني بالمؤسسة السياسية هنا، تلك المؤسسة التي يقودها حزب عقيدي يستطيع الوصول إلى الحكم. ومن هذا التحديد للمصطلح، نرى أنه قد تلعب المؤسسة السياسية دوراً سلبياً آخر على واقع علاقة الحزب مع المفكرين. وفي تغييب الديموقراطية قد تستدرج السلطة شريحة منهم، وتحولهم إلى موظفين للتفكير لحسابها، ينتجون ما يخدم مصالح الشريحة الحاكمة، ويتحولون إلى «مفكري السلطة»، ومن الذين لا يتميزون بحصانة مبدئية، سينحدرون إلى مستوى التملق؛ أو تستثير نقمة البعض الآخر بإبعادهم عن السلطة السياسية لسبب أو لآخر ومن أهمها أنهم يلتزمون الأمانة الفكرية. ومن هذا الواقع أو ذلك تتحول السلطة إلى ميدان آخر للتنافس بين النخب الأكثر ثقافة، الذي يكون في الأغلب الأعم تنافساً غير مشروع، يدفع فيه المثقفون، والمفكرون منهم بشكل خاص، ثمن أمانتهم لنتائج رؤاهم وأبحاثهم الفكرية الموضوعية. أما نتيجة النتائج فتكون خسارة للمفكرين الموضوعيين، سواءٌ أكانت بانحيازهم للسلطة انتهازاً وممالأة على حساب نتائج شروط البحث أو التفكير السليم، أم كان بإقصاء غيرهم، أم بخروج هذا الغير طائعاً، ولكنه حانقاً، فيتحولون إلى منشقين يناهضون أحزابهم الأم.
ج-هل يكون الحل في المؤسسة الفكرية، وكيف؟
المؤسسة الفكرية المعترف باستقلاليتها، هي المؤسسة التي تقوم على قاعدة مبدأ الاعتراف بالحق الديموقرطي واحترامه في حرية التفكير والقول والكتابة.
والمؤسسة الفكرية هي التي تجمع من يتم الاعتراف لهم بالكفاءة والموضوعية بالتفكير. ومن أجل ضمان حياديتهم، يُعطون امتياز البعد عن حالتين اثنتين: التنافس على مواقع القيادة التنظيمية، ومواقع قيادة السلطة.
تضم المؤسسة الفكرية في الحزب الذي لم يصل إلى السلطة، كل المتميزين بالمقدرة على الإنتاج الفكري، ومن النخب المثقفة تثقيفاً عالياً، أي من الذين تعالوا على سلبيات التنافس السلبي، وتوفير مراكز للأبحاث في العلوم الإنسانية لتكون في عهدتهم ورعايتهم.
أما في الحالة التي يصل فيها الحزب للسلطة، ويشكل مركز الثقل فيها، فتضم المؤسسة الفكرية كل من يتميز بالكفاءة الفكرية، والأهلية الموضوعية ليلعبوا الدور ذاته الذي يلعبه المثقفون والمفكرون الملتزمون، وتُخصص لهم الامتيازات والمميزات ذاتها.
ومن أهم مهمات المؤسسة الفكرية رصد الظواهر السلبية في الأداء الفكري والتنظيمي للحزب الذي يلتزمون بخطه، أو لسلطة الحزب، بالخصائص ذاتها المشار إليها أعلاه. فتتشكل منهم هيئات الرقابة والمساءلة والمحاسبة، تحال إليهم تلك الظواهر، سواءٌ أكانت على مستوى التنظيم الحزبي، أم على مستوى الأداء السياسي للسلطة، وتيسِّر أمامهم وسائل الوصول إلى تشخيص سليم لكل الجوانب السلبية التي يحتاج الحزب لعلاج لها، أم تلك التي تحتاجها السلطة السياسية. كما يشكلون هيئات للتحكيم تؤخذ نتائج أحكامهم بعين الاحترام والالتزام.
خاتمة
إن إظهار معالم اليأس وعلاماته أصبحت من سمات ثقافتنا السابقة، والراهنة، وهي التي دفعتنا، أو ما تزال تدفعنا، إلى توجيه الاتهام بالأفلاطونية لكل فكر تسوِّل له نفسه بالاتجاه نحو الأمل، وتعمل على إحباطه وتيئيس صاحبه. فهي سمات لا شك في أنها ترتبط بحالات الإحباط السابقة الناجمة عن سلسلة من الإخفاقات التي ميَّزت تاريخ النظام الرسمي، أو تاريخ الأحزاب العقيدية. وهي بحد ذاتها تحتاج إلى علاج قبل البدء بتقديم حلول لمشاكل الأنظمة الرسمية، والأحزاب العقيدية. والعلاج يبدأ بإعادة جذوة الأمل إلى نفوس المثقفين أولاً لأنهم يشكلون الحلقة الوسيطة بين الفكر والوسط الاجتماعي الذين يعيشون فيه، كما أنه يجب أن يعيشوا لأجله.
يبدأ العلاج في التمييز بين العبثية والإفلاطونية، فالعبثية صفة تلتصق بكل فكر مستحيل، أي كل فكر ناجم عن أحلام أو أضغاث أحلام، أي هي بعيدة عن التحقق جزئياً وكلياً. أما الإفلاطونية فترتبط بقيم إنسانية قد تكون صعبة التحقق،ولكنها ليست مستحيلة. إلاَّ أن تحققها جزئياً هو دليل على أنها ليست مستحيلة، أي ليست عبثية. وكل ما سقناه أعلاه، متحقق جزئياً على الأقل في سلوكات عدد من النماذج البشرية الواقعية المتمثلة في شريحة من المفكرين، وعند عدد من الأحزاب العقيدية. أما فشلها فكان نتيجة عدم الإصرار على إنجاحها وعدم الاستمرار في رعاية تلك التجارب التي حققت نجاحاً جزئياً، وإعطائها فرصاً أكثر لتتسع مساحة نجاحها.
وما تجربة بعض المفكرين الحزبيين إلاَّ أنموذج يمكن البناء عليها لزيادة مساحة الأمل في إمكان حل إشكالية العلاقة بين المفكر الملتزم بحزب عقيدي، وبين حزبه، والسير بها إلى دائرة الضوء شيئاً فشيئاً، وإنقاذها من دائرة الظلام والتعتيم خطوة خطوة.
وهنا نرى أن معادلة تكوين الأحزاب قائمة على تكامل العلاقة بين الهدف الذي هو الفكر، وموضوع الهدف الذي هو المفكر، فإذا اختل توازن العلاقة بينهما، أي إذا ضعف أحد طرفيه فيؤدي إلى إضعاف الآخر. والمعادلة، كما نتصورها هي الشكل التالي:
إن الحزب هو (هدف وموضوع الهدف) أي (فكر + العامل لتطبيق الفكر)، أما العامل لتطبيق الفكر والسهر على هذا التطبيق فينقسم في تراتبية حزبية تتواصل وتتكامل بين منتج للفكر، ومثقف عميق الثقافة، ومثقف أقل ثقافة، ومؤمن بالفكر.
فالهدف مسألة فكرية نظرية، وموضوع الهدف مسألة نضالية مادية. فلا يمكن لموضوع الهدف أن يستمر من دون وضوح نظري، كما لا يمكن للهدف أن يتحول من موجود بالقوة إلى موجود بالفعل من دون موضوعه النضالي المادي. فثنائية النظر والعمل مسألة واجبة الحضور في خطة الحزب العقيدي. وهنا تلعب الوسيلة التنظيمية في الحزب دوراً أساسياً في مقاربة العلاقة السليمة بين الحزب الذي يعمل على تطبيق الفكر الذي آمن به وبين المفكر الذي التزم بصفوف هذا الحزب قناعة منه بفكره.
فالمسألة النظرية، بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي، ثابتة في التلاقي والتكامل بين الهدف القومي العربي بمضمونه الاشتراكي، والمسألة العملية هو العامل والفلاح وغيرهم من الطبقات المسحوقة من العرب الاشتراكيين.
إن للطرف النظري حاضن والحاضن هو المثقف الواعي القومي العربي الاشتراكي الذي يستند إلى نتائج مهمة المفكر. أما الطرف العملي النضالي، فهو موضوع الهدف، من عمال وفلاحين عرب اشتراكيين. ولكي تضمن الأهداف نجاحها، فعليها أن تحقق وسيلة التكامل المستمر والمتواصل بين طرفيها. وعملية التكامل تقتضي وجوباً وجود من يكون أميناً نظرياً على الأهداف، ووجود من يعمل على ترجمتها على أرض الواقع.
فالتمييز بين طرفيْ المعادلة ليس هدفاً طبقياً داخل الحزب الواحد، وإنما هو تمييز واجب لمصلحة العقيدة التي ترفض أن تبقى في برج عاجي، كما ترفض أن تصل في أحد مراحلها العملية إلى نفق مظلم نتيجة بعدها عن الوضوح النظري.
ومن هنا، إذا كان الطرف العملي في التركيب الحزبي الداخلي، أي الطرف الأقل ثقافة، في طرفيْ معادلة التراتبية الحزبية يمكن توفيره بأسرع من توفير الطرف النظري، أي الطرف الأكثر ثقافة أو أعمقها، وبأعداد أكثر بكثير، فإنه يشكل سبباً يدفعنا إلى الحرص على المحافظة على الأكثر ثقافة أو أعمقها، حيثما يوجد، وتشكيل رؤية واضحة للمحافظة على حالة التوازن في التركيب التنظيمي الداخلي للحزب، بما يجعله متوازناً ومتكاملاً.
وهنا تلعب المؤسسات الحزبية الداخلية، أي المؤسسة التنظيمية، والمؤسسة الثقافية، أو المؤسسات المرتبطة بتطبيق فكر الحزب، أي المؤسسات السياسية، دوراً مهماً في المحافظة على التراتبية الحزبية بواقعية، بما يحفظ التوازن الدقيق بين شتى المستويات لتترك كل مستوى تراتبي يقوم بدوره من دون خلق طبقية جديدة تشكل فجوة في العلاقة بينها، تجمعها أخلاقية ثورية تأنف تحويلها إلى درجات من الفوقية والاستعلاء أو ترك مجال للشعور بالدونية. وفي تقديرنا تشكل المؤسسة الفكرية الضامن الواعي الذي يجسر الهوة بين المستويات التراتبية من جهة، ويحفظ استمرار حرية القول والكتابة والبحث والتفكير والإغناء والتجديد للمتميزين من جهة أخرى.










مرسلة بواسطة حسن خليل غريب في
التسميات: إنتاج 2017، مقالات فكرية






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:57 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.