لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: قلب وحروف (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: كذبة (آخر رد :الشاعر حسن رحيم الخرساني)       :: ندى الحرف (آخر رد :خديجة قاسم)       :: من استطرادات منظومة الخليل (آخر رد :خديجة قاسم)       :: يا غاضِبَ الكـَفّ ! (آخر رد :خديجة قاسم)       :: القدس - أيمن العتوم (آخر رد :خديجة قاسم)       :: أما أن اكون هكذا او لا اكون/ رافت ابو زنيمة (آخر رد :أمل عبدالرحمن)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: أدماني حرفها (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: إنتحار (آخر رد :زياد السعودي)       :: يا جميل جمال (آخر رد :زياد السعودي)       :: أنّات في صَدر الثرى (آخر رد :ناظم الصرخي)       :: أشواك الظن (آخر رد :ناظم الصرخي)       :: ولم اسقط .. (آخر رد :ناظم الصرخي)       :: تشهد إسرائيل تظاهرات تل ابيب من قبل اليهود الفلاشا (آخر رد :نجيب بنشريفة)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > 🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘

🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-10-2010, 06:43 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سلطان الزيادنة
مدير عام
أكاديميّة الفينيق للأدب العربي
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الأردن

الصورة الرمزية سلطان الزيادنة

افتراضي الفينيق طاهر زمخشري يليق به الضوء*سلطان الزيادنة




سلام الله

تعودنا أن نضع نصاً
تحت الضوء ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربة فذّة
نستميح روح

طاهر عبدالرحمن زمخشري

لنضعه تحت الضوء
اذ به يليق الضوء






سيرته:
----------


طاهر عبد الرحمن زمخشري شاعر سعودي ولد بمكة عام 1906 وتوفي في 20 يوليو 1987. أحد المبدعين البارزين في مجال الأدب وخصوصاً الشعر، في المملكة العربية السعودية، ومنطقة الحجاز تحديداً، فيعد الزمخشري من الجيل الأول الذين أسسوا حراكاً إبداعياً في السعودية، سواء في المجال الأدبي أو الإعلامي، ولد في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية عام 1914، أنهى دراسته في مدارس الفلاح عام 1349 هـ وعمل منذ عام 1350 هـ في الوظائف الحكومية حتى استقر به الحال في دار الإذاعة. عرف بلقب بابا طاهر لاهتمامه بأدب الطفل وقدم برنامجا إذاعيا يحمل الاسم ذاته. أنشأ أول مجلة أطفال سعودية، مجلة الروضة، وكان أول عدد لها في تاريخ 17 سبتمبر 1959 م، ولكن لم تستمر طويلا، وتوقفت بعد 27 عدد بتاريخ 12 مايو 1960م. توفي في 20 يوليو 1987.

مشواره الإعلامي:
-----------------

ساهم في تأسيس الإذاعة السعودية وعمل بها عام 1369 هـ مذيعاً ومعداً ومراقباً، وأشتهر ببرنامجه الموجه للأطفال (بابا طاهر) وببرنامج (روضة المساء)، كما قام بتأسيس أول فرقة موسيقية في المملكة العربية السعودية ساهمت في تقديم الأناشيد الوطنية والموسيقى بالإذاعة، وبتشجيع من الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، أصدر أول مجلة ملونة متخصصة في المملكة العربية السعودية، وهي مجلة (الروضة) التي صدرت في عام 1959م، وترأس الزمخشري تحرير جريدة البلاد السعودية لمدة عام واحد

الشعر الغنائي:
---------------


كتب الراحل طاهر زمخشري عدد من النشيد الديني والعاطفية والمنولوج، ووصل عدد أغنيه لقرابة 200 أغنية، فغنى له طلال مداح قصيدة سلام لله يا هاجرنا، وكانت من ألحان غازي علي، ومن أغنياته (سلام لله) و(أسمر حليوه)و(خاصمت عيني من سنين) لفنان العرب محمد عبده و(أسمر يازين)، وتغني من شعر الزمخشري كلاً من الفنانين طارق عبد الحكيم وغازي علي وعمر كدرس وطلال مداح ومحمد عبده وعبد المجيد عبد الله وابتسام لطفي، إضافة لعدد من الفنانات العربيات منهم هناء الصافي وعايدة بو خريص.

جوائز وأوسمة:
---------------

حصل الراحل طاهر زمخشري على عدد من الجوائز والأوسمة منها وسام الاستقلال من الدرجة الثالثة من الجمهورية التونسية عام 1966م، ووسام الثقافة التونسية عام 1394 هـ، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية للأدب عام 1404 هـ من المملكة العربية السعودية.

من أعماله:
-------------

أحلام الربيع 1946 م وكان الديوان الأول.
همسات 1372 هـ.
أنفاس الربيع 1955 م.
أصداء الرابيه 1957 م.
أغاريد الصحراء 1958 م.
على الضفاف 1961 م.
ألحان مغترب 1961 م.
عودة الغريب 1963 م.
في الطريق 1382 هـ.
معازيف الأشجان 1976 م.
لبيك 13388 هـ.
حبيبي على القمر 1389 هـ.
نافذة على القمر 1390 هـ.
العين بحر - بحث حول مانظمه الشعراء في العين 1970 م.
رباعيات صبا نجد 1393 هـ.
الشراع الرفاف 1974 م.
حقيبة الذكريات 1397 هـ.
على هامش الحياة - قصص.
مع الأصيل - تأملات ودراسات نفسية.
إليها - شعر
أغاريد المذياع - شعر.
ليالي ابن الرومي - دراسة.
أقوال معبثرة - شعر.
أحلام.
ورمضان كريم.
عبير الذكريات (إصدار خاص من تهامة للتوزيع)
من الخيام 1389 ه،.
بكاء الزهر.
أوراق الزهر.







مقالات ودراسات عنه:
-------------------------


طاهر زمخشري. رائد تثقيف الأطفال عبر الإذاعة
إعداد : أحمد صالح حلبي

لازال الرعيل الأول رجالا ونساء يتذكرون “ بابا طاهر “ الرجل الذي كان له دور في توعية وتثقيف الأطفال عبر إذاعة المملكة العربية السعودية يوم كان المذياع يصدح بكل منزل كوسيلة إعلامية أولى للتوعية والإرشاد والتثقيف.

وكان “ بابا طاهر “ هو الأستاذ / طاهر زمخشري ـ رحمه الله ـ المولود بمكة المكرمة عام 1332هــ هو الأب لكل الأطفال المستمعين له.

والأستاذ / طاهر زمخشري ـ رحمه الله ـ تلَّقى تعليمه بمدرسة الفلاح التي كانت منارة علمية للشباب وبعد تخرجه منها بدأ مسيرة حياته العملية بوظيفة كاتب بإحصاء النفوس لينتقل بعدها للعمل بمطبعة الحكومة بمكة المكرمة.

وبحثا عن لقمة العيش ورغبته للعيش قرب أمه سافر إلى المدينة المنورة ليكون بجوار أمه المقيمة بها ولم يجد ضالته في العمل الذي يهواه فالتحق للعمل مدرِّساً بمدرسة دار الأيتام لكنه لم يستمر طويلا إذ سرعان ما ترك مجال التدريس وعاد للمطبعة التي أحبها وأحب ضجيجها.

غير أن ضجيج المطابع غاب عنه فتوجه للعمل بالقطاع الحكومي متنقَلا في عدد من الوظائف الحكومية بكل من أمانة العاصمة المقدسة بمكة المكرمة ، ثم بلدية الرياض فديوان الجمارك ليستقر أخيراً بالإِذاعة السعودية التي وان غاب عنها ضجيج المطابع فلم يغب عنها الميكرفون ويستمر بها حتى إحالته للتقاعد.

والأستاذ / طاهر زمخشري ـ رحمه الله ـ يعد واحدا من رواد برامج الأطفال بالإذاعة السعودية التي وان منحته محبة الأطفال الذين أصبحوا ينادونه بـ “ بابا طاهر “ فان الكبار من الآباء والأجداد كانوا متابعين له لما يحمله برنامجه من ثقافة جيدة.

ومحبته للأطفال ونظرته نحوهم منحته الفرصة لإصدار “ مجلة الروضة “ لتكون أول مجلة للأطفال بالمملكة لكنها لم تستمر إذ سرعان ماتعثَّرت بسبب المعوقات المالية.

وعمل الأستاذ / طاهر زمخشري ـ رحمه الله ـ بالصحافة متعاوناً وكان من أوائل كتاب القصة القصيرة والطويلة وكتب الشعر الغنائي والوجداني اضافة إلى كتابة الأناشيد الوطنية .

أصدر نحو عشرين ديواناً صدر بعضها في مجموعتين: الأولى “المجموعة الخضراء”، والثانية “مجموعة النيل استقر في أواخر حياته بالجمهورية التونسية والتي منحته وسامين تقديرا لعطائه الأدبي والثقافي.
نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب بالمملكة العربية السعودية ضمن رواد الأدب بالمملكة.
توفي في الثاني من شهر شوّال عام 1407 هـ ودفن بمكة المكرمة ـ رحمه الله

طاهر زمخشري وحديث ذكرياته:
--------------------------------

أنا طاهر زمخشري، عشت في ظلال هذا البيت، وليد الفقر، ونشأت في أحضان البؤس، وترعرعت أسيرَ اليأس حتى أخذت طريقي بكل اعتزاز وفخر إلى النجاح في الطريق الذي سلكته، وهذا من فضل الله، ثم رعاية مَن رعاني طفلاً، وساعَدني شاباً، وأخذ بيدي وهداني إلى الطريق السويّ.
- وأذكر بكل صراحة في هذه المناسبة أستاذي الجليل الأستاذ عبد القدّوس الأنصاري أول من أخذ بيدي في مجال الأدب.. وهو الوحيد الذي أعترف له بالفضل حيث قام بتصحيح قصائدي في أول المشوار.
- أما الخطوات الأولى من حياتي، فأنا لا أعرف شيئاً يُذكر عن طفولتي، كل الذي أعرفه سماعاً أني ولدت في مدخل بيت من بيوت مكة، ونشأت طفلاً في ردهات المحكمة الشرعية في رعاية والدي، ورعاية الناس الطيِّبين من الجيران، ولا زلت أذكرهم، وأذكر لهم هذا الجميل عليّ.
- ولقد منَّ الله علي بنعمه فأكملت تعليمي الثانوي.
- وتخرَّجت ولله الحمد من مدرسة الفلاح من الأوائل، ولكني كنت فقيراً، وكانت الوساطة والوجاهة من الأسباب القوية للحصول على الوظيفة، أما الفقير ابن الفقير فلا يجد السبيل إليها، حتى شاءت الأقدار، ولعبت الصدفة دورها ذات ليلة في سهرة ما في بيت أحد الجيران هو "بيت البَنَا" على ما أذكر، وقدمني بعض الإِخوان إلى الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود خوجه وامتدحوني أمامه وبيَّنوا له أنني تخرجت من مدرسة الفلاح، وأنني لم أجد وظيفة، بينما الحقيقة، أنني كنت أعمل بوظيفة مؤقتة منذ عدة أشهر تحت مسمّى كاتب في إدارة إحصاء النفوس، والتي تمكَّنت من الحصول عليها بعد نجاحي في مسابقة أُعَّدت لذلك وقد حصلت فيها على المركز الأول. وكان لي في إحصاء النفوس جولة لا مجال لذكرها الآن.
- خطوتي الأولى التي أحسست أني شعرت بها بطعم الحياة كانت المطبعة الأميرية "مطبعة الحكومة"، وفي رعاية الشيخ محمد سعيد عبد المقصود، وكنا نخبة من الشباب أذكر منهم على سبيل المثال الأستاذ عبد الله بلخير شاعر الشباب، والأستاذ أحمد ملائكة، والمرحوم عبد الله عريف، وحسين خزندار، ومصطفى كمال باتبارة، وعبد الكريم مخلص، وحسن الياس.
- وكنا مجموعة من الشباب المثقف اختارنا الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود خوجه حوله، وكان يرعانا الرعاية الكاملة ومن رعايته لي بصفة خاصة أنه أصدر تعليماته بتعييني كاتباً في المطبعة براتب فرّاش، وكان الكاتب الذي يتقاضى راتب فراش يتولّى القيام بعمل الوارد والصادر، ومهمة مأمور المستودع، ومصحح الجريدة، وذلك كله مقابل مرَّتب مقداره 4 جنيهات آخذها من العم محمد باحمدين - الله يرحمه -.
- وفي تلك الفترة عرفت سبيلي إلى الحياة، وعرفت طريقي إلى العمل، وتعلَّمت من محمد سعيد عبد المقصود العمل الجاد.
- فقد كان يسكن في الخريق وكانت المطبعة في أجياد وكان أحياناً يتصل بي هاتفياً، ويطلب مني إنجاز عملٍ ما فلا أكاد أجمع أوراقي لأنفِّذ تعليماته، حتى أجده واقفاً أمامي وقد قدم من منزله من الخريق.
- مشيت المشوار مع محمد سعيد عبد المقصود، وارتبطت بهذا المشوار بالحركة الفكرية، وأنا كنت ناشئاً، كل مؤهلاتي هي المؤهلات التي حصلت عليها من مدرسة الفلاح فيما يتعلق بالنحو والصرف، والبلاغة والبديع، وموازين الشعر. ولكنني لا أعرف شيئاً عن كتابة المقالات.
- وكان السيد رشدي ملحس مدير الجريدة، والأستاذ محمد سعيد عبد المقصود مدير المطبعة، يكلفاني بتبويب الجرائد والبريد.
- على أن الشيء الذي أحب أن أقوله في هذه المناسبة أن مبادلات الصحف في تلك الأيام خير منها في الوقت الحاضر.. فرغم أن المطبعة كانت تقوم بإصدار جريدة واحدة أسبوعية هي (أم القرى)، كانت الجرائد والمجلات التي تصلنا من الخارج أكثر من 150 صحيفة متنوعة، ما بين مجلات وجرائد، وكانا يتركان لي فرصة تبويب هذه الجرائد، وكنت شغوفاً بالقراءة، فبدلاً من القيام بتبويب الجرائد أنهمك في قراءتها، وكان الأستاذ رشدي ملحس والأستاذ محمد سعيد عبد المقصود يرياني ويتركاني لشأني عدة ساعات، وكانا سعيدين بهذا.
- وكانت لنا مع الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود خوجه ذكريات جميلة، أذكر منها أنه كان يبعث الحماس فينا كناشئة، وكان ألمعُنا وأبرزنا شاعر الشباب في ذلك الزمان الأستاذ عبد الله بلخير الذي كان من أبرز الشباب حول المرحوم الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود.
- ومن الذكريات الجميلة أيضاً أن الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود يُعرف في ذلك الوقت بالأستاذ محمد سعيد خوجه.. فقط وكان في مكة في ذلك الوقت تاجرٌ يحمل نفس الاسم، وهذا التشابه في الاسم نجم عنه كثير من اللبس، فقد يحدث بصفة متكررة أن تصلنا عن طريق البريد خطابات تحمل بوليصة شحن أو مناقصات، فنكتشف عدم علاقتنا بها وأنها تخص محمد سعيد خوجه التاجر، فنرسلها له معتذرين، وفي الوقت ذاته تصله خطابات تحمل مقالات، أو طلب نشر إعلانات، أو مجموعة كتب، فيكتشف أنها تخص محمد سعيد خوجه الكاتب، فيرسلها لنا معتذراً، وأخيراً رأى الأستاذ محمد سعيد خوجه الأديب أن أفضل طريقة لوضع حد لهذا اللبس أن يضيف إلى اسمه اسم والده عبد المقصود حتى يصبح الاسم هكذا:
"محمد سعيد عبد المقصود خوجه"
- ومن البدايات التي أعتزُّ بها جداً أني بعدما عملت فترة في الجريدة رأى والدي أن أنتقل لأعيش مع والدتي بالمدينة، وفعلاً انتقلت إلى المدينة، ووجدت بالمدينة نشاطاً فكرياً وأدبياً حيث كان الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، وأحمد ياسين الخياري، ومجموعة من الزملاء يعقدون ندوة أسبوعية بشكل دوري، والأستاذ محمد حسين زيدان والطرابزوني والسيد مدني، وآخرون لهم مجموعة أخرى. وفي كل ليلة خميس يَلتقي أفراد هذه المجموعات في ندوات يشترك فيها كل شباب المدينة، وتدور فيها مناقشات، ومساجلات أدبية، وكنت أحضر هذه الندوات، وكان الأستاذ عبد القدوس الأنصاري يشجِّعني على المشاركة، فشاركت في مساجلة، كان ضيفهم فيها المغفور له الشاعر الكبير علي أحمد باكثير الذي حضر للمدينة وكان من أنصار الشيخ عبد القدوس الأنصاري، وكانت أحلى المساجلات في تلك الفترة مساجلة اشترك فيها عبد اللطيف أبو السمح، وعبد القدوس الأنصاري، وأحمد ياسين الخياري، وعلي أحمد علي بلخير، وصالح الحيدري، وآخرون، وكانت مساجلة لطيفة يحتفظ بها الأستاذ عبد القدوس إلى الآن عنده.

ومما جاء في تلك الأمسية:
لأكل الخيارِ دُعيتَ الخياري
وما في الخيارِ أراك تكـون

- وهذا البيت للشاعر علي أحمد باكثير من قصيدة قالها في السيد أحمد ياسين الخياري.
- وقد شاركت في هذه المساجلة ببيت شعر لا غير.
- وكان الأستاذ عبد القدوس الأنصاري - رحمه الله - يمدني بالكتب.
- ومن عادة أدباء المدينة في تلك الفترة أن يحتفلوا بالأدباء القادمين من جدة، يتنافس في ذلك مجموعة الأستاذ الزيدان ومجموعة الأستاذ الأنصاري، ومن أكبر هذه الحفلات تلك الحفلة التي أقيمت للأستاذ بكر ناظر.
- وكان من ملامح الحركة الفكرية في ذلك الوقت الصراعات الأدبية، وكان من أشدها المعركة الأدبية التي نشبت بين الأستاذ محمد حسن عوّاد، والأستاذ عبد القدوس الأنصاري - رحمهما الله -، والتي شهدت مولدها، وعشتها قلباً وقالباً وكان الصراع في البداية موضوعياً، غير أن الأستاذ محمد حسن عوّاد - رحمه الله - خرج عن الموضوعية بعد ذلك، وأخذ يوجه للأستاذ عبد القدوس الأنصاري نقداً شخصياً لاذعاً أثار حفيظة جماعة المدينة، وكان من الذين تأثَّروا لذلك الأستاذ عبد اللطيف أبو السمح الذي كتب في الجريدة التي نشرت المقال وهي "جريدة صوت الحجاز" بيتين من الشعر يقول فيهما:
هذه مـوت الحجازِ
هذه صوت المخازي
كَذَب القائـل عنها
إنها صوت الحجـازِ
وكان هذا دفاعاً عن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري.
- أما عن بدايتي في الكتابة فما بدأتها شاعراً، وإنما بدأت أكتب القصة، وارتبطت هذه البداية بواقعة عجيبة حبَّبت إليَّ كتابة القصة، ففي أحد اللقاءات قصَّ علينا الشيخ أسعد بخاري والد السيد محمود أسعد حكاية لطيفة، خلاصتها أن حرباً نشبت بين ملكين متجاورين، وهزم أحدهما الآخر وكان للمهزوم ابن هاجر بعد هزيمة والده إلى بلد آخر، وأصبح يطلب الرزق متسولاً، وفي أحد الأيام، وبينما كان نائماً تحت إحدى الشرفات أبصرته السيدة التي كانت تطل من الشرفة، فأعجبت به حيث كانت لا تزال تبدو عليه آثار العز والنعمة، فدعته إلى منزلها، وما إن رأته حتى شغف قلبها به، وأخذ يسرع في نبضه كأنه يستحثها إلى أن تبادر إلى إعادة رونق الشباب والحيوية فيه، فأعطته ملابس نظيفة بعد أن أمرت بإعداد الحمام لإِزالة ما علق به من آثار السفر والتعب ومنحته عشر جنيهات ووعدته أن يزورها مرة أخرى وتكرَّرت زيارته لها، وفي أحد الأيام بينما كان يتجوَّل في السوق وقف أمام دكان شيخ التجار - زوج ابنة الملك - وما إن لمحه شيخ التجار حتى عرف أن الملابس التي يرتديها هي ملابسه بالذات، كيف أمكنه الحصول عليها؟! فاستدعاه، وسأله من أين لك هذه الملابس؟ فقصَّ عليه القصة من ألفها إلى يائها.
- وبعد أن انتهى من حكايته لم يتمالك شيخ التجار نفسه، فذهب على الفور إلى الملك، وقال له: إنَّ ابنتك خائنة وشرح له القصة التي سمعها من الرجل فطلب منه أن يحضر إليه الرجل ليسمع منه قصته حتى يستطيع أن يصدر حكمه على ضوء ما يسمع وبما يرضيه، فذهب إلى الرجل وقال له: إن الملك يريد أن يسمع قصتك مع تلك السيدة ولأنه يحب ويستمتع دائماً بسماع مثل هذه الحكايات الطريفة.
- ولم يفطن الشاب لحقيقة الأمر فصدَّقه، لكن شيخ التجار قبل أن يصطحبه إلى قصر الملك سأله عن موعده مع تلك السيدة فأجابه غداً الساعة العاشرة.
- وانتظر شيخ التجار الموعد بفارغ الصبر وقبل الموعد المحدَّد للقاء انطلق إلى منزله متقلِّداً سيفه، ووصل بعد أن توقَّع أن تكون زوجته والشاب مجتمعين متعانقين أو يتحادثان، وقام بتفتيش المنزل ولكنه لم يجد الشاب. وعندما قابله في المساء سأله عن نتيجة مقابلته في الصباح فأجابه الشاب: كانت مفاجئة. فسأله: ما هي المفاجأة؟ فقال له: عندما كنت مع السيدة الجميلة حَضَرَ زوجها وقام بتفتيش المنزل ولم يجدني. فسأله: وكيف ذلك؟ فأجاب الشاب: لأنها خبَّأتني بين طيات حصيرة كانت هناك، ثم طلبت مني أن أزورها غداً وضربت لي موعداً الساعة كذا.
وفي الموعد المحدَّد ذهب شيخ التجّار إلى المنزل حاملاً سيفه يغلي جوفه انتقاماً وثأراً لعله يظفر به حتى يمزِّقه، وعاد كما عاد في المرة الأولى يقضم أصابعه ندماً وحسرة، لكنه لم يجد أحداً حيث خبَّأته بداخل صندوق المطبخ، وطلبت أن يكرِّر زيارته لها غداً، وعندئذٍ قالت لزوجها: ما دمت سيِّئ الظن في أخلاقي وتصرفاتي فسأترك لك المنزل وأتوجه إلى البستان، ووعدت الشاب أن يزورها هناك، وذهب شيخ التجار إلى البستان لعله يضبطهما متلبسين، ولكن زوجته خبَّأت الشاب في البركة، وطلبت من زوجها عندما حضر أن تجري معه مباراة في الرماية بحيث يرمي كل منهما حجراً ويصوب على قرعة صغيرة فمن أصابها فله حق البقاء في الحديقة، ومن أخطأها فعليه الانصراف.
...ونظراً لتوتر أعصاب زَوجها لم يتمكَّن من إصابة القرعة.
فخرج، وذهب إلى الملك، وحكى له ما حدث فقال له: أحضر الشاب، فإن حكى لي قصته وشممت فيها رائحة الخيانة فسأعاقبهما كما تحب، فذهب شيخ التجار لإحضار الشاب وأحضر الملك ابنته، وطلب منها أن تقف خلف الحجاب، وعندما حضر الشاب، وأخذ يروي قصته. لمح الفتاة خلف الحجاب وهي تبكي فتوقف عن الحديث فسأله الملك: ثم ماذا؟ فقال له: ..ثم فتحت عيني واستيقظت من المنام.. قال الملك: ماذا تعني؟.. فقال كل ما ذكرته كان مجرد حلم.
- وقد طلب منا السيد أسعد أن نكتب هذه الحكاية بأسلوب قصصي مقروء يشد القارئ.
- فتسابقنا في الكتابة كل بأسلوبه، وقد وفِّقت في كتابتها، فقال السيد علي أحمد باكثير: إنك قاصّ مبدع، فعليك مواصلة السير في كتابة القصة، وأباركك ككاتب قاص.
- وكنت في ذلك الوقت أعمل في دار الأيتام، وقد علَّق بعض الزملاء على اشتغالي بدار الأيتام بقولهم:- ما رأيكم في شخص قدم للعمل بالمدينة؟ في حين يتركها الناس إلى مكة للعمل هناك. فقررت ترك الوظيفة والعودة إلى مكة. عدت إلى مكة، وعندما قابلت الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود سألني لماذا عدت؟ مع أنك قد وجدت عملاً في المدينة، فأخبرته بما عيَّرني به زملائي في دار الأيتام، فسألني: هل ترغب في العودة للعمل في المطبعة؟ فأجبت بالإيجاب، وعدت بالفعل للعمل في المطبعة مصححاً، وكانت هذه بداية تجربتي في الصحافة، وكان لمحمد سعيد عبد المقصود أثر كبير في حياتي. فبسببه عرفت امتلاك النقود حيث كانت المطبعة تقوم بطبع تقاويم أم القرى وتوزِّعها على الدوائر الرسمية وعلى المكتبات وعلى السوق وتحصّل قيمتها فوراً. فدعاني الأستاذ محمد سعيد وقال لي:- المكتبات والدوائر الرسمية أنت مسؤول عن البيع لها، ومسؤول عن تحصيل قيمة ما تبيعه.
- ولقد كانت الكمية التي وكّلني ببيعها ما بين سبعة إلى عشرة آلاف نسخة. وقمت بالفعل بتوزيعها واستحصال مبالغها وتوريدها للمحاسبة وبعدما انتهت عملية البيع وتوريد القيمة، أعطاني خمسين جنيهاً ذهباً، فسألته:- لِمَ هذا المبلغ؟ فقال:- هذا مقابل أتعابك في بيع التقاويم بواقع 10% من قيمة المبالغ التي تمَّ تحصيلها.
- هذه هي بدايتي في المطبعة.. وقد تعلَّمت فيها معنى العناد في سبيل الوصول إلى الغاية، تعلَّمت ذلك من محمد سعيد عبد المقصود الذي أنشأ مدرسة لتعليم الصف والطبع.. لعدم وجود عمال بالمطبعة، واختارني مراقباً لتلك المدرسة، وكان يصرف للعمال مكافآت تشجيعية لرفع مستواهم وتشجيعهم على التعلم، وعيَّن منهم رؤساء للأقسام المختلفة. رئيس قسم الطبع، ورئيس قسم التجليد، واختار نفراً منهم وأرسلهم بعثة للخارج على حساب المطبعة لدراسة التجليد والصف والطبع.. وكان يخطط لإِقامة أكبر مطبعة في العالم العربي، فلا ينفك ليل نهار في اجتماعات متواصلة ودراسات ثقافية وإعداد مستمر لإِنشاء أكبر مطبعة في العالم العربي. وتعتبر المطبعة الكبرى التي وضع لها الأساس هي العمارة التي تقع في مدخل مكة، والتي فيها الشرطة الآن، ويعتبر العاملون في مطابع مكة الآن معظمهم، إن لم يكونوا كلهم من عمال المطبعة التي أسَّسها محمد سعيد عبد المقصود.. وقد أصبح بعضهم الآن أصحاب مطابع مستقلة، وما ذلك إلاَّ بتوجيه الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود، وهناك أشياء كثيرة لا يتَّسع الوقت لذكرها، ولكني كما قلت آنفاً، سألتزم بذكر البدايات، وإذا أحببت أن أرد الفضل لأهله، فإن محمد سعيد عبد المقصود، وعباس قطان، ومحمد سرور الصبان، هؤلاء الثلاثة كان لهم أيادٍ بيضاء كثيرة فلهم الشكر بعد الله، وعلى ذكر الأستاذ/ عباس قطان فقد كنت أعمل بمكتبه بوظيفة سكرتيره الخاص وكان هو رجل مكة الأول. فلم يكن هناك غير يوسف ياسين للشؤون الخارجية وعبد الله السليمان للشؤون المالية، وكل ما عدا ذلك في الشؤون الاجتماعية كان مرتبطاً بعباس قطان، وأثناء عملي سكرتيراً لأمانة العاصمة، اختارني بل انتدبني بالأصح للعمل سكرتيراً لبلدية الرياض فترة من الزمن، وعندما رجوته أن يعفيني من هذه المهمة أفادني بأنه اختارني لأتولّى معه الإِشراف بصفة خبير، وذهبت وساهمت في تأسيس بلدية الرياض وبلدية الخرج، وبلدية الليث أيضاً، وقد أعطتني هذه المساهمات حيوية أكثر، وبعداً أكبر في تفهُّم معنى الحياة، وبالمناسبة فإن الأستاذ/ عبد الله بلخير كان يعمل في ذلك الوقت بالقصر الملكي بالشعبة السياسية، فهو شيخ السياسية وشيخ الإِذاعة، وكانت دارته ملتقى عشاق الأدب، وقد أحسن ضيافتنا، ولقد كانت ظروف عملي بالبلدية سبباً في الانطلاقات الاجتماعية الكبيرة التي حقَّقتها خلالها. فقد تعرَّفت على صور متباينة من الناس، ووقفت على تعامل الأفراد مع المجتمع، وعرفت الحياة بصورة أوسع.
- وكان الشيخ عباس قطان سعيداً بي كناشئ كثير الحركة ونشيط. ومن أطرف المواقف التي مرَّت بي أثناء عملي سكرتيراً للشيخ عباس قطان أنه جاء ذات يوم، وأخبرني أنه ينوي السفر إلى مصر في مهمة تتعلَّق بأوقاف الحرمين، وأبدى رغبته في اصطحابي، فقلت له: - ماذا أفعل في مصر؟ وأنا لا أملك مصاريف السفر، فأجابني: - لا تحمل همّاً لذلك، فرحت لهذه الرحلة، حيث لم تتجاوز رحلاتي، مدينة جدة التي أتوجه إليها غالباً، بصحبة الأستاذ/ أحمد عبد الغفور عطار وعبد اللطيف أبي السمح، وكنا ننزل من مكة إليها لنشتري مجلة الرسالة والعقبة، ونرى كل جديد أحضره البريد، وكانت الرحلة تستغرق منّا يومين، يوماً للذهاب ويوماً للعودة، ولم يكن هناك لبيع المجلات والجرائد إلاَّ محل واحد لأحد أعضاء جمعية الحمير، وهو الأستاذ عبد الرحمن يغمور، وعلى فكرة، فإن شباب جدة ومنهم، محمود عارف، وحمزة شحاته أسسوا لهم جمعية وأطلقوا عليها اسم جمعية الحمير. إضافة إلى عبد الرحمن يغمور وغيرهم.
- ولم يكن في تلك الأيام ما يشغلنا سوى القراءة. وكنا نقرأ لزكي مبارك وطه حسين والعقاد. وقد حبب الشيخ عباس قطان لي السفر إلى مصر عندما قال: أريد أن أقدمك لأدباء مصر. وكانت تلك رغبة لم أحلم بتحقيقها في ذلك الوقت، ولذلك كدت أطير من الفرح، وفعلاً سافرت معه إلى مصر، وكان يشغل وزارة الأوقاف في ذلك الوقت معالي الأستاذ: - دسوقي أباظة باشا، وقبل موعد مقابلتنا له بيوم.. قال لي الشيخ عباس مداعباً: - غداً سنتوجه لمقابلة الوزير وهو من جماعتك مجنون أدب، ومن كبار الأدباء. وفي الصباح هيأت نفسي لمقابلة الوزير بصحبة الشيخ عباس، وحملت حقيبة الأوراق، وأنا سعيد لأني سأقابل أول شخصية أدبية في مصر، بل هي أكبر شخصية أدبية، حيث كان دسوقي أباظة باشا، رئيس رابطة الأدب الحديث في مصر، وعندما وصلنا إلى بوابة الوزارة، سمح الحرس للشيخ عباس بالدخول.. واستوقفوني، وحاولت عبثاً إقناع الضابط الذي يقف على الباب أني سكرتير الشيخ، وأني أحمل معي جميع الأوراق التي سيبحثها مع معالي الوزير إلاَّ أنه لم يقتنع وحاول أن يطفئ غضبي، فطلب إحضار كأس تمر هندي ولكني رفضت أن أتناوله، وعندما تلفَّت الشيخ عباس ولم يجدني حياله، فسأل أين طاهر؟ فأجابوه من طاهر؟ قال: - سكرتيري الذي يحمل الأوراق والمعاملات، فأرسل دسوقي باشا سكرتيره ليستدعيني، وعندما جاء السكرتير هزَّني بطريقة جافة، وقال بعبارة قاسية: يا جدع هل تعرف أين طاهر زمخشري؟ فقلت له: لا أعرف، فعاد السكرتير وأخبرهم أنه لم يجد طاهر زمخشري، واستغرب الشيخ عباس.. وقال لهم: إنه وصل معي وكان معي في المصعد.. وخرج بنفسه للبحث عني فوجدني جالساً عند الباب.. قال لي: - لماذا لم تدخل؟ فقلت له: إنهم رفضوا السماح لي بالدخول. فاصطحبني معه إلى مكتب الوزير. وفي مكتب الوزير، طلب من خدمه إحضار بعض المشروبات الباردة، فأحضروا كأسين إحداهما للوزير والأخرى للشيخ عباس، ولم يحضروا لي شيئاً، عندئذٍ شعر الشيخ عباس بالحرج وسأل الوزيرُ: ألم يحضروا لك مشروباً؟ فاغتنمت الفرصة، ورويت له الطرفة التي كانت تروى عن إمام العبد ومحمود سامي البارودي، في مكتبه، حيث طلب محمود سامي البارودي من خدمه أن يحضروا له مشروباً فأحضروا كأساً قدَّموها له، وعندما سألهم: لماذا لم تحضروا للأستاذ إمام العبد كأساً أخرى، فقالوا له: هذا من حقه أن يشرب معنا خارج المكتب، فقلت لدسوقي باشا: لقد فطن حراسك لذلك، فأسقوني كأساً من شراب تمر هندي، عندما منعوني من الدخول مع الشيخ عباس، فانشطرت الحكاية مني، ودعاني لزيارة رابطة الأدب الحديث.. فأجبته أنني على أتم الاستعداد للحضور، وإذا كان في الإِمكان الحصول على طبق من العدس، وما قلت له ذلك إلاَّ لأني أعلم أن أسرة أباظة في مصر، مشهورة بإجادة طبخ العدس... وكان العدس الإِباظي من الأطباق المشهورة، فضحك وقال باللهجة المصرية: - إنت واخد بالك من الحكاية، فقلت له: - إنني أقرأ كثيراً عن الأدب المصري، وأعرف الكثير من عادات المصريين وتقاليدهم من خلال قراءاتي للصحف والمجلات المصرية.
- وفي غضون هذه الفترة، كان الإِخوان في مكة - جزاهم الله خيراً - مصرّين على أنني لا أصلح مطلقاً أن أكون شاعراً.. وأني لن أفلح في نظم بيت واحد من الشعر، وكانوا يسخرون مني ومن محاولاتي الشعرية، ولعل أحلى السخريات كانت للأستاذ عبد الله عريف - يرحمه الله - حيث كتب في سلسلة المقالات التي كان ينشرها تحت عنوان: - "محاكمة الأدباء" مقالة يقول فيها: أما طاهر زمخشري، ففي يده قصيدة يدور بها في ردهات المحكمة بحثاً عمَّن يستمع لها ويدفع له ريالاً، وصادف عندما كنت مع الأستاذ عباس قطان في مصر تواجدُ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري والأستاذ أحمد عبد الغفور عطار أيضاً هناك، فكنت أهرب من الشيخ عباس، وأذهب للبحث عنهما.. وكان الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار أكثرنا نشاطاً وحركة وقد كان دليلنا إلى معرفة كثير من الأدباء في مصر، وممَّن عرفنا من الأدباء المصريين آنذاك الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - قبل أن يتجه الاتجاه الديني.. وكان بيننا مناقشات حادة نحاول فيها بشتى الطرق والأدلة أن نقنعه بصحة المسائل الدينية، وبمعرفته استطعنا أن نتعرَّف على الأطياف الأربعة كما يسمّيهم، والأطياف الأربعة هم: السيد قطب، وأخوه محمد، وأختاه. وقد صدر أول أثر أدبي لهم بعنوان "الأطياف الأربعة".
- توثَّقت علاقتنا بالأستاذ سيد قطب، واصطحبناه معنا إلى الإِسكندرية وذكر لنا أن هذه هي الزيارة الأولى التي يقوم بها إلى الإِسكندرية. وبعد عودتنا إلى القاهرة، أطلعته على ديواني "أحلام الربيع" وبعدما قرأه، قال: - هذا جيد لماذا لا تطبعه؟ فأشعل بذلك الحماس في نفسي للقيام بطبعه، وبدأت المفاوضات مع أصحاب المطابع للاتفاق غير أن النقود التي معي قليلة.. وكنت أحتاج لبعض النقود لعلاج عيني، ووقعت بين خيارين إما طبع الديوان، أو علاج عيني، ففضلت أن أطبع الديوان على أن أعالج عيني، ونفدت النقود التي معي قبل الانتهاء من طبع الديوان، وأشار علي الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار أن أقترض من الأستاذ إبراهيم شاكر الذي كان موجوداً في ذلك الوقت بالقاهرة بعضاً من المال لأكمل طبع الديوان، ترددت بادئ الأمر لكنه ألحَّ عليَّ كثيراً حتى اقتنعت وكتبت رسالة للأستاذ إبراهيم شاكر أوضحت فيها أنني شاب سعودي أفكر في طبع ديواني، وأني في حاجة إلى مبلغ خمسين جنيهاً تكملة تكلفة طبع الديوان.. أرجو التكرم وإقراضي المبلغ، وسأعيده لك عندما أعود إلى الوطن. وطلب الأستاذ إبراهيم شاكر مقابلتي، وحين تشرَّفت بمقابلته، سألني عن الشخص الذي كتب الرسالة بقوله: - هل أنت صاحب هذه الرسالة؟
- فأجبته بالإِيجاب، فسألني قائلاً: وأين ديوانك؟ فأجبته: في المطبعة، امتنع المسؤولون بها عن إكمال طباعته إلاًّ إذا أحضرت لهم نقودهم. فأعطاني الخمسين، وقال لي: إياك أن تضيِّعها. شكرته وانصرفت وأنا أحدِّث نفسي متسائلاً: كيف أضيّعها، وأنا الذي فضَّلت طبع الديوان على علاج عيني؟
- ومن الطرائف التي صادفتها في تلك الرحلة أنني ذات يوم، وأنا في طريق عودتي من المطبعة إلى مقر سكني، وقفت عند أحد المحلات لتناول كأس من عصير القصب، وكنت أحمل بعض كراريسي من الديوان في طبعتها الأولى لإِجراء التصحيحات اللازمة، وجلست على إحدى المناضد وطلبت من صاحب المحل كأساً من عصير القصب، وعندما قدَّم لي كأس العصير أبصر في يدي الديوان، وأنا منهمك في قراءته، ونظر إلى الديوان. فقال لي: هل تسمح لي بما في يدك لأرى ما به؟ فأعطيته إياه، وقلت له متسائلاً: هل تقرأ الشعر؟ فلم يجبني، وأخذ يقرأ في الديوان، ثم قال: لمن هذا الشعر؟ قلت له: هذا شعري، فقال: إن هذا الشعر جيد، ثم دعاني داخل المحل خلف ستارة تفصل بين مرتادي المحل واستراحة صاحبه.
- فما أن دخلت حتى رأيت مكتبة كبيرة، تحتوي على مجموعة كبيرة من الكتب. وقال لي بائع القصب: إنني أعد في الوقت الحاضر بحثاً علمياً لأنال به درجة الدكتوراة في الحقوق.. لقد توفي والدي فجأة وترك هذا المحل، وأنا أعمل به لأرعى إخوتي، وفي نفس الوقت أعد البحوث اللازمة لرسالة الدكتوراة. كلما أبصرت إلى ذلك سبيلاً. لقد أعطتني قصة هذا الرجل عبراً جمة، وبعثت في نفسي الثقة والطموح وحب العمل في سبيل الحصول على بلوغ المرام، وقامت بيني وبينه صداقة دامت وقتاً طويلاً، وكنا نتبادل الرسائل، وبعد عودتنا من مصر إلى المملكة العربية السعودية، أخبرت الزملاء أني طبعت ديواني، ولكنهم لم يصدقوني. وفي تلك السنة اشتركت في مسابقة للشعر بالقسم العربي في إذاعة لندن وفازت قصيدتي بالجائزة الثانية.
- كانت حياتنا في القاهرة كلها مرتبطة بالناحية الأدبية، وكان الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار يصطحبني ليل نهار إلى الجماعات الأدبية والأدباء، ولم نرَ في القاهرة أي شيء آخر.
- وبينما كان ديواني تحت الطبع كنت أعتقد أنه أول ديوان سعودي ينشر لكني فوجئت بعزم الأستاذ أحمد عبد الغفور على طبع ديوانه "الهوى والشباب"، وأحسست حينئذٍ أنه سيخطف مني الأضواء، فهو لا يعاني من قلة الفلوس، وسينتهي من طبع ديوانه قبل أن أنتهي من طبع ديواني. فقلت له: ما رأيك يا أستاذ أحمد أن تكتب لي مقدمة الديوان؟ فضحك ساخراً وقال: من أنا حتى أقوم بكتابة مقدمة ديوانك؟ ولكنني حاولت إقناعه حتى وافق على كتابتها وألمحت له أن يذكر فيها أن هذا الديوان هو أول ديوان يصدر في الحجاز في العصر الحاضر، وعندما عدنا إلى أرض الوطن، وكان الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار قد انتهى من طبع ديوانه ونشره، كتب بعض الأدباء بالمملكة عنه أنه أول ديوان شعر يصدر بالمملكة. فقلت لهم: هذا غير صحيح، لأن ديواني هو أول ديوان، والدليل هو ما خطه الأستاذ/ أحمد عبد الغفور عطار بيده في مقدمة ديواني. فقال الأستاذ أحمد: والله غلبتني، فقد سجلت عليَّ هذه الكلمة ولا أستطيع إنكارها.
- تابعت سير العمل فيما يتعلق بطبع الديوان حتى تمَّ نشره، وأود في هذه المناسبة أن أعتذر عن تقصيري تجاه الكل وأرجو أن يصفحوا عن كل تقصير بدر مني.
- ولا أدري ماذا أقول لهؤلاء الذين أحاطوني بالحب، وما انفكّوا يسألون عني دائماً، سوى أن أكرر اعتذاري عن التقصير في حقهم، والسلام عليكم.






طاهر زمخشري: الماسة السمراء
---------------------------------

بقلم : أحمد العسيري

زمخشري القرن العشرين. الشاعر الملهم ــ خفيف الظل. العاشق الفياض بالحب والرقة والآهة الموجعة. الأب الروحي لكثير من الأدباء والشعراء والفنانين في بلادنا. كان يبلل مشاعرنا كإكليل من عطر، وساقية تغمرنا كالشموس حين تصعد كالحلم المشتهى، الزمخشري طاهر حين يبوح بأوجاعه وأحزانه ويذيبها غماماً ويماماً وسوسنات حقول مخضلة بدمه النازف من معاناته فينحني كغصن شجرة عجوز ولكنه لا يسقط ولا يجف. اتشح شعره بالأغاريد الطرية، وأنفاس العشق الذي لا يموت فحول كلماته إلى خيول من المسك وتمتمات تسكن في أعالي الروح، تشع من حروفه شموس النهارات وطفولة الحنين وترنيمة القصب الحزين، بكى وأبكى حين أهرق حطام قلبه ليلة رحيل والده:


لــم يعــد قبــره الفسيح تــرابا..... بعد أن صار في ثراه وذابا
ضـــم جثمانــه فأصبح كـنـــزاً..... واستحال التراب تبراً مذابا
صافح الموت باسماً وبشوشاً..... ودعــــــاه إلــهـــه فــأجـابا

ولم يتوقف نزفه الشعري فما زال جرحه يشع كمنارة تشهق وتفيض بحرائق الرحيل وظمأ الصبابة ووحشة العواصف ومخالب الموت وهي تنهض ذات مساء لتخطف شريكة حياته وأم أطفاله:

قيـــل ماتت فقلت لا بــل تــأذت.. مــن حـيـاة حفيلة بالـصـعـــاب
وتجـلــدت وهـي دون جـــلادي.. فـرمــاهــا الـردى بـظفـر وناب
فاستراحت من الشقاء ونامت... فافترسني يا موت تكسب ثوابي


ورغم كل هذا الذهول والحرقة وصراخ المشاعر. وأصابع الموت. وهجير الذكريات الضريرة، فما زال هذا القنديل المشع. وسهل القمح والصندل الأسمر يرسل ضحكاته المغموسة في عنب الكلام يقول رحمه الله: على الرغم من شعري الغزلي والعاطفي إلا أنني كنت محبوباً جداً عند المشايخ. دعاني الشيخ عبدالعزيز الشلهوب عندما كنت في بلدية الرياض إلى منزله. ودعا المشايخ من أصدقائه وقدمني لهم فقال: أقدم لكم طاهر زمخشري شاعر الحجاز الفاسق. فقال أحد المشايخ كيف تحكم عليه بهذه التسمية. دعنا نسمع منه وبعد ذلك سوف نحكم عليه إذا كان فاسقاً أم لا. فاستحلفني عبدالعزيز أن أقول قصيدة من أجمل ما كتبت في الغزل وكان الموقف محرجاً وصعباً بالنسبة لي فقلت لهم قصيدة طويلة منها:

فقالت وقــد دب النعـاس بجفنها.. إذن ليس لي في العالمين مثيل
ونامت وحولي غمرة من ضيائها.. فقلت ألا لـيت العـناق يطــول

بعد ذلك سكتُ قليلاً وقلتُ لهم:

وفتشتُ من حولي إذا طيف غادة. وطيف الغواني في المنام ختول

فقالوا جميعهم: والله يا خبيث لم تضع البيت الأخير إلا خوفاً من المشايخ. وعندما سألوه وهل وضعت البيت خوفاً منهم فقال: لا أبداً لقد كانت القصيدة حلماً من أحلام النوم ولن ننسى دور ثقافة الفلاح الإسلامية فأنا واحد من خريجيها عام 1349. ومن ذكرياته العذبة والمرحة عن الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - ودقة ملاحظة جلالته وعبقريته ما حدث للسيد صالح شطا وعمر عرب الذي حرر معاملة وعرضها على السيد شطا والذي راجعها بدوره ثم عرضها على جلالة الملك فيصل فطلب جلالته إعادتها للتصحيح فراجعها عمر عرب ولم يجد بها شيئاً وأعادها لصالح شطا وراجعها أيضاً. ولم يجد بها شيئاً يستحق المراجعة. ولكن الملك أعادها لهما مرة أخرى للتصحيح فقررا الذهاب إلى الملك لاكتشاف الأخطاء فقال لهم: انظرا إلى بداية الخطاب وكان موجهاً لرئيس القضاة وكتب فيه: صاحب السماحة الشيخ عبدالله حسن... فأوضح لهما جلالته أنه بعد أن كُتب الخطاب وأرسل وقعت ذبابة على الخطاب فتحولت كلمة سماحة إلى سماجة. رحم الله طاهر زمخشري وبارك في حفيده محمد توفيق بلو الذي قدم عملاً تسجيلياً وتوثيقياً يليق بالماسة السمراء وإهداء حانياً يدل على الوفاء النبيل لواحد من أعظم شعراء هذا العصر الذي لا يعلم البعض بأنه أول من أصدر ديواناً شعرياً في الحجاز







قال عنه الأديب المعروف د.عبدالله باقازي :
------------------------------------------

أبرز الشعراء عفوية الأستاذ الشاعر طاهر زمخشري.. لا زالت جملته الشهيرة: «أنا كومة الفحم السوداء.. تلبس الثياب البيضاء، وتقول: «أشعاراً: حمراء وصفراء وخضراء».. لا زالت هذه الجملة ترن في الآذان تذكر بفنان عفوي بسيط منفتح على بهجة الدنيا، يشرع نوافذ الأمل نحو ساحات الحياة الواسعة.. ويجعل من الحياة بسمة عريضة من التفاؤل!
عندما كتبت كتابي: «مظاهر في شعر طاهر زمخشري» عام 1408هـ الموافق 1988م، كان طاهر زمخشري قد مات.. وقبل أن أكتب الكتاب وأشرع في تأليفه.. هزني شعر الزمخشري.. في كل الفنون التي قال فيها: كان مبدعاً من نوع خاص.. كان شعره الرثائي في أبيه.. وأمه.. وزوجته من أجمل شعر المراثي من الشعر السعودي الحديث بل العربي بعامة.
وقد اعتمدت قصيدة: «إلى المروتين» أنموذجاً شعرياً تحققت من خلاله كل المظاهر الشعرية في شعر.. كانت قصيدة «إلى المروتين» - في رأيي - هي قصيدة الاغتراب ومحاولة الوصول إلى «التوازن النفسي» في رحلة الاغتراب المرضية.. كانت الدلالات الثنائية التي تفوقت على الدلالات المفردة تؤمي إلى محاولة «التوازن» التي كان الزمخشري يقوم بها.. ونشرت القصيدة في عام 1377هـ ولحنها الموسيقار: طارق عبدالحكيم بلحن شجي بعد ذلك .
لكن ما لفت نظري في شخصية الزمخشري - فضلاً عما سبق - جانب «الطفولة» فكل ما في هذا الشاعر يوحي بالطفولة الكامنة والتي تعبر عن نفسها في كثير من الحالات.
من جوانب هذه الطفولة الإنسانية.. تقديم الأستاذ طاهر زمخشري لأول برنامج إذاعي سعودي عن الأطفال عام 1369هـ إبان بداية الإذاعة السعودية بجبل هندي بمكة المكرمة.
ومن جوانبها: إصداره لأول مجلة للطفل السعودي عام 1379ه بعنوان: «الروضة».. ولعل لفظة الروضة بعفويتها الدالة على الطبيعة البكر النقية هي التي أغرت الزمخشري بهذا العنوان وبعنوان البرنامج المسائي الذي قدمه طويلاً في الإذاعة بعنوان: «روضة المساء».
ومن جوانب الطفولة - أيضاً - تخصص ابنه «فؤاد» في «طب الأطفال»!
ومن مظاهرها صوته الطفولي عندما يتكلم هذا الصوت الذي جعل أحد زملائه في فترة نهاية السبعينات الهجرية في حدود 1378- 1379هـ يقترح أن يقدم الزمخشري برنامج: «المرأة» - في الإذاعة - حيث لا نساء يقدمن - وكان صوت الأستاذ الزمخشري في عفوية وتلقائية ينطلق باستهلاله المعهود: «سيدتي.. ربة البيت»!
.. إنها الطفولة الكامنة في أعماق شاعر كبير.. ورمز من رموز الشعر السعودي المعاصر.. أسهم إعلامياً.. إذاعة.. وصحافة وفنياً.. شاعراً مزدوج العطاء.. بين الفصحى والعامية.. وراعياً للفن والفنانين.. وأبرزهم محمد عبده!!


رباعيات صبا نجد لـ طاهر زمخشري
-------------------------------------

بقلم: سعد البواردي

شاعرنا الراحل اهدى ديوانه الى الاماني التي وعدته بكل ما يبتغى.. فهل انه في شعره ومن شعوره اعطاها كل ما تستحق؟ هذا ما سوف نستجليه من خلال قصائد ديوانه.
كان مدخلنا اليه من خلال قيثارته.. وقيثارة الشعر دائما هي الصدى الذي يوقع عليه الشاعر ويرجع عليها ألحانه.. أفراحه وأشجانه.. انه يتناغى مع قيثارته بجمل نثرية جميلة.

«لئن سفحت دموعي
ومنحت وجودي
وبكيت انيني
وعبر كل ذلك بذلت اغلى كنوزي»

بقي ان نبحث معه عبر رحلتنا عن الدموع. والوجود، والانين، والكنز الذي لا يفنى.. «صبا نجد» هي اولى وصلاته الشعرية:

«الا يا صبا نجد
على رفرف السعد
لقد طفت بالدنيا
الى انبل القصد»

نعم.. لقد طاف فيما يطوف كما لو كان يمتطي بساط ريح يكتشف الابعاد، وكما لو كان طائراً يسبح في فضاءات الكون مستجليا مجاهله كي يختزنها في ذاكرة شعره صورا نابضة بالحركة والامتاع:

«وعدت الينا
حاملا كل خفقة تصفق
ما بين الاضالع والوجد»

وابحث هنا عن سر تمزيق اوصال ابيات شعره فلا اجد ما يدلني على الحكمة.. فالابيات في واقعها تخضع للقافية، الا انها في موقعها الطباعي متناثرة تحتاج الى لم شمل.. ومع ضيف كريم يقول الشاعر:

«ألا يا صبا نجد سريت بتحناني
وانفاسي الظمأى الى برد للبنان
وحيث المسافات البعيدة بيننا
وطفت مداها فوق خفقة هيمان«!!»

علامات التعجب هنا لا معنى لها.. اذ لا شيء يثير العجب والاستغراب..
ينقلنا الشاعر الزمخشري معه في رباعياته «اغلى ورد» و«ميدان الفرسان».. وهما متماثلتان فكرة وصياغة فلا نجد الجديد مما يستحثنا معا علي الوقوف.. نتجاوزهما الى ثالثة الأثافي التي تدور في فلكهما كما لو كانت توأما للشقيقتين.. ومع أنسامه الجذلي» نتوقف لنغترف واياه بعضا من نسيماتها لعلها تطري وتثري جو رحلتنا المتقلب بين صحوة الصيف .. وإطباقة الشتاء.

«ألا يا صبا نجد سلمت فلم يزل
نداك بما يعطيه احلى من الشهد
اشم عرارا فيك يذكي مشاعري
ويرقص احساسي ويقضي على سهدي
وانسامك الجذلي تشيع لطافة
تناغم انفاس الازاهر والورد»

مفردة «انسام» في شطره الخامس تحتمل الشطط.. «نسائم» هي البديل الاوفر حظا.. والأقرب الى الصحة.. هكذا تكون.
«نسائمك الجذلى تشيع لطافة»
«ابتسامة الصبا» رباعيته التالية.. ماذا يقول فيها؟

«الا يا صبا نجد فؤادي بذوبه
يناديك يرجو منك لو نسمة تسري»

مفردة «بذوبه» التي يعني بها الذوبان جاءت نافرة غير موفقة.. كلمات كثيرة تحمل المعنى دون اثارة «بعشقه» او «بصبه» او «بوجده» او «بشوقه» .. مجرد رأي اعرضه ولا افرضه الا انني استبين الأصلح من وجهة نظري واشير اليه..
اما الملاحظة الثانية على شطره الثاني فمردها التقريرية المباشرة وضعف التركيبة البنائية للبيت. وافتقاره الى الموسيقى الشعرية.. وتكرار عبارات النداء والرجاء.. حسن لو جاء كما يلي:
«يناديك.. هلا بسمة بالهوى تسري»..
اتجاوز ضعف شطره الى ماهو اهم في ابياته التالية:

«امانيه ظمأى والحنين الذي به
يبوح بما يلقاه من وطأة الهجر
فزغرد كما شاء الحنين فانني
لفرط اشتياقي صرت اخشى على الصبر»

واذا كان للزغردة صوت فرح مسموع فإن النسيم ايضا تأتي زغردته المجالية من خلال صوت انسيابي لها لا يؤذي السمع ولا الوجدان.. لأنه صوت امان نطرب له.. ونحتفي بسماعه (زغرد مفردة اختارها هو.. ولو كان لي من الامر شيء لاحللت كلمة هفهف مكانها) شاعرنا اجاد في وصفه.. واعاد الى رباعياته زخما جديدا من الافصاح الذي لا نستكثره عليه بل نطلب المزيد منه كزاد شعري يثري رحلتنا الممتعة مع ديوانه.
«عروس الشعر» و«بحرا» و«هدية الصبا» رباعيات ثلاث تتهادى على صفحة بحر او نهر واحد له نفس الجزر، ونفس المد. ونفس الايقاع.. ليأخذنا شاعرنا في زورقه الزمخشري يتهادى بنا ويحط بنا امام عتبات نجواه الخامسة:

«الا يا صبا نجد متى هجت من نجد
فغرد لذكراها فقد هاجني وجدي»

الهياج هنا مقبول بالنسبة لوجد شاعرنا.. الا ان غير المستحسن ان يأتي صفة للصبا الذي تمر نسيماته دافقة رافقة.. ثم «فغرد» بفائها نافرة شيئا ما.. يمكن استبدالها بكلمة «ترنم».
وعبر صباباته المشحونة بالحب.. المثخنة بالوجد» تأخذنا المسيرة عبر محطات متناثرة تشهدها يمنة ويسرة تغري بالوقوف.. الا ان الدرب طويل.. والزمن قصير.. واللافتة اللافتة للنظر تنتظرها..
«صانعات التاريخ» هي محطة قرارنا جميعا وانتظارنا.. لعنوانها الكبير والمثير:

«موكب النور في سماء المعالي
لف اعلى البدور في الآمال
غمرت بالضياء كل سبيل
وتهادت بعلمها في المجالي
فاذا نحن امة في حماها
صانعات التاريخ للاجيال
فاتنات لبسن من برد الدين
فكن الثمار للأعمال».

الرباعية دون شك مرتبكة بدأت بالموكب وهو مفرد مذكر، اعقبه لف البدور للآمال برؤيته الباهتة.. ثم كلمة «المجالي» غامضة المعنى.. نغادرها في بحث عن صانعات تاريخ جديدة اوفر حظا.. واقوى تماسكا.. شاعرنا الراحل استهوته اطياف الاصيل فأخذنا معه في رسم صورة لها:


««في اصيل مفرد بالضياء
خطرت كالنسيم ذات البهاء
اقبلت كالظباء تبلع جيدا
وتعيد النشيد بالإيماء
الصبا في اهابها يحمل الحسن
ويمشي بها على استحياء
والصبا لا يزال يسترجع الذكرى
ويشدو لفرحة باللقاء»

الاصيل لا يغرد بالضياء لأنه يولد لحظة رواح النهار.. ولو حاولنا افتراضه تزاوجا خياليا بين الاصيل والصبا فان التغريد لا يكون ابدا صلة العشق بينهما.. مفردة «معطر» او «مضمخ» اقرب الى الصورة من «مغرد».. ثم ما حكاية «البلع».. اجهل ما يريد شاعرنا التعبير عنه.. هل انه يقصد ابراز الجيد.. اذا كان كذلك فلماذا لم تأت كلمة «تبرز» او «تفصح مثلا» ثم اعادة النشيد بالايماء تعبير مهزوز الايماء صفة صامتة على خلاف النشيد بالايحاء الذي يربط بين شفتين عاشقتين.. اما الشطر الاخير فأحسب انه لو استبدل المفتوحة بالهاء المهملة لكان اغنى المعنى اكثر حيث يشدو لفرحه باللقاء.. وليس لفرحة محدودة المساحة والابعاد.. ونختار رباعية ابها قصيدة و«الدمع المبعثر» و«على الربوات» و«الحنين الملتهب» و«فستان ابهاوي» لنستقر مع شاعرنا الراحل الزمخشري منصتين الى «محاورة» الشاعر.. مع من؟!

«وشوش الموج نسمة في الأصيل
لمست بالندى محيا الجميل
قال: افشيت بالشذى لك سر
كان يغفو مرنحا في الخميل
فأجاب النسيم: يا موج انا
نتبارى في مد ظل ظليل
وبزاكي العبير من كل ورد
نترع الكأس بلسما للعليل»

الرباعية حوار يحمل فكرة جيدة من حيث المبدأ لرسم خطوطها الا انها تفتقر الى الترابط اللفظي الشاعري فكلمة «انا» بمعنى اننا غير مستساغة.. ثم ان البيت الاخير افضى بالشاعر وحبيبته الى ان يترعا كأس العبير من كل ورد.. و«العبير» و«الورد» لا يستقران في كأس.. وانما ينفحان بعطرهما ما حولهما.. وما دام شاعرنا مدفوعاً بجذوةة هيامه وصبابته الى كأس كي تتداوى منه علته فليكن خياره من واقع الممكن لا المستحيل كأن يقول مثلا:
«وبزاكي العبير من كل ورد نترع الكأس بلسما للعليل».. والورد بكسر الواو غير الورد بفتحها الذي اختاره الشاعر.. ومع «اعذب الحب» تتحرك قافلة العشق لشاعرنا ونحن معه كي نتوقف على عجالة عند محطة «الوفاء الجريح»:

«يا أعذب الحب نبضي كاد يسكنه
صوت الأنين ومن نجواك ينتظم
حسبي من الحب اني بالوفاء له
امشي واحمل جرحا ليس يلتئم
وما شكوت لأني ان ظلمت فكم
قبلي من الناس في شرع الهوى ظلموا»

لقد اجاد شاعرنا الراحل في ابياته وحلق كما لم يُجد ويحلق من قبل. كان خياله خصبا وشكواه موجعة مرجعة الا انها مفعمة بالصدق. والعمق .. لعلها من اروع الرباعيات واثراها.. واكثرها تأثيرا..
نتجاوز دون استهانة برباعيات «الحب الممكن» و«ناران» و«العتاب اللاذع» لنتوقف امام بوابة «انتظار» ثم ندلف واياه في حذر خشية ان نحترق بمجامر الشوق المشبوبة والمتوقدة.

«انا في انتظارك والمجامر في دمي
شوق تحرك نار اشجاني
قدر اراد لنا الفراق فشرقت
بي نحو دارك حيرة الولهان»

وما دامت المحبوبة رحلت قبل ان يستكمل رباعيته حتى لا يكون هناك تدان وقبل ان نرحل نشير الى الشطر الثاني الذي يحتاج الى جبر لا يكلفه اكثر من اضافة حرف هاء كي يستقيم على هذا النحو: شوق تحرك ناره اشجاني»
ونحن على درب الرحلة الشعرية لشاعرنا الزمخشري تطالعنا عدة عناوين «مزمار الآهات» و«الرجع المنهار» و«خطو المطمئن» كلها تشعرنا وتشير الينا عن بعد ان الشاعر ما زال في انتظارها لوحده.. لذا تم تجاوزها رغبة في قطف «ثمرة الصمود» الناضجة الموحية بجماليات صورها وتعابيرها:

«كم اداري وعبرتي في ابتدار
وبحبل الرجاء طال انتظاري
وشراعي يرف عبر ليال
مالها في امتدادها من نهار»

اذا كان الانسان العادي اسير امانيه وحدها.. فان شاعرنا يستنيطها ويستوطنها ويرسمها خلال اطياف متراقصة كالضوء في عتمة الليل الموحش.. ماذا عن امانيه وهو يطالبها ويغالبها ان تبتسم له:

«يا اماني التي اهفو لها
اشعريني بالرضا وابتسمي
ليس هذا العمر الا لحظة
لا تضيعيها بدنيا الألم»

ولكن هل في مقدور الاماني وحدها رسم صورة الواقع وتشكيله؟ ابدا..
وفيما يشبه الركض الحذر اللاهث تمتد بنا الرحلة متجاوزة محطات «ضمير الحياة» و«فأل السعادة» و«قوة الايمان» و«على الباب» و«اعنف الحب» و«احلام الحديث المعاد» و«عطاء الربيع» والنظرات المعلقة و«ضماد الجرح» و«التوأمان» محطات كثيرة تجاوزناها كي لا يتجاوزنا الزمن المحدد للمرحلة قبل الوصول الى نهايتها.. مع صوتها عن بعد ترغمنا على الوقوف لاستجلاء ما وراء الصوت في مقطوعته «الربيع الضحوك».

« من وراء البعيد
والخافق الملتاع
يشدد مغرداً للتلاقي
ويذيب الانين في صفحة الليل
وتسري الاصداء بالأشواق»

وفي تونس الخضراء حيث يحب شاعرنا ان يتواجد تحت افياء قرطاج.. ورمال الحمامات الناعمة يدفع لنا بعدة اوراق ناعمة الملمس بيضاوية البشرة .. يحملها موكب في ذكرياته.. وما اكثر ذكريات الشاعر في بلد الجمال.. انها «الف ذكرى» هكذا جاء عنوانها:

«الف ذكرى فرشتها في طريقي
واتخذت السهاد فيها رفيقي
وعلى مدها عبرت الليالي
والأسى غص حلقي وريقي»

الشطر الاخير لكي يستقيم لابد له من دعامة تسنده.. لن يكلفه اكثر من كلمة «منه».. هكذا:
«والأسى منه غص حلقي وريقي»
وكي نستكمل معا مع شاعرنا الراحل المشوار اشير في عجالة الى بعض رباعياته التي لاحظ لنا في قراءاتها لضيق مساحة.. وساعة الوقت.
«الشراع الرفاق» «المجد الشامخ» «الشباب الضائع» ابيات وجدانية معبرة تستحث الخطى. وتستفز الهمم.. ولأن الطريق اوشك على نهايته وكي لا تدهمنا عيون الليل فما نبصر الدرب ونضيع لابد من تلمس اطراف اقدامنا بعيون ما تبقى من النهار:

«يا عيون الليل نبضي خافت
ولظى الوجد به يتقد
لعب الحسن به في غرة
فهفا يسرع مما يجد
ومن اللهفة تاهت آهة
هي في حر الهوى تبترد»

حسنا لو ان شاعرنا اعاد شطره الأخير الى اشقائه حيث جاء مفصولا عنهم في ديوانه بدوائر ثلاث..
بعد الآهة ترد رباعيات «احلام التداني» «معطيات الاقدار» «يا قمر» «استراحة» «الدم مشتعل» و«مصارع العشاق».. جميعا تدور في فلك الحب بأشواقه واشواكه.. تارة تشفع له الرؤية. واخرى تحجبها غشاوة الظلال الباهتة.. وفي النهاية نصل الى «نهاية» عنوان قصيدته الاخيرة:

«يا صميم الحياة ان الاماني
غمرتني طيوفها بالحنان
والربيع الضحوك كان على الدرب
يناغي بهمسه وجداني
كيف لا اسكب الفؤاد نشيدا
لابتسام الرضا وصفو الزمان







من أشعاره:
---------------

في الأصيل
------------

أقبلَتْ في الأصيل والبسمْةُ العذراءُ في ثَغْرِهَا تُنيرُ صباحَا
وعلى قدِّها من الهَيف الراقص حسانةٌ تجيد المزاحا
غادةٌ .. زانها التورُّدُ في الخدِّ وناغت بالعطر منه الإقاحا
أتلَعتْ جيدَها وفيها من الإغراء ما يكسر العيون الصحاحا
وأماطت لثامها عن جمالٍ زاده الظُّرف رِقّةً ومَراحا
وتغنت بطرفها واستدارت بعد أن رف هدبُها صدَّاحا
جاذبَتْني الهوى بهمسة أجفان تجيد الإعراب والإفصاحا
عن فتون الدلال، عن سطوة الحسن، وعن خافق سَبَتْه فناحا
وانبرت ترسل الحديث أغاريدًا، أذابت في رجْعها الأرواحا
قيدتني ولم أكن أعرف القيد ولكن حملْتُه مرتاحا
****

أقبلتْ في الأصيل، والخصلة الرعناء تلتف بالمحيَّا وشاحا
فإذا بالصباح يضحك بالإسفار، والليل قد غفا واستراحا
عند مجرى السنا ليرتشف العطر وقد مدَّ بالظلال جناحا
في فتونٍ يعابث النور بالسحر بلحظٍ قد أشهرتْه سلاحا
والتعابير باللحاظ سهام فتحت في الضلوع منا جراحا
والفؤاد المجروح من حرقة اللوعة عانى وما تشكَّى وباحا
واللقاءُ المقدور كان على الدرب قطعناه غُدوةً ورواحا
لحظة واختفت وراء المسافات وما زال شوقنا مِلْحاحا
وعلى جسرِ وجْدِنا في دروب الحب نرجو لوَصْلِنا أن يُتاحا
فنذوق الهوى ، وننعم بالنجوى وبالصفو نُترعُ الأقداحا


على باب الهوى
---------------



على باب الهوى وقف الجمالُ =وفي كبدي بفتنته اشتعالُ
مددتُ يدي إليه أسِرُّ شيئًا =فأجبرني على البوح انفعال
فقلت له بطرفٍ لا يداري =وفي إغضائه ارتسم السؤال
أريدكَ كالسنا يعطي حياةً =بصمت لا يضارعه المقال
أريدك كالنسيم متى تأنَّى =وأسرى طاب بالعطر النوال
أريدك جدولاً ينساب عذبًا =وترقص من ترقرقه الظلال
أريدك في شغاف النفس وقدًا= ولكنَّ الزنادَ له ذبال
يُمِدُّ بصيصه عقلي وحسي =بريٍّ ما لدافقه مثال
فهل يرضيك أن يخبو ذبالي =ويطويني بقبضته الزوال؟

الموعد المنتظر
---------------


حديث عينيكِ قد أفضى به الخَفَرُ= لما تأوَّد في أعطافك الخَفَرُ
يا منية النفس قد طاف المراح بنا= فراح ينشر من أفراحنا السمر
فبادليني الهوى فالبحر موجته =عنا تُحدِّث لا ما ينقل الخبر
وفي الشواطئ للأصداء هينمةٌ =يضمها في شُفوفِ الفتنة السَّحَر
والليل أغفى فأرخى من غدائره= سودًا تهادى على أطرافها العمر
والصمت يسكب في سمع الدجى نغمًا =الحب صدَّاحه والخافق الوتر
وإن أحلامنا في الشط غافية =وفي الحنايا لهيب الشوق يستعر
والذكريات رؤاها كلما هتفتْ بنا =استراحت إلى آمالنا الصور
فيا طيوف المنى.. فاض الحنين بنا =وزادنا شجنًا أن النوى قدر
ولا نزال على الأثباج من لهب= يسري بنا شوقنا والوعد ينتظر

نفثة
--------



قد حملتُ الأسى وفاضَ إهابي =بعد أن ذاب في الشجون شبابي
وأنا لم أزلْ أُلملم أطرا =في، وأمشي مكبَّلاً بالصعاب
فطويتُ الأعوامَ أزحف في التّيـ =ـهِ، وزادي ومركبي أوصابي
تتوارى عن المسالك آرا =بي ،ويحتثُّ من خطايَ غِلابي
وشراعي الرفّاف صبري، ومِجدا =في ثباتي، وفي الحنايا رِغابي
كلما أَوغلَ الزمانُ بشوطي =نهشتْني سودُ الليالي بناب
مُثْخناً بالجراح يهصرني الدا =ءُ، ويسطو على الفؤاد المُذَاب
وتغرّبتْ في الحياة بآلا =مي، وصاحبتُ شِقْوتي في اغترابي
وشربتُ القذى على نخب إخفا =قي، بكأسٍ سخيَّةٍ بالشراب
عاقرتْني مع اليفاعة أَحْدا= ثٌ، أراها لما تزلْ في ركابي
فإذا بالصِّبا بكفّي هباءٌ =وإذا العمرُ حفنةٌ من تراب
بعثرتْها على الخطوب ليالٍ =تتعاوى مسعورةً كالذئاب
وأنا بينها أُناغم آما =لي، بألحانِ مِزْهري المِطراب
أتغنّى فيستجيب ليَ الحُسْـ =ـنُ، ويشدو بصبوتي أترابي
ويروقُ الجمالُ حلوَ أغاريـ =ـدي، فيهفو إلى الصدى الجذّاب
وأصوغ النشيدَ من ذوب نفسٍ=تترامى بلاهب صخّاب
فإذا الداءُ في حواشيَّ إعصا =رٌ، ترامتْ أطرافُه في إهابي
عِلَّتي ناشتِ الحنايا فلم أَفْـ =ـزَعْ، فجدَّت صروفُها في طلابي
فِلذتي، زهرةُ الحياة وأغلى =ما بكفّي من الأماني العِذاب
وفؤادي الذي وقفتُ عليهِ الْـ =ـعُمْرَ، أرويه بالدم المنساب
في ربيع الحياة ألقتْه للدا =ءِ عليلاً، فضاع مني صوابي
وتململتُ في مكاني من الأَيْـ =ـنِ، وجالدتُ باصطباري مُصابي
ما شكوتُ الأسى وما ضقتُ بالدا= ءِ، وإنْ أَثلَم القضاءُ حِرابي
وعزائي الصبرُ الجميل الذي أَنْـ =ـسُجُ من لطفه نقيَّ الثياب
غيرَ أني لما يُعاني فؤادي =جئتُ أرجو من الإله ثوابي

إلى المروتين
-------------




أهيم بروحي على الرابيه= وعند المطاف وفي المــروتين
وأهفو إلى ذكر غـــــاليه= لدى البيت والخيف والأخشبين
فيهدر دمعي بآمـــــــــاقيه= ويجري لظـــاه على الوجنتين
ويصرخ شوقي بأعمــاقيه =فأرســل من مقلتي دمــــــعتين
أهيـــم وعبر المدى معبد= يعلــــــــــــق في بابه النيرين
فإن طاف في جوفه مسهد= وألقى على سجـــــفه نظرتين
تــــــراءى له شفق مجهد= يواري سنـــا الفجر في بردتين
وليس له بالشجـــــا مولد= لمغترب غــــــــــائر المقلتين
أهيــــــــــم وقلبي دقـــاته =يطير اشتياقاً إلى المسجــدين
وصدري يضج بآهــــــاته =فيسري صداه على الضـفتين
على النيل يقضي سويعاته= يناغي الوجوم بسمع وعـــين
وخضر الروابي لأنـــــاته= تردد من شجوه زفـــــــرتين
أهيم وحولي كؤوس المـــنى =تقطر في شفتـــــــــي رشفتين
فأحسب أني احتسبت الــــهنا =لأسكب من عـــــــذبه غنوتين
إذا بي أليف الجوى والضنى= أصاول في غــــربتي شقوتين
شقاء التياعي بخضر الربــى =وشقوة سهم رمـــــــــاني ببين
أهيــــم وفي خاطري التائه =رؤى بلد مشرق الجـــــــانبين
يطـــــــوف خيالي بأنحائه= ليقطع فيه ولو خطــــــــوتين
أمـــــــــرغ خدي ببطحائه =وألمس منه الثرى باليــــــدين
وألقــــــــي الرحال بأفيائه= وأطبع في أرضــــــــه قبلتين
أهيم وللطــــير في غصنه =نواح يزغرد في المســــمعين
فيشدو الفــــؤاد على لحنه= ورجع الصدى يملأ الخافقين
فتجري البـــوادر من مزنه= وتبقي على طرفه عـــــبرتين
تعيد النشـــــــــيد إلى أذنه= حنيناً وشوقاً إلى المـــروتين


تسجيل صوتي نادر لطاهر زمخشري

http://www.6alalmadda7.com/feras/taher.rm

وهذه كلمات قصيدة اعذب حب للشاعر الراحل طاهر زمخشري
-------------------------------------------------------------

وتغنّي بها الفنان محمد عبده

يا أعذب الحب أمالي قد أرتسمت
في موطن رقصت في جوهه النعمُ
وقد بسطت بها فياءً يظللنا
والخير ما زال فياضا به الكــــــرمُ
وقد صحونا على صوت سرى نغم
ولــــــــــزمان بترديد النشيد فمُ
وكل خافقةٍ جاش الحنين بها
صاغت بحباتها في حبك القـــسمُ
يا أعــــــذب الحــب أكباد مقرحة
بغــير كفـــك لا والله تلتـئمُ
وقد رمــــاهــا الى كف بلا قـــدر
فهل لغيرك بعد الله تعتصمُ
الله أكبـــــر ... صوتُ أنت رافعهُ
والرجع عاد به الميقات الحرمُ
فأنت غيث من المــــولى حمائله
العلم والدين والآخلاق والشيمُ

قصيدة أحبها
---------------

أحبها .. مقاتلة
ناعمة .. وقاتلة
عابثة .. مصاولة
ومالها سموم
لكن لها سلاح
سلاحها مدمر لا يرجم
يحمله جيد وعين وفم
وحده أجفانها المكسرة
تذيب من تصيبه بسكرة
وإنها سكرة معطرة
من وردة على الشفاه لا تنام
عبيرها الحديث والأنغام
من قامةٍ منصوبةٍ هيفاء
تخاف من فتونها الرقطاء
لأنها حواء
أحبها .. مقاتلة
أحبها .. مراغمة
عابسة .. وباسمة
تظنها مسالمة
بطرفها الكحيل
لكن له نصال
يريشها: قوامها المهفهف
وطرفها: وثغرها المرتجف
وحده : نظرتها المستعرة
وكل قلبٍ في الحنايا مجمرة
ونرجس سغفو على خميلة من الخجل
أنفاسه تعلم الناس الغزل
بفتنتةٍ منسوجةٍ من الضياء
تلف في و شاحها رقطاء
وإنها حواء
أحبها .. مراغمة
أحبها .. معاندة
لاهبة .. وباردة
صريحةً .. مكايدة
ومالها شراك
لكنه الدلال
وطبعه .. يصيد من يحبها
حبائل الصيد لديه هدبها
وحده .. بين الرموش مقبرة
بأهيف .. يمشي على استحياء
وفاتكٍ .. بنظرةٍ نجلاء
تخطر في غلالة البهاء
وتنفث الأشذاء كالرقطاء
وإنها حواء
أحبها .. معاندة
أحبها .. مكابرة
طيبةً .. وماكرة
طيعةً .. ونافرة
بقدها الممشوق
لكن له مجون
فنونه .. في قدها التأدد
وفي المحيا: خدها المورد
وحده .. مراشف لا تنضب
سلافه حديثها المهذب
وغنوة قيثارها خطاها
من رجعها نذوب في هواها
وإنها تفتك بالحياء
رقيقة المملمس كالرقطاء
وإنها حواء
أحبها .. مكابرة
أحبها .. مطاوعة
ساذجة .. وبارعة
فاتنة .. مخادعة
بطبعها الأصيل
لكن لها فتون
لها نطاق شد منها خصرها
ولوحة مكتوبة في صدرها
تقول: إن العطر يجري من هنا
من بحر نورٍ .. موجه باهي السنا
وفي ثنايا موجه حسناء
رقراقة تنساب كالرقطاء
وإنها حواء
أحبها.. مطاوعة
أحبها
وألف مرةٍ أحبها ..
بلا حسابٍ وبلا عدد
وبعدها ، وقربها
سيان عندي .. طلما أحبها
أشقى بها ، وأسعد
وفي الحنايا ، والمآقي
لهواها .. مرجل وموقد
من نار حبٍ
في لظاه ، وجواه (الجسد)
وإن روحي حارس لحبها
أحبها
بالف لون ، وبألف شكل
بحمرة الخدود ، واسوداد الشعر
ونور وجهها
وزرقة السماء في المقل
وليس في العالم من أحبها
قبلي ، او مثلي أنا..
فبرد نجواها سعير
ومن لظى اللوعة سلسال نمير
فبردها وحرها لواعج
قد ذاب في أتوانها (الجسد)
وإن روحي حارس لحبها
أقول: أسلو
ويقول الحب: لا
فالسهد لك
شراعك الرفاف
والخافق المجداف
والبحر الحلك
وإن سمارك في رحلتك الأحلام
وفي سقظة .. وصحوة ...
واللوعة الخرساء .. تلهو (بالجسد)
وإن روحي حارس لحبها ...



غنى طلال مداح من كلمات طاهر زمخشري
-------------------------------------------

اسمر حليوة

أسمر حليوه .. حليوه مخاصمني ...
سماره هوا ... هوا اللي ظالمني
قريب مني في أحلامي ..
بعيد عني وقدامي ...
ولا يرضى يكلمني .. وإن عاتبته يتبسم
أسمر .. أسمر حليوه مخاصمني

أسمر رماني ..
رماني في الهوى بنظره ...
وأشعل في قلبي .. في قلبي حسرة .. ياحسرة
ويضحك وردة في خدوده ..
وأدعي ربنا يزيده ...
ولو من عطفه يحرمني .. وإن عاتبته يتبسم
أسمر .. أسمر حليوه مخاصمني

اسمر وسحره يا عيني ..
في الهوى الوان ...
وعوده والله يا عيني .. بالحلى ريان
واحلم به واتمنى .. وصاله ويتجنى ...
ومدري ليه مخاصمني .. وان عاتبته يتبسم
أسمر .. أسمر حليوه مخاصمني

أسمر يا ما احلى .. ما احلى جماله ...
وأحلى من حسنه يا حسنه سحره ودلاله
ورسمه صورة في عيوني .. ولو بالهجر يكويني ...
خياله مايغيب عني .. وأن عاتبته يتبسم
أسمر .. أسمر حليوه مخاصمني








من قصائده المُغنّاة
---------------------


اهيم بروحي على الرابيه
غناء : طارق عبدالحكيم
استمــــــــاع

ابتهال رباه
غناء محمد عبده

اســـــتماع

عروس بحر
محمد عبده

استـمـــــــاع

يا أعذب الحب
محمد عبده

استمـــــــــــــاع

علميني يا حياتي
طلال مداح

استمـــــــــــــــاع

سلام لله يا هاجرنا
طلال مداح

استمـــــــــــــــاع

مر في تيهه
غناء: طلال مداح

استمــــــــــاع

أسمر حليوه
غناء: طلال مداح

استمــــــــــــاع

رباه يا جامع قلوب المحبين
غناء: محمد عبده

استمــــــــــــــاع

خاصمت عيني من سنين
غناء: محمد عبده

استمـــــــــــاع

الصورة الاستعارية في شعر طاهر زمخشري

تحميــــــــــــــــــــل



رحم الله طاهر الزمخشري شاعرا مجيدا.. وانسانا خلوقا.. كرمنا بشعره وكرمته الدولة مشكورة على عطاء مستحق قبل ان يرحل.


اعداد :
------------
سلطان الزيادنة / الاردن .... عبير محمد / مصر
زياد السعودي/ الاردن








 
/
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط