لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: مجد الفتى (آخر رد :محمد تمار)       :: عندما جاء الحنين (آخر رد :مالكة حبرشيد)       :: مهلك يا امرأة (آخر رد :نوال البردويل)       :: بعضٌ من الشعر (آخر رد :مالكة حبرشيد)       :: أسوار الهوى (آخر رد :عبدالعزيز ابراهيم الحموية)       :: إنذار ..!! (آخر رد :عبدالعزيز ابراهيم الحموية)       :: تسريب... (آخر رد :محمد تمار)       :: صرخة وجدان (آخر رد :الشاعر ماجد الواكد)       :: غــداً ألـقاك! (آخر رد :نوال البردويل)       :: سيّارتي البيضاء.. (آخر رد :حسام المقداد)       :: لِوْلَاكِ أَنْتِ (آخر رد :نوال البردويل)       :: برج الصبابة (آخر رد :قصي المحمود)       :: حتى ابن الله ...!! (آخر رد :صلاح أبو شادي)       :: لحظات من العمر لن تـُـنسى *-* (آخر رد :قصي المحمود)       :: بعضٌ من آذار (آخر رد :قصي المحمود)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘

¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-12-2010, 10:51 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سلطان الزيادنة
مدير عام
أكاديميّة الفينيق الأدبي العربي
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
عضو تحكيم مسابقة الشعر العمودي 2009
رابطة الفينيق / عمون
الأردن
افتراضي الفينيق توفيق زيّاد يليق به الضوء* سلطان الزيادنة





سلام الله

تعودنا أن نضع نصاً تحت الضوء
ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربةٍ فذّة
سنستميح روح توفيق زيّاد
لنضعه تحت الضوء
إذ به يليق الضوء





نبذة عن حياته:

- ولد توفيق أمين زيَّاد في مدينة الناصرة في السابع من أيار عام 1929 م .

- تعلم في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة ، وهناك بدأت تتبلور شخصيته السياسية وبرزت لديه موهبة الشعر ، ثم ذهب إلى موسكو ليدرس الأدب السوفييتي .

- شارك طيلة السنوات التي عاشها في حياة الفلسطينيين السياسية في إسرائيل، وناضل من أجل حقوق شعبه.
- رحل توفيق زياد نتيجة حادث طرق مروع وقع في الخامس من تموز من عام 1994 وهو في طريقه لاستقبال ياسر عرفات عائداً إلى أريحا بعد اتفاقيات اوسلو.
- ترجم من الأدب الروسي ومن أعمال الشاعر التركي ناظم حكم




أعماله الشعرية :

1. أشدّ على أياديكم ( مطبعة الاتحاد ، حيفا ، 1966م ) .

2. أدفنوا موتاكم وانهضوا ( دار العودة ، بيروت ، 1969م ) .

3. أغنيات الثورة والغضب ( بيروت ، 1969م ) .

4. أم درمان المنجل والسيف والنغم ( دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .

5. شيوعيون ( دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .

6. كلمات مقاتلة ( دار الجليل للطباعة والنشر ، عكا ، 1970م ) .

7. عمان في أيلول ( مطبعة الاتحاد ، حيفا ، 1971م ) .

8. تَهليلة الموت والشهادة (دار العودة ، بيروت ، 1972م ) .

9. سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1973م).

10. الأعمال الشعرية الكاملة ( دار العودة ، بيروت ، 1971م ) . يشمل ثلاثة دواوين :

- أشدّ على أياديكم .
- ادفنوا موتاكم وانهضوا .
- أغنيات الثورة والغضب .

11. الأعمال الشعرية الكاملة ( الأسوار، عكا، 1985م ) .

أعماله الأخرى :

1. عن الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة ( دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .
2. نصراوي في الساحة الحمراء / يوميات ( مطبعة النهضة ، الناصرة ، 1973م .
3. صور من الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1974م ) .
4. حال الدنيا / حكايات فولكلورية ( دار الحرية ، الناصرة ، 1975م )




محاولة اغتياله:

لقد ظل زياد مستهدفا من السلطة طيلة حياته, لقد راوا فيه واحدا من الرموز الاساسية لصمود الشعب الفلسطيني وتصديه لسياسة الحكومة وممارساتهعا. عدد الاعتداءات التي تعرض لها بيته, حتى وهو عضو كنيست ورئيس بلدية, لا يحصى. وفي كل يوم اضراب عام للجماهير العربية هاجموا بيته بالذات وعاثوا فيه خرابا واعتدوا على من فيه. قصته في يوم الارض معروفة فعندما حاولت الحكومة افشال اضراب يوم الارض 30 اذار 1976 الذي قررته لجنة الدفاع عن الاراضي. لكنه اثبت لهم ان القرار قرار الشعب والشعب اعلن الاضراب ونجح وكان شاملا فنظمت السلطة اعتداءاتها وقتلت الشباب الستة وجرحت المئات وهاجمت بيت توفيق زياد " سمعت الضابط باذني وهو يامر رجاله طوقوا البيت واحرقوه" تقول زوجة توفيق زياد.




ويتكرر الاعتداء في اضراب صبرا وشاتيلا 1982 وفي اضراب سنة 1990 وفي اضراب مجزرة الحرم الابراهيمي 1994 وفي مرات كثيرة اصيب افراد عائلته وضيوفه بالجراح جراء الاعتداءات. وكانوا ينفذون الاعتداء وهم يبحثون عن توفيق زياد شخصيا. حتى في الاضراب 1994 وتوفيق زياد يقود كتلة الجبهة البرلمانية في الجسم المانع الذي بدونه ماكانت تقوم حكومة رابين ، اطلقت الشرطة قنبلة غاز عليه وهو في ساحة الدار. غير ان ابشع الاعتداءات كان في ايار 1977 قبيل انتخابات الكنيست اذ جرت محاولة اغتياله, ونجا منها باعجوبة حتى اليوم لم تكشف الشرطة عن الفاعلين لكن توفيق زياد عرفهم واجتمع بهم واخبره عن الخطة وتفاصيلها وكيف نفذوها.



دراسات:

توفيق زياد: وليس من قضية إلا قضية القصيدة نفسها
سيمون نصّار

لا أحد يعلم إلا الله مقدار الهول الذي قاساه الباقون من العرب على أرض الرعب، ساعة أغلق الستار على مأساة النكبة سنة 1948، تحت ضغط العواصف القاسية والمرعبة التي داست ترابهم الوطني وعبرت بيوتهم جميعها، وعلى هذا الأساس يمكن للمرء العربي وغيره أن يفهم مرحلة الشتات الداخلي التي تلت النكبة لبضعة أعوام تجنباً لوطأة الاحتلال الذي يدوس في طريقه كل وعي للجماهير العربية الفلسطينية، ويدمر كل حياة لها. حيث أجبرت الشخصية العربية الفلسطينية، ولم تكن تستطيع سوى ذلك، على أن تركن نزعة مقهورة الى صمت عميق لكن بوعي تتذرع به، كصدف المحار، لتحمي نفسها من بطش المحتل وتعسفه في التعامل معها. ويمكننا أن نقدر المهمة الكفاحية التي قام بها الفن الشعبي لهذه الأقلية العربية بكفاية واقتدار في مجابهة عذابات حياتهم والتصدي لها، إذا لاحظنا بدقة البداية الصعبة التي بدأ فيها المثقفون منهم مهماتهم في مجتمعاتهم القروية في مجملها. وهذا المجتمعات أخضعت لحصار سياسي واجتماعي وثقافي، وهددت من مخططات استيطانية لا ترحم أبداً، في وقت لم يبق لديها أي مفاصل ثقافية يمكن لها أن تشكل نواة لنوع جديد من الانعتاق العربي.

جرفت موجة النزوح الكبيرة سنة 1948 أجيال المثقفين والشعراء من عرب فلسطين مع من جرفت من أغلبية الشعب الفلسطيني الساحقة، وقذفت بهم خارج الوطن الأم فلسطين، ويقول الشاعر توفيق زياد في وصف هذه الظاهرة: "وسرب النسور هذا، الذي حملته العاصفة، خلف وراءه فراخاً طربي العود، بالكاد يستطيع الواحد منها أن يمسك حفنة ريح تحت جناحيه. وأكثر فراخ النسر هذه شهرة ما كان ليعلق شعره بغير ذاكرته هو، وأما اسمه فلم ير أسود على أبيض في الصحف أكثر من مرات لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة .." وعلى هذا الأساس، فقد اهتز جوهر المجتمع العربي الجديد الذي يواجه يومياً بآلة التسلط الصهيونية الى أعماقه.

"على مهلي
لأني لست كالكبريت
أضيء لمرة .. وأموت
ولكني..
كنيران المجوس: أضيء..
من مهدي
الى لحدي
ومن .. سلفي
الى .. نسلي
طويل كالمدى نفسي
وأتقن حرفة النمل
على مهلي
لأن وظيفة التاريخ..
أن يمشي كما نملي!!"

هكذا كانت وظيفة الشعراء الوطنيين مرتبطة ارتباطاً كلياً بنشاط العمل الوطني، الذي يمكن اعتباره بداية تململ الشخصية الفلسطينية ويقظتها من مرحلة الشتات الداخلي التي فرضت عليها.
ويأتي الشاعر الراحل توفيق زيادة على رأس هؤلاء الشعراء، ومنهم "حنا أبو حنا، حبيب قهوجي، عصام عباسي وجمال قعوار.."، الذين يمثلون جيل الرواد هناك وقد كان زياد بينهم الأكثر نشاطاً، وأسبقهم الى نظم الشعر في تلك الفترة، حيث نقرأ له قصيدتين هما "عبدان" و"مصر 1951" وقد نظمهما سنة 1951.

وفي هاتين القصيدتين نلمس محاولته في تفتح الذات العربية تحت نير الاحتلال على الآفاق القومية والأممية لتشهد نماذج من تمرد الشعوب الشرقية المستغلة، على ظالميها من الحكام والمستعمرين الأجانب وبعض الحكام والأنظمة العربية صنيعة الاستعمار، تعكس في القصيدة الأولى نضال شعب إيران ضد حكم الشاه. وسجل في القصيدة الثانية للشعب العربي في مصر حركته الوطنية قبيل ثورته في تموز/ يوليو 1952، وكأنه يحس الثورة دبيباً تهز الأرض تحت وقع خطاها. ويمكننا أيضاً، في هذه المرحلة المبكرة، أن نتلمس في شعر توفيق زياد بعض نوبات الشعر المقاوم من خلال روح المعارضة والاحتجاج التي تمثلها قصيدته "ضرائب"، وفيها يجسد بروح تهكمية لاذعة ظلم الاحتلال وعسفه في صوت فني أقرب الى الخفوت والهمس، مبرراً المفارقة الظالمة، ومجسداً أبعادها من خلال صورة أطفال اليهود الأغنياء، وصورة أطفال العرب الفقراء، ومن خلال المقابلة بين صور نساء أولئك المترفين، وصور نساء هؤلاء الفقراء المعوزين في صور مملوءة بالتفكير والتعبيرات الشعبية التي تثريها بدلالات خصبة موحية.

"وأطفالهم ..
ينمون داخل أقفاصهم كالدجاج
.. ونسوتنا البائسات عرايا
يلاقين من عيشهن البلايا
.. وأخبارهن "حكايا بكايا"
ونسوتهم كاسيات الدمقس
دمى للفراش
ولين المعاش"

وفي منتصف الخمسينات تنضم أصوات الشعراء الرواد لتجسد معاً صوت شخصية شعبهم الجماعية المستيقظة، أرادت به حماية ذاتها، والدفاع عن وجودها، وعن هويتها القومية، وقد أنطقها به سياسة الصهيونية القائمة على السكين والمذابح، ويأتي صوت زياد ضمن أصوات زملائه من الشعراء في هذه المرحلة عالياً ومدوياً يوزعه في مجموعة قصائد، منها ما هو قومي، يعرض فيه بعض جوانب الاستعمار الغربي للمنطقة، ومنها ما هو وطني خاص في سبيل الحفاظ على الهوية الفلسطينية، وإبراز ملامحها أمام مبارد العنصرية الصهيونية ، التي بقيت منذ قيام دولتها تنحت في لحم البقية الباقية من الفلسطينيين في أرض أجدادهم وآبائهم، محكومة بشعار "المزيد من الأراضي والأقل من العرب".

وقد تحدث عن هذه القضية، فيما بعد، الكاتب الفلسطيني نور الدين مصالحه في كتابه "أرض أكثر وعرب أقل" ، مراجعاً وموثقاً التصريحات الإسرائيلية في تلك الفترة التي كتبها زياد شعراً. في ذلك الوقت، كان من الطبيعي أن يتحسس الشاعر توفيق زياد جروح هذه الشخصية كعلامة فارقة، وليزيد مع رفاقه الشعراء في يقظتها على الواقع، وشد الانتباه إليه. ومن مظاهر جروح هذه الشخصية التي زاد دمها الساخن في يقظتها وتنبهها، ظاهرة اغتيال سلطات الاحتلال للكثيرين من الشبان العرب، وظاهرة نسف القرى العربية ومصادرة الأراضي الخاصة بالعرب، وبمقدار ما أدمت هذه الجروح جسم الشخصية الفلسطينية وقلبها، وبمقدار ما تعددت المذابح ضدها، زادت يقظتها، وعمقت وعيها على الوطن الذي ملأت الصهيونية ربوعه أطلالاً ومقابر، وبيوته بالقصص الحزينة المريرة "حتى تكاد إحداها تغرق السفينة" ولم يكن أحد يجهل، كما يقول توفيق زياد، سلسلة جرائم الاحتلال وقضاياها المتعددة، مثلما تجسدت مذبحة "كفر قاسم". ففي أول قصيدة حملت العنوان نفسه، فضح الشاعر هذه المذبحة التي رافقت العدوان الثلاثي على السويس سنة 1956، وكانت سلطات الاحتلال حاولت إخفاءها والتستر عليها فترة من الزمن، فيها أبرز صراخ المفجوع الذي لا يريد أن يصدق وقوع هذه المجزرة الفاجعة، وحشد كل عناصر المأساة، ورسم في المقطع الثاني منها زمان المجزرة ومكانها، وبعض مظاهر إعداد الجنود للمسرح، كأن بهم لوثة من جنون. "ثم استقدم الى نصه الضحايا الى الفخ المنصوب الذي يترصدهم حتى الموت، وحاول أن يتحدث عن المأساة، فعرض صور العمال العائدين بعد كدح النهار مثقلين بالكثير من الهموم الشخصية، ويحملون في صفو البسطاء وطيبتهم القليل من الطعام للصغار. يشغلهم بعض التفكير في أماني المستقبل الباسم. وقبل أن يفيقوا من هول مفاجأة رشقات الرصاص التي أحالت

"الضياء
بأعينهم
ظلمة
وفناء
...
ليحصد أجسامهم كالسنابل"
كان الموت قد مد ذراعه ليقصف خمسين روحاً منهم. ويبدو أن اشتعال المشاعر والتهابها لم يتيحا للشاعر أن يخمر التجربة الفنية في وجدانه، على الرغم من إخلاصه الذاتي للموقف والتعبير عنه، فتبين كأنه مهموم أكثر ما يكون بإعلان الجريمة وبالدعوة الى التكاتف والتوحد، وتعميق الإحساس بالمسؤولية الجماعية لدى الشعراء والناس. بقيت المعركة من اجل فلسطين والبقاء على أرضها أبرز معارك الشعراء، إذ إنهم تحملوا مع شعبهم أصناف الاضطهاد والعذاب اليومي، حتى تجسدت في وطنهم أيام اضطهاد يسوع المسيح وعذابه من قبل الجلاد نفسه، فاستحالت أرضهم غابة صلبان، نقرأ أحاسيسهم بالحصار فيها من خلال الشعر الكثير الذي قدموه. ويقدم الشاعر توفيق زياد، بتجربته النضالية الطويلة التي ولدت فيه عناداً صلداً صلادة الصخور التي في الجليل، نماذج شعرية يبدو فيها الداغية القوي، والمنظر الحكيم لصمود الشعب وإصراره ومقاومته. ففي حماسة مؤثرة كان يقول:

"كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
هنا.. على صدوركم
باقون كالجدار
وفي حلوقكم،
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار"

ولأنه يدرك غايات المحتل وآماله بتنظيف البلد من أهله وسكانه الأصليين، وإلحاقهم بالشعب الفلسطيني المشرد ليقطعوا الطريق على كل أمل بالعودة، فإن عناد الشاعر يأتي في مكانه الصحيح، فيحتمل جميع أصناف العذاب والتضييق والقهر في موقف من التحدي والإصرار يتصاعد فيه الى التظاهرات والى احتمال السجن، وأكثر من ذلك الى صناعة أجيال من الثوار والأطفال فبقاء الشاعر إنما هو وجود فاعل لشعب يخطط للبقاء والحياة في وطنه بوعي كامل وإصرار لا يلين، لأنه يعرف أن الأرض أرضه، ليس له على سواها أي ماض أو مستقبل.

"إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا ..
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار، كالخمير في العجين
.. هنا .. لنا ماض .. وحاضر.. ومستقبل
.. يا جذرنا الحي تشبث
واضربي في القاع يا أصول"

وهذا المقطع هو إصرار وتأكيد من الشاعر توفيق زياد على وجود شعبه الفاعل في أرضه، وتحت حكم الغصب مثلما في قصيدتين أخريين. ففي قصيدة "أهون ألف مرة" بجسد استحالة قدرة الحكام على أن يحرفوا شعبه عن طريقه النضالية، أو أن يميتوا فيه وميض فكرة، ويجعل ذلك سابع مستحيلات أسطورية يصنفها من خلال الحكايات الشعبية وقوة احتمالها، وهو لذلك يعمل في هدوء وعلى مهل.. يضع برودة الجليد في أعصابه، وإن كانت جهنم الحمراء في قلبه.
إنه يريد أن يظل عمله مضيئاً ومشعاً لا أن يقرقع، ويتجسم قلبه الكبير في قصيدة "نيران المجوس" حيث يرتقي في نضاله وصموده الى مرتبة القديسين الثوار، فلا ييأس ولا يمل .. بل يشد من ظلمة الحياة حوله خيط ضوء دقيقاً ينسج منه حياة المستقبل في دأب النمل ومثابرته، وهو مطمئن الى النهاية، لأنه واثق بحتمية العدل التاريخي، فيخوض معركته بنفس طويل وجلد من دون أن يفقد صبره، ويعينه على ذلك تسلحه بفهم القوانين الموضوعية التي تحدد، هي وليس أي شيء عابر، وجهة التطور التلقائي للتاريخ:

على مهلي
لأني لست كالكبريت
أضيء لمرة .. وأموت
..لأن وظيفة التاريخ..
أن يمشي كما نملي!!
طغاة الأرض حضرنا نهايتهم
سنجزيهم بما أبقوا
نطيل حبالهم، لا كي نطيل حياتهم
لكن..
لتكفيهم
لينشنقوا ..!!
هذا العناد والتحدي المتفاني في حب الوطن، رضعه زياد من ثدي أمه، "ففي ثدييها سر دمارهم". وقد أرضعته الأم الفلسطينية أبناءها ليتواصل كفاحهم ونضالهم من أجل الأرض والوطن.
زادت معركة البقاء والصمود التي خاضها شعراء فلسطين ببسالة في يقظة شعبهم، ومعها بدأت شمس هذه اليقظة تسطع وعياً في نفس الشخصية الفلسطينية، فهب توفيق زياد كمن بلغ سن الرشد على الإحساس العميق باليتم، ليعيد الى أمه وجودها وكيانها الحقيقيين، فيناديها من أعماق بئر المأساة والأحزان ليذوب في جروحها كي يداري هذه الجروح في همة الفتى الناقم العنيد، وفي تفاني راع عربي في الجليل وطهره.

أجيبيني ..
أنادي جرحك المملوء ملحاً، يا فلسطيني
أناديه وأصرخ:
ذوبيني فيه .. صبيني
أنا ابنك خلفتني ها هنا المأساة،
عنقاً تحت سكين
أعيش على حفيف الشوق..
في غابات زيتوني
.. وآكل حائط الفولاذ
أشرب ريح تشرين
وأدمى وجه مغتصبي..
بشعر كالسكاكين
وإن كسر الردى ظهري،
وضعت مكانه صوانة،
من صخر حطين !!..
فلسطينية شبابتي،
عبأتها، أنفاسي الخضرا وموالي
عمود الخيمة السوداء، في الصحرا
وضجة دبكتي،
شوق التراب لأهله،
في الضفة الأخرى

وبتصاعد الوعي الجماعي بالهوية الأصلية للشخصية الفلسطينية، تستكمل النظرة في أبعاد الموقف، ويضحى لزاماً على الشعراء داخل أسوار الاحتلال أن يمدوا أنظارهم نحو خارج هذه الأسوار بحثاً عن النصف الثاني للبرتقالة الفلسطينية التي شقها سكين الاحتلال بلا رحمة وبلا ضمير، ومن دون أدنى شعور بالإنسانية. وإذا كان شعراء الأسر غنوا للبقاء والعودة معاً، ففي أواسط الستينات كانت الشخصية الفلسطينية تستكمل مقوماتها الذاتية في المنفى، وكان لهذه الحركة صدى بعيد الأثر في عرب الأسر. ولعل توفيق زياد اجتاز خطوة أبعد من على جسر العودة لملاقاة النصف الثاني من الأهل واستكمال ملامح الهوية الناقصة.
ففي "رجوعيات" يبني جسر عودته للأحبة، حين يقول:

أحبائي برمش العين،
أفرش درب عودتكم،
برمش العين
وأحضن جرحكم،
وألم شوك الدرب،
بالكفين
ومن لحمي..
سأبني جسر عودتكم،
على الشطين!!..

ويبني توفيق زياد الجسر، ويصلب نفسه على الطرف الآخر وينتظر، ويرقب هبة الريح التي تأتي من الشرق:

لعل على جناح جناحها
يأتي لنا خبر
لعله ذات يوم يهتف النهر:
تنفس..أهلك الغياب
يا مصلوب .. قد عبروا!!
إن الهوية الفلسطينية عند توفيق زياد لا تستكمل جميع ملامحها ما دام الشعب تائهاً في منافيه، ومتشبثاً بأرضه، وغريباً عن وطنه وفيه.. وقدرة توفيق زياد على تصوير إحساسه العميق بالموقف نادرة المثال، وهو بارع جداً في استخلاص لب الخبرة الفنية الشعبية، دائماً، وفي استخدام روحها الأصيل باستمرار ليرفع بهما مادة أبنيته الفنية، بعينه في ذلك عمق إحساس الفنان في داخله، وتفاني الرجل، وصدق الإنسان، ولولاهما لما صلب نفسه يرقب هبة الروح الشرقية، ينتظر عبور أهله الغياب ليلتئم نصف البرتقالة، فيعود نبض الحياة فيها من جديد، وقد بلغ إحساس الشخصية المستيقظة بهويتها الفلسطينية أن راح توفيق زياد يهجس بيوم العودة الذي جاء ناقصاً قبل أعوام، ويعيش يوم اللقاء المنتظر الجزء المنفي من شعبه. ففي قصيدة "أشد على أياديكم" بروح يحدث أهله عن صموده الجبار:

أنا ما هنت في وطني
ولا صغرت أكتافي
وقفت بوجه ظلامي
يتيماً، عارياً،
حافي
حملت دمي على كفي
وما نكست أعلامي
وصنت العشب فوق قبور أسلافي
هكذا، على أرض المحنة ينطق توفيق زياد وزملاؤه من شعراء المقاومة بلسان شعبهم المصلوب، وهم يتقدمونه الموقوف على الصليب، إيماناً منهم بأن إعدام شعب بكامله هو كلام نبوي ينبئ بقيامته.

ومن ملامح الهوية الفلسطينية التي أهتم شعراء المقاومة اهتماماً مقصوداً بإبرازها، التراث الشعبي الفلسطيني، بصفته، كما في كل شعب، يمثل أصالة الشعب وموروثه ومعدنه الحقيقي. ولم يكن اهتمامهم بهذا التراث في مجمله مجرد عمل فني جمالي يوسمون به شعرهم، وإن كان ذلك بعض غاياتهم، وإنما الغاية الأهم في عملهم كانت غاية وطنية غرفوا لأجلها من هذا التراث سلاحاً قوياً في معركة الحفاظ على الشخصية الفلسطينية، فاستلوا كثيراً من عروق هذا التراث ونصوصه التي حبكوا بها قصائدهم باستعمالهم ألفاظاً وتعبيرات شعبية كاملة، أكان في مضمونها أم في روحها وأوزانها. وقصيدة "سرحان والماسورة" واحدة من التجارب التي أجراها توفيق زياد ونسجها على نغم الحكايات الشعبية الشعرية، وفيها يحكى حكاية سرحان العلي من عرب الصقر المنتشرين في غور بيسان. وقد نسف ماسورة بترول العراق- حيفا أيام ثورة 1936 الشعبية.

ويظهر توفيق زياد في هذه القصيدة من خلال ما يسقطه من صفات على بطلها، في شخصية الرجل الخشن القريب من التوحش، كأنه من خلال بطله هذا أحد الشعراء الصعاليك. وإذا كان توفيق زياد بطل كثير من قصائده في خدمة وطنه، ممثلاً روح الصعاليك العامة في خدمة مجتمعهم، فإنه يخلع بردة البطولة في هذه القصيدة على سرحان العلي بطل الحكاية، بعد أن تخلى عن دور المتقاعس الذي لا يبالي بغير شؤون حياته الخاصة، فأصبح من أبطال الثورة الشعبية.

ويبدأ الشاعر قصيدته على غرار بعض الأساليب السينمائية من نقطة في أواخر أحداث القصة، فيبدو لنا البطل يغذ السير الجاد في طريقه على مشارف الأفق. في ليلة كليلة الشنفرى، ثم يعود الشاعر بعد ذلك الى سرحان السابق، نموذج المتقاعس عن العمل الوطني الذي أثاره ظلم الانتداب – الاستعمار البريطاني حيث كان يطغي على البلاد والعباد، فيبين كيف انفجرت من أحشاء هذا الظلم ساعة الهداية أو ميلاد البطل، التي قادت من خلال العنف والقسوة الى النهاية في صورة مأساة أمجاد بطولية، أفرخت أثرها ووقعها في شكل أفراح شعبية تزخر ببهجة الفخر والاعتزاز ويجيد الشاعر ، على عادته في تجاربه المعمقة، إجارة واضحة في أجزاء القصيدة، فيبدو العمل القصصي في قصيدته بتصاعد في اتساق وتكامل كما يبدو الشاعر أيضاً خبيراً بالنفس البشرية، وذا كفاية في استيطانها وسير أغوارها، كاشفاً عمقها الوجداني، وقادراً على تجسيد مكتشفاته فيها معتمداً على خياله الخصب، فيرسمها بالكلمات على شكل أصحابها وفي تصرفاتهم، ومن خلال تفكيرهم بدقة وصدق، يصف بطل القصيدة – القصة في طريقه الى الماسورة، ثم يصف ليلة الشنفرى وسرحان --- كالقط يرى الإبرة في الليل الكثيف.

"إنه يعرف هذي الأرض كالكف.. كما
يعرفها كلب الأثر
كانت الدنيا مطر
..كتلة صامتة كان يسير
وبعينيه سكاكين، وشر مستطير
كتلة تنحت نحتاً دربها، بين الصخور
شرها كالذئب.. للصيد الكبير

ويعكس الشاعر ما يرعى في نفس البطل من وساوس الإنسان وهواجسه التي تزيد في يقظته وحماسته:

"إيه يا سرحان..أسرع!!
إن لليل عيوناً، ربما تقرأ أعماق الضمير
وترى ما في الصدور
إيه يا سرحان..أسرع
ولتكن رجلك، فوق الدرب، منديل حرير
لم لا يخلق للإنسان، أحياناً، جناح
كي يطير..؟!
ويترك الشاعر بطل قصيدته عل الطريق، ليعرض صورته القديمة – عندما لم يكن يفهم – بدوياً ساذجاً غفلاً، لا يرى في أشد الأوقات ضيقاً غير مصالحه. ويبرز الشاعر في بطله هنا عنصر الرجل الخام من خلال الواقعية الشعبية التي يجسدها على لسانه وألسنة مخاطبيه، فتأتي صورة صادقة مقتبسة من ساحة وسط البلد، أو من ديوانها، لتصور نموذج الجهل الطيب في الإنسان البسيط، فتتعمق نفوس أمثاله في يسر وإقناع:

" هز كتفيه: أنا..؟؟ يا ناس خلوني بعيداً عن
حكايات الوطن
عندما قالوا سرحان .. يا سرحان ..
هيا للجبال
هز كتفيه:
أنا..؟؟ ما دام جلدي سالماً
مالي وما للآخرين
لعنة الله..
على شكلك..
يا كتلة طين..!!
إن أقصى حالات الشعور بالأنانية الفردية والتقاعس عن خدمة الوطن، أجاد الشاعر تجسيدها في هذا الحوار الدافق بالحيوية والمشع بالحرارة صدقاً وواقعاً، وهو ما يزيد في إحساس الانبهار عندماتأتي ساعة الهداية، التي "رأت يوماً، نجوم الظهر عيناه"، ومن بعدها "عاش سرحان العلي مطارداً عاماً ونصفاً، وثائراً "ما درى حي مقره"، وارتفع سعر رأسه الى ألف جنيه، للذي يقتله، أو يكشف سره، وتلتمع في ذهن الثائر فكرة نسف ماسورة البترول .. فيفكر

آه.. يا سرحان .. لو..لو يتفجر
.. آه يا ماسورة البترول.. يا بنت الحرام..انتظري!

ويقف بنا الشاعر الى ما قبل انفجار الماسورة ببضع ثوان، ليطلعنا على ما نشرته الصحف. وفي الحلقة الرابعة والأخيرة من القصة الشعرية حيث ترثي البطل أمه، تحيل الأم هذا الموقف على عرس شعبي تمتزج فيه العروق من الفرح بعروق من الأسى والحزن، وتأتي فرصة توفيق زياد ليفرغ على لسان أم البطل صناديق من بضاعة التراث الشعبي:

وزعوا الحلوى وأكياس الملبس للكبير والصغير
بالهنا كل الهنا يا هنية
..
شيعوا لبني عمومته..يجيئوا مثل أسراب النسور
خبروهم أنه لما أتاني عينه جمر وشر مستطير
ناوليني فرشنا الأبيض يا أماه فالأمر خطير
بعت إسورة الزفاف وبعت خاتمي الأخير
.. عاد من غاراته يرتاح في حضني الوتير
.. خبروهم أنه إن جاء ثانية أبع ثوبي الأخير
بالهنا يا أمه زفي الى أحضانه أحلى صبية
بالهنا يا /ه بيعي ثيابك واشتري له بندقية

وكما قصيدة "سرحان والماسورة" كتب الشاعر قصائد مماثلة وخلاقة، وقر فيها الكثير من الروح الدرامية وعناصرها المؤثرة. ففي قصيدة "خائف يا قمر" يكاد عنوانها يلخص مأساتها حين يصبح ضوء القمر الوديع الجميل الذي طالما جلب مشاعر الهدوء والطمأنينة الى النفوس مثاراً للخوف والقلق فمنذ مطلع قصيدته يقول:

أنا خائف يا قمر!!
من الليل .. منك.. ومن ضوئك المنكسر

بحيث يكررها الشاعر تكراراً موفقاً، مما يحمل روح المأساة، فيضفي على القصيدة جواً من التوقع الرهيب لا يلبث أن يتحقق بعودة أخيه الكبير مضرجاً بدمائه، يلقيه الجنود في وجه أمه ملفوفاً في شرشف أبيض تلونه بقع من دمائه:

خذوه ..قتلناه..عند الحدود
..بدون بكاء ..بدون بكاء
لخص توفيق زياد في شعره سيلاً من الشخصيات الشعبية التي تلتقي في الإنسان الفلسطيني: الكاتب، الشاعر، السياسي، المناضل. وإذا كان ليس من السهل أن نفصل في الواقع بين هذه الشخصيات لتلاحمها تلاحماً طبيعياً، وتكوينها شخصية بملامحها الكثيرة، فقد أنصب الحديث عنه في هذه العجالة على شخصية الشاعر فيه، ونضاله من أجل هذه الشخصية بالكلمة أترى عناصر الحياة وأكثرها قابلية للخلود. وقد نستطيع القول إننا، في خارج فلسطين، قد عرفنا شعر توفيق زياد كله أو جله، وإننا نحاول الاجتهاد والنظر فيه، لكن أحداً في الخارج لا يستطيع ادعاء معرفة الجوانب الأخرى من توفيق زياد / السيل من الشخصيات، ولعل بعض عارفيه ومعايشيه من مواطنيه يتصدى لإغناء موسوعة الشخصيات الفلسطينية بالإحاطة بسيل الشخصيات التي تلتقي في هذا الشاعر الكبير وتخلده.

وقد يكون الشاعر توفيق زياد أقوى هذه الشخصيات روافد، وأكثرها خلوداً وثراء، وبهذا يأتي على رأس شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة، الذين طبقت شهرتهم آفاق الإنسانية بما جسدوه من الالتزام الواعي بقيمة الكلمة وفنيتها في معركة النضال في وطنهم، وبإدراك مسؤوليتها من دون أي استخفاف أو استهانة تشوب قدسية دورها، أو تهز أثر فعلها في تشجيع الأمل والحث على المقاومة، والتشوق الى تحقيق الآمال الوطنية. ربما لم يذكروا كلمة "فدائي" في قصائدهم، لكنهم يعنونها حتماً من خلال إيمانهم بتجربة الموت ، البعث التي تتسلط عليهم جميعاً، لأن من دون النضال والمقاومة والفداء والموت لن تغير أحوال وطنهم ولن يرفع الظلم عنه. لذلك فإننا نراهم، باستماتتهم في المقاومة وباستعدادهم لكل التضحيات مع الوعي العميق والتفاؤل الثوري، يملأون كثيراً من قصائدهم بهذا الموت/الحياة الأجمل، وعودة الأحباب المنفيين. وكما يرون في موتهم حياة لشعبهم، يرون في محنة شعبهم وعذابه خلاص الأمة وإحياء فلسطين بإعادة بنائها من جديد بروحها العربية الأصيلة، وبحضارتها الإنسانية العميقة. ولئن لم تبرز الدعوة الى تقويض كيان الدولة الصهيونية الساخرة في شعر هؤلاء الشعراء بحكم الأوضاع التي يعيشونها، فإننا نستطيع أن نتلمس هذه الدعوة متضمنة في شعرهم، في شكل رفضهم مضمون هذه الدولة وأسسها القائمة على العنصرية والطائفية والقهر والاغتصاب والاستيطان. فالشاعر عندما يناضل ضد هذه المقومات، التي تكون في مجموعها الدولة الصهيونية، فهو يحارب، بحق، حقيقتها الأساسية التي تميزها وبنيت عليها، ولا يمكن أن تستمر من دونها، ولا معنى لاستمرارها بفقد هذه المقومات. أما ما يمكن أن يحدث بعد ذلك، فليس من شأن الشاعر أن يقوم بحصر جزئياته وتفصيلاته لأن ذلك من شأن السياسيين.

بهذا الالتزام القائم على الوعي العميق والمسؤول تجاه القضية، تكونت لدى توفيق زياد ولأعوام كثيرة رؤية ثورية صافية وثابتة لأبعاد معركته ورسالته، ولم يكن ممكناً أن تهتز بتأثير أي طارئ مهما يكن ثقيلاً، وهو الذي يقول في مواجهة هزيمة حزيران / يونيو 1967، وما آلت إليه:

يا بلادي! أمس لم نطف على حفنة ماء
ولذا لن نغرق الساعة في حفنة ماء
من هنا مروا الى الشرق غماماً أسودا
.. من هنا، سوف يعودون، وإن طال العدى
..
لا تقولوا لي انتصرنا!!..
إن هذا النصر شر من هزيمة
نحن لا ننظر للسح، ولكنا
نرى عمق الجريمة

وهو الذي يقول أيضاً:

أي شيء
يقتل الإصرار
في شعب مكافح؟
أي حرب
قدرت يوماً، على
سرقة أوطان الشعوب؟
وطني..!! مهما نسوا
مر عليه
ألف فاتح
ثم ذابوا..
مثلما
الثلج يذوب..!!
وهو القائل أيضاً:

إن من يسلب حقاً بالقتال
كيف يحمي حقه يوماً – إذا الميزان مال؟!
ثم..ماذا بعد؟ لا أدري، ولكن
..كل ما أدريه أن الحق لا يفنى،
ولا يقوى عليه غاصبون
وعلى أرضي هذي، لم يعمر فاتحون!!..

إن ما حدث اليوم بسبب ضعف الأمة وتهافتها في هذا الزمن الرديء، هو عرض من أعراض الزمان كي يعتدل التاريخ ويأخذ سمته ومجراه المستقيم. وفي طريق عودته من أريحا، حيث تدهم توفيق زياد السياسي رائحة الدولة الفلسطينية، مات الفارس وهو --- شطر القدس، ويهجس بالوصول إليها، وخلد منه توفيق زياد / الشاعر – فهل مات فارس الجليل؟ ومتى يقوم ؟ إنه حقاً قام..



المعنى والمغزى في قصص "حال الدنيا" لتوفيق زياد

عادل الاسطة

يثير الدارس، وهو يقرأ مجموعة "حال الدنيا" )1975( لتوفيق زياد، السؤال التالي: هل كان الكاتب يرمي الى أبعد مما يقوله المعنى؟
لنعد، ابتداءً، الى كتابه "صور من الأدب الشعبي"، ولنر الأسباب التي دفعته الى الاهتمام بهذا الادب، يقر زياد صراحة انه قام بجمع هذا اللون من الأدب خوفاً عليه من الضياع، عدا انه يمثل قمة من القمم الأدبية. وقد قام زياد باعادة صياغته بلغة عربية سليمة فصيحة ما أمكن. وان لم تكن قصص "حال الدنيا" كلها جمعاً من أفواه الناس، في القرى وفي المدن، فهناك قصص تبدو من تأليف زياد نفسه، مثل قصة "النملة الملحدة"، هذه التي لا تخلو من رمز شفيف يفصح عن نفسه بنفسه. انها ذات مغزى واضح هو ما يكشف عنه بعدها الرمزي الذي ارتبط بزمن كتابة القصة وما كانت عليه الاوضاع في حينه، وربما لا يفهمها جيداً الا من عاش تلك اللحظة الزمنية، او من عاد الى الاوضاع السياسية السائدة في حينه، وقرأ القصة مقترنة بها. وأرى ان قارئاً يعيش الآن، ولم يع جيداً ما كانت عليه الاوضاع ما بين 1945 1990 لن يفهم القصة كما يفهمها شخص كان يعيش في تلك المرحلة وشاهداً عليها.
واذا ما عاد المرء الى نقد زياد، وهو قليل، يلحظ انه ما كان من الادباء الذين يميلون الى استخدام الدال الواحد للتعبير عن مدلولات متعددة، فهو مثلاً تناول اشعار محمود درويش، وكتب عن دال القمر فيها. ولما كان درويش يستخدم هذا الدال لمدلولات مختلفة لم يدركها زياد جيداً، طلب منه - أي طلب زياد من درويش- الا يظلم القمر ويحمله اكثر مما يحتمل، ولم يستسغ المدلولات غير القاموسية لهذه المفردة.
واذا ما عاد المرء ايضاً الى المدرسة الادبية التي صبغت كتابات زياد وأثرت عليها، وهي الواقعية الاشتراكية، ادرك ان الوضوح وعدم التعقيد سمة اساسية من سمات أدب زياد، شعراً ونثراً، وان مدلول داله لا يتعدى، غالباً، ما يقوله الدال، وان لاحظ المرء ان ثمة رمزاً شفيفاً، احياناً، يبدو من خلال بعض نصوصه، كما في قصة "النملة الملحدة". ولا يعني هذا ان زياداً لم يكن يعرف المجاز والاستعارة وضروب البلاغة الاخرى. انه يعرفها بالتأكيد، ولكنه لم يكن يميل الى الغموض، وحتى تشبيهاته واستعاراته، في اشعاره، كانت تفصح عن نفسها بنفسها.
ولا ينفي ما سبق ان تقرأ نصوص زياد، من كتاب آخرين، في زمن آخر، قراءات يذهب اصحابها الى ان القصة او القصيدة لا تخلو من مغزى، ولا يعقل ان يرمي زياد فقط الى ما يقوله المعنى. ويمكن ان نأخذ بهذا انطلاقاً من مقولات نظرية التلقي التي ترى ان العلاقة غدت بين النص والقارئ، لا بين المؤلف والنص.. هنا طبعاً يمكن ان يبحث القارئ عن المغزى في النصوص، ويمكن ان يؤولها تأويلات كثيرة، فعنوان ما، مثل "كيف اصبح الحمار شيخاً للعسكر" يمكن ان تدرج تحته المدلولات/ التأويلات التالية:
- كيف اصبح الاستاذ (س) عميداً للكلية (ص)؟
- كيف أصبح الرئيس (ق) رئيس الدولة (ك)؟
- كيف اصبح رئيس الجامعة (ع) رئيساً لها؟
- كيف اصبح الملك (ن) ملكاً للمملكة (ل)؟
- كيف اصبح (ج) عميداً للبحث العلمي في الجامعة (ح)؟
وهكذا دواليك.
هنا يصبح دال العنوان ودال القصة ضرباً من الثورية، اذا قصد القارئ ذلك. ثمة معنى قريب غير مقصود، وثمة معنى بعيد مقصود، ويعتمد الامر في النهاية على اطراف اخرى غير النص نفسه، يعتمد على كاتب النص، وعلى قارئه، وعلى من يتكلم به وعلى سامعه وما فهمه منه. الدال ثابت والمدلول متحرك، يقول البنيويون وقصة زياد هي نفسها، يوم كتبها ويوم نقرأها الآن. واذا كانت العلاقة، زمن كتابتها، بين زياد ونصه، فانه الآن غدا في عالم آخر ولم يبق الا نصه وقارئه، والاخير يتغير بمرور الزمان، وربما فهم القصة كما يقول ظاهرها وربما فهمها من باب التورية. ولو كان زياد على قيد الحياة لسألناه عن قصده من وراء كتابة القصة في حينه، وعنده سيكون الخبر اليقين. ربما يفصح عن قصده وربما يقول لنا بيت المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر القوم جراها ويختصم
ولكننا نتساءل: اذا كان زياد يرمي ابعد مما تقول القصة "كيف اصبح الحمار شيخاً للعسكر" فمن هو الحمار؟ هل هو الحاكم العربي الذي جاء الى سدة الحكم عبر الدبابة والمؤامرة والخداع؟
لقد هاجم زياد حكاماً عرباً كثيرين وذكرهم بأسمائهم، عدا انه لم يعش في العالم العربي حتى يكتب قصة ذات مغزى، ذات دلالة رمزية، كما فعل وهو يكتب عن دولة اسرائيل التي كان يقيم فيها، وهو ما بدا في قصة "النملة الملحدة"، فهل المقصود بالحمار دولة اسرائيل؟
وهنا يمكن ان نفيد مما تقوله المناهج النقدية، ثمة مناهج تركز على الوصف في اثناء تناول نص أدبي، مثل البنيوية، وثمة مناهج اخرى يبحث اصحابها عما وراء الكلمات، لانهم يرون ان النص قابل للتفسير وللتأويل، مثل التفكيكية والتأويلية، فهل علينا ان نلزم ناقداً ما بمنهج واحد؟
ولو افترضنا اننا قرأنا نقدين لقصة واحدة، لناقدين مختلفين، احدهما يصف ظاهر النص، وثانيهما يؤول النص ويبحث عن مراميه. هل نقول النقد الاول ليس نقداً والثاني هو النقد ولكن ماذا لو أوّل النص غير ناقد.. تأويلات مختلفة، ولم يكتفيا بما يقوله ظاهر النص؟.. ترى أي التأويلات نقبل وايها نرفض، وهناك نظريات نقدية ترى ان قراءة نص واحد من قارئين مختلفين تؤدي الى قراءتين مختلفتين، بل انها تذهب الى ما هو ابعد من ذلك، وترى ان قراءة نص واحد من قارئ واحد في زمنين مختلفين تؤدي الى قراءتين مختلفتين.
ثم ماذا لو اختلف موقف صاحب النص بعد كتابته؟ لو كان رمى زمن كتابة النص الى قصد ما، ثم غدا هذا القصد يسبب له مشاكل وتخلى عنه، وقال انني لم أرم الى كذا وكذا، ولم يكن، من قبل، اوضح مرماه. هناك ادباء كثيرون كانوا، ذات نهار، يؤمنون بفكر ما ويكتبون انطلاقاً منه، ثم تخلوا عن افكارهم. وستسبب قراءة نصوصهم، اعتماداً على فكرهم السابق، لهم العديد من الاشكالات. ألا نرى ان أدباءً كثيرين تخلوا عن نصوصهم الأولى؟
وليس هناك من شك في ان مسؤولية الدارس هي توضيح هذا كله وتفسيره وتقديمه للقارئ، ولكن ماذا بشأن كاتب لم يقل الكثير حول نصوصه؟
اعترف اميل حبيبي، بأيام قليلة قبل موته، بأنه حين كتب "المتشائل" كان يكتب عن نفسه. ترى هل كان اميل سيعترف بهذا، حين انجز نصه في العام 4791، لا شك انه لو فعل لاثار حوله ضجة كبيرة ونقاشاً يدخل، يومها، في باب المحرمات، لأن السؤال الخطير الذي كان سيثار هو: هل كان لاميل حبيبي صلة بالمخابرات الاسرائيلية؟



توفيــق زيـــاد حارس الأبراج الطينية

جعفــــر حســـــن/ناقد من البحرين

قنديل الذاكرة
عند الكلام عن توفيق زياد، لابد أن نرجع بالذاكرة قليلا لنتلمس ما يمكن أن يعنيه توفيق زياد بالنسبة للحالة الشعرية داخل الأرض المحتلة، وما يعنيه بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني بين عرب 48، ولتحديد الملامح الأولية لهذا الأدب نشير إلى أنه لا يمثل «بكاء ولا نواحا ولا يأسا ولكنه إشراق ثوري دائم وأمل يستثير الإعجاب(../..) يتأثر الشعر العربي في الأرض المحتلة بسرعة مذهلة وبتكيف كامل مع الأحداث السياسية العربية ويعتبرها إكمالا لموضوعه وجزا من مهماته.»(1)
ولعلنا نقسم النضال الفلسطيني منذ الكارثة الساحقة بقيام الكيان الصهيوني عام 48، وحركة الهجر الإجبارية التي فرضتها العصابات الصهيونية، وسياسة تدمير القرى التاريخية، والسطو على المنازل ومصادرتها وتدمير بيوت المقاومين، فانقسام عرب فلسطين إلى عرب الداخل وعرب المهجر بتنوعاته، ونشأت حركة المخيمات سواء في الشتات أم في الداخل الفلسطيني التابع للدول العربية(مصر، سوريا، الأردن).
يقف الكثير من مؤرخي أدب المقاومة الذي انبثق بسرعة مذهلة في فلسطين المحتلة، على عام النكسة، والتي انكشفت فيها الأنظمة العربية المهلهلة أمام تنظيم عسكري ابرز تفوقه الإداري فخسر العرب ما تبقى من فلسطين التاريخية(الضفة الغربية وقطاع غزة) بعد حرب حزيران 67 ومن ثم نسوا حدودها، ولعل الأمر لا يخلو من تأمل في أن تتوافق الهزيمة العربية مع انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني بما كان قائما آنذاك من منظمات فلسطينية وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تشكل فتح الثقل الأكبر فيها من حيث التكوين، وتطور أدب المقاومة في فلسطين بشكل لافت، ذلك الأدب الذي كان يلعب دور المواجهة دائما مع المحتل الغاصب.
والهجرة بالنسبة للذاكرة الفلسطينية لم تتوقف عند ترك فلسطين وإن ظلت هي الحلم المنشود، فهناك حركة النزوح من الأردن والتي ركزت فيها المنظمات الفلسطينية على لبنان بعد أحداث أيلول الأسود، كما تلتها حركة النزوح بعد الخروج من بيروت 82م نحو تونس والسودان واليمن، ومن ثم خلق التوجه نحو التركيز على العمل في داخل الأرض المحتلة وهو العمل الذي مهد لحركة مضادة للهجرة بالعودة إلى الداخل، وإن كانت قليلة العدد بعد اتفاقات السلام.
شتات لداخل مفتوح وخارج مغلق
ولعل تأملا في الوضع الفلسطيني، وعلاقة الإنسان العربية بمسألتين تشكلان خصوصية بالنسبة للإبداع الشعري فيهما، فمن جهة يشكل المخيم في الشتات(سوريا، الأردن، لبنان) بؤرة ثورية حملت معها الرفض وحنين العودة للوطن السليب، مما خلق صورا متعددة عند شعراء الشتات تتعلق بصورة الوطن والأماكن التي يتخلق الحنين إليها والإصرار على النضال من اجل العودة كحق ثابت للفلسطيني، وإذكاء الحلم الذاهب صوب فلسطين، فالمخيم مفتوح في المتخيل على الأرض الموعودة، وتتهيأ النفس نحو الحركة إليها حتى لو بالعمل الفدائي، على الرغم من حصار الأنظمة العربية لهذا المخيم بطرق مرئية ولا مرئية، لذلك كانت القصائد المكتوبة في مثل تلك الأجواء تميل نحو التشكل الدرامي الباكي.
.وفي هذا الصدد تشير سلمى خضراء الجيوسي بقولها: «والفجيعة أو مكان الفجيعة لا يتم بهذا المعنى أيضا لشعراء المقاومة داخل الأرض المحتلة. إن شعر المقاومة يختلف عن شعر النكبة ـ انه يواجه عدوا غريبا، جسما خارج جسد الأمة، كيانا هجينا حاضرا محدد المعالم والملامح. انه عدونا أمام العالم. فالتحدي قدر، والعداوة الشرسة المشاكسة أمر مشروع. إنهم ، إي شعراء المقاومة، لا نحن، ورثة ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، أما نحن خارج الأرض المحتلة ، فصراعنا انسكب في أعماقنالان عدونا الأول، كما اكتشفنا باكرا، كان قابعا في ذواتنا ـ انك لا قدر على التحدي إزاء الأخر، إزاء أعدائك الغاصبين القساة، منك إزاء نفسك. إزاء نفسك تتبدل نغمة صوتك، وإذ تبدأ بإدانة ذاتك، فغن صوتك يتوهج بالحزن أيضا، وبالفجيعة. والبطولة في شعرك تتلون هي نفسها بلون الفجيعة ومهما حلقت في شعر فجناحك القوي كسير وتنكفئ، لا بد، راجعا. لاجئا من نفسك على نفسك، ترفضها، ترفض اهلك وأشقاءك وتتحداهم لأنهم لم يتحدوا الزمن، ثم يخنقك صوت الفجيعة.»(2)
كما كان المخيم أرضا في الداخل يرى قاطنه الفلسطيني بلادا على مرمى حجر مالا يستطيع الوصول إليه فيشتعل الحنين إلى الأمكنة القديمة، وتقوم المرارة بما يفتقده المخيم من وسائل حفظ كرامة الإنسان والأمن المستباح من قبل جيش يستمرئ قتل الأطفال، وبالتالي ظل المخيم في هذه الحالة محاصرا بالفعل في قلب الوطن. كذلك ظل جزء من عرب فلسطين في مدنهم، وحملوا الجنسية والهوية للدولة العبرية، لكنهم لم يتخلوا عن هويتهم الثقافية، ولا نضالهم السياسي منذ بدأ الوعي يتخلق لديهم بطبيعة الصراع، وبالتالي خرج الرفض الممتزج مع الحنين ليتشكل في النهاية هذا الغضب الخارجي الذي نشهده في قصائد توفيق زياد، والغضب بتمازج مع الوصف الخارجي أيضا لينفتحا على الحنين الهامس(3).
سيرة مكتملة أو تكاد
توفيق أمين زياد، شاعر وكاتب سياسي فلسطيني من مدينة الناصرة، ولد يوم السابع من أيار(مايو) عام 1932 وتوفي عام 1994م ، في حادث سير عندما كان عائدا ليلاقي ياسر عرفات، وقد توفي والده منذ الصغر فاضطر الاعتماد على نفسه في كل شي وحرص على إكمال تعليمه. سافر إلى الشام وتعلم مهنة التمريض لمدة ثلاث سنوات. كان حلمه أن يصبح طبيبا لكن الظروف السياسية والاقتصادية عرقلت برنامجه, أما والدته فقد اشتغلت في الأرض وفي البيت، وساهمت في العمل مع زوجها. كانت تنهض في الفجر وتعجن عشرات الأرغفة لبيعها في الدكان، لذلك أحب توفيق زياد أغنية سيد درويش التي تقول: «الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية». شغل منصب رئاسة بلدية الناصرة حتى وفاته ، كما كان عضوا في الكنيسيت الإسرائيلي لعدّة دورات انتخابية عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح.
لعب توفيق زياد دورا مهما في إضراب أحداث يوم الأرض في 30 مارس 1975م، وقد استهدف بالاغتيال من قبل العدو إلا انه نجا بأعجوبة، لتوفيق زياد العديد من الأعمال الأدبية ، كما قام بترجمة عدد من الأعمال من الأدب الروسي ومن أعمال الشاعر التركي ناظم حكمت.
أعماله الشعرية:
1. أشدّ على أياديكم(مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966م).
2. أدفنوا موتاكم وانهضوا(دار العودة، بيروت، 1969م).
3. أغنيات الثورة والغضب(بيروت، 1969م).
4. أم درمان المنجل والسيف والنغم(دار العودة، بيروت، 1970م).
5. شيوعيون(دار العودة، بيروت، 1970م).
6. كلمات مقاتلة(دار الجليل للطباعة والنشر، عكا، 1970م).
7. عمّان في أيلول(مطبعة الاتحاد، حيفا، 1971م).
8. تَهليلة الموت والشهادة(دار العودة، بيروت، 1972م).
9. سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة(مطبعة الحكيم، الناصرة، 1973م).
10. الأعمال الشعرية الكاملة(دار العودة، بيروت، 1971م)؛ يشمل ثلاثة دواوين: أشدّ على أياديكم، ادفنوا موتاكم وانهضوا، أغنيات الثورة والغضب.
11. الأعمال الشعرية الكاملة(الأسوار، عكا، 1985م).
أعماله الأخرى:
1. عن الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة( دار العودة، بيروت، 1970م ).
2. نصراوي في الساحة الحمراء / يوميات( مطبعة النهضة، الناصرة، 1973م).
3. صور من الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة(المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1974م).
4. حال الدنيا / حكايات فولكلورية(دار الحرية، الناصرة، 1975م).(4)
أمام البرج
يبدو أن الشاعر مهما كانت شاعريته يعيش في عصر يتواصل فيه مع شعراء من أمثاله، وهو يمتح من تراث هم في نهاية المطاف ورثته الحقيقيون كما شكل ابراهيم طوقان ومن سبقهم من الشعراء الذين ارسوا تقاليد الشعرية المقاومة، وعبروا بما استطاعوا عن التزامهم بقضايا شعبهم، فهم في سدة المواجهة، تلك التي تعبر عن التطلع الإنساني نحو الحرية والإصرار على ثلاثية أرفض أقاوم، انتصر، على الرغم التصدعات التي تحدث.
فنجد أن توفيق زياد ينتمي إلى ذات المدرسة التي ينتمي إليها كل من سميح القاسم، ومحمود درويش وسالم جبران(5) على أنهم جميعا قد انطلقوا من تجربتهم النضالية في أوساط الجماهير العربية في فلسطين المحتلة، وانتمى بعضهم إلى التيار اليساري، ولكن في النهاية غادروا تلك المواقع لانكشاف الوضع الصراعي على مستوى الوجود، وبالتالي كان الخيار الأخر هو الانحياز نحو الجماهير العريضة، وربما لذلك تبدو الخطابية واضحة في قصائدهم وتظل مستمرة إلى حدود قريبة عند سميح القاسم، وظلت كذلك حتى النهاية عند توفيق زياد، ولكن محمود درويش يغادر الخطابية ويوغل في الفنية، ولكنه كان يعود إليها بين فينة وأخرى، ويشتغل على الموضوعات التي تلامس سخونتها جماهير محبي شعره. وبطبيعة الحال ينتمي الكل لشعراء المقاومة سواء على المستوى العربي أم العالمي.
المكان بين التحقق والغياب
يبدو أن المكان يشكل هاجسا في التجربة الشعرية الفلسطينية، هذا المكان المتمثل في أسماء المدن والقرى والبلدات، وما يمثله المخيم، والسجن، الزقاق الشارع.. الخ، باعتباره ذا علاقة بالذات التي تنبني من خلال حميمية البيت الذي تكبر دوائره إلى الأماكن المختلفة، وفقدان البيت يؤدي إلى اختلال في الذات بشكل كارثي يعبر عن حجم المأساة، ولكن المكان في الشعرية العربية الفلسطينية لا يقتصر على فلسطين بل يمتد إلى دول وقارات العالم، وذلك ما يمثل تلك النزعة الإنسانية في الشعر الفلسطيني، فبالرغم من حدة الصراع بين الفلسطينيين وغاصبي أراضيهم، لا نجد نزعة شوفينية في شعرهم، بل نرى أن هناك نزعة إنسانية مفتوحة على الآفاق الرحبة لكل البشر، وتتفاعل الشعرية مع الأحداث والأماكن المختلفة كما تظهر في دواوين توفيق زياد فيكتب عن موسكو ويشير إلى بغداد، سيبيريا واوكرانيا وليننغراد، والسودان وأم درمان.. الخ.
وفي دراسة لنمر ابراهيم موسى يرصد فيها تكرارات ذكر الأمكنة في الشعر الفلسطيني فيقول: «توفيق زياد أورد ذكر البلدان الأجنبية 88 مرة والبلدان العربية 77 مرة، الخيمة والمنفى 5 مرات، فلسطين 47 القارات 6 مرات وهي من أقل المرات ذكرا في حال ورودها بين مجموعة مدروسة من الشعراء الفلسطينيين، مع العلم بأن القارات لم تذكر لدى كل الشعراء الفلسطينيين» ونحن نورد تلك الإحصائية لنشير إلى عدم اكتمال مشروع بعضهم الشعري إذ لا يزال بعضهم منتجا للشعر وبالتالي أن الاستقصاء يقف في حدود زمنية محددة، ولكنه ربما يكون أكثر صدقا بالنسبة لتوفيق زياد على اعتبار أنه قد أتم قوله الأخير بالموت(6).
كما يبدو السجن مكانا غير مستقصى في الدراسة، وكذلك الأماكن المتخيلة التي تقوم في الصورة الشعرية فيشير عز الدين المناصرة إلى «رغم أن المكان حيز له كيان شبه مكتمل من وجهة نظر سكانه، وله حدود فعلية وحدود مجازية متصورة إلا أن، الحدود يمكن أن تخترق. فالكيانية المجازية لا تتطابق بالضرورة مع الكيانية الفعلية. لأن المكان ـ الأمكنة تنتقل معنا وفينا خارج حدودها. المكان فضاء مغلق رغم انه مفتوح وهو فضاء مفتوح رغم أنه مغلق»(7).
ازدواجية السجن
توفيق زياد وسميح القاسم قد جربوا سجنا مزدوجا معنويا وماديا فعليا في الوطن، ففي الأولى كان السجن حالة من الغربة تنمو نتيجة للوضع المعادي، ذلك الوضع الاستيطاني الذي يريد اقتلاع الفلسطيني من الجذور، عبر محو تراثه وتدمير تاريخه وما يدل عليه، لذلك تدعي دولة الاحتلال بأن الأغاني التراثية الفلسطينية تنتمي لها، وبالتالي تدمير الحصيلة التراثية من ذاكرة جيل لهدم ثقافة المجتمع تمهيدا للقضاء النهائي عليه، وكذلك حاولت نسبة الأكلات الشعبية في المنطقة لتاريخها كما حدث مع الحمص وغيرها، مع أن الأمر يبدو مضحكا ولكنه في الحقيقة يشكل تهديدا للهوية، وبالتالي يعتبر أمرا غاية في الخطورة.
وقد عانوا سجنا حقيقيا فد دخلوه كل بتهم مختلفة تحت نير الاحتلال في الداخل كما تظهر في قصائدهم(راجع قصيد جوانتنامو لسميح القاسم) وإن كان العنوان يشير إلى السجن الأمريكي الأشهر في كوبا الشيوعية، وهي من المفارقات الطريفة في العالم(سجن رأسمالي في دولة شيوعية!)، إلا أن سميح القاسم يصدر من تجربته في سجون الاحتلال ويمكن تلمس ذلك من طبيعة البيئة والمعاناة، وقصيدة(من وراء القضبان لتوفيق زياد)(8) وقصيدة «سمر في السجن»(9) حيث وقع القصيدتان بتذييل يحمل اسم المكان(سجن الرملة).
مظاهر في القصيدة
وفي السجن تصادر حرية الإنسان، ويحاول السجان كسر إرادته ومحوها، فينهض مقاوما عبر استرجاع تراثه الذي يتجاوز حدود فلسطين العربية إلى بحرها العربي الكبير، وهو على يقين من أن دولة الكيان لا تستطيع أن تمحوه لوجوده خارج أفق سيطرتها الفعلية، مكتوبا وحاضرا باعتباره تراثا حيا في الثقافة العربية، فيستدعي السير الشعبية والأمثال والكلمات الدارجة التي تحفل بها ذاكرة الشعب مستعديا روح المقاومة.
«أتذكر.. إني أتذكر../ لما كنا في أحشاء الظلمة نسمر
وربابة «إبراهيم» تعمر/ تحكي.. عن «عبس».. عن «عنتر»../ عن عبلة.. عن سالفها الأسمر/ عن «جساس»../ و«أبو زيد»../ و«دياب»../ وعن التغريبة.. والأحباب الغياب../ وعن «البطلين..كأنهما جبلين»../ وعن السيف المصقول../ «أبي الحدين»/ وعن العشاق.. عن الحب الأخضر.»(10)
على الرغم مما يبدو من خارجية دخول سيرة عنترة بن شداد، وحرب البسوس، وتغريبة بني هلال وغيرها في شعر توفيق زياد إلا أن وظيفتها الفنية هنا ليس بناء القصيدة، وإنما الاحتفاظ بالهوية متماسكة بانتمائها لبحرها الثقافي الذي لا ينضب، ويمكننا الإشارة إلى ذلك الاشتغال المستمر على التراث الشعبي عنده فيصدر قصيدة(يا جمال) بـ «بعض مقاطع من القصائد التالية هي في الأصل أغان شعبية متناقلة جيلا عن جيل، في منطقة الجليل، وقد قمت بنقلها من العربية الدارجة إلى لغة «تموت الحمارة..»» إشارة إلى الفصحى(11).
ويمكننا ملاحظة بساطة التركيب اللغوي، واشتغال اللغة في مستوى يقترب من التداولي، وهو أمر يثير مسألة الموقف من الشعر الملتزم الذي يحاول بواقعية التواصل مع الجماهير إلى درجة فجة بعض الأحيان، فتجد الاشتغال على الصورة الفنية في داخل القصيدة لا يذهب بعيدا، فهي لا تنمو نموا عضويا عموديا في القصيدة، وإنما تتدرج أفقيا، ونجدها تنتهي في كثير من الأحيان عند نهاية الشطرة التي تتميز بالقصر العام، وتعتمد على تراكيب قليلة العدد في اللغة، وهي مسألة لا تحدد عمق وسطحية القصيدة، ولكنها تشير إلى فنيتها ومدى خروجها على المألوف، لذا يظهر الاعتماد على التشبيه، فلنسمعه في قصيدة(عن النبيذ واللهب) حيث يقول:
«أردت أن أراك/ اليوم يا شاغلتي ، أردت أن أراك/ فقطفت وردة كأنها عقيق/ وقفت عند منحنى الطريق/ وعندما طلعت كالصباح»(12)
وهو اتجاه معروف في شعر التفعيلة، وتميل قصائده على رواية حكاية ما، وتلك الحكاية تدل على اكتمال بنية القصيدة فنيا، وهي النقطة التي يحس عندها المتلقي بنهاية القصيدة واكتمال الحكاية في داخلها في ذات الوقت، وبالتالي نجد أن قصائده ترتكز على إبراز المضمون حتى وإن كان على حساب الشكل الفني فلنستمع اليه في قصيدة(حكاية تطول) حيث يقول:
«أحس أنها حكاية تطول/ ورحلة على جناح بلبل جميل/ التقط النجوم../ أشكها قلادة، لعنقك الصغير/ وفي المساء../ وحينما تنطفئ السماء../ وتحضن الوسادة البيضاء رأسك الغرير/ تنام في سلام../ قلادتي..تنام في سلام/ مع اليمام/ في صدرك المفتح الحرير/ أحس أنها حكاية تطول/ ورحلة على جناح بلبل جميل/ لا تسألي عرفت كيف ، لا تعقدي الأمور/ عيناك تحكيان تمليان ما أقول.»(13)
وإن تميز بتسخير الإيقاع الذي يغري أذن المتلقي المتعود على الإيقاع البارز في الشعر والمتناسب مع الاشتغال على الحفظ والترديد وبالتالي تحث المتلقي السماعي على الإنصات، على الرغم من تنوع القافية(اللام(5) مرات، والميم(4) مرات، وكل من الراء والهمزة تكررت مرتين)، ولذلك يتم تكرار الكلمات والمقاطع(حكاية تطول(3) مرات)، بينما ينتقل في الخاتمة إلى(تحكيان) وهو جناس ناقص مع(حكاية)، وكل من(السماء وتنام وسلام) تكررت مرتين في القصيدة، وفي ذلك تناغم شكلي، يساعد على التوصيل، وتبرز صفة التكرار لتبدو ذات علاقة بالقصيدة الكلاسيكية، ولعل ذلك مرده إلى تلك العلاقة بالخطابية التي تتوجه للجمهور كما سبق أن اشرنا.
بين السدم
وهنا نحاول التكلم عن ظاهرة عادة ما نراها، وتتمثل في لجوء شاعر العمود إلى تكرار قراءة البيت أثناء الإلقاء الخارجي للقصيدة، سواء أكان ذلك بعد التصفيق أو لإحداث الأثر المتوقع في المتلقي أثناء الإلقاء، ولكن تكرار المفردات والتراكيب داخل قصيدة التفعيلة تجعل الشاعر يهرب من الحاجة لتكرار المقول الخارجي في الإلقاء مادامت القصيدة تكرر داخلها ما يريد لتعطي الأثر المطلوب، وذلك ما نجده هنا في قصيدة لا تتجاوز ستة عشر شطرة، ولعلها من الناحية الفنية تسعى إلى ما بات يعرف بالتوتر «فالقصيدة الغنائية تعتمد على الاستعارة التي بدورها تتصف بالغموض مما ينشأ عنه «توتر» ينتظم أجزاء القصيدة بأكملها حتى يصبح هذا التوتر هو في النهاية، عمود التوازن في الكل المتكامل العضوي»(14).
الناي والشجرة
ويساعد ذلك التوجه الخطابي بروز تلك النبرة العالية للإلقاء، كما يفعل سميح القاسم بصوته العريض. وعلى الرغم من أن توفيق زياد لا يمتلك تلك القدرات الصوتية التي يمتلكها سميح القاسم، كما سمعت صوته بعد رحيله مسجلا على الانترنت، إلا انه يرتكز في كتابته على النبر والقافية والجناس الناقص.. الخ من البديع.
وفي ظاهرة ملفتة يمكننا الوقوف على تلك العلاقة بين الشعر المقاوم والغناء، فنجد أن المقاومة ذاتها عندما أنشأت فرقها الفنية التي تنتمي وتلتزم بقضايا شعبها، لم تجد أمامها إلا ذلك الشعر المقاوم لتغنيه، وهو أي الشعر المقاوم أعطى ذلك الشعر مساحة متفردة للانتشار، على الرغم من انه يصد ضمن بيئة معادية تماما، ويصعب وصوله بحكم آلة التوزيع العرجاء في الوطن العربي.
وبالنسبة لتوفيق زياد فقد لحنت وغنت بعض قصائده وانتشرت في أرجاء المعارضة العربية في عموم الوطن العربي كما اضن، وقد غنت قصائده أكثر من فرقة موسيقية، ولعل اشرها ما غناه مارسيل خليفة(أناديكم اشد على أياديكم) في لبنان، والتي غناها أيضا شيخ إمام في مصر، وغنتها فرقة فلسطينية أيضا، كما علمت أن الفنان جابر اليمني قد غني قصيدته(عمان في أيلول).
أمام الصخرة
رحل توفيق زياد فجأة، لكن ديوانه ظل علامة بارزة في الشعر المقاوم على المستويين العربي والعالمي، وعلى الرغم من أن أكثر من دفع ثمنا باهظا هم فلاحوا القرى الفلسطينية ومازالوا يفعلون، ونتيجة لكون أولئك الفلاحين يتحصلون على تعليم قليل نسبيا، ولعل ذلك هو الذي قلل من عدد الشعراء الذين ظهروا من القرى، كما نأخذ في الاعتبار أن دولة الاحتلال قد محت الكثير منها، ولم تعد إلا أطيافا في الذاكرة، ولعل معظم وأهم شعراء المقاومة هم الذين ظهروا من المدن الفلسطينية العريقة.
نشير إلى ظاهرة ابتدأت في شعر توفيق زياد، وكما يبدو عدد لا بأس به من القصائد القصيرة، التي نرى أنها قد مهدت الطريق نحو كتابة قصيدة اللمحة بشكل مبكر نسبيا على طريقة قصائد الهايكو اليابانية في الشعر العربي، وهو ذات الاتجاه على ما يبدو الذي صارت تسير عليه قصيدة النثر.
ولعل ظاهرة أخرى تكمن في التكرار الداخلي للمقاطع والكلمات التي يمكن حفظها بسهولة وتردادها بين الجمهور، والتي سبق أن اشرنا إليها في الدراسة، هو ما عولت عليه القصيدة المقاومة للوصول إلى القطاع الأوسع للجماهير، كما أن إدراك بنية الغناء العربي الذي يقوم على تكرار المقطع مرتين على الأقل في الغناء المنفرد، وحتى غناء الكورس، كما يبدو الأمر واضحا في البناء الفني للأغنية، وبالنظر إلى تكرار بعض المقاطع في التراث الغنائي الشعبي، وهو تكرار يشكل لازمة بنيوية للغناء العربي. ووروده في القصيدة المقاومة ربما ساعد على تحولها إلى أغان بدأت تنتشر علنا بعد أن كانت تتداول سرا، نتيجة منعها من قبل السلطات، وذلك ناتج عن سقوط أو تراخي طرق المراقبة القديمة، وانفتاح الفضاء واشتعال الانترنت، ولعلنا إذ تجاوز العالم محنته المالية نقبل على ثورة أخرى جدية في الاتصالات ربما تسمح للأدب بالانتشار الأوسع بين الناس.
أهم المراجع
1) إبراهيم نمر موسى: مقالة بعنوان «تجليات المكان في الشعر الفلسطيني»، عالم الفكر، المجلد 35، العدد 4، 2007م.
2) توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م.
3) سلمى خضراء الجيوسي، الشعر العربي المعاصر تطوره ومستقبله، عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973م.
4) غسان كنفاني:أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1984 ـ 1966، ط1 دار الآداب ، بيروت، سنة الطبع غير مذكورة.
5) عز الدين المناصرة: جمرة النص الشعري، ط1، دار الكرمل ، عمّان.
6) موقع موسوعة الويكبيديا، مادة(توفيق زياد).
7) ميجان الرويلي وآخرون: دليل الناقد الأدبي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، صفحة 209.
الهوامش
1 - غسان كنفاني:أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1984 ـ 1966، ط1 دار الآداب ، بيروت، سنة الطبع غير مذكورة، صفحة 27-28.
2 - سلمى خضراء الجيوسي، الشعر العربي المعاصر تطوره ومستقبله، عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973م. صفحة 36.
3 - توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م، صفحة(ع _ ص)
4 - موقع موسوعة الويكبيديا، مادة(توفيق زياد).
5 - توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م، صفحة(و).
6 - إبراهيم نمر موسى: مقالة بعنوان «تجليات المكان في الشعر الفلسطيني»، عالم الفكر، المجلد 35، العدد 4، 2007م، صفحة 66-67.
7 - عز الدين المناصرة: جمرة النص الشعري، ط1، دار الكرمل ، عمّان، 1995، صفحة 279.
8 - توفيق زياد: المجموعة الشعرية، مصدر سابق صفحة 102ـ112.
9 - المصدر السابق، صفحة 113- 120.
10 - المصدر السابق، صفحة 116-117.
11 - المصدر السابق ، صفحة 363
12 - المصدر السابق، صفحة 148.
13 - المصدر السابق، صفحة 113 -114.
14 - ميجان الرويلي وآخرون: دليل الناقد الأدبي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، صفحة 209.







النفَس القصصي في شعر توفيق زياد

بقلم فاروق مواسي


إذا صح القول إن شعر الشاعر هو " أناه " – خلاصةُ تجربته وأسلوبه فإن ذلك يتمثل أيضًا في أدب توفيق زياد، فهو لمن لا يعرفه محدّث بارع، يسرد في مواضيعه حكايات مثيرة مشوّقة. ومن خلال دوره القيادي للجماهير العربية في فلسطين (أعني تحديدًا العرب في إسرائيل) فقد انعكس اهتمامه الريادي بالقص، وذلك عبر جمعه صورًا من الأدب الشعبي الفلسطيني، وعبر مجموعته القصصية حال الدنيا، وعبر تفصيحه لبعض الأغاني والحكايات والمأثورات الشعبية، وكذلك عبر تضمينه حكاياتِ وأساطيرَ في نسيج قصائده، وأخيرا عبر القصيدة نفسها – حيث تبدّى هذا النفس القصصي في طريقة العرض ، وفي تطور الحُبكة ، وفي استخدام عناصر القص المختلفة، حتى أصبحت القصيدة/ القصة من ملامح كتابته الشعرية.
وقد أشار د.عز الدين المناصرة في مقدمة ديوان توفيق زياد (دار العودة ، بيروت - صفحة ب ب حـ حـ) إلى أن محاولة طمس الهوية الفلسطينية كانت سببًا من أسباب إدخال المنطوق في الأدب المكتوب ، فزياد الذي يؤمن بكفاح الجماهير يستخدم لغتهم ، وكتابته لهم تتسم بالبساطة العميقة… وهذا يعني أن الفولكلور برموزه وصدقه وصوره يتداخل في تضاعيف أدبه، كما يوظّف ذلك في أدائه السردي بصورة مباشرة أحيانًا كثيرة. فالشاعر يلجأ إلى تعابير المجتمع وثقافته ويضفي عليها نغمة وجدانية ، وقد يستدعي الذاكرة التاريخية ليستند إليها ابن مجتمعه، وليؤصل بذلك الموقف الإنساني الذي يدعو إليه… وهذا كله لا بد له من النفس القصصي.
إننا في تصفحنا لعناوين مجموعاته الشعرية ولنأخذ "أشد على أيديكم" مثلاً فسنجد مثل هذا العناوين: " حكاية تطول " ( ن.م ، ص 143)، فالعنوان هنا إخبار مسبق عن طبيعة النص أو لونه ، وكذلك "ذكريات " (ص 154) وماذا تكون هذه الذكريات سوى حكاية ما كان، وهناك "عن الرجال والخنادق" (ص 47) وتكفي "عن" للتدليل أن هناك ما سيُروى ، ومثلها "عن النبيذ واللهب" (ص 148).
ولو أخذنا القصيدة الأولى لوجدنا العناصر القصصية بارزة فيها ، ومثلها قصيدة " مقتل عواد الأمارة من كفر كنا " ( ص 244)، وهي في ثلاثة أصوات.. وصوت من بعيد ..وتهليلة جماعية. فكل صوت هنا يروي شيئًا عن معرفته بالقتيل الذي صرعته تقاليد الثأر:
ستةٌ… من بدء هذا العام
خلاهم رصاصُ الثأر صرعى….
وهذا " الصوت من بعيد " يقول:
ظاهر القصة - يحكي الناسُ
ثأرٌ وانتقام
باطن القصة – يحكي الناسُ –
شيءٌ آخرٌ يمتد من خيط الدمِ
الحابي على الإسفلت حتى قلعةٍ
غبراء في قلب المدينة ، حيثُ
توجد .. غرفةٌ من دون رقم.
(ص 254)
فتفاعل القص وما يحكيه أو يرويه الناس هو جزء من القصيدة/ القصة ، وينشئ مثل هذا التلاحم بين المجتمع وتعبير الفرد عنه.
وفي قصيدته" خائف يا قمر "(ص 187) نرى أن المطلع أنا خائفٌ يا قمر يشير أصلا إلى شيء من المفارقة ، فالقمر هو عادة مبعث الهدوء والعشق للحبيب ، فإذا به يضحي مصدرًا للخوف ولعشق حبيب آخر ، وهذا هو الأخ الذي تتربص به أيدي العدوان.
وفي كل فقرة من القصيدة يتكرر المطلع ، ويحمل معه مبررات أو مقَّدمات لما ستتمخض عنه الأحداث ، حيث أن الابن سيعود على شرشف أبيض تلّونه بقع من الدماء.
والنفس القصصي في القصيدة تمثل في الدراما التي تعبر عنها الأفعال سواء على مستوى ما كان: تناول… وناولني ، وودعني … وكان، وخلّف، وراح، أو على المستوى الحاضري: وترتجف، وتلمح، وتصرخ، ويقترب الجند، وأبكي، وتزحف، وتهوي. وهذه كلها فيها معاني الماضي أيضًا قبل أن تكون من معاني الديمومة واستمرارية البطش .
وفي قوله : ونبكي ونبكي ونبكي. ثلاث مرات درامية فعلية يتخيلها المتلقي ، وعلى إثرِ هذا التأكيد:
وتأمرنا دميةٌ نذلة
من جليد
بدون بكاء…. بدون بكاء !!.
وتتطور القصة في وصفها:
ويبتعد الجند…. في هيبة الفاتحين
ويخرق سمعيَ ذاك الصفيرُ الحزين
عن الأرض.. والشمس… واللاجئين
وعن أملٍ يُرجع الروح للميتين
(ص 196).
وحتى في هذا العرض القصصي كانت هناك استذكارات أو استرجاعات من قصص الآخرين، فالأم تستذكر حكاية ما جرى لجارتها التي:
مضى إبنها في الطريق البعيد
أعادوه في شرشف أبيضٍ
تلوّنه بقع من دماء
أعادته شرذمةٌ من جنود
دُمىً من جليد
وقالوا:
خذيه قتلناه عند الحدود
(ص 194)
إذن هي الحكاية نفسها ، والشرشف الأبيض نفسه … والجنود دمى الجليد … وهذا الاسترجاع هو أفق أخر من آفاق التوقع، وسيفضى لما تؤول إليه النتيجة، وهو يخدم بنية النص التي بدأت بتساؤل الأم وقلقها، وتحديقها في أوجه العابرين وهي تسائل هذا وذاك :
لقيته؟ شفته؟ يا للسماء
وترجع يائسة ترتمي
على عتْـبة البيت عاصفةً من بكاء.
وعنصر التكرار - مرة أخرى - ساهم في تصور حكاية ما كان:
وودعني وودعني وودعني….
ونحن نتخيل ذلك في التلقي، وقد تكون الثالثة في هبوط أو ضعف تحتاج معها إلى تمزيق كتابة اللغة أيضًا.
وفي مجموعة أنا من هذي المدينة ( مطبعة أبو رحمون ، عكا – 1994 ) نلاحظ أيضًا النفس القصصي وبشكل أقوى، ويتمثل ذلك حتى في إفصاح الشاعر:
كل ما سجلت جزء من حقيقه
وإذا أحوجنا الأمر سنأتي
بالتفاصيل الدقيقـه
(أنا من … ص 122)
ففي قصيدة :"عدنان وعدنان جديد" (أنا من… ص 39) يبدأ بذكر الحدث مع زمنه:
كانت النجمة في الأفقِ
وعدنانٌ على الأرض يموت.
قلبه ياقوتةٌ.. تفاحةٌ شهدُ
وجههُ حبةُ توت …
وبالطبع فإن التشبيهات البلاغية التي تواصلت في السرد. هي ارتفاع في النص إلى معانٍ تنقل المتـلقي إلى أجواء الإيحاء - في أثناء السرد. هي جزء من الشعر الذي يتسرب إلى الحكاية. وبعد وصف تتمازج فيه اللغة الشعرية واللغة المباشرة يقول:
مثلَ غمضِ العينِ
خرّ عدنانُ صريعًا
شتلة من حبقٍ أو فَرْعُ عُنّابٍ
تهاوى وانكسر
(أنا من … ص 42)
وللقصة في القصيدة خاتمةً :
أمه لم تبك
لكن همست في أذنهِ
شيئًا عن الحرية الحمرا
وعن أرض الجدود

ومضت تهتف كاللْبوةِ
في وجه الجنود
أن في رحميَ عدنانٌ جديد.
إذن هوالحل في توزيعه القصة الموباسانية.
وليس السرد قصرًا على الموقف الوطني فقط، فتوفيق زياد يحكي أيضًا عن الطفولة ، وعن مواقف إنسانية مختلفة، وتأتي قصيدة " موت صديقنا الصغير عمر " ذات أنفاس حكائية درامية، يوظف فيها الزمان والمكان ، وينقل لنا صورًا مختلفة، مستخدمًا التكرار والوصف الدقيق ، فيبدأ الشاعر قصيدته معتذرًا:
اقبلوا عذري إن لم أمشِ
في تشييع جثمان عمر
(أنا من … ص 61)
وننتبه في السرد الذي يتواصل في القصيدة إلى فعل كان" وتكراره:
عمرٌ كان صديقي
وصديقَ الأهل والجيران – كان
عمر كان صديق الحي كلِّ الحيِّ – كان
عمره …
حجمه ….
وجهه ….
وهنا نرى ارتقاء التشبيهات إلى صور وإيحاءات وهذه من شأنها أن تعوّض عن _ البقاء في دائرة الحكاية المباشرة:
ولنقرأ:
دائمُ البسمةِ كالتفاحةِ المغسولةِ الحمراءِ
في موسم حب ومطر
ماسةٌ لؤلؤةٌ …
إصبعًا من ذهب كان
وشمسًا
وقمر …
عاد الراوي الشاعر ومعه قطعة حلوى وكتاب وصور وأساطير. عاد من معرض إبراهيم في بيت الصداقة (والشاعر هنا يستخدم الأسماء عينها لإضفاء الواقعية) ، فعمر مات بفقر الدم والحمى، ويتأثر الشاعر حتى يصل به الحال إلى أن يزور قبره، وينادي أبطال الحكايات الصغار ..وأبطال الخرافات.. ومن يسكن في كتب الأطفال ليجلسوا جميعهم في دائرة حول قبر الصغير، فحضر علاء الدين والمصباح وأمير الشمس ، وست الحسن وفرس النهر و و و و (يذكر نحو أربعين اسمًا بتوزيعات ليس الغرض منها الإدلال بمعرفة قصص وأساطير ، وإنما هو في غمرة انفعاله واستذكاره لكل ما من شأنه أن يسعد الصغير )
جلسوا حول لقاءٍ ووداعٍ لعمر
ثم راحوا مثلما جاءوا
تلاشَوْا واختَفْوا
رجعوا للعشب والغيم وأقواس قزح …
وإلى أجنحة الطير وأغصان الشجر
وإلى وجه القمر
وأخذ يعدد لنا أماكن مختلفة كثيرة يستوحيها من عالم الطفولة الذي تماهى فيه إلى درجة قصوى .
وأختم هنا بعرض سريع لقصيدة " سرحان والماسورة : (ديوان توفيق زياد ، 380) ، وهي تروي حكاية سرحان العلي من عرب الصقر - الذي نسف ماسورة البترول في ثورة سنة 1936 ، والقصيدة منسوجة على نغم الحكايات الشعبية كما يقدم لذلك الشاعر.
يبدأ الشاعر القصيدة بتوصيفه للبطل :
يقظًا مثل حمار الوحش كان
وككلب الصيد ملفوفًا خفيف
وشجاعًا مثل موج البحر كان
ومخيفًا مثلما النمر مخيف
ونلمح بداية هذا الوصف الأسطوري ، ثم يأخذ بوصف المكان والزمان من خلال وصف الطبيعة التي جرت فيها هذه الأحداث:
كان يمشي نحو تل الحارثية
كانت الدنيا مطر
ويستخدم الشاعر المونولوج الداخلي في تساؤل البطل:
لم لا يُخلق للإنسان أحيانًا جناحْ؟
كما يستخدم فن الاسترجاع والحوار مع الآخرين:
عندما قالوا له: سرحان يا سرحان
هل تقدر أن تفعل شيئًا للوطن
هز كتفه "أنا"؟ يا ناس خلوني بعيدًا عن حكايات الوطن!
بدأ الصراع يتفاعل، وذلك بعد إذ عذبه العسكر…. وبعد أن عاش مطاردًا طيلة عام ونصف. ومع هذه المطاردة اكتست شخصيته بلبوس أسطوري كذلك ، بسبب صيته ، وبسبب الطريقة التي قتل بها …. وبصورة اختفائه….
فاسمه عاش على كل لسان
وحتى بعد أن نشر الخبر عن تفجير ماسورة البترول :
وجد البوليس بعد البحث رجلاً بشريه
وبقايا بندقيه

والبقيه
في غد نأتي إليكم …
بالبقيه …
إن التحول طرأ بعد صراع البطل مع نفسه ، وساقه ذلك إلى ضرورة الانتقام:
آه يا ماسورة البترول يا بنت الحرام انتظري …..
كلها بضع ثوان قبل أن تنفجري…
وفي المقطع الأخير يفصح زياد مقاطع من أغنية معروفة كانت في سياق آخر من أغاني الندب القروي ، ويضعها لتكون خاتمة النهاية المفتوحة للقصة / القضية يقول فيها:
شيعوا لبني عمومته
يجيئوا بالطبول وبالزمور
خبروهم أنه قد عاد من
غزواته صقرُ الصقور
وزعوا الحلوى وأكياس الملبس للكبيـر وللصغيـر
بالهنا كل الهنا يا هنيــــه
وانكوت عيني أنا يا صبيـــــه
إنها إذن قصيدة/قصة ذات مقدمة وحبكة وعقدة استخدم الشاعر فيها عناصر الزمان والمكان والصراع والحوار بأنواعه.
وليس بعيدًا أن تكون القصائد الوجدانية والموقفية الأخرى ذات أبعاد قصصية سواء في قفلتها أو في " نادرتها " (anecdote ) فقصيدة " أشد على أيديكم " مثلاً ( الديوان ، ص 123 ) فيها هذا التواصل الحكائي الذي تقدمه واو العطف ، وقس على ذلك الكثير !
وأخيرًا

ثمة من يرى أن الشعر يجب أن يرقى إلى مستويات عالية من الترميز والإيحاءات. ولكن أداء القصة في الشعر لا يمكن إلا أن يراوح في الشفافية بين الغموض والوضوح ، وذلك حتى يتم التواصل مع المتلقين ليعوا رسالة النص، ويشاركوا في " العدوى " على حد تعبير تولستوي، ولا بد مع تفاعل المتـلقي إلا أن يحدث تأثير واع أو غير واع في بنية هذا الملتقى الإيجابي. هنا دور الكلمة التي تلتزم بقضية عامة أو بفكرة خاصة أو بجمالية النص وفي النفس القصصي توصل لهذه العناصر الثلاثة بالضرورة…. فلماذا يقص الشاعر إن لم تؤرقه قضية ما ؟ ولماذا يبني النص مع السرد إن لم يرد فكرةً بعينها…؟ وهذان يتأتيان إذا قدمهما الشاعر في مبنى نحس أن فيه فنية أداء.
وإذا اختلف النقاد حول تقديم العنصر الأخير لدى الشاعر فلا شك أنهم سيلتقون أن زيادًا كان يحمل قضية شعب، وكان يؤدي فكرة يسوقها بأداء فيه صور شعرية كثيرة حتى ولو لم تكن مكثفة ، فهي أمينة في توصيلها مأمونة ي تميّزها



توفيق زيّاد شاعرُ المسحوقين

ريتا عودة- شاعرة وقاصة فلسطينيّة


" لا حاجة بكَ للموت على الصليب فقد وُلدتَ مصلوبا "
سيوران
أجيبيني ..

أنادي جرحَكِ المملوء ملحا, يا فلسطين ِ
أناديهِ وأصرُخُ
ذوِّبيني فيه ..صُبِّيني
أنا ابنكِ: خلَّفتني ها هنا المأساة,
عُنقا تحتَ سكيِّن
أعيشُ على حفيف الشوق..
في غابات زيتوني
وأكتبُ للصعاليك القصائد سكّرا مرّا,
وأكتب للمساكين
وأغمس ريشتي, في قلبِ قلبي,
في شراييني
وآكلُ حائطَ الفولاذ
أشربُ ريحَ تشرين
وأدمي وجهَ مغتصبي ..
2
بشعر ٍ كالسكاكين
وإن كَسَرَ الردى ظهري,
وضعتُ مكانه صُوَّانةً,
من صخر حطين ِ !!..
(السكر المرّ- رجوعيات)


هذا هو توفيق زياد,الشاعر الإنسان, الذي غمس ريشته في محبرة القضية ليسطِّر هموم شعبه, ليوقظ الوعي الجماعي, ليحثهم على دفن أوجاعهم والنهوض بهمم منتصبة.
من قلب الشعب نبت شاعر المقاومة , المناضل الملتزم توفيق زياد , يحمل أحمالهم ويحلم أحلامهم :

أحبّ لو استطعتُ بلحظة
أن أقلبَ الدنيا لكم : رأسا على عقبِ
...
وأجعل أفقر الفقراء يأكل في
صحون الماس والذهبِ
ويمشي في سراويل
الحرير الحرّ والقصبِ
وأهدم كوخه ...أبني له
قصرا على السُحُبِ
(أحبّ ولكن, ص99) 3

أخذ زيّاد يظهر بعد النكبة بقليل, لكنّه لم ينشر في عقد الخمسينات سوى عدد طفيف من القصائد. أمّا فورته الرياديّة فتأجلت حتّى سنة 1965 , إذ بدأت الكتابة الأدبية في الأرض المحتلة بالتبدل النوعي والكمي على السواء.
فصار زياد الرائد الأوّل والأكبر للشعر الفلسطيني بتحديث تقنياته وأساليبه تحديثا لا نكوص عنه ابتداء من أواخر الستينات, إذ أخذ الايقاع الثقافي ذو التوجه المقاوم يخرج من الطور القديم ( الخطابية الحماسيّة والعاطفيّة البدائيّة , اللتين هيمنتا على الشعر الفلسطيني إثرَ النكبة مباشرة) ويدخل في طور جديد كلّ الجدّة إلاّ وهو الغنائيّة الفجائعيّة ذات النزعة الرامية إلى تخريج الألم الشفيف والتفاؤل المعتدل في الوقت نفسه.
استطاع زياد أن يحيل الكارثة إلى أغنية هيفاء متفائلة, يستتب فيها حزن معتدل شفاف . وبذلك, أسهم في التمهيد للجيل الصاعد الذي بلغ أوجه مع محمود درويش الذي تأثر من منحاه العام دون أن يستعير منه ولو كلمة واحدة .
حين نضج جيل سميح القاسم ومحمود درويش وسالم جبران ونايف سليم وفواز عيد وراشد حسين إثر مناوشة حزيران, كان الشعر الفلسطيني قد دخل في طور الحداثة الفنيّة التي تأخر الشعراء الفلسطينيون عن البلوغ اليها بشكل لافت للانتباه. فقد تبلورت في أواسط الخمسينات ولا سيما في العراق ولبنان, ولكن حركة الشعر الفلسطيني لم تُنجز حداثتها الخاصة إلاّ بعد عشر سنوات أو أكثر بقليل.*
________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت. 4

ابتدأت المرحلة الجديدة في الشعر الفلسطيني إثر مناوشة حزيران, أمّا السنوات الأربع أو الخمس السابقة لتلك المناوشة فهي برهة الانتقال نحو الطور الجديد. *
يعتبر زيّاد من الرواد الأربعة الأوائل ( فواز عيد , محمود درويش, سميح القاسم ) الذين نقلوا الشعر الفلسطيني برمته من طور إلى طور آخر له هُوية جديدة لعلها تكون السبب الذي جعل شعر المقاومة الفلسطينيّة يحتلّ المكانة الأولى في العالم العربي كلّه. ولا ريب أنّ هذه النقلة النوعيّة قد تمّت تحت تأثير بعض الشعراء غير الفلسطينيين وبخاصة بدر شاكر السيّاب الذي أثرّ في شعر سميح وفواز عيد.*

________________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت.
5

من السمات البارزة للقصيدة الجديدة:
*اختفاء النزعة الحماسية التحريضية. هجر الصوت الخطابي, المتوتر المتشنج. هجر الأسلوب النثري واللغة المباشرة.
• الإعتماد على مبدأ الايحاء الرامز أو الإيماء التأشيري والتلويحي الذي هو مبدأ الحداثة العالمية برمتها.

انتقل شعر زياد من الطور القديم التقليدي, قصيدة عمودية مبنية على نهج تقليدي مباشر يميل اسلوبها الجهوري , التقريري, الى التحريض ووصف الوقائع التاريخية او الأحداث التي تجري في الواقع الى الطور الحداثي الذي يعبّر بالتلميح لا بالتصريح . وقد ابتدأ في أواسط عقد الستينات وتبلور الى حد كبير سنة 1967 التي تعتبر نهاية لمرحلة شعريّة قديمة وبداية لمرحلة جديدة واستمر هذا الطور حتى الزمن الراهن.*
استطاعت القصيدة الجديدة البلوغ الى وعي الانسان والانتشار في العالم العربي كله والأوساط الثقافية في الكثير من البلدان الأجنبية.


________________
• جريدة الأسبوع الأدبي, عدد885, دمشق.
6


الشاعر الملتزم

اتسمت بدايات زياد بالإلتزام بالمضمون التزاما كاملا, فاهتم بالمناسبات الثورية والأحداث المحلية والقومية والعالمية الكثيرة والشخصيات. لذلك, فهو شاعر حزبي ملتزم بالواقعية الاشتراكية.
وفرّ لنا الخامة الثورية الشعرية لكنه لم يُقدّم في بداياته, في الخمسينات, شعرا نقيا فقد جاء المضمون على حساب المستوى الفني/ المسحة الفنيّة الجمالية فقد نزل الى الجماهير ليكون رسولها:

وسوى الشعب الكادح
والناس البسطاء العاديين
وأيديهم –
لست أقدّسُ شيّا
(الكلمات)
**
يا شعبي يا عود الندّ
يا أغلى من روحي عندي
( يا شعبي)

والجماهير تحتاج الى الوضوح والحماس الايجابي.

7
التزم زياد التزاما خارجيا بالقافية التقليديةالتي تشبه التصويرالفوتوغرافي للواقع, فأعلن عن هُويته قبل أن يُقدِّم لنا شعرا ماركسيا حقيقيا.
التصق بالجماهير وتغنى معها في أرض الواقع دون أن يأخذ بيدها لتغييره.
لكنّه فضح الفقر , الجوع , الاضطهاد والاحتلال.
انبثق من الشعب فجاء شعره صادقا. حمل القصيدة في قلبه وكرّس كلماته للأرض والإنسان الفلسطيني مؤمنا أنَ الرفض والتمرد هما درب الحرية, وبذلك بثّ روح المقاومة ودعى للوحدة الوطنية بعيدا عن الانتماءات الطائفية وسياسة التفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف الطوائف والتوجهات الفكرية بهدف بثّ العداوة الدينية والسياسيّة. جعل من شعره مرآة صادقة لآمال الشعب وهمومه.
قدّم لنا الكثير في معركته ضدّ الرجعية المحلية والقومية والعالمية,
ويعتبر شعره من الصف الثاني من شعراء المقاومة في العالم. وزياد هو اكثر شعراء الأرض المحتلة صلابة من حيث النهاية المُشرقة لقصيدته.
جاءت لغته الشعرية لغة الغضب والثورة لا لغة الشكوى والأنين, فقليلا ما تجده يشكو وهذه من خصائصه التي أخذها عن مدرسة الواقعية الاشتراكية. يخلو شعره من النزعة الشوفينيّة. إنّه لا يكره اليهودي ولكنه يكره الصهيوني العسكري الذي شرّد أهله وحلّ محلهم. إنّه يكره البرجوازية سواء أكانت يهوديّة ام عربية ويكره السلطة العسكرية اليمينية. *
(في قصيدة ايخمان: يخاطب الشعب اليهودي وينبهه إلى خطر السلطة اليمينية )

_________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت.

8
نلاحظ في شعر زيّاد اربع مستويات*:
1. الوصف الخارجي للأحداث (قصيدة عثمان)
2. الغضب الخارجي ( قصيدة رجوعيات: بأسناني سأحمي كلّ شبر من ثرى وطني, بأسناني, ولن أرضى بديلا عنه, لو عُلِّقتُ من شريان شرياني)
3. الحنين والغضب الداخلي( قصيدة نيران المجوس)
4. الهمس( قصيدة حكاية تطول)

ليس لهذا التصنيف حدود واضحة, إذ يختلط أحيانا شعر الغضب الخارجي بالداخلي بالحلم بالحنين.



_________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت.

9
الوصف الخارجي للأحداث

شعر خطابي يعتمد على الوصف الخارجي والسرد الظاهري وتقع تحت هذا النموذج جميع قصائد مجموعته الماركسية.

إنني أذكر عثمان صديقي
مرّة في غرفتي في قلب موسكو
حول كأسين من الفودكا التقينا
وتحدثنا عن السودان وعن مصر..
وكوبا والجزائر
وعن السد الذي يروي الصداقة
وعن الثورة والفن وروّاد الفضاء
( من قصيدة عثمان)

هنا نلاحظ التقريرية المباشرة المبنية على السرد الظاهري للأحداث.
فجاء المضمون على حساب الصور الشعرية اللافتة , الايحاء , الرمز,
وهي عناصر تضمن المسحة الفنيّة الجمالية للقصيدة وتحثّ القارئ على التأمل .

تغنّى زياد بالأحداث الثورية العالمية:


10

مثخنة الجراح
كانت تقاتل السفاح
عزلاء إلاّ من ارادة
أمضى من السلاح
الكتل السوداء ..ذات الأذرع التي
أطلعتْ الصباح
كم عاملا هوى هنا
في دمه غريق
تشقّ صدره
فصائل القوزاق ..والرقيق
( من قصيدة: كراسنايا بريسنايا)

كراسنايا بريسنايا أو حي " النهر الأحمر" هو حي صناعي عريق في موسكو, وكان النبض الحي لموسكو في ثورة 1905 حيث التهبت فيه حرب المتاريس . في تلك الثورة والانتفاضات الشعبية الأخرى.

وغنّى للبروليتاريا كشعراء المقاومة في العالم يدعوهم للاتحاد لأن الهدف واحد وهو القضاء على الرجعية وتحقيق السلام العادل والحريّة:

إخوتي في الكفاح
...
الذي لصّ خبزكم لصّ خبزي
11
نحن الاثنان للطغاة ضحية
دربنا واحد فهاتوا الأيادي
يا رفاق المعارك الطبقية
نحو دنيا جديدة وسلام
وقضاء على القوى الرجعية
( من قصيدة: إلى عمال " آتا" المضربين)

**
وها هو يؤكد انتماءه لطبقة العمال ويعلن مرّة تلو المرة أن الهدف واحد وهو مقاومة المعتدين:
معكم أنا ..
يا اخوتي العمال في موسكو انا معكم ..
لدهر الداهرين.
...
معكم ..مع الشعب الذي صان السلام امام طيش المعتدين
وحمى ابتسامات الشعوب,
من الطغاة الطامعين
...
بيني وبينكم اواصر طبقة,
أبقى من الفولاذ ..والصخر المكين
( من قصيدة: الى عمال موسكو)

12
ولم يتخلى عن الأحداث الثورية القومية كثورة السودان وعدوان حزيران على أمته العربية, وهو يصف عمق الألم:

وعلينا كان , أن نشربه
حتّى الزجاجْ
كأسنا المرْ المحنى
ونحسَّ العارَ , حتّى العظم منّا


لكنه لا يغفل عن النهاية المشرقة حيث يدعو للنهوض من المأساة , كمن ينهض عن صليبه, ليولد من جديد :

فادفنوا موتاكم وانتصبوا
فغدٌ – لو طار-
لن يفلت منّا
نحن..ما ضعنا..ولكنْ
من..
جديدٍ
قد..
سُبكْنا
( من قصيدة: ادفنوا امواتكم وانهضوا, آذار 1968)

13


وها هو يدعو لنفض اليأس في قصيدة " كلمات عن العدوان" :

يا بلادي ! أمس لم نطفُ على حفنة ماءْ
ولذا لن نغرق الساعة في حفنة ماء

ويشتدّ عنفوان مواجهة غطرسة الاحتلال في صرخته:

أيّ أمّ أورثتكم, يا تُرى,
نصفَ القنال؟!..
أيّ أم ٍ أورثتكم ضفَّةَ الأردنِّ,
سيناءَ, وهاتيكَ الجبال؟


ويعود للتبشير بالخلاص المبني على حتمية التاريخ في قلب ميزان الظلم:

إنّ من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقّه يوما- إذا الميزان مال؟!..


وعن طريق نفي بعض الاتهامات عن الذات , يكيل الاتهامات ذاتها على الآخر ليفضح سياستهم , بأسلوب تقريري يخلو من اللمسات الجمالية, وكأنّ الوقت وقت مواجهة,حتى عن طريق الكلمات, لا وقت كتابة قصائد جميلة:

14
نحن لا نأكل لحم الآخرين
نحن لا نذبحُ أطفالا, ولا نصرع ناسا آمنين
نحن لا ننهب بيتا, أو جَنى حقل ٍ,
ولا نطفي عيون
نحن لا نسرق آثارا قديمة
نحن لا نعرف ما طعم الجريمة
نحن لا نحرق أسفارا, ولا نكسر أقلاما,
ولا نبتزَّ ضعفَ الآخرين
فارفعوا أيديكم عن شعبنا


ويختتم قصيدة "كلمات عن العدوان" ببث روح التفاؤل رغم أنف الوجع:

كبوةٌ هذي وكم
يحدث أن يكبو الهُمام
إنّها للخلف كانت .. خطوةً ..
من أجل عَشْر ٍ للأمام !!..



15

الغضب الخارجي



تميزه حرارته وصدقه ولكنّه يعتمد أيضا على الوصف الخارجي.
ها هو يعلن في قصيدة " بأسناني عن استعداده للدفاع عن الأرض التي لا بديل لها حتّى لو كان الثمن النزف مصلوبا:

بأسناني
سأحمي كلّ شبر من ثرى وطني,
بأسناني
ولن أرضى بديلا عنه
لو عُلّقتُ
من شريان شرياني

( من قصيدة: بأسناني, رجوعيات )

في هذا المقطع من قصيدة بأسناني:

أنا باقٍ
ولن تقوى عليّ
جميع صلباني
16

نلاحظ اللمسة الجمالية في القصيدة حيث لجأ زياد إلى الايحاء عن طريق توظيف الموروث الديني , صلب السيد المسيح , للاشارة الى مقاومة كل عمليات الاضطهاد المتمثلة بالصلب.


وها هو صوت المقاومة يتحدّى كل أنواع الاضطهاد بصوت تقريري
يؤرقه مضمون الرسالة أكثر من جمالياتها:

فاقتلوني – أتحدّى
واصلبوني – أتحدّى
وانهبوا كسرةَ خبزي- أتحدّى
واهدموا بيتي وخلّوه حطاما – أتحدّى
وكلوني واشربوني- أتحدّى
( من قصيدة: أتحدّى)

لكن لا تخلو القصيدة من لمسات جمالية كما في المقطع:

وأنا النهر الذي يجري ويجري
جارفا كلّ الطغاة

حيث شبّه الطغاة بالحصى في طريق النهر, ولا بد للنهر أن يتغلب على الحصى لأنّ هذي هي حتمية القُوى الطبيعيّة , كما أن حتمية التاريخ تقتضي بانتصار الحق على الظلم : " لا حقّ يموت" (من قصيدة: شئ عابر).
17
وها هو الغضب الخارجي يتفجر في قصيدة "فلتسمع الدنيا":



فلتسمع فلتسمع .. كلّ الدنيا
سنجوع ونعرى
قطعا نتقطّع
ونسفّ ترابك
يا أرضا تتوجع
ونموت.. ولكن
..
لن نركع
للقوة.. للفانتوم ..للمدفع
لن نخضع
لن يخضع منّا
حتّى
طفل يرضع


18


الحنين والغضب الداخلي


هنا يمتزج الحنين بالغضب دون تكلف , وهو أفضل نماذج شعر زياد . في قصيدة " أناديكم" يحدّث أهله في الشتات عن صموده الجبار:

أنا ما هنتُ في وطني
ولا صغّرْتُ أكتافي
وقفتُ بوجه ظُلاّمي
يتيمًا , عاريًا , حافي
حملتُ دمي على كفي
وما نكَّسْتُ أعلامي
وصُنتُ العشبَ فوقَ قبور أسلافي
(من قصيدة: أناديكم)


ويتضح الحنين والغضب الداخلي في قصيدة "نيران المجوس":

على مهلي
أشدّ الضوء خيطا ريّقا
من ظلمة الليلِ
وأرعى مشتل الأحلام
19
عند منابع السيلِ
وأمسح دمع أحبابي
بمنديل من الغل
ولكنّي.. كنيران المجوس أضيء
من مهدي إلى لحدي
ومن سلفي إلى نسلي

في هذه القصيدة يتجسد قلبه الكبير حيث يرتقي في نضاله وصموده الى مرتبة القديسين الثوار , فلا ييأس ولا يملّ, بل يشد من ظُلمة الحياة حوله خيط ضوء دقيقا ينسج منه حياة المستقبل في دأب النمل ومثابرته وهو مطمئن الى النهاية, لأنّه واثق بحتمية العدل التاريخي, فيخوض معركته بنَفَس طويل وجَلَد من دون أن يفقد صبره, ويُعينه على ذلك تسلحه بفهم القوانين الموضوعيّة التي تحدد و هي وليس أي شئ عابر, وجهة التطور التلقائي للتاريخ*:

على مهلي
لأنّي لستُ كالكبريت
أضيء لمرّة ..وأموت
...

_____________________
سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية", 49, شتاء 2002
20

لأنّ وظيفة التاريخ
أن يمشي كما نُملي

هنا يظهر العناد والتحدي المتفاني في حبّ الوطن.


21
الهمس

هذا نموذج للشعر الرومنتيكي الهامس. موسيقاه خافتة هادئة:

أحسُّ أنّها حكاية تطولْ
ورحلة على جناح بلبل جميل
التقط النجوم
أشكّلها قلادة لعنقكِ الصغير
وفي المساء
وحينما تنطفىء السماء
وتحضن الوسادة البيضاء رأسك الغرير
تنام في سلام , مع اليمام
في صدرك المفتَّح الحرير

( من قصيدة: حكاية تطول )


نلاحظ انتقاء المفردات العادية البسيطة التي تعكس طبقة الناس العاديين الذين يعلن دوما زياد انتماءه لهم. وهو يعلن عن عوزه الماديّ , فالقلادة التي سيهديها لحبيبته ليست من الجواهر إنمّا من النجوم, وهو يؤكد على أنّ أحلام عامّة الشعب تقع ضمن مساحات الخيال. أمّا هديتها الحقيقيّة فهي "قصيدة" يصوغها من "النجوم" , أي من عالم الخيال الخصب.
22

يختلط أحيانا شعر الغضب الخارجي بالغضب الداخلي بالحلم بالحنين , وهذا هو اتجاه قصائد توفيق الجديدة ويمكن أن نضع تحت هذا النموذج العام الأخير عند زياد , قصائده الممتازة مثل*:
أحبّ ولكن , ضرائب, رجوعيات, هنا باقون, على جذع زيتونة , نيران المجوس و كلمات صغيرة.
أمّا قصائده:
( هنا باقون, رجوعيات, نيران المجوس, على جذع زيتونة, السكر المرّ )
فهي من قصائده المتميزة شديدة القرب من الحداثة لكونها قد نجت من فخ التجريد والغموض والتكلف , كما في قصيدة: " على جذع زيتونة " ,
حيث يقول:

سأحفر كل ما تحكي لي الشمس
ويهمسه لي القمر
وما ترويه قُبّرةٌ
على البئر التي
عشاقها هجروا



_______________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت.

23

هنا صورة شعرية مميزّة , إذ أنّه أخذ جزء من كلّ(البئر) ليُسقط عليه مأساة النزوح. ويُسقط وجع النكبة على القُبرّة , فكأنّ الطيور تشعر بالمأساة وتحكي عنها أكثر من البشر, وفي ذات الوقت يلمّح إلى رحيل الحبّ مع الذين رحلوا . أما من لم يرحل , فبدأ بالحفاظ على ملامح هويته بحفرها / تثبيتها في ذاكرة المكان: زيتونة في ساحة الدار.


24

التراث الشعبي



يعتبر التراث الشعبي الفلسطيني من ملامح الهوية الفلسطينية التي اهتم شعراء المقاومة اهتماما مقصودا بابرازها, بصفته يمثل أصالة الشعب وموروثه ومعدنه الحقيقي. لم يكن اهتمامهم بهذا التراث في مجمله مجرد عمل فني جمالي يوسمون به شعرهم, وإن كان ذلك بعض غاياتهم, إنّما الغاية الأهم في عملهم كانت غاية وطنية غرفوا لأجلها من هذا التراث سلاحا قويا في معركة الحفاظ على الشخصية الفلسطينية فاستلوا كثيرا من عروق هذا التراث ونصوصه التي حبكوا بها قصائدهم باستعمالهم ألفاظا وتعبيرات شعبية كاملة, أكان في مضمونها أم في روحها وأوزانها*.
زد على ذلك, فان ايمان زياد بالجماهير جعله يستخدم لغتهم ,
لغة الشعب , بما فيها من بساطة عميقة ورموز كبيرة تحملها القصص والأمثال الشعبية. تبدو الروح الشعبية العامة في شعره بوضوح متمثلة في:
1. استخدام الأمثال
2. استخدام الألفاظ والأساليب الشعبية
3. استخدام الصورة والقصة الشعبية
4. استخدام أسلوب الأغاني الشعبية


___________________
* سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002
25


1.استخدام الأمثال


المثل: "أذُن من طين وأذُن من عجين"
توظيف المثل في القصيدة:

فارفعوا ايديكم عن شعبنا
لا تُطعموا النار حطب
كيف تحيون على ظهر سفينة
وتُعادون محيطا من لهَبْ
فارفعوا أيديكم عن شعبنا
أيا أيّها الصُمُّ الذين
ملأوا آذانهم قُطنا وطين
( من قصيدة: "كلمات عن العدوان")


الشاعر الذي أعلن انتماءه لعامة الشعب والناس البسطاء الطيبين, لا يتعالى عليهم بتعابير غامضة ومفردات مستعصية , إنما يغرف من قاموسهم اللغويّ , ليؤكد على انتمائه اليهم وعلى أنّه يكتب لهم فتأتي رموزه بسيطة عميقة, سهلة غير ممتنعة , تتكئ على أمثال شعبية مستعملة ومفهومة,كما في" ملأوا آذانهم قطنا وطين" التي تفيد في التمادي بالتظاهر بالصمم وعدم الاكتراث لصرخات الآخر الموجوع.

26

هدفه الأوحد فضح المآسي من خلال نغمة غاضبة, لا تتذمر ولا تئن, بل تبث روح التفاؤل مؤمنا بالمثل القائل: بدل أن تلعن الظلام, أشعل شعلة.



المثل: "واوي بلع منجل"
الرمز: الواوي الذي بلع المنجل, كيفما يتحرك يؤدي لجرح وتدمير نفسه من الداخل لأنّ المنجل يقضي عليه من الداخل مع كلّ حركة.
يمكن تشبيه الواوي بالمحتل/ المغتصب , والاحتلال بالمنجل الذي سيؤدي في النهاية لدماره .
توظيف المثل في القصيدة:
" عن جدّنا الأوّلْ,
قد جاءَ في الأمثالْ:
واوي..
بلعْ..
منجلْ !!
كل ما تجلبه الريحُ
ستذروه العواصفْ
والذي يغتصب الغيرَ



27
يعيشُ ..
العمرَ,
خائفْ ..!!"
( من قصيدة: "أمثال")


المثل: "يعمل من الحبَّة قُبَّة"
المعنى: يُضخّم الأمر.
توظيف المثل في القصيدة:
" لكي أذكُر
سأبقى قائما أحفر
جميع فصول مأساتي
وكلَّ مراحل النكبة
من الحبّة
إلى القُبَّة
على زيتونةٍ
في ساحةِ
الدارِ ..!! "
( من قصيدة: "على جذع زيتونة")

توظيف المثل في القصيدة: نلاحظ ابتكار توظيف آخر للمثل الأصلي, بمعنى :
سأحفر كل تفاصيل النكبة من الألف للياء على جذع زيتونة , كأنها وشم لهويتي الفلسطينية , لأنّها ذاكرة ليست للنسيان.
28

ومن الأمثال الأخرى :

المثل: "حفّار قبره بيده " الذي تمّ توظيفه في القصيدة في البيت التالي:
" كنتُ كالحفار قبري " .
وكذلك: " ملحة في عين اللي ما يصَلِّي على النبي " الذي تمّ توظيفه في القصيدة في البيت التالي:" هذي يد العمال للعمال ملحا في عيون الكارهين".
والأمثلة على توظيف الأمثال الشعبية كثيرة.



29
2.استخدام الألفاظ والأساليب الشعبية

الألفاظ الشعبيّة:
حين يغرف من قلب الناس مفرداته يصل قلبهم بعفوية ويؤثر فيهم كما في المفردات التالية:

*" أبوس "

أناديكم
أشدّ على أياديكم ..
أبوسْ الأرض تحت نعالكم
وأقول: أفديكم
(من قصيدة: "أشدّ على أياديكم" - رجوعيات)

أبوس- مفردة عاميّة تعني: أُقبِّل.
وهو إذ يستعمل اللغة العامية للشعب, يصل لشريحة أكبر من الناس بما فيهم الناس العاديين غير المثقفين , كأنّه يؤكد أن هدفه الأساسي من كتابة القصيدة هي مضمون القصيدة.


*" رمش "

أحبائي .. برمش العين,
30
أفرش دربَ عودتكم,
برمش العين
( من قصيدة: " جسر العودة " – رجوعيات)

رمش- مفردة عاميّة تعني: هُدب العين.


*" أم الجدائل "

أصَبْتني الذكرُ الأوائلْ
لهواك يا أمّ الجدائلْ
( من قصيدة: " أم الجدايل")


الجدائل – مفردة عامية تعني: الضفائر


*" محلولة الشَعْر" , " منعوفا "

وحقّ شَعْرَك .. يا محلولة الشعر ِ
كأنَّهُ الليل منعوفا على الفجر
( من قصيدة: "متى نلتقي" )

محلولة الشعر - مفردة عامية تعني: مُسدلة الشَعر
منعوفا - مفردة عامية تعني: منثورا

31
*" دَوالي"

والدوالي عرَّشتْ,
واخضرَّ منها ألف سلم
(من قصيدة: "قبل أن يجيئوا" - ست كلمات)

دَوالي- مفردة عاميّة تعني: كَرْمَة العنب



• " تفرش ُ"

تنأى, وتفرشُ لي الوعودَ
فديتُها ظبيا مماطل
( من قصيدة: " أم الجدائل")

تفرشُ – مفردة عامية تعني: تبسطُ , تنثرُ الوعود.



• " فوتي"

مررتُ صبحا أحيي شجرة التوت
فلم أجد من يقول اليوم لي: فوتي
ولم أجد ثم الا طائرا يبكي
فجمد الوجد اقدامي على الشوك
( من قصيدة: " تهليلة ")
32

فوتي – مفردة عامية تعني: أُدخُلي .


• " شُباكي"

ماذا تقولُ الريحُ
يا شُبَّاكيَ المفتوحْ
عن وطني الذي
تركته مفتَّحَ الجروح؟
(من قصيدة: شبّاكي وأنا")

شُبّاك: مفردة عاميّة تعني: نافذة .





• " ظُلاّمي "

وقفتُ بوجهِ ظُلاَّمي
يتيما, عاريًا , حافي
( من قصيدة: " أناديكم" )


ظُلاَّم: مفردة عاميّة تعني: ظالمون

33
• " فِرَاش "
ونساؤهم ..دُمى للفِراش(من قصيدة: ضرائب)
فِراش: مفردة عاميّة تعني: سرير

هذا , وهنالك الكثير من الأمثلة على استخدام الألفاظ الشعبية.


34
الأساليب الشعبيّة:

• أسلوب القَسَم : " وحقّ السماء "
نلاحظ استعمال أسلوب القسم مع ابتكار مفردات جديدة مثلا:

- "وحقّ شَعْرَك"ِ
وحقّ شَعْرَك .. يا محلولة الشعر ِ
كأنَّهُ الليل منعوفا على الفجر
( من قصيدة: "متى نلتقي" )


- "وحقّ الضوء"

لا وحقّ الضوء
من هذا التراب الحرّ لن نفقد ذرّة !!..


* أسلوب الاستعطاف والاعتراف: " لكن هَبيني مُذنبا "

تنأى, وتفرشُ لي الوعودَ
فديتُها ظبيا مماطل
عندي لها شوقٌ يشبُّ
وعندها شوقٌ مماثل


35
لكن هَبيني مُذنبا
فالصفحُ يُحمدُ في الشمائل
أولستُ مثل بقية العشاق ِ
مجنونا .. وعاقل؟؟..
( من قصيدة: " أم الجدائل")

• أسلوب الدعاء: "إنْشِلْهُ يا ربّ من كلّ ضِيقْ.."
(خائف يا قمر)
• أسلوب الحكاية والصدى: " صاحَ في أعماقه, عوّاد يا عوّاد إنَّ الأفقَ ماطر.."
• أسلوب الحَكَايا الشعبية: " فلتشربوا البحرا "
إنّا هنا باقون
فلتشربوا البحرا...
نحرسُ ظلّ التين ِ والزيتون
(من قصيدة: " هنا باقون")



36


3. استخدام الصورة والقصة الشعبية



• خذ مثلا تلك الصورة المأخوذة من تغريبة بني هلال:

تحكي عن عبس عن عنتر
عن عبلة عن سالفها الأسمر
عن جسَّاسْ
وأبو زيد ودياب
وعن التغريبة والأحباب الغياب
وعن البطلين كأنّهما جبلين
وعن السيف المصقول أبي الحدّين
وعن العشاق عن الحبّ الأخضر


• وكذلك صورة المنديل المخرّق وهي صورة ريفية.
• وصف الفتاة بأنّها " نعنعة البلدة " .


وقصيدة: " سرحان والماسورة " نسجها على نغم الحكايات الشعبية الشعرية, وفيها يخلع زياد على سرحان العلي بطل الحكاية , بردة البطولة, بعد أن تخلى عن دور المتقاعس الذي لا يبالي بغير شؤون
37
حياته الخاصة فأصبح من أبطال الثورة الشعبية.وأبرز في بطله عنصر الرجل الخام من خلال الواقعيّة الشعبيّة التي جسدها على لسانه وألسنة مخاطبيه.في الحلقة الرابعة والأخيرة من القصة الشعرية, حيث ترثي البطل أمّه, تُحيل الأم هذا الموقف على عرس شعبي , حيث يُفرغ زيّاد على لسان الأم صناديق من بضاعة التراث الشعبي.




38
5.استخدام أسلوب الأغاني الشعبية


في قصيدة : " أنا وشُباكي " يكرر:
ماذا تقول الريح يا شباكيّ المفتوح
وهذا التكرار يُشبه تكرار اللازمة في الأغنية.

وفي قصيدة: " خائف يا قمر" يكرر الشاعر الممقطع:

أنا خائف يا قمر
من الليل..منك ..ومن ضوئك المنكسر..

تكرارا مُوَفقا, فيصبح ضوء القمر الذي طالما جلب مشاعر الهدوء والطمأنينة الى النفوس مثارا للخوف والقلق. فيحمل هذا المقطع روح الماساة , ويُضفي على القصيدة جوا من التوقّع الرهيب, لا يلبث أن يتحقق بعودة أخيه الكبير مضرجا بدمائه, ويلقيه الجنود في وجه امه ملفوفا في شرشف ابيض تلونه بقع من دمائه:
خذوه..قتلناه ..عند الحدود
بدون بكاء ..بدون بكاء
ويوفر الشاعر الكثير من الروح الدرامية وعناصرها المؤثرة في هذه القصيدة كما في قصيدة: " سرحان والماسورة".


39
نلاحظ توظيف اسلوب التكرار المشابه لتكرار اللازمة في الأغنية
في اكثر من قصيدة لزياد, منها: "ماياكوفسكي" , "أهون ألف مرّة" , وهنالك تكرار لبعض العبارات كما في: "فلتسمع الدنيا" وغيرها مما يفيد التأكيد , ويبني الموسيقى الداخلية للقصيدة.


القصيدتان : " أغنية زفاف " و " تهليلة " , هما في الأساس أغنيتان شعبيتان. الأولى أشهر من أن تُعرف, يقتبس من أغنية الزفاف الشعبيّة مطلعها وبعض الأبيات مثلا:

بالهنا كل الهنا يا هنيَّة
زوِّجوا الفارس أحلى صبيّة

أو:
حالف سيفي انا لا أعيره


ويتلاعب ببقية الأبيات حسب مزاجه الشعري, فمثلا:
(شيّعوا لولاد عموا يجولوا) أصبحت:

شيعوا يأتي شباب القبيلة
فوق خيل ضامرات أصيلة

40
أما القصيدة الثانية فهي إحدى تهاليل المرأة الفلسطينية لأطفالها:

يا حادي العيس لو يوما تلاقيهم
خبرهمو انني ما زلت أبكيهم
وقل لهم ان عين العشق ما نامت
راحت ليالي الهنا .. يا ليتها دامت
( مقطع من قصيدة:" تهليلة" )

وهذه قصيدة من أغنية شعبيّة:

إنزلي يا مطرة
إنزلي ع الشجرة
يبس الزرع ومات الضرع
والأعين جفّت
فانزلي يا مطرة
واطلعي يا قمرة
اطلعي ع الشجرة
من جناحيّ قُبّرة





41
من خصائص قصائد زياد:


1.النهايات المشرقة
2.الموروث الديني
3.توظيف المكان
4.توظيف الزمان



42

1. النهايات المُشْرقة


لعل توفيق زياد هو اكثر شعراء الأرض المحتلة صلابة من حيث النهاية المشرقة لقصيدته *, فقليلا ما نجده يشكو , باستثناء قصيدته " ضرائب" المليئة بالاضطهاد ومع هذا فنهايتها مشرقة وان كانت مصطنعة:

( ويمتلئ الأفق بالأغنيات..وترتاح أفئدة الأمهات....)

ولو قرأت جميع قصائد زياد لوجدتها تنتهي بنهاية سعيدة . لعلها من خصائصه التي أخذها عن مدرسة الواقعية الاشتراكية.
هذه بعض نهايات قصائده:

- يدنا ثابتة ..ثابتة
ويد الظالم,
مهما ثبتت
مرتجفةْ !!
( مقطع من قصيدة: "مليون شمس في دمي" )



_________________
*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان توفيق زياد, دار العودة, بيروت.

43

- وطني ..!! – مهما نسوا –
مرَّ عليه
ألف فاتحْ
ثم ذابوا ..
مثلما
الثلج
يذوبْ ..!!
( من قصيدة : " ثلج على المناطق المحتلة" )



- إلعبوا بالنار ما شئتمْ
فلا ..
حق..
يموتْ ..!!
( من قصيدة: " شئ عابر" )



بعض النهايات الأخرى:

- سواعدكم تحقق أجمل الأحلام تصنع أعجب العجبِ.
- سيعود .. رغم النار والأغلال خفّاق البنود

44
- إنّا باقون على العهد
- لن تقذف السلاحْ .. لكنّها تبدّل الخنادق!!!
- في قلبي الأخضر بالآمال
- تحيا تركيا ناظم ...تسقط تركيا عدنان
- وبما سفكتم من دم الشعب البرئ ستؤخذون
- وتبيد المستعمرين وتبني .. فوق أجداثهم طريقا للغد
- احفظوه واحفظوا خضرته
- إنّها للخلف كانت خطوة ... من أجل عشر للأمام



45

2. الموروث الديني


توظيف الموروث الديني يُثري الصورة الشعرية ويدفع المتلقي أن يتمهل ليتأمل.
تتكرر صورة الصلب بشكل ملحوظ في قصائد زياد :

وهو يتنقل من الصَلْب الجماعي:

على الصلبان منسية
بلادي زهرة الدنيا, وعود الندّ
عروس في زمان السلم مسبية
( من قصيدة: " مساكين " )

أو:

علّقونا أمّة كاملة فوق الصليب
علّقونا فوقه
حتّى ..
نتوب
( من قصيدة: " أمّة فوق الصليب ")


46

إلى الصَلْب الذاتي:

أنا باقٍ,
ولن تقوى عليّ
جميعُ صلباني
( من قصيدة: " بأسناني" )



أو الفَرْدي:

لعله ذات يوم يهتف النهرُ:
تنفَّس ..أهلُكَ الغُيَّابُ
يا مصلوبُ, قد عبروا !!..
( من قصيدة: " المصلوب" - رجوعيات )





إلى صلب التجربة الكتابية:

يا من سفكتم لي دمي
وأخذتم ضوء عيني, وصلبتم قلمي
واغتصبتم حقّ شعب آمن لم يُجرمِ
( من قصيدة: " كلمات عن العدوان " )

47
يستدعي زيّاد صورة السيد المسيح المصلوب أحيانا للتشديد على العذاب, والتأكيد أن الخلاص آتٍ , وأحيانا أخرى للاشارة إلى رفض ذُلّ الصَلبْ من خلال المقاومة .



أمّا في قصيدة: " جسر العودة " ,
فكأن الشاعر يصلب ذاته فوق جسر العودة, محتملا كل أنواع العذاب, مستدعيا بذلك صورة مُرَكبّة للسيد المسيح :

أحبائي ..برمش العين
أفرش درب عودتكم
برمش العين
وأحضن جرحكم
وألمّ شوك الدرب
بالكفين
ومن لحمي

ليمهد عودة الأهل من الشتات .




48
في قصيدة: " الكلمات " فهنالك عبارة:
( غير الخبز اليومي
أنا لا أملك شيّا)

وفي قصيدة: " الذي أملك " يوّظف ذات العبارة في سياق آخر:
( أنا لا أملك حتّى خبز يومي
وأنا بالكاد أشبعْ )



تعتبر عبارة " الخبز اليومي" تناص مع الصلاة الربانيّة التي علّمها السيد المسيح لتلاميذه: (خبزنا كفافنا أعطنا اليوم).
في الصلاة الربانية تفيد العبارة الاكتفاء بالحاجيات الأساسية والرضى, أما في قصيدة زيّاد فهي تشير إلى الطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها الشاعر, إلا وهي طبقة الكادحين , الذين لا يملكون أحيانا أكثر من خبز يومهم, وكثيرا ما لا يمتلكونه. لكن , في القصيدة كما في الصلاة
الربانية , هنالك شعور بالرضى والاكتفاء , فلا نلمس أي شعور بالتذمر أو الحقد الطبقي عندما يصرّح في أيّ من قصائده عن امتلاك القليل.

في قصيدة " هنا باقون " وردتْ العبارة:
(إنّا هنا باقون ... نزرع الأفكارَ, كالخمير في العجين).

49
لهذه العبارة اسقاط على الموروث الديني في العبارة التالية: ( " يُشبه ملكوت السماوات خميرةَ أخذتها امرأة ٌ وخبأتها في ثلاثةِ أكيال دقيق حتّى اختمرَ الجميع " – متّى : 13:33) , مع توظيف العبارة بذات المضمون الذي يدلّ على التغيير الايجابي / النهوض بعد فترة زمنيّة .

وفي قصيدة: " أهون ألف مرّة " :


أهون ألف مرّة
أن تُدخلوا الفيل بثقب إبرة
.... من أن تُميتوا باضطهادكم وميض فكرة
وتحرفونا عن طريقنا الذي اخترناه
قيد شعرة


هنالك إسقاط على العبارة:

(" إنّ مرورَ جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنيّ إلى ملكوت
الله " متّى19:24)

من الموروث الدينيّ مع توظيف العبارة في مضمون مختلف.


50
لكن, يمكن الافتراض أن زيّاد وظفّ هذه العبارات من الاستخدام اليومي لها من قِبَل عامة الشعب , لأنّها عبارات مألوفة , أما توظيف صورة الصلب فلأنها تتكرر كموتيف في أغلب قصائده, فانها تكتسب
أهمية خاصة, ويمكن نسبها إلى الطابع الديني لمدينة الناصرة حيث نشأ زيّاد , إذ تعتبر الناصرة , مدينة السيد يسوع المسيح الناصريّ, الذي تحمّل آلالام الصلب ليأتي بالخلاص للإنسان , ولعل كون الذين صلبوا السيد المسيح وصلبوا الشعب الفلسطيني هم ذاتهم, دفع زيّاد لتوظيف هذا الرمز بشكل ملحوظ.

51

3.توظيف المكان


شكَّلتْ الثقافة الفلسطينية في الداخل وسيلة هامة لحماية الهوية الوطنية من عوامل التشويه أو الاندثار. فالهوية الوطنية لفلسطيني الداخل هي المنقذ من الاغتراب في بلاد هم أصحابها.*
شكلت المدن الفلسطينية قبل النكبة مركز القيادة السياسية الفكرية والثقافية . جرفت مأساة النكبة سنة 1948أجيالا من المثقفين والشعراء خارج الوطن الأم .
هذا الواقع أحدثَ خلخلة كبيرة في جوهر المجتمع الفلسطيني الباقي حيث بقي ريفيا في غالبيته الساحقة وأُخضِعَ لحصار سياسي اجتماعي وثقافي, فبدأت المعاناة من مرحلة شتات داخلي استمرت بضعة أعوام. يقول الشاعر توفيق زياد في ذلك*:

وسرب النسور هذا
الذي حملته العاصفة,
خلّفَ وراءه فراخا طريي العود,
بالكاد يستطيع الواحد منها أن يُمسك حفنة ريح تحت جناحيه


_________________
*" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل, أنطوان شلحت.

52
هكذا كانت الحاجة ماسة للتأكيد على الهوية الوطنية ووقايتها من خلال الشعر الثوري. فكانت وظيفة الشعراء الوطنيين مرتبطة ارتباطا كليا بنشاط العمل الوطني الذي يمكن اعتباره بداية تململ الشخصية الفلسطينية ويقظتها من مرحلة الشتات الداخلي التي فُرضت عليها. ويأتي الشاعر توفيق زياد على رأس هؤلاء الذين يمثلون جيل الرواد هناك , وهو الأكثر نشاطا , والأسبق الى نظم الشعر في تلك الفترة .*
نظم زياد قصيدتي: " عبدان" و " مصر" سنة 1951 , وفيهما نلمس محاولته في تفتح الذات العربية تحت نير الاحتلال على الآفاق القومية والأممية لتشهد نماذج من تمرد الشعوب الشرقية المستغلة على ظالميها من الحكام والمستعمرين الأجانب وبعض الحكام والأنظمة العربية صنيعة الاستعمار.*
في القصيدة الأولى نضال شعب ايران ضد حكم الشاه, حين أممّ شعب ايران نفطه:

أيظل خير الشعب ملك عدوه
وقف عليه الزيت والآبار..؟؟
لا!! هكذا هتفت حناجر أمّة
فأجابها التاريخ: لا ..لا..عار.

_______________
* سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002

53
ليكن لهذا الشعب خير بلاده
وليسحق الشاه والاستعمار
فتقحّمي لجج الصراع بساعد
العزم ينفث فيه والاصرار
وتقحّمي فالحق يؤخذ عنوةً
والنصر يعصر خمرة الثوّار
( مقطع من قصيدة: " عبدان")



وفي الثانية سجلّ للشعب العربي في مصر حركته الوطنية قبيل ثورته في تموز / يوليو 1952 , وكأنّه يحس الثورة دبيبا تهزّ الأرض تحت وقع خطاها:


نهبوا خيراتك ما رحموا
وبعصر دمائك كم نعموا
جيب المستعمر متخمة
وبجسمه يلتف الدسم
والباشا اقصره امتلأت
والبيك يحف به الحشم


54
والتاج تزينه دررٌ
من كدح زنودك تنتظم
واليوم .. لتقطع أيديهم !!
وليسحق .. هامتهم ..قدم!!
( مقطع من قصيدة: " مصر 1951")


يمكننا أيضا , في هذه المرحلة المبكرة, أن نتلمس في شعر زياد بعض نوبات الشعر المقاوم من خلال روح المعارضة والاحتجاج التي تمثلها قصيدته " ضرائب " وفيها يجسّد بروح تهكميّة لاذعة ظلم الاحتلال وتعسفه في صوت فني أقرب الى الخفوت والهمس مبررا المفارقة الظالمة ومجسدا أبعادها من خلال صورة أطفال اليهود الأغنياء , وصورة أطفال العرب الفقراء , ومن خلال المقابلة بين صور نساء أولئك المترفين, وصور نساء هؤلاء الفقراء المعوزين في صور مملوءة بالتفكير والتعبيرات الشعبية التي تثيرها بدلالات خصبة مُوحية:


ضرائب من كلّ لونٍ وجنسِ
تلصُّ من الجيبِ آخر فلس
وتترك أطفالنا جائعين
يهيمون بين المزابل.. يلتقطون


55
نفايات ما يأكل المترفون
وأطفالهم: كالعرائس شُمْس
....ينمون داخل أقفاصهم كالدجاج
ولكن أقفاصهم من دجاج
وتبرٍ , وعاج
ونسوتنا البائسات عرايا
يلاقين من عيشهن البلايا
عجائز جسما.. وسنّا صبايا
وأخبارهن "حكايا بكايا"
ونِسْوتُهم كاسياتُ الدِّمقْس
دُمىً للفِراش,
ولين المعاش
( من قصيدة: " ضرائب" )

في منتصف الخمسينات تنضم أصوات الشعراء الرواد لتجسد صوت شخصية شعبهم الجماعية المستيقظة, أرادت به حماية ذاتها والدفاع عن وجودها وعن هويتها القومية.يأتي صوت زياد عاليا ومدوّيا في مجموعة قصائد منها ما هو قومي يعرض فيه بعض جوانب الاستعمار الغربي للمنطقة, ومنها ما هو وطني خاص في سبيل الحفاظ على الهويّة الفلسطينية,
وابراز ملامحها أمام سياسة الصهيونية العنصرية التي بقيت تنحت في لحم البقية الباقية من الفلسطينين في أرض أجدادهم محكومة بشعار: " المزيد من

56
الأراضي والأقل من العرب", فتمثلت باغتيال سلطات الاحتلال للكثير من الشبان العرب, وظاهرة نسف القرى العربية ومصادرة الأراضي الخاصة بالعرب , ممّا زاد من يقظة الشخصية الفلسطينية وعمّق وعيها على
الوطن. * وقد أكدت حركة الأرض على الهوية العربية الفلسطينية لعرب 48.

في قصيدة: "كفر قاسم" , فضح زيّاد المذبحة التي رافقت العدوان الثلاثي على السويس سنة 1956, فابرز صراخ المفجوع الذي لا يريد أن يُصدّق وقوع هذه المجزرة الفاجعة, وحشد كل عناصر المأساة ورسم في المقطع الثاني منها زمان المجزرة ومكانها وبعض مظاهر إعداد الجنود المسرح"كأن بهم لوثة من جنون".*
ثمّ استقدم الى نصّه الضحايا الى الفخ المنصوب الذي يترصدهم حتى الموت, وحاول أن يتحدث عن المأساة, فعرض صور العمال العائدين بعد كدح النهار مُثقلين بالكثير من الهموم الشخصية, ويحملون في صفو البسطاء وطيبتهم القليل من الطعام للصغار, ويشغلهم بعض التفكير في أماني المستقبل الباسم.
وقبل أن يفيقوا من هول مفاجأة رشقات الرصاص التي أحالت " الضياء, بأعينهم ,ظلمة, وفناء ..., ليحصد أجسامهم كالسنابل" كان الموت قد مدّ ذراعه ليقصف خمسين روحا منهم.*
_______________
* سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002
57

يبدو أنّ اشتعال المشاعر والتهابها لم يُتيحا للشاعر أن يُخمّر التجربة الفنيّة في وجدانه, على الرغم من اخلاصه الذاتي للموقف والتعبير عنه, فتبين كأنّه مهموم أكثر ما يكون باعلان الجريمة وبالدعوة الى التكاثف والتوحد وتعميق الاحساس بالمسؤولية االجماعية لدى الشعراء والناس.*
بقيت المعركة من أجل فلسطين والبقاء على أرضها أبرز معارك الشعراء, إذ أنّهم تحملوا مع شعبهم أصناف الإضطهاد , الحصار والعذاب اليومي تحت ظل الحكم العسكري. يُقدّم زيّاد نماذج شعريّة يبدو فيها الداعية القوي والمُنظِّر الحكيم لصمود الشعب وإصراره ومقاومته. *
ويتم بناء "الذاكرة الوطنية" من خلال تعيين الأمكنة من قُرى / مدن/ وديان/ مساجد/ أديرة وغيرها:*


كأنّنا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
هنا ..على صدوركم, باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج, كالصبّار
وفي عيونكم, زوبعة من نار

_______________
* سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002
**" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل, أنطوان شلحت.
58
لا يمكن لأحد أن يشك بمصداقية القصيدة, لأنّ فعل البقاء قائم وحاضر. في الداخل عرب ما يزالون أحياء, يتمسكون بالتراب ويقاومون الغزاة المحتلين, يتحدونهم ويصرون على أنّهم فلسطينيون.*
يتضاعف موقف التحدي والاصرار على البقاء الى التظاهرات والى احتمال السجن . فبقاء الشاعر إنما هو وجود فاعل لشعب يخطط للبقاء والحياة في وطنه بوعي كامل وإصرار لا يلين لأنّه يعرف انّ الأرض أرضه ليس له على سواها أي ماض أو مستقبل**.

إنّا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظلّ التين والزيتون
ونزرع الأفكارَ, كالخمير في العجين
هنا.. لنا ماض, وحاضر..ومستقبل..
يا جذرنا الحيّ تشبث
واضربي في القاع يا أصول




_______________________
*" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل, أنطوان شلحت.
** سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002


59
هذا المقطع هو اصرار وتأكيد من الشاعر على وجود شعبه الفاعل في أرضه وتحت حكم الغاصب مثلما في قصيدتين أخريين: " أهون ألف مرّة"
و " نيران المجوس" .*
لعل أصدق أحاسيسه البروليتارية وثورته ضد النازية الصهيونية هي قصيدته "هنا باقون" المليئة:

بالكدح :
هنا على صدركم باقون كالجدار
ننظف الصحون في الحانات
ونملأ الكؤوس للسادات
ونمسح البلاط في المطابخ السوداء

والرفض:
نجوع نعرى نتحدى ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات

والتشبث:
إنّا هنا باقون
فلتشربوا البحرا

_______________
* سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية ",49, شتاء 2002
60
والالتحام:
يا جذرنا الحيّ تشبث
واضربي في القاع يا أصولْ


في قصيدة: " أهون ألف مرّة " يجسّد استحالة قُدرة الحكام على أن يحرفوا شعبه عن طريقه النضالية, أو أن يُميتوا فيه وميض فكرة, ويجعل
ذلك سابع مستحيلات أسطورية يُصنفها من خلال الحكايات الشعبية, ويستعير لها جبروت الروح الشعبيّة وقوّة احتمالها:

أهونْ ألف مرّة!
أن تُطفئوا الشمسَ, وأن..
تحبسوا الرياحْ
أنْ تشربوا البحر, وأن ..
تُنطقوا التمساح
أهونْ ألف مرّة..
من أن تُميتوا, باضطهادكم,
وميض فكره
وتحرفونا, عن طريقنا الذي اخترناه
قيد شعره!!
( مقطع من قصيدة: " أهون ألف مرّة " )

61
وهو لذلك يعمل في هدوء وعلى مهل يضع برودة الجليد في أعصابه, وإن كان قلبه متقدا. إنّه يريد أن يظلّ عمله مضيئا ومشعا لا أن يُفرقع فجأة كالكبريت وينتهي:


على مهلي
لأني لست كالكبريتْ
أضيء لمرّةٍ ..وأموت
ولكني..
كنيران المجوس: أضيء..
من
مهدي
إلى
لحدي!
ومن...
سلفي
إلى..
نسلي!
طويل كالمدى نَفَي
وأتقن حرفة النمل
على مهلي!
62

لأنّه يؤمن بحتمية الناريخ, أن الخلاص لا بدّ آت , لكنه كما الخمير في العجين, يحتاج وقتا:


لأنّ وظيفة التاريخ..
أن يمشي كما نُملي!!
( مقطع من قصيدة: " نيران المجوس " )


يتصاعد الوعي الجماعي بالهوية الأصلية للشخصية الفلسطينية, ويُضحي لزاما على الشعراء داخل اسوار الاحتلال أن يمدوا انظارهم نحو خارج هذه الأسوار بحثا عن النصف الثاني للبرتقالة الفلسطينيّة التي شقّها سكين الاحتلال. لعلّ زياد اجتاز خطوة أبعد من على جسر العودة لملاقاة النصف الثاني من الأهل واستكمال ملامح الهوية الناقصة, ففي " جسر العودة – رجوعيات " يبني جسر عودته للأحبة ويصلب نفسه على الطرف الآخر وينتظر عبور أهله الغياب ليلتئم نصف البرتقالة, فيعود نبض الحياة من جديد.
وهكذا نرى أنّ ادراك أهمية المكان يعادل التأكيد على الوجود , أما الوعي التاريخي(البحث , الذاكرة) فيزوّد المجتمعات الحديثة بالدلالة الوجودية الكيانية فيسهم في بلورة الهوية القومية- أو تفكيكها وتغييرها.*

_________________
*" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل, أنطوان شلحت.
63

4.توظيف الزمان


قال زيّاد: " شعرنا الثوري هو امتداد لشعر السلف الثوري لأنّ معركتنا امتداد لمعركتهم: ذات الخندق( المحبة للأرض والشعب), ذات العدو( الاستعمار) ذات الهدف( التحرر الوطني والاجتماعي) , ذات السلاح:
( الكلمة الجريئة), مع اختلاف الظرف التاريخي*.

يشكل الماضي بالنسبة للفلسطيني مركز لرفض الحاضر ومتكأ للكشف عن مفهوم المستقبل, على صعيد الرؤيا, الحلم. يرفض الفلسطيني التماشي مع الحاضر فهو ليس بحاضر مرغوب بمقدار ما هو ( حاضرٌ حتّى اشعار آخر)- مقطوع عن الماضي , متجه نحو المستقبل.*
في حالة حداثة الأدب الفلسطيني نلاحظ عنصر بناء الذاكرة الوطنية وعنصر بناء المكان عبر السيرة الذاتية أو تصعيدها لمستوى الأثر الأدبي عادة. بهذين العنصريين يبني المبدع الفلسطيني ذاكرة وطنية حكائية تجمع شتات الشعب الفلسطيني في أرجاء المعمورة كافة, فيعطي ذاته حقّ تأطير هويته من خلال أحلام الفلسطيني وهواجسه ومفهومه لمستقبله.*




_________
*" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل, أنطوان شلحت.

64

خاتمة

يأتي زيّاد على رأس شعراء المقاومة في فلسطين الذين طبقت شهرتهم آفاق الإنسانيّة بما جسدوه من الإلتزام الواعي بقيمة الكلمة وفنيتها في معركة النضال في وطنهم, وبادراك مسؤوليتها من دون أي استخفاف أو استهانة تشوب قدسيّة دورها أو تهزّ أثر فعلها في تشجيع الأمل والحثّ على المقاومة والتشوّق إلى تحقيق الآمال الوطنية.
بهذا الإلتزام القائم على الوعي العميق والمسؤول تجاه القضية الفلسطينيّة , تكونت لدى زيّاد ولأعوام كثيرة رؤية ثورية صافية وثابتة لأبعاد رسالته , وهو الذي قال في قصيدة " الذي أملك ":



أنا انسان بسيط
لم أضع يوما على كتفيّ مدفع
...أنا لا أملك إلا
...ريشة ترسم أحلامي,
وقنينة حبر
أنا لا أملك حتّى خبز يومي
وأنا بالكاد أشبعْ



65
إنما أملك إيماني الذي
لا يتزعزع
وهوى..
يكتسح الكونَ
لشعبٍ
يتوجَّعْ


____________________




66
مصادر الدراسة:

*" الآداب " اللبنانيّة , الملف الخاص بالأدب العربي في اسرائيل,
أنطوان شلحت.

*توفيق زياد" شاعر الشعب والقضيّة", عز الدين المناصرة,ديوان
توفيق زياد, دار العودة, بيروت.

*جريدة الأسبوع الأدبي, عدد885, دمشق.

* ديوان توفيق زيّاد, دار العودة, بيروت.

*سيمون نصار" مجلة الدراسات الفلسطينية", 49, شتاء 2002




باقة من أشعاره

أُحِبّ .. ولكن

أُحِبّ لو استطعت بلحظةٍ

أن أقلب الدنيا لكم : رأساً على عَقِبِ

وأقطع دابر الطغيانِ

أحرق كل مغتصبِ

وأوقد تحت عالمنا القديمِ

جهنماً ، مشبوبة اللّهبِ

وأجعل أفقر الفقراء يأكل في

صحون الماس والذهبِ

ويمشي في سراويل

الحرير الحرّ والقصبِ

وأهدم كوخه .. أبني له

قصراً على السُحُبِ

أحبّ لو استطعت بلحظةٍ

أن أقلب الدنيا لكم رأساً على عقبِ

ولكن للأمور طبيعة

أقوى من الرغبات والغضب

نفاذ الصبرِ يأكلكم فهل

أدى إلى إرَبِ ؟؟

صموداً أيها الناس الذين أحبهم

صبراً على النُوَبِ !!

ضعوا بين العيون الشمس

والفولاذ في العَصبِ

سواعدكم تحقق أجمل الأحلام

تصنع أعجب العَجَبِ




أناديكم




أناديكم

أشد على أياديكم..

أبوس الأرض تحت نعالكم

وأقول: أفديكم

وأهديكم ضيا عيني

ودفء القلب أعطيكم

فمأساتي التي أحيا

نصيبي من مآسيكم.

أناديكم

أشد على أياديكم..

أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي

وقفت بوجه ظلامي

يتيما، عاريا، حافي

حملت دمي على كفي

وما نكست أعلامي

وصنت العشب الأخضر فوق قبور أسلافي

أناديكم... أشد على أياديكم!!

::::::::::::


تعالوا


تعالوا أيها الشعراء

نزرع فوق كل فم

بنفسجةً .. وقيثاره

تعالوا أيها العمال

نجعل هذه الدنيا العجوز

تعود نوّاره

تعالوا أيها الأطفال

نحلم بالغد الآتي

وكيف نصيدُ أقماره

تعالوا كلكم .. فالظلم ينهي

بعد دهرٍ طال

مشواره

وأنتم قد ورثتم

كل هذا الكون

روعتُهُ ،

وثروتُهُ ،

وأٍسرارَه !!


:::::::::::

انزلي يامطرة

إنزلي يا مطره

إنزلي عَ الشجره

يبس الزرّعُ ومات الضّرعُ

والأعين جفّت ،فانزلي يا مطره

واطلعي يا قمره

اطلعي عَ الشجره

من جناحَي قُبّره

زمن مرّ وصاب

وليالينا ثقيلة

كبُرَ الهمّ وأضنانا العذاب

وعطاشى نحن والدّرب طويله

فمُنا جفّ به حتى اللعاب

لكن الحلم الذي في القلبِ

يبقى كالشهاب

والأمانيُّ .. عذابُ .. سكّره

وطريق الفقراء الثائرين

وقلوب الشرفاء البَرَرِه

هي مَنجانا الأخير

فاطلعي يا قمره

وانزلي يا مطره

إنزلي ...

يا ...

مطره ..

:::::::::::::

اتحدى


لا دمي تشربه الأرضُ

ولا روحي تهدا

فأقتلوني - أتحدّى

واصلبوني - أتحدّى

وانهبوا كسرة خبزي - أتحدّى

واهدموا بيتي وخلّوه حطاما - أتحدّى

وكلوني واشربوني - أتحدّى

وطني أنت المفدّى

والأماني التي تقطر شَهدا

وطني الحرقة والوجد الذي

يأكل عمري

والهوى والضوء في عيني

والشوق الذي يملأ صدري

هذه الأرض بلادي

وسماها ولعي

حاضري .. مستقبلي .. مهدي ولحدي

ودمي .. لحمي .. فُؤادي .. أضلعي

وهي أمي وأبي وهي

أبنائي وجدّي

وتراثي .. وأغانيّ .. وأعلامي ومجدي

بيتي العالي وعنوان التحدّي

وأنا الناس الحزانى

وأنا الشعب المعذّب

وأنا العاصفة الهوجاء

في وجه المظالم

وأنا النهر الذي يجري ويجري

جارفاً كلّ الطغاة

وأنا بركان عشقٍ للوطن

وأنا الخضرة والشمسُ

وقطرات الندى

فاقتلوني - أتحدى

واصلبوني - أتحدى

لا دمي تشربه الأرضُ

ولا روحي تهدا .


::::::::::::


السكّر المرّ


أجيبيني !!

أنادي جرحك المملوء ملحاً يا فلسطيني !

أناديه وأصرخُ :

ذوِّبيني فيه .. صبّيني

أنا ابنك ! خلّفتني ها هنا المأساةُ ،

عنقاً تحت سكين .

أعيش على حفيف الشوقِ ..

في غابات زيتوني .

وأكتب للصعاليك القصائد سكّراً مُرّاً ،

وأكتب للمساكين .

وأغمس ريشتي ، في قلب قلبي ،

في شراييني .

وآكل حائط الفولاذ ..

أشرب ريح تشرين .

وأدمي وجه مغتصبي

بشعرٍ كالسكاكين .

وإن كسر الردى ظهري ،

وضعت مكانه صوّانة ،

من صخر حطين .. !!

فلسطينيةٌ شبّابتي ،

عبأتها ،

أنفاسي الخضرا .

وموّالي ،

عمود الخيمة السوداءِ ،

في الصحرا .

وضجة دبكتي ،

شوق التراب لأهله ،

في الضفة الأخرى .

:::::::::::::

فلتسمع كل الدنيا


فلتسمع كل الدنيا ... فلتسمع

سنجوع .. ونعرى

قطعا .. نتقطع

ونسفّ ترابك

يا ارضا تتوجع

ونموت .. ولكن

لن يسقط من أيدينا

علم الأحرار المشرع

لكن .. لن نركع

للقوة .. للفانتوم ... للمدفع

لن نخضع

لن يخضع منا

حتى طفل يرضع

بأسناني

بأسناني ،

سأحمي كلّ شبرٍ من ثرى وطني

بأسناني .

ولن أرضى بديلاً عنه

لوعُلّقت

من شريان شرياني .

أنا باقٍ

أسير محبتي .. لسياج داري ،

للندى .. للزنبق الحاني .

أنا باقٍ

ولن تقوى عليّ

جميع صُلباني

أنا باقٍ

لآخذكم .. وآخذكم .. وآخذكم

بأحضاني

بأسناني

سأحمي كلّ شبرٍ من ثرى وطني

بــــــأســـــنـــــانــــــي

::::::::::::::

جسر العوده ..

أحبائي !!

برمش العين

أفرش درب عودتكم ،

برمش العين .

وأحضن جرحكم ،

وألُمّ شوك الدّرب ،

بالجفنين .

وبالكفين ، سأبني جسر عودتكم ،

على الشطّين

أطحن صخرة الصّوان ،

بالكفين .

ومن لحمي ..


::::::::::::

المصلوب

أحبائي !

أنا بالورد والحلوى

وكل الحبّ أنتظرُ

أنا ، والأرض ، والقمر

وعين الماء ، والزيتون ، والزهر

وبيّاراتنا العطشى ،

وسكّتنا ،

وكرمُ دوالْ

وألف قصيدة خضراءُ

منها يوزرق الحجر

أنا بالورد والحلوى

وكل الحبّ أنتظرُ

وأرقب هبة الريح التي

تأتي من الشرقِ

لعلّ على جناح جناحها

::::::::::::::


هنا باقون

كأننا عشرون مستحيل

في اللد , والرملة , والجليل

هنا .. على صدوركم , باقون كالجدار

وفي حلوقكم

كقطعة الزجاج , كالصبار

وفي عيونكم

زوبعة من نار

هنا .. على صدوركم , باقون كالجدار

نجوع .. نعرى .. نتحدى

ننشد الأشعار

ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات

ونملأ السجون كبرياء

ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل

كأننا عشرون مستحيل

في اللد , والرملة , والجليل

إنا هنا باقون

فلتشربوا البحرا

نحرس ظل التين والزيتون

ونزرع الأفكار , كالخمير في العجين

برودة الجليد في أعصابنا

وفي قلوبنا جهنم حمرا

إذا عطشنا نعصر الصخرا

ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل

وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل

هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل

كأننا عشرون مستحيل

في اللد , والرملة , والجليل

يا جذرنا الحي تشبث

واضربي في القاع يا أصول

أفضل أن يراجع المضطهد الحساب

من قبل أن ينفتل الدولاب

لكل فعل رد فعل:- ... إقرأوا

ما جاء في الكتاب

:::::::::::::


المُغَنّي


وأعطي نصف عمري ، للذي

يجعل طفلاً باكياً

يضحك

وأعطي نصفه الثاني ، لأحمي

زهرة خضراءَ

أن تهلك

وأمشي ألف عام خلف أغنية

وأقطع ألف وادٍ

شائك المسلك

وأركب كل بحرٍ هائج ،

حتى ألم العطرَ

عند شواطئ الليلك

أنا بشريّة في حجم إنسانٍ

فهل أرتاحُ

والدم الذكي يسفك !!

أغني للحياة

فللحياة وهبت كل قصائدي

وقصائدي ،

هي كلّ ..

ما أملك !

:::::::::::::


نيران المجوس



على مهلي!!

على مهلي!!

أشد الضوء.. خيطا ريقا،

من ظلمة الليل

وأرعى مشتل الأحلام،

عند منابع السيل

وأمسح دمع أحبابي

بمنديل من الفل

وأغرس أنضر الواحات

وسط حرائق الرمل

وأبني للصعاليك الحياة..

من الشذا

والخير،

والعدل

وإن يوما عثرت، على الطريق،

يقيلني أصلي

على مهلي

لأني لست كالكبريت

أضيء لمرة.. وأموت

ولكني ..

كنيران المجوس: أضيء..

من

مهدي

إلى

لحدي!

ومن...

سلفي

إلى ..

نسلي!

طويل كالمدى نفسي

وأتقن حرفة النمل.

على مهلي!

لأن وظيفة التاريخ...

أن يمشي كما نملي!!

طغاة الأرض حضرنا نهايتهم

سنجزيهم بما أبقوا

نطيل حبالهم، لا كي نطيل حياتهم

لكن..

لتكفيهم

لينشنقوا..!!


:::::::::::::



أشد من المحال


يا أخوتي ! هذا التراب ترابنا

رغم الليالي

أرويته بدمي ودمعي

طول أيامي الخوالي

ورضعت من ثدي الجبال الشمّ،

والقمم العوالي

عزمي وأقدامي،

وصبري للشدائد، واحتمالي

زيتهُ . . من ماء قلبي

زيتهُ . . ذزب اللآلي

ومن الأماني المسكراتِ

عبير زهر البرتقال

يا أخوتي ! الأرض تهتفْ

بالنساء وبالرجال

هيا نلبي . . إننا

شعب أشد من المحال !!


مرج بن عامر

1ـ العُصارة

وعرفتَني لما أتيتكَ

بعد غيبتيَ الطويلة ،

مستفيض الشوق زائر

أبكي بلا دمع

وأسحب خطوتي

في خطو مفجوع وقابر

ونظرت نحوي ..

هذه النظراتُ

في قلبي .. خناجر

علقت أنفاسي عليها

ـ غير مختارٍ ـ

وعلقت الخواطر

وهممت أن تنهض

فشدّك ألف قيدٍ

محكم الحلقات قاهر

وفقدتَ صوتكَ

إذ هممت تصيح بي

وفقدتُ صوتي

وأنا الذي عوّدتُ صوتي

أن يطوف ..

على المنابر

لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

إني شربت ..

عصارة المأساة ،

يا مرج بن عامر !!

2ـ محرّمات

أرضي ..! ترابي ..!

كنـزيَ المنهوبُ ..! تاريخي ..

عظام أبي وجدّي

حرمت عليَّ ، فكيف أغفر ؟؟

لو أقاموا لي المشانقَ ..

لست غافر

هذي قرانا السُّمرُ

أضحت كلُّها دِمَناً

وآثاراً عواثر

آحادُها بقيت ،

وما زالت

تحارب بالأظافر

شدَّت على أعناقها أنيابـهم

تمتصُّ من دمها

كواثر

لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

حتى المقابر بُعثرت ..

حتى المقابر ..

3ـ قطعن النصراويات

(من أغنية شعبية قديمة)

النصراويّات الجآذرُ

كم قطعن مداكَ

في خطو الأكابر !

زمرٌ على الطرقاتِ

فيهنّ الحبالى والبنات البكرُ

كالزهر المسافر

والمرضعاتُ ..

صغارهن على الظهور ،

على الخواصر

يَنقُلْنَ أكوام الغلالِ ،

من الحقول ..

إلى البيادر

يسهرنَ حول النّار ،

ينشدن الأغاني

دون آخِر

عن حرب تركيّا ،

وأسراب الفرارييّنِ ،

عن ظلم العساكر

وعن الخواتم ، والأساورِ ،

كيف بيعت

لاقتناء سلاح ثائر

لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

إن كان لصُّ الأرضِ وحشاً كاسراً ،

فالعزم

فينا

ألفُ

كاسِر

4ـ الظاهرة والعمق

لا تحكِ لي ! لا تحكِ لي

أنا قادمٌ

من حيث تُغتال الضمائر

وتذوب في الأغلالِ

أيدٍ حُرّةٌ

ويوسوس الفولاذُ

في أقدام صابر

أنا قادمٌ

من حيث كل فمٍ

عليه حارسٌ

والمخبِرون على الستائر

حيث استوى في الحُكمِ

شرطيٌّ

وقديسٌ

وتاجر

حيث الجريمة فرَّخت

في كلّ مأمورٍ

وآمر

حيث العيون السُّودُ

تثقبُ بالرصاصِ

وبالخناجر

حيث الرجال بلا طعامٍ

والنساءُ بلا رجالٍ

والجمالُ بدون شاعر

حيث الحدود خنادق

والبحر زيت كله

والأفق بالفولاذ عامر

وحديقة الأطفال

صارت مصنعاً للكُرهِ

وانغمّت البصائر

حيث الصّدى والظلّ

ينكر أصلهُ

ويسوط خالقه مغامر

أنا قادم

من حيث

تلتهب الضمائر

حيث المآسي تصنع الأبطال

والشكوى

علامة كل خائر

حيث الشوارع زاحفات بالرجالِ

مواكباً

من دون آخر

حيث البحيرات التي

أمواجها أعلام شعبٍ

لن يهاجر

وحناجر الأطفال

والعمال

والشعراء

تملأ

أفقَ عالمنا

بشائر

*

*

لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

أأنا الذي نيّبت

تخدعني المظاهر .. ؟!

الضؤ والمأساة

قالا لي: لعنتَ ، إنفذ

إلى عمق الظواهر

لا شئ يبقى نفسه

والدّهر

دولاب ودائر

ولكل ليل آخرٌ ،

مهما بدا ..

من دون آخر ..

5 ـ شوق العواصِف

يا جذر جذري !! انني سأعود حتماّ

فانتظرني . انتظرني في شقوق الصخر ،

والأشواك ، في نوارة الزيتون ، في

لون الفراش ، وفي الصدى والظل ،

في طين الشتاء وفي غبار الصيف ،

في خطو الغزال، وفي قوادم كل طائر..

شوق العواصف في خطاي ،

وفي شراييني ..

نداء الأرض .. قاهر

أنا راجع فاحفظنَ لي

صوتي .. ورائحتي .. وشكلي

يا أزاهر

إحفظن لي

صوتي .. ورائحتي .. وشكلي ،

يا أ .. ز .. ا .. ه .. ر !!


::::::::::::


أرفعوا أيديكم

فارفعوا أيديكم عن شعبنا

لا تطعموا النار حطب

كيف تحيون على ظهر سفينه

وتعادون محيطاًمن لهب .. ؟؟

فارفعوا أيديكم عن شعبنا

يا أيها الصم الذين

ملأوا آذانهم قطناً وطين

إننا للمرة الألف نقول :

نحن لا نأكل لحم الآخرين

نحن لا نذبح أطفالاً ولا

نصرع ناساً آمنين

نحن لا ننهب بيتاً

أو جنى حقلٍ

ولا نطفي عيون

نحن لا نسرق آثاراً قديمه

نحن لا نعرف ما طعم الجريمه

نحن لا نحرق أسفاراً

ولا نكسر أقلاماً

ولا نبتز ضعف الآخرين

فارفعوا أيديكم عن شعبنا

يا أيُها الصّم اللذين

ملأوا آذانهم قطناً وطين

إننا للمرة الألف نقول :

لا وحقّ الضوء ..

من هذا التراب الحُرِّ

لن نفقد ذرّه !!

إننا لن ننحني ..

للنار والفولاذ يوماً ..

قيد شعرَه !!


::::::::::::::


ياشعبي

يا شعبي يا عود الند

يا اغلى من روحي عندي

إنا باقون على العهد

إنا باقون

لن نرضى عذاب الزنزانة

وقيود الظلم وقضبانه

ونقاص الجوع وحرمانه

الا لنفك وثاق القمر المصلوب

ونعيد إليك الحق الحق المسلوب

ونطول الغد من ليل الأطماع

حتى لا تشرى لا تشرى وتباع

حتى لا يبقى الزورق دون شراع

يا شعبي يا عود الند

يا اغلى من روحي عندي

إنا باقون على العهد

إنا باقون

::::::::::::::::


الكلمات

غير الخبز اليومي

وقلب امرأتي

وحليب الأطفال ــ

أنا لا أملك شياّ

وسوى الشعر

وايقاد النار

وتشخيص الآتي

أنا لا أملك شياّ

وسوى أرض بلادي

وسماء بلادي

وزهور بلادي

أنا لا أعبد شياّ

وسوى الشعب الكادح

والناس البسطاء العاديين

وأيديهم ــ

لست أقدس شياّ

لو عشت شقياً

سأموت سعيداً

لو قدرت كلماتي

أن تفرح بعض الناس

لو أمكن أن يقرأها

في المستقبل

طفلٌ

في كراس

::::::::::::::::


أمة فوق الصليب

علّقونا أمةً كاملةً فوق الصليب

علّقونا فوقه -

حتى ..

نتوب

هذه النكسة ليست

آخر الدنيا ..

ولا نحن عبيد

فأمسحوا أدمعكم

وادفنوا القتلى

وقوموا من جديد

أيها الناس الحزانى

أنتم الدنيا

وأنتم منبع الخير الوحيد

أنتم التاريخ

والمستقبل الباسمُ

في هذا الوجود

فتعالوا

نشبك الأيدي يالأيدي

ونمشي في اللهيب

فغدُ الأحرار إن طال

وإن طال –

قريب

:::::::::::::::


شهيدة

هذه الطفلة ، في جبهتها

خمسُ رصاصاتٍ

وشمسٌ

وشهادة

عينها قبَّرةٌ حمرا

وخدّاها عباده

سقطت زنبقةً من ذهبٍ

في شارع الحرية الطالعِ

من قلب المدينه

شارع الحريّة الطالعِ

من قلب الزقاقاتِ ،

ومن قلب المتاريس الحصينة

سقطت تهتف للنّصر

كياناً .. وسيادة

فهي في القلب هتافٌ

وعلى العنق قلادة

وهي عنوان كتابِ

وهي ..

تاريخ ..

ولادة

:::::::::::::::


اتحدى

لا دمي تشربه الأرضُ

ولا روحي تهدا

فأقتلوني - أتحدّى

واصلبوني - أتحدّى

وانهبوا كسرة خبزي - أتحدّى

واهدموا بيتي وخلّوه حطاما - أتحدّى

وكلوني واشربوني - أتحدّى

وطني أنت المفدّى

والأماني التي تقطر شَهدا

وطني الحرقة والوجد الذي

يأكل عمري

والهوى والضوء في عيني

والشوق الذي يملأ صدري

هذه الأرض بلادي

وسماها ولعي

حاضري .. مستقبلي .. مهدي ولحدي

ودمي .. لحمي .. فُؤادي .. أضلعي

وهي أمي وأبي وهي

أبنائي وجدّي

وتراثي .. وأغانيّ .. وأعلامي ومجدي

بيتي العالي وعنوان التحدّي

وأنا الناس الحزانى

وأنا الشعب المعذّب

وأنا العاصفة الهوجاء

في وجه المظالم

وأنا النهر الذي يجري ويجري

جارفاً كلّ الطغاة

وأنا بركان عشقٍ للوطن

وأنا الخضرة والشمسُ

وقطرات الندى

فاقتلوني - أتحدى

واصلبوني - أتحدى

لا دمي تشربه الأرضُ

ولا روحي تهدا .

::::::::::::::::::



ازرعوني

إزرعوني زنبقاً أحمر في الصدرِ

وفي كل المداخل

واحضنوني مرجة خضراء

تبكي وتصلي وتقاتل

وخذوني زورقاً من خشب الورد

وأوراق الخمائل

إنني صوت المنادي

وأنا حادي القوافل

ودمي الزهرةُ والشمسُ

وأمواج السنابل

وأنا بركان حبٍّ وصَبَا

وهتافاتي مشاعل

أيها الناس لكم روحي ،

لكم أغنيتي

ولكم دوماً أقاتل

فتعالوا وتعالوا

بالأيادي والمعاول

نهدم الظلم ونبني غدنا ..

حرّاً وعادل

أيها الأطفال ..

يا حبقاً أخضر ..

يا جوق عنادل

لكموُ صناّ جذور التين والزيتون

والصخر

لكم صُنّا المنازل

أيّها الناس الحزانى

أيّها الشعب المناضل

هذه الأعلام لن تسقط

ما دُمنا .. نغنّي ونقاتل

::::::::::::::


أماماً وأعلى !


أماماً .. !!

أماماً .. !!

وأعلى

فأعلى .. !!

بلادي .. نفديك بالروحِ

شبلاً فشِبلا

ونمشي كعاصفة النارِ

شيخاً وطفلا

ليبقى لواؤك

فوق السِّماك وأعلى

بلادي تبقين في الكون

نجماً معلّى

وتبقين دوحة عزٍ

فروعاً وأصلا

حملناك فوق الأكفِّ -

تباركت حملا

وشلناك مأساة شعبٍ

أبى أن يذلاّ

بلادي عبدنا ربوعك

طوراً وسهلا

نقشناك في دفتر القلب

فصلاً ففصلا

رسمناك

زيتونةً ..

دوالٍ ونخلا

رسمناك عشباً ، سحاباً

بيوتاً وأهلا

ومرج عناقٍ تفتح

ورداً وفلاّ

وتسبيح قُبّرةٍ

رقدت تتفلّى

عبدناك صحوة فجرٍ

وشمساً وظلاّ

وشوكاً وصبراً

وزعترةً تتجلّى

وشاطئ بحرٍ تقدّس

صخراً ورملا

أماماً

أماماً ..

وأعلى

فاعلى ..!!

ويا نجمة الصبح غيبي -

بلادي أحلى

ويا جنة الخلد روحي -

بلادي أغلى

أماماً .. !!

أماماً .. !!

وأعلى

فأعلى .. !!

بلادي .. بلادي ..

لياليك بالنصر حُبلى

وأنت تراث الجدود الذي

ليس يبلى

وأنت التي كل يومٍ

تصيرين أحلى

وأنت التي كل يومٍ

تصيرين أغلى .

:::::::::::::


كلمات .. للوطن

مثلما كنت ستبقى يا وطن

حاضراً في ورق الدّفلى ،

وعطر الياسمين

حاضراً في التين ، والزيتون ،

في طور سنين

حاضراً في البرق ، والرعد ،

وأقواس قزح

في ارتعاشات الفرح

حاضراً في الشفق الدامي ،

وفي ضوء القمر

في تصاوير الأماسي ،

وفي النسمة .. في عصف الرّياح

في الندى والساقية

والجبال الشمّ والوديان ،والأنهر

في تهليلة أمّ ..

وابتهالات ضحيّة ،

في دمى الأطفال ، والأطفال ..

في صحوة فجرٍ

فوق غاب السنديان

في الصّبا ، والولدنه

وتثنى السوسنه

في لغات الناس والطير ،

وفي كل كتاب

في المواويل التي

تصل الأرض

بأطراف السحاب

في أغاني المخلصين

وشفاه الضارعين

ودموع الفقراء البائسين

في القلوب الخضر ،

والأضلع ،

في كل العيون

مثلما كنت - ستبقى

يا وطن

حاضراً ..

كلّ زمانٍ ..

كلّ حين .

مثلما كنت ستبقى يا وطن

حاضراً في كل جرحٍ

وشظيّة

في صدور الثائرين الصامدين

حاضراً في صور القتلى

وعزم الشهداء

في تباشير الصباح

وأناشيد الكفاح

حاضراً في كل ميدانٍ وساح

والغد الطالع ..

من ..

نزف ...

الجراح

نحن أصحابك بابشر يا وطن

نحن عشاقك فابشر يا وطن

ننحت الصخر ونبني ونعمّر

ونلوك القيد حتى نتحرر

نجمع الأزهار والحلوى

ونمشي في اللهيب

نبذل الغالي ليبقى

رأسك المرفوع .. مرفوعاً

على مرِّ الزمن

نحن أصحابك ..

عشاقك ..

فابشر ،

يا وطن .. !!

::::::::::::::::


سرحان والماسورة
(هو سرحان العلي من عرب الصقر الذي نسف ماسورة البترول .. في ثورة سنة 1936 الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية )

(1) سرحان .... في الطريق

يقظا مثل حمار الوحش كان ‏
وككلب الصيد ملفوفا خفيف .‏
وشجاعا مثل موج البحر كان
ومخيفا مثلما النمر مخيف
* * *
كانت الدنيا مطر
وصفير الريح في الأذنين
‏ وحش وجأر‏
وعلى الوجه ‏
يصير البرد شوكا وإبر ‏
كانت الدنيا مطر
وظلام الليل كالفحمة ‏
لا نجم يضوي أو قمر
إنما سرحان كالقط
يرى الإبرة في الليل الكثيف
إنه يعرف هذه الأرض كالكف
كما يعرفها كلب الأثر
كانت الدنيا مطر ...
* * *
كان يمشي نحو تل الحارثية ‏
حيث ماسورة بترول شقية ‏
تحمل الخير الذي يدفق ‏
من أرض الشعوب العربية
لبلاد أجنبية
كان يمشي نحو تل الحارثية ‏
وبجنبيه ديناميت ونار وفتيل
وعلى كتفه كانت.... بندقية
* * *
كان يمشي نحو تل الحارثية
كتلة صامتة كان يسير ‏
وبعينيه بروق وسكاكين وشر مستطير
كتلة تنحت نحتا دربها بين الصخور
شرها كالذئب للصيد الكبير
إيه يا سرحان أسرع ‏
إن لليل عيونا ربما تقرأ أعماق الضمير ‏
وترى ما في الصدور
إيه يا سرحان أسرع
ولتكن رجلك فوق الدرب منديل حرير ‏
لم لا يخلق للإنسان أحيانا ‏
جناح كي يطير؟؟
‏* * *‏
(2) قبل ذلك عندما لم يفهم سرحان ما معنى الوطن ‏
عندما قالوا له :-‏
‏(سرحان يا سرحان ..هل تقدر أن تفعل شيئا للوطن)‏
هزّ كتفيه :-‏
‏(أنا ؟! ..‏
يا ناس خلّوني بعيدا عن حكايات الوطن)‏
عندما قالوا له :-‏
‏(سرحان يا سرحان ..هيا للجبال )‏
هز كتفيه :-‏
‏(أنا ؟!..‏
من أين إن جعت ستأتي لقمة الخبز الحلال ؟؟ )‏
عندما قالوا له :-‏
‏(سرحان يا ابن الكلب ...انظر شعبك العبد الطعين)‏
هز كتفيه :-‏
‏(أنا ؟!..‏
ما دام جلدي سالما ...مالي وما للآخرين ؟؟!!)‏
لعنة الله على شكلك يا كتلة طين.‏
‏* * *‏
وعندما فهم ..‏
لعنة الله عليه ما فهم ‏
إنما لما رأيت يوما نجوم الظهر عيناه
فهم ....‏
مرة في الطوق
مشوه على ألواح صبار برجل حافية ‏
وهوى العسكر بالسوط على ظهره ‏
نارا حامية ‏
كسروا السكة والعود
وساقوا الماشية ‏
وبأعقاب البنادق حطموا السدة والباب
وكل الآنية
نسفوا البيت وصاحوا :-‏
‏(أنت .............. يا ابن الزانية )‏
ساعة الميلاد جاءت ..هكذا في ثانية
* * *
عندها .. سرحان لم يأبه لنيران الألم
إنما صرَّ على أسنانه ‏
في فمه المملوء دم
إنه ..‏
إن سرحان أخا البنت فهم ‏
آآآآآآآآآآآه ‏
كم يصبح سرحان...
مخيفا........ إن فهم ‏ !!
‏*****‏
في الجبال ‏
عاش سرحان العلي مطاردا
عاما ونصفا ما درى حيٌّ مقرَّه ‏
فتشوا عنه مرارا
كل جحرٍ ‏ ... كل حفره ‏
وضعوا ألف جنيه ‏
للذي يقتله أو يكشف سرّه ‏
ألف مرة ‏
بينه كان وبين الموت شعرة ‏
ألف مرة
كان في كلّ مكان ‏
واسمه عاش على كل لسان ‏
إنما ..‏
عاما ونصفا ..ما درى حيٌّ مقره ‏
‏******‏
ذات يوم ‏
راح سرحان يفكر :-
( إن أنبوبا على بعد كذا ‏
يدفق فيه النفط قرب الحارثية ‏
يحمل الخير الذي ينبع من أرض الشعوب العربية‏
لبلاد أجنبية )
راح سرحان يفكر :-‏
‏(آه يا سرحان لو ... ‏
لو يتفجر ‏
إن أسنانك لا تكفي ‏
ولا يكفي رصاص البندقية ‏
فتدبر لعنة الله عليك الأمر فكر ‏
وتدبر )
‏* * *‏
(3) اللحظات الأخيرة

آه يا ماسورة البترول.. يا بنت الحرام.. انتظري !!
إن سرحان الشقي ابن الشقية ‏
قادم ‏
رغم انصباب المطر ‏
وبعينيه بروق شتوية ‏
كتلة صامتة وحشا شديد الخطر ‏
ملء جيبيه ديناميت ونار وفتيل
أنتِ ... يا بنت الحرام انتظري ‏
هذه لحظتك السوداء جاءت ‏
هكذا كالقدر
كلها بضع ثوان ‏
قبل أن تنفجري ‏
كلها .. بضع ثوان ‏
قبل أن تنفجري
‏******‏
لم يعد سرحان من ليلته تلك ‏
ولكن في الصباح ‏
نشرت بعض الجرائد :-‏
‏(نسف ماسورة بترول بتل الحارثية ‏
فجَّر الأنبوبة إرهابي مطارد
وجد البوليس بعد البحث ‏
رجلا بشرية
وبقايا بندقية ‏
وهوية ...‏
اسمه الكامل سرحان العلي ‏
من عرب الصقر
ولكن بعد لم تعرف ‏
تفاصيل القضية ‏
والبقية ...‏
في غد نأتي إليكم بالبقية .)‏

* * *
(4) أمُّه ترثيه

شيعوا لبني عمومته .. يجيئوا بالطبول وبالزمور
خبروهم أنَّه قد عاد من غزواته صقر الصقور
وزعوا الحلوى وأكياس الملبس للكبير وللصغير
بالهنا كل الهنا ........ يا هنية
وانكوت عيني أنا .... يا صبية
شيعوا لبني عمومته ... يجيئوا مثل أسراب النسور
خبروهم أنَّه لما أتاني عينه جمرٌ ونارُ مستطير
(( ناوليني قرشنا الأبيض يا أمَّاه فالأمر خطير))
بعت أسورة الزفاف وبعت خاتمي الأخير
بالهنا كل الهنا .... يا هنيه
لا تخلوه بلا ..... بندقيه
يا صبايا الحيّ هيئن الذبائح ، والمواقد والقدور
والثياب انقعنها بالعطر نقعا ، والمناديل الحرير
إن سرحان الأمير ... بن الأمير ... بن الأمير
عاد من غاراته يرتاح في حضني الأثير
يا صبايا حيِّنا ....... يا حرايــر
جاءنا الكيف فخذن ... المزاهـر
شيعوا لبني عمومته يجيئوا بالطبول وبالزمور
خبروهم أنه إن جاء ثانية ... أبع ثوبي الأخير
بالهنا يا أمَّه زفي إلى أحضانه أحلى صبيه
بالهنا يا أمَّه بيعي ثيابك .. واشتري له بندقيه




القصائد المغنّاة لتوفيق زيّاد:


1.أناديكم / احمد قعبور


استمـــاع


تحميــــــل

2.يا شعبي يا عود الند / فرقة العاشقين

إستماع ومشاهدة

3.فلتسمع كل الدنيا/ فرقة العاشقين


تحميــــــــــــــل

4.إنا هنا باقون/فرقة يعاد

تحميــــــــــــل


وهنا مقرؤة صوتياً

5.وأعطي نصف عمري (المغني) / ريم بنا


تحميـــــــــــــــل

6.أحبابنا شيّلوا/ريم بنا


تحميـــــــــــــــل

7.تعالوا/أمل مرقص


تحميــــــــــــل

8.أنا من هذه المدينة/ مارون أشقر


تحميـــــــــــــــل

9.أي شيء يقتل الإصرار(ثلج على المناطق المحتلة)/ جورج قرمز


تحميــــــــــــــل

10.أهون ألف مرة /فرقة الطريق العراقية

تحميـــــــــــــل

أهون ألف مرة/ سلوى جرّاح

تحميــــــــــــــل

11.في كل شيء أعيش/مصطفى الكرد


تحميـــــــــــــــل

12.الحرية أو الموت وأغنية القريب الآتي/فرقة الأنصار



تحميـــــــــل





صوتيات:

1. تسجيل صوتي:شعر توفيق زياد وتميم البرغوثي مرفق بأصوات الانتفاضة !!




2.قصيدة توفيق زيّاد زيتون روماني لمحمود درويش وبصوته

تحميــــــــــــــــــل







إعداد :

سلطان الزيادنة / الاردن .... عبير محمد / مصر
صبا خليل/فلسطين

مجموعة من رسومات توفيق زيّاد :




:::::::::::::



:::::::::::::




:::::::::::::




:::::::::::



:::::::::::




:::::::::::




:::::::::::




:::::::::::





:::::::::::




:::::::::::




::::::::::::





:::::::::::




::::::::::::






بعض الصور للشاعر المناضل توفيق زيَّاد



يوم الأرض 1977

............


أول أيار الناصرة 1976

............



سفينة العودة 16/2/1988

............


يوم الأرض عرابة البطوف

............


معرض الكتاب/القاهرة/1992

...............



توفيق زيَّاد ضيفا مكرماً في بيت المناضلة العنقاءأملي القضماني
...........

هذه صورة توفيق زيَّاد



وما قال

أغني للحياة

فللحياة وهبت كل قصائدي

وقصائدي ،

هي كلّ ..

ما أملك !

إعداد :

سلطان الزيادنة / الاردن .... عبير محمد / مصر
صبا خليل/فلسطين...أملي الضماني/سوريا









 
/
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:40 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.