لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: مطر.. (آخر رد :أحمد على)       :: حكايات خرافية (آخر رد :محمد خالد النبالي)       :: تَرفَّق بِقلبي .. (آخر رد :أحلام المصري)       :: نهرُ من قطرات و أحلام (آخر رد :أحلام المصري)       :: أغنية الغريب (آخر رد :خالد الحسين)       :: حمولة زائدة (آخر رد :أحلام المصري)       :: ،،صباحـــــ هواك ــــــــــاتُ، // أحلام المصري (آخر رد :أحلام المصري)       :: أجمل ما فيها ... أصعب ما فيها ... (آخر رد :أحمد على)       :: في صحراء الملل...!! (آخر رد :أحلام المصري)       :: بين يديك يا قمر (آخر رد :أحلام المصري)       :: سأقضي معكِ يومَ عطلة ! (آخر رد :أحمد على)       :: صباح و هند ... و عادل (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: إيه يا قلبُ (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: أمواج (آخر رد :فاطِمة أحمد)       :: الضرب بين التأديب والضرر (آخر رد :فاطِمة أحمد)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > ☼ بيادر فينيقية ☼

☼ بيادر فينيقية ☼ دراسات ..تحليل نقد ..حوارات ..جلسات .. سؤال و إجابة ..على جناح الود

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-07-2017, 12:48 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
جهاد بدران
عضو مجلس أمناء أكاديميّة الفينيق
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي ضوء جهاد بدران على قصيدة " كأننا لا شيء" للشاعر/ عبد الهادي القادود

كأننا لا شيء /شعر ... عبدالهادي القادود

هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

وعلى ضفافِ الدّهرِ حطَّت خيلُنَا
يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ

بـات الدُّعـاءُ رسولنـا فـي عـالـمٍ
طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ

والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ

فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ
ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ

نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ

فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ

وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
ماتـت علـى أهدابـهـا الأضــواءُ

وكأنّـنـي نـبـضٌ يــئنُّ بـأسـطـري
ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ

مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ

حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
وتـرمَّـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ

مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ

ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ

والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ

والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ


يـا رب إنـِّي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ

أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .
...............................

كأننا لا شيء ....
يا لروعة هذه اللوحة السحرية التي جُبلت بماء الوطن مع نبض النفوس التي تبحث عن الخلاص وتستعطف الدعاء للخلاص من الظلم الذي أصبح قوت الشعوب وزادهم في الرحيل والنزوح...
للعنوان سطوته في النفس حين سبحت الروح في الخيال من وثيقة هذا الحرف المبهر ..
يمنحنا الشاعر وقفة تأمل مع الذات المرتبطة مع نبض الوطن الذي يسري بين مساماتها دماء هذه الأمة المكلومة النازفة...
( كأننا لا شيء).. توظيف متقن لجلب المتلقي الدخول بين أوراق القصيدة...وتفكيك شيفرته بما يتلاءم وأبيات القصيدة ..فللعنوان نسبة كبيرة لتهافت القراء عليها ..والنجاح في خرق حدود القصيدة وجذب الألسن الذواقة للتمعن بين جماليتها...
عندما نقف أمام هذا العنوان..ونتفحص أبعاده نجده يسقط في بؤرة الفلسفة الذاتية وتفاعلها مع الفكر والبيئة الخارجية...
فقول الشاعر في العنوان حرف ( كأننا ) هذا الحرف بحد ذاته يفِيدُ الشَّكَّ وَالظَّنَّ...وهذا يفتح للمتلقي مجال الصراع مع الخيال..
ويفتح للخيال أجنحته أن تحلق في رسم حدود وأبعاد ودلالات ما يرمي إليه الشاعر..
(فكأننا لا شيء) تحتمل العدم أو الضعف وفي كلاهما اعوجاج في المسير..وتوظيفٍ للرمزية في تدوير البحث عن الشيء..ومن هذه الرمزية تنطلق اللغة الوجدانية الأنيقة المثيرة الموحية للغموض والإبهام في حلة الصورة الشعرية..بحيث تبقى في جزئية الوضوح لتمنح للمتلقي كشف أسرارها وتعرية الدلالات التي ترمي إليها في حدود الأمة النازفة..
يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

هــزَّ الـزَّمــانُ غصـونَـنـا فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

هذه الأبيات جاءت لتقدم للعنوان متنفساً قويّاً يصف الأبعاد الذي يرمي إليها الشاعر في لوحته الفنية هذه..
(هزّ الزمان غصوننا)... هي عملية تحريك من الزمان ونوائبه ومحنه وابتلاءاته بغض النظر إن كانت هزّاته قوية أو ضعيفة..لأن للهزّة درجات في عملية حدوثها...بمعنى استحواذها على درجات مختلفة من القوة..وهذا التوظيف من الشاعر بحد ذاته قوة وحنكة وذكاء..لأن الزمان متغير الأحداث مختلف السبل والطرق في تفعيل عملياته مع الأفراد...وأحياناً كثيرة تأتي الهزات مدمرة تقلع جذور الأمة حين لا تتداركها الأنفس ولا تستعمل الفكر والتدريب على مواجهاتها ..ولا تضع خطط شاملة ذات أبعاد تشمل مستوى الأمة بأكملها أي جميع مناحي الحياة ..بحيث تعمل على كل الأصعدة مع الأخذ بالحسبان فيما يحدث ويُتوقّع ما لم تسيطر على حدوث هذا الطوفان...وهذا يترتب مسؤوليته على الكبار الذين يملكون زمام الأمور ويحملون دماء الشعوب بين أكفّهم المتجعدة...بمعنى.. تحتاج الأمة لمن يحميها من الداخل والخارج بواسطة تخطيط مبرمج للتصدي لكل هزة أو ذبول أو عصف أو طوفان...
فلنتابع ما أشار إليه الشاعر عن هذه المحن التي مرّت بها بلادنا وما تزال...بقوله:

فكـأنّـنـا
بـيــدٌ تــطوف ُبـكـفِّـهـا الأصــــداءُ

التشبيه بنا هنا بارع جدااا..(كأننا بيدٌ تطوف)...وكلمة بيدٌ تفيد معنى : فلاة.. صحراء أي أرض تُبيد سالكهَا...ومن شدة القحط وانعدام الحياة فيها ..نجد صدى الأفعال والعمل ينحت في كفّ فارغة لا نسمع للحياة فيها غير صدى الرياح وأصوات الفراغ فيها..وهذا تشبيه بليغ لمساعي الحياة والخيبات التي يحصدها الفرد على أرض لم يحسن الدفاع عنها والعمل لها...فلا ثمرة لأفعالنا ولا سماع لأصواتنا غير الصدى الذي يخترق الجبال والصخور التي نشبهها بصنمية الأشخاص وعقليتهم الجوفاء...
التشبيه هنا كان في قمة البراعة والحنكة..الذي يتوازى مع حال هذه الأمة اليوم وخمودها ومرضها الذي استفحل بين جوانبها وأفرادها...
ويكمل الوصف شاعر الوطن بما هو أبلغ وقعاً وأثراً في النفوس ..بقوله:

والعمرُ لملمَ ما لديـهِ وقـد مضـى
مثـل الـسَّـرابِ تضـمُّـه البطـحـاءُ

بيت بمجلدات وما تحوي من عمق وما تنثر من أبعاد ..وهذا تلخيص المعاناة التي يعيشها المواطن على أرضه المغتصبة...
الألفاظ محكمة التوظيف متقنة الوصف..
من خلال تعبير ( والعمر لملم ما لديه)
نشعر كم فيها من تمزق وبعثرة في كل شيء من ناحية الفكر والعمل وغيره..لذا تأتي كلمة ( لملم) مناسبة جدااا لما يعتري الفرد من تمزيق وشتات ليلملم ما قد تفرق منه...وهذا قمة الإبداع في توظيف المعنى المناسب الذي يلائم الحرف المقصود المعبّر عن حال هذه الأمة...ثم يشبهها (كالسراب تضمه البطحاء)
وهذا قمة البراعة في تجسيد الواقع الذي لم يجني من الأمن والإستقرار والحرية ما يثمر من الأفعال وما يعيد بعض ما تمزق وتبعثر..
أوصاف نسجها الشاعر من وحي قلمه تدل على قدرته ومهارته في التقاط صورة الحدث بما يتلاءم والواقع المرير...
ويكمل الشاعر لوحته المتقنة المبهرة بقوله:

وعلى ضفافِ الدّهرِ حطَّت خيلُنَا
يمضـي علـى أعرافِـهـا الإعـيـاءُ

بـات الدُّعـاءُ رسولنـا فـي عـالـمٍ
طـافـت عـلـى أبـوابــهِ الظَّـلـمـاءُ

نعود هنا لمواصلة مسيرة القوة في اللغة
وفي بلاغتها وجزالتها..وهو يرسم قلائد المعاني بريشة فنان محترف...
الوصف العميق الذي يتمتع به الشاعر هنا غاية في الإتقان والنقش..إذ جعل من الخيل التي هي كناية عن خوض الحروب في الدفاع عن الوطن.. المساعي والجهود في مجابهة الأعداء قد أصابها الإعياء..ولم تعد تملك بعد هذا الوهن والضعف إلا الدعاء الذي شبهه الشاعر بالرسول الذي لا يقف بينه وبين الله حجاب...
تشبيه الشاعر للدعاء على أنه رسول..كان متقناً وبليغاً وهذا يعكس ذكاء الشاعر في اختيار ألفاظه بما يتناسب وأفكاره وعمق معانيه..لو تحدثنا عن أهمية الرسول ودوره في المجتمع الذي تجمعه الشعوب المختلفة ..لوجدناه يختلف في المعنى والوظيفة بينه وبين كلمة النبي.. سأوضح الفرق بين النبي والرسول لإثبات ذلك الوعي والنضوج في رسم حدود الحرف وقدرة الشاعر في توظيف حرفه بإتقان..
قيل:" النبي هو إنسان يتلقى الوحي من الله فإن أُمر بتبليغ ما يوحى إليه فهو رسول.."
هذا باختصار شديد إضاءة في الفرق بينهما..
وأما بخصوص الدعاء على أنه رسول..فهو مخ العبادة وأساسها وسر قوتها..لأنه إحساس عظيم بأن الله سبحانه هو الذي يجلب له الخير ويدفع عنه الضر ويمنحه فيه ما ليس في غيره..فهو تبليغ من الله على أن الدعاء رسولنا بوحي من الله لأنه سبحانه يحب العبد اللحوح..الذي يلح بالدعاء لأنه كنز النفس والتوحيد والإخلاص لله..فالدعاء إنما صلة العبد بربه لا يحجب بينهما شيء ..والله تعالى يحب أن يسمع صوت عبده وهو يدعوه..ومن أحبه الله ظفر بجنات النعيم..
لذلك جعل الشاعر الدعاء رسولاً ليبلغ الأمة بأننا بعد هذه المؤامرات والمعاناة التي تعيشها الأمة..لن تجد بداً من اللجوء لله وحده ليخلصنا من الطغاة والظالمين...
ويكمل الشاعر لوحته البديعة بقوله:

والشّعرُ شابت في يديهِ قصائدي
وانسلَّ مـن بيـن الحـروفِ بهـاءُ

فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

الصورة الشعرية البنائية التي تتجلى في هذه الحروف كانت تتمتع بفلسفة راقية حملت بجنباتها تأويلات عدة فتحت مغاليق الفكر وحلّقت تداعب الخيال في أهزوجة راقية الأبعاد منغمسة بتشريح متقن لأبجديات الذات ..والتي منها ينطلق المجتمع لأحد القطبين ..إما جذب الذات لقواعد المجتمع وأسسه ومنهاجه..وإما نفور وابتعاد عنه بحيث يحمل من السلبيات ما يعكس سلوك الفرد وانحرافه عن متن المجتمع الواحد الملتزم بالحفاظ على أبنائه...
الشاعر هنا وصف القصائد الشعرية بالشيب في حضرة الشعر البليغ الفصيح.. والتي تعتبر متنفساً للكلمة الحرة والضمير اليقظ مع مسحة الكرامة التي تضيء حروفه بما يعيد للوطن بعض مائه ويشد من أزره..وهذا كناية عن طول المعاناة التي يعيشها الشاعر حتى استنزف كل طاقات شعره ليعيد المجد ويوقظ الضمائر والقلوب المغلقة..ولكن لا حياة لمن ينادي به من السعي للحفاظ على أرضه ووطنه..
وهذا تشبيه لا يتقنه إلا محترف بارع..
وينتج من عملية الشيب هذه ونزيف الحرف على الواقع المؤلم..ما يمنحنا من فلسفة انبثقت من عمق الحرف في البيت الشعري التالي الذي منه كان عنوان القصيدة وهو الهدف الذي يرسمه الشاعر لنقف بين يديه تأملاً بأبعاد مراميه..بقوله:

فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

(لاشيء في أشيائنا).. حروف تحمل مضامين فلسفية تتحدث عن الذات..عن الإنسان الذي ما هو إلا جزء من هذا المجتمع الذي يعيش به..
فكلمة ( أشياء- نا) عبارة عن أشياء مختلفة غير محددة لتكون عامة لكل شيء وتعطي الصورة بشكل كبير بحيث نستطيع تأويلها لعدة مناحي في الحياة إن كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو فكرية أو علمية..
أو في المجال العملي الحراكي..الخ
وهذا كناية عن عدم امتلاكنا سبل الحياة الطبيعية كافتقادنا للأمن والعدل والحرية والعتاد للوقوف في وجه الطغاة ..فلا سلطة لنا ولا حكماً حراً لا يتقيد في الأنظمة الخارجية ولا يخضع تحت سيطرة القوى الخارجية ..عدا عن أشياء كثيرة نفتقدها كشعب يحمل المؤهلات التي تؤهله بقيادة نفسه ضمن إطار حدوده على الأقل..والخوض فيها لا ينتهي من الظلم الذي نتعرض له حتى من أبناء جلدتنا الذين باعوا كرامتهم وضميرهم وأنفسهم للطغاة والغرباء على إسم العملاء الخائنين..
نرى ارتباط كلمة أشياء بحرف..نا..الضمير المتصل الذي يقع على نحن..بمعنى تحديد الشاعر الأشياا التي تخصنا نحن أصحاب القضية وأصحاب المعاناة...
فالشاعر هنا ..
فكأنّـنـا لا شـــيء فـــي أشيـائِـنـا
وكـــأنَّ أحـــلامَ الـطيــورهــبــاءُ

استخدم أداة التشبيه..(كأنّ ..نا) لتوسعة مدارك الفهم والوعي الذاتي لدورنا في هذه الأمة ..
وختم على فوهة التشبيه بلا شيء في أشيائنا
وهنا نرى دور الذات في تحقيق قمة الهرم الإنساني في تحقيق الذات ..
دور الذات له مقاليد القوة أو الضعف..حسب ما تملكه من مكامن ذاتية وقدرة قوية في تهذيب الذات وفق قواعد السلم الذاتي أولاً ثم السلم الإجتماعي..فالذات وفلسفة الذات هنا تحمل ناصية الحكم في تحقيق القدرات التي تهيمن على جذورها ...
يكمل الشاعر خريدته المبهرة بقوله:

تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ
ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ

نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ

في هذين البيتين ترابط متقن مبني على وعي تام في بناء الحرف وما يحمله من أبعاد ودلالات ..
فالوصية هنا يلحقها ورثة من الأبناء..ولا تسمى وصية إذا لم يحملها الورثة وينفذوا ما حملت بين دفتيها...
والوصية ترمز على تواجد أجيال متعاقبة تعمل في مسار واحد يعكس مفاهيم مشتركة ومنهاج مشترك يقوم على أساس بناء سلسلة التعاقب بجيل يحمل المجتمع والرسالة بين كفّيه الطاهرتين..
لكن أن يرسم الشاعر لنا وصية بلا ورثة لها ..بقوله:
(تمـضـي بـنـا الأيــامُ دونَ وصيّةٍ)..
وهذا كناية عن الإنقطاع بين الأجيال وتوصيل رسالة الأجداد المجاهدين لله..
بلا أهداف ولا تخطيط ولا بناء لتكون معراة للقضاء دون سابق وعي وإدراك..
( ويـديـرُ دائــرةَ الـزّمــانِ قـضــاءُ)..
ليكون المصير الرحيل وترك الموطن والنزوح بعيدا عن أرضنا..
( نحيـا ونرحـلُ والـوداعُ مصيـرُنـا
ويـنــوحُ فـــي أعقـابِـنـا الأبـنــاءُ)
ويأتي دور الأبناء وهم صفر اليدين من التنفيذ والعمل المدروس... بلا توجيه ووصية ينفذونها وفق حضارة وتراث..
ويكمل الشاعر مراتب الجمال في النسج بقوله:

فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ بـات محطـةً
يـرسـو عليـهـا الحـقـدُ والأنــواءُ

وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ نوارسٌ
ماتـت علـى أهدابـهـا الأضــواءُ

ومن خلال العشوائية في المجتمعات التي تركت وصية الأجداد ..حتما سيولد الحقد والظلم من خلال العبور بلا بوصلة قائد ولا خيوط ضوء من الكبار..
نتيجة متقنة مترابطة من جعل الأرض محطة عبور لا مكوث لكل أذرع الطغاة..
كلمة صفة (محطة ) للأرض يعني عمق عظيم وملائمة فائقة النظم مجسدة المعنى المتقن لما يحدث لهذه الأمة والحروب التي تحط على ثراها أثقالهم للتدريب على شعوب العرب بأسلحة دمار وإشعال الفساد وتمزيق المجتمعات ...
وقد جعل الشاعر من الأحلام تشبيهاً بالنوارس التي لا تستقر مكاناً كزعزعة الأحلام الثبات..وكأن العربي لا يحق له الأحلام لتموت ضوأها ولا ينبت لها فتيل.. مستعملاً أداة التشبيه..كأنّ..والتي تلزم المعنى بصورة تعكس تشبيهات تمكّن الشاعر من تدعيم عمق مراده من خلال الصور الشعرية وتشبيهاته المتقنة..
بتصوير فني متقن يدل على براعة الشاعر وقدرته على نسج حروفه بوعي تام لكل معنى وعمق أراده...
يكمل الشاعر لوحته بقوله:

وكأنّـنـي نـبـضٌ يــئنُّ بـأسـطـري
ويقودنـي صــوبَ الجـفـاءِ لـقـاءٌ

مـا عـادَ يمـرحُ فـي ديـاري بلبـلٌ
ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ

نلاحظ أداة التشبيه مجتمعة بأوصاف ترتبط لتجتمع في كل ما يخص الفرد والعباد أجمع..

(فكـأنَّ وجـهَ الأرضِ/ وكــأنَّ أحــــلامَ الـعـبـادِ/ وكأنّـنـي نـبـضٌ...)

فجمع ما بين الأرض التي يدب عليها البشر ومسكنهم وموطنهم..وبين الأحلام التي تجمعهم..وبين نبضه الذي يبدأ المجتمع من نبض الفرد..كل هذه التشبيهات جاءت لتعطي صورة متكاملة لمجتمع وما ينقصه للنهضة والصحوة...
فوصف النبض الفردي الذي به يصحو المجتمع ..بالأنين وانقطاع اللقاء بالجفاء والتبيس في إكمال مسيرة الحياة ...
وهذا الإنقطاع نتيجة حتمية لهجرة البلابل التي ترمز على وجود حياة النقاء والجمال والأمن والسعادة والإستقرار...

(ما عادَ يصهلُ في الغروبِ مساءُ)
هنا وجدت قمة الإبداع والتصوير الإحترافي لظاهرة الغروب التي ترمز لغياب البشر وانعدام الحياة النقية ووجود معالم للبشر..
لأن الغروب يصهل لوجود بشر يتعاون معه في المغيب...غياب البشر عن أرض المقاومة والإستسلام التام...
لتكون النتيجة التي وافقت القصور في العمل وغيابه عن الواقع بقوله:

حتّـى كـأنَّ العـمـرَ عـطَّـلَ قـاربـي
وتـرمَّـلـت فـــي حـــدِّه الأشـيــاءُ

وكلمة ( ترمّلت) هي انقطاع السواعد والخطى مبتورة ..واجتثاث البوادر التي تعيد اخضرار الأرض...

مـاذا أُسجّـلُ والبلاغـةُ فـي يــدي
مــوجٌ يعـكّـرُ صفـوهَـا الخطـبـاءُ

ماذا أرتِّـلُ و الفصاحـةُ فـي فمِـي
يسـطـو عـلـى أبطالِـهـا الجبـنـاءُ

من هنا يبدأ الشاعر بوصف من يملكون زمام الأمور بأيديهم ..وكأنه يريد القول أن البلاغة بيده..ويعني القوة في المجابهة ولو بأضعفها بكسر الصمت.. بالصوت المنادي والمكتوب..إلا أن الخطباء الذين يرمزون بالرويبضة ..الذين يمثلون الجبناء المتجردين من العلم والدراية ..التافهين الذين يملكون زمام الأمور بغير فقه وعلم...

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» . ؟"
وهذا أكبر دليل على قادة اليوم بلا ذكر أسمائهم ..الذين هم أضحوكة ودمى متحركة بين أيدي الغرباء ..ليكون نصيبنا الإنكسار والذل والقهر والوجع..

والخيلُ تعدو فـي رحـابِ مدائنـي
ويصيـح فـوقَ ظهورِهـا اللقطـاءُ

الخيل هنا ترمز بأبعادها ودلائلها لأرض المعارك..تدل على قادة البلاد والأمة التي وصفهم الشاعر باللقطاء..الذين ولدوا بطريقة غير شرعية ..أي أنهم طغاة ليسوا أصحاب الأرض ويقاتلون في البلاد ويعيثون فيها الفساد ..لأنهم باختصار ليسوا أبناء الوطن الشرعيين ..بمعنى استيلاء الغرباء على حرب أمتنا النازفة...

والصُّـبـحُ عــادَ مكفَّـنـاً بدمـوعِـه
والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ

ما أوكع هذا الوصف بالصبح المكفن بالدموع..والذي يرمز لبزوغ فجر منكسر متألم..
لا يحمل من الفرج إلا الحزن والبكاء لغياب رايات النور...بعد أن أعياه الليل بأصوات القنابل وصيحات الحروب واليتامى والصراخ..الذي وصفه الشاعر بقوله:

( والليلُ أعيـت صمتَـه الضَّوضـاءُ)
وصف متقن دقيق جسده الشاعر باندماج مشاعره وملكة تصويره بعين قلمه الفذ البارع...
صورة متقنة لعالم الليل الذي يرمز لعدة أوجه مختلفة منها ظلام البشر وقسوتهم..كما ويعبر صمته عن صمت الظلم والسواد..حتى تأتي الجلبة والضوضاء بتغيير معالمه الوعنوية والوجودية...
وينهي الشاعر خريدته الفنية السحرية بقوله:

يـا رب إنـِّي قـد تعبـت ولـم يــزلْ
في خاطـري بيـن الجـراحِ رجـاءُ

التوجه لله أعظم ما بيدي المواطن الفاقد لكل شيء إلا الرجاء من الله وعدم القنوط من رحمته بأن يبدل أقواماً فاسقين ظالمين بقوم ينشرون رحمته ودعوته للإنسانية كما جاء بها دين الله تعالى منذ أول رسالة من السماء..
هنا نرى الخنوع والخضوع لله بالرجاء بعد أن استنزف الفرد دماء ولم يحقق مبتغاه..

أنّـى تـئنُّ عـلـى يـديـكَ جوانـحـي
والدَّاءُ في حضنِ الحبيبِ دواءُ .

قفلة مبهرة من شاعر متمكن لأدوات الإبداع والبلاغة والفصاحة..
إذ جعل كل الوجع الذي يتذوقه في حضن الوطن وبين يدي الله إنما هو دواء لتحقيق الحرية والأمن والعدل والإستقرار..
فالداء في حضن الحبيب دواء
بيت بألف قصيدة ..شيّده قلم بارع متين ..
لأجل الوطن الحبيب تشفى الروح بعد أن يستقر أوردته ويحيا النبض فيه ...
....
كأننا لا شيء...
قصيدة عملاقة واسعة العمق لها أبعادها وجماليتها المتعددة الجوانب..والتي منحت المتلقي الإبحار بين مساماتها بما تحمل بين أضلعها من معالم الجمال والرقي والقوة في التراكيب والبناء..من خلال ما كشفت عن سواعدها من الأسرار والخفايا والتي ساهم المتلقي بالبحث والتنقيب بين أسطرها المتقنة..
قصيدة تم فيها اندماج الذات مع الرموز التي ساهمت في تفاعل المشاعر والإحساس الداخلي بعناصر النص وما احتوت من عمق وأبعاد في حلقة هذه الأمة المكلومة وما حملت من ألم ووجع..
فالقصيدة كانت مفتاح الخيال الذي حمل فكراً عميقاً وثقافة عالية ضمن الدلالات المختلفة المتواجدة في قلب الأمة العربية والإسلامية..
..
الشاعر الكبير عملاق الفكر الواعي الناضج
أ.عبد الهادي القادود
تنحني الألفاظ والحروف لهذا الجمال المنهمر من زمزم قلمكم النقي المبدع
ولا نقول لهذا الإبداع إلا ..
جزاكم الله كل الخير
ووفقكم لما يحبه ويرضاه
وزادكم الله بسطة من النور والعلم والخير الكثير..

جهاد بدران
فلسطينية






  رد مع اقتباس
/
قديم 26-07-2017, 10:15 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الشاعر عبدالهادي القادود
فريق العمل
يحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
فلسطين

الصورة الرمزية الشاعر عبدالهادي القادود

افتراضي رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة " كأننا لا شيء" للشاعر/ عبد الهادي القادود

الشاعرة الرائعة والناقدة المدهشة جهاد بدران

أمام هذه القراءة المستفيضة والحضور المزهر المثمر لم يعد للكلمات والنثر متسع هنا

فأبى الشعر إلا أن يترك بصمة تليق بماء البهاء الذي هطل من غيومكم الحبلى بالجمال

وأراني مقصرا في كل الأحوال

قد أيقظَ النّقدُ ما في القاعِ من دررٍ

سالت مع السِّهل يروي وردَها نظرُ

وحدي مع الحرفِ أرخي خيطَ قافيتي

في صحبةِ الليلِ والأشواقُ تستعرُ

لم ينصف البوحُ ما تلقاهُ راحلتي

من حيرةِ الدَّربِ والأميالُ تندثرُ

ما أجمل الشِّعر حين النًّقدُ يمنحُه

سرَّ الحياةِ فينمو العشبُ والزهرُ


أديبتنا الرائعة جهاد بدران

شكرا شكرا لك من الأعماق

ودمت وارفة الظلال في كل الأحوال






  رد مع اقتباس
/
قديم 24-10-2020, 11:43 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو رابطة الكتاب الاردنيين
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة " كأننا لا شيء" للشاعر/ عبد الهادي القادود

الوارفة الجهاد
وغيض من فيض
من خلال تحليل واعٍ
لورقة القادود
نفتقد الجهاد
ونتمنى عودتها قريبا
وود






  رد مع اقتباس
/
قديم 21-12-2020, 06:33 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
جهاد بدران
عضو مجلس أمناء أكاديميّة الفينيق
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل صولجان القصة القصيرة أيار 2018
فائزة بالمركز الثاني
مسابقة الخاطرة 2020
فلسطين

الصورة الرمزية جهاد بدران

افتراضي رد: ضوء جهاد بدران على قصيدة " كأننا لا شيء" للشاعر/ عبد الهادي القادود

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشاعر عبدالهادي القادود مشاهدة المشاركة
الشاعرة الرائعة والناقدة المدهشة جهاد بدران

أمام هذه القراءة المستفيضة والحضور المزهر المثمر لم يعد للكلمات والنثر متسع هنا

فأبى الشعر إلا أن يترك بصمة تليق بماء البهاء الذي هطل من غيومكم الحبلى بالجمال

وأراني مقصرا في كل الأحوال

قد أيقظَ النّقدُ ما في القاعِ من دررٍ

سالت مع السِّهل يروي وردَها نظرُ

وحدي مع الحرفِ أرخي خيطَ قافيتي

في صحبةِ الليلِ والأشواقُ تستعرُ

لم ينصف البوحُ ما تلقاهُ راحلتي

من حيرةِ الدَّربِ والأميالُ تندثرُ

ما أجمل الشِّعر حين النًّقدُ يمنحُه

سرَّ الحياةِ فينمو العشبُ والزهرُ


أديبتنا الرائعة جهاد بدران

شكرا شكرا لك من الأعماق

ودمت وارفة الظلال في كل الأحوال
وأمام هذا الرد الوافي الراقي وهذه القصيدة المذهلة، تغيب عني كل كلمات الثناء التي تستحقونها شاعرنا الكبير وأستاذي الرائع
أ.عبد الهادي القادود
لحرفكم إيقاع موسيقي ممتلئ بالمعاني البليغة وفصاحة من سدرة اللغة العذبة، مما يدفع المتلقي تذوقها وانسيابه بين سطورها بتناغم ومسرة..
شكراً لكم على هذه الأبيات الراقية التي تدل على مقامكم العالي..
جزاكم الله كل الخير ووفقكم لحبه ورضي عنكم






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط