سلسلة ضوء الشاعرة فرحناز فاضل على نصوص فينيقية "زياد السعودي" - ۩ أكاديمية الفينيق ۩



لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: تجليات ساجورية للشاعرين علي عبود امناع وخالد إبراهيم (آخر رد :غلام الله بن صالح)       :: يا باعث الهم .. (آخر رد :غلام الله بن صالح)       :: ياغزة .. (آخر رد :راحيل الأيسر)       :: في جعبة الحكايات ( من حكايا شهر زاد ) .. (آخر رد :راحيل الأيسر)       :: أُمْسِيَّات لُصُوصِيَّة ! (آخر رد :راحيل الأيسر)       :: أول الومض .. آخر اللغو (آخر رد :أحلام المصري)       :: جروح غزة (آخر رد :عدنان عبد النبي البلداوي)       :: لم أكُن أكتُبُ شِعْرا .. (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: آلآن ..... / مقبولة عبد الحليم (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: غزة العزة (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: أولاد الأيه (آخر رد :ابراهيم شحدة)       :: أنسيت؟ (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: كثير من الريش / قليل من الحبر .. (آخر رد :راحيل الأيسر)       :: إلى السارق مهند جابر / جهاد دويكات/ قلب.. (آخر رد :محمد داود العونه)       :: ماذا جرى؟ (آخر رد :جهاد بدران)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > 🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘

🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-01-2010, 04:53 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد السعودي
الإدارة العليا
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو رابطة الكتاب الاردنيين
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي






1.
النص : امرأة في وطني للشاعر جوتيار تمر
--------------------------------------------

امرأة في وطني

أرى امرأة ....في وطني منهكة الحواس
كانت فسحة للهفوات كلما باحت بصحوها للنّدى
كانت تعرف أن العشق في وطن يذبح من الوريد الى الوريد
ندم مرّ...
رأيتها تصلب فوق ركح المشهد الأخير للعشق
تدفن دمها في الملح.........وتنشف اخر كلمة
أحبك حبيبي........
يدفعون الشهوات كما يدفعون عبور انثى نحو العشب
الى حتفها.........
امرأة تنسى وجهها في الطين
وتمضي الى سيف في العنق
او ربما تنسى ضفيرتها عند الحبيب




امرأة في وطني

/الموفقيــــة في اختيار العنوان كانت شديدة
فقد جهّز أنفاسنا لشهقات آتية
وزفرات ...... ألم

أرى امرأة ....في وطني منهكة الحواس

بداية تُدخلنا إلى دائرة الحكاية المنتظرة
والتي أوحى بها العنوان
بالرغم أنَّ (امرأة) جاءت خالية الوفاض من أي آية للتعريف لكن (في وطني) استدركتها ......
(منهكة الحواس) وأيُّ امرأة في الوطن ليست منهكة الحواس
تسليط ضوء على ماهيّة الوطن أكثر من ماهيّة المرأة لتحديد ملامح وطن دون أوطان[/right]


كانت فسحة للهفوات كلما باحت بصحوها للنّدى

(كانت) .......
توحي أنّ الحاضر بات رهين الاعتقال من أيّ فعل وإن كان مجزوماً
وكذلك للحتمية لما سيورد أنّه وقع يقيناً
(كانت فسحة للهفوات)
تاء التأنيث في كانت تعطي الحق في اقتراف أي فعل ضدّها ...
لم أقابل امرأة ليستْ فُسحة للهفوات، سواء هفوات الرجل، أو القبيلة وأعرافها، أو الأسرة وتقاليدها
(كلّما) أتت لتؤكد استمراريّة الجُنحة
(باحت بصحوها للنّدى) هي امرأة أنثى رقيقة فبوحها يحتمله الندى وتتلألأ لرقّته حبّاته .. لا تتبخّر !
(كانت فسحة للهفوات كلما باحت بصحوها للنّدى)
تدّل على استمرارية السماحة في تقبّل الهفوات مادامت هي صاحية و مدركة ...
هل يعني أنّه على المرأة النوم أو الموت ؟!
تركيبة تحمل عمق المدلول بالرغم من جمال البساطة في الطرح


كانت تعرف أن العشق في وطن يذبح من الوريد الى الوريد

استدراك يعلّل ما جاء فيما سبقها
(كانت) تكرارية الفعل يؤكد على وحدة الزمن وتكامل الصورة لوضعها ..
وتسليط المزيد من الضوء على كنه هذه المرأة التي توسد لها العنوان وافترش لها النص
وكذلك للحتمية لما سيورد أنّه وقع يقيناً ...
جاءت (تعرف) لتؤكد أنّ الإدراك غير غائب، ومع هذا القهر يغلب عليها
ويضعها التسلّط الممارس ضدّها في دائرة الاستكانة
(كانت تعرف أنّ العشق في وطن يذبح من الوريد إلى الوريد)
لمْ تأتِ هذه الجملة لإظهار عمل الفعل (تعرف)، قدر ما جاءت لتوحي
أنّها بالرغم من المعرفة تتمرّد، غير آبهة لما تشكّله هذه المعرفة ....
وهنا تشكّل خطر وهدر دماء كما يأتي في (يُذبح من الوريد إلى الوريد)

ندم مرّ...

أوثبت هذه الجملة إلى ذهني .....
صورة المذنب الذي يُقدم على اقتراف الذنب، وهو مدرك تماماً لِما هو مقدمٌ عليه
وما هي عاقبته، بالرغم من ذلك أقدم على الذنب ولحقه الندم
// أوجز فأحسن وتركنا نسترسل!


رأيتها تصلب فوق ركح المشهد الأخير للعشق

بدأ النص بـ (أرى) يستحضر ذهننا للحاضر الموجع
وجاء هنا (رأيت) ........
ذات الفعل الذي في صيغته هنا تتلاشى معها أيّ خيوط توصله بالحاضر
بل وسجنته في زنزانة الماضي المحكم، ولكنّه لم يمنع استمرارية تدفّق الحدث،
والمحتم تقريرياً أنّ الفعل قد وقع لا جدال فيه
(تُصلب فوق ركح .......)
هذه - بدايةً - تُرجعني للجملة السابقة (ندم مرّ ...)
ممّا رأى من أمر الصلب، نثر الراوي امتعاضه قبل أنْ يُقدّم السبب
ثم ألحقه به ليؤكد أنّ الشعور حقيقةً مسنودٌ على صورة واقعية، فيدخل في حالة إطلاق الزفرات - كما سيأتي في ما يلي - التي أُحدثت من ذاك الشعور (الندم)، فكان تمازج في الإحساس بين الراوي وبين المرأة المروي عنها والواقعة تحت ذات الشعور (ندم) ليعيش الراوي الحالة التي تعيشها المرأة، فيستطيع أنْ يُخبر عنها بكل صدق
(رأيتها تصلب فوق ركح المشهد الأخير للعشق)
المشهد فيه إيحاء على قلّة الحيلة من قبل ليس المرأة فقط
بل و الراوي كذلك .....
وإلا لما طغى نفس الشعور (ندم) على كليهما
وهو كذلك يترك انطباعاً أنّ الوضع مفروض قانوناً لا يُحطّم بالرغم من الجور الذي يكتنفه !
هذه الصورة تترك فينا مدى الإصرار والتمادي الذي تمارسه المرأة في ذنبها المقترف (العشق) بالرغم من الشعور بالندم .....
وهنا نقف لنسأل عن ماهية هذا الشعور المتولد لديهما
أبدأ بالمرأة .....
هل هو الندم الطبيعي الناتج من اقتراف ذنب العشق أم الندم عن الوضع المشترك لكل امرأة، الوضع الذي ينمّ عن ضعف وقلّة الحيلة والشعور بالقهر للقيود التي فرضتها هذه القوانين العرفية
الراوي .....
هل هو التشارك في ندمها .. أم الندم على كونه واقفاً متفرّجاً ولم يتدخّل ليُحدث تغييراً ولو بسيطاً ليبعد هذا الظلم المفروض عنوة عليها
جاء الفعل (تُصلب) هنا ليدخلنا في المشهد الأخير، ويُخبرنا عن النهاية الحتميّة لعشق امرأة، ليست أي امرأة ولكن (امرأة في وطني)
ليأخذنا كذلك إلى استحضار مشاهد صلبٍ حدثت من ذي قبل، مثل قصّـة صلب عيسى عليه السلام، الذي نجّاه الله تعالى، لن أدخل في الإيدلوجية المعروفة، لكن اقتبس منها التماثل في الحدث والنتيجة
الحدث الخروج عن الملّة واقتراف ما يُعد خطيئة
والنتيجة إخراج المقترف من الدنيا إلى العدم عن طريق الصلب ليكون عبرة !


رأيتها تصلب فوق ركح المشهد الأخير للعشق
تدفن دمها في الملح.........وتنشف اخر كلمة
أحبك حبيبي........


قامت بإجهاض العشق المقترف من قِبلها !
تُصلب .. تدفن .. تنشف
أفعال خدمت لعملية الإجهاض
والصورة المتكاملة تضعنا معها في إطار (مايحدث حقاً)
(امرأة في وطني) تقترف العشق ......
لكنّه عشق كذنب .. محكوم عليه بالعدم والإعدام
والحكم يُنفذ لا محالة .... سواء من قبلهم أو غالباً من قبلها .....
لأنّها في دائرة الاستكانة والرضا بالهوان
بالرغم أنّ الإقدام لاقتراف العشق يُعلن عن تمرد
إلا أنّه تمرّد مكمّم يشتعل داخل مدفأة القلب
ويخمد فيه ويشتعل ويخمد .. دون أي ثورة أو حمم
لكنّ حتى البركان النائم في سبات أحياناً يثور !
وهذا كلّه يأخذنا إلى حقيقة
المرأة قد تعشق ولكنّها لا تستطيع الإفصاح فتجهض عشقها
وإنْ أفصحت تُعاقب بإجهاضه من قِبلهم


يدفعون الشهوات كما يدفعون عبور انثى نحو العشب
الى حتفها.........


تتمّة لامتعاض الراوي من الوضع الراهن
وتصريحه بالرفض عن القبول والاستكانة لهكذا وضع
يُدخلنا في دائرة السؤال عن من هو هذا الراوي
ووضع ألف علامة استفهام وتعجّب حوله
وقد تأخذنا ظنوننا إلى كونه حبيبها
أو كونه عاشقاً لم تُنصفه الأعراف
أو كونه راوي لوضع ألمّ به وجرى معه تعاطفه !
(عبور انثى نحو العشب)
يوحي إلى طلبها في عشقها للحياة
إذ أنّ العشب يوحي بالحياة والاستمرارية
(يدفعون الشهوات كما يدفعون عبور انثى نحو العشب
الى حتفها.........)
تؤكد على أن وأد الأنثى ما يزال سارياً
وإن كانت لا يهال عليها التراب فور ولادتها
ولكنّها تُوأد في كل لحظة من حياتها
وفي اللحظة التي تُريد فيها الحياة لقلبها
يُوارونها التراب ....... ولكن بجبن
فلا يُقدمون هم على ذلك بل (يدفعونها) إليه دفعاً
لتقوم به ضد نفسها نيابة عنهم
كم كان الفعل (يدفعون) مؤثراً
كم يترك من دلالات على السلوكيات الخسيسة
المتخّذة ضد المرأة في واقعنا الحاضر
والتي تتحرك نحو الوراء كلّما تقدّم العالم


امرأة تنسى وجهها في الطين
وتمضي الى سيف في العنق
او ربما تنسى ضفيرتها عند الحبيب


وفي آخر النص يُقدّم هذا التقرير عن (امرأة في وطني)
كموجز إخباري يُحدّثنا عن ماهيّة المرأة في (امرأة في وطني)
وهو يُحدّثنا بشمولية الواقع المفروض على كل امرأة تقريباً في الوطن
والمقدِع لأبجديات الحقوق الإنسانية الواجب توافرها لها
والمجهِض لأيّ مقوّمات للبشرية فيها بممارسة الاضطهاد عليها
(امرأة تنسى وجهها في الطين)
صورة توحي بطمس ملامحها ومعالمها ككائن بشري أنثوي
وخضوعها الملزوم قسراً وقهراً
(وتمضي إلى سيف في العنق)
صورة توحي مدى عبودية المرأة وفقدها لحريّتها واستقلاليتها
وأيضاً خضوعها لإرادتهم
(أو ربّما تنسى ضفيرتها عند الحبيب)
صورة تُعطينا دلالات عن عشق يُرمى
وعاشقة تمضي وتتناسى أيّام الهوى رغماً
حتى لا توقظ غضب الأعراف عليها
(الحبيب)
جاءت الكلمة معرّفة لتوجهنا إلى النظر
أنّ وجود العشق كان حقيقة .. تكتمل بوجود الحبيب
وإعطاءه البطاقة التعريفية هو إنّما لتبيين مدى التضحية
التي تُقدمها المرأة .. ومدى المعاناة التي تعيشها
في إنكار حقيقة جليّة واضحة وضوح الشمس
ألا وهي عشقها لذلك الحبيب





2
النص : بكاء في نهارات الجوع للأديب عبّاس باني المالكي
-----------------------------------------------------------


غوص في غمار خيول القيامة
(بكاء في نهارات الجوع)

ينزل الشهيد
وحيداً
الى جراحنا ...،
ُيضمدها
بقداس وجع الطريق.،
فتأتي بدايات الضوء
بخيول القيامة
محملةً بجثة الماء
لتغسل فاكهة النهار
في مساء ...
الجوع البعيد..،
يتوزع بلل أجسادنا..،
المسكونة بالحروب...
والمقابر،
على خرائط ظلٍ،
نستحم بخيوط الرماد
في سفر العنقاء،
لنعيد أرصفة المواسم
الى مدننا التي أُعدمت
بأهداب القمر
عند ليل الرصاص...
والأرتباك.،
يصعد إلى عرشه
باكياً...؟؟
على عمرٍ
لم يعلقه على جدارية الحروف!




مِحرمة ساورت أناملي لتلتقطها في حضرة النحيب، أَوَ هكذا نبتدئها بالبكاء يا عبّاس ! أَوَ هكذا تغازل قصيدة منتهكاً حُرمة الدموع ! إنّني طلبتُ حضورَ الشجن، ومن معه من أشجانٍ، ليؤازرونني في محنة القلم، وجريمة الاكتتاب! امتطي صهوة يقينٍ أنّ البكاء في هذه الحاضرة له جمالية روحِ مَن بناها، فمنذ العنوان حتّى آخر نقطة لمدادك، كانت الآهة تستجديني لأطلقها، ولكنّني آثرتُ أنْ أُطلق لحروفي العنان، ليبحروا وإيّاك عبر مداك.

(بكاء في نهارات الجوع)

إنّ للبكاء خاصّته، ومن خواصه أنْ يعمل في وردية ليلية اللباس، وعندما يفتعل الحضور خلال فترة نومه النهاريّة فإنّ هاتفاً مؤرقاً استفحل فيه كينونته ينتزعه من مكامنه ويرميه في حُضن الحاضر فعلاً وحدثاً واقعاً مستمرّاً، وأيّ نهارات كانت، لمْ تكن اعتياديّة بشريّة، إنّها نهاراتٌ يعملْنَ جواري لدى غول الجوع!

مع العنوان استرسلتُ في تركيبته العجيبة، الـ ركّبه فنّان المعاني بإرتوازية شديدة، يسافر بنا إلى الحزن والألم والأسى والقهر والوجع، يأخذنا حيثُ المجاعات والفقر والذلّ والدمار الـ تُحْدِثُه والـ تُخلّفه الحروب ..... وما يتبع!

بعد التلعثمات التي عانينا منها مع العنوان يبتدئ النص بكلمة (ينزل) ليأخذ عيني خيالنا نحو الأسفل نازلة من الأعلى، هبوطاً في مرسى النفس كنوع من التهدئة، والدخول في رحلة الهدوء الذي يستبق العاصفة فيسبقها وهي تليه صاغرة، فتأتي كلمة (شهيد) تالية لـــ (ينزل) ليجيش فينا عواصف الأحاسيس التي تتركها الحروب ومعظمها بكاء، وهاهو النص من بدايته يشير باكياً إلى عنوانه أنْ انظروا إليه ما فيه .........


ينزل الشهيد
وحيداً
الى جراحنا ...،


تُقبِل (وحيداً) لتستوحد البطولة إثارة الجرح الأغور في دواخلنا للـ (الشهيد) .. يعبر الشهيد من عالمنا إلى عوالم داخلنا نازلاً، دلالة للغور في الأعماق في داخل الذات وما يسبر شيء فينا محدثاً جراحاً هكذا إسبار إلا لإستفحاله .. ويروّج مجرى الحديث سؤالاً: هل لمّا نزل الشهيد موطئ جراحنا كانت موجودة هنالك .. أم أنّه من سبرها بمثقاب الألم ؟؟

ينزل الشهيد
وحيداً
الى جراحنا ...،
يُضمدها
بقداس وجع الطريق.،


نزول الشهيد إلى جراحنا وحيداً، ما كان إلا لـ (يُضمدها) لتَطيب بـ (قداس وجع الطريق)، فهل هي تندمل فنتماثل للشفاء منها؟ تضميد الجرح يأتي لتطييبها وسيلة لإندمالها وتماثلنا بالشفاء منها، لكنّ الشهيد لا ينزل إليها لتندمل إنّما لتتوسّع فوْهة الوجع قداسةً لقدسية الرسالة التي أدّاها هذا الشهيد في استشهاده فتطيب الجِراح به بطِيب رائحة دمائه الزكيّة، تطيب الجِراح به إذ هو الجرح الأكبر والأوحد الذي لا يجب أن نتوجّع بغيره مثلَه! وما نزل الشهيد صريعاً مُحدثاً فينا هذه الجراح إلا لنعيش الوجع الذي حمله ونواصل المسيرة من بعده، فلا ننسى ما قدّمه من تضحيات ولا ننسى في سبيل ماذا قدّم تلكم التضحيات، نتقدّم ولا نتوقّف لديه فالحياة مستمرّة ومسيرة العظماء فيها لا تهدأ! هكذا أتتْ (وجع الطريق) لتميط اللثام عن الحقيقة أنّنا و(الشهيد) في ذات الطريق سائرين ما دام جرحه الأعمق فينا قد نزل! فما كنّا لنتوجّع من جرح نزل فيه إلا لوحدة العقيدة والطريق والمسيرة ووحدة المبدأ والنضال الذي نتبنّاه سوية.

فتأتي بدايات الضوء
بخيول القيامة


البلاغة العميقة لمْ تغادر النص منذ هطول القطرات الأولى في العنوان إلى آخر الغيث .. وأراها تتفاقم في حدّة جمالها كلّما توغّلْتُ في المعاني، فأخذت تُذهلني عنّي حتّى بتُّ أنسى ما عليّ أنْ أخطه أمام شعشعة هذه الأنوار في نصّ كهذا مُحكم القوام يَصعَبُ معه أيدلجة التحليل المتواضع خاصّتي، كلّما أردتُ أنْ أستخلص كلمة فيه سمعْتُها تناجي الكلمات التي تسبقها والتي تليها، وكأنّني استخرج سمكة من اليمّ فتنتفض تسترجيني رحمةً بحالها أنْ أرجعها ولا أقتلها .. لذلك أراني كلّما تقدّمت في النص أراني أرجع إلى الخلف لأُعقِدَ حلقات المعاني بعضها ببعض ..

تفيد الفاء في (فتأتي) بالتبعية، أتتْ كحلقة وصل بين ما سبقها وبين ما يليها مع التنويه أنّ ما تلاها ما هو إلا نتاج ما سبقها، فعند نزول الشهيد إلى جراحنا مضمّداً إيّاها بقداس وجع الطريق (تأتي بدايات الضوء)، إشارة إلى ما تحمله رسالة الشهيد من نورانية ينبثق منها الضوء الـــ قادم من الحياة الأخرى والتي هي المآب لنا جميعاً، منوّهة إلى ذلك في النص بـ (بخيول القيامة)، إنّ الشهيد بما أدّاه ربط بين حياتين لنا في عالمنا، رحل هو إلى الحياة الأخرى ولمْ يتركنا خلفه، بل أرسل بخيوط النور ممتطية صهوة الثورة ليعزّز فينا النضال فلا نقف ولا نتوقف بل نستمر ونستمر ونستمر .. فـ (القيامة) ثورة وانبثاق وانبعاث ......
إلى هنا، وأحسستُ أنّني تُهتُ في الحسن كالمشدوه، فليعذرني العبّاس إذ أنّني غلبني اللهاث إلى حدّ الاختناق فتوقفتُ لأوصلَ نفساً كاد أنْ ينقطِع .......

فتأتي بدايات الضوء
بخيول القيامة
محملةً بجثة الماء
لتغسل فاكهة النهار
في مساء ...
الجوع البعيد..،


النورانيّة الـ تنبعث من جهة التي رحل إليها الشهيد والـ توثق العلاقة بين حياتين وعالمين، عندما تُقبِل .. تُقبِل بأيدٍ ملآى، تأتي (محمّلةً) بالطهارة والنقاء والصفاء والمتجسّدة في (جثّة الماء) الماء يعني الحياة، الشفافية، الانسيابية، الطهارة، النقاء والصفاء .. هذا الماء الذي تنبثق منه الحياة يأتي محملاً كـ (جثّة)، وفيه دلالة إلى أنّه رام الموت ليهب الحياة، ولو غصنا أكثر في مكنونات المدلولات لوصلنا إلى أنّ الشهيد هنا هو المعني فهو إذ يُضحّي بحياته ليهب لنا الحياة، فهو يُحيينا {يُحيينا بمعنى يعيد إلينا نضارتنا بعد الذبول والوصول إلى حافة الهلاك} كما الماء {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، وهو طاهر كما الماء، ورسالته سامية نقية شفّافة كما الماء .....

(لتغسل فاكهة النهار ) هذه النورانيّة التي تحمل معها الأمل والحياة الأفضل والأكرم والرسالة الأسمى جاءت لتطهّرنا من وجع السنين، من الظلم والاستعباد والاستبداد والاضطهاد والضعف، وتمدّنا بالصبر والعزيمة والإيمان في الاستمرار في المسيرة، تُطهّرنا ممّا يُقترف في النهارات من معارك وحروب، بالرغم أنّ الحروب لم تعد تفرّق ضوء النهار من ظلمة الليل، لتمنّ على ما حصدناه في نضالنا وعملنا خلال النّهار من (فاكهة) بمسحة طهر، وحصاد نضالنا هو شهادة للشهيد وجرح في دواخلنا، فتغدق عليه ببعض الطهر والنورانية لترفع بغاياتنا نحو العلى وتمنع هدّ عزيمتنا بل وتُقويّها بالرغم أنّنا دخلنا (مساء الجوع البعيد) وما جنينا غير (فاكهة النهار) المغسولة (بجثّة الماء) المحمّلة (على خيول القيامة) من قِبل (بدايات الضوء) ....

وقفْتُ هنا لعمل مماثلة بين الجوع المذكور في العنوان (بكاء في نهارات الجوع) وبين الجوع المذكور هنا (في مساء الجوع البعيد) .. فرأيت أن فضاء الجوع يمتد بين أطرافي النهار والليل .. وأنّه ما هو إلا التعطّش للحياة الأجمل، حياة الفضيلة والشرف والكرامة، والمغتصبة حالياً تاركة هالة عظيمة من الشعور بالجوع .. والجوع ما هو إلا دلالة للحرمان للفقر للعوز الـ يعاني منه الشعب، للظلم والاضطهاد الممارس على الشعوب ......

يتوزع بلل أجسادنا..،
المسكونة بالحروب...
والمقابر،
على خرائط ظلٍ،


الظلال تترك انطباعاً أنّ هنالك حائلٌ بين منازلها وبين النور، وهذا الحائل نُطلِق عليه اسم (جسم)، تتكوّر الظلال على أجسام لتنعى لها خسوفاً وتُفرض عليها ظلاماً، وتتخّذ لنفسها هيئات وأشكال وربّما (خرائط)، قد تتم تشكيل ورسم هذه الخرائط بفعل أمور أخرى كـ (الحروب والمقابر) والتي تترك في نفوسنا ظلال عظيمة، ما تزال جديدة ونديّة ورطبة ولم تجف بعد وهذا ما يشير إليه (البلل) في (يتوزّع بلل أجسادنا)، أيّ أنها حديثة وتُستحدث فما تزال الحروب قائمة لم تضع أوزارها بعد وما تزال المقابر تستقبل رفات القتلى بل الشهداء!!

نستحم بخيوط الرماد

قبل البدء في مواصلة التوغّل في هذا النص الأكثر من رائع من ناصّ الأكثر من مبدع؛ أقف لأحيّيه لدقّته البليغة في اختيار المفردة، كلّ مفردة في هذ النص أتت في موقعها منضبطة ومضبوطة لتأخذ مكانها المخصوص لها .. فسبحان مَنْ أسرى الكلم على لسانه من قلمه إلى أسماعنا ليبهرنا بكلّ هذا الألق ......

نأتي إلى الكلمة التي وقفت لديها ههنا (نستحم)، وسألت: تُرى لـِم لَمْ يستخدم (نغتسل) كما استخدمها في (لتغسل فاكهة النهار)؟ الاغتسال لإبعاد الوسخ والتطهير {كما تطلق المفردة في غُسل الحيض والجنابة} وهو بسكب الماء، ومن أغراضه التبريد والاستجمام. أمّا الاستحمام فتأتي المفردة من الفعل المصدر (حمّ) والذي يُحضر للذهن السخونية والدفء بل والنار (الحِمَمْ)، تتم عملية الاستحمام في جو ساخن بخاري وينتج عنها التعرّق، أجدُني هنا أرجع خطوة إلى الوراء في النص عند (بلل أجسادنا) وأعثر على الرابط بينه وبين (نستحم)، فكما سبق وذكرت النص كسلسلة مترابطة لا يتجزأ! لنأخذَ الصورة مكتملة (نستحم بخيوط الرماد) إيحاء بوجود نار فلا ينتج الرماد إلا بعد اشتعال! والنيران تأخذها مباشرة صوب الحروب، وتصويرنا ونحن نخوض الحروب والاقتتال بالاستحمام إنْ دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ما نبذله من جهد جهيد مستميت وثمين في نضالنا ضدّ أعدائنا من أجل أوطاننا من أجل إنساننا والذي معه (يتوزع بلل أجسادنا..، المسكونة بالحروب... والمقابر، على خرائط ظلٍ،) والذي معه أيضاً (تغسل فاكهة النهار في مساء ... الجوع البعيد..،) والذي معه نعيش المعاناة الحقيقية ونعاني من الكوارث الإنسانية التي يسبّبها الإنسان لبني جنسه !

نستحم بخيوط الرماد
في سفر العنقاء،
لنعيد أرصفة المواسم
الى مدننا التي أُعدمت
بأهداب القمر
عند ليل الرصاص...
والأرتباك.،


(في سفر العنقاء) وصف مدلولي يشير إلى البعْث والتجديد والحياة مرّة أخرى وهذا من خلال طبيعة طائر (العنقاء) كما ترويه الأساطير. وإنّنا إذ (نستحم بخيوط الرماد) في مرحلة قبل البعث ومرحلة البعث لنصل إلى مرحلة بعد البعث كما هو (سفر العنقاء) لبداية جديدة مشرقة معها الحياة إلينا و(نعيد أرصفة المواسم لمدننا) فقد غادرت المواسم من الازدهار والتقدّم والرقي مدننا مع هذه الحروب القائمة التي عايشتها في ظلّ موسم واحد عنوانه الدمار والخراب والتي معه ما باتت مدناً بل خراب وأطلال، أضحت معدمة (الى مدننا التي أُعدمت) فلم يعد يراها القمر (بأهداب القمر)، وأتوقف هنا في محطّة أخرى والمفردة (أهداب)، الهدب هو ما يستطال دانياً {من الأعلى نحو الأسفل) لنطاله ونجنيه ونقطفه، وما يطالنا من (أهداب القمر) هو سناه وضوءه المستنير الذي يُضفي علينا جمالاً وسحراً ويتلألأ كلّ شيء يطاله هذا السناء بشكل عجيب ساحر يترك أثراً طيّبا وجميلاً في النفس .. ومدننا تحت طائلة الدمار والتي أضحت أطلال لم يستطع القمر المنير بسحره أنْ يستنقذها ممّا طالها، فالأجواء ملأى بالدخان والرماد والغبار واللون الرصاصي هو الطاغي والذي عكّر صفو الأجواء في ليل يحلّ فيه القمر ضيفا فيُقدّم معزوفة السحر البرّاق، إنّني لأتخيّل هذا الجو، وتلك الأضواء المتراقصة قد اعتلاها الغبار والرماد فباتت مشوّشة ومشوّهة وأحدثت نوعاً من (الارتباك)!

يصعد إلى عرشه
باكياً...؟؟
على عمرٍ
لم يعلقه على جدارية الحروف!


قد يكون المقصود بـ (يصعد إلى عرشه باكياً...؟؟) هو القمر التي شاهد إعدام المدن ولم يستطع فعل شيء إلا افتعال البكاء إبداءً للحزن المعترى متّخذاً سبيله في الغياب والعودة من حيث أتى وحيث مأواه (عرشه)، حيث هو القمر مَلِك السحر والجمال {كما دلّت مفردة (عرشه)} الذي يُضفي من سحره وجماله على الأركان! يكون بكاؤه ( على عمرٍ) أضاعه هو أو أضعناه نحن بسبب ويلات الحروب ولمْ نعش خلاله حياةً جميلة حافلة فلمْ تُخلّد (لم يعلقه على جدارية الحروف!) فكلّنا زائلون وما يُخلّد إلا ما تُخلّده الحروف عبر التاريخ والعصور ......

في الختام أرفع آيات الشكر لصاحب النص الأستاذ القدير عباس باني المالكي، والذي التمس منه العذر إذ ضرّجت نصّه بهذه الرؤيا القاصرة أحاديّة الجانب، فنصّه زاخر كثير، واستغلّها فرصة لأبيّن أنّ ما تبنته هذه القراءة هي وجهة نظر شخصية ورؤيا خاصة بي لما تركتْه حروف النص وكلماته من انطباع في داخلي، واعتذر على التقصير، شاكرة كلّ من سيمنُّ على كلماتي هذه فضل الوقوف والقراءة ......



3
النص : حارس الدمع للشاعر ماهر المقوسي / فلسطين
------------------------------------------------------


التسلل إلى الطوايا
من خلف (حارس الدمع)
النص
حارس الدمع

وحده الجليد قادر على قراءة ما تلقي الريح من تمائم للحنين
و لا شيء في الغيم إلا رسائل قد ملّ قراءتها الشعراء
أو ملت مكانها بين أيدي البلهاء
و حبيبتك يا حارس الدمع كما الخنجر في خاصرة الليل
و لا شيء في الوحل إلا غناء المنتشين بانتصارات دمٍ ما زال يعوم في شظايا قنبلة
ربمات.. هي بعضٌ من خبز تعفن و ماء تسلق حدود الزفرة
تشابهت جهات الرمل...واتفقت عليك تناقضات المصلين حين ثملت فيك إبر التطعيم ضد انفلونزا الإنتظار
لا عليك لا عليك
سيمضي شتاء آخر
و تولد من دمع البنفسج و قد أنهكتك الأفكار الشاردة
متأرجحاً بين ماضٍ واندثار





"حرفٌ متمرّد لا يعترف إلا بتسعّر المعاني المتفرّدة بإنثيال الصور الغريبة والمثيرة .. عميق كثيف .. غابات ألق" .. كإنطباع أوّلي عن نموذج نصّي تبنّى جنوني الوثب العالي إليه .. ليس هذا الانطباع بالغريب فكلّما قرأتُ ماهراً استقرأُ الحروف استعطفها أنْ اغدقي عليّ .. فالنص مليء بالدلالات والتلميحات والإشارات .. تُريدك أنْ تكونَ يقظاً منتبهاً لكل وخزة من خلف الحروف وبين طيّات المعاني .. إنّني برحابهما – النص والناص – استعطف الحروف أنْ اغدقي عليّ .. فبما عساها ستوهبني ؟! وما توفيقي إلا بالله العظيم

تُرى لماذا اختير (حارس الدمع) عنواناً لهذه اللوحة، الموجة العاتية .. صدقاً قلّبتُ الأمور على كلّ الأوجه التي أعرف والتي أتقن .. لكن أعياني أنّ المعنى دوماً لدى القائل !! سأجتهد في ذهابي وإيابي .. في صعودي ونزولي .. في امتطائي وترجّلي .. في مدّي وانحساري ...
الحارس هو الواقف على أعتاب المكان الذي يحرسه هذا ما يأتي على الذهن منذ الوهلة الأول التي نتهجأ فيها كلمة حارس .. وهو الواقف على الشيء الذي يقوم بحراسته .. و(حَرَسَ) كما هي تعني الحفظ تعني أيضاً الاستلاب والسرقة .. فقد يكون المقصود الحافظ للدمع بل رُبّما المستلب للدمع

وحده الجليد قادر على قراءة ما تلقي الريح من تمائم للحنين

شرّع النص منذ البدء بفصل القول فيوقف تدفق الجدل .. أعطى للجليد سمت التوّحد في الأمر الذي أفضى به إلينا في هذا السطر البديع .. هكذا تربّع هذا العرشَ الجليدُ ......
استقطبُ ثلاثة مفردات من هذا السطر، لعلّ من خلالها ينبلج لي سرّ السحر الغامض فيها والذي دغدغ شيئاً بي .. (الجليد – الريح – تمائم) .. إنّ عصْف الريح في فصل الصقيع لها زمجرة متفرّدة .. تهبُ كتل الجليد الريح المّارة خلالها أذنه ليستمع إلى عوائها الـ يبثُّ مكنونات ما تحمله من زفرات وشهقات المحبيّن الذين يرسلون أصواتهم ومناجاتهم وصدى أدمعهم لمن يحبّون .. ولكنّ لماذا اجتهد ماهر المقوسي لإخفاء ما يريد إرساله مع الريح والذي لا يستطيع قراءته إلا الجليد في شكل تميمة ؟.. سؤالٌ يوجّهنا لمعرفة ماهية الشخص أو المكان الذي يوجِد {يوجِد من الوجْد} له ويحنُّ إليه .. وهو ليس بلغزٍ ولكنّه لغزٌ لمن لا يفقه سرّ الروعة في نصوص ماهر المقوسي .......
فماهر المقوسي فلسطيني أصيل .. لا يمكن أنْ يصهل ويجول خارج حدود فلسطين .. ولا يوجّه تغريده إلا لفلسطين .. فحبيبة ماهر حتماً فلسطين .. أو مشتقة من فلسطين {فلسطينية} !
لفحة صقيع غمرتني وأنا إذ بدأتُ السبر في هذه الكتلة الجليدية التي استفتح النّاص نصّه بها .. لا يتكوّن الجليد القاسي إلا عند انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون السالب عشرين فأكثر .. تُرى لـِما اختار كلّ هذا البرد والصقيع، وكلّ هذه القسوة والتكتّل المميت، وهذا البياض القاتل .. ألأنّ علاقة بين الجليد والريح وثيقة وشديدة .. أمْ تُراها ردّاتُ الفعل تجاه ما يعانيه المحبّ الفلسطيني والتي اجتمعت على القسوة والغلظة والبرود وعدم المبالاة وتسليمهم إياه للمحرقة والمذبحة والموت دون أنْ تتحرّك فيهم عشر أعشار شعرة واحدة !!! لعمري إنّ الجليد يتشرّخ .. يتكسّر لمّا يستمع لأنين وعواء الريح .. استجابة منه لرفيقته وتعاطفاً .. إنّه يتهادى حُزناً في لجّ الأسى ذائب الشعور والإحساس .. ذاك المفتول قسوة وبرودة وصقيعاً يشعر ويحس ! لكنّهم أعتى قسوةً منه .. فلا تلين قلوبهم ! يا لقلوبهم ليست حجر فالحجارة تتفجّر منها الماء ماهي قلوبهم ما كنهها يا تُرى ؟!!!
ما زلتُ أجمعُ فتات المجترحات الثلاث (الجليد – الريح – التمائم) .. فشساعة فضائها يؤمّن لي تحليقاً عالياً .. بينما طلاسمها تعرقلُ مسيرة فكري في دواخلها .. لمْ أفتأ أردّد ذاك السؤال .. تُرى ما سرّ بثِّ الحنين في جسم تميمة تُحمل على صدر الريح والتي تُلقيها فلا يستطيع قراءتها .. فهمها .. فكّ ما بها .. إلا الجليد وحده ؟! كيف استطعت يا الماهر في تكبيل فكري وتأمّلي .. وتسريح اندهاشي واستغرابي ؟!! ماذا فعلتَ بي ؟! ماذا فُعِل بكَ ؟! لماذا حرصتَ كلّ هذا الحرص على إخفاءِ حنينك إلى درجة إنْ ألقته الريح لا يقرأه بل ولا يقدر على قراءته إلا الجليد وحده .. إنّك لحارسٌ للدمع ! تأبى أنْ يقع حنينك في أيدٍ لا تقدّره .. تخاف عليه خوف الأم على وليدها فلا تسلّمه إلا للريح الأمينة ولا تحطّه إلا في هودج التميمة على يمّ الكلم العاتي لا يبحر إلا للجليد فيلتقطه ...... أو لأنّ حنينك أصبح صعبَ الفهم والإدراك عليهم .. أصبح كالتميمة مبهماً فلا يفقهونه .. أصبحوا هم أبرد وأقسى من الجليد .. فأضحى هو الوحيد القادر على الذوبان مع حنينك !!!!!

و لا شيء في الغيم إلا رسائل قد ملّ قراءتها الشعراء
أو ملت مكانها بين أيدي البلهاء


ما تزال الحالة التقريرية ترافق النص، ولكن القفز واضح من السطر الأوّل إلى السطر الذي يليه على الرغم من وجود الواو في بدايته ليكون حلقة وصل، ولكنّه يبدو ولأوّل وهلة وكأنه نص مفكك لا يمت بعضه ببعضه بأي صلة لمتواضع الرؤيا قارئاً له، وكأنّ بين سطوره أخاديد شاهقة العمق، ولستُ ممّن يؤمن أنّ أحداً يهذي على الورق بهذا القدر من الجمال ولا يطعمه بالفكرة التي تنثال من أوّل حرف إلى آخر قطرة، لذا فهذا النص شاهق العمق، يحتاج لقارئ حذق ليفهم تقاطيع صوره المتناثرة بكل إبداع .. فليعينني الله ولا أبخسه حقّه ......
تصوير دقيق غارق في الرمزية يكتنف النص، وأجد أنّ النّاص أجاد توظيف الوسائل المتاحة للتعبير عمّا يريد أنْ يوصله إلينا بلغة تصويرية راقية مسترسلة إلى أبعد ممّا قد نصله بتصوّرنا ......
ماذا يحمل الغيم دوماً غير المطر؟ الغيم يوحي بتلبّد الجوّ وتكحّل السماء بالرمادي وخفوت في تسطّع الأشعة الشمسية التي يعيق وصولها إلى الأرض كثافة الغيم، الغيوم دوماً حبلى تحمل الغيث وتروي العطش وتحيي الأرض، الغيم بشرى خير عميم لا غنى لنا للأرض للأحياء عن الغيث .. فما هي طبيعة الرسالة أو الرسائل في الغيم .. لنْ تكون سوى الهطول، ولن توحي سوى بالسقيا والتروية .. ما علاقة الشعراء بالمطر؟ سؤال وإن طرح نفسه يكونُ غريباً .. فأي شاعرية لا تهطل كما الغيث وأي شاعرية لا تبدأ بالودق والرذاذ وتتناول كلّ درجات المطر ضمن أطباقها .. هل فعلاً ملّ الشعراء من قراءة الرسائل .. مِنْ تلحين القصائد الـ تروي عطش الروح .. من المواصلة في بثّ وتقديم رسالتهم فكرهم ومبادئهم .....
إنّ الشعر كما الغيث هنا أجد الربط من طوي الرسائل في حقيبة الغيم يحمله معها .. وفعل القراءة ليس القراءة ذاته .. بل يحمل مدلولات عديدة من بينها القراءة .. فالشعراء يقرأون الشعر ويدأبون أكثر من غيرهم على قراءته .. فهم يقرأون شعرهم أيضاً .. ويقرأونه لغيرهم حين يُلقونه على الأسماع .. ربّما ملّوا لأنّهم لمْ يجدوا أسماعاً صاغية لما يحملونه من رسالة كما الغيث يروي الروح ولكن ولا من مستمع ولا من مكترث ..... ويتجلّى هذا في (أو ملّت مكانها بين أيدي البلهاء) ..
فالنعمة في أيدي البلهاء والذين لا يحسنون التصرّف بها تنقلب إلى نقمة ليس فقط عليهم بل على غيرهم وربّما على البشرية جمعاء .. إنّ الناص يرمي صواريخ بعيدة المدى ههنا .. وأكاد أجزم أنّه يقصد النعمة المهدورة بأيدي العرب .. جرحنا الأغور فلسطين الأرض المقدّسة الطاهرة .. أرض النعماء والزيتون والبرتقال .. كيف أضحت بأيدٍ مغتصبة .. تعيث فيها فساداً فهم أبداً لنْ يقدّروها حقّ التقدير .. وكيف هانت على العرب ؟ رموها لقمة صائغة إلى العدو ولم يعنوا بها ولا بأهميّتها ولا بقدسيتها وطهارتها .. أباحوها وخذلوها .. وهكذا تتحوّل النعمة بفعل البلهاء إلى نقمة وتذهب سدىً .. تضيع .. تضيع تضيع تضيع .. هل فعلاً ضاعت فلسطين ؟!
حقّاً إنّ النعمة لتتململ من بلادة مَنْ هو مصبوغٌ بها وسوء تصرّفه .. وحقٌّ لها أنْ تملّ ما دام لا من مهتم ولا من مكترث .. تعاني من الهدر والضياع من كلّ فعلٍ منكر .......
كيف تربط هذه الجزئية (و لا شيء في الغيم إلا رسائل قد ملّ قراءتها الشعراء .. أو ملت مكانها بين أيدي البلهاء) بما تسبقها (وحده الجليد قادر على قراءة ما تلقي الريح من تمائم للحنين) نجد في المقطع الأوّل تحميل الريح تمائم الحنين فلا يقرأءها غير الجليد، ومهما يجتهد الشعراء في وصف حنينهم في رسائلهم وقصائدهم فلا يجدون آذان صاغية فلا جدوى من إلقاء غيثهم على أرواح البلهاء والذين قد تكون أرواحهم ضمرت أو ماتت .. والنّاص شاعر إذاً هو يصف معاناته في حنينه والذي لا يقدّره إلا الجليد لأنّ القلوب أضحت أقسى وأعتى وأكثر برودة في مشاعرها وأحاسيسها من الجليد فإن بثّ رسالته وهمّه وقصائده يعاني من عدم الاكتراث بل إنّ رسالته تُهدر بين أيدي البلهاء وليست رسالته إلا فلسطين الجرح وليس حنينه إلا لها ......
وهاهو ذا يكلّم نفسه (حارس الدمع) ويصف حبيبته ....
و حبيبتك يا حارس الدمع كما الخنجر في خاصرة الليل
قد تكون الواو في أوّل هذا السطر لحلقة حتى تصله بما سبقه، لكنّني أتساءل ما الذي كان سابقاً لتليه الواو ويليها هذا السطر ....... كانت مآسي غُض الطرف عن ذكرها فلا من مستمع ولا من معتبر .. فالواو كفيلة بالإيحاء لها .. والواو ما تزال تقول الكثير ..
(وحبيبتك) التركيب من المضاف والمضاف إليه والدلالة على الملكية في الكاف هنا يقولان إنّ الكلام عن شيء يخصّك بكثير عمق .. يخصّ قلبك بشكل مباشر .. وكيانك وإنسانك وعواطفك .. يخصّ الدمع والخفق ...
جاءت المناداة بعد (وحبيبتك) لتجسيم الكاف وأخذ الوصفية الدراماتيكية لها بإسقاط هويّتها على (حارس الدمع) .. حيث المشار بالكاف هو المنادى المتكلّم والذي أخذ لنفسه وظيفة (حارس الدمع) .......
لنتأمل معاً السطر كاملاً .. (و) بعد الكلم وبعد الجراح وبعد الملمّات (حبيبتك) تلك التي أتخذها قلبك قِبلة الهوى .. والتي تُنسب لها وتُنسب لك .. (يا حارس الدمع) يا من يحفظ ويسلب الدمع (كما الخنجر في خاصرة الليل) خنجراً غدرَ بالليل الظلام .. فهي المنارة وهي كوّة النور .. هي التي تصارع الليل وما ينزل فيه من ظلام .. هي التي تحارب لتبقى وتستمر .. هي التي يعدّها حماة الظلام والليل خنجراً في خاصرتهم وشوكة في حلقوماتهم .. هي هي فلسطين العزّة والكرامة

و لا شيء في الوحل إلا غناء المنتشين بانتصارات دمٍ ما زال يعوم في شظايا قنبلة

ما تزال الواو تتحكّم في وصل حلقات النص فيما بينها وتوحي بالتبعية التي سادت كثيراً في عوالمنا .. لكن ثورة النور الخنجر لهي الحق والحقيقة الناصعة الساطعة .. أمّا التبعية الغارقة في الوحل فما قامت إلا ظُلماً وعدواناً باستباحة الأبرياء وإقامة المجازر والمذابح .. والتي من بعدها الأنفس الوحل تحتفل بإنتصارات واهمة واهية باطلة بطلان سيادة الظلم وانقضاء السلام من الأرجاء .. تحتفل على جثث وجماجم الأبرياء الـ تسبح في دمائهم .. وقبل الاسترسال استوقفتني المفردة (يعوم) لنتوقّف عندها قليلاً قبل المتابعة ......
السؤال لماذا استخدم يعوم ولم يستخدم يسبح؟ الإجابة تكون في حقيقة المعنى المتباعد المتقارب في المفردتين .. ظاهرياً لا فرق بينهما السباحة هو العوم والعوم هي السباحة .. ولكن هل حقّاً السباحة هي العوم وكذلك العوم هو السباحة .. السباحة مفردة تحمل معنى الحركة والاجتهاد في الانتشار والابتعاد وتكون في مدار مستقيم أو مدار بين نقطتين إحداها تكون المنطلق والأخرى تكون الهدف أو في مدار دائري أو في مدار فلكي .. الخلاصة هي إنّ الذي يقوم بإتيان فعل السباحة هو المتحرّك وهو المتحكم في حركته .. وفي الجهة الأخرى العوم يحمل معنى الطفو على سطح لسائل وغالباً يكون الماء والعائم يجتهد على الحفاظ على وضعيته طافياً على سطح الماء وإنْ تمّ تحريكه فأصل الحركة لا تكون نابعة منه بل معمولة عليه إذاً التحكّم في حركته هنا يعود لعوامل أخرى غيره
إذاً الدم العائم والذي يجري تتحكّم فيه (شظايا قنبلة) أينما توجهت وفيمن تفجّرت أجرت الدم .. فلا توجد سباحة بل عوم !

ربمات.. هي بعضٌ من خبز تعفن و ماء تسلق حدود الزفرة

أطلق الناص التعليلات والتسويفات مختزلة في (ربّما) آتية بصيغة الجمع واصفاً إيّاها بلغة الغضب الممزوج بالحزن والأسف والحنق والألم بأنّها (هي بعضٌ من خبز تعفن و ماء تسلق حدود الزفرة) كإشارة منه أنّها أضحت قديمة مهترئة واسطوانة كثُر فيها الشرخ، الخبز إذا ما تُرك وكان قديم التجهيز اعتلاه العفن والذي ما يلبث ينتشر فيه، (ماء تسلق حدود الزفرة) الماء بطبيعته الهطول لا التسلّق ولا يتسلّق إلا الأنبوب الضيّق ويكون تحت طائلة الضغط العالي .. الناص يرسم صورته موحياً بالضغط العالي الّذي تسبّب بالزفرة والألم الشديد الّذي كان تحت وطأته حتى تسلّق الماء لحدود الزفرة وهو أيضاً إيحاء أنّ الزفرة كانت عالية من استخدامه لـ (تسلّق) .....

تشابهت جهات الرمل...واتفقت عليك تناقضات المصلين حين ثملت فيك إبر التطعيم ضد انفلونزا الإنتظار

بسخط واضح الألم وبمعالم أوضح للوجع الّذي انطلقت معه الزفرة يقابل الناص ذاته مدمدماً باستنكار من ما هو واقع فاستخدم هنا اللغة التقريرية والتي صاحبت النص من بدايته .......
(تشابهت جهات الرمل) تقرير وتصوير من عمق الضياع .. استخدام الرمل هنا يوحي لنا بأنّ الجهات باتت كما الصحراء لا يعلم شرقها من غربها ولا شمالها من جنوبها ففي كلّ أرجائها رمال من ذات الصنف واللون .. الضياع في الصحراء حيثُ تتشابه جهات الرمل يرحلُ بنا إلى كثيرات .. لا أمل .. عطش .. استسلام .. يأس .. لا هداية .. تخبّط .. دوران في متاهة من حواجز وهمية تُوضع للشعور بعدم القدرة على الخروج من حالة الضياع .. لا مفر ولا سبيل ولا حل ....... ! أي يا ماهر وخزتَ قلبي بإبر صدئة مسمومة .. لكَ الله أيّها الكريم لكَ الله .....
(واتفقت عليك تناقضات المصلّين) لمْ يكفه الضياع والغرق .. بدل أنْ يمدو له قشّة العون لينتشلوه .. اتفقوا عليه بتناقضاتهم للحق والمبادئ والأخلاق والإنسانية .. خصّ (المصلّين) دون غيرهم لأنّ الدين أدعى أنْ يُتبع ومن الدين نصرة الأخ بأي دين يدينون حين يركعون وحين يسجدون وأيضاً حين يخذلون .. يفعلون كلّ ذلك فيناقضون أنفسهم .. وقد أصبح الانتظار أمراً غير محموداً لطوله ولكثرة ما كان هنالك من تخاذل ولكثرة الدماء الـ أستبيحت والأعراض الـ هُتكت فماذا ينتظر هو بعد؟ بل وماذا ينتظرون هم بعد؟ أضحى الانتظار آفة مرضاً عصرياً كما الأمراض الأخرى التي ظهرت وانتشرت وكلّها تدحرجت إلى أسفل مسمى أنفلونزا .. أنفلونزا الطيور .. أنفلونزا الخنازير .. وأنفلونزا الانتظار .. لم يفد لها التطعيم من إبر ثملة غير واعية ولا مفيدة .. أو ربّما هي مجرّد إبر فارغة لا تحتوي لقاحاً إذ لمْ يُعثر عليه ولمْ يُكتشف للانتظار دواءً .. فكل الجهات متساوية ومتفقة بواقعها وأفعالها تناقض دينها ومبادئها .......

لا عليك لا عليك
سيمضي شتاء آخر


يواسي الناص ذاته بعدما انعدمت المواساة الأخوية من الغير الذين يُعتبرون إخوة في العقيدة والعرق فيقول (لا عليك) مرتين مؤكداً عليها مطبطباً على نفسه مواسياً مصبّراً إياها على البلاء .. مقرّاً لها بأنّ (سيمضي شتاء آخر) كلّ شيء ماضٍ لن يتوقّف شيء وستظل كما أنتَ فلا جدوى فالخذلان أصاب القوم بالشلل والخدر ووصل حتّى النخاع فيهم ....

لا عليك لا عليك
سيمضي شتاء آخر
و تولد من دمع البنفسج و قد أنهكتك الأفكار الشاردة
متأرجحاً بين ماضٍ واندثار


سيمضي الشتاء ويأتي موسم ولادتك كالزهور التي تتفتح بالربيع وهي ريحان وشذى للحياة .. هو أنت لكنّ الجمال في هذه الدنيا وفي هذا العصر يُهتك يُذبح يحاولون قمعه .. قطفه من على شجره .. دوسه بالأقدام .. يعدمونه ليندثر يتلاشى .. الجمال لا يولد إلا من رحم الألم فيكون له نضارة وزهو البنفسج وألم الدموع التي هي الندى على ورق الأحزان .. تولد بعدما خضت معارك الصقيع وتحدثت للجليد ونلت من برد وبرودة الآخرين وأنت داخل عاصفة الضياع .. تولد من دمع البنفسج جمالاً حزيناً لتزهر وتبقى على ما تكتنفه روحك من حسن وسمو ولكن الأفكار الشاردة من آمال عقدتها على راحتي عمرك وأيامك .. وأماني مستحيلة تراودها لتفض بكارتها وتحبل منك واقعاً تحقيقياً لا خيالاً طيفاً يتلاشى .. كلّ ذلك أصبح شارداً ذاهباً للسراب يتناثر رويداً رويداً ليندثر .. لتغدو بين ماضٍ يوثقك إليه ويثبّتك بمساميره في ذكريات واندثار فلا حاضر ولا مستقبل فقط تلاشي !

في ختام هذه القراءة أتوجّه لصاحب النص الأديب الوارف ماهر المقوسي بكل الشكر على تحفته التي فتّتها برؤايا القاصرة .. عذراً وارفنا لما بدر منّي .. وأحبّ أنْ أشير أنّ القراءة ذاتية تحمل رؤى ذاتية ووجهة نظر شخصية .. قد تصيب وقد تخطئ .. هو انطباعي الشخصي عمّا اختلج بداخلي لمّا قرأت النص .. واعتذر عن التقصير .. متقدّمة بالشكر لكلّ من يمنّ على كلماتي فضل الوقوف والقراءة ........ مع أخلص التحايا



4.
النص عبثاً أحاول للشاعر عدنان حماد
---------------------------------------


بسط راح التأمل في القصيدة السينيوغنائية

النص :

تعباً مضيت يلوكني وجعٌ تكدّس في العظام ولا مفر
عبثا أحاول أن أمدّ قصيدتي جسراً لتعبرها الأيائل واليمام
غصبا تجوس حقيبتي حمم الوجع
أجراس قهرٍ لا تكلُّ ولا تنام
بيني وبينك يا سُهاد تقارب فدع المواجع تفترش
مني النفس
مُذ ألف قهرٍ والعذاب يسومني سوء العذاب ليبتلي ويقول لي
حَكَم القدر
قهراً أغالبه الوجع
ليل يطول وما انقشع
عبثاً أقاومه الوجع
فيقودني خطوي إلى وطن الغجر
خيم تُشكّل للعراء ولا وطن
خيم تهادن للرياح فتنحني ويؤمها شتى البشر
خيم تخاصم للحياء وتمتهن نغم الوتر
أو تدّعي فن الدراية للودع
والنفس تأمر بالرحيل تلومني
ظهرت رباب لتدعي كشف المخبأ والخبيئة والدفين
قولي رباب و أخبري
هل كانت العرافة الأولى مجرد كذبة أو فرية وخديعة لضحية
جاءت تسائل للنجوم وللودع؟
هل كنت أشلاء الحقيقة مُزّقت فتبعثرت ما بين وهمِ والسراب ؟
هل كنت هفوة عابثٍ ومغامرٍ
أم كنت صرخة ثائر ومناضل يأبى الهوان ويمتطي ظهر الخطر
أنا من أكون!!
ردي رباب قولي رباب
خودٌ لها عين الكذوب
ميساء في قدٍ لعوب
وتقول لي:
ألقِ البياض متمتماً وسل النجوم
وأنا سأحمل للخبر
قولي رباب و أوجزي
وسلي النجوم
وسلي كسوفك و الخسوف
ما لي تغالبني السهام وترتوي والنبض يهجر للوريد
ما لي تجاورني الهموم وتنتحي لتقرّ في أقصى اليسار
هاتي رباب وأخبري
وسلي القمر
قولي ربابْ ..قولي رباب وأوجزي
صمتت رباب و أدمعت و تنهدت و تحشرجت و تلعثمت أو تمتمت
نطقت رباب وأسهبت
قالت ربابْ
حالا سيأتيك الجواب
سُد الطريق وغُلّقت آفاقكم
لا إخوة لك لا حبيب ولا قريب
سكبوا الحديد و أوصدوا أبوابهم
يا سيدي أنت المشقة والشقاء
يا سيدي أنت التجشم والعناء
يا سيدي كل العواصم ترفضك
أو تلفظك
هي ذي النوارس تهجرك
لا سور لك.
لا ظل لك
لا بر لك.
لا بحر لك
النحس رافق مولدك
لا يا رباب
انت الخؤونة والكذوب
انت الطروبة واللعوب
لن تفهمي
فهو التفاؤل موطني
وهي البراءة ديدني
وهي البطولة في دمي
سأ طال ما فوق السحاب .. وأطال ما بعد السحاب .. وأطال ما بعد السحاب
صمتت رباب تبخرت مثل الغيوم




رمي نرد العبثية على أوجهه التسعة ليتجلّى الوجه الحقيقي

مدخل:
عبثاً أحاول ولكأنّني الموسومة بهاجس المحاولة في الغطس من على وجه رحبانيات الحروف غوصاً إلى أعماق أعماق المعنى، ولكنّما هذه المرّة عليّ بمكعّب العبث أرميه على لوح القصيد المنبسط رقعاً مثلثات مربّعات مخمّسات منغمسات باللونين من ألقٍ وإبداع؛ لأبصر وجهاً من الوجوه الـيتجلّى فأعرف من جلاء الحين واللحظة في أتون الموقف / النتيجة كيف وأين أسبح ؟!
كنتُ أفكّر / أتمتمُ بكلمات مبهمات (طلاسيم)، كما تلك الغجرية الّتي تقمّصت دور الرباب، تراءيتُ في أيّها مدى يكبر الحلم مبصماً بالأمل، وحلكة ليلٍ غابرٍ يُخيّم فوق الرؤوس قماشاً / قماطاً يلفُّ الأماني ليحبسها عن عيون الفجر، فيستجدي الحاضر ذهن عرّافة لترى في صوان الشعوذة وطبق الدجل طريقاً / مخرجاً، فتُطبِقُ عليه الحصار وتُحكمُ عليه أطواق اليأس وتلّفه بسلاسل الخيبة مردّدة شدو العندليب الأسمر، قائلةً قولة زير الشعر الأنثوي "طريقُكَ يا ولدي مسدودٌ مسدودٌ مسدود ......."
لكنّكَ يا ولد الأجاويد تنفخ فيها ريح أملٍ لصبحٍ يُشرقُ فيكَ بعد ألم المخاضِ، تنفخُ فيها لتختفي والخيام، وتُسرى في هيئة سرابٍ إلى الغياب! تباركتْ صخرةُ المعراج الّتي عليها دستُ لأرتقي إلى سماواتِ معناكَ وقصيدكَ .........

وجه النرد الأول:
- الشعرُ استنجد بشاعرية الشاعر فباح بنفثاتٍ من مشهدٍ قريبٍ بعيدٍ، يتراءى ويتلاشى، كحلمٍ يتحوّر في أفعوانه إلى كابوس، هكذا أدخل الحكاية في الرواية في القصيدة وغلّفها بشاعرية متمكّنة وختمها بشمع المعنى الأحمر، والّذي يأتي بمغزى وثيرٍ عميق. قالبُ الشعرِ منسابٌ على البحر الكامل في معطف التفعيلة الحرّة، الّتي تتصاعد ذبذبات أوتارها في رحلةٍ مِنْ حُلّة الحروف وتدنو، كما المركب يتمايل على جيد الماء مبحراً وشاقّاً طريقه بين الأمواج يرتفعُ معها وينفخضُ وإيّاها، أذهل الشاعر الشعر بمحاولته (العابثة) لإظهار الجدّ في زمن الهرج والهزل، عبثاً يلوّح بعامود النور بيديه في وجوه خُلقت دون مساحة لبؤبؤ العين ؟! أقول له "قف مكانك شامخاً وأنتَ يحدوكَ الأمل بالرغمِ أنّ هذا الزمن أصاب الأملَ بالشلل الرعّاش !!!"

وجه النرد الثاني:
- الشاعريةُ تغنّت في بدويتها الحضرية على عزف الناي والربابة، وطرِبت في مدنيتها الريفية على سيمفونية الحروف، فخلق عدناننا جوّاً أصيلاً من العروبةِ وأجاد في تصويرها في أكثر صورة تُجسّدُ كينونةَ العروبة التاريخية والغائبة الحاضرة، ألا وهي مضاربَ الخيامِ وكأنّي أرهفُ السمع فأسمعُه يهمهمُ "نحن تناسلنا كابراً عن كابرٍ في الخيام عزّاً وفخراً منذُ عدنان وقحطان، عدّوها لنا عودةً للأصلِ، و أيضاً لا تنسوا أنْ تعدّوها لكم عاراً إذْ سلبتمونا الديار، الوطن، القرى والمدن، ورميتمونا تحت سعفِ نخيل التشرّد والغربة، وترفّقاً كاذباً لئيماً بنا إذْ نصّبتم لنا الخيام بنصبكم واحتيالكم وجوركم وافترائكم .... نحنُ لنا الله ولكن أنتم ماذا لكم؟ ماذا لكم؟ ماذا لكم؟ تبّت أياديكم الخؤونة !" .. تجري في شعر الشاعر دماءٌ بلونِ الوطنيّة الأبية، فهل هنالك أكثرَ من هكذا شاعرية تطغى على وجدان المرء ؟!!!
سكب في بوتقة القصيد بياناً وخضّبها بحناء الصور فأشجت المعاني المضمّخة بالأحمر برقّةٍ متناهية أسماعَنا، واستخدم فرشاة الحروف المتجانسة لفظاً، الباعثة لحناً متناغماً يتذبذبُ مع تطوّر الأحداثِ في المشهد المخيّل لأذهاننا والّذي بثَّهُ الشاعر بحِرفيّة وإتقان، وي كأنّنا شاهدناه، وي كأنّنا عايشناه، فقد اشتممنا عبق البادية ونسيم الصحراء وبخور الغجرية في بلّور الخيال ......

وجه النرد الثالث:
- الوجدانية الّتي صاغ الناص بها الشعور، الصورة والمشهد التراجيدي في قالب دراماتيكي جسّدت معاناة الناص في الواقع الـ يعيشه والـ يعايشه من وحدة ووحشة وغربة وخذلان الجميع، امتزجت مشاعر الأسى والاستنكار والحزن والألم والقهر في شكواه المبثوثة بداية النص والـ انسابت دفّاقة إلى نهاية النص، وكذلك موقفه الصامد تجاه قضيته المتمسّك بكلّ خيوط الأمل المتاحة والّتي اختتم بها النص بالرغم من أنّه وحيد في معركته وبالرغم أنّ اليأس كاد أنْ يتمكّن منه ولمْ تُسعفْه تكهُّنات العرّافة الّتي لجأ لها في شخص الأنا الشخصيّة الّتي لعبها في المشهد التراجيدي أو تساعده بتنجيم كاذب تُسري عنه وترفع من معنوياته، إذْ أنّها الوسيلة الّتي استخدمها النّاص لبيان كم هو محاصر مطوّق وحيد غريب مخذول فلا من ناصر ولا متعاضد ولا متعاطف ولا سلوى ولا كلمة أو همسة تُسري عنه .. إلا أنّـه واقف صامد سيحارب قوى الظلام وحيداً متسلّحاً بالأمل الّذي يستمدّه من إيمانه والرؤية الجميلة الّتي تحمله روحه والولاء للأرض الّذي يكتظّ به النبض في وريده حتّى أخر قطرة دم حتى الرمق الأخير من النفَس.

وجه النرد الرابع:
- تناغمت الحروف في الكلمات وبالتالي الكلمات في الجمل والجمل في السطور وكأنّها تجري في نوتة موسيقية لتبحر في عباب سيمفونية جمعت بين العراقة والأصالة والبداوة والحضارة والعروبة، تناغمت في لحنٍ شجي؛ تُولّد مناخَ شجنٍ لتضيف مؤثر سمعي حسّي على أحداث المشهد المصوّر ضمن القصيد، للحن مؤثر على القارئ يأخُذُهُ بعفوية ودون إرادة منه إلى عزف منفرد للناي الحزين ليجد نفسه تحت تأثير جوٍّ للإحساس يشد العواطف وذؤابات الدمع، وبالعفوية عينها يأخُذُهُ تارةً أخرى ودون إرادته أيضاً إلى عزف منفرد للربابة الشجية ليجد نفسه تحت تأثير جوٍّ آخر للإحساس يجذب الشعور وعناقيد الأنين المتدلية على عنق الألم، فيتداخل الجوّان معاً في تمازج وتناغم مثير للدهشة، ويبقى لكليهما انفرادهما الخاص والمميّز بذات الوقت ...
تعدّدت القافية في النص بحسب الحالة الوجدانية وتنامي القصيد خلال أحداث المشهد المصوّر بالمخيال والوجدانية والتعاطي في المونولوج والدايلوج لتخلقَ أجواءً متباينة موسيقياً مع كلّ نغمة وجرس ظاهري، فقد برع الشاعر بإحضار إسقاطات حدثية من الواقع المعاش من قِبله وطعّمه باللحن والموسيقى المناسبة، فنرى الجرس الألفاظ الّتي تتبنّى القافية الخارجة من كل سطر تخدم ما يريد أنْ يوصله خلال ذاك السطر كمؤثر موسيقي إيحائي يقوّي من وقع الكلمات والعبارات والمعاني على المتلقي، ونلاحظ في مواقع في القصيد حرص فيها الشاعر بالإيقاع بين كل سطرين أو أكثر في بثّ الشعر وهذا ما أدخله في قالبٍ غنائي متناغم الألحان، وقد أحسن حبك القصيدة في هذا القالب مع القوالب الأخرى؛ القالب السردي، الوجداني، التصويري والحواري ..
بدأت القصيدة بتغاير واضح في القافية فنراه في الأسطر التالية ينتقل من الراء (الّذي يستخدمه في مواقع عديدة من القصيدة والّذي له صدى ووقع) إلى الميم (الّذي يستخدمه بقلة ويستعيض بالباء في كثير أماكن كونهما يخرجان من نفس المكان الشفة وبنفس الحركة أي إطباق الشفتين والّذان يدلان على الوقوف والنهاية) إلى العين (الّذي يستخدمه في مواقع عديدة من القصيدة والّذي يخرج من الأعماق ليستخرج معه أهة ربما) فيعود للميم ثمّ الشين فالسين، اللام الممدودة بسبب الياء وأخيراً يعود للراء .....
(تعباً مضيت يلوكني وجعٌ تكدّس في العظام ولا مفر
عبثا أحاول أن أمدّ قصيدتي جسراً لتعبرها الأيائل واليمام
غصبا تجوس حقيبتي حمم الوجع
أجراس قهرٍ لا تكلُّ ولا تنام
بيني وبينك يا سُهاد تقارب فدع المواجع تفترش
مني النفس
مُذ ألف قهرٍ والعذاب يسومني سوء العذاب ليبتلي ويقول لي
حَكَم القدر) ..

ونرى هذا التغاير تسبّب في التصاعد والانخفاض في التذبذب الموسيقي للكلمات والعبارات، مسبّبة مدّاً وجزراً من شأنه أنْ يولّد زخماً تعاطفي وتفاعلي لدى المتلقّي، فيتلقّى الكلمات والمعاني بكل وجدانه وكيانه، ويتعاطى معها أيضاً بكل وجدانه وكيانه .. ثمّ يبدأ الشاعر بقافية عينية على أسطر ثلاثة خالقاً جوّاً من التماثل والهدوء بعد أنْ هيّأ المتلقّي لتلقّي الآه الّتي تصعد مع العين من الحلق برفقة الغصة .....
(قهراً أغالبه الوجع
ليل يطول وما انقشع
عبثاً أقاومه الوجع)

وفي مكان آخر من القصيدة يستخدم مثلاً قافية الباء والّتي تُعطي إحساساً بالكتم والكبت والكظم والانكسار إذ أنّ الباء يخرج بضم الشفتين وإطبقهما كما في ..
(ردي رباب قولي رباب
خودٌ لها عين الكذوب
ميساء في قدٍ لعوب)

ومثل الباء الميم .. وهكذا تتمّة القصيدة تتغاير موسيقاها في تصعيد للموقف وتتماثل وهي تخدم ما يراد إيصاله، ولأنّني منْ عشّاق البحر المتيّمين به فإنّني أجد حالات البحر فيها من مد وجزر وهيجان وعاصفة وطوفان وهدوء فهدوء وهدوء .. إنّها بحر!
الموسيقى الداخلية للأسطر كانت كذلك متناغمة بتماثل الألفاظ لحناً أحياناً وتقاربها أحياناً أخرى وهذا ما يأخذ القصيدة إلى الغناء الشجي أكثر فأكثر ..... لو أخذت السطر التالي كمثال (عبثا أحاول أن أمدّ قصيدتي جسراً لتعبرها الأيائل واليمام) نجد أنّه بدأ بنغمتين قصيرتين (عَ بـَ) ووقْف (ثنْ) في كلمة (عبثاً)، ثم نغمة قصيرة (أُ) فطويلة ممتدة في (حآ) لغرض الانتقال من الفتح الممدود للكسر البسيط، فنغمتين قصيرتين (وِ لُ) فوقْف (أنْ) في الكلمتين (أحاولُ أنْ)، تكرر استخدامه نغمتين قصيرتين فوقْف أعطى تناغماً .. نغمة قصيرة (أَ) فطويلة (مدْ) قصيرة (دَ) في (أمّد)، ثمّ تضاعف استخدام نغمة قصيرة فطويلة (قـَ صيْ دَ تيْ) في (قَصيدتي)، ثمّ أمدّها بوقفتين (جسْ رنْ) في (جسْراً) أيضاً فيه تناغماً خاصّاً توالى الأوّل الموجود في بداية السطر .. ولو واصلنا لنجده وصَلَ كلمتين (لتعبرها الأيائلُ) بالترتيب النغمي التالي نغمة قصيرة (لـِ ) وقْفة قصيرة (تعْـ)، فنغمتين قصيرتين ( بـُ رَ) فوقْفة قصيرة (هلْ) للانتقال من (هل) إلى (أ)، فنغمة قصيرة (أَ) فطويلة ممتدة في (يآ) لغرض الانتقال من الفتح الممدود للكسر البسيط، فنغمتين قصيرتين (ئـِ لُ)، ليتّصل النغم ممتداً إلى الكلمة الثالثة (واليمامْ) مبتدئاً فيها بوقْفة قصيرة (ولْ) فنغمة قصيرة (يـَ) فنغمة طويلة (ما) يُدغم لحنها في وقفة نهائية عند الميم لغرض تسكين الميم في موظفّاً هنا التذييل في تفعيلة الكامل بحيث تكون (مُتَفاعلانْ) ..
لو نظرنا للسطر السابق وجدناه استخدم كلمتين لهما نفس الصعود والنزول النغمي مع انتهائهما باللام (أُحآوِلُ، أَيآئِـلُ) كلاهما يبدأ بنغمة قصيرة فطويلة وتنتهيان بنغمتين قصيرتين .. ولو تفحّصنا أكثر لنجد أنَّ التركيب الّذي يسبقهما والّذي يليهما نغميّاً يتماثل أيضاً، نغمتين قصيرتين فوقفة (عَبَثن، بُرَهل) تسبقنهما ووقفة تليهما (أن، ولْ) فكانت التركيبتين الكاملتين بالشكل التالي: (عَبَثَنْ أُحآوِلُ أنْ، بُـرَهلْ أيآئِـلُ وَلْ)، نلاحظ أيضاً تماثل الوقفة السابقة مع اللاحقة في كلاً منهما، فكان في التركيب الأوّل (ثَنْ، أنْ) وفي التركيب الآخر (هلْ، ولْ)
استخدامه الجناس التام في لفظ (العذاب) في السطر التالي (مُذ ألف قهرٍ والعذاب يسومني سوء العذاب ليبتلي ويقول لي) بعث بعض التساوي في الدرجة الموسيقية وكذلك نهاية (يبتلي) و(يقول لي) تناغم وتجانس وتساوي في التذبذب الموسيقي .. ولو جئنا للسطر التالي مثلاً (صمتت رباب و أدمعت و تنهدت و تحشرجت و تلعثمت أو تمتمت) لوجدنا موسيقاه المتجانسة وألفاظه المتقاربة واضحة جدّاً فكلّ الكلمات (أدمعت، تنهّدت، تحشرجت، تلعثمت، تمتمت) جاءت قريبة في اللفظ متجانسة في اللحن مواتية للمعنى وللصورة وللموقف أيضاً .. لننتقل للتماثل والتناجس اللحني على مدى أسطر وليس داخل السطر فلو أخذنا الأسطر الشعرية التالية:

(قهراً أغالبه الوجع
ليل يطول وما انقشع
عبثاً أقاومه الوجع)؛


نجده حافظ هنا على قافية العين في الأسطر الثلاثة، وتماثل وقع النغم في السطر الأول مع الثالث بداية متماثلة في فارقة نغمية لتوليد فرق الوسيلة (قهْ رنْ، عَ بَ ثنْ) لكنّه متمازج، ثمّ وسط متماثل تماماً (أُ غآ لِ بـُ هُلْ ، أُ قآ وِ مُـ هُلْ)، وتكرار كلمة (وَ جَعْ) والوقوف عند العين الحرف الحلقي وهذا يُبيّن الغصة في الباطن الداخلي والأنّة المكبوتة القادمة الوجع المثار في الأعماق .. وفي الأسطر الّتي يخاطب بها أنا الشاعر رباباً .. تماثل في التناغم وتناغم متماثل هنا .....
(قولي رباب و أخبري)
(قولي رباب و أوجزي)
(هاتي رباب وأخبري)
(قولي ربابْ ..قولي رباب وأوجزي)،
ولدينا ..
(ردي رباب قولي رباب)

واستخدامه الباء في صيغ قافية مغايرة الردف كان له الأثر الموسيقي المحمود في
(خودٌ لها عين الكذوب
ميساء في قدٍ لعوب)

و ..
(انت الخؤونة والكذوب
انت الطروبة واللعوب)

إذ أنّ الواو هيّأ المتلقّي للكبس والضغط ثمّ جاء الباء للكتم والكبت

وجه النرد الخامس:
- وظّف النّاص الرمز المركّب من صورة الصحراء، البادية، الخيام والغجرية في المشهد المصوّر والمغنّى شعراً على بساط القصيد توظيفاً كإنعكاس في المرآة للراهن والحاضر الّذي يحيطانه ويطوّقان حوله حصار اليأس ألا مفر مستفيداً من الارتباط بين الصورة وبين واقعه والتاريخ والتراث، فالخيام تشير إشارة بائنة لحال الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة البلدان الأخرى العائش في مخيّمات مقامة للإيواء وبصفة مؤقتة، الغجرية والودع وأمور التنجيم إنّما كان توظيفاً يخدم اللجوء لغير المعقول بعدما استحال اللجوء للمعقول ومع ذلك لمْ يفدْ ذلك اللجوء سوى في ترسيخ دعائم الأمل والصمود، فليس هنالك لجوءاً يُجدي وليس هنالك أعضاد ولا مناصرين، الصحراء والبادية هي الوطن أبداً للعربي، وهي رمز الأصالة والعراقة والحضارة والنقاء، وهي الدليل على التمسّك على المبادئ والتراث والتاريخ والموقف وقبل وبعد كلّ ذلك التمسّك بالأرض العرض والشرف والكرامة والعلياء.

وجه النرد السادس:
- استخدم النّاص شخصيّتين كبطلين في أحداث المشهد المصوّر شعراً، كطرفي حوارية بين الأنا الشاعر والشخصيّة الأخرى الرمز الّذي استعان به النّاص ليوصل للمتلّقي عبرَ ماهيةِ ودورِ تلك الشخصيّة المعاناةَ الّتي يعيشها والموقفَ الّذي يثبت عليه والرسالةَ الّتي يحملها والّتي يريد إيصالها للبشرية، حاصراً بذلك جريان الحدث أو الأحداث في المشهد في الدور الّذي تلعبه الشخصيّتان خلال المشهد التراجيدي الّذي ما خلا من الوجدانية الأنا والقائم على المونولوج حين الهمس، والدايلوج حين الحوار، والرواية والحكاية حين التصوير الفنّي للحس والوجدان، وهذه الشخصيّتان تُكوّنان ركيزة المشهد وجريان الأحداث والحوارية، وعملية الحصر عليهما كانت لتركيز الضوء أكثر على مغزى الموضوع الّذي يقوم عليه النص، ولتحديد مسألة الخوض في أحداث المشهد وصولاً للمغزى الّذي تجري الأحداث لأجله، ولتكثيف الشتات المبعث في مغزى المعاني الّذي يحملها النص، ومن ناحية أخرى وجود شخصيّتين حيّتين تلعبان كلاً منهما دورها بدل من شخصيّة واحدة تعني بالحوار الذاتي (المونولوج) والّذي من شأنه الغرق في الوجدانية لكانت القصيدة حينها جرتْ على الشعور والوصف والتصوير وكان التفاعل على الصعيد الذاتي، ولكن وجودهما كان خالقاً جوّاً من التعاطي والجذب والسماع للصوت الآخر غير صوت الأنا وناقلاً للتفاعل من الصعيد الذاتي الوجداني إلى الصعيدين الذاتي الوجداني والمواجه المحصور في الحوار والدراما والّذي كان أيضاً مطعّماً بالوجدانية الطاغية من الأنا الشاعر التي أضفت على النص طقساً معيّناً في الخصوصية جالباً للشجن، ووجودهما – أي الشخصيّتان – قدّم أنموذجاً للذوات المتقابلة في عملية التعاطي الحواري والدرامي ولمْ يخلُ أو يُخلْ من زخم الوجدانية المثارة المطلوبة والضرورية للتعاطي والتفاعل مع الكلمات والمعاني من قِبل المتلقّي كما لو كانت على الصعيد الذاتي، وهذا يُحسب للقصيد وللشاعر.
ولو جئنا ننظر من زاوية قُرب لبناء هاتين الشخصيّتين وما هما عليه فنجد قدرة شعرية فائقة في التوظيف والاستخدام. شخصيّة الأنا الشاعر هي شخص النّاص الواقعية استخدمها النّاص لبيان ذاته وتوضيح معالمها ومعطياتها وظروفها المعاشة فقد كان ذلك تجريداً للذات ودخولاً في الفنّ التجريدي للتعبير عنها، رسمها من خلال الإسقاط من زاوية الرؤية والواقع والحالة النفسيّة والوجدانيّة. أمّا الشخصية الأخرى والتي دمجها لمجريات الحكايا في المشهد المصوّر في الشعر فقد عمد فيها إلى خلْق وفبركة ميثولوجيا حاضرة عصريّة حيّة مع معطيات تراثية وتاريخية ومعاصرة أيضاً، دمج الحاضر بالماضي؛ البداوة بالحضر؛ الصحراء والخيام بأطلال القرى والمدن والمخيّمات، الشخصيّة الأخرى لها خصائص مميّزة في كونها تحمل سمات الغجرية اللبس التقليدي التراث والودع الفال وقراءة الفنجان وأمور الشعودة النابعة من التراث الّذي ما يزال يراودنا بالرغم من أنّه قد تبيّن جهل الراكضين إلى خيمة الغجرية وجهالة الفكرة، لكنّها ما تزال تراودنا لما فيها من غموض وسحر واستطلاع نحو ما سيكون في الغد واستقراء وتنبؤ الأمور الخفية بغية المعرفة وهو ما يدل على النظر إلى الأمام والغد أي المستقبل، يمكننا أنْ نعتبرها من أمور استشراف الغد المأمول والتفاؤل، هذا ما يؤكّده استخدام النّاص لاسم رباب اسماً لتلك الغجرية التي لعبت دور الشخصية الأخرى، فرباب اسم جمع بين التفاؤل والأمل والنقاء والصفاء إذ أنّه يعني (السحاب الأبيض) والّذي يعطينا صورة طقسٍ صافٍ هادئٍ، كذلك يوحي بجانب النقاء والصفاء العلو حيث السحب والرفعة، وهو اسم من الفلكلور الشعبي وهو ملائم لصورة الخيام والغجرية والبداوة صورة العراقة والأصالة فالرباب يأخذنا إلى ذلك، وأيضاً يأخذنا إلى العزف والغناء الفلكلوري فمفرده يطلق على الآلة الشجية ذات الوتر الوحيد (الربابة) ما يوحي لنا نغماً شعبياً تراثياً شجياً، فنجده يصب في قالب وجو وماهية ومغزى النّص / القصيدة صبّاً صبّاً، حيث أنّ القصيدة غنائية من الدرجة الأولى !
هكذا نرى مدى موفقية النّاص / الشاعر في اختياره الشخصيات وكذلك في اختياره اسم الشخصية الـ لعبت الدور الرئيس إلى جانب أناه بالرغم من أنّ دورها أميط عن واقع خاذل مسوّد باعث لليأس، لكن التفاؤل رائد السياق رغم الشتات والشكوى، رغم الخيبة والغربة، بالرغم من كلّ شيء إلى أنّ هذا المقطع كفيل لأنْ يعيد للرباب كنهه ونقاءه وصفاءه وتفاؤله

(فهو التفاؤل موطني
وهي البراءة ديدني
وهي البطولة في دمي
سأطال ما فوق السحاب .. وأطال ما بعد السحاب .. وأطال ما بعد السحاب)


وجه النرد السابع:
- أخذت الدراما خطّ الترحال والبحث والرسو إلى وطن أسماه النّاص (وطن الغجر) بعدما شرح المونولوج الّذي استهلّ به النّص المعاناة الّتي عليها ذات الشاعر / النّاص، ومن هنالك جرت الأحداث في خط درامي استرسالاً في التخبّط في السؤال والتساؤل عن الودع وما يمكن أنْ يتمخّض عنه من رؤية للمصير / الغد حتّى وصل إلى الحوار مع الغجرية رباب بشكل ترجّي واستعطاف لكي تستخدم حيلها وطرقها وتعرف له ما عليه الحال وما سيكون ثمّ كان ردّها وانتهى بردّه ونهاية كأنّها انقشاع المشهد أو صحيان من حلم أو عودة إلى الوعي بعد الغياب في الخيال وكان ذلك بصمت وتلاشي رباب !......

وجه النرد الثامن:
- قبض الشاعر على تلابيب مشهد ينضح وجدانية ليسكبه عجينة شعر طيعة في قالب سرد محكم، صوّر ذاته المشتتة الغريبة رحّالة باحثة عن منقذ أو بصيص أمل ونور، وكيف تصل إلى (وطن الغجر) خيالاً مرتدياً قميص الواقع واضح الألوان؟! إلى درجة أنّ المتلقّي يشاهده بل ويعيشه بحيث يخرج من محيطه إلى عالم القصيدة! وفي رحلة بحثه عن بصيص الأمل يود معرفة المخبّأ في عالم الغد عالم الغيب فيتساءل إنْ كان (الودع) فن دراية عن الأمور التي تعجز النفس المحدودة العلم والرؤية من أنْ تراه أو تحوطه الدراية حول الغيب، فيتجه نحو الغجرية (رباب) ليخوض صلاة الترجّي ويستجديها أنْ تهبه ما يحمله غيم الغيب من مطر الأمل والخلاص، فيكون الحوار الّذي يتمخّض عن الحقيقة والواقع التي لا مناص منها انحسر مدّ الودع والغجرية عجز تنجيمها عن فكّ طلاسم الغيب المبشِّر المكبَّل، فما زالت تعمد على الأنا بالإحباط بما حملته من أخبار التطويق والحصار له ليغرق في الوحدة أكثر وليشدّه إلى القاع خذلان الغير، فينتفض مستنكراً رافضاً في وجه (رباب) وناثراً رمل وصدف ودعِها قابضاً بإرادة من حديد على التفاؤل والأمل، وهنا بعدما استمدت روحه القوة التي أرادها ليواصل المعركة التي يخوضها بقوة وصلابة أمام ما يستجد من نوائب؛ تختفي رباب وتعلن انقشاع المشهد المخيال والعودة إلى الواقع واضعة نهاية في قفلة مائزة ......

وجه النرد التاسع:
- تناوب في القصيد المونولوج والدايلوج، جاء المونولوج مصاحباً لضجيج الوجدان كمؤثر فعّال، ولعبَ على وتر الربابة أنغاماً تنضح من ثقلٍ لهمٍّ وغمٍّ تئنُّ منهما روح الأنا الشاعر، أمّا الدايلوج فجاء شجيّاً وغنائياً في السيناريو المصاحِب له يصفُ التصوير فنيّاً جامعاً الحس والوجدان متطرّقاً للحركات / الخلجات الـ يُجسّدهما بالألفاظ الّتي يبثُّ فيها المعنى فتكون صورةً حيّة تمشي على بساط خيال المتلقّي مختالة الحسن والجمال .......

الوجه الحقيقي:
- حين نجيء لفحوى ومغزى وصور ومعاني القصيد ندخل عوالم غزيرة، حين قرأتُها أوّل مرّة وكأنّ بين يدي ألبومَ صورٍ رائعة ونادرة وباذخة ..... مدهشة! فالشعر في القصيد لغةٌ في لغة؛ صوراً في صور؛ وشعراً في شعر، إنّها أنموذج جدير بالمكث الطويل بين ثنايا حروفها وحنايا معانيها ..

تعباً مضيت يلوكني وجعٌ تكدّس في العظام ولا مفر

تبدأُ القصيدة بكلمة (تعباً) منصوبة على الحال، فحالنا نصبٌ منصوبٌ تعباً يمضي، هذا التعب الـ حدث من وجعٍ متكدّس والتكدّس دلالة الكثرة والنفرة والضغط والازدحام، تكدّس الوجع في العظام، في أصل الإنسان وما يكون في عمقه، في هيكله ودعامته ومحل ارتكازه ومحور تشكله، فلا مفر لما يجيء من الأصل والعمق الداخلي

عبثا أحاول أن أمدّ قصيدتي جسراً لتعبرها الأيائل واليمام

ويبدأُ هذا السطر بكلمة أخرى منصوبة على الحال (عبثاً)، وحالنا أيضاً نصبٌ منصوبٌ على العبثية الّتي تعصرنا في رحى الشتات، ونحاول معها ونعيد كرّةً أخرى، لكن عبثاً نحاول .. عبثاً يحاول نظم أبيات وقصائد تحمل رسالة قدسية للسلام وتخاطب الروح فمن يمدّ إليهم بكلماته بمحاولاته وبقصائده لا روح ولا روحانية لديهم فلا يحترمون الإنسان ولا الإنسانية ولا قدسية البشرية ولا قدسية السلام والوئام في العيش والحياة .. أُتخذت الأيائل في الأساطير رمزاً للقداسة والروحانية في ذلك إشارة غلّفها النّاص بالأسطورة والدلالة، أمّا اليمام فهي تلك الطيور الصغيرة الشجيّة الرقيقة البرّية العاشقة للحرّية والطبيعة، وفي ذلك رسالة للحياة وحب الحياة وحب الأجمل ودعوة للحياة وحب الحياة والجمال ......

غصبا تجوس حقيبتي حمم الوجع

وثالث سطور القصيدة يبدأ أيضاً بكلمة ثلاثية منصوبة (غصباً)، ولكنّها في هذه المرّة واقعةٌ على حالنا وقعاً، حمم الوجع الحارقة تجوس غصباً وتعيث فساداً في حقيبته حيث يحتفظ بزاده وأوراقه وقصائده وكلّ متعلقاته الّتي يحتاج لها ليكمل مسيرة الحياة، وغصباً تحمل دلالة عن مدى الصراع الدائر بين الإبقاء والسلب !

أجراس قهرٍ لا تكلُّ ولا تنام

تظل الأجراس تدق ناقوساً لا يهدأ ولا يُعطي فرصة لأخذ النفس أو النسيان، فكتائب القهر تهاجم مجتمعة وتترى لا تنتهي، لا تنتهي الأمور التي تُقهر الإنسان في هذا الزمن بل تتكالب وتتراكم عليه !

بيني وبينك يا سُهاد تقارب فدع المواجع تفترش
مني النفس


كلّ نفسٍ بات وجعاً، زفرات من صميم الآه، فكيف لمتوجّعٍ أنْ ينعم بغير السهاد؟ وكيف للنفس الـ تئن من وجعٍ دقّ العظام بل وتكدّس فيه أنْ تهنأ بالرقاد؟! يوّد هنا لو يتخلّص من الوجع بإظلاقه زفرات مع النفس أمنية يطلقها المسهود في ليل يقضيه وحيداً تدق أجراس القهر في صدره بدل دقّات القلب والنبض !

مُذ ألف قهرٍ والعذاب يسومني سوء العذاب ليبتلي ويقول لي
حَكَم القدر


كم هي شديدة مسيرة القهر فينا الـ يتوالى مع كل نبضة، كم هو شديد وقعُ العذاب وموجع حينما لا يجد مبرّراً للتعذيب وتكديس الوجع إلا أنّ القدر حكم! هذا العذاب المجسّد الآخذ دور المعذّب المتحكّم والمتسلّط ما كنهه ؟ كيف العذاب يسوم المرءَ العذاب ؟ لربّما هي دلالة أنّ العذاب الّذي يسام به الأنا فوق العذاب فوقه العذاب ليصل عدّته ألف قهر فأكثر، أو لربّما هي إشارة إلى المعذِّب أنّه هو ذاته في الأصل عذاب عظيم ......

قهراً أغالبه الوجع
ليل يطول وما انقشع
عبثاً أقاومه الوجع


يبثُّ الشاعر أنين وجعه في زفرات تنوب عن طرقه ومحاولته العابثة في التخلّص من هذا الوضع القاهر للنفس، فكلّما حاول ردّ الوجع يزيد ويزيد، وكلّما يتحايل عليه يحتال الوجعُ عليه، يغالبه وينازعه لكن لا جدوى، يقاوم ويقاوم ويقاوم وما يزال الليل الطويل الحالك يغشاه ويطوّق عليه بظلمته ولا سبيل لانقشاعه ونهاية الظلمة ومجيء الفجر المبشّر بالأمل والنور، ولكنّه قهراً يغالبه وما يزال، عبثاً يقاومه وما يزال .......

فيقودني خطوي إلى وطن الغجر

ومن مسيرته في البحث عن مخرج وخلاص يجوب ويسافر ويمضي حتّى إذ يخيّل أنّه وصل إلى عتبة موطن للغجر! الغجر قومٌ بسيطو العيش؛ غارقون في الأصالة؛ متمسكون متشبتون بعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم، لا تشوب معيشتهم وطرق عيشهم وسبل حياتهم أيّ شائبة من الحداثة والتجديد المأخوذ من حضارة غيرهم، هم حضارة قائمة وكيان بحد ذاته وثقافة متكاملة وشعب عريق، وطنهم الفيافي لا يعترفون بالحدود له ولا تنال منهم الحدود الجغرافية ولا تقلبات الطبيعة لأنّ البداوة ألبستهم صلابة وصبراً، قوم رحّل يعيشون على خيرات الطبيعة والرعي والتجارة، تدخل حياتهم الخرافات والشعوذة وضرب الرمل والودع وقراءة الفنجان والتنبؤ والتنجيم. والّذي يثير فينا سؤالاً مستغرباً كيف للغجر وطن وهم لا يستقرّون غالباً ندرك أنّ الوطن لا يحدّده التحديد والجغرافية إنّما يحدّده النبض والانتماء!
قاده خطوه إلى وطن الغجر، إذْ أنّه تائه رحالة يبحث عن خلاص أينما يوجّهه خطوه ويقوده وهذه أخذه إلى وطن قومٍ جمع فيهم أمران الودع والاستشراف للغد الّذي يريد أنْ يلجأ إليه بحثاً عن الخلاص من الوجع ومسيرة القهر والعذاب، وطريقة عيشهم في الخيام الـ يدلّ دلالة مباشرة عن الوطن البديل الّذي مُنح له ولقومه والّذين لا يرتضون عن وطنهم الأصل بديلاً، لكنّ قهراً وغصباً يعيشون فيه سكن بلا سكينة ولا راحة ولا انتماء .....
المخيمات المقامة للقوافل الفلسطينية المهجّرة من أرضها إثر الاجتياح الصهيوني والمشردّة عن أوطانها .......

خيم تُشكّل للعراء ولا وطن
نعم فكل الخيام الـ يشكّلونها للعراء، شبه وقاية من العراء وشبح سكن بدون سكينة بدون طمأنينة بدون انتماء ليست أبداً وطن، ليست وطن .....

خيم تهادن للرياح فتنحني ويؤمها شتى البشر
تضربُها كل الرياح / المآسي، فمن بؤسها وقلّة الحيلة تهادن منحنية فيقصدها كلّ البشر، ولا أدري لمَ يؤمونها لأيّ غرض للدراسة وأخذ العبرة والخبرة؛ لإيجاد حلول أمْ قناعة استحالة الحلول؛ للتعاطف والشفقة؛ للودع وقراءة الكف والفنجان ..... لماذا؟ ويبقى السؤال معلقاً على سنان حربة منتصبة بين ظهراني الخيام !!!!

خيم تخاصم للحياء وتمتهن نغم الوتر
سقط الحياء من مكامن النّاس كما يسقط القناع، أو يسقط الثوب فيتعرّى الجسد! رموا أجساد هؤلاء في خيم ومخيّمات ودعوهم يواجهوا مصيرهم والتشرّد والتسوّل والحاجة، تظل بيوت الغجر عارية من الاستقرار في تراب فلا تعرفها ولا تعترف بها البلدان، هكذا هم كلّما يضعون الرِحال في أرضٍ تموج بهم قاذفة إيّاهم إلى لا مكان لا زمان لا عصر لا إتّجاه لا وطن، ليواجهوا مصيرهم في المسير إلى اللا أين ويتغلغلوا في الترحال ....... الربابة حينما تُعزف فإنّنا تطلق أنغاماً غجرية بدوية شجيّة وهي لغة التعبير عمّا يجيش في صدور القوم ونفوسهم .. ولكن من يفهم ما لهذا النغم الصادر من الوتر الشجي .. عندما يُعاملون أنّهم غجر لا أناساً لهم حقّ التوطّن الوطنية ويُمتهنون ويُقصَون فلا تكون خيمهم إلا مخاصمة للحياء الآدمي الّذي يُفتقد ههنا ! لربّما القصد هنا غير ما ذهبتُ لكنّني أحببتُ قراءتها على هذا النحو لأنّها تدخل في عمق شيءٍ حاصل في الواقع، أو كما أدري أنّه كذلك .....!

خيم تخاصم للحياء وتمتهن نغم الوتر
أو تدّعي فن الدراية للودع
تلك الخيم أو وطن الغجر تتّصف بخصائص في صورة تكاد تلتصق بداخل الشاعر المتكلّم الواصف ههنا، إنّه يصفها بمرارةٍ ظاهرة يصفها ليس فقط بما قد تتّصف به حقّاً ولكن يخلط وصفه لها بشعوره وإحساسه، تلك المرارة النابعة من دواخله لأنّه في بحثه وترحاله التائه المشتت لمْ تقده قدماه إلا إلى وطن الغجر! فلم يقصدْ غيرها أو بتعبير أدق لمْ يجد أمامه غير هذا السبيل، سبيل الودع والدجل والشعوذة والتنجيم، سبيل الخيام الّتي لا تنفك تنخر وجدانه بصور واقعية يعيشها شعبه صور المخيّمات، فقد كانت مرارته مضاعفة مرارة من لجوئه للودع والتنجيم ومرارة من وروده خيماً لها في الوجدان مآسٍ حيّة ......

والنفس تأمر بالرحيل تلومني
نفسه الأبيّة لمْ ترضَ وروده ديار الودع والدجل، لمْ ترضَ بالرغم أنّه ما وصلنا من تلقاء نفسه وما اتّجه ناحيتها بطيب نفس، فتأمرهُ أنْ اِرجَعْ ارحلْ عن هذه الديار، قضيّتك لن تحلها صدفات تتبعثر على رمل أو بقايا قهوة تترسب على جوانب فنجان أو عرّافة غجريّة تدّعي أنّها تتكلّم إلى النجوم فتسرُّ إليها بنجوى الغيب ......

ظهرت رباب لتدعي كشف المخبأ والخبيئة والدفين
وهو بين هات وخذ، بين شدٍّ ورخي، بين مدٍّ وجزر، بين قدمٍ تقدّمت وأخرى تأخرت تظهر لهُ العرّافة الغجرية رباب، وتسعى لجذبه وإغوائه أنْ تعالَ سأخبرك بالأسرار والغيب، سأتلو عليك نبأ الخبيئة والدفين، سأكشفُ أمام ناظريك ما المُخبّأُ في صرّة الغد، فيسعى إليها راغباً في الخلاص راجياً إياها أنْ أنقذيني أنجديني خبّريني فقد أسلو بالخبر الّذي تحملين وأجد خلاصاً لوجعي لمعضلتي لقضيّتي ...... !

قولي رباب و أخبري
هل كانت العرافة الأولى مجرد كذبة أو فرية وخديعة لضحية
جاءت تسائل للنجوم وللودع؟
يجلسُ إليها متكِئاً إلى استنكاره، متسائلاً في رفضٍ واستغراب أنْ قولي لي وأخبريني عنْ العرّافة الأولى جدّتك، عن أصل دجلكِ، كيف تمكَّنت الكذبة والخديعة الّتي حاكتها العرّافة الأولى والكبيرة من ضحيّتها الّتي من سذاجتها جاءت تسائل للنجوم وللودع؟! كيف ظلّت أسطورتها حيّة، وأضحت تراثاً بل وأصبحت حرفة تتناقلها العرّافات وتتوارثها جيلاً بعد جيل؟! كيف ما يزال السذّج يؤمّون خيم العرّافات بالرغم من معرفتهم بكذبهن وفريّتهن؟! ماذا نجني ونحنُ نقصدكم في جهلٍ وجهالة حمقاء، في يأسٍ وضآلة أمال؟! هل نروم معرفة تحقق الأمنيات المستحيلة؟! أمْ هل نبحثُ عن وسيلة نخدعُ بها أنفسنا ونهرب من واقعنا المطوّق لرقابنا بجنازير وسلاسل من نار وحميم، قولي لي وأخبريني ماذا سيكون ليتغيّر حالي وأتخلّص من الوجع والعذاب .......

هل كنت أشلاء الحقيقة مُزّقت فتبعثرت ما بين وهمِ والسراب ؟
هل كنت هفوة عابثٍ ومغامرٍ
أم كنت صرخة ثائر ومناضل يأبى الهوان ويمتطي ظهر الخطر
أنا من أكون!!
ردي رباب قولي رباب
من الاستنكار في الاستجواب عن الفرية والكذب في الودع والدجل؛ دخل إلى صرخة تساؤل حائرة عن الذات والهوية مستعرضاً الاحتمالات (هل كنت أشلاء الحقيقة مُزّقت فتبعثرت ما بين وهمِ والسراب ؟)، (هل كنت هفوة عابثٍ ومغامرٍ)، (أم كنت صرخة ثائر ومناضل يأبى الهوان ويمتطي ظهر الخطر) فيصرخ بها (أنا من أكون !!)، يرتجيها الإجابة يائساً غريقاً يرتجي قشّة لكي يتعلّق بها (ردي رباب قولي رباب) .......

هل كنت أشلاء الحقيقة مُزّقت فتبعثرت ما بين وهمِ والسراب ؟
أنا حقيقة، هكذا حدّث رباباً، ولكنّني كنتُ الحقيقة تلك، بل تمزّقت إلى أشلاءِ بفعل الظلم والعذاب، تمزّقت ومن ثمّ تبعثرت أشلاؤها إذ هبّت عليها عواصف من الوهم وزوبعات من السراب، فدارت في رحى إعصار وتلاشت ..... فماذا أصبحتْ بل وماذا أصبحتُ ؟!

هل كنت هفوة عابثٍ ومغامرٍ
أو أنّني منذ البدءِ لمْ أكن حقيقة، ضرب كفّ الحيرة الأولى بالثانية عند رباب ورباباً أتُصغي له ؟! ربّما كنتُ عبث، هفوة أو مجرّد مغامرة طائشة، تساءل مستعجباً مستنكراً لأنّه يدري ويعلم حقيقة أنّه ما كان كذلك فلماذا يلاقي مرارة وعذاب وكأنّه كذلك فيستغرب ويثير التساؤل من حيرته لمْ يعد يرى وجه الحقيقة والواقع يطوّقه .. فكان في رحلته باحثاً عن الهويّة والذات الّتي أضحى لا يدري إلى ما تنتمي وإلى أين تنتهي ؟!

أم كنت صرخة ثائر ومناضل يأبى الهوان ويمتطي ظهر الخطر
فخيّرها أنْ تجيبه بإحدى الإجابتين (هل كنت هفوة) (أم كنت صرخة) أو كأنّه يقول لها لستُ هفوة بل أنا صرخة! صرخة ثائر ومناضل، الحقيقة الّتي كان يعرفها، يعرف أنّ الثورة والنضال في دمه، ورثها كأبناء جيله من شعبه، الشعب الّذي اتّخذ درب النضال ومسيرته من عقود، يأبى الهوان أو الرضوخ للعدو المحتل ويظلّ يناضل ويقاومه ويحاربه بكلّ الوسائل المتاحة على الرغم من قلّتها، فيرتاد الصعاب ويمتطي الأخطار ويظلّ صامداً مناضلاً يأبى الهوان ....... فيصرخ بها (أنا من أكون !!)، (ردي رباب قولي رباب)

خودٌ لها عين الكذوب
ميساء في قدٍ لعوب
وتقول لي:
ألقِ البياض متمتماً وسل النجوم
وأنا سأحمل للخبر
ربابُ الّتي هو في خيمتها جاء يبحثُ عنهُ (أي عن نفسه) عندها، ما هي إلا غجرية ورثت عن جدّتها الدجل والودع، يصفها أنّها شابّةٌ كذّابة تكشفها عينيها، تتمايس وتتمايل دلالاً قائلة (ألق البياض) هبني خراج رؤيا وخبر فأفتح لك رقعة المخبّأ وأنبؤك بخبر الخبيئة وسرّها، ولا تلقه فقط بل تمتم بكلام مبهمٍ متوسلٍ تسائل النجوم عن المخبّأ وعمّا سيكون، وإذا ما أجابت النجوم فسأحمل الخبر منها إليكَ .. رباب تودّ لعب دور الوسيط بينه وبين النجوم، دور المترجم لما يُقرأ في غيبها، فهل فعلاً يريد معرفة أخبار ما سيكون وهو لا يعي بما هو كائن في حاضره ؟! أتراه يريد فهم الغد ولمْ يجد ليومه تفسيراً ؟! إنّه ما جاءها سائلاً عمّا سيكون فذاك كذبٌ ودجل بل جاءها لتجد له تفسيراً عمّا هو كائن لترى المخرج الّذي قصُر لوجعه المكدّس في العظام عن رؤيته، فلربّما أصدافها المبعثرة على رمل صوانها تلملم الشتات المتغلغل في روحه الهائمة، وتجمع أطراف الضياع في شعوره المغترب ......!

قولي رباب و أوجزي
وسلي النجوم
فيعود إلى استصراخها أن قولي وأوجزي، أعطيني خلاصة الأمر ماذا هنالك ؟ ولا تسردي في التفاصيل فالوجع بلغ منّي بسبب هذه الوقائع بتفاصليها مبلغاً عظيم الوجع، وإنْ أردت فاسألي النجوم كما تدّعين افعلي كلّ ما تريدين واستخدمي كلّ ما تودّين لكن أجيبيني .. أجيبيني .. أجيبيني ......

وسلي كسوفك و الخسوف
ما لي تغالبني السهام وترتوي والنبض يهجر للوريد
ما لي تجاورني الهموم وتنتحي لتقرّ في أقصى اليسار
هاتي رباب وأخبري
وسلي القمر
قولي ربابْ ..قولي رباب وأوجزي
إسألي تصنّعها والقمر بالكسوف والخسوف، إسأليها لجوءها للتخفّي والاختباء، إسأليها لمَ تارّةً تتراجع هي إلى خلف القمر مختبئةً، وتارّةً أخرى القمر يتهرّب من نورٍ مختبئاً، لمَ غاب الوضوحُ وجه النجوم والقمر، يتستّرون بظلام الليل ودياجيره، حتّى الشمس الواضحة في النهار تتخفّى ....... لماذا ؟!!!!!
لماذا ارتشق بالسهام فتنال منِّي بالرغم من محاولاتي الفاشلة مغالبتها وتفاديها، فتجرحني ويضعفني الوجع والنزيف حتّى تضمّخ به وتصبح كلّها ممتلئة بدمي، وتسعى لإجهاضِ عزائمي وصمودي إلى أنّ النبض فيّ يستسلم لها فيخبو ويهجر مجراه في أوردتي ليجري على السهام النابتة في جراحي .......
فلماذا سأعجب من الهموم وقد قربت وقربت منّي، والتي اختارت الانتحاء يساراً إلى أقصى مدى في فؤادي واستقرت هناك لا تود تترك مجاورتي !
هاتي الخبر وقد علمتِ بنوائبي، هل قد سألتي النجوم .. اسأليها إذاً وإن خذلنكِ استعيني بالقمر واسأليه .. افعلي أيّ شيء وإئتيني بالخبر اليقين وأريحيني فلعلّ لديك شيئاً يتنشلني من حيرتي وينقذني !!!!! هيهات هيهات لكن فلنجرّب ودعك هيّا ساعديني

صمتت رباب و أدمعت و تنهدت و تحشرجت و تلعثمت أو تمتمت
نطقت رباب وأسهبت
قالت ربابْ
حالا سيأتيك الجواب
لربّما نما إلى سمع رباب ما وشوشت به النجوم للقمر، الأمر الّذي دعاه للكسوف خجلاً وحياءً واختبأ مختفياً عن الدنيا وهي أيضاً لاذت للخسوف وشدّت معها الشمس إلى الاختباء، أفلاك الكون خجلى وطفحت حياء، فغمر الرباب صمتاً أينع دمعاً وتنهيداً وحشرجة لمّا أومأت للكلام أنْ تعال أتبناك، تلعثمت في همسها وتمتمتْ بغرائب لمْ تدرِ ما تقول وما تحكي وترويه فصمتت متداركة وأطرقت وجمعت وبعدها أخيراً نطقت فقالت وأسهبت بالقول، فأوَّل ماقالت قالت "حالا سيأتيك الجواب"، أكان جواباً يحمل في طيّاته حلاً لمعضلته ووجعه وحاله، أم كان جواباً كحاله وخبراً بين أخباره، أمْ هو مراوغة وكانت رباب كأعدائه تقوده للاستسلام وهلاكه، وتبيّن ألا جدوى فقط استسلم انهزم .... فقد انتهى !!!

سُد الطريق وغُلّقت آفاقكم
لا إخوة لك لا حبيب ولا قريب
سكبوا الحديد و أوصدوا أبوابهم

الحصار والدمار، الغربة والوحدة والوحشة، لا معين لا نصير لا أخ لا صاحب ولا صديق فلا حبيب ولا قريب، كلّهم تخلّوا عنك والعدو طوّقك، بنى وإياهم الجدران وأقام وإياهم العراقيل والعقبات، أوصد وإياهم الأبواب وحاربك وإياهم بنيرانه وخذلانهم !!!

يا سيدي أنت المشقة والشقاء
يا سيدي أنت التجشم والعناء
يا سيدي كل العواصم ترفضك
أو تلفظك
هي ذي النوارس تهجرك
لا سور لك.
لا ظل لك
لا بر لك.
لا بحر لك
النحس رافق مولدك
وتابعت الكلام رباب، وتابعت بلكز الجراح ونبت غابات جديدة من الأوجاع، "أنت المشقة والشقاء" خياراتك بعدم الاستسلام أشقتهم فكنت الشقاء "أنت التجشم والعناء" لما طريق النضال الطويل المستحيل، لما لا تفهم وتتفهم فتكف وتستسلم، رفضوك بينهم ومطالبك ولفظوا قضيّتك وحقوقك، حتّى النوارس تهجرك! ماذا تريد بعد ؟ علام تواصل وأنت بلا سور يحصنك، بلا ظل يترك أثرك على الأرض، مشرّد طريد ومعدوم فلا لديك بر ولا بحر .. أنت من قومٍ الشقاء والعناء وذا النحس رفيقك مذ ولدت فلا راحة ولا سعادة ولا هناء ولا أمان ولا اطمئنان ولا استقرار .. ولا أرض ولا وطن ولا حرية .......

لا يا رباب
انت الخؤونة والكذوب
انت الطروبة واللعوب
لن تفهمي
فهو التفاؤل موطني
وهي البراءة ديدني
وهي البطولة في دمي
سأ طال ما فوق السحاب .. وأطال ما بعد السحاب .. وأطال ما بعد السحاب
لا يا رباب لا، لمْ تفهمي ولمْ تتفهمي أنتِ .. لا يا رباب لم تعي ولم تُدركي .. لا يا رباب لا ما كان لكِ أن تقولي هذا أو تتكلّمي .. رباب أنتِ خنتي الودع والفال ولم تري في النجوم ما يجب ولم تصدقيني وتتلاعبين فأنتِ الخؤونة والكذوب .. وأنتِ الطروبة واللعوب .. ولن تفهمي أو تدركي من أنا ومن أي نسل انحدرت وإلى أي قوم أنتمي .. لمْ تعرفي وتتعلمي يوماً أنّ التفاؤل موطني ولست بيائس ولن أيأس، روحي طاهرة نقية فلا أنشد إلا المعالي فالبراءة والسمو والرقي ديدني، لمْ تري أنّ البطولة في دمي والنضال والتضحية مذهبي، أنا حرٌّ أبي، كسر القيد والتحرير مقصدي فلن تقيّد روحي كل القيود ولن تجعلني أكف كل العقبات والعراقيل ومع كلّ ذاك الوجع والألم سأصنع تاريخي سأظل أمضي في طريقي حتى النصر "وأطال مافوق السحاب" أو الشهادة "وأطال ما بعد السحاب" لكنني سأسعى لتحرير أرضي كرامتي وشرفي "وأطال ما بعد السحاب"

صمتت رباب تبخرت مثل الغيوم
سكنت رباب في صمتها .. وانقشع ضباب الرؤية كما تنقشع الغيوم وظلّ التفاؤل هو الشمس المشرقة وإنْ كانت الأجواء محرقة فالنفس تنتشي بكل هذ الوجع غضباً فتندفع كصواريخ لا يحيده عن مساره شيء ولا يمنعه عن بلوغ هدفه شيء .. ومازال درب النضال طويل طويل طويل .......

وصولاً إلى النهاية أعبر في محطة أخيرة وأضعه فيها راحلات الشكر لتنتظر الأديب الوارف عدنان حماد ليقبلها لديه، ساعية إلى تقديم بعض العذر في ما بذر منّي في حقّ رائعته السينوغنائية التي لمْ توفها القراءة ولنْ توفها .. شكراً جزيلاً وعذراً أديبنا عدنان حماد ... وأحب ههنا أنْ أشير إلى أنّ هذه القراءة المتواضعة تبنتْ أفكار ورؤى ووجهة نظر شخصية غير ملزوم النص أنْ يقبلها لأبعادٍ فيه وقد غفلتها بجهلي وما كتبته هو انطباع تولّد لدي حين قراءة القصيدة الكثيرة والوارفة .. فاعتذر عن التقصير .. ولكل منْ يمنُّ عليها فضل الوقوف والقراءة كثير شكر وامتنان ........ مع أطيب التحايا





5
النص : نواقيس النوى للشاعر عدنان حماد / فلسطين
--------------------------------------------------

النص :

أضحى الذمام مقطع الأوصال= والحر يطرق خائب الآمال
والريح تلهو بالغريب كأنه=وترٌ يراقص رعشة الموال
دُقّت نواقيس النوى فتأهبي=ياناقة الغرباء للترحال
ما بين صبحي والبلوغ لعصرها=ألفٌ من الأخطار والأهوال
نمسي ويمسي في مفارشنا الجوى= والصبح يأتي مثقل الأحمال
ما للحقيقة قُطعت أطنابها=فهوت تسوغ فتنة الدجال
قاظت نسائمها وجفّ غديرها=والروح قد غابت عن الصلصال
مادتْ بنا الغبراء وانقطع الرجا=بتناقض الأفعال والأقوال
يا صاحبيْ رحلي حَزمتُ رحالنا=وهمٌ مساعينا ونسج خيال
ما حُملت أحمالنا كي نقتفي=زيف الكلام ورنة الخلخال
يا صاحبيّ توقفا وتذكرا= وإذا سألت فمن يجيب سؤالي
أتُنقبان عن الوفاء بمهمهٍ=ذهب الوفا مع سالف الأجيال
ماذا أحدث والمرار محدثي= لغط الحديث كذلة التسآل
جثمت على جُدُر القلوب غشاوةٌ=أعْشت عيون القوم عن أفعالي
ماذاأحدث فالقلوب تصلدت=ماذا أحدث والشجى سربالي
مُران من كأس الفراق شربتها= مر النوى وشماتة العذال
أنبيك يا ليل الغريب بأنني = نعم الفتى لا الأهوج المتعالي
حتام يبقى ذو الرياء مُسَوّدا=وأخو المروءة بالِي الأسمال
مالي أرى شر الممالك قد هوت=وغدت تهرول نحو سوء مآل
لو كان في ذات العماد هداية=لتماسكت في ساعة الزلزال
لكنما غضب الإله أحالها=طللا يُسام بأسوأ الأمثال
من يقتدي إرما وسوء صنيعها= قد يَلْقَ (صرصر)في نذير زوال
أنا ما كتمت الصوت خشية ظالم=هل مثل صوتي يشترى بالمال
رحماك يا رب العباد فإنني =برمٌ بطيش الأخرق المختال
إن عادت الزباء تحكم تدمرا=حتما أصافح قاتل الأطفال
أو عادت الزرقاء ترصد حميرا=حتما أصالح ناهب الأطلال
ما دام طعم الموت يشبه بعضه=دعني أطاول ميتة الأبطال

(نواقيس النوى) عنوان يدق في الخاطر

أضحى الذمام مقطع الأوصـال
والحر يطـرق خائـب الآمـال

يقولون القصيدة تبدو من مطلعها
إذا أتقنه الشاعر فقد أتقنها
وهذا البيت يواصل دق الناقوس الذي بدأه العنوان
(أضحى) قال عن الحتمية الحادثة منذ ما يلمّح له (أضحى) من عظيم وقت
فيدخل في وصف ذاته أو الذمام عن طريق وقع الخبر على السامع فقال
(أضحى الذمام مقطع الأوصال) من هنا يبثُّ الألم والغضب والشكوى والسخط
كلّها مجتمعة في إنسان بات أوصالا مقطّعة وشظايا متناثرة
لأن: (الحر يطرق خائب الآمال)
وهنا يتجلى التخبط والغوص في التفكير والإطراق

وما زلنا نواصل على نفس النغمة والإيقاع البيت الذي يليه ....
والريح تلهـو بالغريـب كأنـه
وترٌ يراقـص رعشـة المـوال

الإنتقال من تصوير الألم والخذلان من الغير للذات والمرور بالخيبات
إلى المضي في وادي الغربة الوعر السحيق الّذي تزوبع فيه الريح بالمار
فتقتل محاولاته في قطع الوادي .. فيستسلم لها كما الوتر يستسلم للتذبذب
حين الصدح بالموال الشجي ......
// بيت بقصيدة وصورة بكر مبتكرة تُحسب للعدنان

ونواصل والنواقيس تدق بشدة ....
دُقّت نواقيـس النـوى فتأهبـي
ياناقـة الغـربـاء للتـرحـال

هنا يعلو الصوت للتأهب للانتقال من التصوير في المطلع
إلى النداء والخطاب وأيضا كانا في قالب تصويري مجازي
كما جرس انتهاء الدوام المدرسي فيتأهب الطلاب للركض إلى الخارج
أو طبول الحرب فيتأهب الجنود للمواجهة
أو ناقوس الخطر في البرية فيتأهب الحيوان للإتخاذ الموقف الصائب لردء الخطر كالهرب أو غيره
هنا ناقوس النوى قد دق والتأهب يكون بإمتطاء الناقة والتي هي دلالة على الأصل العربي
وليست هذه الناقة عادية إنما ناقة حملها غرباء .. وعملها الترحال !
الترحال للتغرّب .. الترحال دون تحديد الوجهة فقط الذهاب

بدأت القصيدة بتصوير المؤلم الوافض للتغرب بنداء تراجيدي
قوام القصيدة أملس سلس إلى الآن ومنساب
لنواصل ...
ونواصل في رحلة التغرّب هذه التي أكملت بادئة التصوير الحال التراجيدي
هنا:
ما بين صبحي والبلوغ لعصرها
ألفٌ مـن الأخطـار والأهـوال
نمسي ويمسي في مفارشنا الجوى
والصبح يأتـي مثقـل الأحمـال

ثم الانتقال إلى محطات أخرى ...في ما يليها
نأتِ إلى البيتين السابقين
(ما بين) تبني جسرا من الخيال يقيس الهوة السحيقة بين
صبح وعصر .....
يبدوان كوقتين يشغلان طرفيي النهار في يومٍ واحد
لكنّ هذا اليوم مثل ألف عام مما نعد
كيف ذلك ؟
اقترن الصبح بياء الملكية والذي يُنبئ ببداية الطريق
طريق الضوء أم طريق الترحال والتغرّب
الصبح الندي هو الصحو، هو الابتسامة، هو الإشراق،
هو زقزقة العصافير ورقص الزهور ونشوة العطور في الورود،
هو الجديد الذي يبلى بتقدم النهار ..
يكون الضحى ويكون الهجير وما بعده غير يسير
يكون العصر الذي يعتصر الوقت حتى يغرب ويحل الظلام
هو عصرها .. عصر النهار وعصر الترحال والتغرب
عصر يعود لها تلك الغائبة من الضمير ..
تلك التي هو يذهب إلى أسرها تاركاً صبحه ..
ويتكبد رغما الكثير من الأخطار والأهوال
فماذا تمثّل هي من ضمير غائب يمتلك زمام العصر ؟
وهكذا (نمسي) لمْ نعد في الصباح فقد أتى العصر وحان المساء
وكيف أمسينا فيه ما كنّا لولا أن (يمسي في مفارشنا الجوى)
الضيف الثقيل الوطأة المؤلم الحاد الوجع للروح التي تئن
وبعدها وإن أتى في عصرها وما يزال في مفارشنا الجوى
إن أتى الصبح كان مسخاً ليس الصبح الذي نعرف
شديد الوطأة ثقيل الحمل .. لا نريده يأتي ونريده لو يغادر مسرعا !

ثمّ يبدأ الشاعر بالشكوى وهو متأمل بنفس الوقت متألم متأزم من الحال الراهن
حزين وساخط والغضب أيضاً مشتعل .. فيبدأها متعجبّاً

مـا للحقيقـة قُطعـت أطنابهـا
فهـوت تسـوغ فتنـة الدجـال
قاظت نسائمها وجـفّ غديرهـا
والروح قد غابت عن الصلصال

ما عاد للحقيقة قرار ولا وطن تسكن فيه
بعدما قطّعوا أطنابها وجعلوها للريح تلعب بها
كالثوب الرث البالي حتى هوت على أشواك الفتنة
لم تكن أي فتنة بل الفتنة العظمى فتنة الدجال الكذاب
فكأنها هي التي حاكت شجرها .. وساغت ديوانها
وهي دلالة على طغيان الزيف وطوله لكل شيء
وللزيف طقس مهيمن من القيظ والجفاف
وانتزاع الروح من الجسد الصلصال
دلالة على الهلاك المحتوم لغياب عناصر الحياة / الحقيقة
ربط المعنوي الحقيقة الزيف الفتنة بالحسي من عناصر الطبيعة
خلق مجازا ولوحة فنية عالية التصوير
ثم هنا يأتِ ما للهلاك من حيثية وما غير الزيف تضافر معه لتعجيله
ما زالت الشكوى والسخط والألم والحزن ينبعثان من بين الحروف

مادتْ بنا الغبراء وانقطع الرجـا
بتناقـض الأفعـال والأقــوال

لم تثبت الأرض تحت الأقدام ..
تتحرك بنا الرمال فنغوص غارقين فيها ..
تلتهمنا الأوحال في المستنقعات
في كلا الأحوال غرقى ف(انقطع الرجا)
وما وقع إلا ضحية التناقض الذي يؤدي بنا القول في وجهة
والفعل في وجهة أخرى ..... تخبّط وشتات وضياع .. هلاك محدق بنا !

ما زالتِ الشكوى والشجى والسخط يلازم الكلام والصور
نمضي .....
حيث يرفع الشاعر راية القنوط متبرما شاكيا وبنفس الوقت
وينادي قد يعرفه أحدا من الصحب أو له بقية صحب
ممن هم على حاله وواقعون تحت المرار مثله
أو ممن يثق فيشتكي لديهم من أمره

يا صاحبيْ رحلي حَزمتُ رحالنا
وهـمٌ مساعينـا ونسـج خيـال

هنا عزم على الترحال غير راجع
فما فائدة من البقاء بعدما أصبحت المساعي مجرد وهم ونسخ خيالات

ما حُملت أحمالنـا كـي نقتفـي
زيف الكـلام ورنـة الخلخـال

ما تكبدنا الحمل والتعب والمشقة
من أجل أمور لا حقيقية زائفة
أو نود اللهو والعبث مع ذات الخلخال
نصيب لذة ومتعة ....
إيحاء على جدية الشاعر وما يصبو إليه
وجدية قضيته التي تنافي ومجريات العصر
من اللهو والعبث والتمزغ باللذات
والعيش زيفا في زيف

يـا صاحبـيّ توقفـا وتذكـرا
وإذا سألت فمن يجيـب سؤالـي

هنا استدعاء للحظة تأمل
بعث شكوى وفلسفة شاعر حكيم
يدري بما لها وما عليها
وهو ساخط جدا .......
فيوقفهما صاحبيه يذكّرهما ..
ولكن .. هل من مدّكر ؟
ينبههما .. إلى الأمر المرير
أنه وفي حاله هذه إن سعى لإيجاد تفسير
إن سأل فهل سيجد جواباً يشفي الغليل

أتُنقبـان عـن الوفـاء بمهمـهٍ
ذهب الوفا مع سالـف الأجيـال

يخبرهما .. أن الوفاء ماعاد في عصرها
ذهب مع من كانوا له عنوان
فلا جدوى من البحث عن الوفاء في القفر (المهمه)
كما لا جدوى عن البحث عن أي حياة أخضر أو ماء في القفر
وجعل المهمه غير معرف ليوسع الفضاء
على وجه كل المهمهات فكلها سواء
فهو لا يعنِ واحدة بعينها ولكنها مجتمعة
أي مهمهة خالية من الوفاء !!

ماذا أحـدث والمـرار محدثـي
لغـط الحديـث كذلـة التسـآل

الواقع تحت المرار لا جدوى من تبرّمه أو حديث غير مخلص
فهو لغط .. وهنا تشبيه بليغ
أن الكلام اللافائدة منه لغط وهو كما الذلة وهدر الكرامة حين السؤال والتسول
فكان توظيف (تسآل) على هذا النحو من تصريف للفعل وقعه الصحيح

جثمت على جُدُر القلوب غشاوةٌ
أعْشت عيون القوم عن أفعالـي

ومن المرار حين تتكلّم وأمامك جمع غفير
ولكن كل في غمرة ساهٍ ..
فلا كلامك يسمعه قلب عليه غشاوة ولا حالك يراه الأعشى
ولا صوتك المبحوح يهز طبلة أذن أحد !!

ماذا أحـدث فالقلـوب تصلـدت
ماذا أحدث والشجـى سربالـي

فما جدواء الحديث إلى قلوب قاسية ؟
وكيف يصف الحال والكلمات عاجزة
وهو متسربل بالشجى .. تصوير فيه الكثير
فإن الشجى لا يرتديه إلا الفضفاض
ولا يرتديه الشجى إلا ويربكه ويربك حاله ....> تخبط !

مُران من كأس الفراق شربتهـا
مـر النـوى وشماتـة العـذال

فوق مرار الفراق - الحال - الغربة - وكل مُمرٍ في الكأس
فوق كل ذلك مران شربهما من كأس الفراق
مرّ النوى ذلك الذي لا يهدأ يظل يدق في الوجدان ناقوساً موجعا ومؤلما
والشماتة من العذّال وهي الألعن والألعن وقعاً

وعند الشماتة يعود الشاعر لنفسه وقد انتقع في المرار
يعود ليخبر ليل الغريب الذي يسكنه .. وليس هؤلاء العذال الصلدين الصدئين
أنّه هو ومن هو اعتداداً بنفسه وفخرا ومدحا لذاته وما خلت الشكوى التشكي والتبرم
فما زال السخط يلازمه كما حاله الذي لا حول له عنه وما كان الترحال إلا غربة واغترابا مع لزوم الحال
فيقول:
أنبيك يا ليـل الغريـب بأننـي
نعم الفتى لا الأهـوج المتعالـي

ثم ينتقل إلى .....

حتام يبقـى ذو الريـاء مسيـدا
وأخو المروءة بالِـي الأسمـال

هنا المقابلة بين ضدين ما فتآ يخصفان من ورق الهوّة بينهما
فتكبر ويضخمان ... إضافة النقيض إلى النقيض
والضد إلى الضد يقوي المعنى ....
لكن هنا تجلّى كيف أن المرادفات تتعاضد لتقويه
فكان إضافة بالي إلى الأسمال ....
فزادها بلياً فوق ما هي بالية
// أعجبني

مالي أرى شر الممالك قد هـوت
وغدت تهرول نحو سـوء مـآل
لو كان في ذات العمـاد هدايـة
لتماسكت فـي ساعـة الزلـزال
لكنمـا غضـب الإلـه أحالهـا
طلـلا يُسـام بأسـوأ الأمثـال
من يقتدي إرما وسوء صنيعهـا
يأتيه( صرصر) منـذرا بـزوال

جاءت الأبيات السابقة تستعرض البيان من قصص الأولين
كما وردت في القرآن .. ضمّنها الشاعر لغاية التأمل
و إشارة إلى أن الهلاك كان من نصيب الذين هم على الباطل وفي جانبه
ويضمر الشاعر ههنا تمسكه بما يؤمن به
مع كونه ساخط وشاكٍ ومتبرم من حاله
متأزم وحزين ومغترب لكنه ما غادر حكمته وتفكره وتأمله
وهنا أجدها مخاطبة للقوم ينبههم ويعظهم
مستخدما التضمين من قصص الأولين
كصور يراد بها ما بها من إيحاء ودلالة

نأتي إلى الجزء الختامي والقفلة

أنا ما كتمت الصوت خشية ظالم
هل مثل صوتي يشترى بالمـال

يرجع صوت الأنا ليقول ما كان من أمر الشاعر
بعدم الرضوخ للظلمة .. أو بهرجات وزينات الدنيا من مال وغيره
وينتقل بعدها لمناجاة رب العباد ..
إذ أنه تأمّل وتدبّر في خلقه وحُكمه وما جرت عليه السنن في الأولين والغابرين

رحماك يـا رب العبـاد فإننـي
برمٌ بطيش الأخـرق المختـال

فينتقل من الشكوى إلى الشكوى المناجاتية .. طالبا الرحمة
من فعال الأخرق بطيش ومن الأفعال الخرقاء

إن عادت الزباء تحكـم تدمـرا
حتما أصافـح قاتـل الأطفـال
أو عادت الزرقاء ترصد حميرا
حتما أصالـح ناهـب الأطـلال

قد يفتح البيتان السابقان قراءات عديدة
ويمكن أن أتحفّظ على بعضها كونهما أتيا نُصب نموذجين للمرأة
الداهية والمتبصرة
كوني من ذات الجنس .. لكنّ تتبع الأبيات وما يجري فيها
يقول لي أنذ العدنان قد يفضّل حكم امرأة عادلة
على رجلٍ أخرق ..
ولكن لماذا الحتمية التي شدا بها في عجز كل بيت منهما
وإذا بالمتأمل يدرك بالربط بانسيابية الأبيات في هذا الجزء الختامي
لو يعود فيبدأ من البيت الذي تتحدّث فيه أنا الشاعر
عن عدم رضوخه للظلمة أو بهرج المال ثمّ مناجاته لرب العباد
وبيان مدى برمه وأتى على البيت الأخير من القصيدة
خصوصاً صدره الّذي يقول: ما دام طعم الموت يشبه بعضـه
لأدرك ما عناهُ الحماد من ضرب الأمثال في هذين البيتين
وإحضار هذه القصص من الموروث والتاريخ
وإن قرأنا القصيدة كلّها معاً أيضاً لأدركناه ذاك الغرض
وما كانت الحتمية تلك في عجز كلّ بيت إلا برما
إذ أن: ما دام طعم الموت يشبه بعضـه
ويتجلى بالقفلة المائزة ليقول الدهشة في:
دعني أطـاول ميتـة الأبطـال

أخي الكريم العزيز عدنان حماد
عيدك مبارك عليك وعلى أهلك وأحبتك
قصيدة من المخمل الغالي والحرير النفيس
كما الماء رقراقة حسنة التجويد وسلسة اللفظ لطيفه
محكمة البنيان عظيمة المرام واضحة البيان
أخذت من الصور البكر نصيباً
ومن الترميز نصيبا ومن التضمين نصيبا
ومن الربط والعقد والإحلال نصيباً
كانت للشكوى والألم وما يلم بالشاعر وأناه بحاله هذا وهذا العصر والزمان
البناء تقليدي كما المعلّقات لكنها تعددت في المواهب وكان الغرض واحد
ما خلا من التأمل والحكمة ومن الفخر والاعتداد
مرّت بنا كما أنواع السحب وأشكالها فكنا نناظرها ونستمتع بالجمال
ونحن في بساتينها نضطجع في قيلولة لذيذة

سعدتُ بالتجوال بين نفائسك
وأترك لك بعض الملاحظات
كهمسات وديّة:

فهـوت تسـوغ فتنـة الدجـال
ف ه وتْ ت سو - غ فتْ ن تدْ - دجْ جا ليْ
متفاعلن - مفاعلن - متْفاعلْ
ربما (فهوت تسوغ لفتنة الدجال) يصلحها ولا يخل بالمعنى
هل هي تُسوّغُ بتضعيف الواو ؟ إن كانت فالعذر منك
أخطأتُ القراءة

وعن (يا صاحبي رحلي) و (يا صاحبيّ)
الأول كان حقّه النصب لأن المنادى مضاف ورحلي مضاف إليه
والثاني كان حقّه الرفع لأن المنادى نكرة مقصودة
والله أعلم

أتمنى كتابة كلّ (أُحدّثُ) هكذا و (أ تُنقّبان ) هكذا
حتى لا تُقرأ خطأ فتلام .... وأنت تدري ما أقصد

مُران من كأس الفراق شربتهـا
مـر النـوى وشماتـة العـذال

هناك ارتباك بين المثنى المذكر غير العاقل في مرّان
و شربتها حيث الهاء مفرد للمؤنث ..
فهل لديك تخريج يثرينا في هذا الأمر

وبالنسبة ل (صرصر)
أتت صَرْ صَرْ أم أتت صَرْصَرُ
فكانت في الأولى تسكين وهل هو مجوّز
أم كانت في الثانية ومنع صرف ؟
أسأل غير دارية طالبة الفائدة شاكرة لكل من يدلو بدلوه
فأولهم أنت يا المكرم عدنان

تقبل تجوالي المتواضع

كل التقدير والاحترام
دمتَ شاعرا غرّيدا ودام لك الشعر / المجد
تحية طيبة




6
النص : شموخ الحزن / هناء زايد / السعودية
--------------------------------------------------

النص :
شموخ الحزن

حينما تعبق الأمنيات .....
تطير ُ فراشات شعري ...
تشكّل ُ هالات حلم جميلْ
*****
أنشقُ السحر من لونها ..
أبتدي في احتساء الأملْ
أختفي في متاهته أنطفي .
أشعل الشمعة الظامئةْ
أبعث الماء في شفة البيد ...
وردا تضوّع بالحب ..
يلغي أسى المستحيل
*****
دمعتي / ضحكتي !!
كل واحدة منهما مهجتي .
كلما قلت ماتت همومي !!
تسامى النخيل .....
صار حزنا طويلْ
لا ظلال له ......
هل عرفت شجون النخيل ْ ؟!!




الرحلة :
---------


حينما تعبق الأمنيات ُ .....
تطير ُ فراشات ُ شعري ...
تشكّل ُ هالات حلم ٍ جميل ْ


مقطعٌ استهلّ بحينما دلالة على التلازم الزماني
لحدث يوفض إلى حدث .. والغرض ألا حدوث للآخر دون الحدوث للأول
ولكن ما هو القدْر الذي يبقى الحدثان فيه قيد الدوران تحكمه حينما من حينها إلى حين آخر
(حينما تعبق الأمنياتُ)
وكأنها الأمنياتِ روضةٌ غنّاء بكل عبقٍ فإن أتى حينه ازدانت تلك الروضة بذاك العبق
الذي يفتعل حينها بعبقه أنْ (تطيرَ فراشات شعري .. تشكّل هالات حلمٍ جميل)
الأمنيات العبقة الحية والنضرة هي التي تأتي بحلم جميل كهالات نور تحيط بنا
ولها من الجاذبية أن تمغنط الفرح ومعه (تطيرُ فراشات شعري)
هذا المستهل وصف حالةً جميلة قد تكون للفرح وقد تكون للحزن
فمثلما هو الفرح جميل الحزن أيضاً جميل عندما يتسم بالنبل
وأستشعر ذلك من العنوان (شموخ الحزن)
فكيف للحزن أن يكون شامخاً يكون عندما يكون نبيلا وجميلا

أنشقُ السحر َ من لونها ..
أبتدي في احتساء الأمل ْ
أختفي في متاهته أنطفي .


(من لونها) قد تكون هذه الهاء عائدة إلى الأمنيات السابقة الذكر
أو لشيء أضمرته الناصة ..
لكنّه يواصل مسيرة الجمال الحزين غير اليائس ..
وهنا يكمن سر الجمال في حزن يأتي شموخاً
أنشق - أبتدي - أختفي - أنطفي
أفعال حاضرة توحي بمواصلة دوران الحدث إلى حيث يسمح (حينما)
وربما إلى أبعد من حينما .....
قد تغيب الشمس ولكن يبقى بعض من نورها شفقا يتراءى في الأفق حتى حين
فكان السحر وكان الأمل .. ثمّ تلك المتاهة التي فيها (أختفي - أنطفي)
إنها تومئ إلى ما بعد النظر والفهم !!

أشعل الشمعة َ الظامئة ْ
أبعث الماء في شفة البيد ...
وردا تضوّع بالحب ..
يلغي أسى المستحيل


ذلك الحين ما يزال يبعث المواصلة في دوران الحدث
حيث: ما تزال الأفعال حاضرة (أشعل - أبعث)
(الشمعة الظامئة) كم هي تهوى الاحتراق والاشتعال والذوبان
لهالة النور التي تكون على رأسها تاجاً حتى حين
(أبعث الماء في شفة البيد وردا تضوّع بالحب يلغي أسى المستحيل)
هذه اللوحة الفريدة رائعة جداً
(أبعث الماء في شفة البيد) البعث يدور بخلدي عنه الكثير
انقلاب من التحدر إلى الصعود .. من الغروب إلى الشروق
هنا يتجلى كيف الحزن الشامخ لا يتخلى عن الأمل والإرادة التي تملأنا بهذا الأمل
الحزن الجميل ..... الله
البعث هذا لا يأتي إلا بالجمال وكان عنوانه (وردا تضوّع بالحب)
حتى يكون انقلابا تاما من لا مدى يحدّه إلى لا مدى يحدّه
وما دام لا يحدّه أي مدى حتى مدى المستحيل فهو (يلغي أسى المستحيل)

دمعتي / ضحكتي !!
كل واحدة منهما مهجتي .


تبدأ ألحان الشجى من ههنا لتؤسس للحزن شموخاً
الدمعة والضحكة .. وكيفية الربط بينهما
هل أنهما يمثلان نقيضين كالفرح والحزن ..
أم حينما تكون الدمعة ختام ضحكة ..
أو تكون الضحكة ختام الدمعة .....
كثير هو الحديث هنا لكن يكفي ما جاء في:
(كل واحدة منهما مهجتي .)

كلما قلت ماتت همومي !!
تسامى النخيل .....


هنا أتت كلّما لتبين التلازم في الأحيان المتفارقة لحدثين أيضا يوفض أحدهما إلى الآخر
علاقة المسبّب والمتسبّب ... لنأتي إلى الصورة
ماتت همومي .. الموت يوفض بالجدث إلى قعر الأرض
فتصبح نواة للحزن تنمو وتتسامى نخيلاً يطرح أسود
بليغة هذه الصورة ..

لكن هل هذا النخيل نخيل الحزن الشامخ كالنخيل الذي نعرف

صار حزنا طويل ْ
لا ظلال له ......


هو بطول النخيل ويطول أكثر فأكثر
لكنّ لا ظلال له .. لا حياة فيه ومنه
لا فيء تحته .. فهل لا ثمار منه ستكون ؟!

هل عرفت شجون النخيل ْ ؟!!

ويبقى السؤال عالقا فوق جذع نخلةٍ طويل طويل
النبيلة هناء زايد
كانت رحلتي إلى روض النخيل الحزين الشجي الجميل
ممتعة .. وشجية أيضاً
أثار نصّك فيّ الكثير .. فتفيأت تحت ظلال الحروف
اقبلي مني هذه الهمسة:
صار حزنا طويلْ
حبّذا لو يصبح:
صار حزنا طويلا طويلْ
تقبلي مروري
لكِ تقديري واحترامي
تحايا



7.
تضوّعٌ في عبقِ (فوضى العطور) في حضرة باريس العطور وعمر الهباش
---------------------------------------------------------------------------



المقدمة:
كلمة العطور تأخذني إلى الحوانيت التي تبيع العطر
ربما ليس هنالك أشهر من حوانيت باريس بالعطر
أقصد البرفان كما بالفرنسية أو السينت بالإنجليزية
وليس العطر .. فالعطر مستخلص رحيق عضوي
أما البرفان فهو صناعي يمزج بالرائحة الطبيعية لإضفاء العطرية عليه
ويحط عليه هذه المادة البخاخة لتساعد في انتشار ذراته
وهنا نأتي لو أنّ كل الروائح انتشرت فماذا تسبّب ؟
هل نستطيع أن نقول أنها فوضى العطور ..؟!


النص:

فوضى العطور

فوضى العطور تناثرت كالوهم يبعثه المــللْ
قد أغرقت أنفساها مَنْ مرّ يرقبها وجــــــــلْ
قارورة سحرية اللمسات يرسمها الأمـــــــلْ
اللون يخفق باسمهن وقد ترقرق في خجــلْ
وحي الأريج يشاغل النجم البعيد إذا غفــــلْ
سكبوا الغواية بين أجفان الجنون ولم تــزلْ
فوضى كأن الموج مدَّ ظلاله غيم وصــــــلْ
ملتاعة نظرت بأهدابٍ يحـــاورها الكســـــلْ
جمعت رذاذ العطر من أنسام درب يغتســـلْ
يا رقصة خمرية القسمات في لحن الغــــزلْ
فاح الغرور من العبير وللعيون سيرتجــــلْ
يا شارع الأوهام في سحرٍ تألّق, ما العمـــلْ؟
أسرفت في رسم النهاية بين أحداق الأجـــــلْ
ما سرّ ضوعك في حنايا ليلنا لـــــو ينســدلْ؟
فوضاك نخب الروح سيري نحو صدرٍ ينهملْ
صبي رؤاك رواية كالحلم يخفق في عجـــــلْ
كأس يدور كما النجوم مع النديم ولا يصـــــلْ
ذكراه أسفار القلوب شراع روض قد ثمــــــلْ
في ليلك الوسنان ينسكب المغيبُ ويشتعــــــلْ
من تاه في عينيك ينساه الخيال وينشغـــــــــلْ
لحنا ترجِّعُهُ الجداول صوب ثغرك والمقـــــلْ
"باريس" يا قمرا يسافر في شراعي المرتحـلْ





العنوان قد حكى عمّا يريد الشاعر أن يصوغه في قصيدهِ
كيف لكل تلك الروائح تجلب فوضى محببة وبنفس الوقت مذهلة ومشتتة
تعترك في الروح كثير من المشاعر التي تكون ردات فعل لشمّ كل هذا الزخم الروائحي اللذيذ والمثير
والمزيج من فوضى عارمة .. ولكن هل لجمال العطر حين تحدث روائحه شغبا وفوضى أن تبعث في النفس شعورا غير الشعور الذي تألفه لشم شيء عبق وشذيّ
يستهل الشاعر قول مشاعره الـ ترد على هذه الفوضى للعطر بهذا المطلع
فوضى العطور تناثرت كالوهم يبعثه المللْ
الجمال حين يباعد الأناقة والترتيب ويتخذ سبيل الفوضى فإنه ينجح ولكن ليس دائما
فيكون بفوضاه المتناثرة كالوهم المتناثر والّذي لا ندرك حقيقة كنهه كما لا نقدر وسط هذه الفوضى للروائح التمييز لرائحة من أخرى
هذه الفوضى تكون منفرة إذا ما بعثت بالملل وبعث الملل بالوهم فتناثر وشتت تجاذب الجوانح لروائح في فوضى وتجاوب الروح لجمال اكتنزت به الرائحة لما أحدثته من تراكم الضبابية التي غطت على التمييز بفوضاها
فلما يكون العطر واحدا يكون متميزا ومحبوباً لكن عندما تكثر الروائح فتغدو كلها واحدة لا نميّز بينها فيكون الأمر مملا للغاية !
قد أغرقتْ أنفاسُها مَنْ مرَّ يرقبُها وجِلْ
نعم الفوضى والجلبة تثير في النفس الوجل والترقب والتساؤل وسؤال يصرخ في داخل المار من جنبها "ماذا يجري؟"
فيحين منه الترقّب ليفهم ما كنه هذه الفوضى ويستخلص الروائح رائحة رائحة والتوجّس حليفه فإذا بأنفاس العطور تغرقه في فوضاها
إني أتصوّر ماراً مرّ بمظاهرة وشغب ليس له فيها لا ناقة ولا جمل فينجرف مع التيار ويضيع في الزحام ويُجرى عليه ألوان العذاب والظلم إذا ما قبض عليه وهو ليس له دخل
هكذا هذه الصورة تضخّمت في مخيلتي .. ولكن هنا الوضع أهون لأن الظالم عطر زكي فوضوي دخل مع أخلائه بفوضى مثيرة
قارورةٌ سحريةُ اللمساتِ يرسمُها الأملْ
يحوّل الشاعرُ المشتتَ من هذه الفوضى المثارة مما كان في البيتين السابقين والذي غرق فيها ..
يحوّل انتباهه إلى من يحضن كل هذه الفوضى (قارورة) ..
وأراها عبقرية شاعر يستطيع ترويض قريضه فيروّض معها جيشان عواطف المتلّقي .. ويوّجهه كما يشاء ليبحر به إلى هناك
كما البحر تماما وكيف يتمايل بك ويتقاذف بك ويطوّفك ويجوب بك
القارورة وما أدرانا ما كنه قارورة عطر زجاجية ساحرة سحرية ..
الشكل واللون والقوام والبريق والملمس والهندام كلّ شيء فيها راقٍ ونفيس وأنيق
ومع ذلك فإنها مصدر الفوضى !!
هناك ارتباط وثيق بين حاستي الشم واللمس
الشم يخدّرك ويجذبك نحو المصدر فتريد لو تلمس ما يثير فيك ذاك الخدر
وما أن تتلمس أناملك قارورة العطر تتيه في عالم ساحر حالم ..
فلكأن العطر شيءٌ تتوق له الروح وتحلم به
ولكأن قارورة العطر هو ما يرسمه الحالم بريشة الأمل
اللون يخفق باسمهن وقد ترقرق في خجلْ

هنا الفوضى الحقيقية حين تتداخل الأنفاس والألوان فيتيه مع الشم النظر
وكأني أحس بالسمع قد تاه أيضاً من فوضى أسماء العطور
في هذا البيت يرعى الشاعر ذهن المتلقّي ووجدانه
فيهمس بأذنه بعدما جعله يهفو لقارورة العطر أو قوارير العطر
أو ربما هي قارورة معيّنة ليستجمع قوى انتباه المتلقّي الذهنية والحسية والشمية والتذوّقية والنظرية
فكأنه يريد أن يلمس خافقه ويضخ الجمال فيه لينبض عطرا ونفَس عطر ولون عطر
لننظر للجمال الماثل هنا (اللون) كأنّه عاشق ولهان يخفق قلبه بإسم حبيبته وحبيبته هنا عطر
هو يضفي عليها لونا وهي تضفي عليه عطرا
هو يعطي لحياتها شكلا وهي تجعل لشكله كنها
هذا اللون العاشق للعطر والّذي أحب أن يكون لونا له يخفق حبا بإسمها وقد أخذهُ الخجل مأخذا حتى لترقرق عذْبا وناعما ليكون على العطر كما يكون الحرير على أديم أنثى

وحي الأريج يشاغلُ النّجمَ البعيدَ إذا غفلْ

النجم البعيد للناظر ليس له غير التلألؤ بوميض خافتٍ هادئ مهما حاول الصراخ ضوءاً من بعيد لا يستطيع الناظر إليه إلا الابتسام والاستمتاع ..
لنتخيّل للحظة أنّنا مكان ذاك النجم البعيد الغافل حتّى أنّه نسي التلألؤ ..
وإذا بوحي ينزل عليه فجأة فيهتز ويتعرّق ويومض من جديد .. ويصرخ ضوءاً من جديد
وهذا الوحي ليس رباني بأي محمودة ..
بل شيطاني من عطر من ريح أنثى في آي الأريج يثير في النفس الشغف فتظلّ هائجة كذاك النجم البعيد تحترق وتصرخ وصراخها تلؤلؤ حتى يحين موعد الأفول
إنها آية الغواية تنزل على القلب تشغفه وتسلبه لبه وتهيّج جوارحه كلّها فيتقافز مرات مرات في هيئة وميض
فهو لا يعدو على كونه نجم بعيد .......!

سكبوا الغواية بين أجفان الجنون ولم تزلْ

تلك الغواية أنفاس تحدث فوضى وآية الأريج تنزل فتزلزل وإنّها مسيّلة تسكب أين ..؟ بين أجفان الجنون لتكوّن بؤبؤ عين مشغوفة متولّهة .. بؤبؤ مستدير متلألئ كالنجم ..
فهي نجم دريّ من الجنون يدور حول نفسه راقصا وامضا ..
ويستجيب لتلك الفوضى من الرائحة لأنها العطر .. من الصوت لأنها فوضى .. من الصورة لأنها وميض نجم بعيد .. من الأديم لأنها قارورة .. من التذوّق حسّا فالعطر رونق الحياة ....!

فوضى كأن الموج مدَّ ظلاله غيم وصلْ

نعم لا تزال فوضى وتثير في كل الحواس فوضى .. حتى غرق الغرق .....
أتى الشاعر صورتين للغرق .. أولاهما مد الموج وثانيهما غيم يصل ويمطر ويواصل المطر حتى الغرق
فالغرق حتمي .. غرق آتٍ من الأعلى ويغمر حتى الأسفل وهو مد الموج .. وآخر آتٍ من الأسفل ويصعد إلى الأعلى بإرتفاع مد طوفان المطر

ملتاعة نظرت بأهدابٍ يحاورها الكسلْ

وبعد الغرق من الفوضى والغواية والعطر .. العطر العطر العطر
يحوّل الشاعر أنظار المتلقّي نحوها هي التي تتجلّى أنثى في تاء الملتاعة المربوطة وتاء نظرت الساكنة المفتوحة وهاءها الذي ينوب عنها في غيابها حين التحاور ....!
ترى تلكَ العطر .. أم قارورة عطر .. أم تلك هي قارورة العطور كلّها الأكبر على الإطلاق في عداد القواوير باريس
باريس تلك المدينة حيث الفن والأدب .. حيث الأناقة والموضة .. حين الورد والعطر
إنها قارورة ومحتواها عطور في فوضى عارمة مثيرة
إنّها وبكل ما فيها وما تفعله بزائر بها .. بسائح فيها .. بالغريب المتجول بين حاراتها
لنعد للبيت الرهيب والمدهش هذا كيف أنّه صوّر من قارورة أو مدينة أنثى تتدلل في خبثٍ .. بين الرغبة والشغف والغواية والشيطنة
(ملتاعةً نظرت) .. وقفة ههنا وتسجيل لقطة ملتاعةً تلك القارورة للعطور التي في فوضى نظرت إلى ماذا ؟ ترك لنا التخمين وسأترك الخيال يجمح بي وبكل قارئ هنا
ماذا المشهد مستمرا والصورة متحركة .. (نظرت بأهدابٍ) وهنا إيغالا في الأنوثة جعل النظرة منها آتية من خلال أهدابها الطويلة المنسابة في دلال حتّى وكأن الكسل يحاورها وهذه دلالة على النعومة ..
فحقق بهذا الشاعر طرفي النقيض في مقابلة ضمنية بين الالتياع والنعومة والدلال الدلان على الهدوء

جمعت رذاذ العطر من أنسام درب يغتسلْ

وما زال الحديث عنها هي ذات النقاب الذي ما أماطه الشاعر مصرّحا بمن تكون حقّا هي .. فجعلها الملتاعة النظرة الناعمة الأهداب ..
وهاهي قد جمعت رذاذ العطر جمّعت تلك الفوضى بغرض ترتيبها في بيوتٍ ودروبٍ ونهرٍ ودواليب العربات ولافتات الحوانيت وحجارة الطرق والبنايات العريقة و و و و و
إنّها باريس ومن غيرها مطرها عطر والعطر فيها شلال فوضى
وكلّ دروبها تفوح بشذى عطورها المثيرة حتى كأنها العطر نهر وكأن الدروب فيه تغتسل
وماؤه أنسام .. وأي تشبيه هذا فماذا يكون كالنسيم رقّة وعذوبة

يا رقصة خمرية القسمات في لحن الغزلْ

هنا بدأ الجدّ ..... هنا بدأ بمناجاته لها فكأن الحديث عنها من خلفها نما إلى سمعها فسارعت لتحتل الغياب بالحضور كمنادى ومخاطبة .. هذا هو الشغف المتبادل
بين العطر والمعطر .. فما العطر دون أن نشتمه .. وما نحن بدون أن نتعطر !
ولأنها ذات ألوان وفوضى أنفاس غامرة تغوي المار وتزجي به في قيد الإثارة والشغف والتساؤل حتى يتولّه ويبلغ به أن يناجي قارورة العطور باريس
لأنها قارورة تحتوي كل العطور .. فهي من لون ليس لون بالتحديد بل هو لون يتراقص ويتمايل بين الألوان كأنه خمر يثمل به المنتشي من الروائح والإثارة القائمة من الفوضى
فيصل به أن يناجي إن تغيب ويتغزّل إن تحضر .....!
(يا رقصة خمريّة القسمات) مزيج مركب من عجائب الدنيا كلها تداخلت لتكون في باريس
فبلغ بها أستار السماء السبع .. فبلغ منها الزهو ما لا يخطر على قلبها هي نفسها !

فاح الغرور من العبير وللعيون سيرتجلْ

وماذا يكون غرور أنثى تتدلل ؟! غير عطرا فمنتهى الغرور هو العطر ..
العاشق المتغلغل في الشاعرية والعذوبة هو لا يرى غرور أنثاه ودلالها إلا أريجا وعبيرا .. يفوح فتنتشي روحه حتى يجري الشعر منه مرتجلا سلسبيلا
فها هو يقول (فاح الغرور) وها هو يقرر أنّه (للعيون سيرتجل)

يا شارع الأوهام في سحرٍ تألّق, ما العملْ؟
أسرفت في رسم النهاية بين أحداق الأجلْ
ما سرّ ضوعك في حنايا ليلنا لو ينسدلْ؟


روح الشاعر الشاعر الباحثة عن الجمال في كل الحنايا ..
ومع كلّ ذلك إلا أنّ بعد الاغتراب والغربة تظهر في هذه القصيدة وهذا يطمعها الصدق
فكما بدأ القصيدة بفوضى العطر وما سببته من تشتت وتساؤل وترقب ووجل
يعود فيقرّ بحقيقة أنه على الرغم لعشقه لهذا الجمال إلا أنه لن يسكنه
بل هو مجرّد عابر مار وسيرتحل عنه حين يقول القدر كلمته ويحين الأجل في العودة للديار أو في الرحيل عنه
وممّا حوله فإنه يخاطب الشارع .. تُرى لماذا خصّ الشاعر الشارع بالخطاب ؟ هل يعني به شارع باريس ؟
أم يريد أن يدلل على أنه غريب يمر من هذه المدينة .. والغريب لا بيت ولا حي ولا حارة يدري ويعرف
الغريب لا علاقة له بكل ذلك .. إنما علاقته بحجارة الشارع التي يسير عليها مارا من المدينة ..
والشاعر يعيش حالة غربة وهو يجوب في شوارع باريس .. استرعاه فوح أنفاس العطور وما سبب من فوضاه فوقف لديها لأنه عاشق الجمال يقف عند الجمال دوما ويتذوّقه بشعره
يا شارع الأوهام في سحرٍ تألق .. هل سحر باريس سراب وتألقها لونا وعطرا وهم ؟..
نعم إن هي لم تُحسن احتضان الغريب .. نعم إن لم يجد فيها هذا المار بعض الأبجديات التي يؤمن بها في الأرض والوطن والمدن ..
كثيرة هي الأشياء التي يمكن الوقوف عليها هنا لكن مع عجلة تناول الحروف لا يسعني سوى الإشارة أنها كثيرة .. وأتركها لذهن القارئ ليتفنن في بسطها وطيها
(ما العمل؟) نعم ما العمل ؟ فأنا مجرد مار فلماذا فوضاك فعلت بي ما فعلت ؟ لماذا جعلتني أفتنن في سحرك المتألق وأنا لم أرد المكوث ولا الوقوف أردت أن أمر بسلام
وكنتِ كالسراب الذي يتراءى للظمآن في الصحراء .. وما هو إلا وهم .. نعم فنهايتك ونهايتي آتية .. فعلامَ أسرفتِ في رسمها وأشرفتِ في غيّي
وماذا بعد أن أغادرك .. هل سأنسى ؟.. لا طبعاً .. كنتِ الوهم اللذيذ السحر .. وسأظل بكِ أتضوّع
وأظلّ اتساءل ما سرّ ضوع الوهم هذا حتى أنه بلغ الحنايا من ليلنا لمّا ينسدل ؟....

فوضاك نخب الروح سيري نحو صدرٍ ينهملْ
صبي رؤاك رواية كالحلم يخفق في عجلْ
كأس يدور كما النجوم مع النديم ولا يصلْ
ذكراه أسفار القلوب شراع روض قد ثملْ


ينتقل الشاعر بينها والشارع ليعود مجددا إليها .. ويعود إلى فوضاها مرتّبا لها انها نخب الروح فيوجد لها السكن لتسكن من فوضاها نحو صدر ينهمل عشقا للجمال
ولكن لا تسكتي عن ضوعي ففوحي صابّة عطورك رؤى .. فنكون أنا وأنتِ أبطال رواية في حلم لذيذ تتصاعد وتيرة التغلغل وأحداث الرواية فيه لخفقه العجل ..
والعجل هنا استعجال الشاعر للتغلغل في الحلم وعيش لحظة الحلم في تلذذ قبل أن يتبدد السراب ويبدو الوهم جليا !
هذا الخفق كأنه كأس نبيذ مسكر مرغوب يدور وامضا كالنجوم من بعيد .. والآن النجم دلالة لبعد المنال كما يظهر في قوله (يدور مع النديم ولا يصل)
فيبقى كالذكرى العبقة العالقة في أسفار القلوب خلال النبض حين الغرق في ثمالة الذكرى لحظة حضورها في الذهن والقلب
فكأن القلب سفين وهذه الذكرى شراعه والعباب الخفق والبحر ليس بحرا لجيا بل روض ثمالة !!!! ما أجمل الغرق مع الشاعر في صوره المبتكرة المبهرة

في ليلك الوسنان ينسكب المغيبُ ويشتعلْ

عود الشاعر في رحلة الحلم هذه فيخاطبها من جديد قائلا .. (في ليلك الوسنان)
نعم فهو غارق في الحلم وهذا الليل وسنان على الرغم أن المدينة لا تنام إذ أن المغيب ينسكب ويعود فيشتعل وينسكب ويشتعل لما فيها من أضواء وووو
لكن من يريد الغرق في الحلم يستطيع ذلك فذاك أيضا لذيذ في حضرة الليل الوسنان ليس تلك الفوضى إلا محببة كفوضى العطور
لأنها جزء لا يتجزأ منها !

من تاه في عينيك ينساه الخيال وينشغلْ

أمّا هنا فيعتليني الذهول في إعجاب لهذا البيت المائز .. الأمر المتعارف لديّ أن التوهان في عينين تكون ترحالا في عالم الخيال ..
لكن في باريس لا داعي للخيال فالخيال أصبح حقيقة ماثلة وواقع معاش .. فلينسانا الخيال وينشغل عنا بمن هم محرومون من عينيك هذه
يا لهذا الشاعر الغارق في العذوبة والعاشق للجمال إلى درجة لا توصف فقد نزع مني دهشة لا ترد ....!

لحنا ترجِّعُهُ الجداول صوب ثغرك والمقلْ
"باريس" يا قمرا يسافر في شراعي المرتحلْ


هنا الانتشاء هنا الحلم حقيقة هنا الروي والرواء ..
في الإبحار في عينيها وفوضى عطورها ما هو إلا لحن رواء
ترجّعه الجداول إلى ثغرك فيتغنى والمقل فتفتتن ..
فيكون الصوت والصدى واحد .. كما أصبح الحقيقة والخيال واحد
باريس .. نعم باريس قمر المدن .. ولكل قمر منازل يسافر حولها
فباريس تسافر في منزلة الشاعر الوجدانية والشعرية
وهو يسافر فينزلها في ارتحاله ......
وتظل لباريس ذاك البريق في النفس والروح الذي يا يغادرهما أبدا

فما زال لباريس سحرها منذ زرتها وهاهي تسكرني فأثمل من ذكراها العتيقة في قلبي
وما زال عمر الهباش كما ألفته .. شاعرا راقيا غارقا في الرقة عاشقا للأنثى والجمال
شعره منساب كشلال عطر !
كالحرير الذي تتمناه الأنثى فترتديه ..أفلا تتمناه القصيدة لترتديه شعرا

اخيرا أشكر الشاعر القدير على تحفته الباريسية الفوح والعبق والتي ضرّختها بخربشتي التي لا أتمنى أنها لم تغير أنفاسها العبقة بالعطور فلإنني أشم باريسَ وعطورها منذ وقعت عينيّ على هذه الخميلة الرقراقة رقة وعذوبة والفواحة عطرا وعبيرا .. وهذه الوقفة القاصرة لا تفي حروفه حقها فأعتذر منه على تقصيري .. وأوضّح أنّ كلّ كلمة هنا تتبنى أفكاري ورؤاي الخاصة .. شاكرة إياه وكلّ من سيمنّ على حروفي فضل الوقوف والقراءة ..



8
النص : قصير التأمـّل/ بشرى بدر / سوريا
--------------------------------------------------



وبعضٌ من التّأمُّلِ في
(قصير التّأمُّل)
للأديبة بشرى بدر

النّص
قصير التأمـّل
**************

أعـرفـت جـهـلـك أيّـهــا الإنـســانُ
تسعى ، و سعيك ليـس فيـه أمـانُ
تمضي إلى غدنا .. و تجهلُ ما غدٌ
و تـخــالُ أنّـــك مــــاردٌ شـيـطــانُ
و تــروح لـلأمــوال مـغـتـرّاً بـهــا
و إلهـك اللـيـرات ... و السلـطـانُ
رفقـاً بنفسـك قـد قطـعـت زمامـهـا
فـغـذاء روحـــك طـيـبـةٌ و حـنــانُ
إنْ كنـت تأمـل أن تعيـش بـراحـة ٍ
فانـعـشْ فــؤادك .. إنّــهُ الـغـفـلانُ
أمّـا النعيـمُ فلسـت َتـعـرف طعـمـهُ
و الطبـعُ عـنـدك رافــضٌ عـجـلانُ
قـاربــت قُــــدْراتِ الإلــــه تـمـلّـكـاً
لكـنْ بعـبـد هــواك .. أنــت هــوانُ
و نسيـت أنّ العيـش طعـمُ كرامـة ٍ
و الحرف من صمـم ٍو أنـت جبـانُ
فاشمخْ بنفسك .. لا تبـدّلْ وجههـا
و لــك الجـبـال الـشـمّ لا الـوديــانُ
و انظـرْ إلـى الأقمـار مُهتديـاً بـهـا
و انـبــذ ْبـريـقـاً زيـفُــه الـلـمـعـانُ
و اعـرفْ بـأنّ القـولَ دون قرينـة ٍ
في الفعل ... تطبيلٌ .. و لا ألحـانُ
و بـأنّ جعجـعـة ًيجلـجـل صوتُـهـا
لا الطـحـنُ مـوجـودٌ و لا الطـحّـانُ
مـا عـاد فـي مقدورنـا نُصغـي لهـا
بــلْ صمتُـهـا و ضجيجـهـا سـيّـان
يـا أيّهـا المصلـوبُ فـوق عروشـه
كرسـيّـك المكـسـور لـيـس يُـصـانُ
و القـوم قالـوا : لـو سـواك مخلّـدٌ
فيهـا ... لمـا سنحـت لـك الأزمـانُ
هـــلاّ عـرفــت الآن أنّـــك راحــــلٌ
لا ســـورك الـبـاقـي ٍو لا الأقـنــانُ
هي رحلـة ٌلا زاد فيهـا ، لـن تـرى
إلاّ الــورى بسـوادهـم قــد هـانــوا
مـن رام منـهـا جـنّـة ً يـزهـو بـهـا
يــحــيَ الـحـيــاة بــأنّــهُ إنــســـانُ
و يـلازم الـقـول العفـيـف و فعـلـه
و بـذاك ترقـى .. يـرجـح المـيـزانُ
" إنّ الحيـاة حبَتـك كـلّ كنوزهـا "
فاعـمـل لأخــرى مــا لـهـا نـكـرانُ


بشرى حسن بدر / 2007 / م



سأتغلغلُ في العنوان بدءاً لأنّ مفتاحَ القول والفصل في العنوان (قصير التأمُّل) .. جمع العنوان ضدّان غير متضادّين لغوياً وإنّما متضادّان ترابطيا، التأمّل هيَ وقفةٌ مطوّلةٌ يخوضُ فيها الفكْرُ رحلةً طويلةً من التفكُّرِ في جوانب الأمر الّذي يتأمّلُه فيمرُّ على تفاصيلها مدقّقا \ متذوّقاً وكأنّها تلمسُ جانبا منهُ، من روحه ومن كيانه حتّى يصلَ في آخر الأمرِ إلى ما أقدرُ أنْ أشبّههُ بصورةٍ كاملةٍ مفصّلةٍ عن الأمر المؤمّل .. والخطاب في النّص \ القصيدة لقصيرِ التأمّلِ بل للتّأمُّلِ في جوانبِ الحكمةِ في شتّى أمور الحياةِ وما يُشكلُ فيها على النفس البشريّة .. هو التّأمُّلُ لأمورٍ خبرتْها النّاصة من الحياة وجرّبتها وحصلتْ على النتائجِ الّتي منها علمَتْ وخبرتْ وفهمتْ .. وأموراً أخذتها من مواريثِ الأوّلين وفي التربية والمعايشة .. ومن هذا المنطلق تنطلق سفين القصيد تمخرُ أبيات الشعر بإتزان ملؤه الوعظ والحكمة والغاية التّأمُّلُ .. لا يخلو من تقريع الأمومة الحنون والّذي يكون من مخافة على المُخاطَب ......
يُعجبني الوقوفُ على بنائية القصيدة وبحرها وقافيتها .. فإنّ للصوتِ وللنغم وتصاعد وتيرتهما من انخفاضها الأثر في وقع الكلامِ على النفس .. وبما أنّ القصيدة دعوة للتّأمُّل فإذا بي أسمعُ نداء (يا أيُّها الإنسانُ) منها .. وهذا ما يُلخّصُ ما عليه بحرَها وقافيتها ونغمَها، وأمّا بنائيّة النّص وكيف أنّ البحر والقافية قد ساعدا في تدفُّقِ الحكمةِ والوعظِ من بين حروفه فإنّه منوطٌ بالشاعرة وذاتها الشاعرة وكيفية تطويع حرفها ولغتها لكي تركب هذا البحر في زورق الحكمة والوعظ وشراعها (إنسانُ) وهدير أمواجِ البحر (متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلْ) فكيف جدّفت بشرى عُبابَ الشّعرِ وهي تطلُبُ من الغريقِ التّأمُّل والتوعّظ حتّى ينجو بمساعدتها ممّا حاولتْ هي أنْ توصلَ لهُ ممّا وصلها على مدّ العمر والحياة .........

أعـرفـت جـهـلـك أيّـهــا الإنـســانُ
تسعى ، و سعيك ليـس فيـه أمـانُ


مطلعُ القصيدة إخباريٌّ في قالبٍ إنشائيٍّ استفهاميٍّ تعجُّبيٍّ، يريد توليد الحيرة والاستغراب لدى المتلقّي؛ بما يفتعلُ في نفسِهِ من صدمةٍ كفيلةٍ أنْ تسرقَ انتباهَهُ وتُجيّشُ لديهِ مشاعرَ موائمةً لِمَا نَجَحَتْ في افتعاله في ذاتِهِ وصدرِهِ، فيكون مكنونُهُ وتكونُ نفسيّتُهُ بكلّ ما يملكان من حواسٍ كُلِّهما آذان صاغية برفقة الفضُول والشّغف مع ما سيأتيهِ من بيانٍ وتفصيل .. يأملُ من خلفِهما جلاء حيرتِهِ واستغرابِه وعودةُ خمودِ كلِّ ما أُوقِظَ فيه ليرجعَ فيخوضَ سباتَهُ كرّةً أخرى .. لكن هيهات .. فما انتهى البيتُ إلا بكثير حيرةٍ أثارتْ مزيداً من فقاعات السُّؤال .. السُّؤال الّذي ابتدأت به القصيدةُ وابتدأ به البيت المطلع ابتدأ بحرفِ استفهامٍ أوحدٍ، أثار كلّ هذا النقع وكَأنَّ معركةَ أسئلةٍ حاميةَ الحيرةِ دارت ههنا ! (أَ عرفْتَ جهلَكَ) هكذا نصّب السؤال إصبعهُ المتهِّمة نحو المخاطَب بكلّ قوّة بيان وهدير صوت .. لندخلَ أكثرَ في هذه المقابلة الجدليّة المذهلة بين (عرفت) و (جهلك) .. كان التساؤل الّذي في طيّاته معانٍ وفيرة التنّوع (أَ عرفْتَ) فيها الإخبار بما جهلَ المخاطب .. فيها التنويه .. فيها ديباجة وعظٍ وحكمةٍ قادمين .. فيها أمور نتلمّسها ونستطعمها ولا نفقه كنهها، فهي لذيذة بغموضِ تكتنفه وهي جليّة كالشمس التي لا يمكن لبصر إنسان أن يطالها بنظرةٍ سويّةٍ على الرغم من اختبائها .. ثمّ وإنّها دعوة للمخاطب لمحاولة (المعرفة) بجهله أو (التعرّف) على جهله و(التغلغل في معرفة) حقيقة جهله ... (تسعى ، و سعيك ليـس فيـه أمـانُ) أنّه ساعٍ دون دراية إلى هلاكِهِ الّذي لا يبدو له لأنّ الأضواء قد خطفت حقيقة هذا الهلاك!
وما يزال المخاطب ساعياً وماضياً يتخبّطُ بالأضواء والبهرجاتِ، فهل حينما قالت له بشرى (قف واسمع وتأمل وتفكّر) أ يأخذُ بكلامِها .. فلنسمعْ نحن ما أرادت بشرى أنْ تُفهمَهُ وتعظَه به حين قالت:

تمضي إلى غدنا .. و تجهلُ ما غدٌ
و تـخــالُ أنّـــك مــــاردٌ شـيـطــانُ

و تــروح لـلأمــوال مـغـتـرّاً بـهــا
و إلهـك اللـيـرات ... و السلـطـانُ


الفعل (تمضي) حاضرٌ ذاهبٌ نحو المستقبل (الغد) .. وأستشعرتُ بالهرولة من الماضي الساعي الجاهل الّذي لم يُدركْ فيعرف حقيقة جهلهِ .. أستشعرتُها في (تمضي إلى غدنا) فكم يستعجلُ الغدَ هذا المغرّر بهِ لظنّه أنّ ماردَه الّذي يسعى نحو (المهلكات) أقصد نحو البهرجات والأضواء سيغدو كبيراً بمجرّد أنْ يأتيَ الغد .. فهي آماله وأحلامه الّتي سابحٌ هو فيها في نومٍ عن الحقيقة أنّ الغدَ مجهولٌ .. هذا الغدُ لا يعلمُ بِهِ أ بِهِ ما يريد أم بِهِ عكس ما يريد .. أمْ تُراه سيكون فوق التّصوّر الّذي قد يتصوّرهُ .. كيف لهذا الغد أن يغدو مجهولاً وآياته في اليوم الحاضر واضحة وجليّة .. ولكنّ كيف أنّ هذا الإنسان الماضي نحو هلاكهِ لا يدري من أمر يومهِ حقيقةً فإنّه أيضاً لن يدريَ ولا يتلمّس ما لغده من مآل .. فآيات الله في الكون والخلق وسير الأوّلين والأمم واضحة والعلاقة دوماً في (ما تزرع .. تحصد)!
ومن بين كلّ البهرجاتِ الحياتية سطوة المال والذهب والحكم والسلطان الّتي قد سطت على نفوس الكثيرين والشواهد أكثر من أنْ تقال وتُروى فهي من بين حادثات الشّارع اليوميّة وكلّ أحداثِ قصصها متشابهة المنشأ والمآل متشابكة والظروف والأحوال ......

رفقـاً بنفسـك قـد قطـعـت زمامـهـا
فـغـذاء روحـــك طـيـبـةٌ و حـنــانُ

إنْ كنـت تأمـل أن تعيـش بـراحـة ٍ
فانـعـشْ فــؤادك .. إنّــهُ الـغـفـلانُ


هنا التحوّل الّذي أفضي بهِ شفقةٌ ورأفةٌ وربّما المحبّةُ بإنسان الآخر والميلُ إلى النّصيحة والتناصح لأجل الغير وخير الغير .. وإلا فما مقوّماتُ العظة إنْ خلت من مشاعر الإنسان النبيلة والراقية .. فكان الطلب أشبه برجاء (رفقاً بنفسكَ) لأنّ التّقريع لا يجد صدى إيجابي في نفس الإنسان أيّ إنسان .. وكان أشبهَ بالبكاء كأنَّ مصيبةً قد حلّت (رفقاً بنفسكَ قد قطعتَ زمامها) .. من جاءَ الإرشاد وكأنه آتٍ من قلبِ إمٍّ حنون رؤوف خؤوف على طفلها تريدُ له الخير والسعادة والصلاح والفلاح .. جاء موقداً أعماق الإنسان لتثور طيبته وحنانه (فغذاء روحك طيبةٌ وحنانُ) فيعود إلى رشدهِ وتُفتحُ عيني بصيرته فلربّما لا ينجرف نحو الهاوية .. (إنْ كنت تأمل أن تعيش براحةٍ فانعش فؤادك .. إنّه الغفلانُ) وهنا تُلقي على سمعه ما يوقظُه تماماً .. لأنّه ما أراد من سعيه وجريه إلا الراحة وإرضاء نفسه لكنّ بطريقة خاطئة بطريقة لا تعود عليها وعليه بأي نفع وإن جاءت تجيء بسرابٍ يتلاشى إذا ما جاء الغد الموعود

أمّـا النعيـمُ فلسـت َتـعـرف طعـمـهُ
و الطبـعُ عـنـدك رافــضٌ عـجـلانُ

قـاربــت قُــــدْراتِ الإلــــه تـمـلّـكـاً
لكـنْ بعـبـد هــواك .. أنــت هــوانُ

و نسيـت أنّ العيـش طعـمُ كرامـة ٍ
و الحرف من صمـم ٍو أنـت جبـانُ


فتتبدّلُ نبرة الخطابِ إلى أسفٍ وتأسُّفٍ شابَهما علقمُ الحقيقة الّذي يحاول تغاضيها فكانت كصفعاتِ إشفاقٍ موقظةً للمُغيّب ومحاولة إعادته إلى وعيه .. (أمّا النّعيمُ) هو هذا النّعيم الكاذب شغله الشاغل الّذي يلهثُ خلفهُ ولكن النّعيم الصادق الحقيقي فإنّه لا (يعرف طعمهُ) فرواسب جهله المعلوم كالرّان على قلبهِ فأغفل وغرق في الملذّات الزائفة المهلكة وهذا من بعض طبعٍ فيه (والطبعُ عندكَ رافضٌ عجلانُ) الرفض للحقائق لأنّ بهرج الزيف وهمٌ كبيرٌ كفقاعة هائلة لمْ تنفجر بعد لكنها سالبة لبّه حتّى الآن .. العجل وما أدراكَ ما العجل؟ فإنّه يستعجل كلّ شيء .. يستعجل الخير ويستعجل الشر .. يستعجل الرحمة ويستعجل العذاب !! وإنّه في غيّه ساعياً في خرابٍ (قارب قدرات الإله تملّكاً) ربما بأموال ربما بنفوس ربما بيعت له ذمم ربما وربما .. تملّك لكن ما أحسن الامتلاك والتصرّف .. تملّك لكنّه ليس العدل حتّى يعدل في ما ملك بل تحرّكه شهواته ويستعبدهُ هواه (لكن بعبد هواك أنت هوانُ) فأضحى مع جلال كلّ ما ملك وتملّك هواناً .. فما زاده الملك إلا هواناً فلم يعدل ولم يحكم ولم يصلح ولم يستصلح ولم يحسن بل ذلّل كتفيه ليركبه هواه أنّى شاء !! ظلّ يجري وراء المهلكات حتّى تملّكها وهماً .. واستملكته هي حقيقةً وروحَه وإرادته فأردتهُ هواناً، وفي جريه ذاك نسي أمراً جدّ هام نسي شيئاً يسمّى (كرامة) فأيّ عيشٍ مهما بلغ من الملذّات مبلغها إلى أنّه لا يكون حين يكون بطعم الكرامة والعزّة ورفعة الرّأس فما هنالك شيئاً كإجترار مرارة الهوان .. ولا يحسبنّ أحدٌ أنّ العيش بكرامة بالسّهل رغم أنّ لا يضاهيه شيء بل إنّه يتطلّب شجاعة فريدة ونادرة، ولكن من قَبِل بالهوان كيف تأتيه تلك الشجاعة أبداً فهو (جبان)!

فاشمخْ بنفسك .. لا تبـدّلْ وجههـا
و لــك الجـبـال الـشـمّ لا الـوديــانُ

و انظـرْ إلـى الأقمـار مُهتديـاً بـهـا
و انـبــذ ْبـريـقـاً زيـفُــه الـلـمـعـانُ


وبعد الصفع بالحقائق والّتي إذا كانت إيقاظاً لهُ فإنّ النّبرة يجب أنْ تختلف إلى غرضٍ آخر .. فكانت النبرة حثّاً على الخيرات الّتي فيها رفعة الإنسان وإنسانيته .. فحتّى يكونُ الحثّ مجدياً كان يجب أنْ يبدأ بأمرٍ يثير المخاطب إلى العمل به ولا يدعهُ يعود إلى غفوة الغفلة تارّةً أخرى .. فبدأ بأمرٍ مشابهٍ لما هو آت هرولة خلفه ألا وهو الصعود إلى النجوم الزائفة فكان الطلب (فاشمخْ بنفسكَ) فإنْ هو أراد أن يحلّق أمسكتهُ منبهةً (لا تبدّلْ وجهها) هو وجهها تفتحُ آفاق معاني كثيرة لا يمكن أنْ أحصرها فأذكر منها أن يكون معناها الحقيقة فالشموخ بغير وجه الحقيقة يكون أيضاً بهرجاً زائفاً .. وجهها قد يكون أنْ يظلّ المرء بلا تلوّنٍ مماراةً لما يريد الوصول إليه فيبدّل من وجهه ويغيّر من لونه وكم من ذمٍّ يحصد! وجهها أيضاً قد يكون الوِجهة التي يجب أنْ يشمخ إليها يكون في الاختيار الصّحيح بين الوجوه حتّى يقع على الوجه الوحيد المصيب .. فيكون التنوير بعد الحثّ على الشموخ بدون تبديل وجهها أنَّ (لكَ الجبالُ الشّمِّ لا الوديان) .. فاتّجه إلى الشموخ الحقيقي ولا تقعدّن في تعرّجات الوديان وضيقها والنزول إلى دركاتها السحيقة المودية إلى الهلاك ..! ثمّ الدعوةُ الّتي تضع ناظري المُخاطب صوب الأعلى دوماً فكان أوّل الأمر الجبال ومن ثمّ كانت (أقمار) و(مهتدياً بها) الّتي تضعني في وقفةٍ أتأمّل الكلام بل الصورة بل اللوحة .. أتأمّل ماذا أرادت البشرى القول من (الاهتداء بالأقمـــار)؟ لأنّه أمرٌ ليس بالمألوف .. المألوف هو الإهتداء بالنّجوم خصوصا لمن يسافرون برّاً أو بحراً وليس القمر .. فماذا أرادت من خلف حثّهِ الاهتداء بالقمر؟ ولماذا ليس قمرا (مفردا) بل أقمار (جمع)؟ وندري أنّ السماء دوما فيها نجوم كثيرة لكنّ قمر الزمان واحد ......! بدءاً أقول هذا ليس بسفرٍ في رحلة بل هو سفرُ الحياةِ والسّفر في الحياة يختلف عن رحلة السّفر المعروفة .. وهكذا سفر لا يكون بنجوم تتلألأ حينا وتأفل أحياناً ولكن بالقمر فمنازله معروفة فلا هو يخرج عنها ولا يُبدّل سير أطواره إلا في تلكم المنازل .. إذاً هو الحثّ على ما هو دائم دوام الحياة لا آفل .. على ما هو ثابت لا ما هو متغيّر .. على ما هو واضح ومنير لا من هو خافت يومض قليلاً ويخبو أكثر .. على ما هو حقيقة طول الزمان وتبقى وليس ما هو بهرج زائف يبهر ويخطف العيون ثمّ يتسرّب متلاشياً .. ثمَّ وإنّه الإهتداء بالقمر المنتظر وأسلافه لا من عدّوهم نجوما وقد أفلوا من زيفهم..! (وانبذ بريقاً زيفهُ اللمعان) فأين البريق من النّور؟!!!

و اعـرفْ بـأنّ القـولَ دون قرينـة ٍ
في الفعل ... تطبيلٌ .. و لا ألحـانُ

و بـأنّ جعجـعـة ًيجلـجـل صوتُـهـا
لا الطـحـنُ مـوجـودٌ و لا الطـحّـانُ

مـا عـاد فـي مقدورنـا نُصغـي لهـا
بــلْ صمتُـهـا و ضجيجـهـا سـيّـان


وعندمـــا يكون المخاطب قد أبصر بضوء القمر .. كان الصّدحُ بحقيقةٍ ما في أذنِهِ أوجب من باب الوعظ والإرشاد .. فكان أنْ (اعرف) انبذ جهلكَ وجهالكَ وتعلّم وتعرّف إلى حقيقة الأمور وصدقها .. (اعرف أنّ القول دون قرينةٍ في الفعل تطبيلٌ ولا ألحانُ) .. اعرف أنّ من يقول ويتكلّم ولا يفعل ممّا يقوله شيئاً أمرهُ أمر الطبلة فارغاً مثلها وإنْ دوى صوتها عنيفاً ولقي صدًى أقوى من الخواء، والدقّ على الطبل فراغا وبطريقةٍ عشوائيَّةٍ قد يجيده الكثيرون لكنّ القلّة الّتي تدوي كالطبل ويكونُ في دويّها صدى اللحن والفعل يكون كلامها عملا وقولها فعلا ...! (وبأنّ جعجعةً يُجلجلُ صوتُها، لا الطحنُ موجودٌ ولا الطحّانُ) فالمفرقعاتُ يجلجل صوتها والقنابل كذلك لكن خلو المفرقعات من القذيفة يجعل من صوتها مجرّد جعجعة حاولت تدمير الصمت لكنها لم تستطع .. حاولت ترك أثرٍ لم تستطع .. كذلك هو الفرق بين القول الحق المقرون بالفعل والجعجعة الفارغة مهما كان صوتها مجلجلاً كأفعى ملساء سامّة إلا أنّ صوتها ليس إلا إنذار خطر بسيط لا يتعدّاها كثيراً إن كان هنالك توخي الحذر .. ليس كلّ صوت يؤدي إلى نتيجة إلّم تكن هذه النتيجة فعلاً بالقول وإذا كانت لا نتيجة هناك (الطحين) فما مردّه إلا ألا (طحّان) هناك !.... لأنَّ هذه الجعجعة مضيَعة للجهد والوقت ولأنّ لا فائدة مرجوة منها فالإصغاءُ لها ضربٌ من الجهالة والحماقة والغباء فـ (ماعاد في مقدورنا نُصغي لها) ذلك وقد خبرنا ما فيها فراغ فكيف نعود نصغي لها ثانية .. لأنّ لا فرق بين ما يصدر عنها وبين يسكت فيها (بل صمتها وضجيجها سيان)!......

يـا أيّهـا المصلـوبُ فـوق عروشـه
كرسـيّـك المكـسـور لـيـس يُـصـانُ

ويرتفعُ صوتُ النّداء أنْ (يا أيّها المصلوبُ فوق عروشِهِ) اسمع .. وقبل الخوض في ما يسمع سأقفُ أمام هذه الفنّية الجليّة في هذه الصورة المائزة والماتعة صورة (المصلوب فوق عروشه) .. كيفَ يكونُ المرءُ فوق العرش؟ ألأيس يكون ملكاً .. فكأنّ هذا المُلك دقّ مساميره فيه حتّى ثبّته فوق العرش تثبيتاً مؤلماً موجعاً نزفاً وموتاً وهي إشارة إلى كثير من بينها لا هناء لملك متمسّك بملكه يعبد عرشه فيصلب نفسه فداءً له .. ثمَّ إذا إنهار العالم من حوله وسقط هو .. لأنّ كرسيّه الّذي يعتليه بل الّذي هو مصلوبٌ عليه يعاني كسراً (كرسيّك المكسور ليس يصان) لا يمكن إصلاحَهُ فتكونُ الطّامة ويكون يوم النذير الوعد ....

و القـوم قالـوا : لـو سـواك مخلّـدٌ
فيهـا ... لمـا سنحـت لـك الأزمـانُ

هـــلاّ عـرفــت الآن أنّـــك راحــــلٌ
لا ســـورك الـبـاقـي ٍو لا الأقـنــانُ

هي رحلـة ٌلا زاد فيهـا ، لـن تـرى

إلاّ الــورى بسـوادهـم قــد هـانــوا

أجل!..... فلا خلود لمخلوق ولا خلود لشيء معه إلا الثّوابت الرّاسخة الّتي ثبّتها خالقها منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة .. ثبّتها لا خلّدها وإلا لانتفى معنى (كلُّ من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) .. فهلا أدرك هذا المغرّر بِه بالملك والبهرج والزيف أنّه يسعى لتخليدٍ له ولما يمتلك وألا خلود فإنّه راحلٌ لا محالة عاجلا أم آجلا وليس هو فقط ما رفع من بنيان لتكون له (سوراً) حامياً أو أبراجاً مشيّدةً .. فمهما علّى من أمر سوره لن يحميه من قدره إذا حلّ ومهما علّى من برجه لن يعدو عن كونه (قنّاً) فما هو بجنب شامخات الجبال .. وههنا طرأتْ على بالي صورةً قد لا تكون مناسبة وفصاحة القريض لكنّني أذكرها لورودها بذكري .. كلمة (الأقنان) جلبت إلى ذهني قنّ الدجاج فكأن الصورة تقول لي ومهما باض في القنّ الذهبُ الذهب وتراكم فصار قنّا أو جبلا صغيراً فإنّه لن يشفع يوم النذير من الوقوع في العذاب الأليم ......!
فما هي إلا رحلة وكلّنا فيها مسافرين ومنها يوماً راحلين وما زادنا منها إلا ما يضمن لنا العبور نحو الحياة الحق فكلّ ما على ظهر الأرض يرثه الله يوم الدين .. إذا هي رحلةٌ ليست للتنقيب والجمع والتكنيز بل كلّما مضينا فيها من كنوزها خفافاً خفَّت علينا وطأة العذاب .. فالورى في سوادهم أهو سواد الحزن والحداد أم هو سواد ما شابهم به بسبب ما فعلوا فكانو في هوان .. أفلا نعتبر ؟!

مـن رام منـهـا جـنّـة ً يـزهـو بـهـا
يــحــيَ الـحـيــاة بــأنّــهُ إنــســـانُ

و يـلازم الـقـول العفـيـف و فعـلـه
و بـذاك ترقـى .. يـرجـح المـيـزانُ


من أراد الوصول إلى الجنان الحقيقية ليزهو بعمله الصالح الّذي أوصلهُ لها بإذن ربّهِ فيمضي في الحياة بما أراد له الله أن يمضي إنساناً بخلقه وعمله وكلّ متعلقاته .. وهنا وقفتْ الشاعرة القديرة على جانبٍ جدّ مهم ألا وهي مسألة العفّة والعفاف .. فكرامة الإنسان في عفّته قولا وفعلا وعملا ودون العفّة فهو ينزل إلى الحيوانيّة بل الحيوان أرقى منه حينها .. فرقيّ الإنسان وعزّته في صون كرامته ولا كرامة دون عفّةٍ .. هي المعادلة الموزونة الّتي بها يُرجّح كفّة ميزانه خيراً وفلاحاً وثوابا .........![/justify]

" إنّ الحيـاة حبَتـك كـلّ كنوزهـا "
فاعـمـل لأخــرى مــا لـهـا نـكـرانُ

نعم وكما قالها إيليا أبو ماضي "إنّ الحياة حبتك كلّ كنوزها" ولمْ تبخل وهي بين يديك فعلامَ تُضيّع نفسك في جمع ما هو لكَ وبين يديك ومسخّرٌ لأمركَ .. بل فلترنو إلى كنوزٍ لم تطأها يدُك بعد كنوز الآخرة فأعمل لها فإنها ليست كما الّتي في يديك هذه زائلة إن كانت حقيقة وإن لا فسراب وزيف لكنّ تلكَ لا يشوبها النكران فهي وعدٌ من الله الواهب المنان ......!

ما جاءت موسيقى القصيدة شديدة لدواعي القرع فاتخذت من ميزاب الكامل رواء روحٍ برفقة ألحانٍ حانيةٍ كحنو الأمّ .. وما كانت النون المضمومة ههنا للروي إلا رويا وضمّا من نونٍ محِبّةٍ للغير خيراً كلّ الخيرِ .. وما كان القطعُ هنا للضرب (متفاعلْ) إلا قطعاً من روح النّاصة ما وهبت به من جميل الشعر وعظيم النصيحة وجليل الخير .. والألفاظ كانت ألطف ما يكونُ وأقرب ما تكون للنّفس زاخرةً بالمعاني والصور غزيرهما .....



في ختام هذه القراءة أرفع آيات الشكر لصاحبة النّص الأستاذة الجليلة والأديبة القديرة بشرى بدر وأقدّم لها اعتذاري عن قصوري وتقصيرٍ شاب هذه القراءة ساعية إلى تقديم بعض العذر في ما بذر منّي في حقّ رائعتها هذه التي لمْ توفها القراءة ولنْ توفيها.. وأشيرُ بأنّ كلّ ما كان من أمر القراءة وما تبنّته هو وجهة نظر شخصية الرؤى والمذهب والزاوية من جانبٍ أحادي إنْ أصابت في حينٍ أخطأت أحيانا .. فالعذر من التقصير والشكر الكبير لها ولكلّ من سيمنُّ على كلماتي فضل الوقوف والقراءة ........... مع أعطر التحايا وأزكاها[/justify]




9
النص : ذاكرة مثقوبة للزياد السعودي / الاردن
--------------------------------------------------



ذاكرة مثقوبة للزياد السعودي
وبعض ضوء

النص

- بلدية الخربة ترحب بكم -
... أوقف سيارته قرابة الشاخصة واسلم وجهه لانزياح الريح القوية ، اشتد عليه السعال وراح ينظر من أعلى التـلة إلى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...
غادرها فتياً بعد أن حُرم من صنوبرها، تينها، وعيون مائها العذب، وهو الذي ولد في بيت من بيوتاتها الطينية ، غادرها مطرودا هو ووالده " طبيب العرب " فقد أخفقت أعشابه للمرة الأولى في علاج احد أبناء وجهاء القرية الذي وافته المنية ،

لتبدأ رحلة اغتراب صابر الحالكة .

في تلك القرية .. كان الناس يعيشون كما اتفق .. صباحاتهم كئيبة مليئة بالغيبة والنميمة ، وأمسياتهم استكمالا لصباحاتهم ، وصابر يحلق بعيدا عن كل هذا ، وتحت شجرة توت قديمة كان يزرع ليل ليلى بالقوافي والأغنيات ويستلهم من حضورها شكلا آخر للحياة .

ـ انه الرحيل يا صابر !! أشعرُ بان روحي تنتزع مني !!
استل صابر نايه الحزين من جنبه واسلم كتفه لجذع " التوتة " ، وراح ينفخ فيه بكاءه الجاف واشتعال أنينه..

" يا سفرهم آه يا سفرهم كان بعز الليل وكان القمر غايب "

التفت حوله لم يعد هناك غير بقاياه والناي إذ ذاك... دوت صرخة محمومة اخترقت الوديان المؤدية للقرية
ـ ليلى ........ ليلى سأعود يا ابنة القلب سأعود
ودخل صابر القرية من جهتها الجنوبية ، ورغم مرور عقدين لا زالت تحتفظ ببعض ملامحها ، على هذه الزاوية كان الحلاق " أبو داود " يفتح كرسيه وتستسلم الرؤوس لماكينتة ، كان الأولاد يتلمسون رؤوسهم بعد الحلاقة تعتريهم ضحكة ساذجة.
وهذه بقالة " أبو ركاد " الذي ما انفك يعزو أسباب تدهور مشروعه إلى أن الأولاد يشترون بقرش ويسرقون بخمسة مستغلين ضعف بصره .
وهناك على تلة منعزلة بقايا منزل " أبو عوينة " يقبع منفردا فهو صاحب قدرة على الحسد وإلحاق الأذى بلحظة عين .. استصدروا فتوى و صلوا عليه صلاة الجنازة رغما عنه تفاديا لشره وهو حي يتمدد أمامهم مذعورا دون حراك ، انتهت حياته بانتهاء صلاتهم دفنوه وحمدوا الله على نهاية شره وحسده لكنهم ظلوا يخشون الاقتراب من منزله ، ظنا منهم أن روحه لا زالت هناك تهدد وتتوعد كل من شارك في الصلاة عليه .
أوقف سيارته أمام منزل أبو صايل المختار حيث كان القرار
ــ يا أبو صابر الجماعة مصرين على "الجلوة " حاولنا معهم بدون فايدة ... والله انك خسارة كبيرة للقرية.
ــ الخيرة فيما اختاره الله يا مختار
صايل وصابر في ساحة الدبوان
ــيا صايل ... ما بقدر اعيش برات القرية ... رغم أن العالم يتسع بعد الخروج من ممراتها إلا أني اشعر بالاختناق حين اخرج منها
ــ ولا يهمك ابوي رح يتابع ويظل وراهم ... بلكي ترق قلوبهم.. سنة زمان بتهدى النفوس
ــ اللعنة على الشيح والبابونج واللبخة ، اللعنة على الخشب والجبيرة ، اللعنة على الحبة السمرة ومخاط الكي اللعنة علي.
ــ اهي القرية ؟ يا صابر ام ليلى ؟
ــ القرية ليلى يا صايل !!!

العيون تحملق في هذا الزائر والشفاه تتمتم ..
- هذا اكيد مندوب الحكومة جاي عشان الشارع اللي طالبنا فيه من سنوات
- لا يا جماعة بدو يكون خبير جاي عشان الاشعاعات اللي بيحكوا عنها
- هذا من أثرياء المدينة جاي يشتري ارض ويحفرلو بير مثل اللي سبقوه مع انه كل ما نراجعهم بيقولو ممنوع حفر الآبار !!
ـ يا عمي شايفين كيف مشخص أكيد الدكتور الجديد .... اثأر هذا الاستنتاج حفيظة عزمي الممرض في عيادة القرية الوحيدة .
تحدث صابر الى عدد من سكان القرية بحذر استفسر وتقصى بذكاء وعرف ما يريد ...ثم غادر متجها الى شجرة التوت .. وما ان وصلها حتى ترجل من السيارة اخرج نايه واسلم كتفه لجذع " التوتة " وراح ينفخ فيه أشواقه واشتعال حنينه
"سافروا ما ودعوني ... سيبوني وراحوا "
وراح ينظر من أعلى التلة إلى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ...




مشهدية النّص تأخذنا تصويرياً و خيالاً في الدّراما الّتي تعترض الإنسان العربي البدوي والقروي، فيخيّل للمتلقّي أنّه يستطيع أنْ يعيشَ القصّةَ دراماتيكياً ويكونُ صابراً وجدانياً ! لنْ أقول أنّ القصّة تعرضُ أمراً غير مألوفٍ أو جديداً .. أو قضيّةً مثارةً جديداً لنتناولها .. ولكنّها تصوّرُ واقعاً معاشاً أصبحَ مألوفاً جدّاً مع ذلك فهي قصّة قائمة بذاتها تحكي صابراً! لمْ تخرج عن الواقع المتعارف فهو واقع الحال إنْ خرجت منه دخلت في الخيال ! فما الجديد في هذه القصّةِ إذاً بجانب أنها تحكي صابراً؟ الأمر الأوّل الّذي نستنتجه منها أنّ الواقع على ما هو عليه لمْ يتغيّر نفس الأعراف نفس العادات نفس القوانين والنظم المحلية .. الأمر الثاني أنّ الواقع المعاش في شتّى البقاع أصبح بلون واحد ونكهة واحدة ويعاني منه الكلّ هنا أو هناك .. الأمر الثالث أنّ القصص توّرث جيناتها الحدثية مع اختلاف ظروف المكان والزمان والتي قد تحدث بعض الاختلاف في القصّة بعض الشيء وهو ما يعطيها الفرادة كما لكل فرد فرادة شخصيته بالرغم من الجينات التي اكتسبها من سلفه .. الأمر الأخير أنّ في كلّ قرية صابر وفي كلّ قرية ليلى بل أنّ كلّ قرية ليلى !!

بنائية النّص اعتمدت على التصاعدية في هرمية البناء وانكسارات المد عوداً إلى الوراء \ الماضي لالتقاط مشاهد ولمّ أطراف القصّة إلى بعضها في ما كان وما يكون لتكوين صورة كمالية عن القضيّة \ القصّة .. "أوقف سيارته قرابة الشاخصة واسلم وجهه لانزياح الريح القوية ، اشتد عليه السعال وراح ينظر من أعلى التـلة إلى تلك القرية من خلال ذاكرة مثقوبة ..." بُني المستهل على التركيز على وتيرة الحركة وما يلازمها من خلجات وباستخدام لهجة الماضي في الأفعال التي أشعلت في ذهن المتلقّي القناعة بأنّ القصّة قد تمّت فتشدّه إلى ما حصل من أحداثها .. ثمّ بدأت القصّة دورانها نحو بسط ما كان من أمرها تمهيداً للدخول في عالمها والذّي بدأ فور تفصيل ما كان من أمر القرية وما زال على حاله وما كان من أمر بطلها ونايه والعزف والشجن وشجرة التوت والّذي ما يزال على حاله وهذا ما أتت على برهانه قفلة النص .. وتمضي أحداث القصّة بالسفر إلى الماضي واستحضار مشاهد منها والتي تعتبر الركيزة لحبكة القصّة مع الرجوع لتتابع المشهد الحاضر أو مجزوءات المشهد الحاضر التي تخللته ذاك الومض إلى الماضي كنوع من استدعاء للخيال ليوقظ الذاكرة ... السبك متماسك لم يعمل تجزيء الحاضر بالماضيات على زعزعة أطرافه بل كان متقنا حتى في القفز بين الأزمنة ما بانت الهوّة أو أربكت تلقّي المتلقّي .. الحبكة قويّة المرمى وإنْ كانت القصّة محصورة بالواقع لكنّ الخيال لا سقف له ولا أفق الفكر والفلسفة له مدى محدود .. المكان مثّل قرية يمكن أن تكون قرية أي منّا والمكانية تمحورت حول المحيط الذي يتجلى فيه ارتباط الإنسان بالأرض والانتماء والحنين .. الزمان جاء ماضيا وحاضراً ليروي قصّة حياة صابر فتيا وكهلاً .. الزمانية انتقلت من الحاضر إلى الماضي والعودة مرّات عدة تناسب واكتمال موضوع القصة

حوار النّص بُني التعاطي بين الأطراف وما حواه من شرح يُكمّل صورة كل مشهد والّذي يكمّل صورة القصّة مكتملة سواء ما كان بين أبي صابر وأبي صايل من جهة ومن جهة أخرى بين صابر وصايل في الماضي والحوار الجماعي الذي جمع القرويين والذي أثاره قدوم صابر الأجنبي الغريب إلى القرية وأثار معه تساؤلات وتكهنات وكان في الحاضر .. واحتوى النص على مونولوج جاءت على طريقة القطف \ القذف الخاطف والّذي لا يسهب في الشرح بل يترك انطباعاً مما يحمله من دلالات وإشارات ...

عن القصّة أقول:
ربّما القرية لم يتغيّر حالها عمّا كان وما هو عليه اليوم ولا حال صابر معها في الماضي قبل عقدين وما عليه حاله اليوم ولكن التغيّر جرى فيها وعلى الرغم من عدم تزحزح أيّ ثابت ظاهر إلى أنّ قد تغيّر الجوهر بغياب ليلى ! والرائي يمكن أن يلاحظ التماثل في اغتراب روح صابر في الماضي وفي الحاضر والّذي زادت بانقطاع الأمل (رحيل ليلى) وبما أنّ القرية ليلى فما عادت القرية \ الوطن بدون ليلى .. وحاله كما كان مختلفاً عن حال القرية في الماضي ظلّ مختلفا حتى حين عودته .. تغيّر معرفة الناس لصابر في عدم تمييزهم له لثقبٍ في ذواكرهم وذلك قد يكون لتصلّب عوده وتخشّن ملامحه وما تركه عقدين من الزمان عليه أو ربما لأنّهم قد جهلوه منذ الأزل ! ومن النظر إلى الحواريات يمكن للحصيف لمس الفارق بالحال وما كان عليه في الماضي وما أصبح عليه في الحاضر .. أي نعم حال البلدة (الخربة) ما زال عليه والحياة تسير فيه على ذات الوتيرة والدليل دكان الحلاق وأبو ركاد ولكنّ التغير في المناخ المحيط من العالم قدْ وصلت تأثيراته إلى القرية .. ربما لمْ يكن في الماضي استصلاحات قانونية تستقضي قدوم مندوب حكومي لمباركة أي مشاريع تنموية من شأنها يأتي على التقدم المعيشي والتطور الحياتي في القرية ولا استثمارات وأجانب يستحوذون على الأراضي بالثمن البخس ويحفرون الأبار بطرق غير شرعية على الرغم من الحظر على هكذا مشاريع ووجود ممرض وطبيب بلد الطبيب العربي الذي كان وغيرها من الأمور التي تمتم بها القرويون في حوارهم المتعدد الأفراد .. لكن السذاجة لا زالت موجودة وشبح أبو عوينة ما زال موجوداً .. وما تزال صباحات ومساءات القرية على ذاتها من الكآبة تمتلئ بالغيبة والنميمة ! ويبقى السؤال هل بقي صابر صابرا وهو يبث أشجانه لشجرة التوت عبر نايه؟ وهل بقيت أشجانه كما هي أم كبرت كما كبر وكبرت معه شجرة التوت الوفية ؟!!!![/justify]

وختاماً أرفع كلّ آيات الشكر لصاحب القصّة عميد الفينيق والقلوب زياد السعودي القدير، وألتمس منه العذر لقصورٍ في محاولتي لإلقاء ما لمْ يتعدّى الوميض الخافت على نصّه الزاخر والغزير والّذي لمْ ولن تنصفه الحروف مهما قالت، وكلّ ما تبنيته كان وجهة نظر شخصية ورؤيا خاصة بي من الإنطباع الّذي ولد داخلي لمّا قرأت القصّة وأعتذر عن قصورها وتقصيري، شاكرة كلّ من سيمنُّ على كلماتي هذه فضل الوقوف والقراءة ......[/justify]



10
النص : عصية على الدمع / سلام الباسل / فلسطين
--------------------------------------------------




قياسُ نبضِ
(عصيّةٌ على الدمعِ)
بعصا موسى
وصولجان سليمان
وقلب سلام الباسل


استهلال
وسلامُ حين تعصى على الدمعِ ترتعُ روحي في بساتين الألق الفيّاض وتغترفُ من إناءٍ يعتلي هامة نافورة السّكينة يتطاير سناها منهُ ذخّاتِ بيلسانٍ .. غُرفاتِ الدهشةِ المُطْلَقَةِ .. إكسيراً يُرسلُني إلى حتمية الأبدية في فيء حروفٍ تتلألؤُ كما نجومٍ في سماءٍ يافعةٍ في ليلةٍ صافيةٍ .. فما أجملَ تلكَ اللوحة الوامضة في هدوءٍ وانسيابية .. الشاسعة شساعة الفضاء اللامتناهي .. العميقة عمقاً يكاد يبلغُ سرّ الخليقة ....

أرحّبُ بي في رحابِ النّص وإنّي لأغبطني أنّي في رحابهِ تشرّفتُ برحابة، أرحّبُ بي وأنا أسكنُ روح الحروفِ وأمخرُ في معانيه وتداعبُ أناملي جمالهُ كما تُداعبُ الطّفلة الحاملة للشمسية في قاربٍ ملكيّ ذهبيّ مزيّنٍ بعريشة أقحوان صفحةَ المياه فتدغدغُ قطراتهُ تسلبها القطرات من عليها لصقاً بأناملها البريئة لهفةً من القطراتِ لمعانقة البراءة ........!

النص
مَن ذا الذي أنبأ النَّوى بمقلٍ صمّاء
لا تَفقهُ ثَقَافَة الدَمع!
مَن ذَا الذي وَشَى بي لسهادٍ
يدقّ أوتادهِ تحت جِفني.
لأرى ملاكاً
تاه عَن جَنّتهِ
تَلبّسته روحٌ
أعلنت مَعصِيتها
فغاصَ بأرضٍ هشّة للغدرِ المُباح
يَبذر نُطفاً مشوّهةً
ويحصِد أحلاماً منافقةً.
كَيف لَوّث خُطاه بالخَطَايا
وراحَ يُسائِل الليل عنّي؟!
مَن أكون؟!

أنا. .
أنا جرحٌ سخيّ النزفِ
يُزهر مَرّتين كل دهرٍ
جَمرات تَلتهم عتمة قَلبي

وقلبي
لَقيطٌ خانَته المواعيد المُؤجّلة
ونداءاتُ بَحّارةٍ خاتلتهم
مَوانىءٌ مَجهولة العُمر

وعُمري
شكٌّ ينخرُ في عِظام اليَقين
صَدى صوتٍ لَم يَجرؤ عَلى الصراخ
فَلاذ بالصَمت

وَصمْتي
لَعنة تُلاحقني. تُطاردني
ترمي بحنجرتي
كَحجَارة لُعبة نردٍ خاسرةٍ

وحَنجرتي
جُذوع يَباس..مُتشقّقة بِمرارِ الغِياب
تَجتثّ مِن فَم القدرِ قَسَمهَا
فــ
تُقْسِم
بحزنٍ أناخَ قَوافله بِتخومِ أراضينا
بِليلٍ يَصفع بؤبؤ مآقينا
بعزاءِ فرحٍ يُولوِل فَقْد أمَانينا
تُقْسِمُ
نكاية بِوعودِ لم تُكتَمل
ومَواثيق عَهْد لم تُحتَمَل
أنّ رُوحي
سَتبقى
أحنّ من هَمْسة
أعْمق من غَصَّة
عصيّة عَلى الدَمْعَة!!


ســلام الباسـل



حينما تصطلي الأسئلة المتعجّبة عند مدخل النّص يكونُ رحمُ الإجابة مقطوعاً فمن ذا يجرُؤُ مقاطعة الهدير المندفع بأيّ همهمة وإنْ كانت همساً ذائباً في الصمت! (منْ ذا) هكذا تستنكرُ النّاصة في استهلال النّاص وجود كائنٍ عاقلٍ يتحمّل عبء الوجود في قوقعة (مَنْ) الحلزونيّة المتاهة فتاهَ معها كلُّ مَنْ همّ أن يكونَ (مَنْ) أو مساعداً لـ(مَنْ) في جوابٍ يشفعُ لها ! إذا توقّفنا عند المدخل أكثر نجد إجادة بليغة في صياغة الصوت المستنكر استعجاباً ونفياً قاطعاً لا أخذ ولا ردّ فيهِ . (مَنْ ذا الّذي) مَنْ الاستفهامية الذاهبة في الاستنكارية والنفي الّذي حاكى النهي، (ذا) اسم إشارة يحمل إشارة عائدة على مَنْ من جانبِ الإشارة للدلالة على استعظام الاستنكار إيحاءً نحو ذاتٍ تنكرّية لا يمكن أنْ تبارحَ المجهول، (الّذي) اسم موصول ذي صلةٍ وطيدةٍ بمن وإشارتِها الذكيّة يساند الإيحاء الاستنكاري التعجّبي نافياً الوجود ناهياً أيّ مَنْ يودُّ لو يجلسُ مكانَ مَنْ .. فكانت (مَنْ ذا الّذي) كلّها تحمل قوّة الدلالة لما سيصل كصلةٍ آتية دلالةً على تعريف الاستنكار المُطلق دون حصر مُطْلَقِيَّتهِ إنّما إعطاءُهُ بطاقةٌ بها بعضُ تعريفٍ لواعيةٍ تُرتجى أنْ تُحدّدَ .. فيُسنُّ قانونُ الاستنكار في بندٍ واضحٍ متكامل الجوانب من إشارةٍ ودلالةٍ وصلة .........

مَن ذا الذي أنبأ النَوى بمقلٍ صمّاء
لا تَفقهُ ثَقَافَة الدَمع!

إذا جئنا للمعنى الّذي ضمّ هذا الاستنكار النّافي لوجدناهُ ملتاعاً مروَّجاً بتضافرِ أركان الصورة المستحكمة الوضع في قالبِ الاستنكار، إذا قرأنا هذا السطر قراءةً غير جادّة فإنّنا حتماً رفقنا بأنفسنا كثيراً .. ولكنّ قراءةَ هذه الصورة الصارخة استنكاراً تُبدي بشكلٍ جليٍّ على ماذا بُني النّص بأكملهِ .. من ههنا نلجُ إلى عالمِ سلام الباسل داخل (عصيةٌ على الدّمع) والّذي رسمتْهُ بأنامل الأنثى الحرّة العزيزة كصورة .. القديرة المتمكّنة الغزيرة الكثيفة كناصّة .. السّطر يوحي وأنّهُ ينتظرُ إجابةً لكنّ الإجابةَ أُجهِضتْ لما حواهُ من قوّة الاستنكار والنّفي الموحى .. الأنثى المتكلّمة ههنا تتهادى من وقعِ النّوى وعصيانِ الدّمع .. فتقعُ بين جمر هذا ونار ذاك .. الدمعةُ الّتي ترفُضُ النزول تبقى حَرِقَةً .. تُشعلُ في المقلِ حريقاً عظيماً منْ معركةٍ محتدَمةٍ .. هل أدخلُ إليها ؟ لا أظنُّني فاعلة !!!
للدّمعِ ثقافاتٌ عميقةٌ إنّها لمحيّرةٌ جداً .. إنّها كونيّةٌ للعاطفة .. لكلّ الخلجات هناكَ دمعٌ .. للحزن للفرح .. للسخطِ للرضا .. للمترادفاتِ من الشعور للمتضاداتِ من الأحاسيس .. إنّهُ الأبجديّة الّتي تصاغ بها كلُّ لغاتِ العاطفة .. فعنْ أيّ ثقافةٍ يا تُرى تتكلّمُ سلام ؟! وبأيّ لغةٍ تصاغُ .. وهل الصّمم عُملةٌ يمكننا التّداول بها في ثقافةِ الدّمع ؟! إذا ما أشكلتْ عليكم أسئلتي فإنّ الإشكال الأكبر منه يكمنُ فيما صوّرته النّاصة البارعة .. أتدرون كيف يكون شعوري الآن ؟!! إنّه يشبهُ شعورَ مَنْ صُدمَ نَظَرُهُ بجمالِ لوحةٍ مُتقَنَةٍ مُدهِشَةٍ وبنفسِ الوقت مُربكة محيِّرَةٍ فتُخرسُك فلا تستطيع حتى الصراخَ بـ (الله) !!!
"من ذا الّذي (أنبأ)" .. النّبأ يكون بالإخبار عمّا لا يدريهِ المُخبِر .. فكيفَ لذاك الّذي أنبأ أن يُنبئ بما لا يعلم ؟! وكيف يجرؤ على ذلك ؟! ما يزال الاستنكار يزدادُ في شدّته حتى كاد ليخرقُ أُذن السؤال قائلاً ذاك كذب كذب كذب !.. "من الّذي أنبأ النّوى" هذا النّوى كم هتك براءة القلوب وفتك أفراحها بأتراحه فمن ذا الّذي أنبأه بما أنبأه حتّى يمثُلَ فيّ ويجترح بي ما يريد كي ينالَ ما حلُمَ بمنالِهِ لما أنبأهُ به المنبئ .. إنّها لغة الأسى اللاذعة والتأوّه المرير وهذيان السّخرية الّتي تستنكر وتكذّب دون حيلةٍ أو حيلولةٍ ممّا صار كالقضاء ..! "من الّذي أنبأ النّوى بمقلٍ صمّاء" كائناً من كان كيفَ يُنبئُ النّوى بمقلٍ (صمّاءَ) .. سأتوقّف هنا ألتقط نفساً متأمِلاً عميقاً وأغوصُ في التفكّر مليّاً .. هل قالت سلامُ (صمّاءَ) ؟!......
الصّمم لغةٌ فريدةٌ لكنّ أبجديّاتِها صعبةٌ بل مستحيلة .. يكفي أنّ أيّ دويّ لأقوى الأصواتِ لا يستطيع اختراق جدران حصنِه المنيعة .. إنّها ثقافة التحصُّن ضدّ الموجات الصّوتية الجرّارة العاتية بعازلٍ جدّ قويّ ولكنّه بنفسِ الوقتِ شفّافٌ جدّا ورقيقُ السُّمك .. إنّ الصّممَ يتحدّى ويستخفُّ بجبابرة الصّراخِ .. وما الصّراخُ إلا تفجير الأمواج الصّوتية لجدران الصّمت كما تفعلُ قوّةُ الطوفان بالسّدود حتى تتشقّق جدرانها العالية وتنفجر هاوية وتفيض أمواج الماء بكلّ عنفوان تهجم على وجه الضفاف الآمنة في جهة السّد الأخرى .. وبعدما جمعتُ بعضي المتشظّي من الانفجار سأعود إلى سلامَ لأتشتّت .. هل قالت (صمّاءَ) ؟!.....
حين الحديث هناك المتكلّم وهنالك المستمع طرفٌ يكون المصدر للكلام مصدر لأمواج الأصوات المختلفة والآخر الشاطئ الّذي يتلقّى مدّ وجزر هذه الأمواج .. ماذا لو أنعدم الشاطئ ؟ وتحوّل إلى صخور عاتية صمّاء !.. فكيف للصّوت أنْ يأخذَ وتيرته في المدّ والجزر ؟!.. هنا المتلقّي يصبح أصمّا أو صخرةً صمّاءَ لا تفقه لحن أغنية الموج فتكسّرُ خطو رقصهِ وتتكسّر لديه أمواج الصّوت !.. أصمّ ........! تُرى عندما أحدنا يكلّم شخصاً ولمْ يتلقَّ منه ردّةَ فعل فلم يكن هذا الآخر شاطئاً مناسباً لموج أصواتنا فماذا يعترينا حينهـــا ؟... أظنُّ أحياناً يعترينا عدم الاهتمام فنردُّ على عدم التجاوب بعدم الاسترسال في الحديث والتباعد عن موقعَ الآخر بمسافة كافية لقطع وصول مدّ الموجات الصّوتية .. أمّا في كثير من الأحيان فإنّنا نستعين بقوّة حناجرنا لبثّ الرعب في نفس الآخر لتحريك الجماد فيه حتّى يتجاوب فنجدنا نفجّر كلامنا في صرخة أو صرخات متفاوتة .. وسابقاً قلتُ ما الصّراخ إنّه الطوفان المحطّم لجدران السدود العالية ......! هل اقتربت من الصورة أمّا زلتُ بعيدةً ؟!!! هل قالت (صمّاءَ) وأردفتها بـ (لا تقفهُ ثقافةَ الدّمع) ؟!.. تاللهِ يا سلامُ أنّكِ فوقَ كلِّ تصوّرٍ يجمحُ به خيالي يريدُ أنْ يطوّقك في إطارِ وصفٍ فلا يستطيع !.. فكيف تستطيعُ أصابعي أنْ تُمسكَ بالماء ؟!.....
سأستعينُ بآنيةٍ فخارية لأستجمع فيها قطراتي حتّى تغدوَ شربةً هنيئةً لمن عطش وهو يلهثُ خلفكِ معي وأتابع المضي بأقصى طاقة تخيّليّة لديَّ وأفجّر الصّورة لا لتتشظّى بل لتدوي في المخيّلة .. كنتُ أتكلّم عن طرفين المصدر للصّوت والمتلقّي .. أحدهما ينتهي بالصّمت أو بالصّراخ عندما يقابلهُ الآخر بالصمم .. فماذا لو حوّلتُ هذا الدايلوج إلى مونولوج .. ماذا لو جمعتُ المصدر والمتلقّي ماذا يتكوّنُ لديَّ ..؟ تتكوّنُ لديَّ (مقل) .. أليست المقل تفجّرُ الدمعَ إذا ما اعترى النفس طوفان الحزن ؟!..... ماذا يحدثُ لو أنّ هذا الطوفان حُبِسَ في قمقمِ المقلِ ؟! أليس السبب يعود إلى المقل إلى أنّها صمّاء ؟!.... أليس السّكوت عن الأصم أحد الحالتين والصّراخ هو الحالة الأخرى .. أليس كلاهما وليدا الغضب ؟.. الغضب الصّارخ والغضب المكبوت الساكت .. أيهما أشدُّ فتكاً ذاك الّذي يزرأ في الصّمم ليشقّه أو ذاك الّذي ينزوي هائلاً في قمقم صغير في حجم المقل ؟!.... أيّهما أشدّ اللافا الخارجة من فوْهة بركان فلامست الجو فبردت قليلاً أم تلكَ الحمم الـ تلتهب في أطباق بطن الأرض فتحافظُ على كبرياءِ الحياة وشموخِها ونضارتِها واستمراريَّتِها على ظهر الأرض ....... هكذا هي الأنثى أرض وكبرياءها نضارة حياة ودمعتها كالبركان .. أهو سهلٌ على الأرض أن تتحمّل في بطنها كلّ ذلكَ السعير ومن أجلِ ماذا من أجل الحياة على ظهرها لتستمرّ ؟!.. أهو سهلٌ على أنثى أن تتقلّب الدمعة في مقلتيها فلا تنزل فتظل كالحمم المتوقدة اشتعالا .. فقط لتحافظ على كبريائها فتستمرّ في هذه الحياة بشموخٍ لا بإنكسار ؟!.. فالّذي يجري على قلبِها من النّوى لهو أدهى وأمرّ وأحرّ ممّا يجري في قلب الأرض !....
"من الّذي أنبأ النّوى بمقلٍ صمّاء لا تقفهُ ثقافةَ الدّمع" عتاب واستنكار بثقافة الأنثى في سلام الباسل الراقية والواسعة ........

مَن ذَا الذي وَشَى بي لسهادٍ
يدقّ أوتادهِ تحت جِفني.


ما زلنا قريبين من قلب سلام .. من قمقم الـ يحتوي الطوفان .. من المقل الصمّاء .. من لغةِ الاستنكار النّافي في ظاهره والنّاهي في طيّاته المعاتب عتابَ بركانٍ كظمَ ثورةَ حِمَمِهِ في كلّ أركانِهِ في كلّ أطوارِهِ .. ما زال ذاك المتّهم الـ يلعبُ دورَ البريء والّذي أثار ثورةَ صمتِ هذه الأنثى القويّ الشّكيمة حتّى أنّهُ حكمَ بصممِ المقل وإنزالِها من درجةِ معرفةِ ثقافةٍ تُدعى بالدمعِ .. هذا الّذي أنبأَ النّوى سابقاً بما أنبأَها فإذا بهِ لمْ يكتفِ بل مضى في غوايتِه وضلالِهِ راكضاً خلفَ سرابِ انتصارِهِ متخّذاً هواهُ إلهاً سالكاً في معركتِهِ سبيل الدّسِّ والوشايةِ حتّى وكأنّه وصل إلى مبتغاه وانتهى إلى مرماه .. نراهُ هنا في جولة أخرى يصول بالوشاية وهذه المرّة لجأ إلى السّهاد بعدما فشل فشلاً ذريعاً في لجوئهِ إلى النّوى منبئاً لها بمقلٍ صمّاء .. لجأ للسّهاد ليشيَ بأجفانِ تلك المقل حتّى (يدُقَّ) أوتادَهُ (تحتها) .. ترى كيف يتأتى له الدقّ ؟! وماذا هو حتّى تكونَ لديهِ أوتادٌ ؟! ولماذا تحتها وليس فوقها أو يمينها أو شمالها ؟! إنّها سلامُ عصيّةٌ على التّناوِلِ حقّاً، فقد أرهقتني صعوداً إلى قمم التخيّل في صورها المتفرّدة !..
كجيش الفرس الجرّار الّذي واجه إسكندر العظيم والّذي كان يغطي الأفق على مرمى البصر بعظمِهِ وعددِهِ وعتادِهِ وفرسانِهِ فمثل هذا الجيش الجرّار إذا نزلَ ساحةً واتخذها له مركزاً مقرّاً ليقومَ منهُ بالغزوِ والحربِ .. فيشيد الخيامَ فيا ترى كم من الخيامِ سيحتاج وكم من الأوتاد سيدقُّ في أرض تلكَ الساحة ....! وإنّ سلامَ أوحت لي بكثرتها حين جمعت الأوتاد .. وقد أوحت لي أيضاً بعظمِه حين ذكرت الأوتاد .. فهل ترون معي ذاك الجبل الشامخ العظيم الّذي يُدعى بالسهاد إنَّهُ جيشٌ جبّارٌ جرّارٌ معركته محتدمة على ساحةِ المقل يثير كلّ ما يثيرهُ من قرقعة وسليل وانفجار وكلّ ما يمنع تلكَ المقل أن تهدأ من الزلازل وتغطّ في سكون النّوم ... لهذا قالت سلام (تحت جفني) فكيف لمقلها أنْ تهنأ بالنوم ومعركة يقودها جيش السهاد تقوم في ساحها وما غشّتها جفونها بالليل والسكون فما زال تلك الأوتاد الـ تمّ دقّها تحيل دون أن تنزل الجفون من سمائها وترخي سدولها لتغشى المقل بالسكينة كما يغشى الليل الكون بالظلام عندما يرخي سدوله ......

لأرى ملاكاً
تاه عَن جَنّتهِ
تَلبّسته روحٌ
أعلنت مَعصِيتها
فغاصَ بأرضٍ هشّة للغدرِ المُباح
يَبذر نُطفاً مشوّهةً
ويحصِد أحلاماً منافقةً.


نخرجُ مع سلام من دائرة إنشاء الاستفهام الاستنكاري إلى لام الجزائية التي تأتي لتحمل معنى "حتى أفعلَ شيئاً ما" .. هذه اللام علقت في حلق تصوّراتي كشوكةٍ .. كانت كمسمارٍ علق به ثوبُ خيالي فشجّت جناحاه فلم يستطع التحليق ليبقى في مرحلة إنبات جناحٍ جديد وفي تلك المرحلة مكثتُ غيرَ قليلٍ أفكّر في هذه اللام .. من فعل كذا ومن فعل كذا حتى تكون النتيجة أني أفعل كذا .. من أنبأ النوى ....... من وشى بي لسهاد ....... حتّى أرى أو لأرى ملاكاً .. لأرى الفعل الذي يقوم بالرؤية من العيون والمقل .. إذاً ما زلنا قريبين من تلك المقل وتلك الجفون فكانت الرؤية طبيعية ونتيجة حتمية .. ولكنْ لماذا (لأرى ملاكاً) لماذا أختصّت الملاكَ كوصفٍ لهُ دون أيّ وصفٍ آخر إذ أنّ الملاكَ لا يحتَمل إلا أنْ يكونَ وصفاً أمْ تُراها سلام قد رأت ملاكاً حقيقيّاً !!!!!
كانَ ملاكاً في الجنّة كما كانَ آدمُ كالملاكِ في الجنّة ملاكاً إنسياً و إنساناً ملائكيّاً .. وإذا بقدم الملاك تزل به فيتيه عن جنّتِه فأصبح محض بشر لأنّ روحاً مجهولة التعريف والوصف إلا من إعلانها المعصية تلبّستهُ .. ففعل كيت كيت وأخذ يفعل كيت وكيت .......
لآتي للتركيب البنائي الّذي ركّب صورةً متكاملة من صورٍ مختلفة تتعاضد كلّها في قالب واحد وهو الاستنكار ! فالنّص منذ الجملة الأولى (مَن ذا الذي أنبأ ......) يمضي بنَفَسٍ واحد بل يهرولُ هاوياً بنا في عمق النّبض حتّى نحسَّ .. لا! لن أقول نحسّ فهو ليس مجرّد إحساس ! ولن أقول نشعر لأنّه ليس مجرّد شعور ! هو نبضٌ أعمق فأعمق فأعمق نبضٌ يغوص في دواخلنا إلى لا قرار .. من عمقه هو وليس من عمقنا نحن !! تغلغل داخلي باعثاً حُرقةَ المقل الصمّاء ولواعجاً شتى .. إنّها اللام التي ملأتني غُصّةً حيرى محيّرِة .....! إنّ الماهية التي قد تشرحُ هذا الملاكَ عقيمةٌ صمّاءُ .. فهو يبدو كملاكٍ يحتذي بشيطان ويستقر في جسد إنسان ويتلبّس روحا متمرّدةً عاصيةً .. هكذا يبدو وهكذا يمكنُ لسطح العقلِ أنْ يشطحَ بهكذا تفسير أو تبرير لعدم الإدراك والفهم .. لكن لو أخذنا بعين الاعتبار أنّه نبضٌ فريدٌ من أنثى استثنائية لوصلنا لعتبةٍ غفلنا عنها وهي (العتاب) .. عتاب المحبّين .. بل عتاب أنثى عاشقة ليست كأيِّ أنثى عاشقة ولن أزيد في الكلام فاللبيب من الإشارةِ يفهم !!
لنقترب من مفهوم العشقِ لدى الأنثى .. أقصى ما يمكننا أن ندرك أنّه بالنسبةِ لها (جنّة) .. حسناً وماذا بشأن أنثانا الاستثنائية ما مفهوم العشق عندها .. أقصى ما يمكننا أن نصل إليه معها أنّه الفردوس (أعلى مراتب الجنّة) !! فمن يصعدُ إلى هذه المرتبة ثمّ إذ به يتيه عنها وقد تلبّستهُ روح (أعلنت) معصيتها .. فماذا يكون ملاكاً أم إبليسَ أم تراه ملاك متشيطن أم تراه إنسان في رداء حبيب عصيٍّ عن فهم هذه الأنثى وإدراكِ فردوسها الّذي كان فيه ودون أنْ يُدرك .......؟!! ولكن هل بقيَ في الفردوسِ أو هل بقيَ لهُ أمل الرجعى إليه ؟...... إنّها حوّاء وإنّها تعامله كآدم إن عصى يهبط أرضاً وإن تاب هل يرجع .......؟!! عليه أولا أن يموتَ كشيطانٍ ووقتها أستطيع أن أقول ربما يمكنه الصعود إلى فردوسها كملاكٍ مرّة أخرى .. وسيكون مختلفاً إذ أنّه لم يعد ملاكاً خالصاً بل أضحى إنساناً يقترب من خلقهِ الأوّل .....! ويبقى السؤال الذي سيحاصر حواء هل ستبقى هي هي الاستثنائية أم طارئاً ما يمكنه أن يجري عليها بعضَ تغييرٍ في خاصِّها أو في عامِّها .....؟؟
الفرق بين الأنسنة والملائكية هي في إمكانية إتيان المعصية .. فالملائكة منزّهون عن المعصية والإنسان يعصي ويستغفر فيكون قريبا من الملاك أو يعصي ولا يستغفر فيكون الأقرب للشيطان .. ومن هنا نجد أنّ الشيطنة هي الغوص في المعصية دون الرجوع عنها وطلب الاستغفار .. فإذا كان الملاك منزّه عن المعصية فالشيطان منزّه عن الفضيلة وبين هذا وذاك يكمن سرّ وغموض الأنسنة .. كما يقع الرمادي بين الأبيض والأسود !! ومن هنا نجد صاغت هذه الأنثى الاستثنائية حبيبها بحبر الملاك الأبيض ورسمها إياه بريشة سحابة .. إنّها تعشقه كثيراً بل وأكثر من كثيرٍ فلهذا رسمته جميلاً بمعاني النقاء والصفاء .. فكما يمكن للغبار الذي تثيره الرياح أن يحط على بياض الحبر وكما يمكن للسحاب أن تحبل فتكون غيوما هكذا يمكن لروح هذا الملاك أن تتلبّد بتغيرات ما تلبث أنْ تكون طقوس عارضة يمكن أن تنقشع فيسود الصفاء ثانية .. وكما تعاني الصفحة البيضاء من أثر الغبار العالق بالحبر وكما تعاني الأرض من فيضانات وسيول غزارة المطر حتى يكنس وجهها من ملامحه فيغدو موحلا وطينيا ورطبا .. تعاني روح الأنثى لما يعترك روح حبيبها .. لأنها مزيج روحين تلتحمان في إناء عشق واحد والحمل الأكبر دوما يكون على الصفحة .. على الأرض .. على الأنثى !!!
ومن فرطِ حبّهــا لهُ نزّهتهُ عن المعصية بوصفِهِ ملاكاً طيّباً نقيّاً أميراً أبيضَ .. وفوق هذا اعتبرت أنّ المعصية لم تكن من طباعه ولكنّها الروح التي قد تلبسته هي مَنْ (أعلنت) وأفصحت عن تلكم المعصية .. وكلمة (أعلنت) تؤكد ما كانت تخفيه قبل أن تتلبسه من عملٍ في الخفاء حتى إذا تلبسته أطلقتها ثورة عصيان وتمرّد وشجب بعدما كانتا روحاهما تنعمان في جنتها بالحبّ في سلام ووئام ..!

لأرى ملاكاً
تاه عَن جَنّتهِ
تَلبّسته روحٌ
أعلنت مَعصِيتها
فغاصَ بأرضٍ هشّة للغدرِ المُباح
يَبذر نُطفاً مشوّهةً
ويحصِد أحلاماً منافقةً.


(فغاص بأرضٍ) الغوص بأرض .. هل يمكنُ فعلاً الغوص في الأرض ؟ في صلافتها وصلابتها ومتانة قشرتها .......! فأين يكونُ الغوص ؟! في الماء ممكن ..! في رمالٍ متحرّكة ممكن ..! في طبقة عميقة من الثلج المفروش ممكن ..! في مستنقعٍ ممكن ..! أي في أماكن غير متماسكة ذراتها غير صلبة كليتها نستطيع أن نقول عنها (هشّة) نستطيع غمسنا فيها والغوص فيها ونبتل بها إذ تلتصق ذراتها علينا سواء كانت ذرات ماء .. رمل .. ثلج .. وحْلٌ وسمال ........! كلّها أمور تبلُّنا بها حتى تلتصق بجلدنا فيتأثر بها ويتلوّن بها وكأنّه مرتدٍ لها أو لابسٌ إيّاها .. (فغاص بأرضٍ هشّةٍ للغدرِ المباح) الغوص يكون للولوج إلى عالم الأعماق للاستكشاف لتغذية النهم القادم من الفضول وحب المغامرة والخوض في غمار الغرائب والمجهول ينشد خلالها متعة ويغذي بها شهوة ويحصل منها على النشوة وكلّها أمور (المتعة والشهوة والنشوة) تنشب من شيطنةٍ ما ليست طبيعته المألوفة ولا طبيعة الملائكية التي هو عليها الذي يمضي على وتيرة الحب ما يقضي عمرهُ عساه ينال الرضى والسلام والوئام .. فكانَ ناتجُ غوصهِ هو (الغدر) وليس أيّ غدر بل الغدر (المباح) بديهيّاً فقد غاص في أرضٍ (هشّة) والهشاشة تؤدي بزلّة القدم والسقوط في الهوة والغوص في الوحل \ الغدر .............!
آتي إلى هذه المفارقة المدهشة لسيّدة المفارقات المدهشة التي تتقن رصّ حروفها في كلماتها وكلماتها في جملها كعقد منضودٍ أخّاذ للألباب .. (غدر) و (مباح) هل سأل أحدكم كما جنوني فعل كيف هو الغدر مباح .....؟! حتى جنوني اندهش ! لله .. لله أنتِ يا سلامُ وما تبدعين .. لله أنتِ ما أروعكِ .. كيف غدراً مباح ؟ كيفَ أُبيحَ لهُ الغدر ....؟ إنّها تلك الروح التي تتلبسه تبيحُ لهُ .. أمْ تراهُ هي الأنثى الاستثنائية تشيرُ أنّها تغفرُ لهُ غدرهُ إنْ عاد تائباً .. إنّه الحبُّ وما يفعل ......! إنّهُ الحبُّ وما يدريكَ ما الحبُّ ........! وهنالك احتمالية أن يأتي الغدر من الأرض نفسها فتغدر به وحينها يدرك خطأه ومدى غبائه وندمه على خروجه من فردوسه ..!
حينَ غاصَ أ غاص ليأخذَ غطسةً وحسب ؟ أمْ توغّل في ضحالةِ الهشاشة ..! فكان الجواب (يَبذر نُطفاً مشوّهةً .. ويحصِد أحلاماً منافقةً.) شافياً .. أقف عند تينك الجملتين وإذا بي أقتطف ثلاث كلمات (هشّة، مشوّهة، منافقة) الهشاشة والتشوّه والنفاق كلها مرآة واحدة مكسورة هشة مشوهة منافقة .. هشّة لأنها قابلة للكسر .. مشوّهة لأنها صورها غير واضحة .. منافقة لأن ما أعطت الانعكاس الدقيق !!!!!
(يَبذر نُطفاً مشوّهةً .. ويحصِد أحلاماً منافقةً.) على منوال من زرع حصد جاءت هاتين الجملتين .. كان البذار (نطفاً مشوّهة) في أرض هشّة للغدر المباح .. الوضع برمّته كان خطئاً كبيراً .. غوص في أرض هشة للغدر المباح والذي كان منه لها ومن الأرض له وفي الخطأ كان البذار غلطة بنطفٍ مشوّهة ونتيجة هذه الغلطة مع احتمالية الغدر من الأرض أو الحصاد لما زرع هو (أحلام) لا حقيقة وليست أحلام وحسب بل (أحلام منافقة) لن تتحقّق وتصبح حقيقة ......!

لأرى ملاكاً
تاه عَن جَنّتهِ
تَلبّسته روحٌ
أعلنت مَعصِيتها
فغاصَ بأرضٍ هشّة للغدرِ المُباح
يَبذر نُطفاً مشوّهةً
ويحصِد أحلاماً منافقةً.
كَيف لَوّث خُطاه بالخَطَايا
وراحَ يُسائِل الليل عنّي؟!
مَن أكون؟!


(كَيف لَوّث خُطاه بالخَطَايا) استغراااااب ! أسلوب إنشائي استغراب ..! هكذا أرى هذا السؤال هنا .. نفس اللهجة التي بدأ بها النّص ..! هل هي بعينها ؟! لا ..! أرى بعض الفرق .. هناك كان استنكار غاضب صارخ .. وهنا استنكار مستَغرَب ناحب .. نعم ناحب .. ألا تسمعون النحيب هنا وحشرجة ونشيج في كل حرف ؟! ارهفو السمعَ إذا واسمعوه بنبض سلام .. هنا تبرز نغمة الانكسار ليتشقق الصوت حشرجات حنجرة تئن من وطأة النوى وحرقة الدمعة التي تأبى تنزل كبرياءً .. (لَوّث خُطاه بالخَطَايا) حين غاص بالوحل \ بالأرض الهشّة فإنّه تلوّث كما قد أسلفت وشرحت كيف يلتصق الماء \ الرمل \ الوحل بأديم الغواص .. بذر نطفاً مشوّهة أي انتهج طريقاً في العمل وكل طريق يقطعه المرء بالخطى .. خطوة فخطوة .. وبكل خطوة حط بذرة (لنفرضَ ذلك) فــــ (كَيف لَوّث خُطاه بالخَطَايا) ......!
(وراحَ يُسائِل الليل عنّي؟!) .. (وراح) أسلوب ماضي على خطى الاستغراب ذاته .. تأملوا هذا الأسلوب (وراح) .. الواو تقضي بتبعية ما بعدها لما قبلها .. أي أنّ ما بعدها يخضع لنفس النغمة ويصدر عنه ذات النحيب وذات الحشرجة وربّما تقوى الوتيرة وتتصاعد هنا .. نعم تقوى الوتيرة وتتصاعد حدّةً .. (وراح) .....! كيف لي يا سلامُ أنْ أشرح ما فعلت هذه (وراح) كما يجب !! (وراح) تنم عن استمرارية طويلة للفعل الذي تصب عليه خطى مسيرتها .. وما أطولها تلك الطريق ....! هذه (وراح) أوحت باستمرارية الفعل (يسائل) على المدى الطويل .. حسناً لنأتي للفعل (يسائل) ونقف على بعض مما يتعلق به الذي يتشابك بشكل كبير وضليع مع استمرارية الفعل ويساعد برفع وتصاعد الوتيرة .. (يسائل) فعل مضارع أي حاضر يمكنه الاستمرار إلى المستقبل .. يسائل مضارع سائل فعل رباعي على وزن فاعل .. وحقيقة أي فعل على وزن فاعل يشترك فيه الفاعل مع المفعول في مفاعلةٍ ما .. وماذا يدلّ ذلك ؟؟ يدلّ على الاستمرارية حتماً .. نوع من الصراع بين السائل والمسؤول .. نوع من المساءلة التي تستمر .. تستمر المساءلة ويستمر الإلحاح وتستمر المشادة السؤالية .. ويا ليل ما أطولك ...!
(وراحَ يُسائِل الليل عنّي؟!) كانت المساءلة (عنّي) وكأنّهـــا تقول هاهو يجهلني .. ولم يجد إلا الليل يسائله (عنّي) (من أكون؟!) .. ومن تكون ؟! ومن تكون ؟! وقبل أن تخوض هي في الإجابة وأنصت أنا .. أقف في محطة سريعة .. لنتأمل الصيغة التي تجمع الأساليب المتتالية التالية (كَيف لَوّث خُطاه بالخَطَايا)، (وراحَ يُسائِل الليل عنّي؟!) و (مَن أكون؟!) .. كلّها استغراب واستنكار وكأنّ يطل عليّ صوت (كيف فعل ذلك؟) مع لحن النشيج .......... هذه الحالة ماذا يأتي غالبا بعدها .. لن يكون إلا توجّهاً للأنا .. نعم للأنا انظروا (كيف فعل ذلك؟ وأنا التي وأنا هي وأنا من) .......... إنني على الطرف الجميل أبحرُ قدماً حتى ضوء المرفأ الأخير .....!

أنا. .
أنا جرحٌ سخيّ النزفِ
يُزهر مَرّتين كل دهرٍ
جَمرات تَلتهم عتمة قَلبي


أنا .. عجيبة هذه الكلمة .. تتماهى في تعرجات عميقة داخلنا .. تتحدر من شقوق ترسمُ معالم فينا فتهمي لتصب في لا مصب .. تتبعثر .. تتشتت .. وتبقى أناةُ آه تنتظر مراسم الفحيح .. وأنين قصبة عقيمة من النفخ .....!
خطأ سأقعُ فيه وأنا أُفْصلُ الأنا عن القلب عن العمر عن الصمت عن الحنجرة عن الروح وعن روح الروح .. نعم خطأ فادح في أن أفصل حبات المسبحة عن بعضها .. تنفرط هي وتتبعثر حبّاتها ولم تعد هناك مِسبحة .. فبماذا ترانا بعد انفراطها نعدُّ أنين العمر آهةً بعد أخرى وكل آهة تمتد لبعدِ العدّ .. والعدُّ يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها فلا بداية كانت هناك ولن تكون بعد ........!! لكنّني مضطرةٌ آسفةً لأشرّحَ قطعة الاستبرق هذه وأفصّل منها جواربَ لأمنيات برّاقةً فقد تمضي عربةُ الهدايا تنثرُ النّجوم وبقايا من قهقهة بابا نويل !!
إنّ شساعة أنا كالغلاف الجوي المحيط بنا فكلّما حاولنا تقنينه في مختلف الإسطوانات يظل هناك في الخارج كثير ذرات..! سلام الباسل استخدمت عباءةَ الغلاف الجوي لتطرّز فوقها أناها بإبرة (جرح) فأحاطت بكل جزيئاته وجزئياته حول كوكبها السيّار وتركت لأناها الحرية في الانتشار فكان (الجرح) بمثابةِ الهواء لونُه زهر يلتهب .. كنتُ أعرفُ أنّ للنار شجرة اشتعال .. وصرتُ بفضلِ سلام أعرفُ أنّ للجمر زهر يلتهب فكأنني أستأنس به كما أستأنس بالكهرمان كحبيبات لعدّ لعمري ........!
(أنا جرحٌ .. يُزهر مَرّتين كل دهرٍ) القارئ يظنُّ أنَّ موسمَ الجراح يأتي بعد أحقابٍ طوال .. أي نعم ولكنّه ربّما يغفل لأمورٍ ههنا .. طبيعة الجرح .. طبيعة المجروح .. قابليته للجرح .. عمر الجرح .. عمق الجرح .........! الأنثى الاستثنائية إنْ جُرحتْ فهذا أنّ شيئاً في عميقها هو الذي (تزلزل) .. ولا شيء بسيط يبلغ معشارها فليس أي خربشة تطال ذاك الغائر في عميق القلب .. إنّما الجرح الحقيقي العظيم الهائل هو الّذي يبلغها .. فهي أنثى ليس بالسهولة أن تُجرح .. وإن جرحت ليس لذاك الجرح اندمال .. إذا جراحها من النوع الفاخر النفيس العميق المعمّرة دهراً .. فعندما تقول أنّه يُزهر (مرّتين) كلّ دهر فهذا يعني أنّ الجرح طالها في ذاك العمق ليس مرّةً واحدة بل تكرّرَ .. وسيتكرّر كل دهر مرّتين !! لماذا قلت سيتكرّر لأنّها قالت (يُزهر) بصيغة المضارع ولم تقل (أزهرَ) بصيغة الماضي ..........!

وقلبي
لَقيطٌ خانَته المواعيد المُؤجّلة
ونداءاتُ بَحّارةٍ خاتلتهم
مَوانىءٌ مَجهولة العُمر


(وقلبي لقيطٌ) ......... وقفة صمت وتأمّل !

وطال الصمتُ منّي وأنا هنا فقط أتأمّل .. (قلبي لقيطٌ) أي طفلٍ تعسٍ يحوي داخله براءة متشردّة هو هذا اللقيط الّذي يختلج على طرق التأويل والتأجيل تلوكه الخيانة باسم الانتظــــــــار .. (وقلبي .. لَقيطٌ خانَته المواعيد المُؤجّلة) أفلا يكفيه التأجيل منها فزادته همّاً على همٍّ .. وكرباً على كربٍ إذ خانته ...!
(ونداءاتُ بَحّارةٍ خاتلتهم .. مَوانىءٌ مَجهولة العُمر) هل انتهت سلامُ تماماً من قصّة اللقيط حتى تبدأ بسرد قصص البحّارة ........! لنرى ونحن نمضي معها نبضةً نبضة .. خلجةً خلجة .... ما علاقة اللقيط وخيانة المواعيد المؤجلة بالبحارة ومخاتلة موانئ مجهولة العمر لنداءاتهم .. بالطبع لا توجد أليس كذلك ؟! لكنّها هناك .. أجل هناك .. فأيّ عمرٍ يُعرف بدقّة للقيط ......! من هنا امسك معي الطرف لنصل للطرف الآخر .. فإنْ كان عمره مجهولاً .. هويّته مجهولةً .. قدره مجهولاً .. اسمه مجهولاً .. نسبهُ مجهولاً .. انتماء نبضه مجهولاً .. فكلّ شيء يخاتل الآخر فلا صورة واضحة حقيقية .. فيبدو الميناء الضبابيّ غير الواضح وكلّ النداءات الـ تتعالى من هنا وهناك وتتداخل وتتشتت وتتمازج وتتبعثر .. فهل ترى أيّ طقسٍ صحوٍ يبدو .........؟! حتى غناء النوارس لا يبدو محبباً ولا ترتاح الأذن للإصغاء طالما العين لا ترى عبر الضباب .........!

وعُمري
شكٌّ ينخرُ في عِظام اليَقين
صَدى صوتٍ لَم يَجرؤ عَلى الصراخ
فَلاذ بالصَمت


ما دام اللقيط بلا هويّة فكيف يعرّف عمر هذا القلب .......! وكيف يكون معاملاً ثابتاً في معادلة تكتظ بالرهانات المجهولة المآل ..! هذا العمر هو الثابت المتغيّر الذي يطيح بكل حلّ لهذه المعادلة وهو ينخر في خطوات اليقين نحو أيّ نتيجة يقلبُ الطاولات فتتبعثر كل الاحتمالات ويدخل الشك ويقفز اليقين من النافذة .. وينزوي في ركنٍ صامتاً خائفاً جباناً فلا يكون محض صدى لصوتٍ لم يُدوَ أبداً .....! فأنّى لهُ أيّ قرار ؟! وهل له من سبيل سوى المضي إلى ملاذ الصمت ....؟!!

وَصمْتي
لَعنة تُلاحقني. تُطاردني
ترمي بحنجرتي
كَحجَارة لُعبة نردٍ خاسرةٍ


دام العمر صدى لصوت أخرس .. وباتَ ملاذهُ الصمتُ .. فكان العمر صمتاً عاراً والعار تحوّلَ بعد مطاردتهِ إيّاها إلى لعنة تلاحقها وتطاردها .. وتراهن على حنجرةٍ لمْ تجرؤ على الصراخ بالخسارة .. وليس الرهان إلا عبث لعبةٍ حقيرةٍ في حجارة لها وجوه تتغير حسب الحكم وجها منها وتنزل عقابا \ لعنةً عليها .. يحكمها قرصان الحظّ الأرعن .........!

وحَنجرتي
جُذوع يَباس..مُتشقّقة بِمرارِ الغِياب


(وحَنجرتي .. جُذوع يَباس) ....... يا إلهي !
ولم تكتفِ بـ (جذوع يباس) بل وزادت عليها بـــ (متشققة) .. لم يكفِها هذه (الحنجرة) (الجذوع) أن شاخت من الصمت ويبست بل أنّ (مرار الغياب) قام بشقّ جدرانها اليابسة .. قبل المضي سأقف عند (جذوع) وبلاغة استخدام الجمع في التشبيه عن مفرد (حنجرة) .. سلام لا ترمي في الضحالة دلاءها بل في بئرٍ عميق ....! نعم في بئرٍ عميق .. فما هي الحنجرة دون الحبال الصوتية (الجذوع) .. فإن كانت تلك الحبال للصوت وقد عُملَ عليها الصمت حتى صارت كـ (جذوع يباس) وتشققت .......! فماذا يكون طبيعة أي صوت من حنجرة تعودت طول الصمت إلا البحّة وعدم الوضح في أحسن الحالات .. وعدم في أسوأ الحالات ....!


وحَنجرتي
جُذوع يَباس..مُتشقّقة بِمرارِ الغِياب
تَجتثّ مِن فَم القدرِ قَسَمهَا


الحنجرة الجذوع اليباس المتشققة بمرار الغياب (تَجتثُّ) تقوم هي هذه بالاجتثاث .. كيف ..؟! كيف يا سلام كيف ؟! تنتزع الكلمات انتزاعا .. تلقي الكلام بثقلٍ وتودئة .. كأن تتحرك الشفاه فلا يجري الصوت ...... يااااااه كم هذا مؤلم .. فهكذا هي (تجتثُّ من فم القدر قَسَمَها) فإنّها حين تهمُ بالكلام تُلقيه بثقلٍ فما تُلقيه ثقيل حتما فما يكون أثقلَ من القسم ......!

فــ
تُقْسِم
بحزنٍ أناخَ قَوافله بِتخومِ أراضينا
بِليلٍ يَصفع بؤبؤ مآقينا
بعزاءِ فرحٍ يُولوِل فَقْد أمَانينا


تُقسِمُ بحزن \ بليل \ بعزاء .. تُقسمُ بحزن ذاك الّذي (أناخ) قوافله بـ (تخوم) أراضينا .. هنا وظّفت الفعل (أناخ) للدلالة على النية في المكوث طويلا من الحطّ والإناخة .. وقوافله دلّت على كثرتها إذ أنّه غطى أراضينا كلها إلى التخوم \ الحدود ......! تُقسِمُ بشيء سيدوم بحزن طويل كثيف غزير .. تُقسِمُ بليلٍ (يصفع) (بؤبؤ) مآقينا .. تُقسِمُ بشيء دائم بليل طويل مظلم مدلهم .. ليل (يصفع) الصفعة من الليل وما أدراك ما تلك الصفعة ..! فكما يقال صفعة صمّت آذاني فإن صفعة الليل لماذا تكون ..؟ تكون لـ (بؤبؤ) الموق .. صفعة قوية تصمُّه !! كيف تصمّه وهو جهاز رؤية لا سمع .....؟! سأريحني من الشرح والتفصيل تاركَةً الزمام للخيال لديك فتصوّرها .. تصوّر صفعة الليل لبؤبؤ الموق كيف هي ؟! وكيف تصمّه .....؟! تُقسِمُ بعزاء فرحٍ يجمع بين الحزن وسواد الليل فإنّه دائم وسيدوم !! وفي تصوير هذا العزاء يرتفع صوت ولولة كانت لـ (فقد) أمانينا .. الفقد فاجع فظيع فقد شمل كلّ (أمانينا) .. كأنّها تودّ تشير أنّ (ملاكها) كلّ أمانينا بفقده فقدت كلّها .. أصدّقها حقّاً وجدّاً .....! ففي كثير حياة يضع الإنسان كلّ أمانيّ في شخص واحد ومع فقد هذا الشخص يفقد كلّ شيء ......!

تُقْسِمُ
نكاية بِوعودِ لم تُكتَمل
ومَواثيق عَهْد لم تُحتَمَل
أنّ رُوحي
سَتبقى
أحنّ من هَمْسة
أعْمق من غَصَّة
عصيّة عَلى الدَمْعَة!!


تُقسِمُ فلماذا تُقسمُ ..؟ تُقسمُ (نكايةً) بوعود \ بمواثيق عهد .. تُقسمُ نكايةً بوعودٍ طرحت ولكنّها لم تكتمل .. تُقسمُ نكايةً بمواثيقَ عهد ولكنها لم تُحتمل .. فكان الخذلان وكانت الخيانة .. وكان القسم وكانت النكاية .. والروح روحها (ستبقى) قسماً ستبقى .. (أحنّ من هَمْسة) وماذا ؟.. (أعْمق من غَصَّة) وماذا ؟.. (عصيّة عَلى الدَمْعَة!!) ... إنّها روحها وإنّها تُخبرُ عن روحها تلك الأنثى الاستثنائية فمن صمتها هي أحنّ من همسة .. ومن لغة صمتها هي أعمق من غصّة .. وصمت مقلها كانت عصيّةً على الدمعة !!!!!!

في الأخير أتقدّم بكلّ آيات الشكر إلى الأديبة الأريبة النبيلة سلام الباسل لنصّها الباذخ جدّاً الذي أعياني وأعيى لغتي عن مجاراته وأجدهــا فرصة لتقديم كل الاعتذار لقصور رؤيتي وتقصير محاولتي على تناول بعض جوانب نصّها بالتحليل .. كذلك أحبّ أشير إلى أنّ كلّ ما ورد في قراءتي المتواضعة البسيطة هو رأي شخصي ومن وجهة نظر شخصية وزاويتي الخاصة الضيقة في تقليب مواده الوثيرة وكلّ ما كان انطباع شخصي قاصر بسيط لا يتعدّى عن كونه تذوّق لنصّ فاره يُجبرُ الدهشة على أن تقع في الدهشة .. أزيد في شكرها وكلّ من يمن على كلماتي فضل الوقوف والقراءة .. مع كل التقدير والاحترام وكل الاعتذار عن التقصير







تطوافٌ في (قلبٌ رحلْ)
للشاعرة الكنانية جيلان زيدان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لها:

جيلانُ أقسمُ قلتُها
أعني كلامي لم أزلْ
إنْ أنتِ شئتِ تملُّكاً
فإناءُ قلبي لم يزلْ
قومي بجودكِ واسكُبي
سدرَ المحبّةِ بالعسلْ

النصّ
ــــــــــــــــــ


قلبٌ رحل

الفكـرُ منـي قـد نحَـلْ
والليلُ لـي طبـقُ المثَـلْ
مالـي أسـوقُ المُرتجـى
والعشقُ مَرجـاه اندمـل
إيـهٍ علـى شـوقٍ نمـا
ترنيمُه هـا قـد هـدَل
إن كنتَ تعنـي هِجـرةً
وقّادُهـا ريـحُ الشَّمَـل
فالمـوت أشـرعَ شوقـه
ركبَ العَذاب إلى الأجـل
وبقيتُ جسمًـا كالدّمـى
قد عبِّئـت روحُ الهـزَل
الحزنُ قد سـرق السّنـا
والنور من ثغري أفَـل
وجـدي تناسـل موجُـه
نبضـي تمـزّق واشتعـل
إن الـذي فـي قبضتـي
قلبٌ قديـدٌ قـد رحـل
صخرٌ مِـدادي جنـدلٌ
متفجِّـرٌ منـه الشـلـل
مـا إن هممـتُ بجملـةٍ
خصف القصيد على الجُمَل
المـوتُ صوبـي يرتجـي:
" كُفّي احتسائي للثمَل"!!
الصمتُ ينشدك الرِّضـى
والجهـر عيًّـا لـم يـزل
ويلي إذا صـار الهـوى
صحراءَ سُقياهـا العِلـل
إن أنتَ شئـتَ تبعثـرًا
فارحل ودَعْ عني العـذل
كلّ الـذي فـي حوزتـي
يمضي ذبيحا ... لا جَدل



مقدمة
ـــــــــــــ


حينما أهمُّ بالكتابةِ هنا كثيراً ما أتلعثمُ عندَ المطلعِ الَّذي أُدركُ في باطني ما يحملُهُ ولا أستطيعُ صياغتَهُ بِظاهرِ الحروفِ، الدُّخولُ إلى عوالمِ جيلان زيدان يحتاجُ إلى جرأةِ تخيّلٍ عاليةِ الجودةِ يصعبُ على مثلي أنْ يتحلَّى بها ،، يحتاجُ إلى مجهرٍ دقيقٍ جدّاً لنتبيّنَ الأمورَ الخفيّةَ الّتي تُغيّرُ مجرى التَّعجُّبِ وعدمِ الفهم إلى دهشةٍ مستفحلةٍ في الضخامةِ توطئُ بكلتي قدميها أذهانَنا ويا ربّاهُ للعجب ......! وقبل أن أسترسلَ أودُّ الإشارةَ إلى أنَّني حينَ أكونُ مع أيِّ نصٍّ أكونُ معهُ بكلِّي وأحاولُ دوماً أنْ أدعَهُ يتلبّسُ روحي فتتقمّصَ هي روحَه أو تحاولُ جاهدةً التَّقمُّص إلى أبعدِ من فضاء .......!
وقبل المُضيِّ في تشريحِ الصُّورِ والتَّحايُلِ على الخفايا الّتي أُحاول بفكري المتواضعِ توضيحها لتظهَرَ كما هي في ذاتها .. أتناولُ جانبَ النّظم وسبك القالب في الشِّعر بقليلِ من تسليطِ الضّوءِ .. إنّ من أصعبِ الأمور هُو التوفّقُ في اختيارِ بحرٍ وقافيةٍ بل وصورةٍ معيّنةٍ للبحرِ دونَ غيرِها يخدمانِ إيصالَ اعتراكِ العاطفة بأوجِ توقُّدِها ويحيلانِ الحروفَ نغماً يعزفُ الآهاتِ وشعراً سُخِّرَ لبيانِ الذَّاتِ ومعانٍ ترسمُ صوراً ناطقةً، ويصبّان نغماً مع وتيرةِ الشّعور المتصاعدة والهابطة والتي تُترجمُ آهاتُها حروفاً تتناغمُ متراقصةً في التفاعيل.
قَتَلَ الرّويُّ الصّامتُ السّاكنُ كلَّ شهقةٍ وزفرةٍ حتّى كاد يودي بأنفاسي جمعـــاء .. شعورٌ ما بالانتهاء والانتهاء والانتهاء ينبري مع كلّ بيتٍ في القصيدة .. لم أستطعْ تحمُّل ذاك الفنـــاءِ البادّي المتلمّسِ شفقةً عباءةَ الرّحيل فكأنَّهُ يقلّلُ من هول الرّحيل الّذي أودى ببناء الذّات المتهالكة من مغادرة أو موت أو قتل أو رحيل أو فناء الشّعور \ القلب .. موسيقى اللامِ الّتي بسكونِها تقطعُ دابرَ كلِّ وسيلةٍ قد يتّخذُها الأملُ سبيلاً سرابيّاً الوجودِ والوجهةِ والهدفِ .. ورفعَ من شأنها المدُّ الموسيقيُّ الشّجيُّ القصيرُ حدُّ السّرعة فوق المطلوبة بل الهرولة والّتي منحها البحر الكامل في صورتهِ المجزوءة والّتي تصاعد في وتيرةِ المدّ والجزر حتّى تقام أركان القضيّةِ بكلّ حثٍّ وتسارعٍ وهرولةٍ ودونَ رويّةٍ يُطلقُ الحُكمُ الأبديُّ المؤبّد .. وهناك وتيرة النّغمة الخارجية للقافية في وحدة الحركة للحرف الّذي يسبق الرّويّ والّتي جاءت في كلّها فتحاً فكانت وتيرة الموسيقى تتَّجه صوب الارتفاع كأنّ أنيناً ينطلقُ إلى الأعلى في الآه يقطع مدّها سكون اللام الشّجيّة كأنّهُ الكتم قبل الاسترسال .. اللام وما لللام وما لها من مكانةٍ بين حروف الأبجدية في الشّعر كَرَوِيٍّ، فقد كتبت بها أعرقُ القصائد الخالدة ولن أخوض في ذكر والاستفاضة عن تلكم القصائد بل أنعطفُ نحو اللام مجدّداً قائلةً كم لها من نغمٍ رخيمٍ ينبعثُ من أدنى طرف اللسان حين تصطدمُ بسقف الحنكِ الأعلى فكأنّ الشاعرة أرادت أنْ تكون النّهايات عند ذاك الاصطدام نهاية قصوى للانتهاء الخمود الخبو الفناء الرحيل حين سكّنت اللام \ الرّويّ ....... صدمة !!

الفكـرُ منـي قـد نحَـلْ
والليلُ لـي طبـقُ المثَـلْ


قلبتْ جيلان زيدان الشّاعرة موازين المألوف حسب الشِّعر والشُّعور حين ابتدأت قائلة بوحها في خضمِ القصيدة على متنِ الشِّعر بـ "الفكرُ منّي قد نحلْ"، كلّنا يُدركُ ما للفكرِ وما للتفكّرِ حين يعتركُ أذهاننا بالذهاب والإياب في مسائل الهوى وكيفَ أنّه يصيبنا بالأرق والتعب النفسي والنحول الجسدي؟! فكيف يكون هذا الفكر هو مَن شابهُ النُّحُول؟ وهل يمكننا أن نتخيّل فكراً نحيلاً؟ ربّمـا هو ذا ما يطرأُ طرّاً على بال القارئ مصحوبا بالاستغراب! فينبري العجب سؤالاً أن كيف "الفكر نحل"؟ وهو الّذي يسبّب النحول !!! لكن إن جئنا لاسترسال المجاز واسترسلنا خصوصاً في علاقته (الحالية) بالذّات لَعرفنا أنَّها ذكرتْ (الحال) ألا وهو الفكر الدّائر فيها والّذي هو سبب نحولها وقصدت (المحل) هي ذاتها الّتي طرأ عليها النُّحول، ولربّما ما قصدت النّحول بمعناه السطحيّ إنّما هو التوغّلُ في آلام الذّات \ الرّوح \ القلب، إنّها تُغرقنا في العمق الغمير من حالتها منذ مطلع القصيدة فأين سنصل – يا تُرى – إذا ما توغّلنا أكثر فيها، لعمري إنّه مطلع من أولئك الّذين يُحفرون في عمق تاريخ الشّعرِ إنْ حظي بحقّه دون تنقيص، أدري أنّي لن أوفيه حقّه مهما حاولت، ذاك كانت محاولتي لإرضاء عقلي المحصور في الارتباك الحاصل بسبب (نحول الفكر)!!! وكان أن صعّد الارتباك أكثر هو ما أكملت به هذا الشطر إذ قالت "والليلُ لي طبقُ المثلْ" فأوّل ما يخطر على قلب قارئٍ ما أن يتساءل أيُّ مثلٍ هذا فيهِ يكون الليلُ مُطَابِقاً لَهُ ؟! أراني سأستغيثُ بنحولةِ الفكر هنا لأقول أنَّ الليل مثلَ الفكر في فعلهِ عليها مَطَابقةً لا تخاتلها خردلةٌ من الاختلاف، ومن شأن هذا الائتلاف أن يشكّل قوّة عاملة على إيصال الوجع للذروة مصحوباً بنبرةٍ مستفحلة القوة من اليأس المشوب بالرّجاء المنتفض موتاً ......!

مالـي أسـوقُ المُرتجـى
والعشقُ مَرجـاه اندمـل


وكأنّ ذاك المرتجى مثخن الجراح ينتحل بقايا حياة في أنفاسِهِ الأخيرة إلّم يكن قد مات !! ثقيلٌ مسجّى يراد به سوقاً إلى مثواهُ على ما يُفترض، لكن الشّاعرة حين تخبرنا بقولها "أسوقهُ" فيبدو أنّها تحاول جاهدة جرجرةَ جثّتِهِ إلى الحياة لينتفضَ ويقومَ ويتحرّك بعدما يصحّ وتندمل جراحهُ، ولكنّها بعد كلّ ذلك الجهد والسّوق لجثمان المرتجى المسجّى إلى الحياة تستغرب من نفسها وفعلها قائلةً "مالي..!" وتعلّل استغرابها بألا فائدة من كلّ ما تبذلهُ، لنأتيَ بعدها لهذه المفارقة الغريبة الراسخة في الدهشة في صوغها لتعليلها حين تقول "والعشقُ مرجاهُ اندمل" ..!! لنتخيّل هنيهةً العشق جسماً مثخناً بالمرجوّ والمرتجى وكان يوغل في بواعث الأمل، لكنّه برئ منها وتماثل لليأس التّام فاندمل مرجاه فتماثل للسّقام واليأس .....! وما يدلّ هذا التّصوير المفارق إلا على عمق الألم وهول الوجع ويا آآآآآه أنجديني .........!

وها قد أطلقتها إيــــــــــهٍ .. إيهٍ على إيهٍ ......!

إيـهٍ علـى شـوقٍ نمـا
ترنيمُه هـا قـد هـدَل


ترى أيّ وجعٍ تستنطقُهُ جيلان ترنيماً وأيّ ألمٍ تستزيدُهُ تهدّلاً وهديلاً، فكأنّها حمامةٌ على غصنٍ تُرنِّمُ هديلها شوقاً جبّاراً نما طالَ فاستطالَ تدلَّى فتهدّلَ وهدلَ عبر الأمداءِ تَرنِيماً حَزِيناً شَجِيّاً، هنا تدخل جيلان في جغرافية طبيعية تتشكّل بين الضلوع، فكأنّ الشوقَ صفصافةٌ تنمو وتنمو لتصبح وارفة الآهاتِ تتدلّى وتتهدّل أغصانها وتحفّ وريقاتها بالأنين الّذي تصوّره ترانيما هدلت نسمعها فتحفّنا الأشجان وتطربنا الآهــــــات ..!!!

إن كنتَ تعنـي هِجـرةً
وقّادُهـا ريـحُ الشَّمَـل


أعتبرُ هذا البيت بداية نقلة نوعية في تنويع البناء والصياغة في الجمل والتي تتراوح بين خبر وإنشاء، أما المدى بينهما هو ما يستدعيه الانتقال بينهما، وقد زخرت القصيدة بهذه النقلات حسبَ التصعيد والتداعيات فاختلف نوع الخطاب بين وجدانية تحكي و تصوّر عن حالة معاشة عمّا تحتكم النّفس من مشاعر وبين مناجاة للآخر \ للحبيب تخاطبه عاتبةً راجيةً وأحياناً يائسةً، بدأت القصيدة بجملٍ خبريّةٍ تصوّر الحالة الشّعورية لدى الشاعرة، فكأنّها سيناريو يهيِّئنا للدخول في مشهد \ حكاية، فكأنّه مقدّمة لحنٍ يُهيَّأ لصدح أغنية شجيّة، وانتقلت هنا بالخطاب قائلةً "إنْ كنتَ" لننظر ونتعمّق في هذا التركيب اللغوي، "إنْ" أداة شرط جازمة توحي الجزم في الأمر والتفرّغ والخلاص منه والّذي يؤكده استخدام "كنتَ" بصيغة الماضي الذي يقول أن الأمر مفروغ منهُ، وينبري ههنا سؤال يقول لماذا استخدمت الفعل الناقص ومعموليه ولمْ تقل مثلاً "إنْ عنيتَ"؟!! أجد ما يشغلني حين أفصّله، سأعيد تركيب الجملة الإسمية دون الفعل كان أو في صيغته الخطابية كنتَ لتكون "أنتَ تعني" لأجد سؤالاً يقول لماذا (أنت) موجودة ؟ ألا تكفي (تعني) ؟ فالفعل والفاعل في المفردة إذ أنّه ضمير مستتر يعود على المخاطب (أنت)، وأجدُها تريد وبشدّة إظهاره كأنها تشير إليه (أنتَ) بسبّابةِ العتاب وتضعه في الابتداء حتّى تثير انتباهاً ناحيته أو ربّما به !!!
ربطت الشّاعرة بين الهجر والهجرة وما تأخذهُ الرّيح معها حين تهبّ وتثور فكأنّ تلك الهجرة نار تؤججها ريحُ الشّمال أو الشّمل تلك الرّيح العاتية التي تُجرفُ منها كلُّ الحياة حين توقد الهجر وتؤججه ........
قبل أنْ أتركَ هذا البيت لأنتقل للّذي يليه أودُّ القول أنّ نهاية العجز (ريحُ الشَّمَل) خلقت ارتباكاً وأدري أنّ الشاعرة عنت بالشّمل ريح الشّمال ولكنّها أضافتها للريح !! كانت تستطيع من معجمها الثريّ أن تجدَ بديلاً لمفردة الريح، لأنّني لم أجد تفسيراً غير إضافة المشمول وهو الريح ويعني جميع أنواع الريح إلى المقصور وهو الشّمل نوع من أنواع الرّيح، ولم أدرك الجمالية الّتي أضفتها هذه التركيبة إضافة المشمول للمقصور، ربّما هنالك ما لم ألمْ به !!!!!!

إن كنتَ تعنـي هِجـرةً
وقّادُهـا ريـحُ الشَّمَـل
فالمـوت أشـرعَ شوقـه
ركبَ العَذاب إلى الأجـل


يبدأُ البيت بفاء الجواب جواباً لمْ تجبْهُ هي عليه، إنّما جوابٌ لما كان يعنيه جزمـــاً والّذي كان تصويراً لسيناريو يخرجُ القصيدة مجدّداً من طور الحوار \ الإنشاء \ الخطاب إلى الوصف \ الخبر \ التوجّد ......! لنتأمل التصوير ونغوص في هذا الموت الّذي أشرع \ بدأ بفرد جناحات الشوق وامتطى ريح الشّمال ريح الهجران ريح العذاب ذاك الوضع الّذي معه نكون على قيد الحياة وفي حضن الممات أي حياةٌ بلا حياة ........ حتّى يحين الأجل فيكون الموت المحتوم الحقيقي الّذي يلي مليون موتة قبله .....!
سأقف هنيهة عند (أشرع) .......... تحمل مفردة أشرعَ عدداً من المعاني كـ بدأ فتح أدخل .... إلخ، وكلّهـا تدخل في دائرة ما يمليه معنى الشروع، والّذي يُخيّل لقارئهـــا أنّه ما زال في أوّل وبداية أمرٍ مـا \ موتٍ مشتاقٍ مـــا في طور الإبتداء!! فماذا بعد ......؟ ماذا بعد الموت .....؟ سوى موتاتٍ أخرى أكبر شوقاً! أكثر عذاباً! أنكى موتاً! ماذا بعدَهُ غير التمرّغ في العذاب حتّى آخر رمق حتّى يجيء الأجل! ماذا بعدهُ إلا الغرق في الموت والهبوط دركاتٍ في غياهب الموت والدخول عمقاً في غيّ الموت ............! ذاك الموت الـ أشرع بجناحات الشوق إليهـــا أتاها ممتطياً العذاب ليحملها معه إلى الأجل ......! فيظلُّ الموتُ راكبَ العذابِ ويظلُّ العذابُ يركبُها حتّى الرَّمقَ الآخير حتى المنتهى حتى الأجل .....!
الإجادة في استمرارية صياغة السّيناريو بتدفّق الأبيات والشّعر والشّعور إذا ما احتلّ موقعاً من القصيدة فإنّها تمخرُ في عباب السّبك المتين والسّلس كالسلسبيل تنساب الكلمات والمعاني، وتؤكّد وحدة الدّفقة الشعورية في الأبيات ترابطها بحيث تشكّل حلقات سلسلة لا تقوم إلا بتماسكها وترابطها .. من الصعب الحفاظ على هذا بالانتقال بين الخبر والإنشاء لخلق مشهدية تصويرية تنتقل من الوجدانية للمناجاة من السيناريو للحوار، عند هذه النقطة استفادت الشاعرة من الفاء الواقعة في بداية البيت أيما استفادة إذ وظّفتها كفاء جواب وفاء استئناف فربطت البيت بسابقه ولاحقه، واستمراراً للحالة الشعورية والتصوير استرسلت في البيت التالي مبتدئةً بـواو العطف لتكمل التصوير كشريط متتالٍ فماذا يكون بعدما أشرع الموت شوقه وركّب العذاب إلى الأجل .......؟!

وبقيتُ جسمًـا كالدّمـى
قد عبِّئـت روحُ الهـزَل


(وبقيتُ) هذه الواو وما توحيـه بالاسترسال إلى ما لا نهاية من البقاء في الفنــاء، وكيف يكون البقاء في الفناء؟ (وبقيتُ) صحيحٌ أنّ الفعل في صيغة الماضي لكنّه مستمرٌّ وإلا فكيف يكون البقاء؟ وكيف ينتهي في الماضي؟ لنرجعَ لسؤالٍ سابقٍ أثرتُ فيه الاستغراب والتساؤل حول كيف يكون البقاء في الفنــاء؟ سأدعُ قلبي يصغي لجيلان جيّداً كما يضعُ طفلٌ أذنه إلى قوقعةٍ من البحر يودّ يصغي إلى هدير الموج فيخيّل له أنّه يسمعه فعلاً ........!
(وبقيتُ جسماً كالدّمى قد عبِّئت روحُ الهزَلْ) هكذا يكون البقاء في الفناء وعلى قيد الحياة ببساطة بلا روح .......! فماذا يجعلنا نختلف عن تلكم الدّمى نكون كماها جسماً بلا روح، وكما تُعبّأ الدمى بالقطن وتُحشى بما يجعلها تنتصب وتتخّذ جسماً بأبعاده عُبِّئت جيلان (روح الهزل)، كما كان للدمى جسماً للعب واللهو تتقاذفها الأيادي .. كانت جيلان جسماً سائراً بروح اللاروح (روح الهزل) تتقاذفها المحن والأحزان والأشجان .. كان البيت مكتنزاً من التصوير الدقيق الّذي رسم الصّورة من التشبيه التمثيلي المركّب، استفادت فيه جيلان من (بقيت) ومالها من إيحـــاء ومن الدّمى حيث ربطت نفسها بها عن طريق العاملين (الجسماني والروحاني) لديها بمقابل عاملي (التجسيم، والتعبئة التي تُعطي للدمى التجسيم) في الدمى، ونجد الجسمانية يقابلها التجسيم بينما وظّفت الحالة الّتي يتم فيها إحلال الروح في الجسد عن طريق النفخ \ النفث أو بما يناسب ما يتم في غيب الله تعالى حسب كيفية وحيثية يدركها هو وحده سبحانه دون غيره، مع الطريقة التي يتم تجسيم الدمى فيها وهي التعبئة لتربط حالتها وقد أُدخلت في الهزل بما يكون من هزل ولعب ولهو مع الدمى، ربط عدم الاكتراث لشعورها الآدمي مع ما يحدث مع الدمى حين الفرغ من اللعب واللهو من ركن لها على الرّف أو مكان مغلق كدولاب أو ما شابه أو رميها مجرّد رميها دون اكتراث أو إيداعها صندوقَ رَكنٍ وتَركٍ .. ممكن أن أضيف هنا وهجرٍ ..........!
وقبل أن أترك هذا البيت سأقفُ عند (جسم) كمحطة أخيرة مع هذا البيت المدهش! أوّل الأسئلة الّتي تطرأ على ذهني لماذا (جسما) وسُوقُ المفردات مليءٌ بالبضاعة التي تفي بالغرض ؟!!! ذكرت الشّاعرة في البيت السابق المبدوء بـ (الفاء) الموت ثمّ في هذا البيت المبدوء بـ (الواو) والّذي يدلّ على تتبّع هذا البيت آثار ذاك البيت الجسم، ماذا يبقى من الإنسان عند الموت؟ أليس يكون (جسداً) بلا روح، (جيفةً)، (جثماناً) و (جثّةً)؟ فأين كلّ تلك المفردات منها؟ ولماذا فضّلت عليهم (جسماً)؟ إذا ما غصنا في أبعاد هذه المفردة لوجدناها تعني الأبعاد (الطول والعرض والارتفاع) وهذا هو خلاصة التجسيم ..!ثمّ كلّ جسم خاضعٌ لشكلٍ معيّنٍ تمثّله معادلة رياضية تكون بسيطةً إذا كان الشكل بسيطاً كالمكعّب والكرّة والهرم، وتتعقّد كلّما تعقّد الشّكل وأصبح يشكّل مجموع أشكالٍ متداخلةٍ وبعضها حين تدخل ببعض تفقد بعض زواياها أو بعض أجزائها، فتختلّ المعادلات الممثّلة لها بحيث لم تعد قادرة على تمثيلها، فنبحث في معادلات أكثر تعقيداً لتمثّله تمثيلاً دقيقاً، ونلجأ للتّفاضلات في اشتقاقاتٍ نستخرج بها معادلة أصغر لشكلٍ فقد بعضه والنّهايات العقيمة التي نصرّ معها أنّ النّهاية لا نهاية مرجوة منها إنّما هو همٌّ مفتوحٌ يؤول إلى ما لانهاية، ونأخذ هذا وذاك في تكاملات نأمل منها أن تعطيها نتيجة \ معادلة نهائية يمكن عبرها نجد هذا الشكل وأبعاده بدقّة مطلوبة ومع ذلك يكون التّعقيد فوق تصوّرنا!! حسناً ماهي الخلاصة يا أنا؟ الخلاصة أنّها معادلة معقّدة ربّما لا حلّ لها غير تلك الروح الّتي كانت تعبق بأرجائها بالحياة فأضحت بدونها بل وأحيلت لتعبئة استمارة الخدمة في ميدان الهزل .......!
إذاً هي الروح الّتي تعطي لتعقيدات الحياة سهولة يتجاوز معها الإنسان عقبات تعرقل مسيرته، وإذا نظرنا نجد أنّه يحتاج للحركة والدفع فإنّنا نذهب بأنظارنا فوراً صوب القلب!! لماذا؟ لأنّه تلك المضغة التي لا تكفّ عن الحركة \ الخفق .. وإذا ما نظرنا أين تحلّ الروح نجدها تحلّ في أعماقِه .. في جوفه وليس في الجوف إلا القلب! سبحانه القائل: (ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه)
وتمضي جيلان مع هذا البيت إلى تواليه وهي تخوض رسم المخيال المناسب لسيناريو مشهدية القصيدة حيث قد بدأت في التوغّل في وصف الحالة وإبراز تقاطيعها لتكون بأوضح صورة وتتجسّد أمام المتلقّي حتّى يُخيّل إليه كأنّه يرى ويسمع ويعي ويشعر كذلك ....!

الحزنُ قد سـرق السّنـا
والنور من ثغري أفَـل


هنا بدأت التّوغّلَ في سردِ ما يجري لها عليها وفيها، فجعلتْ تصفُ حالتها وقد أصبحت الحيّة الميّتة؛ حالتها الّتي شبّهتها بالدّمى من ناحيةِ خلوّها من روح تسيّر فيها الحياة، وكونها أصبحتْ مادةً للهزل، دميةً للهو واللعب لا حول لها ولا قوّة ولا تمتلك خياراً ولا حقّ الاختيار أو الاعتراض بل ولم تعد تملك من أمر نفسها شيئاً فتركتها تسيّرها الأقدار كريشة في مهب الريح .......!
ما يخلّف الفراق والهجران غير الحزن والكآبة في النّفس، وماذا يخلّف الحزن خلفه غير صورةٍ رماديّةٍ تخلو من أيّ مقوماتٍ لألوان تزهو بها الحياة مطلقاً ...! بريق العيون وإشراقة البسمة على الثغر وشعشعة الوجه فكأنّه فلقة قمرٍ مضيءٍ في ليلةٍ صافية، كلّ ذلك يدلّ على ذبذبة الحياة في أرجاء الإنسان وهذا يظهر وبشكلٍ جليٍّ على صفحة وجهه لأنّ وجهه هو واجهته والّذي نُطلق عليه مُحيّاهُ ويمكنني أن أقول أنّها – مُحيّاهُ – تعني ما يُظهرُ عليه الحياة ....! ونستطيع أن ندعوها – تلك الحالة من ذبذبة الحياة – بـ (السّناء) أو (السّنا) المخفّفة من (السّناء)، فحين يخبو بريقُ العيون ويأفلُ نور البسم من على الثغر وتسكتُ الشّعشعةُ عن الوجه حتّى يغيبَ آخرُ آثارِها هنا نفهم أنّ (السّناءَ) قد سُرِق...! ومَن غيرُ الحزنِ يسرقه ..!!! ولكن ما دام (السّنا) يضمُّ كل ما يومضُ على الوجه لماذا فَرَدَتْ جيلان وصفاً لنور الثغر إذ أفل ...؟! ألسنا في عزّ الألم نبتسمُ ؟!! فماذا يكون كنه تلك الابتسامة .. طعمها وشكلها .....؟!! ألا تكون صفراء كأوراق الخريف .. ألا تكون بمرارة الحنظل .. ألا تكون ذابلةً بلا وهجٍ ولا روح ......! ألا يشرقُ الوجهُ كلُّه كلُّه بنور ابتسامة تشعُّ ...؟!! بلى والله يشرق كلُّه ..! إذن إذا أفل نجم تلك الابتسامة من على ثغرها فماذا يبقى على وجهها يغدو حزيناً كئيباً يغيبُ سناؤه ويصبح جامداً جمود الجماد جمود الدمى ....! فماذا إذا ما صُنِعت دميةً مبتسمة تُرى أ تُشبهُ تلك الابتسامة المصنّعة الزائفة الجامدة الباهتة ابتسامة إنسان سعيد أو حتّى تدنو منها بمسافةٍ مقدرةٍ بألفِ ميلٍ في الحقيقة الواضحة ...... أبداً أبداً أبداً ..!!!!!

وجـدي تناسـل موجُـه
نبضـي تمـزّق واشتعـل


إنّه الطوفان ........!
موجة هائلة تكونت من تناسلها والتحامها مع نسلها .. وماذا لو كانت تلك موجة وجد ؟! وماذا إذا تحطمت على شاطئ الأنين أو صخرة الآه ؟! تُرى هي تتحطم وهي ما تزال تتناسل ؟ أم تغمر وتُغرق .. أم تحطّم وتمزّق وتُشعِل .........!
إنّه حمم البركان ........!!!
تلك الموجـــة المستفحلة الكبر في الوجد ليست من بحر بل من حمم البركان، سعير الوجد المتضاخم من تناسله وتشعّبه أين يستعر ..؟ كيف يتشكّل في موجة ..؟ أو أيّ موجة تحتويـه لتتكوّن منه وتستوعب حممه وسعيره وجمره .. هي ليست سوى النّبض .........!
موجات النّبض الماضية خلال الوريـد تتبنى الوجد وكلّ نسلِهِ وتتفانى إذ تضحّي بذاتها تمزّقا واشتعالا وذلك حين يتضاخم الوجد ليكوّنها موجة عظيمة هائلة فإذا بها على غير عادة الموج لا تكتفي بالتحطّم والتمزّق والانحسار لمعاودة المدّ بل ويشتعل ......! حمم البركان حين تمر بغصنٍ غض أو بأيّ مادة قابلة للاشتعال تقوم بإشعالها بإشعالها والنّبض هنا هو الّذي يحمل الحمم في موجة وهو يتمزّق كأيّ موجة وهو أيضـــاً يشتعل !! هو يشتعل .....!
اشتعل رأسي حيرة وفكراً من هذا البيت وأدري أنّي مهما كتبت وقلت لن أفيه لكن عليّ المضيّ فلذا أكتفي بهذا العرض الضئيل لهذه اللوحة الضخمة الجبّارة في هذا البيت .. علّني أجد لي عذرا لتقصيري ..!

إن الـذي فـي قبضتـي
قلبٌ قديـدٌ قـد رحـل


تواصل جيلان التقدّم في رسم ونحت كل زوايا وأوجه ومجريات المشهد في سيناريو يقود حوارا .. وحوارا يفضي إلى سيناريو بكلّ حرفيّة كأنّ سلسلة من الصور والتناجيات تشكلان عقداً منضوداً من كريم الأحجار \ رصيف الصور \ نفيس وصف \ فريد قصيد .......!
سأقف هنيهة عند (قبضة) جيلان .. ولن أسأل ترى ماذا بقبضتِهـا ..؟! بل لماذا تقبضُ عليه ..؟! وتُحكمُ القبض عليه بالتأكيد مستخدمة أداة التوكيد (إنّ) ..؟! ثمّ تقرّر بتحقيق يقدّمه (قد) أنّه ما عاد في قبضتها وعلى الرغم من ذلك فهي قابضة عليه .....! إنّه الأمل ممزوجاً بالرجــاء .. إنّها النّفس تعشقُ الحياة وتتمسّك بها وبأطلالِها بل وبخيالها .........!
(قبضة) وعلام تدلُّ القبضة، حينما يستميت أحدنا في الإمساك بشيء فإنه يُحكمُ قبضتَهُ ويُحسنُ إغلاقَها، وهنا تستميتُ جيلان بالإمساك والتمسّك بقلبها أو بساكنِ قلبِها فوجودُهُ هو الحياة لقلبِها ورحيلُهُ هو الموت ذاته الّذي وصفته في سابق أبيات، والّذي أكّدت عليه – التمسّك بقلبها أو بساكنه – بإستخدام أداة التوكيد (إنّ) وأكّدت كذلك أنّها بالرغم من كل الرّجاء حتّى القنوط والأمل حدّ اليأس والاستماتة في التمسّك وإحكام قبضتِها إلى أنّ ما بات في قبضتِها هو قلبٌ نعم قلب لكنّه صار قديدا ..! حبٌّ أجل حبٌّ لكنّه قد رحل ........!
وأقف عند (القديد) أو (القلب القديد) .. عندما تأتي مفردةُ (قديد) يذهبُ ذهني مباشرة للحم .. فالقديد هو اللحم المقدّد المقطّع إلى قطع صغيرة والمجفّف .. فماذا أرادت جيلان من اللحم، من التقطيع، ومن التجفيف من بعد التقطيع ..........!
القلب هو مضغة لحميّة نابضة طالما في الجسد روح تحلُّ، يظلّ نابضاً بالحياة وللحياة، وإذا ما داهمهُ الموت فماذا يغدو أكثر من كونه قطعة لحم ميّتة لا حياة فيها ......! وماذا بعد الموت ....؟! بعد الموت تمزيقٌ وتقطيعٌ وإحالةٌ إلى قطعٍ صغيرةٍ صغيرة ..! فماذا بعد ؟! ماذا بعد الموت والتقطيع ....؟! بعد الموت والتقطيع تجفيفٌ وجفاف وتصحّرٌ وتفتّتٌ وطحنٌ وانصهار ....! بعد الموت تلاشٍ اندثارٌ اضمحلالٌ .. ممّا كان الموت ؟ من الرّحيل ..! وماذا كان الموت غير الرّحيل ...........!
أحسنت الصياغة جملة البيت الشعري فجمعت بين التوكيد في أوّل البيت والتحقيق في نهايته .. أتت باسم الصلة وأضمرت الضمير المبتدأ بستره ليكون مفهوماً عبر السياق في جملة الصلة (هو في قبضتي) .. باستخدامها اسم الصلة أودى بالقلب في خانة الخبر ليكون خبراً لإنّ .. ثمّ أتبعت الخبر بصفة ويا لها من صفة وجملة حالية تصف حالة القلب بأسلوب تقريري محقّق بـ (قد) ...
مع هذا التقرير كان يحقُّ لجيلان إنهاء القصيدة فقد كانت كاملة مكتملة إلى هذا الحد .. وقد قرّرت رحيل قلبها القديد وانتهى .. لكنّ إحساسها الشاعريّ رأى المشهد غيرَ مكتملٍ فما دام هناك طرفٌ آخر يشاطرها التمثيل في هذا المشهد .. طرفٌ آخر كان طرفاً في حوارها معه \ مناجاتها إيّاه .. أدخلت المشهد حيّزاً من سيناريو يواصل التصوير في جوٍّ آخر، إلتقاتةٍ أخرى وجريان خلال منطعف مجرى ولكن نحو نفس المصب .. حوّلت الأضواء إلى زاوية أخرى وسلّطت عليها ريشة الخيال .. حتّى يتسنّى لها تركَ المصير بين يديه فيكون المخرج للقصيدة هو ذاك فكأنّها حينها تسترجيه أن يردّ ويجيب .......! وهنا أقول أن أنجح القصائد هي تلك الّتي تدعُ مجالا للردّ نقطة انتهاءها قد تشكّل نقطة ابتداء لمن يودّ الردّ وهذا ما لمستُه ههنا !!

صخرٌ مِـدادي جنـدلٌ
متفجِّـرٌ منـه الشـلـل


وكأنّني هنــا أمام شاشة كبيرة تعرضُ فيلماً (من أفلام أيام زمان) باللونين الأبيض والأسود، يتحدّثُ عن قصّة حبّ مرّت بأحداث مؤلمة وظروف عصيبة وعراقيل وعقبـــات وضعت بين قلبين وإذا بالفراق والبعاد هو المصير، ثمّ إذا بأحدهمـا وبعد فترة غير سهلة أو وجيزة وقد تبدّلت الظروف قليلاً وقد مضى كلٌّ في طريقه يعيش بلا حيــاة، إذا به ينوي الكتابــة للآخر، وهنا يطفو سؤال ضخم يخيّم على الجوّ علامة كبيرة تغطّي المساحة كلّها من التفكير، ماذا يكتب ..؟ وماذا يقول ..؟ وأيّة كلماتٍ يستعين بها ومفردات يطلب مساعدتها ليصوغ ذلك الخطاب وتلك الرسالة ..؟!!
جيلان زيدان توجّهت للمداد وقد كتبت وكتبت وقالت وتحدّثت وتأملت وترجّت وربما توسّلت، حتى كأنّ ذلك المداد على الورق تجمّع في كتلة صخرية عاتية بعد طول انتظار وجفاف لأنّه لم يجد من يرتشفه لم يجد ههنا أذناً صاغية، أو كأنّ كلماتها التي يحملها ذاك المداد أصبحت صمّاء لا تُسمعُ مَن أرادته أن يسمعها ....! كيف هي صمّاء وبنفس الوقت لا تُسمعُ، لو قلتُ صمّاء ولا تَسمعُ أو لو قلتُ خرساء ولا تُسمعُ لصحّ قولي ......! لكنّني ما قلتُ باطلاً بل راهناً حاصلاً ...! إذ أنّ الصخرة لا تستجيب ولا تصدر صدى يدبّ في النّفوس .. وهي من نفخت فيها الآهات ونفثت الأنين وضربت عليها بعصا البعث عساها تبحث زمان الوصال فتعود لقلبها الحياة والنضارة ويرغد العيش .. لكنّ ما تفجّر من تلك الصخرة وذلك الجندل ليس ماء يرويها بل شللاً تفشّى فيها فيزيد حياتها عقماً ويقذف في رحمها بورم الهجران فينمو جنين الويلات ويكون مخاضه لا يتبؤ لولادة بل موت أطراف القلب بالشلل ......!
شلل، يعني جمود .. أيّ الموت .. ولكن كيف يتفجّرُ الجمود؟ كيف يتفجّرُ الشلل؟ التفجّر يكون عن رجّة وضغط ويكون تشظي وانتثار الأجزاء والشظايا وتطاير الدخان وإشعاع لكثير من الحرارة، الشلل لا يعني حركة ولا الشلل له علاقة بالحرارة بل ربّما بالبرودة، الشلل لا يعني تشظي وانتثار إنما جمود وموت الجزء الّذي يصاب بالشلل، لكن الشلل أحياناً يكون نتيجة عن رجّة \ جلطة وضغط .. وأحياناً يكون نتيجة الصدمة فنجمد دون أن ننبس بحركة \ كلمة فكأننا تماثيل من صخور وكلّ ما فينا يتفجّرُ شللاً .........!

مـا إن هممـتُ بجملـةٍ
خصف القصيد على الجُمَل


ما تزال جيلان تحرّك عجلة الفيلم المصوّر للمشهد في سيناريو يستعرض صور الأحداث بطريقة شائقة، تصوّر صورة تلو الأخرى بفرادة وتربط بين الصور \ الأبيات بخيط الفيلم \ القصيد، وما زلتُ أتابعها حتى تضعُ هي أوزار النَّهاية أو أضع أنا - إذا ما أُرهقتُ - حلمي بينَ قوسي قزح ........!
لا أُخفيكم أنَّ بناءَ جملةِ البيتِ أربكني كثيراً وقَد بحثتُ فِيها مُطَوَّلاً وسألتُ عنها أهل الاختصاص في اللغة والنَّحو، إنَّهــا المرَّةُ الأولى الّتي أُصادِفُ فيها (ما) تسبقُ (إنْ) الشرطيّة ويكونُ عليَّ الخَوضُ في بناء الجملة لأفهمَ حتّى أستطيع الأخذ والرّد معها، سأدرجُ بحثاً قصيراً عن هذا الأمرِ مادمتُ فيه لتعميم الفائدة، وأنوّه أنّني جمعتُ مادتَهُ من أماكنَ عدّةٍ لا فضلَ فيه لي إنّما لكلّ مَن نقلتُ عنكم ربي يجزيهم الخير دوماً، ثمّ بعدَهُ أرجعُ للبيت وباقي القصيدة بإذن الله .. تَدخُلُ (مَا) على جُملةِ (إِنْ) الشّرطيّة فتحلُّ بعدها وتكونُ (مَا) زائدة تأكيدية تُصَوِّغُ تأكيد فعل الشَّرط بنون التّأكيد ومثالٌ على ذلك في قولِهِ تعالى: "{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } الأنفال/58-57 .. نجد في الآية الكريمة السابقة (إمّا أو إن المدغمة في ما) هنا (إنْ) شرطية (ما) نفي مهملة تأكيدية زائدة والملاحظ أنّ كلي فعلي الشّرط (تثقفنّهم، تخافنَّ) في الجملتين أُدخلت عليهما نون التّوكيد الثقيلة ما كانت لتدخل لولا وجود (ما) وفي هذا قال صاحب المجمع: "إمّا تثقفنّ و إمّا تخافنّ دخلت نون التّأكيد لمّا دخلت ما, و لو لم يدخل ما, لما حسُن دخول النّون, لأنّ دخول ما, كدخول القسم في أنّه علامة تُؤذن أنّه من مواضع تأكيد المطلوب من التصديق, لأنّ النّون يدخل لتأكيد المطلوب فيما يدل على الطلب و هي في ستة مواضع : النّهي و الأمر و الاستفهام و العرض و القسم و الجزاء مع ما." وقال العكبري في التبيان: "إذا أُكدت إنْ الشرطية بـ " ما " أُكدَّ فعل الشرط بالنون ليتناسب المعنى." وقد تكونُ (ما) مصدريّة ظرفيّة وتكون (إنْ) شرطيّة زائدة غير عاملة وخير مثال يمكننا أن نسوقهُ ونستطيع فيه اعتبار (ما) مصدرية و(إنْ) شرطيّة زائدة البيت الشعري التالي: مَا إِنْ تَوَانَى قَرِيضِي غَيرَ مُكْتَرِثٍ .. إِلا أَلَحَّ وَ فِي ذِكْرَاهُ أَعْجَلَنِي، لا نستطيع أن نعتبر إنْ هنا إلا شرطية زائدة غير عاملة إذا أعتبرنا (ما) مصدرية ظرفية، لو أعتبرناها تأكيدية فتراها ماذا تؤكد؟!! لكنْ لو اعتبرنا (ما) هنا نفي مهملة ففي هذه الحالة يمكننا إعتبار (إنْ) شرطية زائدة أو تأكيدية للنفي زائدة أيضاً، تأتي (إنْ) تأكيدية زائدة بدون وجه شكٍّ أو احتمالٍ آخر عندما تدخل على جملة (ما) النّافية وتكون جملتها اسمية وأسوق مثالاً كقولنا (ما إنْ أحمدُ كاذبٌ) تكون إنْ هنا تأكيدية زائدة مخفّفة من (إنّ) التأكيدية الناسخة ....... وبعد هذه الجولة القصيرة مع النّحو ماذا نستخلص ويفيدنا في تناول البيت .......؟ لأرى ما بجعبتي ..!
تقول جيلان (ما إنْ هممتُ بجملةٍ .. خصف القصيدُ على الجمَلْ) الشرط والجزاء واضحين إذاً تلك (إنْ) شرطية، ولا أستطيعُ مطلقاً اعتبار (ما) نافية لأنّني سأقتل الصورة الّتي ودّت جيلان رسمها ....! أمّا كونها (ما) مصدرية ظرفية تحمل صيغة زمانية تفيد كثيراً مِن فهم أثر وقعِ الصورة المرسومة الّتي تفضي إلى الفجائية في الحدث (الخصف) وإلى تكراره فيكون كلٌ من (ما) المصدرية الظرفية و(إنْ) الشرطية يفيدان مع بعضهما معنى (كلّما) فهي كلّما همّت بجملةٍ بالنّطق أو الصيغة، فإذا به أتى شعرا فجأةً شيئاً غير متوقّعٍ فكأنّ طابع القصيد يغلبُ على كلّ ما تريدُ أنْ تقولُهُ وتبوح بِهِ فلا ينهمرُ إلا شعراً ولا يتشكّلُ إلا ملحمةَ عشقٍ في إطار قصيد وفي طور الشعر الـ يغزو كلّ كيانها لا كلامها فقط فتصوغ جُمَلها أبياتاً وكل كلامها شعرا ويصبح القصيد متماثلاً لأي صيغة تريد جُمَلها أن تتخذها يخصفُ عليها ويطابقها ويستولي الشعر على بنات كلامها ولغتها وترجمة نبضها .......!
آتي إلى مفردتين طوّقتهما جيلان هنا بجملتها وكم كان لهما من أثر عظيم في رجع صدى أكبر من الخيال والمعنى ألا وهما (هممتُ، خصف) .. الفعل همّ هو فعلٌ واقع بين النيّة والعمل، فإذا نوى أحدٌ فعل عملٍ ما وقبل الإقدام على عملِهِ فإنّه يهمُّ به .. وانظروا وتمعّنوا في ذلك قبل أنْ يقبلَ على العمل يهمُّ به وقبل أنْ يهمَّ به ينوي عمله، أي أنّها إذا ما همّت بجملةٍ ما ما تزال في ضميرها ونوت عليها وقبل أن تقدم عليها إذا بها تودّ أن تهمَّ بها فإذا بالقصيد (يخصف) على الجمل .. الجملة في ضميرها تترجم إلى شعر قبل أنْ تقدمَ عليها لماذا قبل أنْ تقدم عليها وليس مع الإقدام لأنها استخدمت (ما إنْ هممت) الـ تفيد الفجائية وتعني أنّها لم تقدم على الجملة بعد فقط همّت بها .. فقط همّت بها .. وإذا بالقصيد يخصف على الجمل ....!!! أدير الدفّة الآن نحو (خصف) نقول خصفنا شيئاً على شيء إذا كانا متطابقين شكلاً وحجماً وأضيف لوناً وهيئة وكمّاً وكيفاً حتى اتعدّى الماديات والجسمانية وأدخل في كيف يمكن لقصيد أنْ يخصفَ على الجمل .. وأذكر أن الخصف دوماً يلازمه الخرز حتى يظلّ الشيئان المتطابقان والمخصف أحدهما على الآخر ملتصقين .. يلتصق القصيد بجُملها أي أنّ جُملها تلقائياً تكون شعرا وتتحوّل إلى أبيات وبالتالي ينتج قصيداً فهي مطابقة للقصيد تماماً ويتم خرزها المعنى والصور والخيال والموسيقى حتى تغدو قصيدة ولا شيء غير الشعر فيها ........!!!
إذا ما قارنتُ معنى هذا البيت مع سابقه لأجل الربط بين الحلقات، فإنّني أجدها هناك تقول أنّ كل مدادها غير مجدٍ وهنا تقول كلّ جملها قصائد فأين الخيط الرابط بين الإثنين إنّهـــا الحالة كلّ ما تكتبه يصيرُ شعراً ولكنه غير مجدٍ إذ لا يساعدها في الوصال أو التخلّص من الهجر والعذاب ........!

المـوتُ صوبـي يرتجـي:
" كُفّي احتسائي للثمَل"!!


تنتقل الدراما ههنا من طور الاهتمام بالمداد والكتابة إلى موقفٍ ضمن المشهد للموت بندائهِ الرجائي الهستيري الخوف كأنَّهُ صحا مذعوراً وأخذ يهتف بكلّ رجاء (كفّي) يتمّ تصويره، ولنرى أضواءه على ماذا ركّزت ومع هذا أقف للسؤال: أ بعد ما أعلنت جيلان قلبها وقد رحل مضت صوب الحديث عن المداد المتحجّر الّذي لا يجدي بأي نفعٍ في حلّ معضلتها ومشكلتها وإنقاذها من حالة الموت والعذاب والرحيل والضياع، صوب الحديث عن انهمار الشعر مسيطراً على نبضها وغلبة القصيد الـ يخصف جُمَلها التي تهمُّ بها .....؟ إنّها ما لجأت لمدادها إلا لينتشلها من موتها وما كان ما تقوله إلا شعراً ولكن ذاك الشعر لمْ يصلهُ ولم يرجعهُ وما كان من جُملها الـ تصوغها إلا بطابع القصيد ومع ذلك لم تفِ بالغرض فلم يعد .. لم يعد ....! فلا المداد نفعها ولا كلامها أرادت تخاطبه بها ترجوه ربّما تبثّه شوقها ومعاناتها ربما تكتبه شعراً وملحمة ربما ......! إذاً هي غارقة في الموت لا سبيل للنجاة لا سبيل أن يعود إليها فيعود زمن الوصال والحياة، فتخيّلوا معي أنّ إنساناً غارقاً في لجّة انتبهت فجأة لشدّة غرقه فيها وبكل ذعرٍ ورجاءٍ تتوّجهُ ناحيته بالخطاب أن "كفّ عن الغرق في أكثر" .........! ههنا صنعت من الموت شراباً \ سمّاً تتجرّعـــه حتّى الثمالة وإذا بالشراب \ الموت وهي تنظر إليه وهو صوبها يتواجهان فيرتجيها "كُفّي احتسائي للثمَلْ" أخذهُ الذعر ونال منه الخوف ممّا من حالتها وما آلت إليه من موت وأنّهــــا تحتسيه للثمل لا بعدهُ موتٌ ولا بعدهُ إلا مرحلة ما بعد التشبّع والوصول للغاية القصوى ..............!

الصمتُ ينشدك الرِّضـى
والجهـر عيًّـا لـم يـزل


هي لمْ تتكلّم ..!! إنَّها في ذهول الصّمت تقبع حزنا .. وفي صمت ذاهلة تفيضُ وجعـــاً .. نعم لجأتْ لمدادِها، كتبت شعرَها قصائداً .. لكنّ صوتَها لم يخرج من مكمنهِ ظلّت كالدمى هامدة جامدة ذاهلة سناءها مسروق ونور ثغرِها آفل وليس في قبضتها إلا قلبٌ قديدٌ قد رحل ..!!!! رجعت من تصوير السيناريو لتأليف الحوار من الخبر إلى الإنشاء من الوجدانية إلى المناجاة مرّة أخرى أخيرة، فجعلت تخاطبه أنّهــا بصمتها تترجّاهُ وتنشدُ رضاهُ ولم تجهر بكلمة ....! هنا بثّت جيلان بالروح في كلا من (الصمت، والجهر) فجعلت من الأوّل عبداً مطيعاً لا يهمّهُ إلا رضى سيّدِهِ ويبذل قصارى جُهده لذلك، أمّــا الجهر فجعلت منهُ ذاك العليل الفاقد القدرة لأدنى حركة أو عمل غير النافع مطلقاً بإختصار عاجز عيّان والّذي لم يمتثل للشفاء بعد ......! وبهذا هي توضّح صورة واحدة أنّ الصمت ظلّ جاهداً ينشد الرّضى بينما الجهر ظلّ عليلاً في فعله وكلّ فعله هباء لا يتهدي لشيء، فكأنّنا أمام أمرٍ مضحكٍ مبكٍ في آن واحد العمل عمل (الجهر) هنـا وهو الشخص الصحيح – من العاهات – لكنّه أصبح عاجزا عيانا ذو عاهة إذ أن فعله لا يُهتدى به ولم يزل كذلك فجاءوا بـ (الصمت) وهو صاحب العاهة المستديمة للخدمة فلو تخيّلنا أنّهم أتوا بأخرسٍ ليذيع مكان المذيع العليل ماذا ينمو من ضحكٍ إلى أذهاننا ....؟! هكذا هو حالها مهزلة وسخرية سوداء

ويلي إذا صـار الهـوى
صحراءَ سُقياهـا العِلـل


تُرى مَنْ تخاطبُ ههنا بقولها (ويلي) .. إنّها تخاطبها .. إنّها تخاطبه .. إنّها تخاطبنا .. إنّها تخاطبهم .. تخاطب أيّاً من يسمعُها .. يفهمُها .. يعيها ويُدركُها .......! (ويلي) لها الويل ممّا إذا ما صار الهوى صحراء وكانت سُقياها (العِلَلْ) ..!! جمعت جيلان هنا صورا وركّبتها فوق بعضها فكان البيت لوحة أشبه بلوحة من جنون دالي ..!! ويلهـــا إذا جنّة هواها أصبحت جرداء كصحراء .. إلى هنا الصورة طبيعية ومستوعبة من قِبَلي ثمّ .. تلك الصحراء سقياها (العِلَلْ) .. ترى مَن يسقي الصحراء أبداً ...؟! ثمّ إذا يسقيها ماذا يجني ...؟! الصحراء كثبان رمليّة لا تحبس الماء وتحفظه بل يغور فيها ويدخل إلى أعماقها مهما سُقيت لن يُجدي نفعاً .. فماذا إذا سقيناها ولم نسقِها ريّـاً وفقط بل أسقيناها بالعِلَل بما يزيد الطين بلّة بما يزيدهــا تصحُّراً ربّمــا ..!! بل بما يضيفُ عليها أموراً مريبة كالأشواك وكالنباتات السامة والصبار ويمكن أن يثير زيادة العلل فيها الزوبعات والأعاصير و ...! دالي أدركني حنانيك .......! ليس الهوى جريداً يعاني الجفاف والتصحّر وفقط بل تصبُّ عليه المصائب والعلل كقطع الليل المظلم وذاك القلب أعانهُ الله فقد رحل .....!

إن أنتَ شئـتَ تبعثـرًا
فارحل ودَعْ عني العـذل


مازالت تحاوره \ تناجيه \ ترجوه .. ما زالت تحاول التمسّك بأملٍ أنْ يتغيّر ويغيّر قراره ربّما غيابه فيبدله إلى حضور هجرانه فيحيله إلى وصال ولكن ....! وويلها إذا هواها صار صحراء جرداء خالية من أوجه الحياة تصبّ عليها المصائب صبّاً وتُسقى بشتّى أنواع العِلل حتى أقفرت وأظلمت وجاءتها الزوابع والأعاصير لماذا ..؟ لتبعثرها ......! أليس هي \ هواها صارا صحراء والصحراء ماهي إلا كثبان رملية والرمل ما هو إلا ذرات تذروها الرياح فتثور الزوبعة وتتبعثر حبيبات الرمل \ هواها \ كيانها \ هي .........! إنّ الموت أشرع شوقه لها حينما أعلن الحبيب الهجر فصارت في صمتٍ ذاهلة حتى نالت منها السخرية ونال الهزل وتجمدت تخلو منها الحياة فأصبحت تحاكي الدمى إلا من دموع نازلة، سناؤها سُرق .. نور ثغرها أفل وقلبها قد رحل .. يزيد وجدها ويتناسل وبات هواها صحراء سقياها العلل فيا ويلها وما بعد منه ويلها الويل .. يا أنتَ إن شئتَ لي \ لكَ \ للهوى \ للحياة \ لكل شيءٍ تبعثراً فارحل .. ارحل .. ارحل .......! أ لم يكن رحل بعد ......؟! فكيف إذا رحل حقّاً كيف سيكون حالها .....؟!! بل هو بين الهجر وبين الذكرى .. بين أن يعلنهــا رحيلا وبين أن ترجوه .. بين أن يعذلها مبعثراً \ تبعثراً وبين أن تطلب منه يائسة (الرحيل) .. إنّه وإنّهـــا وإنّه الرحيل حتمـــاً .....!
إذا ما لاحظنا جملة الشرط في هذا البيت نرى أنّها اسمية للمرّة الثانية تُظهره جيلان لتقول أنتَ \ هو بكل وضوح .. كانت المرّة الأولى لمّا قالت (إن كنتَ تعني هجرة) إنّهـــا تُظهره جليّاً وبكلّ وضوح تشير إليه ......!

كلّ الـذي فـي حوزتـي
يمضي ذبيحا ... لا جَدل


ارحل .. هكذا خاطبته \ ناجته .. و دعْ عنّي العذل .. نعم علام العذل لم يتبقَّ شيء، لا شيء بحوزتي \ لا شيء أنا \ لا شيء أبداً .. كلّ الذي أملكه يذهب هباءً .. كلّ الّذي في حوزتي يمضي ذبيحاً .. ليس في ذلك أيُّ جَدل .......! ماذا في حوزتها هل هو نفسه الّذي كان في قبضتها أم أنّهُ هو و الأمل والرجاء وكلّ شيء ربّمــا يساعد لتعود للحياة والنضارة، البيت يعلنُ عن ذاتِهِ بكلِّ يأس ويعلن قمّة اليأس والخلاص إلى الفنـــاء هنا تستطيعُ الآن جيلان أن تخطّ نقطة آخر السطر .. هنا تستطيع أن تنتهي وفعلا هنــا وهنا انتهت ....! فما الفرق بين النهايتين النهاية التي قلتُ عنها عند البيت (إنّ الّذي في قبضتي ......) وهنا .. هناك وصفت حالتها والوصول إلى الحتمية في الرحيل فالفناء، والفناء المحتوم بالرحيل فلا يخطر ببالنا أي فصول بعده .. إنّمـــا فصلُ الانبعاث كاد أن يتخّذ موقعــاً وهذا ما أرادته جيلان وضع أمرِ بعثها ورجوعِها للحياة \ والنضارة \ وقلب مليء بالحياة والحيوية والحب بين يديه هو .. وأنهت ههنا بأنّه وصل إلى العذل ورغبة التبعثر فطلبت أو طالبته بالرحيل .. أن ارحل فإنّني مقتول مقتول مقتول .. لا جَدَل .........!

على منوالهـــا ارتجلتُ أبياتاً في يومٍ مضى أضيفها في نهاية هذه القراءة المتواضعة

انطفاء:

ولِمثلــهِ فليُمتثلْ
من حرقةٍ دمعُ المقلْ
أرجوحةٌ يجتاحها
عبثُ الرياحِ بلا كللْ
وذؤابةُ الشّوق الدّلي
تجتاحُ أوردتي شُعَلْ
لمّا جفوني لاومت
راحت تهندسُ في مَللْ
إيهٍ على قلبٍ رحلْ
فصلُ النّهايةِ مُنسدَلْ



وفي نهاية المطـــاف لا يسعني إلا شكر الشاعرة العزيزة والراقية جيلان زيدان وأنا أسوق لها ألف عذرٍ وعذر على ما اقترفته يداي \ كلماتي في حقّ قصيدتها الجميلة من تقصير وقصور في رؤياها البسيطة الأحادية الجانب الضيقة الأفق .. وأحب ههنا أنْ أشير إلى أنّ هذه القراءة المتواضعة تبنتْ أفكار ورؤى ووجهة نظر شخصية غير ملزوم النص أنْ يقبلها لأبعادٍ فيه وقد غفلتها بجهلي وما كتبته هو انطباع تولّد لدي حين قراءة القصيدة الكثيرة والوارفة .. فاعتذر عن التقصير .. ولكل منْ يمنُّ عليها فضل الوقوف والقراءة كثير شكر وامتنان ........ مع أطيب التحايا

(تمّ بحمدلله)

فرحناز سجّاد حسين فاضل
أؤرخُها بتاريخ نشرها
الحادي عشر من حزيران 2011م






 
/
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط