لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: ها أنا وإياك!! (آخر رد :منتصر عبد الله)       :: خل وفي (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: ،، ضحكاتُ الماء! // أحلام المصري ،، (آخر رد :منتصر عبد الله)       :: شممت الورد لأتعطر في ذكراها (آخر رد :فارس محمد)       :: ردّ على مفترٍ (آخر رد :غلام الله بن صالح)       :: لهفي عليك (آخر رد :غلام الله بن صالح)       :: تراتيل ،،، الصمت و المطر (آخر رد :د.عايده بدر)       :: أنشتاينْ (آخر رد :نوري الوائلي)       :: عدم (آخر رد :نفيسة التريكي)       :: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية (آخر رد :نفيسة التريكي)       :: ولا تقبل سواها .. (آخر رد :أحلام المصري)       :: فأر أغار (آخر رد :فاتي الزروالي)       :: مواسم السفرجل (آخر رد :نفيسة التريكي)       :: هــا قـد جئتكم رجلا .. " لحظة الإعتقال " (آخر رد :محمد ذيب سليمان)       :: ،، نهرُ الأحلام ،، (آخر رد :أحلام المصري)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ▆ أنا الفينيقُ أولدُ من رَمَادِ.. وفي الْمَلَكُوتِ غِريدٌ وَشَادِ .."عبدالرشيد غربال" ▆ > ⊱ أدب الرســالة ⊰

⊱ أدب الرســالة ⊰ >>>> إنصافا للوطن ..خطاب أدبيّ أطْلقَ سراحَ الوطنِ في الضّاد ..رسالة تنصف الوطن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-11-2022, 11:14 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نفيسة التريكي
عضو مجلس إدارة
عنقاء العام 2008
عضوة تجمع أدباء الرسالة
عضوة لجنة تحكيم مسابقة شعر الرسالة
عضو ة لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية نفيسة التريكي

افتراضي ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي
ابسامة نخلتي

ذات شتاء شديد البرودة كان الفتى الجلجامشيّ أبو فرات يقلّب البوم الصّور في ليلة ليلاء وقد أصابه ارق مؤرّق بعد يوم مّتعب من العمل .
فنال نفسه بعض ألم وهزّه الحنين هزّا لاستحضار اقسى ذكرياته الّتي صدمت قلبه وغيّرت كل مجريات حياته.

ومضى في البومه بين الوجوه الاليفة الحنونة الودودة في لهفة حنين وانين الصّامت الصّبور الصّامد
يطوي الورقة تلو الأخرى .

فتارة كانت تسّاقط من عينيه دمعتان غزيرتان عزيزتان تمسّان خدّه الايمن واخرى خدّه الايسر ولقوة كبريائه حتى بينه وبين نفسه كان يمسحهما مسح مكابر في صمت صموت او يمسح ذاك الماء الحارق حرقة قلبه بظهر يده اليمنى ثم ينظر للمراة فيرى عينين محمرّتين جمرتين يعلوهما جبين مقطّب ويلمح في خطفة هنيهة ّّّخدين محمرّين كاد يدفق منهما دم قان يفضحان نار قلب محزون مخزون فيه تحزان واسى وذكرى انين حنون ،
وطورا كان يضرب الارض بقدم يؤرجحها من السّّرير على بلاط غرفة النّّوم التي حملت في كلّ أرجائها أسرار الحب ّوالولادة والحياة بافراحها واتراحها ،واحيانا كان يضرب الحائط الصّلب بكف ّمقهورة من لهيب الغدر ويضرب بعد ذلك ظهر السرير بظهره الموجوع من الوزر ثم يضرب بقوّة في حسرة ما بعدها حسرة وجهه بيدين معرقتين كأنّهما جبينه ثم ..........كان يرفع راسه ويقكّه من كفيه ...
ثم يجول بنظره في الغرفة التي كرهها بقدر ما أ حبها ...
ثم كان يدقّ دقا راس السرير براسه لالم المّ به غزا شرايينه المتوجّعة الّّّّتي صارت كقلبه المتفجع كتلة
من الألام المتراكمة، فكان يفرك جبهته بين يديه ،و كم يتضاعف ألمه حين كان يذكر تلك اليد الحنونة التي كانت تمسّّّد أوجاعه كلّّما مسّه وخز من الضّّر، تلك اليد المباركة الامينة الشافية العزيزة عليه الرقيقة الليّنة الدّّّّّافىة
التي كانت كالناطقة تبسمل وتقرأ له ّايات الشفاء وترقيه وهي تبعد عنه الوجع.

وتتالت الايّام في دعة وراحة بال ...........................
ولكن ...
ّّ
"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"

فقد انكسر الامل بالالم منذ ذاك اليوم المشؤوم ،فّمنذ ذاك اليوم المدلهمّ المعتم الصّّعب المرعب الرّهيب
ما أحسّ براحة ، و ّمنذ ذلك اليوم القاسي ما ابهرته ولا أسرته مباهج الحياة والوانها و روائحها وطعمها وملمسها واصواتها الساحرة من زقزقات وهديل وهسهسات ّّكانّه فقد احاسيسه وحواسّه لحين.
فلم يعد يتذوّق بعد ذاك اليوم الشّديد القسوة لذيذ شاي ولا فاحت قهوة في شمّّه ولاتمتع بطعام طاب
ببهارات الود والمحبّة ّولا زارت شفتيه بسمة سوى لسخرية او استهزاء من الزمن اللعوب.
فكل حركة وكلّّ همسة وكل طعم وكلّّ رائحة وكل ملمس زهرة او شجرة أو قارورة عطر او حتى كوب ماء،
ّو كلّ أناشيد طير او غنات عنادل كانت مختلفة عمّا كانت عليه من قبل ،وكل ّّّّّّالوجوه كانت تبدو كأنها وجه ذاك الملاك المسافر للأّقاصي .

فكنت تجده يعيش في الماضي أكثر مما في الحاضر وـأحيانا تختلط الأزمنة في ذاكرته وأنه فتراه يتوقّف عند وجه هذه أ وتلك إذ يغتم ّبعمق فتتغيّم رؤاه لثانية ثم يحرّّك بقوّّّّّّة رأسه كانّه يصفع ذاكرة تغريه بالمستحيل
عساه يرى شيئا من ملامح ملاكه اوبريقا من عينيها أو لفتة من نظرتها أو هي هي ذاتها عساها ّّ تمرّّ به
في ومضة من زمن وتطل ّّعليه من هاهناك هنالك الهنالك .....

....لا لا..انّ تلك الرؤى لمجرّد اوهام لا بدّ من مقاومتها . كذا كان يستنهض وعيه داخله ثم يهتزّ ويعود للحظته الواقعية متسائلا ومجيبا في صمته :"ّ اهي اهي ؟لا ليست هي ، ليست ملاكي هذه العابرة ،ّّاين هذه أوتلك
من ملاكي ؟
يهمس داخله
"ليس هذا بياضها الحليبي الطفولي ولاهوعمق عينيها ولا تلك استدارة محياها ولا ذاك ضوء خدّيها .."


ثم يعود للحياة ...ولكن عودة بلا طعم وبلا مشاعر تحسّ بدقائق الامور كما كان من قبل .

ّّالان بداخله فوضى مشاعر وغمام رؤى وتحزان مزلزل يزعزع كيانه زعزعة و أحاسيس تمزّق وجوده ووجدانه يخفيها في داخله ويقاتل دخانها بسجائره الّتي ازدادت رفقتها معه وازداد بها التحاما ،فلعله كان يرى دخانها المصّاعد من فيه دخان أنفاسه و لهاث قلبه المحترق المغرورق بالدموع بل دخان بلده المقهور أيضا .ّ.وقد يكون حتى دخان أمّّته والإنسانيّة المهزومة في إنسانيّتها وقيمها المثلى في هذا العصر المتعولم المتصهين المتطرف دينيا ومذهبيا وعرقيا و اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

ما الحلّ في فوضاه الغشيمة وفوضى البلد الّتي قلبت كل الأوضاع رأسا على عقب؟ّ
ما الحل في التفراق وغياب الحبيبة،حبيبته ، نبض حياته،عيده وعيد أولاده،بسمته الضحوكة
وضحكته االعالية ملاك جمال روحه كماوصفها هو ذات مرة ..؟
ما الحل لحياته بغياب صنو روحه وشقيقة نعمانه ويناعة أقحوانه وقرنفاته وياسمينته ونخلته بل بستانه كله بما حوى ؟
هي هي وحدها التي تفهمه من ومضة عين وتحبّه في كل الاحايين وتمنحه السّكينة والهدوء في كل حيْن حبيبته الساكنة روحه وجوهر استقراره وحبّه ومعلّمته ومنبّّهته من كل سقوط وبئر أسراره العميقة ومحفظة سريرته وانفراج أساريره ساعات أنسه ...ملاذ أهه وغنّات نايه وشدو كمانه في الهوى و اناشيده في الكرامة والإباء.
نعم هي ،وكم يحلو له خفقها في نبضه ..هي أو نصف اناه الذي تاه بعيدا عن رؤياه ....ماذا سيفعل بعدها
وهل فعلا بقي بعدها مايحلو من العيش؟
همهمات وهمسات وتمتمات وسكرات حزن بداخله تبوح لخالقه الوحيد العارف بأعماقه وتترجاه ان يلهمه الصّبر:"ّصارخا في داخله واحيانا بأعلى صوته لمّّّّا يكون وحده بالبيت في مناجاة مناديا بارئه ومسطر أقداره
ربا.رباه
لا لا لم ترحل إنّّّها في كل الأنحاء والارجاء...
ثم يقطع مناجاته ويعودّ لواقعه كما هو وحديث عقله الكاره للوهم كانه ّّّيقول له :
افق افق يا رجل الألم
لا لا ايّها الواهم المتصبّر بذكراك ورؤاك وأخيلتك
لا لا ليست بقربك حبيبتك رحلت
ويعود سائلا ربه
رباه أرحلت؟ قل لي لا لا لم ترحل
ثم ينبّيه عقله من جديد للحقيقة المرّى
صدّق صدّق أيها العاشق بواسق النخيل انها رحلت ونخلتك ليست بالبيت بيتك ،ليست في المطبخ ّتعد ّالطّعام اللّذيذ المتنوّع ّّّّالشهيّ التي تسكنه نفحات روحها الطيبة وتجتهد وتتفنن فيه لانها ستقدمه لاعزّ من لديها فتتفانى فيه وتذوقه وتحرص على اعتدال ملحه أوسكّّره لتهبه باقصى الحب لك ولفلذات أكبادها
كم تحب هذه الحنونة ان تدللك وتدلّل اولادكماّ
صدّق صّدق يا واجدا مجدّا وعاشقا معشوقا أحبيب الحب ّال- تعتق شرابه عبر السنين
صدق يا وفيا لنخلتك الشاهقة أنّها ليست بغرفة النوم ّترتّبها لسهرات الوداد الأليفة الفرحة المرحة ّّّوالحكايا اللّذيذة الناعمة الجميلة ،ليست في البهو النظيف المبخّّّر،أصابعها لا تتحرّك في مسبحتها يوم الجمعة
او في سائر اّلايام ،لا تراها تطوي سجادتها في اوقات الصلاة.
لا لن تشاهدها تقلّب مصحفها لتقرأ بقراءلتها السبع ملونة حروفها ومطوّعة صوتها ل
مشاعرها و هي متمتعة ومندهشة بجلال وجماال المعنى والتشخيص والتصوير منتشية يهذا التحليق المقدس وهذا الاسلوب الرائع و قد كانت ترتل في همس احيانا بصوتها ما تيسر من القرأن الكريم
في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} صذق الله العظيم [سبأ 10 - 11]

ويعود من جديد لحديث النفس عاجزا عن فهم ما حصل كئيبا منعزلا جلّ الوقت مع ذكرياته واهاته :
لن أنسى صوتها وهي تشرح لي معنى أوّبي ّ بشغف شديد وتؤكد لي انّ تلك الواوهي واو المعية فالطير كانت مع داوود عليه السلام تسبّّح وتحمد وتمجّد صنع الخالق العظيم
رباه أغثني انجدني ارحمني مما بي وانت ارحم الراحمين وحدك القادر على اطفاء لوعاتي
رباه ابناء يتامى وطفلة رضيعة في زمن وحشي يحاصر فيه الحليب والدواء وزوجة صفيّة عزيزة وفية ّرحلت وبلد ضائع
رباه اغثني اجرني انقذني وانقذ بلدي من نسف الارض وهتك العرض .

وطلّ على تلك الحال من الحرقة يحسّ بصوت في داخله يناديه كانه قادم من اقصى نقطة في أقصى الاقاصي يردّ على مناجاته مستجيبا له قائلا :
ا"الصبر الصبر يا انت
الايمان الايمان يا انت
لا تياس لا تقنط ايها المجذوب بالحزن فانه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرون " .

فيهدأ قليلا ّّ ويبسمل ويحوقل ويقول :"صدق الله العظيم نعم سأصبر" ويسمع صوت صمته في خشوع وقداسة مرفوقين داخله بالاسترحام والاستغفار ونبض كل أيات الصبر ورموز الصبر من الأنبياء والصالحين والمناضلين الذين طالما اتخذهم أسوة ....
ثم يعود لذكريات نخلتهّ في حواره الداخلي وتنفجر بين ضلوعه جمل وأحداث لن تنسى
....و كانت تقلب كتب السير والانبياء .
أه رباه كم سأذكر وكم سأنسى يا أنت انا اينك قومي قوّمي لساني اصحي صححي نحوي وصرفي معلمتي
رباه لم أصدّق وأنّى لي أن اصدّق وقد لن أصدّق أبدا ّّانها رحلت ؟ّ
سأجن ...

تتداخل الضمائرفي سمعه وصمته الصاخب الخفي أنا انت هي هم نحن ....ثم يستعيد رشده وحديثه مع نفسه المكلومة وكأنّّ صوتا يصبره في أمرّ
صدّق يافتى أيها ال-عجنتك الايام بعدها بماء مالح ساخن بدقيق الذكرى وجنون الخيال وحضور الطيف وفقد ألأحبة ورعب الخوف في حروب وويلات وانكسارات وانتظارات وصمت الصقيع وحرارة الدخان
صدّق ايها الواهم أنها الان لا تسقي الحمامة ولا ترش ّالحديقة مساء بعد القرّ ولا تطوي ملابسك وتعطرها
ولا تنفض الأسرة والزرابي ولا تغسل غبار الزمن بساعدها وعينيها ّّ ولا تستقبلك من العمل ببسمة ساحرة تقول لك فيها صامتة قنوعة محبّة :
"أعانك الله وابقاك لنا أحبّك رفيق دربي وقرّة عيني ونبض قلبي وزينة حياتي وبهجة ليلي ونهاري ،نجومي واقماري ،شمسي الساطعة بنور الحب في قلبي..صوتك موسيقى حبي وعيناك ضوء بصري وصدرك دفئي وضحكاتك أملي وأنفاسك توهج حناني وحنيني ّ.."
رباه رباه ّ
اصواتها في لينها في رفقها في حبها في دلاها في غضبها في ضحكها في نداءاتها لي وللابنائي
اصواتها حتى في صمتها لا تبرح سمعي
رباه رباه
رباه رباه
ثم يستانف امره لنفسه ناهرا ناهيا عن الغفلة حاثا على تصديق الواقع المحتوم في قلق وحيرة وتعجب ودهشة من حدث عطيم ونار تتاجج بين الحين والحين في خفايا خباياه وخلاياه دون تباعد في صدره المنتفض وهو يصرخ على سريره بجنون مر ّ
صدّق ايّّها المسكون بالمستحيل بالوهم بالذكرى أنّ فجيعة الموت قد اصابتك في صميم قلبك وأنّ المنون اختطفتها منك ذاك هو الحتم "هادم اللذات" كما قال شاعر الزهد ابوالعتاهية
ذاك هو الحتم قد حضر باكرا جدا واختارها الله ّّعروسا تتستحم بّّّّالرافدين ثم تصاعد تصاعد حمامة اليفة مغنية لتحط على نخلتين جارتين ملتحمتين نخلتها الفرعاء ونخلتي الخضراء ،نخلتان تتراقصان في نسائم الفصول رقصة المحبة والوداد والوفاء للأصول
أه نخلتي يا انت يا شغاف القلب
في حياتنا في متاهات الحياة كنا نصارع معا أمواجها العاتيات
ويلاه ويلاه كررها بمرارة وهو يعلم ألا تغييرفي ذا المصير إن رضي او رفض
أيها ارجل العاشق "أقصر ففي شفائك الإقصار "
قلها ساخطا ويلاه اوقلها صاخبا ويلاه او قلها حائرا ويلاه أو لا تقلها
فلا مردّ لحقيقة قاسية نسيتها ردحا من الزّمن وحين باغتتك كانت طعّانة في "دنيا ّغدارة غرّارة أكّالة عوّالة "
صدّّق - وانت المؤمن الراضي بقدرك حتى ولو كان قاسيا-أن نخلتك السامية الان قريرة العين هناك في ملكوت الله قرب عرش عظيم ،
ايه نعم وياطول تنهيدك -حبيب النخلة
تعوّد على اهاتك وانكساراتك واخفق في نبضك بقادم انتصاراتك لا بدّ من يقظة ،لا بدّ من أمل منير في اخر الدرب ،لا تنس اكبادك يا فتى أنت الان الاب والام لأيتامك .
صدّق أنك سوف تقضي بقيّة حياتك بدونها لكنّّّّّها فيك وفي أطفالك وفي رائحة الارض التي تعشقها
ستتنفسها في الصباحات في النهارات في المساءات في الليالي في الأسحار في الافجار وكذا مدى حياتك
في كل دورات الزماّّن.ّّ
ستسمع همس صوتها الحنون في الذكر الحكيم لتصبر صبرا جميلا مع الذكرى ، إنها بعيدة عنك مسافة قريبة منك في عمق خلاياك سكناها القلب
إنّها....افراح كثيرة واحزان كثيرة
‘إنها حبّك الاول والاخير ، مشاعرك الاقوى والاصفى والانبل والاكثر توهّجا وفرحا .
صدّق ،أنت الأن اصبحت وحدك يافتى تواجه الحياة ،فلماذا تهرب ؟ّ
لماذا انتبذت مكانا قصيّا بعيداعن اولادك أوليس لهروبك من أسئلتهم وحزنهم الداكن ؟
لماذا لا تريد ان ترى إلا امّك تاتيك خلسة بطعام فقير من خبز وتمر وماء :طعام حصارات وحروب وذاك القليل
هو فقط ما توفّرللشعب المحاصر المسكين الاعزل الذي انهالت عليه الامم قصفا ورميا بالنار .
وياللحسرة شعب يعيش قلة ذات اليد في بلد من أغنى البلاد في العالم نفطيا، شعب خرّبت اراضيه الفلاحية ومزارعه وأحرق نخيله وهدّمت مصانعه ودمّرت في وطنه الرّافدي المغدور البنى التحتية بمكائد صاغها عراة من الإنسانية ليس في مشاعرهم ضوء ولا في قلوبهم رحمة ،طغاة خدّرت احاسيسهم المادة وقتلت إنسانيتهم القوّة ومرض الانانية والجشع
ليس في عقولهم سوى المال والسلاح والهدم وهدر حقوق الشعوب الأخرى وذاك من عقوق الأشراروحفاة الضماىر تبا لطغاة العالم. ومصاصي الدماء.................أي زهيرا قم انشد فيهم من معلقتك:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

الحرب ديدنها الدمار والكراهية والغبن والقهر تقتل تدمّّّر تهجّر تفرّق
الحرب سواد مكروه وليل عتيم مدحور وفجور مدبريها ومنفذيها جميعا ينم ّعن سقوط المثل في الرّوح الانسانية ّولا يسود بعدها سوى الانهيار والهبوط المدوي دوي هدير الرعد المعبر عن غضب الطبيعة والله
في كل مظاهر الحياة ومعانيها .حرب لا يمنع فيها العزّل مهما هربوا من قنابلها ومتفجراتها وحتى الهروب للملاجئ والبلدان قد لا يكفي للنسيان .
أيه يا أنت أنا وكل امثالك امثالي وامثالنا كم كان الوزر ثقيلا على وجودنا كله تحمّلنا وتحملتنا
ّّّ من ويل الويلات
أتذكر لما أردت الهروب من نار الأسئلة وهجرت بيتك حبيب النخلة وكم تساءلت وقتها
لماذا هجرت بيتك -حبيب النخلة ؟
تكلّم ،بح ،اصرخ ،ابك ،غنّ اشجانك ،ارقص رقصة النوى،اردح ردحك العراقيّ،صل ّ،ّسبح ، رتل قرانك
اخرج منك مرّ الجوى وقهر النّّّوى
قل إنك صدّقت ،قل إنك رضيت بالقضاء والقدر، بح لقلبك النازف المجروح ،ضمّد بصبرك القروح --
حبيب النخلة -لا وقت للوهم ،لليأس ، للقنوط ،صغارك صغارك صغارك اليسوا امانة بعنقك يا فتى الشداىد
ألم توصيك النخلة بهم خيرا وهي على سرير مشفى الموت ؟

.........وصمت أبو فرات يتأمل حاضره محاولا أن يغمض عينيه قليلاعن ماضيه المكبل لاخذ الحياة من جديد بجديدها المر القاسي فربّت وحده على كتفيه ان افق ليس لك من اختيار سوى إجلاء خرابك عن ديارك وإطفاء نيرانك بالصمت والصبر والايمان وكتم دموعك على ايتامك.
هكذا كان يتردد على الحياة يزورها بين الفينة والاخرى وهو ينظر لاولاده وطفلته الرضيعة
فتقول له الحياة عد عد أليّ الم توصيك النخلة بي خيرا ألم تصفك لي أني المستمرة رغم ما بي من غدر .
أنت مجبر ان تعود إليّ شئت ام ابيت ذاك قدرك

........وعلى هذه الحال من الصراعات كان ذاك الفتى الصبور مضطرا أن ينحت من أوجاعه صخرة سيزيف ومن تراكم الأحزان فينيق صمود ومن زلازله ايوب صبر
أسوة بمن سبقوه من المعذبين .ولكنّ الذاكرة كانت لا تخمد أبدا ملحاحة بتفاصيلها الدقيقة جدا كانها كانت
هي أيضا قاتلة كالحرب ولا تسعفه للنسيان
فكل التفاصيل الدقيقة وأصوات البيت وضجيج السوق ...كل شيء حتى بعض الغضب او بعض الهدوء ...
كل شيء كان حمّالا للذكرى حتى أنفاسه وتنهيداته وأهاته الصامتة الأسيرة التي كان يختنق بها صدره ويخفيها عن الجميع والتي كانت تنفضح وتفضحه في لهيب سجائره المتلاحقة المشتعلة سيجارة من سيجارة
ّّّوالتي يعتبرها خلّّّه الودود الّذي يقاسمه متاعبه ّبلا مقابل ويهزا بكل من ينبّهه من ويلات التّدخين لقد سمّّي سيجارته رفيقة الضيق الوفيّة الصّدوقة وسمّي كاس شايه المعين على التّنهيد .
و ايّّّا كان قول الاطباء حول خطر التدخين فقد كان يعاند ولا يترك خليليه وعشيرّه حتى الأطباء ّ حين يقولون له تنحّ عن هذا السم ّ كان يقول لهم ّ:"كفى لا سمّ ساذوقه اكثر مما ذقت من منضّب ومخصّّب وفسفور أبيض قتل ابنائي محمد وايوب واساور وزوجتي وأبي و أبرياء عزلا من شعبي ..
أساور بنيتي حرقة تشتعل في قلبي لما أسمع بكاء طفل بلا حليب ولا دواء ولا ام.
أساوري الحبيبة اضطررت انأدعها عند خالتها لتهتم بها فانا لا اعرف شؤون الأمومة وبقيت أتفقدها ولكنّي مهدور المشاعر ابنتي ليست في حضني عجزي عن شؤونها وشؤون البيت وضرورة العمل لتحصيل الرزق
كل هذه الأعباء كأب على كتفيه أيتام وفي قلبه جليل تحزان كل هذه المشاغل جعلتني أضطر لفراقها .نعم كل هذا لم يمكّني من أن أشبع بأساور
أب مقطّع بين أعبائه ومسؤولياته لتدبير الحليب والقوت اليومي والغذاء الشحيح الموبوء بسموم ما نفثته
على بلدي أسحة العالم المتحضر العظيم بجرائمه وقتله للاطفال..نعم هذا هو وقتنا وقت السفاهة وسفك الدماء البريىة والعبثية والكبر والجبروت ...وقت صعوبة العيش وشظفه والخلل الرهيب في موازين الوقت
في وقت أيضا بات الرزق فيه مطلبا كالمستحيل
أف منك يا أيام النار أف
أيوب ابني الطفل العبقري الجميل المحبوب الذكي الوديع الذي كان بسمة من بسماتي القليلة أيام الجرح الأعظم اه ايوب ابن التسع كيف ادركك الموت بني وكيف أصابتك اسلحة الدمار الشامل كذبة الأمم والعدم كذبة العنجهية والطغاة على بلدي الحبيب؟
سيجارتي سيجارتي أين أين انت لتحرقي احتراقي؟
سيجارتي عشيرة احزاني لن ارميها الا في بحرما لمّا ارى أملا ما اتنمّسه يكنس ما قبله من ألام... أو يخففها
"نبكي على من هوى
في ليلنا فرقد
ندري بانّ الهوى
يبقى له مرقد
عمرالأسى ما طوى
جرحا ولا أرقد"

هكذا كان أب الشهداء يردّد في قهر ومرارة أبيات الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد
ؤصرخات صراعاته بدخان من دخان والام وفجيعة الخسارات لا تبرح نبضه وأنفاسه.

كل شيء كان يذكّره بما فات من عيش مبتسم دافئ رغم ما واجهه من زلازل وأحداث جسام بعثرت السّكون والهدوء وحوّلتهما صخبا وضجيجا وصراخا تبثّه القنابل بكل اصنافها والصّواريخ الفتّاكة والعابرة للقارّات والطاّّّئرات النفاثة والبراميل المتفجرة التي كانت تأتي على الأخضر واليابس .
يالها من سموم الجشع والابتزاز والسّطو والغطرسة وهي من أبشع البشاعات الّتي راى خلالها كلّ ما يحمله الإنسان من شرّّّ لتدمير اخيه الانسان
بل لتدمير الطبيعة كلّها والوجود تحت حصارات وحروب واحتلال ثلاثيني من امكر واشنع ما رات البشرية عبرالعصور ..........
كانت تقوده امريكا سيّدة الأرض والسماء والبحار بقوة القوة وسطوة المال والسلاح والنفوذ الشراني.

و لكن رغم ما كان من حصارات و صراعات حروب وفتن داخلية مزّقت البلد إربا إربا فقد ثبت ذاك اليوم ثبوتا في روزنامة احزانه كما ثبتت ايّّام الجمر والقهر والفوضى الخنّاقة وما كان للفوضى أن تكون خلاّقة
إلا في قواميس الطغاة واستراتيجياتهم الهدامة للحياة والقاتلة الأبرياء والناسفة للبشر والشجر والبشر.

لقد رأى بامّ عينه عائلات باسرها تمحى وعاش أوقاتا صعبة جدا تحت احتلال شرس لعين مجرم سفّاح ظلوم متوحّش دمويّ هدام .ّ
راى ابا يهرب ببعض اولاد و بنيّة من بناته تردم تحت القصف الهدّار باصوات الرّعب وغربان الفجيعة
رأى احد ابنائه أيوبه الطفل البريء يهتزّ رعبا من أصوات قاصفة راعدة مبرقة قتلت الفراشات والعصافير وارعبت الاطفال الابرياء رعبا ما بعده رعب وقتلا ما بعده قتل...
أي بشاعة ربّاه في هذه الحروب من اجل ماذا كل هذا ؟من اجل ماذا ؟امن اجل النفط ؟خذوه
امن اجل تجارب اسلحتكم برؤوسنا ؟جرّبوها في اماكن بعيدة عنا في الفيافي القاحلة ،امن أجل استراتيجيات المليار الذهبي البشري ؟أنصّّبتم انفسكم اربابا على البشرية تقرّّرون لها ما تشاؤون تتركون من تتركون حيا وتقتلون من لا ترغبون بحياتهم ؟

أففف من هذا الكبر التجبّرالتكبر ّّالطغيان أففف

في النهاية لستم سوى بشر مثلنا ستنالون من الأرض شبرا وتعودون ترابا كما بدأتم لا غير ...
أيها الشذوذ المكر الرّّعب الإرهاب الكذب الخديعة لا فتاك غيركم ولافتك غير ما فعلتم ولا موت دمار شامل سوى بما قتلتم به أطفالنا ونسفتم به سماءنا وارضنا وإنساننا المسالم الاعزل المقيم في أرضه .
لكن ..
نحن الاباة من سلالة حمورابي وجلجامش ومحمد والحسين وغيرهم من الصالحين والأبطال والأنبياء
لن تنالوا منا يا حشرات الحضارة.

"إنا إذا ما غضضنا الطرف عن سفه
فلا يغرّنّّ معتوها تغاضينا
فنصف ما في العراقيين غيرتهم
وما تبقى دم عنها يقاضينا"
ّّّ
دوّت في نفسه هذه اأبيات لعبد الرزاق عبد الواحد دويّ السّلاح ليس بضمير الانا فقط بل بضمير نحن صاخبة داخله يصرخ بها
ّفي حديقته وكانه يردّ بها كيد عدوّ لدود .
وقد تذكّّر مما تذكر ما كان ذات يوم حدّث به صديقه باسل وقد التقيا بعد هدنة قائلا:ّّ
لكم طعنني في كتفي بسلاحه الحقير الجنديّ الامركي او الاوكراني المرتزّّّق الذي كان دوما يصاحب سيّده المتوحش لينفذ طلباته العنيفة الإجرامية وكم داسواعلى جرحانا بأحذيتهم اللعينة القذرة وذاك المستهتر الأفاق المثلي الوسخ المتصهين الوحش كم كان يقتحم عليّ غرفة نومي مرارا ليذلّني او يهدّدني بالقتل..وكم اهتزّ بيتي وخاف أطفالي خوفا شديدا أدى ببعضهم للموت من أصوات الرّعب وشظايا الأسلحة الفتّاكة ،اسلحة الدّمار الشامل الحقيقية
من براميل مفخخة تدوّي برعبها عند الانفجار و طائرات الف16 وصواريخ عابرة للقارات هزت بغداد بفاجعة العامريّة لقد كان اعجوبة اجرامية ذاك السلاح المسافرعبر القارات جرّبه الطّغاة في لحم اهلي ودماء الابرياء من ابناء شعبي بملجإ العامرية حيث بصمات اللحم المحروق على الحيطان لن تمحى جرائم الحرب تلك ولن يمسحها التقادم ابدا ..
ولكن يا صديقي باسل
رغم كل ما كان من رعب وفزع وخوف كان الامل قائما في بيتي في استمرار الحياة رغم الداء والاعداء .
في بيتي الذي تمسّكت به أنا ونخلتي. وبسبب ضيق اليد والكبرياء لم نهاجر وبقيت العائلة متشبثة بالارض
لاننا كنا نؤمن معا ألا موت بلا اجل وان الموت في بيتنا افضل من الموت ذلا في مخيم تحت امرة زيد او عمرو
ثم لان الهروب لتلك المخيّمات كان ايضا يحتاج اموالا طائلة لا يملكها إلا ّّّّتجار الحروب وعبيدهم
تدفع لذوي النفوذ او المستكرشين السفهاء من بعض الاحزاب الّتي باعت دم العراق وشعبه لكل الاعداء ،
ففي الحروب تتقلص الفضيلة وتنتشر الرذيلة ويختفي الخلق القويم وينهار وتموت الضمائر وتطغى
على البشعين الجشعين غرائز حبّ المال وتكديسه من الحرام ومن دموع الابرياء ودمائهم، ويّنظر للحرام بالحلال وللكفر بالسماحة وللقتل بالواجب وللخيانة بالوطنية وبالطبع في مثل هذه الاوضاع كم كدّس ارباب االحرام من مال حرام.
لقد نفخ الحرام بطونهم وصدورهم فكم ظلموا من فقراء وضعفاء ثم ركبوا الكراسي وقالوا نحن الشرفاء.

لكم تراكم الويل على الويل والالم على الالم وتكوّم الحزن على الحزن حزني عليّ وحزني على بلدي.
ّّ
واحسرتاه واحسرتاه ذهب حتى ذاك الهدوء وتبدّدت تلك السكينة النسبية وراح ذاك الدفء ّ وتمزّّق تماسك العائلة المستظلة بنخلتها الصّّّّبورة الحكيمة الوفية لزوجها والمحبة لابنائها ربة البيت الصّّّالحة ّّّالمدبرة الذكية المهتمّّة اهتماما حريصا على التنشئة الصّالحة لاولادها والمؤازرة لزوجها دون شكوى ولا ملل ولا كلل
تلك الثّابتة الأصل والمحتد ّال-فرعها في السّّماء
نخلتي الشامخة العميقة في أرضها الاصيلة
اه اأواه اه
"كل الوان التحزان كانت بشعة "

قالها لصاحبه باسل وهويسرد عليه قصّّّّته الحزينة فقد حدثه ببنات صدره ليتنفس قليلا ويتناسى وزر الأيّام الحارقة الّتي خلّفت في نفسه شروخا وجروحا وقد تلاحق الدّمع قطرات حتّى ملأعينيه وهو يقول :"ّ
يا صاحبي اصابني الهول والويل وانا أرى بلدي شظايا وحتى اليوم لم أنس تلك الكوابيس وأصوات الطائرات وصفارات الإنذار و ولكن ما اصاب قلبي في التّيه القاتل ذاك االيوم قد كان تحزانا فريدا أصاب المكنون والخلايا وانغرست في دمي الامه .
تحزان ذاك اليوم الأسود كان قاتما ترسّخ في الفؤاد والذاكرة
ذاك اليوم من شتاء قاس بارد وسماء متجهّمة مدلهّمة كان مكفهرّّافي الطّبيعة وفي حياتي .
يا صاحبي باسل ،كان ثقيلا ذاك القهر ثقيلا أثقل من الرّواسي ..
في ذاك اليوم بكاني الليل وبكتني شجرتي الزّّوراوية الثابتته على صنوف القهر والحاملة لاسمين حبيبين :س نخلة وم ابو فرات
لقد كتبت الحروف بانامل الحبّ ومن أشعّة النّجوم ومن لالئ الكواكب ، فتشابكت الأصابع لتحفر نقشها العاشق على تلك الشّّجرة شجرة المحبة للخلود .
ما اقوى الحب انّه اعظم من الحروب والموت حين يكون صفيا وفيا."

فالذكرى تلو الذكرى وشجرة م ابو فرات وس ظلت نخلة شامخة في ارضها وحروفها محفورة خالدة في قلب الحب وبصره وبصيرته ،
لكنّ القدر ابى الا أن يبعث بهجماته وعواصفه وانوائه ففرّق قلبين عاشقين حبيبين كانا معا يسيران في دروب الحياة المتضادة المتصارعة بما لها وما عليها .
اه منك واه يا قدر اواه

"اللهم لا اعتراض ".
كان في صمته وفي جهره يرددها بايمان رجل حزين لم يفتّ الحزن من عزمه ولا قللت الانواء من ايمانه
بان المقدر كائن لا محالة والله عنده حسن العاقبة والجزاء.
للصّابرين صبر ايّوب والّذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا :"حيثما كنتم يدرككم الموت"ّ
يردد ذلك كله حتى لا ينهار تماما فامامه ايتام لا بد الاّّ يضعف امامهم ابدا ولا بد
ان يمسح الحزن عن قلوبهم الصغيرة ويربّت على مشاعرهم الطريّة و لكنّه كان كثيرا ما ينحني قليلا على نفسه ضاغطا على صدره الموجوع بين يديه مخاطبا القدر في عتب قائلا : كم تدوسنا احيانا بما لا يتحمّّله البشر أيها القدر
,ولولا أنّ في قلب المؤمن داىما صوتا يناديه :" لكل اجل كتاب و لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون
لولا هذا الايمان الراسخ بأنّ الموت حتم وله أسبابه ولكل موت سبب ولولا اليقين بانّنا سنعبر هذه الدنيا كما عبرها غيرنا قبلنا وسنلاقي غدا ربّّا رؤوفا بالصالحين والصّالحات والصّابرين والصّابرات والصّامدين والصّامدات والمؤمنين والمؤمنات والمبشّرين والمبشّرات بالنعيم .
لولا كل هذا الصبر والتصبير لكان انفطر القلب انفطارا .

لقد كان محمد ابو فرات رجلا مؤمنا ورعا يصمد في الشّدائد بصبر ويمحق حزنه بإيمانه مهما قست الايام عليه ولكن نار الشّوق المختلطة بنار الحزن كانت تجعله يعود دائما لألبوم الصور الحبيبة .

و....حين قيلولة وهو على تلك الحال من الاسى في لحظة تقليبه للصور العائلية للمرة ال -ما فوق الالف
اخذه النعاس من شدة وجع الذّكرى .
فكان يتقلّب عل جنبيه ،فاذ به رأى امرا عجبا ومعجزا ،فقد كان الحلم في ذاك اليوم ملحّا عليه إلحاحا
فرأى سماءه الشّامخة في نورها الأرجواني ولباسها الحريريّ الأخضر المطرّز بالزّهور
وفي سنة من نعاس سرّه ما رأى ربّاه ربّاه إنّه الطّيف الطّيف ذاك الطّيف العزيز كان ماثلا أمامه فما كان
اسعده به
في ذاك الحين.
تمتم في صمته ربّاه ربّاه يا الله لعلك اردت ان تهوّن علي ّّقليلا وتبدّد عتمة احزاني واهديتني حلما
مع ذاك الطيف العزيز علي "
سمع محمد ابو فرات في غفوته صوتا ناداه : " أبو فرات ابو فرات

لا تقنط ،لا تحزن ،لا تبتئس،لا تيأس إنه لايياس من روح الله الا القوم الكافرون صدق الله العطيم
الحياة تستمر أوصيك باطفالنا وبنفسك خيرا اعرف انك تحبّني كثيرا فليكن كل هذا الحب اليوم لاطفالنا
كن لهم الام والاب و حاقظ على نفسك فلا أريدك تعمى من الحزن ولا اريد لقلبك ان يموت ولا لبسمتك ان تخفى اترك الحياة تنبض فيك أبوفراتي الغالي ،روح دمي ،حبي والد ابنائي وبناتي ،نوارة روحي ،الوان عمري ، فراشي الحائم حول روحي ، شمسي الباعثة دفءها دوما في حياة أطفالنا ،نجومي السّاكبة ضوءها لعطاشى الضوء ،مائي الساقي شفاه النعاس المقدس فرسي الحر الشجاع كريم اليد أصيل المحتد سليل يعرب طائر الحرية اّبق كما عرفتك ذاك العاشق المبسام ذاك المازح الضحوك ذاك الوفي ّللجمال والحياة على الدّوام هكذا
انا فيك فإّن حزنت روحك ينتاب روحي حزن وقد يسري في دماء ابنائنا المقبلين على الحياة
لا حبيبي لا تحزن
ّدس على ذاك الغمّ الويل واركب خيلك الحرّة واسرجها وقل ربّّاه أنت الواهب الأمل ومغيّر الأحوال".

تمتّع أ بو فرات في غفوته بذاك النداء العاشق وقام يفرك عينيه من لحظة بين النّوم واليقظة وكم ارادها
ان تطول لكنها سرعان ما افلت .
ّ
ولما استفاق تماما وصحا صحت الذّكرى معه ومرّت بخاطره وقلبه كوخز إبر ، فتراءت له في اليقظة نخلته العالية باسقة في فضاء رحب يغلب عليه الخضار .فبسمل وحوقل وقام لتوّه وأقام صلاة الفجر وقرا ما تيسّر
من القران الكريم وأطال الأدعية بالصّبر له ولصغاره وبالرّحمة على أصيلته الثّابتته الفرعاء الحسناء الغيداء .
ثم شرب كوب ماء ثم عاد لسريره يستغفر ويطلب اللّطف ويقلّب الذكريات تترى ...حتى اخذه النعاس من جديد .فرأى نفسه بحديقة وارفة الشّجر فسيحة الأرجاء كثيرة النّبات والزّهور والفراشات كان يسير فيها على مهل
فاختلط عليه الامر بين الحلم واليقظة والخيال والرّؤى وعاد لأبلوم الصّور يطوي اوراقه طيّا .
فبدت عروسه امامه مختالة في لباس عرسها بساّمة فرحة و كانّها تعيد له ذات السؤال الّّذي ملأ كل فضاءات روحه ذكرى فرح وحزن "كيف حالك"؟باسمة رآها وكيف حالك ؟
كأن هذا الاستفهام حمل كل معانيه البلاغية من قلق وحيرة وتعجّب وإنكار وتودّد
"ربّاه اجرني" قال في قلبه المخلوع المخدوع بحلم ثانية
رّباه اجرني من "كيف حالك " ؟سؤال حملته بسمتها العاشقة وحملته بسمتها المودّعة
وقد قال محدّثا صديقه الودود باسل وهما يشربان الشاي في أحد المقاهي القديمة :
"أخي باسل
في ذاك اليوم صلّيت في ساحة مشفى الموت المجاني الّّذي أكرهه كرها شديدا ذاك المشفى اللامبالي بأرواح الناس حيث خسرت نصف عائلتي ،مشفى هو عنوان الإهمال الطّبيّ واللاّمبالاة ،لقد رحل هناك ابي وابني ّوابنتي وزوجتي..إ ذا امستشفى نه المبكى وليس المشفى ما كنت رأيت من طواقمه اهتماما بالمرضى ولا التزاما بالحرص على أرواح الناس كان همّ بعضهم تجميع المال ونهب الفقراء والتّعامل مع صيدليّات بعينها
هي بالتّحديد لشراء الدّواء ،الله أعلم ما كانت تحمل لنا من موت في أدويتها وإبرهازمن تلك الحرب الضّروس
يالتجّار الحروب و ياللجرائم ربّاه اذقهم جميعا ممّا اذاقونا من علقم . ..
كلّ ما في حياتنا كان معرّضا للنّسف من السّماء والارض والماء ...محنة يا صديقي باسل وما أعظمها من محنة صدّ ق او لا تصدّق أنّ من بقي منّا لم يبقه سوى قدره الحتميّ لمواصلة الحياة...
وتستمرّ الحياة كما قالت لي نخلتي"

تنفّس قليلا يا للغم الذي اصابه ،اختناق تمكّن من صوته وجفاف في حنجرته وغصّّّّّّة كانّها كتلة دم جامد
ثم واصل حديثه لصديقه باسل قائلا:
"في ذاك اليوم الشّّتوي العاصف قبل أن تدخل الغيبوبة حياتنا المنكوبة
في ذاك اليوم القاسي صليت في حديقة هذا الذي يسمّى مستشفى كم اكرهه واكره ذاك الطّبيب اللامبالي وكانّه
لم يكن يعامل بشرا او ربّما كان هو في عمقه فاقد الإحساس وليس طبيبا انسانيّا وربّما كان ما فعله بنا الاشرار
كان عمدا وبأياد مريبة ونفوس غريبة ترى في عيونها الشرور كلّها .
فلا باس لديه ولدى أمثاله الشرسين الموالين للمجرمين ،لا بأس في نظرهم حتّى لو حقنت عائلتي وكل المرضى والجرحى بدواء فاسد ........
بلد كامل ضاع يا صاحبي بين الجريمة والفساد كلّ جرم البشريّة جمع وجاء يقاتل بلدي
حتى الأشقاء والجيران وجاء الأفّاقون من وراء البحار متكالبين علينا دون ايّ سبب وجيه بل كلّ الحرب قامت على اباطيل اسلحة الدمار الشامل في ظاهرها وفي باطنها وغاياتها نهب النفط وبسط نفوذ الطغاة المجرمين الامبرياليين المتصهينين وخونة من الجيران والاشقاء وتجّار الدين والدنيا .
كم تاذّينا
اكره ذاك الرّّجل المشبوه ولن اسامحه ما حييت ذاك الّذي اغتال زوجتي وحقنها بدواء خاطئ في وقت خاطئ.
لم يكن سكّر حبيبتي قويّا لدرجة الغيبوبة لكنّه حقنها بما لا يناسب مرضها فكانت بسمتها قاتلة مقتولة وهي تودّعني وتنظر لمدى ابعد من مدى عالمنا الفاني الظلوم كانت مودعة باسمة ّ
كانت نخلتي مبتسمة في سؤالها الاخير عني بنفس العبارة "كيف حالك ؟
قتلت زوجتي ونصف عائلتي بشرور دول فاعلة ودول تابعة نعم قتلت واستشهدت نخلتي تحت القصف المكثف ولم تشأ ان تغادر مكانها و رفضت التّّهجير وكان القصف على أشدّه والنّاس في مشهد من الرّعب والفزع والشّهادة والموت المجانّي .....
ألا سحقا لتجّار الحروب والخوّانين والمحتلّين جميعا وللطّامعين ببلادي وخيراتها والخونة الرّاكبين ظهور دباّبات المحتلّ الساّقط المبتلّة أصابعه بدمائنا البريئة
اي صديقي باسل
كنت قبل ان أراها مودّعة
صلّيت في الحديقة طالبا لرفيقة دربي ونخلتي الباسقة الشّفاء و لكن يا لحرقتي لمّا عدت لغرفة مشفى الموت التي كانت تقيم فيه نخلتي اعدت الصلاة فابتسمت في فتور وقالت لي "كيف حالك ؟"
ثم توارت نخلتي وراء سجف الظّلام وتوارت كيف حالك من فم الكلام
وصمتت بين ذراعي
اوّاه اوّاه مما عشت
اواه من طعون القدر
اوّاه من يوم مكفهر ومن بلد تخرّب وانفجر.

صديقي باسل ماذا يفعل زوج امام زوجة محبوبة غادرت , وام ّاولاده الرّاحلين والباقين ؟ماذا يفعل زوج وهو امام نوّارة فائحة افلت ونخلة باسقة تهاوت في أحضانه ؟
ماذا يقول زوج امام عصفورته الطاّئرة المحلقة بعيدا وهي بعد في ريعان العمر لمّا تبلغ الأربعين ؟
اه في الصمت
اه في القلب
اه في الحلق
اه في العين
اه في الرّاس
أه في النّفس
اه في الرّوح
اهات في الدّرب
وبكلّ اهات الارض كنت اودّعها" ثم ختم حديثه مغرورق العينين
وتنهّد باسل قائلا له وهو يمسح عينيه أيضا كلنا عشنا الويلات صديقي ومن المعجزات انّنا صمدنا في موت الحياة "
ساد صمت رهيب وقت ولم يكن من اصوات تسمع سوى رشفات الشاي على شفاه اثقلها الكلام الموجوع الموجع
ثم استانف محمد ابو فرات كلامه الدامي الدامع قائلا لباسل صديق عمره

" كان من احلك لحظات عمري نقل الخبر لولديّ العزيزين الطّفلين المتعلّقين تعلّقا شديدا بأمّهما النّخلة
في تلك اللّحظة كنت مشتّتا بين ان اعلم العائلة واخرج حبيبتي في ظروف حرب من المستشفى وبين اخبار ولدي الطفلين الصّّغيرين باقتم خبر صادم لهما
تنهد باسل ثانية ومسح عينيه وقال له في تقطع بصوته المتهجد "
السلامات لك صديقي
يا من لم ترضخ تحت القصف وامثالك رغم الويل قد بسلوا
وكنت من القامات ا نت وكان امثلك المثل....
قامات صبر توحدّن مع الايمان في الوطن
ّ والنخل باسق أعلن انه زحل
فجلّ من وهب لكم قلوبا عزمها حجر
بالحق قد امنت وامنتم صبرت وصبرتم
أنتم النبلاء
والسّفهاء خجل
جل من اهدى لك قلوبكم البأساء
فصبرا ايها الجمل..."

صمت باسل متاثّرا جدّا بما سمع وهو يعلم بالقليل مما اعلمه به صديقه ابو فرات فما حصل كان لا يوصف
ولا يحدّ في معاني الرّعب والفجيعة وكان ثبات النّخيل اقوى من نيران الحرائق .........
صمت باسل وهو يتامّل بشموخ نخلة واقفة امام المقهى وواصل ابو فرات حديثه لصديقه عساه ينفض عن قلبه بعض رماد متضرّعا

يا رحمان يا حيم اعنّي على ان اكون في صبر ايّوب وفي حكمة سليمان امام هذه المصائب المتراكمة في برهة من زمن .....
كيف سأخبر صغيرين بأنّ امّهما الّتي ولدت وحضنت وربّت وربّتت بحنان عليهما واعطت من حياتها لهما كلما استحقا عطاء بلا حد ولا حسابات.. كيف كيف.؟؟؟؟
الا عودي حبيبتي واساليني كيف حالي ساخبرك عن عجزي ،عن علقم ريقي ،عن دمع ملأ حنجرتي حتّى لا يراه احد
كيف حالك انت يا وردتي اليانعة الّتي قطفها الموت غضة واختطفها مني؟
كيف ساخبر طفلين عاشا مدّة قصيرة في رعاية أ مّ المودّة والحنان ؟
انّ الام ّرحلت والمودّة ّّّ والحنان رحلا معها .
كيف ساخبرهما انّ ذاك الحنان من ذاك النّعيم قد أسدل عليه الستار إلى الابد وانّ تلك الامّ المعطاء البسّامة الغضوبة بحكمة وودّ خفيّ رؤوف رقيق رهيف حين الحزم ،ّتلك الجوهرة السامية ونعمة من نعم الدنيا والأخرة تلك الّتي حملت وولدت بعسر وسهرت الليالي وانامت وارضعت وربّت وعلّمت ووجّهت للخير والهدى وقبّلت وابتسمت وقطّبت عند الغضب وعفت بحلم ونظرت دائما لصغيريها بحلم وامل وحبّ دفاق وهما ينهضان من سبات طفولي ّعميق فّأفاقتهما بعطف الدنيا وأحضرت فطور الصّباح ولمجة العاشرة الّتي كانت تدسّها
في حقيبة الدّراسة وبين الكتب و اعدّت بحبّ فطور منتصف النّهار والعشاء ؟؟؟
كيف سيكون حالهما على كل ّموائد هذه الازمنة ؟كيف سيرتميان على سرير فرغ من الأمومة ؟
كيف ستكون صباحاتهما بدون النّخلة الجميلة الهفهافة الاصيلة ؟
كيف سيصبح صباحي وضحاي ومسائي وسمري دون النخلة أسطورة الحب ّفي حياتي
ربّاه ربّاه اشياء البيت التي كانت تمسها بييدها بتفاصيلها ستؤلم طفليّ الحبيبين كما كانت تؤلمني بل كما
هي للأن تؤلمنيّ
اه ولديّّ الحبيبين
أإنسانا عيني فراتي رافدي ابوكما موجوع موجوع ويجب ان يصمت ويكتم انفاسه حتّى النّهاية انا عليّ امتص أ كل ّالصدمة والوجع"
يحدّث ابو فرات نفسه المتفجّعة ثم يرتمي على امّه باكيا في تكتم ويحضنها بشدّة وكانّه يراها وحدها من تفهمه فيشكو لها بعد الله فجيعته او يطلب سندها الذي لا يرد ّطبعا
ويتوجه لأمه الأوفى في محنته محنته الأكبر
أمي اماه يا باسلة
ماذا سافعل ونخلتي تركت لي رافدين ودودين عزيزين رائعين جميلين لا اريدهما ينتحبان ولا يحزنان ،
لا أريدهما يحطمان بهذه الصدمة المروّعة؟
باسلة اماه يا من انجبت رجالا قاتلوا الاستعمار والويلات ونساء في قمة الوفاء والعطاء من لي ليشد أزري شدي باسلتي شدي أزري أ ماه
اماه طفلاي يبكيان أمّهما وبنيتي دجلتي الأخرى تبكيها وهي لما تفقه من الحياة إلاّّّ اشهرا من سيرضعها
من سيربيها من سيعلمها الصّّحيح من الخطإ؟
اماه انا لا اعرف كيف اغّير الحفاظات ولا كيف ارضع بنية الأشهر التي حرمت من حليب الام ولا كيف أجلب لها حليبا في هذا الحصار الرهيب الذي حرم أطفالنا الحليب والدواء لم أعد احتمل موتا اخر
أماه يا باسلة قولي لي وأنت حكيمتنا كيف سأخبر صغيريّ بوفاة أمهما كيف سأسكت دجلة حين يحين وقت حليبها كيف ساهدهد نومها لتبتسم نائمة في حضن الأمومة التي غابت
أماه ارى بنيتي الرضيعة مقطّبة الجبين تبكي بحرقة أمّها حزينة عليها ،أيحزن رضيع على امّه يا اماه ؟
اه
كم أخشى ان اموت انا أيضا واترك اطفالي لليتم والتّحزان ّوالضياع
أماه ابتهلي ابتهلي معي كي أكون قويا صبورا أعتى من الأحزان كي اوصل الأمانة لبرّالأمان
أماه باسلتي اها اهز بجذع النخلة يساّقط عليّ الرطب واغلّيه لدجلتي بنيتي الرّضيعة وأسقنيها ماءه عوض الحليب المفقود الذي ضربت مصانعه
أماه حتى النخيل أحرقوه فانّى لي بالغذاء والدواء لابنائي ورضيعتي
أنى لاطفالنا بالحياة؟
وانا لا لا اريد لبنيتي أن تموت عطشا و جوعا ساحترق
لا يهمني ساتحدى القنابل والطائرات والبراميل المتفجرة وامشي عشرات الكيلومترات على دراجتي تحت الموت عساني أجد لدجلتي علبة حليب تسكّن عطشها
أما ه لا اريد لأطفالي ان يكبروا في التحزان
رباه اجعل ميزان الايام معنا ولا تجعله ضدنا لقد أنهكتنا الدروب الوعرة تعبت تعبت تعبت،،تعبنا تعبنا تعبنا......


ومضت سنين وسنين صبورة مؤمنة وأولاد النخلة يكبران في حضن الأب الصبور وأمّه باسلة تقيم معه
في بيته وبنيته دجلة مرذة عند خالتها ومرة مع امّه تربيها وترعاها..
وذات يوم شعر بانّ امّه بدات تكبر وثقل عليها حمل البيت والاطفال وليس بوسعه هو أن يفعل كلّ شيء
فالعمل أخذ يومه والاهتمام بالأطفال وشؤون البيت لا يستطيعه و امّه تعبت من ثقل أرهقها وهي كارهة أن ترى ابنها منغمسا في الحزن وأحفادها مثله فلا يمكن في تصوّرها وهي الأم ان تقبل بهذا المرّ الدائم لابنها وأحفادها نفظلت تلح عليه أن يتزوج ليخرج قليلا من دمار الذكريات وثقل هموم الحياة وكانت هي تلح عليه
في القبول واختيار زوجة تواصل معه معترك الحياة وتحاول إقناعه بأنّ النخلة كانت تقول له الحياة تستمر ، وهي تستمر حقا بكلّ ما لها وعليها وكان هو يلح ّفي الرفض حتى لاحظ أنها بدأت تغضب وتهدّده بالبعد
عن بيته
ولكن ما كانت غايتها إزعاجه بل محاولة مساعدته لرمي بعض المرارات وتجديد الحياة فأطفاله يكبرون ويحتاجون رعاية أكبر وبيته يحتاج ترتيبا وطعامه يحتاج تحضيرا وسريره يحتاج دفئا ولن يكون ّهذا حسب أمّه وحسب الواقع أيضا إلا بدخول امراة في حياته تكون ابنة حلال وتريحه من أعباء كثيرة لا يقدر عليها هو
ولم تعد أمه قادرة عليها .فلأطفال زينة الحياة الدّنيا ويمكن لو أنجب أن يتجدّد فرحه ويبتسم .
ّوتحت إلحاح أمه التي يقدّرها ويعشقها ولا يرمي بقرارتها ابدا عرض الحاىط استجاب لها .
وها هو اليوم بهو داره مزدان بلعب الأطفال ودراجة وكرة بل حتى فرخة طلبتها منه بنيته علياء اما ادريس فهو الصّوال الجوّال في شعره والقافز على صدره والناطق بكلمات لا يمكنه أن يكتم معها ضحكته ...
تدور الايام بضيقها ورحبها وتكبر تلك الرّضيعة الّتي ولدت في ذاك الزمن الصّعب وتتامر دجلة مع علياء وادريس على والدهم رميا بالكرة وتحلو الحياة وتزهو بالبسمات والضّحكات البريئة ونجاح فرات ورافد
ولا يدوم الا وجه الله ما بعد الحزن والفرح.

وذات يوم شتويّ هو ذاته يوم النخلة أخذ مصحفه وبدا يتلو سورة النساء و قد كان منكبّا على قرأنه خاشعا طالبا لنخلته الرّحمة في جنان الخلد، وهو على هذه الحال -وقد ابيضّ شعره ما عدى شعيرات سوداء فلتت
من فعل السنين - جالسا تحت شجرة كبرت وشاخت مثله شجرته المفضلة إذ حطّت حمامة على كتفه ابقاها تبرّكا ورفع عينيه فاذا ابناؤه جميعهم يعانقونه ويتوددون اليه ويقرّبونه منهم باقصى الحنان والعرفان اعترافا له بصموده وصبره وتحديه للشدائد بقلب مؤمن ورع فكل واحد جاءه بانتصاراته على الحياة بانتصاره على الصعاب فرات طبيب ورافد صحفي ودجلة مدرسة والصغيران علياء وادريس يدرسان في الجامعة صدره
دون ان ينبس ببنت شفة .
ففي الحزن كما في الفرح يغيب الكلام
نطر اليهم جميعا واغرورت عيناه وضمهم جميعا إليه
وتلك الأيام نداولها بين اناس
حلاوتها لا تردّ ومرارتها لا تردّ نعيشها صراعا قويا بين الجبر والاختيار



نفيسة التريكي عن قصة حقيقية

عن قصة حقيقية عاشها صديق عراقي منعم عدنان ابو علي وطلب مني صياغتها وكان يقول دائما :"انها قصّة صاغ الالم حروفها "
فأتمنى أن اكون قد أدّيت الامانة على أحسن وجه و في مستوى ثقته بي

نفيسة التريكي
سوسة الجمهورية التونسية

بدات كتابتها في ماي اانهيتها في نوفمبر سنة 2022






  رد مع اقتباس
/
قديم 14-11-2022, 08:07 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ناظم العربي
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
فائز بالمركز الثالث
مسابقة الخاطرة 2020
العراق

الصورة الرمزية ناظم العربي

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

0 ورد العفاف
0 فسخ
0 إختلاف
0 للبيع
0 خُنثى
0 تخاذل

ناظم العربي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

الحديث عن العراقي الحزين يفتح بوابات الوجع كلها
النفيسة ومأثرة أخرى من حسها العروبي
تحتاج لقراءة أدق وأعمق وتأني
لذا سأعود لها كثيرا






لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ايُّهَا الْعَابِرُوْنَ هُنَا اشْهِدُكُمْ أَنِّيْ أُحِبُّ الْلَّهَ وَرَسُوْلَه
  رد مع اقتباس
/
قديم 18-11-2022, 01:55 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
نفيسة التريكي
عضو مجلس إدارة
عنقاء العام 2008
عضوة تجمع أدباء الرسالة
عضوة لجنة تحكيم مسابقة شعر الرسالة
عضو ة لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية نفيسة التريكي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

ناظم العربي مرحبا بكل القراء
اما عن وجع العراق فاعلم ان ما كتبته هو ذرة نقطة من بحر المواجع الذي مرّ به






  رد مع اقتباس
/
قديم 18-11-2022, 02:10 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
فاتي الزروالي
فريق العمل
عضوة تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
تحمل لقب عنقاء عام 2010
المغرب

الصورة الرمزية فاتي الزروالي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

الاستاذة الرائعة نفيسة التريكي
بداية
أشكرك على هذا المجهود الرائع
الذي قمت به في هذا الموضوع الذي
ينبض بحب الوطن
والذي يحتاج لقراءات وقراءات
لي عودة أخرى أكيدة
ومرور أولي لوضع خمس نجمات على صدر الجمال
وكل الحب






  رد مع اقتباس
/
قديم 24-11-2022, 03:20 PM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أحلام المصري
عضو مجلس إدارة
شجرة الدرّ
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
عضوة تجمع أدباء الرسالة
تحمل صولجان الومضة الحكائية 2013
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
مصر

الصورة الرمزية أحلام المصري

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

كنت قد تابعت النسخ السابقة من هذه الرائعة
والآن وقد أكملتها قديرتنا النفيسة، علينا أن نقرأ بتأن وتأمل،

ونزداد إعجابا..

هي قصة عظيمة رغم الوجع

شكرا لك قدراتنا الوارفة نفيسة التريكي

كل المحبة والتقدير






أنا الأحلام
  رد مع اقتباس
/
قديم 26-11-2022, 06:20 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
زياد السعودي
عضو أكاديمية الفينيق
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو رابطة الكتاب الاردنيين
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

ملحمة تستوقف
من لدن النفيسة
بحضور ابجديتها الخاصة


كامل الود






  رد مع اقتباس
/
قديم يوم أمس, 01:32 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
نفيسة التريكي
عضو مجلس إدارة
عنقاء العام 2008
عضوة تجمع أدباء الرسالة
عضوة لجنة تحكيم مسابقة شعر الرسالة
عضو ة لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية نفيسة التريكي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

الاستاذة الرائعة نفيسة التريكي
بداية
أشكرك على هذا المجهود الرائع
الذي قمت به في هذا الموضوع الذي
ينبض بحب الوطن
والذي يحتاج لقراءات وقراءات
لي عودة أخرى أكيدة
ومرور أولي لوضع خمس نجمات على صدر الجمال
وكل الحب
عزيزتي فاتي أهلا
ما يكتب عن أشجان أمتنا وعذاباتها يدمي القلب وما هذا سوى نموذج من الاف الحكايات المؤلمة






  رد مع اقتباس
/
قديم يوم أمس, 01:37 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
نفيسة التريكي
عضو مجلس إدارة
عنقاء العام 2008
عضوة تجمع أدباء الرسالة
عضوة لجنة تحكيم مسابقة شعر الرسالة
عضو ة لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية نفيسة التريكي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

كنت قد تابعت النسخ السابقة من هذه الرائعة
والآن وقد أكملتها قديرتنا النفيسة، علينا أن نقرأ بتأن وتأمل،

ونزداد إعجابا..

هي قصة عظيمة رغم الوجع

شكرا لك قديرتنا الوارفة نفيسة التريكي

كل المحبة والتقدير
أهلا عزيزتي أحلام
قصّّة ويالها من قصة تستبطن ملايين القصص عن أوجاع امتنا في الفتن والحروب وهدر حقوقنا وحياواتنا ببطش الاستعمار






  رد مع اقتباس
/
قديم يوم أمس, 01:41 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
نفيسة التريكي
عضو مجلس إدارة
عنقاء العام 2008
عضوة تجمع أدباء الرسالة
عضوة لجنة تحكيم مسابقة شعر الرسالة
عضو ة لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
تحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع والعطاء
تونس

الصورة الرمزية نفيسة التريكي

افتراضي رد: ابتسامة نخلتي في نسختها الأخيرة مع ورقة توضيحية

ملحمة تستوقف
من لدن النفيسة
بحضور ابجديتها الخاصة


كامل الود
الأح العزيز عميد الدار الشاعر النافذ في الضاد وهمومها زياد السعودي
يا مرحى
...واعلم انها تحتاج لدار نشر شجاعة






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط