لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: الموت كأسا للمذلة شافي (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: منطق سقراط المعاصر (آخر رد :زحل بن شمسين)       :: رسائل عاجلة (آخر رد :محمود شومان)       :: رواية الدروب الوعرة/ روضة الفارسي (آخر رد :روضة الفارسي)       :: التقاطة وصورة (آخر رد :محمود قباجة)       :: قصّةُ العرب (4) (آخر رد :احمد المعطي)       :: همسات في خريف العمر (آخر رد :فاطمة العزب)       :: ...أو في كتاب القلق (آخر رد :فتحي ساسي)       :: كل ما أريد (آخر رد :فتحي ساسي)       :: يا ليل سر بي (آخر رد :فتحي ساسي)       :: من التراث البغدادي لوحاتٍ رائعة (آخر رد :نـ ج ـاة خ ــيري)       :: كن عالما أو طالبا (آخر رد :أحمد عزي)       :: أتسمع حرفي؟ (آخر رد :أحمد عزي)       :: المرايا كاذبات (آخر رد :بارقة ابو الشون)       :: ترَكْتُ حُزني لأشاركَهُ فَرْحَتهُ/((اعترافٌ لحظَةَ فَرْحَة)) (آخر رد :محمد كامل العبيدي)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ۩ ۩ هنـا الأطْيـابُ والأعـلامُ والظّفَـرُ > ¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘

¤¦¤ فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-07-2011, 06:13 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
هبه الشايب
فريق العمل
تحمل وسام الأكاديميّة للعطاء
تحمل ميدالية الأكاديمية للتميز 2011
رابطة الفينيق / عمون
الاردن

الصورة الرمزية هبه الشايب

إحصائية العضو








آخر مواضيعي

هبه الشايب غير متواجد حالياً


افتراضي الفينيق نزار قباني يليق به الضوء * هبه الشايب




تعودنا أن نضع نصاً تحت الضوء
ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربةٍ فذّة
سنستميح روح الفينيق
نزار قباني
لنضعه تحت الضوء
إذ به يليق الضوء




نزار قباني
----------

نزار قباني دبلوماسي و شاعر عربي. ولد في دمشق (سوريا) عام 1923 من عائلة دمشقية عريقة هي أسرة قباني ، حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج فيها عام 1945 .

يقول نزار قباني عن نشأته "ولدت في دمشق في آذار (مارس) 1923 في بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من منازل دمشق القديمة، والدي توفيق القباني، تاجر وجيه في حيه، عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري. امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية".

التحق بعد تخرجة بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدريد ، وبكين ، ولندن. وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولها " قالت لي السمراء " 1944 .

بدأ أولاً بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. يعتبر نزار مؤسس مدرسة شعريه و فكرية، تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة "خبز وحشيش وقمر" التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي. واثارت ضده عاصفة شديدة حتى أن طالب رجال الدين في سوريا بطرده من الخارجية وفصله من العمل الدبلوماسي. تميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي، من أشهر قصائده السياسية "هوامش على دفتر النكسة" 1967 التي تناولت هزيمة العرب على أيدي إسرائيل في نكسة حزيران. من أهم أعماله "حبيبتي" (1961)، "الرسم بالكلمات" (1966) و"قصائد حب عربية" (1993).

كان لانتحار شقيقته التي أجبرت على الزواج من رجل لم تحبه، أثر كبير في حياته, قرر بعدها محاربة كل الاشياء التي تسببت في موتها. عندما سؤل نزار قبانى اذا كان يعتبر نفسة ثائراً, أجاب الشاعر :" ان الحب في العالم العربي سجين و أنا اريد تحريرة، اريد تحرير الحس و الجسد العربي بشعري، أن العلاقة بين الرجل و المرأة في مجتمعنا غير سليمة".

تزوّج نزار قباني مرتين، الأولى من ابنة عمه "زهراء آقبيق" وأنجب منها هدباء و وتوفيق . و الثانية عراقية هي "بلقيس الراوي" و أنجب منها عُمر و زينب . توفي ابنه توفيق و هو في السابعة عشرة من عمرة مصاباً بمرض القلب و كانت وفاتة صدمة كبيرة لنزار، و قد رثاة في قصيدة إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني. وفي عام 1982 قُتلت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية ببيروت، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها بلقيس ..

بعد مقتل بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته . ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره ويثير المعارك والجدل ..خاصة قصائده السياسة خلال فترة التسعينات مثل : متى يعلنون وفاة العرب؟؟ ، و المهرولون .

وافته المنية في لندن يوم 30/4/1998 عن عمر يناهز 75 عاما قضى منها اكثر من 50 عاماً في الحب و السياسة و الثوره .

كل الأساطير ماتت ….
بموتك … وانتحرت شهرزاد .




الشاعر نزار قبّاني.. شاعر ظل يرسم عالمه والحياة بالكلمات
-------------------------------------------------------------
أ.د. سيار الجميل

"في فمي يا عراق ماء كثير كيف يشكو من كان في فيه ماء" نزار

مقدمة
-----------

الشاعر نزار قباني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين .. ولم تزل اشعاره ورسومه وصوره والوانه تنتشر في كل مكان من ثقافتنا العربية وقد نقلها جيل الى جيل . نعم ، لقد كان نزار قباني قد رحل فجأة وهو يقيم في لندن يوم 30 ابريل 1998 .. واذا كان نزار قد رحل رحلة نهائية ، فان تراثه الادبي سيبقى الى جانب تاريخه الادبي والفكري على طول الزمن . ويسرني بهذه " المناسبة " ان استعير من كتابي ( نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ) الفصلة من ذكرياتي عن نزار قباني وقد كنت قد اسميته : شاعر الرسم بالكلمات الرائعة . لقد كتبت اقول عنه : اولا : شاعر التناقضات العربية





شاعرية نزار وثقافته
--------------------

لقد خلق نزار قباني على امتداد حياته المليئة بالتناقضات جملة من الأزمات الفكرية والأدبية .. انه المعبر الحقيقي عن تناقضات خطاب العرب في النصف الثاني من القرن العشرين . انه الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية التي ألفها الناس في تفكيرهم وتقاليدهم الاجتماعية منذ أزمان طويلة .. كان شاعرنا حرا ومتمردا في ما يقوله بشأن أهم ما شغل البال العربي ، والتفكير ، والجوارح ، والمشاعر والأحاسيس .. من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر .. موضوع المرأة الذي وجد نزار فيه ضالته ، واعتبره الاهم في هذا الوجود ! لم يقدم نزار المرأة باعتبارها إنسان مثل أصناف البشر ، بل ليعرضها في فاترينة ويبقى يجملها بالمساحيق والألوان وينادي الآخرين إليها مع كل أوصافه الرائعة فيها والتلذذ بما يطلقه من تعابير عن جسدها .. مستلهما كل تراثات أسواق النخاسة التي كانت مزدحمة ورائجة البضاعة في ماضينا المتعب !
انني اعترف أن للرجل شاعريته التي لا يختلف حولها اثنان ، وعندما يسمعه الناس تطرب أسماعهم وتهفو قلوبهم ، خصوصا ، وانه امتلك قدرة رائعة في الإلقاء الشعري الذي يأسر القلوب ! إنني لا أريد أن أكون ضد الرجل وقد غاب عنا ، فلقد حكيت له كيف اقيم له تفكيره ! صحيح انه جادلني في البداية ، ولكنه بدأ يحترم آرائي لأنه عرف إنني من المؤمنين بحرية الإنسان وتنمية قدراته وتفكيره واستقلالية إرادته . وكان نزار ينتشي جدا عندما يسمونه بـ " شاعر المرأة " . والحق يقال ، بأن نزارا في قصائده الوطنية وأنشوداته القومية ومواقفه النقدية الساخرة وفي العديد من مقالاته التي نشرها في سنواته الاخيرة في ركن من جريدة الحياة المعروفة ، كان مثالا للمثقف العاشق ليس للمرأة حسب ، بل لترابه واوطانه لولا جملة التناقضات التي وقع فيها كأي شاعر عربي متمرد في هذا الوجود.

كلمات عن تكوين نزار وحياته
------------------------------

ولد نزار بن توفيق قباني آقبيق في 21 / 3/1923 في عائلة متوسطة الحال ـ حسب قوله ـ ، وفي بيت عادي يقع في حي مئذنة الشحم في القيمرية بدمشق ، ونشأ فيها :ان أبوه يصنع الحلويات ويعتاش منها .. ويقال ان عمه هو الفنان ابو خليل القباني رائد المسرح السوري الحديث ، ولما لم اكن متأكدا من ذلك فلقد سألت نزارا عن صلته به ، فاجابني بأن أبا خليل القباني. هو عم والدتي و شقيق جد والدي.. تخرج نزار في الجامعة السورية بشهادة في الحقوق العام 1944، ولكنه لم يمارس القانون ولا المحاماة ولا القضاء ، بل خدم في السلك الدبلوماسي السوري للفترة 1945-1966.. وتنقل ما بين القاهرة ، وأنقرة ، ومدريد ، وبكين .. كتب الشعر منذ مطلع شبابه مذ درس في الكلية العلمية الوطنية بدمشق وفيها التقى استاذه خليل مردم بك الذي أخذ بيده ودفعه وشجعه ونشر ديوانه الاول " قالت لي السمراء " على نفقته الخاصة وهو طالب في الحقوق.. وخرج عن التقاليد والاطواق متمردا عليها ، اذ ثار عليه بعض رجال الدين وطالبوا بقتله عام 1945 اثر نشره قصيدة ( خبز وحشيش وقمر ).. استقر في بيروت بعد ان آثر الشعر وترك الوظيفة التي قيدته لسنوات طوال تقدر بقرابة عشرين سنة .. اصدر عدة دواوين تصل الى 35 ديوانا كتبها على مدى نصف قرن ، وله عدة كتب نثرية . أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم منشوراته. غنى المطربون عدد من قصائده ، ومنهم: ام كلثوم ونجاة وعبد الحليم وفايزة وفيروز وكاظم وماجدة وأصالة وغيرهم . حكى لي انه كان يزور العراق دوما ويلتقي فيه بأبرز المثقفين والادباء العراقيين .. وفي بغداد التقى الآنسة بلقيس الراوي وتحابا الى حد العشق ، ولكن اهلها منعوا زواجهما ، فافترقا وتزوج للمرة الاولى زوجته الاولى ، وهي ابنة عمه زهراء آقبيق التي رحلت عنه ، وله منها ولد وبنت ، توفي الولد توفيق وهو شاب في مقتبل العمر عندما كان يدرس الطب بالقاهرة .. وشاءت الصدف ان يلتقي بلقيس ثانية بعد سنوات فتحقق حلمهما وتزوجا وعاشا معا ، وله منها ولد وبنت ، وجاء مصرعها عام 1982 اثر تفجير السفارة العراقية ببيروت وكانت تعمل فيها ، فكان ذلك صدمة عنيفة عنده وآثر التنقل في باريس وجنيف واستقر في لندن التي عاش فيها الاعوام الخمسة عشر الاخيرة من حياته... لقد تلقى نزار عدة صدمات قوية في حياته الخاصة ، منها رحيل والدته وهو طفلها المدلل ، ووفاة اخته وصال بمرض القلب ، وانتحار اخته هدباء التي زوجوها برجل لا تحبه ، ومصرع ولده الشاب توفيق ، ورحيل زوجته الاولى ابنة عمه على اثر مرض .. ومقتل زوجته الثانية بلقيس ..كما وشكلت السنوات الاخيرة من حياته صخبا من المعارك والجدل والقصائد السياسية الساخنة وخصوصا في عقد التسعينات من القرن العشرين. وقد قاوم مشروعات السلام والتطبيع مع اسرائيل وعبر عن ذلك في قصائده الشهيرة: المهرولون ، والمتنبي ، ومتى يعلنون وفاة العرب .. الخ . توفي في لندن يوم 30 /4/ 1998 ودفن في دمشق وترك اشعاره يرددها الناس.

كيف عرفت نزارا ؟
--------------------

كنا ثلة من المراهقين في أروقة الاعدادية ( متوسطة المثنى ) بمدينة الموصل. شباب عند مطلع حياتهم لا يهجعون ولا يهدأون ابدا لا في الليل ولا في النهار ، ونحن في مرحلة حساسة وحرجة جدا في اواسط عقد الستينيات . كنا نقرأ الكتب في الليل ونطالع المجلات ونكتب الاشعار في اويقات النهار .. لم اكتشف نزار في مكتبة بيتنا الغنية والمكتنزة برغم محبة اسرتنا للشعر والشعراء ، ولكنني اكتشفت نزارا من خلال ديوانه " الرسم بالكلمات " الذي كان مدرسنا في الجغرافية واسمه الاستاذ طارق فضل قد حمله معه يوما ، وكان يعشق نزار وأشعاره على عكس استاذنا في العربية الاستاذ عبد النافع الحكيم المشهور بسيدارته العراقية وهو يتأبط قاموسه كل الاوقات ، ومن كثرة اعتزازه بالقاموس دعونا بـ " قاموس افندي " !.. تذكرت قصيدة " أيظن " التي يقدمها نزار بنفسه تلفزيونيا ويقرأها قبل ان تشدوها المطربة نجاة الصغيرة على شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود ! بدأت اهتم شيئا فشيئا بأشعار نزار.. كنت أخشى من والدي ـ رحمه الله ـ أن يعنفني إذا ما اكتشف أنني اقرأ مثل تلك الأشعار! ولكنه لم يقل شيئا لي عندما اكتشف ذلك ، وكان رجلا مثقفا ومستنيرا وانه رسم ابتسامة خفيفة على محياه ، وقال : لابد أن تقرأ المعاني وتتحسسها قبل أن تنعشك الألفاظ الجميلة . وبالرغم من كونه من رجال القانون الا انه يعشق الشعر وله باع كبير في نقد الشعر على القواعد النقدية العربية القديمة التي أسسها كل من عبد القاهر الجرجاني والآمدي وابن الاثير .. وغيرهم . وفي الثانوية الشرقية وكنت في الخامس والسادس الثانوي ، نجحت رفقة الصديق القاص عبود عبد الله بكر ( استشهد في الحرب العراقية الايرانية عام 1982 ) ان نؤسس صحيفة أدبية اسبوعية جدارية اسميناها بـ " الاصداء " ترأست تحريرها عام 1969 ، وكنت اكتب افتتاحيتها اسبوعيا ، واصدرنا عدة اعداد منها ، ولكن الاوامر صدرت باغلاقها كوننا نشرنا قصيدة سياسية ساخنة ينتقد فيها العرب في هزيمتهم نقدا مبرحا ، وكانت للشاعر نزار قباني ( هوامش على دفتر النكسة ) .

نزار : ثورة التناقض في التغيير
-------------------------------

لقد كانت الحياة العربية قبل هزيمة يونيو / حزيران 1967 بسنوات مفعمة بالروح القومية الوقادة وذكر الأمجاد ، وترديد الشعارات ، واذاعة الاغنيات الحماسية ، والهوس السياسي ، وحمأة الأيديولوجيات ، وسماع الخطابات .. وبنفس الوقت ، كان المجتمع العربي يعتز بنخبه المثقفة ومبدعيه وكانت الاستنارة في الفن والادب قد وصلت الى اعلى مداها عند العرب .. وبرز عند منتصف القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية نخبة عربية رائعة من الشعراء والفنانين والادباء المثقفين وقد شغلتهم السياسة والايديولوجيات الثورية والقومية والنضال والاشتراكية .. ، ولم يكن لنزار في ذلك كله أي نصيب يذكر ، كما اذكر ، كانت المرأة شغله الشاغل يتفنن في توصيفاتها ويتخيلها كما يريد له خياله ويصورها كما يجمح به فكره وخياله .. كان نزار يتلذذ بمشاهد خصرها وسيقانها ونهودها وأظافرها وخصلات شعرها .. التي يخلقها ويجسمها تعبيريا برسم كلماته جميعها للناس ، ويجلس يترقب ردود افعالهم على نصوصه واشعاره .. وكان ذكيا جدا في استخدام الألفاظ البسيطة جدا في خطابه الشعري الذي يدخل النفس مباشرة من دون أية تعقيدات ، ونجح في تضمين كلمات عادية يومية يستخدمها الناس صباح مساء ..
واستطيع القول ، ان نزارا يتميز بقاموسه الشعري وتعابيره التي انفرد بها عن الاخرين .. ولكن بقي الرجل محافظا على التفعيلة الشعرية، وقد اغرم بموسيقى بعض الكلمات والتعابير التي كانت تثير الأحاسيس وتسخن العواطف .. لقد وجد في البيئة الاجتماعية العربية المكبوتة الى حد النخاع فرصته التي يستطيع اللعب فيها لعباته العاطفية بكل جرأة وشجاعة وقد ساعدته ظروف تلك المرحلة على استخدام كل التعابير في الجنس والجسد والشهوات ووصف حتى ركامات الحلمات .. ولكنه اضطر الى تغيير جملة كبرى من الفاظه وتعابيره في العشرين سنة الاخيرة من القرن العشرين بسبب تغير الظروف في المجتمع العربي تغييرا كاملا اولا ، وبسبب فقدانه بلقيس في رحيلها الذي قض مضجعه !




قالوا عن نزار:
---------------

-قال الأديب السوداني ( الطيب صالح ) : ( عالم عربي ليس فيه نزار قباني أمر يصعب تصوره ).
وقال أيضاً (على مدى خمسين عاماً ارتبط نزار قباني ، شاعراً وإنساناً بالعالم العربي في تقلبات أحواله ، في هزائمه وانتصاراته ، وأحزانه وأفراحه كان دائماً واقفاً في قلب خضم الأحداث يشجع ويحدد ويستفز ويهجو ).

-قال عنه جهاد الخازن : ( ولم يقدم نزار قباني بديلاً ، كما سجل عليه نجيب محفوظ ، ربما كان نصب نفسه بديلاً عن الشعب ،إلا أن (المهرولون ) شغلت الناس ولا تزال لأنها حركت ضمير الأمة . )
-قال عنه ( محيي الدين اللاذقاني ) :
( رحم الله نزار قباني ، فقد كان على حق ، ولهذا لم يتسع له حياً عالمه العربي كله ).
-كما قالت عنه الشاعرة الكويتية ( سعاد الصباح ) في قصيدتها ( ورحل زمن من الشعر ) :
( يا عصفور اً من عصافير الحرية
يا شاعر كل فصول ..
مع قمر الصيف تأتي ..
ومع التماعات البرق تأتي ..
مع حزن الصواري تأتي ..
ومع بكاء الوطن تبكي ..
ومع نزيفه تنزف ..
يا أيها النسر الذي حمل تحت جناحيه
مئتي مليون عربي ..
ومليون مئذنة ..
ومليون قصيدة ..)

-قال ( تركي الحمد )عن نزار قباني في مقال له نشر في جريدة الشرق الأوسط :
( رحم الله نزار قباني .. فقد ملأ الدنيا وشغل الناس ، وانتهت بموته مرحلة عربية بأسرها ولم يكن فرداً واحداً .ولكن … من يقول أن المبدعون يموتون …)

ويقول نزار قباني عن نفسه :
( أنا رجل يصحو ، وينام على ضفاف الجرح العربي المتقيح منذ سقوط الدولة العباسية حتى اليوم .
الفرق بيني وبين سواي أنني لا أومن بالطب العربي ، ولا بالسحر العربي ، ولا اسمح لنفسي بالبقاء خارج غرفة العمليات أشرب القهوة وأدخن.. إن غريزة الصراخ أقوى غرائزي .)




الإيقاع في شعر نزار قباني.. حالة خاصة
----------------------------------------

جهاد فاضل
يصف الدكتور سمير سحيمي في كتابه «الايقاع في شعر نزار قباني من خلال ديوان قصائد» الصادر عن عالم الكتب الحديث، نزار قباني بأنه شاعر من اصحاب التجارب المستقلة، لأنه لم ينخرط في التجارب الشعرية المعاصرة له، مثل شعر الحداثة مع السياب ونازك الملائكة والبياتي وغيرهم، بل سعى إلى ان يفرد لنفسه رؤيا شعرية يختص بها. وهذا ما دعا الباحث إلى الاهتمام بشعره، لا سيما أن بين الذات والشعر الفة وقرانا جعلا في النفس ولها بإدراك اسرار جمال الشعر من خلال رؤيا نقدية مجردة تسعى إلى استكناه خصائص التجربة الشعرية من زاوية تعد من أهم زوايا قراءة شعر نزار قباني هي الايقاع، خاصة ان تجربته، على سهولتها، متمنعة صادّة لا تكشف اسرارها بيسر.
لماذا اختار الباحث ديوان «قصائد»؟ لانه بنظره ديوان مفصلي في شعر الشاعر، اذ مثّل رؤيته في المرحلة الأولى من تجربته الشعرية. فهو الديوان المنبئ بتحول تجربة الشاعر من العمودي إلى الحر. فقد غلب على الدواوين السابقة له الشعر العمودي وقد نحت الدواوين اللاحقة إلى شعر التفعيلة. كما ان البحور والتفعيلات التي تضمنها الديوان تمثل اختيارات الشاعر في التجربة الأولى إلى حدود السبعينات من القرن الماضي كما يرى بعض النقاد.
ومن دواعي اختيار هذا الديوان أيضاً احتواؤه قصائد بوادر لتجربة الشعر السياسي منها قصيدة «خبز وحشيش وقمر» وقصيدة «قصة راشيل شوازنبرغ» وقصائد راسخة في ذهن القارئ مثل «مع جريدة»، و«طوق الياسمين»، و«القصيدة الشريرة»، وكلها علامات في شعر الشاعر جعلته يعتبر ديوان «قصائد» أقرب الدواوين إلى نفسه.
مسلمات منهجية
يؤسس الباحث عمله على مسلمات منهجية انتهى إليها الدرس الغربي الحديث، أهمها كتابات موشونيك. من هذه المسلمات فهم الإيقاع على انه بحث يتأسس على أولوية الخطاب على اللغة، ويتجاوز التقطيع العروضي. فهو خطاب يحمل مياسم الذات ويفصح عنها: ويعبر عن رؤية الشاعر وفكره.
وعلى هذا الأساس يفرّع الباحث مستويات التحليل على أساس الاختيارات المنهجية الحديثة لدراسة أبنية الكلام، فجعل مقام الصدارة للاختيارات الصوتية تجسيداً لتصور يقوم على التدرج من الوحدة الدنيا، وهي الصوت، إلى وحدات أكثر تعقيداً وتركيباً كالأوزان والكلمات والصيغ والتراكيب. فكانت الاختيارات الصوتية وقوامها تشكلات الصوت، والاختيارات العروضية وأساسها ا لتفعيلة، والتكرار وأساسه الكلمة، والصيغة والتركيب.
بساطة وبيان
ويقول الباحث انه انتهى من عمله الى جملة نتائج منها ان جمالية الإيقاع في ديوان «قصائد» قائمة على على تمثّل نزار قباني الشعر العربي وبعض تجارب الشعر الغربي، نهل منها فصرّفها تصريفاً ذاتيا، فاختياراته الصوتية لا تخرج عما كرّسه الشعر القديم، لكن كيفية تشكيله الأصوات تعلن عن ذات منشئة، واختياراته العروضية تستعيد أبنية دارجة في تجارب السابقين. لكن الشاعر يخرج عن سلطة العروض في تشكيل أبنية عروضية موازية وفي أشكال انتشار الرويّ ووجوه التقنية الداخلية، واختياراته في مستوى التراكيب النحوية والصيغ الصرفية القائمة على التكرار تكريساً لتوقيع مخصوص، لكنه لا ينأى في ذلك عن سلطة الموروث في جريان التكرار غالبا في المقطع أو المطلع. ان نزار قباني يجمع بين إعادة إنتاج ما شاع من فنون القول الشعري يصرّفها تصريفا ذاتيا صرفا لا يخلو من بساطة وبيان.
ثمة استخلاصات كثيرة يخرج بها القارئ لهذا الكتاب منها ان الدرس النقدي المتعلق بشعر نزار قباني متنوع متعدد في البناء وزاوية النظر. وهذا، برأي الباحث، مما يؤكد ثراء التجربة الشعرية المدروسة وقيمتها، واختلاف وجوه قراءتها. لكن رغم كل ذلك بقيت تجربة نزار قباني الشعرية في مجالات عدة منها بكرا جديرة بالبحث والدروس، لا سيما في مستوى الدراسات التطبيقية.
وقد سعى الباحث الى البحث في خصائص الاختيارات الصوتية ووظائفها، والنظر في الأصوات باعتبارها سلسلة من المكونات الصوتية تتخذ وظيفتها الايقاعية في اتحادها بالدلالة وافصاحها عن المعنى، لا باعتبارها اصواتا فيزيائية معزولة، ولما كان مجال التشكلات الصوتية هو المقطع، فقد تبين ان في ديوان «قصائد» مقاطع شائعة هي التي تتكون منها القصائد، ومقاطع فاعلة ناجحة مؤثرة في نظام التشاكل الصوتي، وقد توزعت الى مقاطع مفردة واخرى متعددة لكل منها وظيفة في اظهار الصوت او الأصوات الوظيفية.
النادر الفاعل
ومن طريف ما خرج به الباحث في موضع النظر في علاقة المقاطع الشائعة بالمقاطع الفاعلة أن توظيف الصوت لم يرتبط بالمهيمن الشائع، بل بالنادر الفاعل. «فكأن نزار قباني يخرق نظام الشائع المشترك ليجعل شعره مخصوصا بتفرد في كيفية بناء المقاطع. ولعل بناء الشبكة المقطعية لم يخل من نظام محكم قوامه اختصاص المقاطع المتعددة في القصيدة الواحدة بالاصوات المفردة، واقتران المقاطع المفردة بالاصوات المتعددة. وذلك ما انشأ في القصيدة تنوعا في التشاكل الصوتي، وفي وظيفة الصوت. ومن وظائف الائتلاف المقطعي الوظيفة التنغيمية، وتتجسد في انتشار صوتي مشروط بالرويّ، وبذلك يكف صوت الروي عن أن يرتبط بآخر البيت أو السطر الشعري فقط ليمتد انتشاره في القصيدة انتشارا وظيفيا، سواء أكان انتشارا مؤسسا على صوت الروي مفردا أم متشابكا مع اصوات أخرى هو نواتها. وفي التشاكل والتشابك اثراء للوظيفة التنغيمية، ولا سيما أن هذا الانتشار شاع في ما يقارب نصف الديوان.
ظاهرة التكرار
ويقف الباحث في أحد فصول كتابه مع ظاهرة التكرار في شعر نزار. فهو يرى ان التكرار في ديوان «قصائد» وفي شعر نزار قباني عموما، لم يخرج عن استئناف المكرس والتفنن في اخراجه. فقد أجراه الشاعر في اشكال متعددة، وفي مواقع محددة من القصيدة في المقطع والمطلع، وفي تعانق بين العناصر اللغوية المكررة، أصواتا وصيغا وتراكيب.
ومما يخرج به قارئ «الايقاع في شعر نزار قباني من خلال ديوان قصائد»، ان نزار قباني شاعر رسم لنفسه خطة في بناء خطابه الشعري في ديوان «قصائد»، تمثلت في سمة السهولة اليومية، والايضاح والبيان في غير ما تعقيد ولا تكلف، وفي اختصاص شعره بتكرار يرسخ الاختيارات الايقاعية في ذهن القارئ والسامع، فيؤثر فيه من خلال سمة الشفوية التي تحققها اشكال التكرار، وتجسدت في تجريب الاختيارات، تكثيفها وتكريسها بما يحقق بصمة ذات تتشكل في تفرّد لا يلغي الانتساب إلى الموروث، بل يستأنفه استئنافا يتجاوز المحاكاة إلى الخلق والابداع ويقوم على الانشاد والانشاء والاحتفاء بالعالم وبالآخر.
ويشكل هذا الكتاب واحدا من الكتب النقدية التي ظهرت في الآونة الأخيرة حول شعر نزار قباني، والتي تعبّر عن احتفاء بشعر نزار والعثور فيه على جماليات كثيرة.




الحب والطبيعة في شعر نزار قباني
-----------------------------------

يوسف عبود

يقول الناقد الأسلوبيُّ الإسبانيُّ الكبيرُ " داماسو ألونسو" :
" الشعرُ عُصفورٌ وديع ، إنْ شدَدْتَ قبضتكَ الدراسيَّةَ عليه أزهقتَ روحَه ، وحوَّلتَه إلى جثّة لا يُغْنيك تشريحُكَ في معرفة سرِّ رشاقتها وهي ترفُّ من حولِكَ ".
وشعرُ نزار قباني عصفور حرٌّ ماجَتْ ألفاظه على كل لسان ، ودقّتْ معانيه في كل قلب , لم تقيدّه سلاسل ولم تمنعه أقفاص . وكما أن الحرية عند الطائر كنز لا يقدَّر بثمن كذلك كانت الديمقراطية الشعرية عند نزار ، كل شيءٍ عنده ديمقراطي ؛ حديثُه ، فعلُه ، حبُّه ، حتى اللغة الشعريَّة كانت ديمقراطية سهلة ، ومألوفة ، وموظفة توظيفاً شعرياً بارعاً . هذه هي أعمدة جماهيريته وشعبيته الواسعة ، وهو القائل : " مع اللغة لعبت بديمقراطية ، وبروح رياضية ، لم أتفاصحْ ، ولم أتفلسفْ ، لم أكسرْ زجاج اللغة ، لكنني مسحته بالماء والصابون ".
أنشد نزار معظم قصائده بلسان الجمهور , وبلسان الرجال والنساء معاً , لم تَغِبْ كلماته في صخب الحياة , بل كانت حاضرة عند كل شخص أحبه . كان يطيب لعشاقه أن يحضروا في كل مساء تلك الجلسات الشاعرية التي عاشها , وأحياناً كانوا يغنون معه , وبروح رياضية , أغاني الحب والجمال .
إذاً ، خروج لغته عن مسار التعقيد يفتح النصّ الشعري أمام تعدد القراءات واختلاف الدلالات في إطار موضوع موحّدٍ يستطيع أنْ يقرب الدلالات المحتملة لتلك اللغة المكتوبة . وموضوع الحب والطبيعة في شعره يقرُّ بحتمية تعدد الدلالات ، ويقرّب هذا الشعر من فنِّ التصوير ، أو فن الرسم حقيقة ، ويعطيه امتياز جَمْع المتخالفات ، وتآلف المتنافرات ، ولا يعني ذلك فنياً إلا إبراز عنصر الجمال الذي يحقق واقعية الفن . ولهذا قال كانط : " الفن ليس تمثيلاً لشيءٍ جميل ، وإنما هو تمثيل جميل لشيءٍ من الأشياء ".
عندما استخدم نزار قباني الألوان في قصائده كان يمزجها بريشته ليخرج بلوحة فنية , جميلة بتناسب ألوانها ، ورائعة بمطابقتها ألوان الطبيعة ، لكن يبقى جمال الطبيعة شيء وجمال الفن شيءٌ آخر . يقول :
" كلّما شمَّ البحر رائحة جسمكِ الحليبيِّ
صَهَلَ كحصانٍ أزرقْ
وشاركتُه الصهيلَ ..
هكذا خلقني الله ...
رجلاً على صورة بحرْ
بحراً على صورة رجلْ ".
لنلاحظ أن هذا المقطع يحوي العناصر الآتية : ( الأصوات – والرائحة – والألوان – والرؤية ) لم يسمع أحد أن هناك حصاناً أزرق ، ولم يسمع كذلك أن البحر حصان , وأن له صهيلاً كصهيله , وذائقة شمِّية مثل ذائقته تماماً . البحر والحصان وجهان للشاعر ، إلا أن الانحراف الدلالي هو في اللون الأزرق الذي جعل المجاز هنا يلعب الدور المرسوم له تماماً , فهو المحيل الأقوى الذي استطاع أن يوحّد الخيال والحقيقة , ثم قام بحركة بديعية من باب التبديل والعكس ليدل على تفرده وتميزه حين قابل الرجل بالبحر .
يقول نزار : " لكي يكون اللون لوناً لابد أن يلامس العيون ... ولكي يكون اللحن لحناً لابد أن يلامس الأذن ".
الشعر هنا لمسْ بالكلمات التي تتحسس النفس بحرارة وشوق ، وتلعب الطبيعة دوراً مهماً في الحس البشري الملامس لألوانها وتناسقها .
صوَّر الشاعر في كل الفصول والأوقات الطبيعة بألوانها وحركاتها ، إلا أنه أضفى عليها أسلوبه التخيلي , فكان البصر نائباً عن جميع الحواس ، عاكساً للجمال ، منزهاً عن شوائب الخلط والتغيير . يقول :
" ويوم تُلوحين لي على لوحة المغرب المخملي تباشير شالْ
يجرُّ نجوماً ... يجرُّ كروماً ... يجرُّ غِلالْ
سأعرف أنك أصبحت لي ، وأني لَمَسْتُ حدود المُحال ".
كلماته لا تبتعد عن حدود وألوان الطبيعة ، المقابلات في لوحة المغيب ، وتلك الحركة الكونية الصادرة عن النجوم تجعل الشاعر يلمس حدود المحال . فالمغيب بجوّه الرومانسي يبشُّرُ بحلول الظلام ، بسواده الحالك ، وبمصير الإنسانية المجهول .
وإن كانت صورة المغيب تستدعي من القارئ تخيل لوحة فنية ؛ أي : الذي يرده بعقل ويقضي بعدم انطباعه على الواقع كما جاء في لفظة الشال ، إلا أن الشاعر لا يهدف من وراء استخدام الطبيعة إلى استثارة خيال القارئ ، بل أيضاً استعارة ألفاظها للإشارة إلى الألوان الطبيعية المتوافقة مع مرجعيتها النفسية .
فالمعنى إما أن يكون محققاً على أرض الواقع ، أو مُخيّلاً عند القارئ ، وهذا لا يعني أن التخييل يقترب من الاستعارة " لأن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعيرة حتى يكون الكلام مما ينبو عنه العقل ، وإنما يعمد إلى إثبات مشبه بين أمرين في صفة ".
والشاعر أحياناً يذكر الفصول ، كفصل الربيع والشتاء والصيف ، يقول : " فلا تعجبي من غرابة طقسي ، ففي ذروة الصيف يوُلد عندي الشتاء ".
لكنه في كثير من الأحيان لا يحددها ، ويترك للألوان دورها في تعيينها ، وتصوير إيماءاتها ومرجعياتها النفسية ، ثم يكنّي بها عن فصل بعينه . فألوان الخريف الكئيبة تترك ظلّها على مواعيد العشق المتأرجحة بين الحلم والحقيقة ، يقول نزار: " ورق الأشجار في (مارلُو) نحاسيٌّ .... وورديٌّ ..... وأصفرْ .
ولقائي بكِ في الريف البريطانيِّ حُلْمٌ لا يُفَسَّرْ ".

لقد استعار نزار قباني أشكال الطبيعة ، وأشار في كل شكل منها إلى دور الألوان الكامنة فيه تعبيراً عن الحب في أحد أشكاله المتعددة ، حب حزين ، حب متشائم لا يهم ، المهم أنه حين يشير إلى اللون الأحمر فإنه يستعير شقائق النعمان للدلالة عليه ، يقول : " أستأذن في أن أقتلكِ ..
إنني أعرف أن كل غمائم السماءْ ..
ستذرف دموعها عليكِ ..
وكل الحمائم ستفرش ريشها الأبيض تحت رأسك
وكل شقائق النعمان ستطلع من حقول جسدك ".
إن شقائق النعمان بلونها الأحمر القانئ تتشابه مع الدم في تلك الصفة .... وقد يتشابك اللونان الأحمر والأخضر حين يستدعي الأمر مطابقة الحلم لذلك ، يقول : لو حميناه من البرد قليلاً ، وحميناه من العين قليلاً ، لو غسلنا قدميه بمياه الورد والآس قليلاً .... آهِ ... يا قاتلة الحلم الجميل المبتكر ، مؤسف أن يقتل الإنسان حلماً ".
الآس باخضراره يوحي بالتفاؤل من جهة ، ويشير إلى الوفاء من جهة أخرى . الوفاء الذي يكنّه لحبيبته لون آخر هو الأبيض ، فيقتبس الشاعر من الياسمين الأبيض ما يُشْعر بذلك ، ويؤكد انتماءه وأصالته ونقاءه ، يقول :
" أنا من سلالات الياسمين الدمشقي ، ومن مشتقات الكرز والخوخ والسفرجل ، ولكنني حين رأيت الفاكهة تتدحرج تحت بُرْنُسك الأبيض بدأت أشكّ بانتماءاتي ".
فالكرز والخوخ يشيران إلى اللون الأحمر المخالط للسواد ، وهذا اللون الخمري القاتم أضحى لغة جميلة عند الشعراء للعيون السود ، أمّا السفرجل فشهرته في لونه الذي يُغري الآخر ، وطيب رائحته التي تستفذّه وتنعشه من جديد . الياسمين بلونيه الأصفر والأبيض ينقّي وجهه ، ويحيلنا إلى معدنه النفيس وملامحه الجميلة الأصيلة . وبالرغم من ذلك فقد تلاشت تلك الألوان وذابت معها أصالة الدم والنسب والروح أمام هذا التنوع الكبير للألوان في معشوقته .
ومثل هذا كثير في قصائد نزار قباني ، من الصعب أن يحصى في هذا البحث ، إلا أن نزار يجري على عادة سابقيه في استعارة هذه الموروثات الطبيعية ، وفي ذلك يقول أحد الباحثين المعاصرين : " وثمة ألفاظ شعرية تعني ألواناً وأشكالاً معينة دخلت الشعر والأدب منذ القديم ، وأصبحت دلالاتها الفنية على اللون والشكل متعارفة . فإذا أراد الشاعر أن يصوِّر الحُمرْة استعمل لفظ النار أو العقيق أو الياقوت أو الورد أو لون الخجل مثلاً ، وإذا رغب في أن يستعمل اللون الأخضر عمد إلى لفظ السُّندس أو الزُّمُرّد أو الزَّبَرجد ، وإذا احتاج إلى الأصفر نَهَدَ إلى الوَرْس والزعفران والذهب ، وإذا لزِمه الأزرق عالج الفيروز واللازورد أو البنفسج أو أوائل النار وهكذا ".
نزار قباني من سلالات الياسمين كما يقول , وهو لا يخرج منها في بقية قصائده , الياسمين نبات رقيق وعذب , معمّر ودائم الخضرة , والشاعر من دمشق التي تشتهر بياسمينها , فلا يكاد يخلو شارع أو بيت دمشقي قديم منها , لقد استطاعت رائحتها العطرة أن تتغلغل في روح نزار في كل فصول السنة , لذا هي ترتبط في أبيات قصائده بالفصول الربيع والصيف على الأغلب . هو إذاً لا يزال يدور في فلك الرموز المؤنثة . يطالعنا نزار في قصيدة طوق الياسمين بأسراره .



بَعْضُ المختلف فِي شِعْرِ نزار قَبّانِي [رؤيةٌ مقترحَةٌ]
محمد علاء الدين عبد المولى

قيلَ الكثيرُ منَ الكلامِ، نقداً وهجاءً ومدْحاً وتكريماً وتسفيهاً, عن الشاعر نزار قباني, ومن المؤكد لديّ أنه سيقالُ كثيرٌ في المستقبل أيضاً. فما الذي يستطيعُ القارئُ الناقدُ تقديمَه منْ أفكارٍ جديدةٍ في هذا الصدد؟‏

لهذا ودون تكرارٍ لمقدّماتٍ وشروحٍ تمهيديّة، متوفّرة لمن يحتاجها, سأحاولُ هنا بناءَ عددٍ من الأفكار التي أراها أساسيةً في هذا المجال, من خلال مواصلتي لتفكيك الصورة النمطية المرتسمة في وعيِ النقد العربي من جهةٍ, وفي وعيِ أو لا وعيِ المتلقّي, (أو الجماهير) بالتعبير الذي لا أستسيغه, من جهة أخرى.‏

أولاً: بعضُ المختلف في علاقة شعر نزار قباني بالمرأة‏

قامَ نزار قباني بتجديدٍ واضحٍ, في مسألة ترتيب علاقة الشاعر العربي بالمرأة. ويتّضح ذلك أكثرَ, عندما ننظر إلى وضع المرأة/ الأنثى في الشعر العربي قبل نزار, وكيف كانت تتمظهرُ كموضوعٍ فنّيّ من جهة، وكموضوع بشري/ اجتماعيّ/ حياتيّ, من جهة ثانية. فالشعر العربي يقدم لنا نماذج من المرأة، نرى أنها لا تختلف أو تتباينُ كثيراً بين شاعرٍ جاهلي أو عذري, إلى شاعر حسِّيٍّ إلى آخر صوفيّ؛ حيث إن كل هذه النماذج وفي غالبيتها, تقدمُ المرأة/ الأنثى بصورةٍ غائمة وضبابيّةٍ, بحيث تظهرُ وكأنها شيءٌ أو موضوعٌ لا ملامح ولا علامات فارقة له, وبلا طعمٍ ولا رائحة، ولا يمكن لقارئ هذا النتاج الشعري الكبير, تخيّلُ وجودِ المرأة بصورةٍ ملموسة ومدركَة. وهذا في رأيي يسمحُ بوجودِ فجوة حادّة بين صورةِ المرأة الحقيقية كما يتعايشُ معها الإنسان, وصورتها الشّعرية المفارقةِ للواقع. وكانَ هذا يشكّلُ ظاهرة عامةً من الطبيعي أن يكون لها استثناءات كالعادة، وهي استثناءات كانت تحقّق بعض الاختراقات الهامشية التي لم تصنع ظاهرة بديلة وموازية (على سبيل المثال نذكر بعضَ أشعار امرئ القيس ـ القصيدة اليتيمة)، ليظلَّ النموذجُ السّائدُ هو امرأةٌ حبيبةٌ ينشئها الشاعر كتلةً ضبابيّة تتشابه في سماتها ومفردات تكوينها. فليس هناك على سبيل المثال, فرقٌ جوهري بين "فاطم امرئ القيس" أو "خولة طرفة" أو "أسماء الحارث اليشكري" أو نساء عمر بن أبي ربيعة أو ليلى أو ... إلخ. والغريبُ أن تمتدّ هذه الصورة النمطية حتى عصور لاحقة وصولاً إلى أحمد شوقي وإبراهيم ناجي والشابي على سبيل المثال, وهذا ما سوف نأتي فيما بعد على ذكره ثانيةً مستشهدين برؤية نزار نفسه للمسألة...‏

تطالعُنا هنا صورةُ امرأةٍ لا تفاصيل لها, ولا إحساس ولا كيانٌ مستقلّ, ولا نعرف عنها إلا ما يريد الشاعر ن ينقله إلينا, وما علينا إلا تصديقه. وما الأمثلة القليلة التي يمكن أن تشكّل خروجاً على هذا النمط إلا دليل على أنه هو النمط القاعدة، والمتوارثُ من جيل إلى جيلٍ. فهي الجميلة دون أن نعرف كيفيةَ جمالِها, وهي شهيّةٌ دون أن تظهر إلا صدى لشهوة الشاعر, وكأنها أنثى محجّبةٌ مضروبٌ عليها خمارٌ, مع أنها موضوع للحبّ و الغزل والجنس كذلك.‏

وكان ذلك أمراً يبعث على التساؤل والحيرة حقّاً. لا سيما وأنه على الطرف الآخر من القضية, يمكن أن نرى العكس, ولكن هذه المرة ليس في الشعر... فإذا دقَّقَ قارئُ ا لتراثِ في نصوص النثر والسرد العربيين, وكتبِ (الإيروتيكا) التي كانت تمعنُ في قراءة الجسدِ وأحوالِ الجنسِ وأوضاعهِ, فسوق يقع على قولٍ ورؤية وثقافةٍ, لم تترك شيئاً في المرأة إلا واخترقته: من لباسها حتى عطورها ورقصها ومشيتها وأصنافها, وتراتبها في التركيبة الاجتماعية والبيئية والثقافية، وبكلّ ما يتعلق بالشهوة والعلاقة الجسدية بأدق تفاصيلها, بينما قصّر الشعر في ذلك.‏

إضافة إلى أن القارئَ الذكي للتراث سوف لا يعدم وجود بعض نصوص هذا النثر والسرد مشتملةً على الكثير من الإشارات الحسية الواقعية التي تصف خارطة الجسد الأنثوي، وخاصة في المرويَّة الطويلة (ألف ليلة وليلة) التي نجد جسدَ المرأة فيها وقد اتخذ حضوراً أنثويّاً حادّاً وأساسياً ومركزياً, عبر تقديم هذا الجسد الأنثوي لنفسه في علاقته م ع الجمال والإغراء والعطور والحمَّامات واللباس الأنيق والمثير, والنطق المموسق والرقص الموظَّف, وعبر التركيز على صفاته الجريئة باللون والحركة والأعضاء.‏

كما يفصحُ البعض الآخر من النثر العربي الذي يسرد وقائع الحياة في العصرين الأموي والعباسي, وخاصة حياة ليالي الخلفاء والأمراء والولاة في سراديب قصورهم وأسرار معيشتهم وبساتين القصف واللهو، أقول يفصحُ هذا النثر عن امرأةٍ من لحمٍ ودمٍ حارَّين, امرأة ما هي إلاّ انعكاس أمين للصورة المرتسمة للأنوثة في المخيّلة والذهنية العربيتين, وهي صورة كانت تنتقل من الواقع إلى هذه المخيلة، أو لنقل إنها صورة تتناوبها لحظتا الواقع والمخيلة في الوقت نفسه في علاقة متبادلة تأخذ هذه من تلك وتعطيها في الوقت ذاته, أي لم تكن هذه الصورة من إنشاء الخيال وحده بل من تأثير الواقع.‏

هل هناك مبرّرٌ واضح ومقنع, لغيابِ جسدِ المرأة وتفاصِيلها وجمالها, ببعده الجسدي والشهوانيّ عن القصيدةِ العربية؟ هل نقول إنه تَعالي الشاعرِ العربي, حتى لو كان ي صنف على أنه شاعر الجسد والغزل والتشبيب, تعاليهِ عن تعرية جسد المرأة أمام الآخر؟ وكأنّ المسألةَ تتعلق بتناقضٍ بين شبقٍ الشاعر مع امرأته, وبين رغبته في (حَجْبِ) هذه المرأة عن المتلقي؟ إن ذلك منع الشاعر من إعطاء (أنثاه) بُعداً حياتياً واضحاً يضاف إلى البعد الغائم أو البعد الروحي لها, أو على الأقل يحقق انسجاماً بين المرأة وبين تهافت الشاعر عليها وتهالكه الشبقي أمامها وهو مما يظهر جلياً في القصيدة العربية...‏

أم نبحث عن السبب في مكان آخر؟ فنقول إن المرأة العربية في واقعها المعاش كانت امرأة غير مكشوفة الجسد, محجوبةً بطبيعتها ونظراً لكونها عضواً في مجتمعٍ قبلي ذي منظومة أخلاقية لا تسمح لها ولا تقبل هي كذلك, أن تكون الخروج على النمط المعطى لها, لهذا لن تتكشف تفاصيل هذا الجسد إلا من خلال ما هو متاح ومتناغم مع الأخلاق القبلية والتي كرّسها فيما بعد الدين. والمدقق في صورة المرأة سيرى أن الشاعر لم يقصر في التركيز على أي عضو مكشوف من جسدها, من هنا سنفاجأ بهذا الكمّ الهائل من الصور المتعلقة بعيون المرأة، وحركة مشيتها المتثاقلة من وراء ثيابها ا لمتموجة على امتلاء جسدها. إنها امرأة محجّبة في الواقع, لهذا حُجّبت في القصيدة. على أننا لا نبرّئ بهذا تقصير الشاعر العربي على الصعيد الفني البحت, في مسألة الاقتحام وتكسير هذه الصورة، لأن الشاعر لا يقف عند المعطيات المسلم بها في الواقع, ويتجاوزها ويبتدع واقعاً آخر يسهم في تثوير الصورة المألوفة للمرأة. لا سيما وأن هذا الشاعر العربي لم تكن أبداً تنقصه المقومات الفنية والجماليات الفذة، في التقاطِ تفاصيل ا لجسد وتعريته جزءاً جزءاً, والمثال على ذلك ما كان يفعله في قصيدة الناقة، من وصف دقيق ومطول لكل ما يتعلق بجسد الناقة وجمالها. لقد ترك لنا الشاعر العربي صورة جميلة جداً عن الناقة، عارية مكشوفةً لا لبس فيها, وترك لنا بالمقابل صورة غائمة لا تفاصيل فيها عن المرأة. وربما من هنا جاء هذا المعجم الهائل من التشبيهات والاستعارات المأخوذة من جسدِ الناقة والمسقطة على جسد المرأة، كحالةٍ تعويضية عما احتجبَ من جسدِ المرأة. إذ نقلَ صفات جسدِ الناقة من حقله الواقعي الأصلي إلى حقلٍ آخر اكتسب من خلاله روحاً جديدة وقدرة على التصوير.‏

هذا وقد يحقّ لنا ال سؤال بصورة ثانية وعلى مستوى آخر فنقول: لماذا لم نجدْ هذه المرأةَ في الشعر العربي إلاّ كما ذكرنا, بينما وجدناها متوفّرةً بصورة أخرى ومختلفة في النثر العربيّ؟ هل كان النثرُ أقدرَ فنياً وجماليّاً على تلبيةِ هذه الحاجة؟ من حيث أنّ مفهومَ الشّعرِ كان يقتضي التّعاملَ مع المسائلِ بشكلٍ شموليّ وكليّ ومطلقٍ وليس بشكلٍ تفصيليّ, الأمرُ الذي كان متاحاً للنثرِ, الذي شكّل غالباً خطّاً هامشياً مقصيّاً عن سلطةِ الخطاب الثقافيّ المطلقة؟ أقول وفي حدودِ معرفتي, إنّ هذا السببَ ربما لم يكن بعيداً عن خلفية هذه المسألة، والتي شكلت ثغرة كبيرةً اكتشفها نزار قباني من خلال قراءته للشعر العربي عبرَ مصادره الكبرى، فأدرك الثغرة في نظرة الشاعر العربي إلى المرأة، فكان هو أول شاعر عربي, في زعمي, ينقل العلاقة مع المرأة في الشعر إلى فضاءٍ مبتكرٍ وأرضٍ غيرِ محروثةٍ من قبلُ, مقترباً بذلك من المحرّم الاجتماعي والفني في الوقت نفسه.‏

لقد أطاح نزار قباني منذ تجاربه الشعرية الأولى ـ وهذا المهمّ, أي أنه وعى ذلك باكراً ـ بتمثالِ المرأةِ وأسقطَ عنها كلّ قناعٍ وحجابٍ ممكنٍ, ليُظهرَها على أنها جزء من حياتنا التي نعيشها ونعانيها, لا فكرةٌ قائمةٌ في مخيّلتنا المكبوتة فقط. وبهذا اقترب من تفاصيلها ونثرياتها ولغتها اليوميةِ, وكانت هذه الثورة بحاجة إلى مصاحِباتٍ فنيةٍ تسهمُ في إنجازِ قصيدةٍ ذاتِ جمالياتٍ مختلفةٍ ومحرّضةٍ, لذلك جاءت لغةُ نزار جديدةً ولا تخضعُ لا لمألوف المتلقي العربي العادي, وأعرافه المستقرة، ولا تخضعُ كذلك للنمطِ الشعري المتداول بين أوساط الشعراء.‏

إذاً من هنا أشرنا إلى اقتحامه للمحرمين الاجتماعي والفني معاً, ولم يكن اقترابُه من لغة الحياة اليومية، والبعيدة عن المطلقاتِ والكليات, إلا سبباً جوهريّاً من أسبابِ عداء المجتمع الذكوري المقدس, في بُعدَيْهِ الديني والثقافي للشاعر, ولمغامراته التي قرّب فيها لغةَ الشعر من لغة النثر, مكمّلاً بذلك الوظيفةَ التي كان النثرُ العربي يقوم بها من توصيفٍ خارقٍ ومدهشٍ ومحرجٍ للجسد الأنثوي.‏

والمجابهةُ الاجتماعيةُ العنيفةُ التي ووجِهَ بها نزار, قد تكون دليلنا على أنّ الشاعر العر بيّ عندما يقتربُ من عراءِ المرأة وجغرافيةِ جسدِها كاملةً, فكأنه يخترقُ القانونَ الاجتماعي والديني, أو بتعبيرٍ آخر, كأنه يتجرّأ فيعلنُ على الملأ تلك الصورة الحقيقية للمرأة التي (نتستّرُ) عليها جميعاً. وهذه المسألة لها ما لها من مغزى وأمثولةٍ دالّة، وذلك عندما نتفحّصُها في منشئها الفني, فهي تعني أنّ نزاراً أنزلَ الشعر من عليائه وميتافيزيقيّته وما رائيّاته الضبابية المتعلقة بالمرأة والجسد؛ إلى الأرض, ليتلقط لنا المرأةَ وهي على التراب وفي حياتها اليومية،لا المرأةَ القائمةَ في ذهن الشاعر وتهويماته. وهذا ما كان يقتضي من اللغة الشعرية أن تتغير, وتبحث لها عن احتمالاتٍ أخرى جديدة لم تكن في حسابات الشاعر العربي. من هنا كان لا بدّ للغة الشعر أن تتوسل بلغة النثرِ من حيث قدرة هذا الأخير على تحقيق المهمة الجديدة للشاعر, وهي تحويل الموضوع (المطلق) إلى موضوع (نسبيّ). أي ترحيلُ المرأة من هلاميتها إلى تعيُّنها الحسي الملموس, لا على أنها (نمطٌ عمومي) يشترك في تداولـه الشعراء كلهم, بل على أنها امرأة تخص تجربة شاعر ما بعينه، وتمتلك ما يميزها عن امرأة تخص شاعراً آخر. وهذا ما لم يكن يحدث عبر تاريخ الشعر العربي كما أزعم.‏

إن القيام بهذه المهمة الفنية الخطيرة في لحظة تاريخية نوعية، كان يقتضي أن تتغير العلاقة مع أدوات التعبير الشعري, أو مع عناصر الخطاب الشعري داخل القصيدة العربية، كما إن تحطيم صورة (المطلق) يحتاج إلى عدة شغل لغوية تتعاطى مع العالم بشكل نسبي وتفصيليّ, ممّا يفسر لنا بشكل منهجي لماذا انعطفت لغة القصيدة على يدي نزار قباني لتأخذ هذا الطابع اليومي التعددي, الكثير, في مقابل هيمنة لغة مطلقة متعالية واحدية, على جسد القصيدة العربية طيلة قرون. بتعبير آخر: لقد عقد نزار قباني التاريخي بين لغة الشعر ولغة النثر... وهذا ما كان يوصّفه النقد العربي في حينه بأنه (اللغة الثالثة).‏

وفي هذا الصعيد يمكنُ لي أن أسجل ريادةً للشاعر نزار قباني, في التفاتِه الباكر, لتوظيف النثر في الشعر, وهي المسألة التي تنشغل بها الآن كتابات نقدية أو تجارب شعرية على رأسها محمود درويش, الذي أجد أنه يكملُ بطريقته وحسب فرادة مشروعه الشعري, ما كان نزار يفعله بكل عفوية، من استثمارٍ للنثر داخل القصيدة الشعرية، حيث رأينا في قصيدة نزار لأول مرة في الشعر العربي هذا الكمّ من التفاصيل اليومية الهامشية والدقيقة، والتي تعيش في الظلّ والعتمة، في الوقت نفسه كانت قصيدة نزار تستحضرُ هذه التفاصيل دون كثيرٍ من البلاغة التقليدية العتيدة والمعهودة في الشعر العربي, لأنها بلاغة تتنافى مع طبيعة النثر اليومية. ولا ندري, أو لعلنا ندري؛ فربما كان هو الآخر ـ أي نزار ـ يكملُ بوعيٍ أو لا وعيٍ منه, مسيرةَ النثرِ العربيّ الذي تحرر من قيود العروض والإنشاد في البلاط والمحافل الدينية والرسمية.‏

ومع أننا نرى أن نزار قباني فعل ذلك بشكل عفوي، ولكن ذلك لا يعني التقليل من شأن وعيه للموضوع كحاجة فنية ملحة، وغاية جمالية يسعى من خلالها لتحقيق إضافة ما, إلى تقنيات القصيدة العربية. فالحقيقة كما قد أراها, أن المسألة عند نزار في كل الأحوال, لم تكن هوايةً يمارسها في أوقات الفراغ, أو خاطراً يردُ على ذهنه أوقاتَ القيلولة، بل كانت مشروعاً مركزياً في تجربته الشعرية، بحيث أزعم أن نزاراً قام على هذا الصعيد بثورةٍ حقيقية في الشعرِ, ثورة له فضل الريادة المطلقة فيها ولا ينازعه فيها أ يُّ منازعٍ.‏

لقد كسر نزار النمطَ الشعري والذهنيّ المتكلس المترسب في لا وعيِ فكر الإنسان العربي, حين تعامل كشاعرٍ مع المرأة آخذاً إياها بكلّ حياتها, جسداً وتفاصيل وأسراراً وتناقضات وخيانات وشبقاً وشذوذاً, مما كان يتطلب منه كسراً للنمط الجمالي للقصيدة والمهيمن على ذهن المتلقي العربي. بحيث تم إخراج بلاغة الشعر وصورته ومجازه واستعاراته وتشبيهاته وكناياته ومعجمه, من منطقة إلى منطقة جديدة حديثة.‏

وإذا كان الأمر بحاجة إلى أمثلة فشعره كله أمثلة على ذلك. لأنها لم تكن كما قلت مسألة موضوعات يقترب منها بين مرحلة وأخرى، وإنما كان شعره قائماً على هذه النظرة التجديدية. ومع ذلك, ومن أجل ضرورة القراءة النقدية، نستأنس بالأمثلةِ التالية:‏

يقول في أوَّل ديوان له:‏

سِيري.. ففي ساقيكِ نهرا أغانِ‏
أطرى من الحجاز.. والأصبهاني‏
بكاءُ سمفونيّةٍ حلوةٍ‏
يغزلها هناك قوسا كمانِ(1)‏
ويقول في ديوان آخر:‏
ألوانُ أثوابها تجري بتفكيري‏
جريَ البيادر في ذهن العصافيرِ‏
ألا سقى الله أياماً معطّرةً‏
كأنهنّ.. أساطيرُ الأساطيرِ‏
أين الزمانُ؟ وقد غصّت خزانتها‏
بكلّ مستهترِ الألوانِ معطورِ‏
فثمّ رافعةٌ للنّهدِ.. زاهيةٌ‏
إلى رداءٍ, بلونِ الوجدِ مسعورِ(2)‏
ويقولُ:‏
حبيبي‏
أخاف اعتيادَ المرايا عليكْ‏
أخافُ اتمامي بشكل يديكْ‏
أخافُ اعتيادَ شفاهي‏
مع السنوات على شفتيكْ‏
أخافُ أموتُ‏
أخافُ أذوبُ‏
كقطعةِ شمعٍ على ساعديكْ‏
فكيف ستنسى الحريرَ‏
وتنس‏
صلاة الحرير على ركبتيكْ(3)‏

اضطر عامداً إلى ذكرِ أمثلة مبكرةٍ من تجربة الشاعر, لأن النقلة النوعية الفريدة التي نتحدث عنها قد تحققت في مرحلته الأولى، أمّا في المراحلِ التاليةِ سرعانَ ما أصبح الأمرُ منجزاً, وسمةً أساسيةً من سماتِ المشروع النزاري. الذي أصاب الشعر العربي بعدواه بطريقة أو بأخرى.‏

إن اللغة التي تعلن عن نفسها في الأمثلة السابقة هي لغة لن نجدها عند شعراء عاصرهم نزار في شبابه, ولو رحنا نقرأ في شعر صلاح لبكي وسعيد عقل على سبيل المثال لرأينا اللغة تتناول المرأة من علٍ وتتأبى على جسدها وتفاصيله, مكملةً بذلك المعجمَ الشعريَّ الموروثَ من مئات السّنين(1) .‏

ويكفينا أن نستحضر قصيدة (المجدلية) لسعيد عقل, ونتفحّصَ المرأة التي فيها, لنرى كيف يقف موضوع القصيدة الحقيقي وهو الأنثى الآثمة المجدلية، يقف على طرف نقيض من لغة التعبير التي استخدمها سعيد عقل, فمع أن موضوع (المجدلية) يحتمل كثيراً من الشغل على الجسد في بعده الحسي الشهواني, مع ذلك تعفّف سعيد عقل ـ وظل طيلة حياته متعففاً ـ عن أن يكون شعره حسياً شهوانياً يهتمّ بجسد المرأة، التي يتخذ منها مادة لقصيدة جميلة ومتميزة.‏

لن يكون الأمرُ على هذا النحو مع نزار قباني, ونحن نختار سعيد عقل أنموذجاً نظراً لما يعنيه اسمه من دلالة شعرية ورمزية كبيرة ولا تضاهى، فاسمُه يُغنينا عن الاستشهاد بعشرات الأمثلة، ثم إنّ سعيد عقل هو الشاعر الذي تأثرت بداياتُ نزار قباني ببعض جمالياتِ شعره ومعجمه اللغوي، ولكن نزاراً حدّد خياره على النقيض من خيار سعيد عقل, فيما ي ختصّ بلغةِ الجسد.‏

وعبْرَ هذا الثورة التي أشرنا إليها سنرى المرأة/ الأنثى وقد انزاحت الصورةُ الضبابية عن وجودها, فأصبحت مرئيّةً مكشوفةً بصورة لم يسبق لها مثيلٌ. ويمكن لي ربط ذلك بنزعة التمرد والثورة التي تبلورت وتأسّست عليها شخصية الشاعر نزار قباني, التمرد الاجتماعي الثقافي من جهة، والتمرد الفني من جهة ثانية وهذا هو الأهمّ. وهو ما سوف نرى الشاعر يؤكد عليه مراراً. ولكن رأينا أنه يمكن تفريع ملاحظة نقدية عن هذا الجانب الفني في شخصية الشاعر, وهي تتعلق بارتباطٍ ما نراه قائماً بين وضوح جسد الأنثى بتفصيلاته ومخفياته وأسراره, وبين موهبة الرسم التي كان نزار يمارسها وهو طفل, والتي يعترف هو بفشله في تطويرها كموهبة، مما اضطره لنقلها بصورة شعورية ولا شعورية إلى الشعر, فبدأ يعوّض موهبة الرسم باللون بموهبة الرسم بالكلمات, الأمر الذي تطلَّبَ منه الدمجَ بين تقنيتي اللغة المكتوبة واللغة الملوّنة في الوقت نفسه. فالرسم يأخذ الشاعر إلى جهة التفصيلات الدقيقة والمنحنيات المرئية واللامرئية في جسد المرأة، ويملي عليه استخدام خطاب اللون حتى آخر طاقة ممكنة ، مما استوجب كذلك أن يُظهر المرأة بألوانها من أظافر قدميها حتى ضفيرتها مروراً بألوان ثيابها الداخلية من مايوه وحمّالة نهد إلى آخر التفصيلات والموجودة بغزارة في شعره. فأصبحنا نرى للمرة الأولى أشياء المرأة ومشاعرَها وأسماءَها وهي ملونة. حتى أننا نستطيع إعطاء نزار ميزة استخدام اللون على الطريقة الرمزية، بحيث يوحي كل لون بمسألة حسية أو وجدانية معينة. إن النهد عند نزار يبدو تارة نهداً فلِّيّاً وتارة حريرياً, وتارة ثالثة أسمر, ومرة أخرى ذهبياً. كما نرى عنده الشفاه ليست فقط قرمزية أو خمرية بل قد تكون شفته هو كالمزارع الخضر (وهذا استخدام جديد وفريد للَّون الأخضر في علاقته بشفاه الرجل)!. كما نرى عنده الدمع أسود والمطر أسود، أو الضوء الأسود في العين الإسبانية، أو نرى شوارع غرناطة في الظهيرة حقولاً من اللؤلؤ الأسود, ونرى الثلج أسود والسماء سوداء, حتى أنه يرى الجسد الخمري أسود! ونرى صوت المرأة أبيض وكلامها أبيض وشعورها أبيض. ويقول لها في موقع آخر (أنتِ لي رحمة من الله بيضاء). وقد نرى عنده الصوت أزرق, والدم بنفسجياً والبحر شالاً بنفسجياً. وقد ترقص الكلمات عنده بأثواب مختلفة من اللون الأحمر إلى الصفر. وقد تغزلُ يدُ الأنثى شمعاً أصفر. (وكل هذه الصفات مأخوذة حرفياً من مجمل نتاجه).‏

وقد ارتبطَ تلوينُ الجسدِ وأشيائه وأحاسيسِه, عند نزار, بعلاقات حسيّةٍ شبقيّة مع الجسد, فكان اللون يقوم بوظيفة فعّالة في صياغة هذه العلاقات. وهو بذلك لم يكن يتوهّم الأنثى أو جسدَها, إذ أنه لم يتعامل معها من خلفِ حجاب, بل فاجأها وهي في أدقِّ وأحرجِ الأماكن والأوضاعِ, مسلّطاً عليها كل ما يملك من ضوء فاضح ومتلوّنٍ...‏

وأريد أن أشير هنا إلى عددٍ من النقاط تتعلَّقُ بالمرأةِ في شعر نزار قباني, وهي نقاط اعتدنا أن نراها ملتبسةً على النقد الذي وُجّهَ إلى شعر نزار, وما يزال حتى هذه اللحظة تلتبس عليه الأمور.‏

1 ـ لم يكنْ نزار في هذا الاستخدام الفاضح للمرأة/ الأنثى يقلّد أحداً من شعراء العرب القدماء, ولا يمكن للمدقّق أن يُرجِعَ شعره إلى أيِّ شاعر بعينِهِ في التراث العربي, فما كان يصنعه كان جديداً بصورة مطلقة في ظنّي, وكان هو مدركاً لذلك, رافضاً في عدد كثير من المواقع في شعره ونثره أن يحيله النقد أو القراء إلى أيّ شاعر عربيّ, خاصةً عمر بن أبي ربيعة الشاعر الذي اعتاد النقاد على إرجاع شعر نزار إليه. فعلى سبيل المثال يقول:‏

إنني لم أرِثْ حبيباتي‏
عن عمر بن أبي ربيعة‏
ولا عن سواه من الشعراء الغزليين‏
فأنا أعجن نسائي بيدي, كفطائر العسل‏
وأسبِكهنّ في مختبري, كدنانير الفضّة(4)‏
ويقول في كتاب (عن الشعر والجنس والثورة):‏

((أرفضُ القول أنني أنقل عن الذاكرة الشعرية العربية, أو أية ذا كرة أخرى. إنني بهذا المعنى شاعر مصابٌ بفقدان الذاكرة. منذ بداياتي حاولت أن أخرج على الأنموذج الشعري العام في الغزل العربي. فمن خلال قراءاتي الشعرية تنبهت إلى شيءٍ خطيرٍ, وهو أن كل الحبيبات في الشعر العربي هنّ واحدة. إن حبيبة جرير هي نفسها حبيبة الفرزدق, وحبيبة أبي تمام, وحبيبة الشريف الرضيّ, وحبيبة أحمد شوقي, وخليل مطران, وسامي باشا البارودي. ومقاييس المرأة الجسدية كانت هي الأخرى واحدة. والانفعال بجمال المرأة كان دائماً صحراويّاً, بمعنى أن أمير الشعراء شوقي لم يستطع أنه يتحرّر, وهو في باريس, وإسبانيا, وجاردن سيتي, والزمالك, من رنين خلاخيل البدويات ووشمهنّ, وكحلهنّ, وأوتاد خيامهنّ.‏

كانت هذه الحقيقة ترعبني, لذلك أردت أن أدخلَ إلى الشعر العربي من باب آخر, وأن أطرح عشقي الخصوصيّ على الورق دون استعارة عشقِ الآخرين. الحبّ الذي كتبت عنه, هو حبّي أنا, ومعاناتي أنا, والأبجدية التي اعتمدتها في الكتابة عن هذا الحبّ هو أبجديتي أنا. إنني أول شاعر دخل إلى غرف الحب الضيقة، ورسم أشياء العشق المعاصرة بدقة عدسة تصوير. وأنا أول من أدخل تفاصيل الع شق اليومية في الشعر (الجرائد, الكتب, الستائر, منافض الرماد, أدوات الزينة المعاصرة، المقهى، المرقص, ثياب الاستحمام, العطور، الأزياء... إلخ) ومن هنا أعترض على كلمة ذاكرة، لأنني, على حدّ تصوّري, كنت أحاولُ أن أسجّل علاقاتِ الحبّ في عصري, بطريقتي الخاصة، بحيث اتفق أكثر من ناقد على القول: إن شعري هو وثيقة اجتماعية للحياة العاطفية بين الجنسين خلال الثلاثين سنة الأخيرة))(5).‏

2 ـ عندما كشفَ نزار عن جسدِ المرأة، واقترب من حالات هذا الجسد الإنسانية كما هي على أرض الواقع, من جنس وعواطف مكبوتة أو معبّر عنها إلى شذوذ وقمع عاطفي إلى أمومة وخيانة ودعارةٍ... إلخ, فإنهُ لم يكنْ ليقدّم نفسه على أنه شاعر إباحيّ. بمعنى أنه إذا أباح استخدام اللغة الجسدية الجريئة والمقتحمة لأبواب الطوطم الجنسي والاجتماعي فإنه لم يكن يبيحُ جسد المرأة، بل سأقول إنه ليس في شعره جملة واحدة أو موقف واحد ولو كان عابراً يدل على أنه شاعر إباحيٌّ, وهو لا يحقق ـ فيما كتبه من عراء وشبق وجنس وحب ـ شروط الأدب الإباحيّ. إن هناك في العمق والجوهر فرقاً أساسيّاً ومحوريّاً بين خطاب ا لجسد الجريء والصريح وبين استباحة هذا الجسد, بل على العكس إن نزاراً في غيرته على المرأة/ الأنثى الحبيبة والصديقة يظهر أنانيّاً وشرساً في الدفاع عنها له وحده. وإذا كان شعره يدخل في باب الأدب الجنسيّ فليس كل ما هو جنسيّ إباحيّاً أبداً.‏

3 ـ المرأة في شعر نزار ليس رمزاً لأي شيء. والذي يحدد وجودها وقيمتها في القصيدة ليس شيئاً خارجاً عنها أو ملحقاً بها. وهو لم يتَّكئْ على المرأة كعكّازة فنّية ليحمّلها رموزَ الوطن والثورة والمستقبل الثوري، بل جعلها تقول نسَها بنفسها مستقلَّةً عن أية تبعيّة لمرجعيَّات مضافة. والمرأة الرمز في الشعر العربي بعامة والسوري بخاصة ـ ولا سيما في مرحلتي الستينيات والسبعينيات ـ أصبحت تعني الابتعاد عن الأنوثة الحقيقية والنأيَ عن بنية المرأة المكتفية بذاتها وبعوالمها ورموزها. إن المرأة في هذا الشعر السوري بخاصّة فاقدةٌ لطبيعيّتها وأريحيّتها وكرامتها, لا يكترثُ الشاعر بكيانها وحريّةِ شخصيّتها, فينظر إليها دائماً مرتبطة بالوطن والأرض والاحتلال.‏

وأجد أن الشعر العربي الحديث في هذه المرحلة وفي علاقته بالمرأة، عاد عودةً مريعة إلى صورة المرأة التي أشرنا إليها في حينه, في القصيدة العربية في التراث القديم, وهذه ازدواجية غير مقبولة في رؤية الحداثة، ففي الوقت الذي نخرج فيه على الشكل الخارجي للقصيدة؛ نجد أننا نقلد القصيدة القديمة في طمسها لملامح المرأة/ الأنثى، مع أن الظروف الاجتماعية اختلفت وانقلبت جذرياً, ولكن يبدو أنه تغيير وانقلاب تناولاً سطحَ المجتمع لا عمقه, فليس ممكناً غضّ النظر نقدياً عن غياب شعر الجسد واللذة عن قصيدتنا الحديثة، في الوقت الذي كانت موضوعات المرأة والجسد معياراً من معايير تحديث المجتمع لبنيته الداخلية. الأمر الذي لم يعن به شعرنا الحديث, لذلك فنحن نراه في المراحل التي أشرت إليها (الستينيات والسبعينيات) أن حبيبة الشاعر هي نموذج شائع لا خصوصية له, يمكن أن تكون حبيبة أي شاعر آخر, إنها هي الأخرى نموذج (ليلى) رمز العشق والحب, يستهلكه كل الشعراء دون استثناء, هي امرأة بلا ملامح ولا كيان ولا قيمة لها, بل إنها كائن دونيٌّ لا يملك في نظر الشعراء ما يجعله يستمدُّ قيمته من نفسه, وإنما تتحدّدُ هذه القيمة من خلال افتعال العلاقة بين المرأة وم قدّساتٍ أخرى وأهمّها الوطن والثورة. (وهذا أمر مفارق ومستنكر). وقد شكّل نزار قباني استثناءً لا مثيل له في هذه المعمعة, شاء النقد أم أبى...‏

ثانياً: بعضُ المختلفِ في شعر نزار قباني السياسيّ‏

من الأفكار الشائعة عن نزار قباني أنه لم يكتب شعراً في موضوع الوطن أو شعراً وطنياً أو شعر سياسياً قبل نكسة/ هزيمة حزيران 1967, وقد يجد المرء في بعض ما كتبه نزار ما يؤيد هذه الشائعة التي ذهبت رأياً نقدياً دون تمحيص من أحد تقريباً. وهذا يفرض علينا وضع السؤال حول مفهوم الشعر الوطني والسياسي موضع التساؤل من جديد على ضوء وعينا الجديد. فقد درج النقد العربي على تحديد الشعر السياسي أو الوطني على أساس الموضوع المباشر الذي يقوم بإلغاء الطابع الإنساني لمفهوم الشعر الوطني, وحصره في جزر مغلقة لا يمكن الدخول إليها إلا عبر نظريات مسبقة عن النضال والثورة. من هنا اضطر الكثيرون تحت وطأة النزعة المؤدلجة والمسيّسة, إلى تقسيم شعر نزار إلى صنفين: الأول شعر المرأة والثاني الشعر السياسي. وكما قلتُ فقد لعبَ الشاعر نفسه دوراً في إعطاء مبرر للآخرين لمثل هذا التقسيم, وذلك من خلال تسمية بعض أعماله بـ (الأعمال السياسية). ولكنه في الوقت نفسه يطرح في هذه القصيدة أو تلك ما يدل على تبرّمه بهذا التقسيم الحاد الذي يُسقط عن الشاعر وطنيته قبل هزيمة حزيران, ويُسقط عن شعر الحب الذي يكتبه غاياتِه أو منطلقاتِه السياسية غير المباشرة والتي تتخفى عبر ثنايا المواقف الحادة من ظلم وإرهاب الجسد العربي لا سيما جسد المرأة. فهل يمكن حقاً ألا نرى، كنقّادٍ من مسؤوليتهم البحث في أسباب الظاهرة وخلفياتها غير المباشرة، في شعر نزار قباني أيَّةَ مواقف سياسية مضمرة وهو في صدد اختياره موضوع الجنس والحب مثلاً؟ أليس الموضوع ذا بعد سياسي سواء عبّر الشاعر أو لم يعبّر عنه؟ ماذا يعني تركيزُ شاعرٍ على القمع الذهنيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والعاطفي والجنسي في مجتمعٍ ما؟ أليس لهذا الموضوع مؤدّاه السياسي البعيد المدى؟ لكنّ المشكلة أنه هوجم عقائدياً وأيديولوجياً هجوماً كبيراً, الأمر الذي طمس البعد السياسي لمشروعه الكبير. بينما تقدم لنا الدراسات النفسية أن للموضوع الجنسي ارتباطاته الاجتماعية المتصلة بالسلطة الدينية ا لتي تدعم السلطةَ السياسية َ, وتكرّسُها لتأخذ منها أسباب وذرائعَ هيمنتها هي الأخرى. وإذا كان شعر نزار في الجسد والحب لا يؤدي إلى فضح هذه السلطات فما الذي كان يفعله إذاً طوال نصفِ قرنٍ؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية كيف نقرأ نحن شعر نزار إذاً إذا كنا لا ندرك فيه هذا البعد؟ إن اعتماد نزار على موضوع الثورة الجنسية وربطها بالثورة الاجتماعية والسياسية كان خياراً سياسياً بحتاً, وحديثه عن الفساد الأخلاقي في المدينة، ومظاهر التجارة بالجسد من قبل سلطة المال والنفط, واضطهاد المرأة باسم الدين والأخلاق في المجتمع الذكوري, كل ذلك كان دخولاً محرجاً في الموقف السياسي, حتى ولو اعترض النقد المؤدلج على ذلك.. يقول نزار عن أول ديوان له:‏

(("قالت لي السّمراءُ" حين صدوره أحدث وجعاً عميقاً في جسد المدينة التي ترفض أن تعترف بجسدها أو بأحلامها. كان دبّوساً في عصب المدينة الممدودة منذ خمسمائة عام, على طاولة التخدير.. تأكل في نومها, وتعشق في نومها وتمارس الجنس في نومها.. "قالت لي السمراء" كان كتاباً ضد التاريخ وضدّ التاريخيين.. ومن سوء حظه ـ أو ربما من حسن حظه ـ أنه ولد بين أضراس التني ن))(6).‏

لقد قدم نزار إدانات لا حصر لها للرجل الشرقي في بيته وسريره وعمله وفي تعامله مع المرأة وتعامله مع الحضارة والحب والدين والشعر والغناء. ومن هو هذا الرجل الشرقي؟ هل هو كائن متخيّل أو كان حيّ, هو نحن جمعياً, في جميع مواقع حياتنا من السياسة إلى الكتابة؟ وأي سياسة ستكون سائدة في مجتمع تلك صفات رجاله؟ هل هي سياسة العدل والأمان والحرية؟ ألم ينتبه حقاً النقد العربي إلى أن الدعوة إلى الحرية في شعر نزار قباني كانت موضوعاً سياسياً واضحاً لا لبس فيه؟ أم أن هذا النقد لا يفهم الحرية إلا وفق (المانيفست) الأيديولوجي مسبق الصنع؟ كيف يمكن لإنسان أن يحرر وطناً أو أرضاً وهو معتقل داخل جسده ورغباته وغير مسموح له أن يقبل حبيبته بحرية؟ كيف يمكن لجنديّ أن يقاتل على الجبهة بينما ذهنه محصور في قضية شرف أخته مع ابن الجيران؟‏

إنني أرثي بكل أسف كلّ ما كتب عن شعر نزار, مع أنه خالٍ من الموضوع السياسي خارج (شعره السياسي بعد هزيمة حزيران), وأرثي لكل نقد لا يرى في الحب والجن س موضوعاً كبيراً غير منفصل عن الموقف السياسي.‏

مع ذلك, وإذا وقفنا من زاوية أخرى عند الشائعة المعنيَّة، وهي أنه لم يكتب شعراً في الوطن قبل هزيمة حزيران, أقول إن هذا الرأي عارٍ من المصداقيّة، لسبب وحيد هو أن نزار قباني كتب عن الوطن دائماً منذ أول ديوان له. ولكنه لم يُقرأْ جيداً من جهة، ومن جهة ثانية لعدم اعتراف النقد ذي المواقف النضالية المرتجَلَة بأن هناك شعراً وطنياً لا يتًّصل بالمظاهرات والضجيج القومي والأمميِّ, ممّا كان سائداً في الأربعينيات الخمسينيات والستينيات. لم يعترف حتى المتلقي المؤدلَج بأنّ نزاراً كان يحب وطنه ومدينته حبّاً مجنوناً ويكتب عن ذلك من وجهة نظره الحرَّة.‏

ويبدو أنه لا بد من الأمثلة الكثيرة في هذا المجال, نظراً لأن العادة جرت على إقصاء الحالة الوطنية عن شعر نزار قباني قبل 1967 لذلك كان واجباً علينا البحث في مجموعاته الشعرية قبل هذا العام لاستخلاص أهم الأمثلة التي تدل على أنه لم يكن في كتابته للشعر السياسي يشكل انقلاباً إلى هذا ا لحدّ, بل إننا نستطيع الادعاء أن ردّة فعله العنيفة على الهزيمة كان من أسبابه أنه كان يتغنى بالجمال والحرية في الوطن والإنسان, وفجأة يكتشف أن هذا الإنسان ما زال مهزوماً من الداخل قبيل هزيمته الخارجية. بمعنى آخر كان يحلم بوطن جميل يسوده الحب والحرية ولكن حُطِّمَتْ آماله لأن هذا الوطن لم يحرّر إنسانه من داخله وأطاح بكل أحلامه فانهزم. لذلك كانت حدّته المعروفة في جَلد الذات والوطن استمراراً لحدّته في جَلد الفساد الأخلاقي وانهيار قيم الحب والحرية في العلاقات الإنسانية.‏

يقول في عام 1944 في أولى مجموعاته الشعرية "قالت لي السمراء":‏

أنا لبلادي لنجماتها‏
لغيماتها.. للشذى.. للنَّدى‏
سفحتُ قوارير لوني نهوراً‏
على وطني الأخ ضر المفتدى‏
ونتّفتُ في الجوّ ريشي صعوداً‏
ومن شرف الفكرِ أن يصعدا‏
ويقول عن (اسمها) في العام نفسه:‏
كحريرِ النَّهد المهزهزِ.. فيه‏
علّق الله قطرةً من عقيقِ‏
كقطيعٍ من المواويلِ حطّت‏
في ذرى موطني الأنيق الأنيقِ‏
وفي العام نفسه يقول:‏
لأغزلَ غيمَ بلادي شريطاً‏
يلفّ جدائلكِ الرّاعدةْ‏
لأغسلَ رجليكِ يا طفلتي‏
بماءِ ينابيعها الباردةْ‏
سماويّةَ العينِ مصطافتي‏
على كتفِ القريةِ الساجدةْ‏
أحبّكِ في لهو بيضِ الخرافِ‏
وفي مرحِ العنزةِ الصاعدةْ‏
وفي رمزِ السروِ والسنديان‏
وفي كلّ صفصافةٍ ماردةْ‏
وفي مقطعٍ من أغا ني جبالي‏
تغنّيه فلاّحةٌ عائدةْ‏

وفي عام 1948 يقول:‏

من لثغةِ الشحرورِ‏
من بحَّةِ نايٍ محزنةْ‏
من رجفةِ الموّالِ من‏
تنهّداتِ المئذنةْ‏
من غيمةٍٍ تحبكها‏
عند الغروب المدخنةْ‏
وجرحِ قرميدِ القرى‏
من وشوشاتِ نجمةٍ‏
في شرقنا مستوطنةْ‏
حدودنا بالياسمين‏
والندى محصّنةْ‏
ووردنا مفتّحٌ‏
كالفِكَرِ الملوَّنةْ‏
بلادنا كانت وكانت‏
بعد هذي الأزمنةْ‏

وفي عام 1948‏

والشمس والحصاد والمنحنى‏
إذ نهدكِ الصّبيّ لم ينفرِ‏
أيّ صباحٍ لبلادي غفا‏
وراء هدبٍ مطمئنِّ طري‏

وفي عام 1949 يقول في سامبا:‏
بانفعالِ‏

نهدتْ كالمستَفزّةْ‏
مثلما تنشكّ أرزةْ‏
في جبالي‏

وفي 1956 يقول:‏

لا قدّ, لا زنّارْ‏
معطّر لضحكةْ‏
تلاشتِ الأقمارْ‏
في موطنِ "الدّبكةْ"‏
لا آه, لا موّالْ‏
يزركشُ القريةْ‏
يكحّل الآجالْ‏
بمجدِ سوريّةْ‏
إذا مضى الصيفُ‏
وأقفرَ البيدرْ‏
فموطني يغفو‏
في بؤبؤٍ أخضرْ‏

وفي عام 1955 يقول ف ي الأندلس:‏

في أزقّةِ قرطبة الضّيقة‏
مددتُ يدي إلى جيبي‏
أكثر من مرّة‏
لأُخرج مفتاح بيتنا في دمشق‏
وفي عام 1956 يكتب رسالة جندي في جبهة السويس:‏

إني أراهم يا أبي زرقَ العيونْ‏
سودَ الضمائرِ يا أبي, زرقَ العيونْ‏
قرصانهمْ عينٌ من البلورِ جامدة الجفونْ‏
والجند في سطح السفينةِ يشتمون ويسكرونْ‏
فرغتْ براميلُ النبيذِ ولا يزال الساقطونْ‏
يتوعّدونْ‏

وفي 1956 يقول:‏

يا بيتها زوّادتي بيدي‏
والشمسُ تمسح وجهَ واديّا‏
وبلادُ آبائي مغمّسةٌ‏
بالميجنا والأوفِ واللّيّا‏
الوردُ جوريٌّ وموعدنا‏
لمّا يصير الوردُ جوريّا‏

وفي 1956 يقول:‏

يولد الموال حرّاً‏
عندنا بين الضياعِ‏
من جبين الزارع الشيخِ‏
وأنفاسِ المراعي‏
من وُجاقِ النارِ‏
من جذعٍ عتيقٍ متداعِ‏
من خوابينا الطّفيحاتِ‏
ومن كرمٍ مشاعِ‏
كل سقفٍ عندنا‏
يرشح رصداً, كل راعِ‏
والمواويل لدينا‏
وجدت قبل السماعِ‏
وبلادي شرفة الصحو‏
وميناءُ الشعاعِ‏
موطني من زرقة الحلمِ‏
ومن عزمِ القلاعِ‏

وفي عام 1956 يقول:‏

بيتي, وبيتُ أبي, وبيدرنا‏
وشجيرةُ النارنجِ تحضنني‏
تاهت بعينها وما علمت‏
أني عبدتُ بعينها وطني‏

وفي عام 1956 يكتب قصة راشيل شوارزنبرغ:‏

أكتبُ للصغارْ‏
للعربِ الصغارِ حيث يوجدونْ‏
أكتبُ باختصارْ‏
قصةَ إرهابيّةٍ مجنّدةْ‏
يدعونها راشيلْ‏
قضت سنين الحربِ في زنزانةٍ منفردةْ‏
كالجرذِ في زنزانةٍ منفردةْ‏
أكتبُ للصغارْ‏
أكتبُ عن يافا وعن مرفئها القديمْ‏
عن بقعةٍ غاليةِ الحجارْ‏
يضيءُ برتقالها كخيمة النجومْ‏
تضمّ قبر والدي وإخوتي الصّغارْ‏
وفي عام 1957 يقول في رسالة من شاعر سوري إلى مواطن أمريكي مطالباً هندرسن أن يبعد شرّه عن العرب:‏
من بلدٍ في الشرق الأوسط‏
أسكنه يدعى سوريّةْ‏
يتسلّقُ خارطة الدنيا‏
كالنّحلةِ.. كالعشّ الأخضرْ‏
كرسالةِ حبٍّ مطويّةْ‏
وفي عام 1958 كتب قصيدة جميلة بوحيرد. ثم كتب في (الرسم بالكلمات) عام 1966 قصائد (أوراق إسبانية ـ أحزان في الأندلس ـ غرناطة).‏
وفي عام 1961 كتب الحب والبترول:‏
متى تفهمْ‏
بأنكَ لن تخدّرني بجاهكَ أو إماراتكْ‏
ولن تتملّكَ الدنيا بنفطكَ وامتيازاتكْ‏
وبالبترول يعبقُ من عباءاتكْ‏
ويتابع فيها:‏
فبعتَ القدسَ.. بعتَ اللهَ.. بعتَ رماد أمواتكْ‏
كأن حرابَ إسرائيل لم تجهض شقيقاتكْ‏
ولم تهدمْ منازلنا ولم تحرق مصاحفنا‏
ولا راياتها ارتفعت على أشلاء راياتكْ‏
كأنّ جميع من صُلبوا‏
على الأشجار في يافا.. وفي حيفا‏
وبئرِ السبعِ ليسَوْا من سلالاتكْ‏
تغوصُ القدس في دمها‏
وأنتَ صريعُ شهواتكْ‏
...‏
متى يستيقظ الإنسان في ذاتكْ‏
...‏
وفي عام 1963 يكتب في الشعر قنديلٌ أخضر (من رسالة إلى صديقة مجندة):‏
((الآن تعودينَ من معسكرِ التّدريبِ, وأنتِ كالرايةِ المتعبةِ, كالزورقِ العائدِ من رحلةِ مجدٍ. جلستُ أدخّنُ.. وأتأمّلكِ قطعةً قطعةً.. كما لو كنتُ لا أعرفكِ من قبل.‏
أرأيتِ كيف تنتقلُ بلادي إليَّ؟ كيف تتحوَّلُ بلادي إلى ذرّةِ غبارٍ على قميصٍ شجاع؟)).‏
...‏
ولا يمكن أن ننسى في ختام هذه الجولة من الأمثلة قصيدته (خبز وحشيش وقمر) التي هي أشهر من أن نعيد الحديث فيها.‏
...‏
يمكن بناء على هذه الأمثلة وغيرها أن نزعم أن موضوعات الخطاب السياسي لم تكن غائبة الغياب كله عن شعر نزار قبل 1967 ولكنها كانت تحضر بطريقة شفافة يسعى الشاعر من خلالها للدمج بين فكرتين متضايفتين في شعره: فكرة الوطن كهاجس عامّ, وفكرة الوطن كهاجس شخصي غير منفصلة عن حبّ الشاعرِ وإعجابهِ بالطّبيعة والغناءِ والشروق والغروب في بلده, وهذا مما يمكن تسجيله لصالح الشاعر على صعيد المستوى الفنيّ للخطاب, إذ أمّن له ذلك التضايف ُ بين (العامّ) و(الشخصيّ) أن يبتعدَ عن الشّعاراتِ الدارجةِ, والالتزامِ العقائدي بتيارٍ بعينهِ يحصرُ مخيّلة الشاعر في نطاقٍ معين, ولا يمكن له أن يخرجَ عن إطارِه, الأمرُ الذي وقع فيه جميعُ شعراءِ النضالِ والأحزابِ في تلك الفترة.‏

إن نزاراً قبلَ هزيمة حزيران وبعدها كان يقيم حواراً مضاداً ورافضاً, مع رموز تار يخية أو شعبية، والتي تنطوي على دلالات سلبية في ترسيخ رؤية فكرية جامدة في ذهن الإنسان العربي, وكان يقصد من هذا الحوار إلى نسف هذه العلاقة الميتة من تلك الرموز، وتثوير الذاكرة وإخراج هذه الرموز من حيز الموت والجمود إلى حيز الفاعلية، وإن فشلت في الفاعلية فلتصبح حيادية أو سينقضّ عليها الشاعر, مهشّماً معناها كاشفاً مواتها وتأثيرها السلبي, مهما بلغت هذه الرموز من قداسة المدلول. بدءاً من هارون الرشيد وليس انتهاء بالإمام...‏

وكان هذا يعني أن يوجّهَ نزار في شعره ونثره ومقالاته المهمة، نقدَه الشديد واللاذع إلى ما يسمى النسق الثقافي الذي يقف وراء الشخصية العربية في تجليات هذا النسق المختلفة، فهو نسق ثقافي شحن هذه الشخصية بالكثير من أسباب التخلف, على أي صعيد كان, بدءاً من الأسرة وانتهاء بكرسي الحكم. ولم يكن هجومه على هذا النسق الثقافي المكوِّنِ لمجملِ رؤى الشخصية العربية، والواقفِ وراء أدائها المعطَّل والبطيء, إلا شكلاً متقدماً من العلاقة بين الشاعر والفكر, بالقدر الذي يتاح لشاعر لا يدّعي أكثرَ من طاقاته وآفاقه.‏

وفي سياق نقده الشعري ـ إن جاز التعبير ـ للنسقِ الثقافي المذكورِ, كان لا يخفي هجاءَهُ للمفهوم الملتبس للحداثة المنقطعة عن بيئتها وجذورها والمزاج العربي الخلاق الذي كانت تجسده كثير من الأمثلة الإبداعية في الذاكرة العربية. وقد يظهر هنا نوع من التناقض بين هجائه لرموز التخلف في تراثنا من جهة، وفي حربه على حداثة منقطعة عن تراثها, أقول ليس في الأمر أي تناقض, بل هو دلالة ذكية على أن موقف نزار من التراث العربي بشعره وفكره ومخزونه الشعبي لم يكن موقفاً عدمياً, ولا تدميرياً, ولم يكن رفضاً لمجرد الرفض, بل كانَ دعوةً مبطنة لتقنيةِ هذا التراث من الكثير من مواضع التخلف فيه, وهي ليست قليلةً.‏

والسؤال هنا: أليس هذا عملاً في السياسة؟‏

بل يمكننا الزعم أن شعر نزار على هذا النحو من العلاقة مع الوطن كان يقدم أمثولةً سابقة مبكرةً للعلاقة بين الشعر والوطن, العلاقة التي ترسم وفق الحاجة الجمالية والموقف الشعري لا الموقف ال ذي يسعى شاعر سياسي مباشر إلى توظيفه واستثماره في بنكِ المواقف المسجلة المقبوض ثمنها... يأخذ موضوع الوطن بهذا المعنى أهميته من التفريق بين وطن تصنّعه الأحزابُ والشعارات, ووطن موجودٍ في جماليات البيت الدمشقي وروائح العطر وشؤون البشر اليومية في أحوالهم المتقلّبة.‏

إن الوطن ليس حجماً سياسيّاًَ ولا نفعيّاً ولا شخصياً, يتداولـه الشعراء كلّ حسب دكانه الأيديولوجية وفاتورة البرنامج السياسي, بل هو ذلك الحافز الفطري بل والغريزي على حب الحياة والياسمين والمرأة والطفل والأناقة والحضارة... هذا الوطن كان موجوداً بقوة في شعر نزار دون أن يدّعي ذلك, فالادعاء هنا لا يؤخذ على اعتبار الانتماء السياسي بل على اعتبار الانتماء الجمالي للوطن كمكان وزمان وذكريات وعلاقات يومية مهددة بالاحتلال من داخل وخارج الوطن.‏

أعتقد أن شعر نزار حتى ما قبل هزيمة 67 كان يذيب الوطن في التفاصيل الصغيرة التي تهم الكائن في حياته دون أن يغفل عن الارتباط الطبيعي بين حياة هذا الكائن اليومية وبين (ا لقضايا المصيرية)، ولكنه لم يشتغل معلّقاً سياسياً على الحدث, ولم يكتب تحت ضغط مناسبة راهنة، وهنا تكمن أهمية شعره, من حيث أن ما كتب تحت تأثير المناسبات والأحداث والنكبات والنكسات, ذهب مع الزمن ولم يبق إلا الشعر الذي يعالج الوطن معالجة جمالية صرفةً. وهذا ما قد يجعلني أجد تناقضاً غير مبرر لدى كثير من الكتابات النقدية التي هجمت على شعر نزار متهمة إياه باللامبالاة بقضايا الوطن والعرب, في الوقت الذي تدعو هذه الكتابات إلى أن ينجز الشعر مهمته كشعر قبل أن يلتفت للموضوع والقضية النبيلة والوطنية أو القومية، والتناقض موجود بشكل فجّ وشنيع في أنّ هذا النقد يغفل عن أن نزاراً قدم مثل هذا الشعر قبل الهزيمة، وهو من الشعر القليل الباقي حتى الآن كقيمة فنية وجمالية لأنه لم يكن ردود فعل راهنة ولا توصيفاً للأحداث ولا تبشيراً بنصر ولا دعوة أيديولوجية، في حين سقطت آلاف القصائد الطنانة المعبرة عن موقف سياسي مباشر أو كانت عبارة عن تعليقات موزونة ومقفاة على الحدث.‏

والمفارقة التي أصل إليها الآن أن الهزيمة، التي يعتبرها الجميع منعطفاً كبيراً في شعر نزار, حتى نزار نفسه يعتبرها كذلك, أراها شكلت عبئاً وإعاقة في مسيرة الشاعر, لأنه الهزيمة أوقعته في كمين لم يكنْ لصالحهِ على صعيد الكتابةِ الشعرية والموقف الفني والجمالي, فهي دفعت به لأول مرة بهذا الوضوح إلى أن يصنّف شعره بدءاً من هذه المرحلة على أنه شعر سياسيّ, يقفُ وجهاً لوجهٍ أمام الموضوع السياسي بصورة مباشرة، غافلاً عن الموضوع الشعري والغاية الجمالية، التي كان شعره قبل الهزيمة يحققها. بهذا الاعتبار أرى أن شعر نزار المصنف (سياسياً) كان مساراً يحتمل الكثيرَ من الهبوط الفني والجمالي, ولم يكن نزار في هذه اللحظة إلا ناطقاً رسمياً باسم جماهير منكوبة مهزومة مكسورة تعاني الاستبداد والقمع والاحتلال في وقتٍ واحدٍ معاً. ولكن ألم يكن قبل الهزيمة مشغولاً أيضاً بمعاناة الإنسان العربي الذهنية والنفسية، خضوعه للاستبداد التاريخ الثقافي, الذي حوّله إلى مستعمرة جاهزة للاختراق بأي فعل خارجي؟ ولكن الفرق بين المرحلتين أن نزاراً قبل الهزيمة لم يكن يضحي بلغة الشعر ولا بشؤون الفن, في حين قدّم نوعاً واضحاً من التنازل بعد الهزيمة.‏

فما كتبه بدءاً بعام 1967 فقد ك ان خطاباً سياسياً حاد النبرة، غاضباً, انفعاليّاً. ولا نقول هذه السمات للانتقاص من هذه القصائد, فهي سِمات الشارع العربي الذي نذر الشاعر نفسه لتمثيله والنطق بلسانه. ولكن عند التقييم النقدي للتجربة النزارية لا بد أن نرى تدنّي الخطاب الشعري في عدد غير قليلٍ من قصائده ذات المناخ السياسي المباشر. لذلك سنقول عن كثير من شعره (السياسي) بعد الهزيمة أنه لم يصمد أمام تاريخ الشعر مطوّلاً باعتباره شعراً, مع أنه قد يبقى نموذجاً ـ ونموذجاً مهمّاً ـ للهجاء السياسي, مأخوذاً بسياق الإرث العربي التاريخي الطويل الذي يتضمّنُ العديد من نماذج شعر الهجاء السياسي, وهو في أي تقييم نقدي وفي أيّ مرحلة وفق أي منهج سيكون شعراً أقل شعرية وأدنى جماليةً.‏

لهذا أجد أن الهزيمة كانت وبالاً على التجربة الشعريةِ لنزار قباني, خاصة وأنها مرحلة تبدأ ولن تنتهي بل ستتشعب وتأخذ منحنيات وتحولات عديدة فيما بعد ليصبح الأمرُ غير محصور بالهزيمة وحدها بل ستمتد لتطال علاقة الأنظمة العربية بشعوبها, وهي الموضوعة التي سيهدرُ نزار كثيراً من شعره في تشريحها وتجريحها محققاً في هذا انتش اراً أوسع ومثيراً كثيراً من اللغط السياسي والإعلامي على حساب اللحظة الشعرية وجماليّات مشروعه الشعري. بل أستطيع أن أرى في هبوط شعره السياسي سبباً من الأسباب التي دفعت بالنقاد العرب لابتعاد عن تناول شعره بشكل نقدي ومنهجي وموضوعي, لأنهم سحبوا هذه المرحلة الضعيفة من الشعر السياسي المباشر على كامل مشروعه الشعري, فلم يعودوا يرون فيه دوافع مثيرة للعمل النقدي. ولا شك أننا لا نغفر لهم هذا ولا نبرره لأنه سقطة نقدية هي الأخرى وهبوط في مستوى التعاطي العلمي مع الظاهرة الأدبية متمثلة هنا في شعر نزار. وسيكتفي كثير من هذه الكتابات بالمستوى الظاهري من المسألة دون الاهتمام بما تحت السطح, لأن النقد في حالة نزار قباني كان يتعالى أصلاً على شعره, فوجد في شعره السياسي سبباً آخر يحاول أن يبرر لنفسه من خلاله صحة موقفه المتعفف عن تناول شعر نزار برمته.‏

مع ذلك كلّه أرى أن نزاراً فيما يسمى شعره السياسي, ظلّ مختلفاً عن شعراء تعاملوا مع السياسة باعتبارها شعاراً وتفاؤلاً وفرحاً مجّانياً, أي أنه كان الأقرب والأصدق تعبيراً عن نبض الفرد العربي في لحظات عرائه أما مَ نفسه.‏

وللحقيقة، أو ما أظن أنه حقيقة، أقول ليس من الصعوبة من أيّ ناقد مهما صغر شأنه أن يجد ضالته في الهجوم على شعر نزار السياسي, من حيث الجانب الفنيّ والمستوى الأدبي, وهذا ما طمح أن أفعله أنا شخصياً, لسببين, الأول أنها ليست فتوحاً نقدية ولا فضاً لمغاليق مجهولة، فالشاعر طرح شعره بكل وضوح دون أدنى لبس ولم يزعم في يوم من الأيام أنه يشكل استثناءً شعرياً في الشعر السياسي. ومن هنا أخلص إلى السبب الثاني حيث أنني لا أريد أن أزايدَ على الشاعر. لأنه قام بنفسه في أواخر حياته بعمل جردش حساب نقدي يُشهد له ويُسجّلُ في وثائق نقد الشعراء الكبار لتجاربهم, ومراجعته الذاتية لقيمتهم كما يرونها من موقعهم كقراء وليسوا كمنتجين للنصّ, فقدم نقداً نوعيّاً وقيّم تجربته في القصائد السياسية تقييماً كافياً ووافياً حيث قال في عام 1994 عندما سئلَ: كيف ترى الشعر السياسي الآن؟ وهل هناك فعلاً شعرٌ جديرٌ بهذه التسمية؟.‏

((منذ أكثر من سنةِ أعلنتُ الطلاقَ مع شعري السياسي, بعدما اكتشف تُ في محاولةٍ جريئةٍ لنقد الذات, أن جميع ما كتبتهُ من شعر سياسي ذهب مع الريح. فالشعر السياسي العربي لا ثبات له ولا ديمومة، لأنه يغني على مسرح عربي شديد الاهتزاز، كثير التقلب. إنه مسرحٌ تنقلب به الكوميديا إلى تراجيديا في ثانية واحدة. وتتحولُ فيه الأفراحُ إلى جنائز خلال دقائق معدودات... والوحدات الفيدرالية والكونفدرالية تموت قبل أن تنزل من رحم أمها... وهكذا فإن جميع القصائد السياسية العصماء التي كتبناها بحماس عظيم ليلة الجمعة، انتقلت إلى رحمة الله صباح السبت.‏

وبكل صراحة, أعلن أمامكم أن كل الملاحم السياسية التي ملأنا بها الدنيا قرقعةً وضجيجاً.. لم تكن أكثر من ريبورتاجات صحفية وضعها التاريخ في سلّة المهملات))(7).‏

وفي اعتراف آخر قبل هذا الحوار يقول نزار:‏

((لا أزال متمسكاً برأيي في أن (السياسيّ) مضادّ (الشعري) فالزمن السياسي زمن مرحلي, مؤقت، وسريع التبخّر, في حين أن زمن ال شعر زمن مطلقٌ, ومفتوح على كل الأزمان, ولا يرتبط إلا بنفسه.‏

قصائدي السياسية أسميها بكل بساطة (قصائد سياسية) أي أنها كتبت لتغطية حدثٍ ما.. أو غضب ما.. أو لتسجيل احتجاج على انحراف قومي ما..‏

عندما يربط الشاعر نفسه بساعة الأيديولوجية، أو الحزب، أو بمنطق المسيرات والمظاهرات الشعبية، فإنه يخسر كثيراً من ألقه الشعري, ويتحول إلى مرشح انتخابي, أو إلى كاتب عمود في جريدة سياسية.‏

إنني لست نادماً على ما كتبت من قصائد سياسية، ولكنني أشعر في مراجعة النفس.. أنني خنت زوجتي ـ القصيدة))(8).‏

وكنوعٍ من القراءة المشروعة لهذه الاعترافات, ولكي نصوغها بلغتننا نقول:‏

كان نزار واعياً الوعي كله لطبيعة شعره السياسي بما يعنيه من شروط يتم فيها التنازل عن الشرط الشعري, وهو يعترف بهذا صراحةً وبجرأة قد لا نعهدُها لدى شاعر آخر فيما لو كتبت شعراً بمستوى شعره السياسي, وكم نحن بحاجة ملحة فعلاً لأن يقف مئات الشعراء العرب ليعترفوا علانية كما اعترف نزار, لا سيما أولئك الذين حولوا القصيدة إلى خادم مطيع وجبان ودون شرف ولا أخلاق في قصور الملوك والزعماء, مع أنهم أقل مستوى منه حتى في سيئه الشعري الذي هو خير من جيدهم. إضافة إلى أن نزار كان يشكل خطراً على هؤلاء ويمثل شوكة في حلوقهم وحلوق ولاة أمرهم لأنه كان النقيض الصارخ لهذا النموذج من الشعر المنحط أخلاقياً. وهنا قد يطلع صوت يزايد علينا وعلى نزار في تذكيرنا بأنه كتب في بعض المناسبات كلاماً مغازلاً في بعض الشخصيات السياسية، ويأخذون هذا مأخذاً شديداً لإدانة نزار واتهامه بالتقلب والانتهاز، أقول غير مبرر ولا مدافع, ولكن محاولاً وضع الأمر في سياقه الذي أراه ممكناً ومحتملاً: إن نزار كتب ما كتب كتعليقاتٍ في ثنايا بعض مقالاته وليس في مشروعه الشعري ما يحتمل مثل هذه المواقف المدائحية، ولم تكن تلك المجاملات التي كان يقوم بها إلا نوعاً من السلوك الديبلوماسي الذي ربما كان مفرطاً في تهذيبه إلى درجة فقدان البصيرة، أجل, ول كنها مجاملات تدخل في باب العلاقات الاجتماعية العابرة التي سرعان ما تنقلب وتتحول بالمطلق عندما تمسّ هذه الشخصيات كرامةَ الوطن والمواطن والشاعر. فنزار لم يلوّث شعره بمثل هذه المدائح, بل على العكس أصيب شعره بتخمة لكثرة ما عبأه بهجاء لنموذج الطاغية العربي والديكتاتور, حتى أن البعض ممن كان يريد تصفية حساباته مع الشاعر لم يحد حرجاً في تأويل بعض من قصائده تأويلاً يتعلق ببعض الحكام العرب مباشرةً وبالاسم, وربما كان حاكماً نال بعضاً من مجاملات الشاعر في مقالاته النثرية وتصريحاته التي كان يدلي بعد اشتراكه في بعض المهرجانات العربية المشهورة.‏

وأجد أن نزار قباني في بعض قصائده التي اتخذت من نموذج الطاغية(2) موضوعاً للتهكم والسخرية فهو قدم قصائد نموذجية، ربما تضاءلت قيمتها الشعرية مع الزمن, ولكنها ما زالت تكتسب أهمية وقيمة من زاوية اختراع الأدب لنماذج من الطاغية والديكتاتور الذي يضربه الشاعر بإزميل السخرية والتهكم, وهو ما سيفعلُه الشاعر محمود درويش بعد سنين عندما كتب (خطب الديكتاتور الموزونة)، التي نجد أن نزار سبقه في موضوعها. وهذا مما يسجل أي ضاً للكثير من الفتوحات التي كان نزار حتى وهو في انشغاله عن المشروع الفني, ينشغل بها لأنها تعبر عن شخصيته الحقيقية.‏

على أن نقدر نزار لقصائده السياسية ولمستواها, بمثل تلك الجرأة الجارحة والنادرة، تجعل الناقد يضطر لينصب من نفسه مدافعاً عن الكثير من شعر نزار السياسي نفسه, وهو ما يشكل مفارقة طريفة، ففي الوقت الذي يدين شاعر مرحلة من مراحله الشعرية بكل وضوح لا لبس فيه، يضطر ناقد ما ليخالف الشعار قليلاً في تقييم تجربته تلك!.‏

والسبب في ذلك أن التصنيف الذي لجأ إليه نزار لشعره, في تسمية أجزاء كاملة من أعماله الشعرية باسم "الأعمال السياسية" مكان نوعاً من الظلم والاستهانة بكثير من الشعر الذي لا يمكن تصنيفه على أنه شعر سياسي هكذا بالإطلاق, ولكن وجوده في كتاب مصنف مسبقاً على أنه سياسي, ضيع الفرصة على المتلقي النقدي في أن يلتفت إلى قيمة هذا الشعر الغير خاضع للتصنيف.‏

ولكي لا نتكلم في الفراغ ونطالب بأمثلة سأسوق هذه الفقرات من المجلد السادس من أعماله الشعرية الكاملة وهو مجلد يحمل اسم (الأعمال السياسية الكاملة).‏
1 ـ هناك بلادٌ تخاف على نفسها‏
من هديل الحمام‏
وقهقهة الريح بين الشجرْ‏
وتستنفر لجيش‏
براً وبحراً وجواً‏
لكي يستعد لقتل القمرْ‏
هناك بلادٌ‏
تشرّع أبوابها للبغايا‏
و ترفض أن تمنح الشعر‏
تأشيرةً للسفرْ(9)‏
2 ـ يا ربي‏
إن الأفق رمادي‏
وأنا أشتاق لقطرة نورْ‏
إن كنت تريد مساعدتي‏
يا ربي فاجعلني عصفورْ(10)‏
*‏ 3 ـ ليس هنالكَ لعبٌ بالكلماتْ‏
فعلى الشاعر أن يختارَ معاركَه‏
أو يختارَ السّكنى‏
في بيتِ الأمواتْ(11)‏
*4 ـ يسعدني‏
أن تجعلوا منْ كُتبي مذبحةً‏
وتنحروا قصائدي‏
كأنها النياقْ‏
فسوقَ يغدو جَسدي‏
تكيّةً يزورُها العشّاقْ(12)‏
*‏ 5 ـ غودو أنا‏
غودو أنا‏
تسلّقَ العشبُ على حقائبي‏
تسلّقَ العشبُ على ذاكرتي‏
والوقتُ فوق رقْبتي‏
يمرّ كالمنشارْ‏
لا تتركي رأسيَ في الهواءِ يا سيدتي‏
فهذه الدنيا‏
بلا سقفٍ ولا جدارْ‏



تجلّيات الفضاء المفتوح في شعر نزار قباني
------------------------------------------------

د.خليل الموسى

لا بدّ أولاً من توضيح بعض المفهومات في عنوان البحث للدخول في العالم الشعري لنزار قباني, فقد أصاب مصطلح "ESPACE" "الفضاء" ما أصاب بقيّة المصطلحات التي ترجمت إلى العربية من شهوة في فوضى التسمية، فاختلط الفضاء بالمكان وبالحيّز, وربما عاد ذلك إلى تعدّد استعمال المصطلح، وبخاصة بين جنس أدبي وآخر, وقد ذهب جميل صليبا إلى ترجمة "ESPACE" بالمكان أو الموضع, وهو المحلّ (Lieu) المحدّد الذي يشغله الجسم. تقول: مكان فسيح, ومكان ضيّق,

وهو مرادف للامتداد "Etendue"(1), وللأخير عند الحكماء عدة معانٍ: الصورة الجسمية أو البُعد أو الامتداد وهو جزء من المكان, وهو متناهٍ, أما المكان فغير متناهٍ, وقد فرّق ديكارت بين الامتداد والمكان، فذهب إلى أنّه لا فرق بينهما بالقياس إلى الجسم إلاَّ من حيث إنّ الامتداد خارجي, والمكان داخلي, فإذا نظرت إلى الحيّز من حيث إنّه داخلي للجسم سمّي هذا الحيّز مكاناً, وإذا نظرت إليه من حيث إنّه صورة خارجية للجسم سُمّي امتداداً"(2).
ويحصر أحد الدارسين مفهوم الفضاء بناء على الدراسات التي تناولت السرد الروائي في أربعة أشكال:
1 ـ الفضاء الجغرافي (l'espace Gèographique): مقابل لمفهوم المكان, ويتولّد عن طريقة الحكي, وهو الفضاء الذي يتحرّك فيه الأبطال, ولكلّ دارس طريقته في الدراسة، فثمة من يدرسه في استقلال كامل عن المضمون، وثمة من يدرسه من خلال الدلالات الملازمة له, كدراسة النص دراسة تناصية وعلاقته مع النصوص لعصر أو حقبة تاريخية محدّدة، وهذا ما فعلته كريستيفا حين أدخلت المدلول الثقافي ضمن تصوّر المكان.

2 ـ الفضاء النّصّي (l'espace textual): يُقصد به الحيّز الذي تشغله الكتابة ذاتها بصفتها أحرفاً طباعية على مساحة الورق, ويشمل ذلك طريقة تصميم الغلاف, وتنظيم الفصول, وتغيّرات الكتابة المطبعية، وتشكيل العنوانات, والكتابة الأفقية والعمودية.. إلخ.

3 ـ الفضاء الدلالي (l'espace Sèmantique): يهتمّ بدراسة الصور والدلالات المجازية، أي فضائية اللغة الأدبية في علاقتها مع المعنى.

4 ـ الفضاء بصفته منظوراً, وهو يهتم بالطريقة التي يستطيع الراوي بوساطتها الهيمنة على عالمه الحكائي"(3).

والفضاء مصطلح اشتغل عليه نقّاد الرواية في الغرب, وهو أقرب إلى العالم أو المحيط أو الإطار الذي تتشكّل الرواية أو العمل الأدبي داخله, ويشمل جميع الأماكن والأزمنة والشخصيات واللغة، ولذلك هو مفهوم واسع وشامل, فهو يتضمّن الأحداث التي تقتضي استمرارية العمل الأدبي, في حين أن المكان "lieu" هو الحيّز الذي تجري فيه الأحداث, ولذلك يمكننا أن نُطلق مصطلح "الفضاء" على المكان النّصي الذي يشكّله القارئ بخياله من خلال دوران الأحداث وتحرّك الشخصيات.

والنّص (Texte), وبخاصة الغنيّ منه, عالم مستقلّ وكائن حيّ وفضاء مفتوح, وهو يشبه بذرة تنتج نبتة تُشبه في كثير من الصفات التي تشكّل جنسها سواها, ولكنّها تختلف عن مثيلاتها في صحتها ونموّها وعطائها وخصوصيتها, وهي تأخذ شكلها وتشكّلها من البذرة التي تعود إلى طبيعة الجنس, كما تأخذ خصوصيتها من التربة والمحيط اللذين تعيش فيهما, ولأنّها لا تكون نسخة عن سواها حتى لا تُصاب بالنمطية، ولذلك كانت خصوصية أيّ نصّ أدبي ضرورية لبقائه, ومن هنا فإنّ كلّ عنصر في النص هو نصّيّ أولاً وأخيراً, وهو مختلف في تشكّله قليلاً أو كثيراً عما هو عليه في الواقع, فالأيديولوجيا في النص نصّيّة، وكذا شأن المفردات والتراكيب والإيقاع والصور، لأنّ إعادة الإنتاج من خلال التفاعل والصهر جعلت هذه العناصر مختلفة موضوعاً وشكلاً عما كانت عليه في السابق.

والفضاء المفتوح ناجم عن النص المفتوح, وهذا يقتضي منا أن نحدّد طبيعة النص المغلق, وهو نهائيّ ومحدّد سلفاً في ذاكرة المؤلف والقارئ, أو هو نص لا إشكاليّ ومغلق على ذاته, وهو ذو بُعد واحد وطبقة واحدة ودلالة متّفق عليها, وهو عبارة أخرى يكرِّر ما تقوله الثقافة السائدة، ولا يصدم أفق انتظار القارئ, فهو فقير بدلالاته, وقراءة واحدة تكفيه.. أما النص المفتوح فهو حمّال أوجه ودلالات, وهو طبقات من المعنى، أو هو يحمل في بنيته الظاهر والبطن والإيجابي والسلبي, ولذلك لا يستقرّ على معنى محدّد ومتّفق عليه بين القارئ والنص, وقد قال بول فاليري: "ليس من معنىً حقيقي لنصّ ما"(4)، وهذا يقتضي أن يكون للنص المفتوح قراءة عادية وقراءة تأويلية، فهو يُثير أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة، وهو نصّ الاختلاف لا نصّ الاتفاق, ولذلك سنتوقف ـ بناء على معطيات القراءة لشعر نزار قباني ـ عند:

1 ـ الفضاء المعجمي المفتوح.
2 ـ الفضاء الاجتماعي المفتوح ودلالاته.
3 ـ الفضاء النّصّيّ (الثقافي) المفتوح.

ـ 2 ـ

الفضاء المعجمي المفتوح:

كان الفضاء اللغوي في الشعر العربي في سورية قبل نزار قباني مفتوحاً على المعجم ومنغلقاً على الحياة ولغة العصر, وكانت مفردات الشعراء ذات مصدر وحيد: المعاجم, وأيّ مفردة معاصرة أو محدثة محرّمة من الدخول إلى حرم الشعر, وإن كانت جميلة حسناء, في حين كان الشعر في لبنان والمهجر قد انفتح على الحياة والعصر, بقوّة، وقد سمح الشعراء لأنفسهم بأن يعبّروا عما يجيش في داخلهم بحرية تامة، ونحن نتذكر المعركة التي قامت في مصر حول استخدام جبران لمفردة استخداماً انزياحيّاً(5).

وربما ساعد على هذا الانغلاق أن معظم الشعراء الأعلام في سورية كانوا من ذوي الثقافة اللغوية الخالصة، فقد كان الشاعر محمد البزم (1884 ـ 1955م) ذا ثقافة تقليدية خالصة(6), ولذلك ظل شعره يجلجل بالصور القديمة والمعاني المعروفة، وكأنه في صدر الشعر الأمويّ يثير النقع ويزجي الفيالق, وكان شعره "يغصّ بالمفردات والصور التقليدية. وظلّ كذلك طوال عمره. فقد كان يغوص على المعاجم ويرافق كتب اللغة ويصحب قواعد النحو"(7), حتى إنّ طموح هذا الشاعر كان يقف عند تصيّد المفردات الغربية من بطون المعاجم, فهو في وصفه لغوطة دمشق الفيحاء يتخيّر بعض المفردات التي تحتاج إلى وقفة طويلة مع المعاجم, كما في قوله:

إذا انْحدرْتَ فَسَابِغاتٌ نُجِّدَتْ
فيها النَّمَارِقُ والحُلَى تنجيدا
وإذا عَلَوْتَ فَلُجَّةٌ من خَضْرَةٍ
تجري بسابِحَةِ اللِّحاظِ مَدِيدَا
وافترَّ ثغرُ الليلِ عن أندائِها
حَبَباً على أَزهارِها مَنْضُودا
فكأنَّما رُكِزَتْ على أَثْبَاجِهَا
تيجانُ أهلِ الخافِقَيْنِ بُنُودا
وإذا أراد أن يصف مدينة حماه ويمدح أهلها ارتحل إليها بالسيارة بدلاً من الناقة أو البعير, ولكنّه يختار مفردات صحراوية خالصة لوصف هذه المطيّة العصرية:

دَعْهَا تَجُبْ حالكةَ الدَّياجِرِ
باحثةً عن لُجَّةِ الهواجِرِ
يُقْلِقُ سَمْعَ الرَّكْبِ من هديرها
حَمْحَمَةٌ لا تَرْعَوِي لزاجرِ
تَخَطَّفُ الأرضَ ولا يشكو الثَّرى
وطأ لها, صخَّابَة الزَّماجِرِ(9)

وقد تصل المبالغة باستعمال المفردات الحوشية الغريبة إلى درجة لا تُحتمل, كما هي الحال في قصيدته "أدنى حماريك ازجري" فقد تحوّلت القصيدة إلى ما يُشبه الأحاجي والألغاز:

أَدْنَى حمارَيْكِ ازْجُري
وَأَسْرِعي وشَمْجري
وَعَرِّسي وَهَجِّري
وبايعي واتَّجري
وإنْ ظمئْتِ غمجري
وذا الدواءُ أوجري
واختمري واحتجري
واحتبسي وفجّري
وفرِّجي وزنجري
وأَبرقي وَزَمْجِري
وَارْعَيْ أُصُولَ الشَّجَرِ
فيا قريعَ "الشَّجَرِيّ"
أَوْعِزْ لهذا الْحَجَر
يَحْذَرْ شباةَ خَنجَري
فقد طرحْتُ مَنْجَرِي
إذْ جَفَّ ضَرْعُ خنجري
فَلْيَحْتَرِسْ مِنْ زَمْجَرِي
وَيَلْتَحِقْ "بِالْمَهْجَرِ"
أو ببلادِ المجرِ
ولا يُقَلِّدْ منجري
فَمَنْ يُفَسَّقْ يَفْجُرِ
وقد نَفَضَتُ عُجَرِي
وَدَخْلَتِي وبُجَري
وَلُذْتُ بِالْمُثْغَنْجَرِ
وما أنا بخَنْجَري(10)

ولا تحتاج هذه القصيدة إلى أيّ تعليق سوى ما قلناه عن تصيّد الشاعر للمفردات المدفونة في بطون المعاجم، وكأنّ الشعر يتوقف عند هذه الغاية، أو كأنّ وظيفة الشاعر تقتصر على إعادة الحياة لمفردات لم تُكتب لها الحياة في زمن ولادتها, ولا يختلف عن ذلك كثيراً شعر خليل مردم (1895 ـ 1959م)، وخير الدين الرزكلي (1893 ـ 1976م)، وشفيق جبري (1898 ـ 1980م)، وبدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد) (1904 ـ 1981م)، وعمر أبو ريشة (1908 ـ 1990م)، فخليل مردم يصف حال الأمة العربية المجزّأة بقوله:

أكلُّ حاضرةٍ دارٌ لمملكةٍ
أبعادُ ما بَيْنَهُنَّ الفتر والبصم
لمفحصٍ من أفاحيصِ القطا حرجٌ
حامتْ على سَمْتِهِ العقبانُ والرَّخَمُ
أبقى وأوسع عند الظنِّ من دولٍ
ليستْ بمملكةٍ بل إنَّها رُجَمُ(11)

ويقول خير الدين الزركلي في قصيدته "الفاجعة":

بَلَدٌ تَبَوَّأ الشَّقَاءَ فكلّما
قدمَ استقامَ لهُ بهِ تجديدُ
لانَتْ عريكةُ قاطنيهِ وما دَرَوْا
أنَّ الضعيفَ مُعَذَّبٌ منكودُ(12)

ويقول شفيق جبري في قصيدته له بعنوان "وطني":

وطني دمشقُ وما احْتَوَيْتُ ظلالَهُ
يا دهرُ إنَّكَ قد أَطَلْت نِزَالَهُ
ماذا جَنَى؟ حتَّى شَدَدْتَ عِقَالَهُ
باللهِ حُلَّ إنِ اسْتَطَعْتَ عِقَالَهُ(13)

إنّ هذه الأبيات وسواها كثير وكثير من الشعر العربي في سورية تترسم خُطا القدماء في الصورة والمعاني والمعجم الشعري, حتى إنَّ سامي الدهان يعلّق على أربعة أبيات من قصيدة لشفيق جبري بعنوان "شطّ المزار" بقوله: "وفي هذه الأبيات ألفاظ تعتمد على الصفائح واللهاذم وربّات الحجال, لا صلة بينها وبين العصر في صورها ولوازمها. ولا رابط بين الأبيات نفسها"(14).

ولدت القصيدة النزارية في هذا المناخ الشعري التقليدي الجافّ, وكأنّها نبتة غريبة غُرست في غير تربتها, وكان نزار مختلفاً عن شعراء الشام, وهو بعيد عنهم في طراوة شعره وسلاسة إيقاعاته ومرونة لغته, بل هو كما صرّح في "قصتي مع الشعر" ينتمي إلى المدرسة اللبنانية، فانفتح معجمه الشعري على مفردات ذات مصادر وينابيع مختلفة، واخترق المقدّس المعجمي نتيجة لإيمانه بأنّ الشعر كالخبز والماء والهواء ضروري لحياة الناس, وليس هو لطبقة من دون أخرى، ولا هو للملوك من دون الرعاع, ولذلك اتسع الفضاء الشعري في القصيدة النزارية نتيجة لاتساع فئات المتلقين وتنوّع مشاربهم وثقافتهم, بدءاً من النخبة وانتهاء بالناس العاديين, وكانت القصيدة النزارية تلبّي مطاليب هؤلاء وأولئك, فانفتح المعجم الشعري على روافد ومصادر مختلفة.

كانت مفردات نزار قباني التي اختارها من المعاجم بعيدة عمّا هو غريب وحوشيّ ووحشيّ, فلم يأبه نزار لجزالة اللفظ ولا لفصاحته, وإنما كان منذ بداياته الشعرية ينتقي مفرداته بعين صائغ خبير, كما ينتقي عارض الأزياء عارضاته, فمفرداته في تنافس شديد على عرش الجمال, فاستبعد كلّ مفردة غريبة وإن كانت جزلة، وكأنّه استهدى إلى معجمه من مبدأ جبران في مقالته التي ردّ بها على المتعنتين الجامدين "لكم لغتكم ولي لغتي", فابتعد عن مفردات الشعراء الصعاليك وشعراء الحماسة والفصاحة والخطابة والجزالة والإنشاء, والتجأ إلى ينابيع الحياة والعصر ينهل منها حتى الارتواء, وكان للمفردات الجسدية وما يتصل بها نصيب وافر, وبخاصة أنَّه كان في مجموعاته الأولى "قالت لي السمراء ـ طفولة نهد ـ سامبا ـ أنتِ لي...." إلخ شاعر الأنثى بلا منازع, فكانت دائرة معجمه صغيرة، ولكنّها غنيّة بالمفردات التي تعود إلى حقل الجسد الأنثوي "النهد ـ الحلمة ـ العين ـ الشفتان ـ الساقان ـ الأنامل ـ الهدب ـ الرموش.. إلخ), وهي غنية أيضاً بالمفردات التي تنتمي إلى حقل لباس الأنثى "الجوارب ـ الدانتيل ـ ثوب النوم الوردي ـ المايوه الأزرق.. إلخ)، ومفردات الزينة والعطور "أحمر الشفاه ـ مانيكور ـ شذا ـ أريج ـ عطور ـ عبير ـ مسك.. إلخ)، ومفردات تنتمي إلى حقل النباتات العطرية والجمالية والأشجار "البنفسج ـ الفلّ ـ الياسمين ـ الزنبق ـ الورد الدمشقي ـ النعناع ـ الحبق ـ الريحان ـ المنثور ـ الآس ـ البيلسان ـ الأقحوان ـ غاردينيا ـ الصفصاف ـ السنديان ـ النخيل ـ النارنج ـ الشربين.. إلخ", وأخرى تنتمي إلى حقل الطيور, ومنها "حمام ـ عصفور ـ بلبل ـ شحرور ـ بجع بحري, طاووس.. إلخ"، أو تنتمي إلى حقل الألحان, كـ "الرصد ـ البيات ـ الحجاز ـ النهاوند.. إلخ", وهكذا كان معجمه الفصيح يمثّل الجسدية والجمال, وكأنّه شاعر من الشعراء البرناسيين لا يهتمّ إلاَّ بما هو يتوهّج ويتألّق ويضيء, وهذا الرافد الأول من روافد المعجم الشعري في جماليات القصيدة النزارية.

ثمة رافد آخر وهو ما يدور بكثرة على ألسنة الناس, فقد كان نزار لا يتورّع في سبيل تلوين إيقاعات القصيدة من أن يستخدم أحياناً بعض المفردات العامية السائرة, فاستخدم ـ مثلاً ـ مردة "كفي" ويعني "راحتي" على لسان الأنثى في "يوميات امرأة لا مبالية":

على كرّاستي الزرقاء.. استرخي على كَيْفي..
وأهربُ من أفاعي الجنْسِ والإرهابِ والخوفِ..(15)
ويستخدم مفردة "كرمال" بدلاً من "كرمى أو كرامة":
قد زارنا الربيعُ هذا العامَ مرَّتَيْنْ
وزارنا النبيُّ مرَّتَيْنْ(16)

سعى نزار من خلال روافده المعجمية إلى أن يقدّم قصيدته للمتلقي بأسلوب سهل ممتنع, وأن يخاطب المتلقين إناثاً وذكوراً, كباراً وصغاراً, مثقفين وسواهم, بلغة سلسلة سهلة التناول غنيّة بالصور والإيحاءات, وقد قال أحد الدارسين: "ولعلّ نزار قباني خير من يمثّل ـ في معظم ما كتب ـ تلك الواقعية اللغوية، فاستطاع أن يحقّق لغة الحديث اليومية في شعره وأن يطبعها في الوقت نفسه بطابع غنّي بالظلال والإيحاء وعناصر لغة الشعر الخالص"(17), وذهب إلى أن نزاراً استطاع أن يَفصِّح العامي وإلى أنَّه "خير مَنْ طوَّع العامية للشعر الفصيح, كما أنّه خير من طوّع الفصحى للعامية، من غير أن يخرج عن حدود الفصحى"(18), واستطاع نزار أن يكون صوت الجيل الجديد في سورية في الأربعينيات, ولذلك واجه غضب المحافظين، وهذا ما عبّر عنه محيي الدين صبحي: "أما نزار قباني فقد كان يعبّر بشكل عفوي عن حاجة الجيل الطالع للحبّ والانطلاق والحرية الاجتماعية، ولذلك واجه ثورة من المحافظين على الأسلوب القديم لأنّه استخدم بعض الكلمات العامية بأسلوب بسيط تقتضيه الحياة والبوح, كما أنَّ الشاعر لاقى ثورة من الجامدين الذين يقاومون تطور الحياة"(19), وكان أعنف هجوم تلقّاه نزار من الشيخ علي الطنطاوي الذي تحصّن بالأخلاق والعادات والتقاليد، وشنَّ هجوماً كاسحاً على ديوان نزار "قالت لي السمراء"، وسخر منه سخرية مرَّة, ومما قاله فيه: "وفي الكتاب مع ذلك تجديد في بحور العروض يختلط فيه البحر البسيط والبحر الأبيض المتوسّط وتجديد في قواعد النحو لأنّ النّاس قد ملّوا رفع الفاعل ونصب المفعول, ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهم يقيمون عليه فلم يكن بدّ من هذا التجديد"(20).

أما الرافد الثالث فهو في استخدام مفردات أجنبية معرّبة أو من دون تعريب, كـ "سمفونية ـ تلفون ـ مانيكور ـ مايوه ـ سوناتا ـ توليب ـ غاردينيا)، وقد جاء هذا الاستخدام قليلاً في بدايات نزار الشعرية ومفترقاً ومألوفاً, ولكنّه تطوّر مع تقدّمه في الشهرة، ونتيجة لتجواله في البلدان المختلفة، وكأن نزاراً نسي أو تناسى بيانه الشعري في مقدمة مجموعته الثانية "طفولة نهد" في أن يجعل الشعر ضرورة لكل مواطن، فإذا هو يستخدم في المقطع (96) من "مئة رسالة حبّ", إذ زار متحف الهيرميتاج في مدينة ليننغراد عاصمة القياصرة، مجموعة من أسماء الأعلام الرسامين في العالم:

الهيرميتاج هو فندق كلّ عباقرة العالم. فيه ينامون.. وفيه يرسمون.. وينحتون.. هنا وطن الفنانين.. فلوحات رينوار, وماتيس, وفان غوخ, وغويا, والعريكو، وروبنس, الموجودة هنا أعظم من آثارهم الموجودة في بلادهم الأصلية(21).

ويقول في المقطع الخامس من قصيدة "أقرأ جسدَكِ.. وأتتفَّف..":
ماذا نفعلُ في هذا الوطن؟
الذي يعرف كلَّ شيء عن ثورة أكتوبر..
وثورة الزنْج..
وثورة القرامِطةْ..
ويتصرّف مع النساء كأنّه شيخ طريقَهْ..
ماذا نفعلُ في هذا الوطن الضائعْ..
بين مؤلفات الإمام الشافعي.. ومؤلفات لينينْ..
بين المادية الجدليّة.. وصور (البورنو)..
بين كتب التفسير.. ومجلة (البلاي بويْ)..
بين فرقة (المعتزلة).. وفرقة (البيتلزْ)..
بين رابعة العدوية.. وبين (إيمانويلْ)..(22)

ويلاحظ القارئ أن نزاراً بدأ يتجه إلى هذا الرافد منذ وقت مبكر, حتى إنّه في مجموعته الرابعة "أنتِ لي" 1950 ذهب إلى أن يعنون إحدى قصائده بـ "Ala gasconne" بالحروف اللاتينية، وهو يستنكر فيها بشدة ما قامت به أنثاه حين قصّت شعرها الطويل, وتشبّهت بالغلمان, وكأنها قامت بعمل جنوني أساء إلى أنوثتها الباذخة، بل حذفها من الحياة واهتمام الشاعر بها, وحوّلها إلى امرأة حمقاء, فأنهى الشاعر قصيدته بهذه الخاتمة الغاضبة:

بَلْهَاءُ.. شاحبةَ الجبينِ.. تُرَى
أطْفَأْتِ ثَأْركِ منهُ فاعْتَدِّي
حَلَّ الشِّتاءُ بكلِّ زاويةٍ
فَالثَّلْجُ عندَ مفاتقِ النَّهْدِ
لا تكشفي العُنُق الغلامَ فلا
عاشَتْ جِرَاحُ اللوزِ... من بَعْدي
لا تَقْرَبِيني.. أنتِ ميِّتَةٌ
إنَ السَّوَالِفَ, مجدُهَا مَجْدِي..(23)

ـ 3 ـ

الفضاء الاجتماعي المفتوح ودلالاته:

يمثّل الشعر بصفته أعلى درجات الثقافة عند العرب نظاماً سيميولوجياً للتواصل الثقافي, فهو رسالة (message) من الباث إلى المتلقي, فإذا كانت هذه الرسالة مألوفة وعادية فإنّها لا تتجاوز الرسائل القديمة في فاعليتها, أما إذا كانت مفاجئة وصادقة فإنّها حينذاك تُثير حولها كثيراً من الأسئلة والتكهّنات, ويختلف المتلقّون حولها بين مؤيد ومعارض, ويحدث الصراع بين قبولها ورفضها, وقد ظلّ الشعر العربي في سورية مألوفاً وعاديّاً ومحافظاً على القيم, ومتشدّداً في العادات والتقاليد, سواء كان ذلك في الموضوعات, كشعر النضال الوطني والقومي فيما بين الحربين أم كان في الموضوعات الاجتماعية التي لم تخرج عمّا هو مرسوم لها, حتى إنَّ محمد البزم يذهب في قصيدته "الحجاب"(24) إلى أنّ السفور شرّ من الشرور، وإنّ المرء ليعجب أشدّ العجب حين ينتهي من قراءة ديوان "نوح العندليب" لشاعر الشام شفيق جبري, ويسأل نفسه عن المرأة والغزل، فلا يستطيع أن يقدّم أيّ إجابة، وكأنّ المرأة نوع من المحرمات والمقدسات لا يجوز الاقتراب منه, وهذا مناقض لطبيعة الشعر العربي في تاريخه الطويل, ولم أعثر في حياتي كلِّها على أفقر مما قرأت في الباب الثاني من "نوح العندليب" وهو بعنوان "الطبيعة والمرأة" فهو حديث عن هديل الحمام وترقيص الطفلة، وإذا كان ثمة قصيدة تقترب من بعيد إلى الغزل فهي معارضة، وإذا سئل الشاعر عن شعره الغزلي خجل من نفسه كلّ الخجل وأحس بشيء من الضعف.. إلخ(25).

كان لصدور مجموعة "قالت لي السمراء" في عام 1944 عن دار الأحد بدمشق ضجّة كبيرة، فقد انتقل الشعر فجاءة من الفضاء المغلق إلى فضاء مفتوح, وكانت هذه المجموعة بداية لتحولات خطيرة في الشعر العربي في سورية, وخصوصاً فيما يتصل بالتعبير عن إحساسات الأنثى مباشرة، أو إقامة علاقات جديدة بين الأنثى ومحيطها, أو اقتحام المقدّس وهتك ما هو محرّم في وصف الجسد الأنثوي بدءاً من الشفتين إلى النهدين والحلمتين وتشجيع الأنثى على أن تعيش حياتها على هواها من دون رقيب أو محاسب, بل هو يدعوها صراحة في قصيدته "نهداك" من مجموعته "قالت لي السمراء" إلى أن تقتنص فرص الشباب قبل أن يفوت الأوان حيث ساعة لا ينفع الندم, ويدعوها متجاوزاً كلّ الأعراف والتقاليد إلى ارتكاب المعصية:

لا تفزعي.. فاللثْمُ للشعراءِ غيرُ مُحَرَّمِ
فُكِّيِ أسيريْ صَدْرِكِ الطفْلَيْن.. لا.. لا تظَلمي
نَهْدَاكِ ما خُلِقَا لِلَثْمِ الثَّوْبِ.. لكنْ للفمِ
مجنونةٌ مَنْ تحجبُ النهدينِ أو هي تحتمي
مجنونةٌ مَنْ مرَّ عَهْدُ شبابها لم تُلْثَمِ"(26)

لم يشتغل نزار قباني على القضايا الاجتماعية التي اشتغل عليها قاسم أمين و معروف الرصافي والزهاوي وغيرهم, كضرورة تعليم المرأة، وضرورة اختيارها لشريك العمر أو قضية عملها, أو طلاقها, وإنما انحاز إلى المدرسة اللبنانية في البحث عن مواطن الجمال في الأنثى، ونزار رسّام ماهر, وهو مغرم بالألوان والتفاصيل الحسّية، ولوحته متعدّدة الألوان وإن كانت تحمل وجهاً واحداً, فالصورة في شعره متنقلة، وإذا كان المشبه واحداً فإنَّ المشبّه به متعدّد, كما هي الحال في قصيدته "حلمة" من مجموعته الثانية "طفولة نهد" 1948, فهو لم يدع وجهاً من وجوه المشبه به في الطبيعة إلاَّ ذكره لبيان جماليات هذه الحلمة، وليست هذه الصور توضيحية، وإنّما هي صور جمالية لتقديم اللوحة على أفضل ما يجب أن تكون عليه:

تهزهزي وثُوري
يا خُصْلَةَ الحريرِ
يا مبسمَ العصفور يا
أرجوحةَ العبيرِ
يا حرفَ نارٍ سابحاً
في بِرْكَتَي عُطُورِ
يا كلِمْةً مهموسةً
مكتوبةً بنورِ
سمراءُ بل حمراءُ.. بل
لَوَّنَهَا شعوري
دُمَيْعَةٌ حافيةٌ
في ملعبٍ غميرِ
أم قُبْلَةٌ تجمَّدَتْ
في نْهدِكِ الصغير..إلخ(27)

ونزار قباني شاعر الممنوعات والمحرّم الجنسي, وقصيدته تقتحم التابو "Tabou" الاجتماعي والبلاغي بقوة، وقد سمح للأنثى أن تبوح بأسرارها ومشاعرها لأمّها, فإذا المحرّم في قصيدة "حكاية" مباح, وإذا السّر الدفين غناءٌ, وهذه هي المراهقة الدمشقية تروي حكايتها لأمها:

كنتُ أعدُو في غابة اللوزِ.. لمَّا
قالَ عنِّي, أُمَّاهُ, إنّي حُلْوَهْ
وعلى سالفي.. غفا زِرٌّ وَرْدٍ
وقميصي تَفَلَّتَتْ منه عُرْوَهْ
قالَ ما قالَ.. فالقميصُ جحيمٌ
فوق صدري, والثَّوْبُ يقطرُ نَشْوَهْ
قالَ لي: مبسمي وُرَيْقَةُ تُوتٍ
ولقد قالَ: إنَّ صَدْريَ ثَرْوَهْ
وَرَوَى لي عن ناهِدَيَّ حكايا

فهما جَدْولاَ نبيذٍ وَقَهْوَهْ
وهما دَوْرَقَا رحيقٍ ونُورٍ
وهما رَبْوَةٌ تُعانِقُ رَبْوَهْ
أَأَنَا حُلْوَةٌ؟.. وَأيْقَظَ أُنْثى
في عُرُوقي, وَشَقَّ للنُّورِ كُوَّهْ
إنَّ في صَوْتِهِ قَرَاراً رخيماً
وبأحْدَاقِهِ.. بريقُ النُّبُوَّهْ
جَبْهَةٌ حُرَّةٌ.. كما انْسَرَحَ النُّو
رُ وثَغْرٌ فيهِ اعتدادٌ وقَسْوَهْ
يَغْصِبُ الْقُبْلَةَ اغتصاباً
وجميلٌ أنْ يُؤْخَذَ الثَّغْرُ غُنْوَهْ
وَرَدَدْتُ الجفونَ عنه حَيَاءً
وَحَيَاءُ النِّسَاءِ للحُبِّ دَعْوَهْ
تستحي مُقلَتي.. ويَسْأَلُ طُهْري
عن شَذَاهُ.. كأنَّ للطُهْرِ شَهْوَهْ
أنتِ.. لن تُنْكِري عليَّ احتراقي
كلُّنا في مجامرِ النَّار نِسْوَهْ(28)


ونتوقّف أخيراً في هذا المجال عند عمارة شعرية من أهمّ عمارات نزار قباني, وهي قصيدته "يوميات امرأة لا مبالية"، ويتألف هذا العمل من استهلال ورسالة ويوميات, ففي الاستهلال إشارة لعنوان العمل "يوميات امرأة لا مبالية" من جهة وتلخيص له من جهة أخرى، وهو يشكّل صوت نزار قباني وبيان هدفه من العمل, وهو أن تثور الأنثى على وضعها الحريمي في الشرق, لتخرج من الفضاء المغلق الذي وُضعت فيه عبر تاريخها الطويل إلى الفضاءات المفتوحة والمستقبل المنشود, وهذا لا يتمّ ولا يتحقّق إلا من خلال هذه الثورة:

ثُوري! أحبُّكِ أن تَثُوري..
ثوري على شرق السَّبَايا.. والتكايا.. والبَخُورِ
ثوري على التاريخ, وانتصري على الوهمِ الكبيرِ
لا ترهبي أحداً.. فإنَّ الشَّمْسَ مقبرةُ النسورِ
ثُوري على شرقٍ يراكِ وليمةً فوق السَّريرِ

نزار (29)

يمثّل هذا الاستهلال صوت نزار ووجهة نظره, وهو مذيَّل باسمه الأول, وهذا يشير صراحة إلى أنَّ المرأة لا يمكن أن تنال حقوقها وهي صامتة، وعليها أن تُعلن ثورتها على النظام الأبوي البطريركي, ثم إنّ نزار يبيّن في هذا الاستهلال وقوفه إلى جانبها, كما يصف معاناتها القاسية في هذا الشرق الذي لا ينظر إليها إلاّ على أنها متعة الرجل فوق الفراش, ولذلك كان هذا الاستهلال يمثّل الاتصال والانفصال عن النص, فهو متصل به من حيث إنَّه الغاية من النص, وهو ثورة المرأة، ومنفصل عن النَّص لأن المتكلّم هنا من جنس الذكور، وإن كان يتعاطف مع حقوق المرأة ويدعو إلى تحريرها.

وتتألف بنية القصيدة من مقطعين: الأول بعنوان "رسالة إلى رجل ما" وهي رسالة مؤلفة من خمسة مقاطع يتناول فيها الشاعر على لسان هذه المرأة حالتها في الشرق الذي يحتقر الأنثى ويئدها, والرسالة بمجموع مقاطعها مقدمة عن حال المرأة ومعاناتها في شرقنا, ونقدّم صورة عن ذلك من خلال المقطع الثالث:

لا تنتقدْني سيّدي
إنْ كانَ خطّي سيّئاً...
فإنَّني أكتبُ والسَّيَّافُ خَلْفَ بابي
وخارجَ الحجرةِ صوتُ الرِّيحِ والكلابِ..
يا سيّدي!
عنترةُ العبسيُّ خَلْفَ بابي
يذبحُني..
إذا رأى خطابي..
يقطعُ رأسي..
لو أنا عبَّرْتُ عن عذابي...
فشرقُكُمْ يا سيّدي العزيزْ
يحاصرُ المرأة بالحرابِ..
وشرقُكُمْ, يا سيّدي العزيزْ
يُبايعُ الرجالَ أنبياءً
ويطمرُ النساءَ في الترابِ..(30)

أما المقطع الثاني فهو بعنوان "اليوميات"، وهو صُلب العمل, وفيه ستة وثلاثون مقطعاً على وزن (مفاعلتن) تروي من خلالها هذه المرأة حكايتها في الشرق وما تواجهه الأنثى في هذا المكان المغلق أو السجن الكبير الذي يسمونه الشرق, فالأنثى كائن غير مرغوب به سلفاً, وهو محكوم عليه بالإعدام منذ ولادته:

أنا أنثى..
أنا أنثى
نهارَ أتيتُ للدنيا
وجدْتُ قرارَ إعدامي
ولم أرَ بابَ محكمتي
ولم أرَ وجْهَ حكّامي(31)

والمشكلة التي تواجهها هذه الأنثى معقّدة وصعبة الحلّ, فكلّ من في المنزل الذي تحوّل إلى سجن يكرهها ويراقبها مراقبة شديدة، ولذلك هي في منزل الموتى كما تسميه في المقطع الرابع, ولكن المشكلة أبعد من ذلك, وهي تواجه جسدها الذي أخذ يثور عليها ثورة عارمة بعد أن تفتّحت مساماته, وكأنها ألسنة تصرخ في كلّ اتجاه تطلب الحرية:

لمنْ صدري أنا يكبرْ؟
لمنْ.. كَرَزَاتُهُ دارتْ؟
لمنْ.. تُفَّاحُهُ أَزْهرْ؟
لمنْ؟
صحنانِ صينيَّانِ.. من صدفٍ ومن جَوْهَرْ
لمنْ؟ قَدَحَانِ من ذهبٍ..
وليس هناكَ من يَسْكَرْ؟
لمنْ شَفَةٌ مناديةٌ
تجمَّدَ فوقَها السُّكَّرْ؟
أللشيطانِ.. للديدانِ.. للجدران لا تُقْهَرْ؟
أُربِّيها, وضوءَ الشَّمْس أسقيها
سنابلَ شعريَ الأشْقَرْ..(32)

وإذا كان لهذا الجسد سلطة تبحث عن الحرية فثمة سلطة أخرى تواجهها بالقيود والسلاسل, وهي السلطة الذكورية البطريركية المتمثلة في سلطة الأب المستبد, ولذلك ترفض هذه الأنثى أن تعيش في قفص, ولو كان من ذهب خالص:

كفرتُ أنا.. بمالِ أبي
بلؤلؤهِ.. بفضَّتِهِ..
أبي.. لم ينتبهْ يوماً
إلى جسدي.. وثورتِهِ
أبي رجلٌ أنانيٌّ
مريضٌ في محبَّتِهِ
مريضٌ في تعصُّبِهِ
مريضٌ في تَعنُّتِهِ..
يثورُ.. إذا رأى صدري
تمادى في استدارتِهِ
يثورُ.. إذا رأى رجلاً
يُقَرِّبُ من حديقتِهِ..
أبي لن يمنعَ التُّفَّاحَ عن إكمالِ دورتِهِ
سيأتي ألفُ عصفورٍ
ليسرقَ من حديقتِهِ..(33)

ولذلك توازن هذه المرأة حياتها بحياة القطّ الأسود في المقطع الثاني عشر، فإذا هو يعيش في المنزل حرّاً سيِّداً, وهي مسجونة في قمقم موصد, ثمّ تقيم موازنات أخرى، فإذا كلّ الأشياء حولها تعيش حرّة وطبيعية، ووحدها الأنثى في هذا السجن ـ الشرق غير مسموح لها بأن تُعَبّر عن ذاتها, والغريب العجيب أنّ الشرق يسمح للأخ الذكر أن يعود من الماخور سكرانَ عند الصباح من دون عيب في حين تُسجن الأنثى من دون أي سبب, وكأنّ الذكر من طينة مختلفة، ثم تتناول هذه الأنثى بعين انتقادية عيوب الشرق المجبول بالأخطاء والفواحش, فالشرق أرض الخرافات والجهل (المقطع 29), والرجل في الشرق بدءاً من الأب إلى الأخ إلى رجال القبيلة هو السَّيَّاق مسرور (المقطع 31)، والجنس في الشرق ناقص لأنّه مقتصر على متعة الرجل (المقطع 2), والدِّين يحرّف لمصلحة الرجل (المقطع 33), والعار الوحيد في الشرق هو الأنثى، ويقف هذا العار عند حدود الزنّار (المقطع 34)، والمشكلة التي يعانيها الشرقي الازدواجية في حياته, فهو يكره الأنثى ظاهرياً ويعبد جسدها في الخفاء, ولذلك لا حلّ لمشكلة هذه الأنثى إلاَّ الفرار من هذا الجحيم إلى وطن الحريات:

أريدُ البحثَ عن وطنٍ..
جديدٍ غير مسكونِ
وربِّ لا يُطاردني.
وأرضٍ لا تُعَاديني..
أريد أفرُّ من جِلْدِي..
ومن صوتي.. ومن لُغَتي
وأشردُ مثلَ رائحةِ البساتينِ
أريدُ أفرُّ من ظلّي
وأهربُ من عناويني..
أريدُ أفرُّ من شرقِ الخرافةِ والثعابينِ
منَ الخلفاءِ.. والأمراءِ..
من كلَّ السلاطينِ..
أريدُ أحبُّ.. مثلَ طيورِ تشرينِ..
أيا شرقَ المشانقِ والسكاكينِ..(34)

تجتاح هذه القصيدة عالم السرد واليوميات بمقاطع ذات شعرية عالية، وهي قصيدة طويلة تتجرأ على المسكوت عنه بخطاب أنثوي يواجه السلطة الذكورية الغاشمة، وتقدّم فضاءين مختلفين: فضاء تقليدياً, وهو صورة المرأة المتواكلة المستسلمة لمصيرها في هذا السجن الكبير الذي نسمّيه الشرق, وهي قابعة بانتظار فارس الأحلام الذي سيجيء على جواد أبيض لينتشلها مما هي يه, وهذا الفضاء مغلق, وهو فضاء الواقع والتقاليد والسلطة الذكورية، وثمة فضاء آخر تدعو إليه هذه الأنثى الرافضة لمصيرها المتروك لعوامل الزمن وأوراق الحظ، وهو الفضاء الاجتماعي المفتوح على الحريات, ولذلك عليها أن تثور على واقعها المرّ, وتحارب العادات والتقاليد والسلطة الذكورية التي تعلّبها وتجعل منها سلعة للبيع والشراء, وقد ترك نزار هذا الفضاء بلا تحديد, لأن تحديده يجعله مغلقاً, وكأنّه يريد من المتلقي أن يتصوّره وفق هواه.

ـ 4 ـ

الفضاء النّصّي (الثقافي) المفتوح:

ليست القصيدة النزارية جزيرة معزولة عن العالم, وإنما هي نصّ يتغذّى من النصوص العربية والعالمية، وهو فضاء مفتوح تناصيّاً على نصوص سبقته أو عاصرته, وليس المهم أن تكون درجات الإبداع واحدة بين النّص الأول والنّص الثاني, فقد أخذ نزار من سواه وأعطى فيما بعد لكثير من الشعراء الأعلام وسواهم, ولذلك سأقف هنا عند تجربتين شعريتين انفتح فيهما النّص النزاري على سواه: الأولى بين إلياس أبي شبكة ونزار والثانية بين جاك بريفير ونزار.

يصف أبو شبكة الرذيلة في عمله "أفاعي الفردوس" وصفاً أسطورياً ليتطهّر الإنسان منها على طريقة أرسطو في نظرية التطهير, وكأنّ في داخله كاهناً كبيراً وفارساً مدافعاً عن القيم والمعتقدات، ولذلك كان ممزّقاً بين الواقع والمثال، فالأنثى ـ عنده ـ مثال خالص وطهر رومانسي يجمع الجسد إلى الروح في بوتقة واحدة، فلما فاجأته أنثى ذات زوج وطفل برغبتها الجسدية العارمة استنكر ذلك منها, وصبَّ عليها جام غضبه مهتدياً بالشاعر الرومانسي الفرنسي ألفريد دي فيني في غضبته العارمة على جنس النساء في قصيدته "la colère de Samson" ليصرخ من أعماقه:

Et, Plus ou moins, la Femme est toujours Dalila(35).

صبّ إلياس أبو شكبة جام غضبه على الأنثى الخائنة في قصيدته "الأفعى" 1929, فقال:
وما زُغْتُ من وجٍ فَدَارَجْتُهُ
ولائي, وفي هذا الولا بُغْيَةٌ نُكْرا
فلمّا قَطَرْتُ الصِّدْقَ خُبْثاً بصدرِهِ
قَطَرْتُ لَهُ في نَسْلِهِ قطرةً أخرى
أقولُ لها: أعراقُ زوجِكِ لم تَزَلْ
وفي قلبِهِ عَطْفُ الأُبَوَّةِ لم يَبْرَ
فَحُبُّكِ يجري منه في الجهةِ اليسرى
أقولُ لها: ثَوْبَ العفافِ تذكَّري
ففي ساعةِ الإكليلِ لم يَكُ مُغْبَرَّا
لبسْتِ رداءَ العرسِ أبيضَ ناصعاً
فمن أين جاءتْ هذه اللطخةُ الحمرا؟(36)

وأبو شبكة لا يحمّل هذه الأنثى وحدها تبعات ما قامت به من خيانة الزوج المخدوع الضحية، وإنّما هو يسخر من شريكها القاتل, وهو الرجل الثاني الزاني, فيخاطبه ويذكّره بطفولة بريئة عبثت بها السخافات:
سَتَمْلكُهَا ما شئتَ, بَعْدُ, فلا تَخَفْ

فإنَّ ابنَها لمّا يزلْ يَجهَلُ الأمرا
صغيرٌ, بريءُ العين, يرضى بلعبةٍ
فيرقد مغبوطاً بذي الهبةِ الكبرى
ينامُ, ولا يدري بأنَّ سخافةً
تلهَّى بها, كانت لموبقةٍ سِعْرَا(37)

يعود أبو شبكة إلى هذه الأنثى في قصيدته "في هيكل الشهوات" 1929, ليستنكر ما كان منها, ويوبّخها توبيخاً دينيّاً, وكأنّه يحكم عليها باللعنة الأبدية، فيقول:

وأنتِ, يا أمَّ طفلٍ في تلفُّتِهِ
سُؤْلُ العفافِ وفي أجفانِهِ لَعِبُ
صُبِّي الخمورَ فهذا العصرُ عصرُ طلاً
أما السُّكارى فهم أبناؤُهُ النُّجُبُ(...)
أما أنا, ولوِ اسْتَسْلَمْتُ أمسِ إلى
خمرِ الليالي, فقلبي ليسَ يَنْشَعِبُ
قد أشربُ الخمرَ لكنْ لا أُدَنِّسُهَا
وأقربُ الإثْمَ لكنْ لَسْتُ أرْتَكِبُ
وفي غدٍ إذ تُنِيرُ الطفلَ ميعَتُهُ
وتهرمينَ ويبقى ذلك الْخَشَبُ
قولي له: جئتَ في عصر الخمورِ فلا
تشربْ سوى الخمرِ واشحبْ مثلما شحبوا(..)
قولي لـه: عِفَّةُ الأجسادِ قد ذَهَبَتْ
معَ الجدودِ الأعفَّاءِ الأُلَى ذَهَبُوا(38)

لم يسلم نزار, وبخاصة في بداياته الشعرية، من هيمنة أبي شبكة عليه(39), وهو يستعيد في قصيدته "مدنّسة الحليب" في مجموعته "قالت لي السمراء" تجربة أبي شبكة في "أفاعي الفردوس", وقد بدا هذا التأثر واضحاً وهو يترسم خُطاهُ في صياغة قصيدة "شمشون" في الوزن (الخفيف) والأسلوب، فقال أبو شبكة في مطلع قصيدته:

ملِّقيهِ بحُسْنِكِ المأْجُورِ
وادْفَعيِهِ للانتقامِ الكبيرِ(40)

وقال نزار:

أطعميه... من ناهديكِ اطْعميهِ
واسْكبي أعكرَ الحليب بِنَيهِ(41)
وهو يستصرخ صور الخيانة على طريقة أبي شبكة، فيقول:
اِتَّقي الله.. في رخامٍ مُعَرَّى
خَشَبُ المهدِ كادَ أن يَشْتَهِيهِ
نَشِفَتْ فَوْرَةُ الحليب بِثَدْيَيْـ
ـكِ طعاماً لزائرٍ مَشْبُوهِ
زَوْجُكِ الطِّيبُ البسيطُ بعيدٌ
عنكِ, يا عِرْضَهُ وأمَّ بَنِيهِ
ساذجٌ, أبيضُ السَّريرةِ, أَعْطَا
كِ سوادَ العينينِ كي تشربيهِ
يَتْرُكُ الدَّارَ خاليَ الظَّنِّ... ماذا؟
أيشكُُّ الإنسانُ في أهْلِيهِ
أَوَآذَاكِ يا لئيمةُ... حتَّى
في قَدَاسَاتِ نَسْلِِ تُؤْذِيهِ(42)
ويستعيد نزار في الوقت نفسه صورة ذلك الطفل الذي تحدَّث عنه أبو شبكة:
والرَّضيعُ الزَّحَّافُ في الأرضِ يَسْعَى
كلُّ أمرٍ من حولِهِ لا يَعِيهِ
أمُّهُ في ذراعِ هذا المُسَجَّى
إنْ بكى الدَّهْرَ سوفَ لا تأتيهِ
أَاَبُوهُ هذا ويا رُبَّ مَوْلُو
دٍ أَبُوهُ الضجيعُ غيرُ أبيهِ(43)



هكذا استعاد نزار تجربة أبي شبكة بحرارة أقلّ, والنّصان يختلفان, فنصّ أبي شبكة أقرب إلى الهلع من الخطيئة المميتة التي كان أبو شبكة يخشاها, في حين كان نزار أقرب إلى العادات والتقاليد, وكان كلاسيكياً محافظاً في هذا النص, في حين كان أبو شبكة رومانسياً خالصاً.

والتجربة الثانية هي للشاعر الفرنسي جاك بريفير (1900 ـ 1977م) في قصيدته الشهيرة "وجبة الصباح" "Dèjeuner du matin" المنشورة في مجموعة "كلمات" "Paroles" سنة 1948, تقصّ علينا امرأة جلست إلى جانب رجل في مطعم من دون أن يعيرها أيّ اهتمام في عالم غدا أقرب إلى الآلية في سلوكه ما شاهدته من تصرّفات الرجل الذي تقاسمت معه الطاولة:

وضعَ القهوةَ/ في الفنجان
وضع الحليب/ في فنجان القهوة
وضع السّكّر/ في القهوة بالحليب
حرّكها/ بالمعلقة الصغيرة
شرب القهوة بالحليب/ ووضع الفنجان
من دون أن يكلّمني
أشعل سيجارة/ نفث دوائر/ من دخانٍ
ألقى الرماد/ في المنفضة/ من دون أن يكلّمني
من دون أن ينظر إليّ
نهض/ وضع قبّعته على رأسه/ ارتدى معطف الشتاء
لأنَّ المطر كان يهطل/ وانصرف تحت زخّات المطر
من دون كلمة/ من دون أن ينظر إليّ
وأنا قد وضعتُ/ رأسي بين يديّ/ وبكيت
ُ(44)

وقد استعاد نزار قباني هذه التجربة في قصيدته "مع جريدة" في مجموعته الخامسة "قصائد" 1956, فقال على لسان امرأة:
أخرجَ من معطفه الجريدَة..
وعلبةَ الثقابِ
ودونَ أن يلاحظَ اضطرابي...
ودونما اهتمام
تناولَ السّكّرَ من أمامي...
ذوَّبَ في الفنجان قطعَتيْنْ
ذوَّبَني... ذوَّبَ قطعَتيْنْ
وبعدَ لحظتيْنْ
ودونَ أن يراني
ويعرفَ الشوقَ الذي اعتراني...
تناولَ المعطفَ من أمامي
وغابَ في الرخامِ
مخلِّفاً وراءَهُ الجريدَة
وحيدةً
مثلي أنا... وحيدَة(45)
هذه بعض تجلّيات الفضاء المفتوح في شعر نزار قباني: قصائد تخترقُ العاديَّ والمألوف مفرداتٍ ولغةً وصوراً, وتتجاوز الفضاءات الاجتماعية المغلقة بمقدّساتها وحرّاسها إلى فضاءات أكثر عدالة وتنوعاً, واجتياز المحرّمات والممنوعات والتجاسر على الأعراف والتقاليد لبناء عالم المساواة والعدل والحرية, عالم سليم معافى، واختراق الثقافة النصية الجامدة والبلاغة التقليدية إلى فضاء ثقافي عربي وغربي تتفاعل فيه النصوص الشعرية لتشكيل نصوص قادرة على أن تكون فاعلة في الحياة الجديدة وفضاءاتها المفتوحة على غير بُعد ومستوى واتجاه.




نماذج شعرية قبانية :
----------------------

كلَ عام وأنتِ حبيبتي
----------------------

1
كل عامٍ وأنت حبيبتي
أقولها لك،
عندما تدق الساعة منتصف الليل
وتغرق السنة الماضية في مياه أحزاني
كسفينةٍ مصنوعةٍ من الورق
أقولها لك على طريقتي
متجاوزاً كل الطقوس الاحتفاليه
التي يمارسها العالم منذ 1975 سنة
وكاسراً كل تقاليد الفرح الكاذب
التي يتمسك بها الناس منذ 1975 سنة
ورافضاً
كل العبارات الكلاسيكية
التي يرددها الرجال على مسامع النساء
منذ 1975 سنة

2

كل عامٍ وأنت حبيبتي
أقولها لك بكل بساطه
كما يقرأ طفلٌ صلاته قبل النوم
وكما يقف عصفورٌ على سنبلة قمح
فتزداد الأزاهير المشغولة على ثوبك الأبيض
زهرةً
وتزداد المراكب المنتظرة في مياه عينيك
مركباً
أقولها لك بحرارةٍ ونزق
كما يضرب الراقص الاسباني قدمه بالأرض
فتتشكل ألوف الدوائر
حول محيط الكرة الأرضيه

3

كل عامٍ وأنت حبيبتي
هذه هي الكلمات الأربع
التي سألفها بشريطٍ من القصب
وأرسلها إليك ليلة رأس السنه.
كل البطاقات التي يبيعونها في المكتبات
لا تقول ما أريده
وكل الرسوم التي عليها
من شموعٍ وأجراسٍ وأشجارٍ وكرات
ثلج
وأطفالٍ وملائكه
لا تناسبني
إنني لا أرتاح للبطاقات الجاهزه
ولا للقصائد الجاهزه
ولا للتمنيات التي برسم التصدير
فهي كلها مطبوعة في باريس، أو لندن،
أو أمستردام
ومكتوبةٌ بالفرنسية، أو الانكليزية
لتصلح لكل المناسبات
وأنت لست امرأة المناسبات
بل أنت المرأة التي أحبها
أنت هذا الوجع اليومي
الذي لا يقال ببطاقات المعايده
ولا يقال بالحروف اللاتينيه.
ولا يقال بالمراسله
وإنما يقال عندما تدق الساعة منتصف الليل
وتدخلين كالسمكة إلى مياهي الدافئه
وتستحمين هناك
ويسافر فمي في غابات شعرك الغجري
ويستوطن هناك

4

لأنني أحبك
تدخل السنة الجديدة علينا
دخول الملوك
ولأنني أحبك
أحمل تصريحاً خاصاً من الله
بالتجول بين ملايين النجوم

5

لن نشتري هذا العيد شجره
ستكونين أنت الشجره
وسأعلق عليك
أمنياتي وصلواتي
وقناديل دموعي

6

كل عامٍ وأنت حبيبتي
أمنيةٌ أخاف أن أتمناها
حتى لا أتهم بالطمع أو بالغرور
فكرةٌ أخاف أن أفكر بها
حتى لا يسرقها الناس مني
ويزعموا أنهم أول من اخترع الشعر

7

كل عامٍ وأنت حبيبتي
كل عامٍ وأنت حبيبك
أنا أعرف أنني أتمنى أكثر مما ينبغي
وأحلم أكثر من الحد المسموح به
ولكن
من له الحق أن يحاسبني على أحلامي؟
من يحاسب الفقراء؟
إذا حلموا أنهم جلسوا على العرش
لمدة خمس دقائق؟
من يحاسب الصحراء إذا توحمت على جدول ماء؟
هناك ثلاث حالاتٍ يصبح فيها الحلم شرعياً:
حالة الجنون
وحالة الشعر
وحالة التعرف على امرأة مدهشةٍ مثلك
وأنا أعاني – لحسن الحظ-
من الحالات الثلاث

8

اتركي عشيرتك
واتبعيني إلى مغائري الداخليه
اتركي قبعة الورق
وموسيقى الجيرك
والملابس التنكريه
واجلسي معي تحت شجر البرق
وعباءة الشعر الزرقاء
سأغطيك بمعطفي من مطر بيروت
وسأسقيك نبيذاً أحمر
من أقبية الرهبان
وسأصنع لك طبقاً إسبانياً
من قواقع البحر
إتبعيني – يا سيدتي- إلى شوارع الحلم الخلفيه
فلسوف أطلعك على قصائد لم أقرأها لأحد
وأفتح لك حقائب دموعي
التي لم أفتحها لأحد
ولسوف أحبك
كما لا أحبك أحد

9

عندما تدق الساعة الثانية عشره
وتفقد الكرة الأرضية توازنها
ويبدأ الراقصون يفكرون بأقدامهم
سأنسحب إلى داخل نفسي
وأسحبك معي
فأنت امرأةٌ لا ترتبط بالفرح العام
ولا بالزمن العام
ولا بهذا السيرك الكبير الذي يمر أمامنا
ولا بتلك الطبول الوثنية التي تقرع حولنا
ولا بأقنعة الورق التي لا يبقى منها في آخر الليل
سوى رجالٍ من ورق
ونساءٍ من ورق

10

آه يا سيدتي
لو كان الأمر بيدي
إذن لصنعت سنةً لك وحدك
تفصلين أيامها كما تريدين
وتسندين ظهرك على أسابيعها كما تريدين
وتتشمسين
وتستحمين
وتركضين على رمال شهورها
كما تريدين
آه يا سيدتي
لو كان الأمر بيدي
لأقمت عاصمةً لك في ضاحية الوقت
لا تأخذ بنظام الساعات الشمسية والرمليه
ولا يبدأ فيها الزمن الحقيقي
إلا
عندما تأخذ يدك الصغيرة قيلولتها
داخل يدي

11

كل عامٍ وعيناك أيقونتان بيزنطيتان
ونهداك طفلان أشقران
يتدحرجان على الثلج
كل عامٍ وأنا متورطٌ بك
وملاحقٌ بتهمة حبك
كما السماء متهمةٌ بالزرقه
والعصافير متهمةٌ بالسفر
والشفة متهمةٌ بالإستداره.
كل عامٍ وأنا مضروبٌ بزلازلك
ومبللٌ بأمطارك
ومحفورٌ – كالإناء الصيني – بتضاريس جسمك
كل عامٍ وأنت لا أدري ماذا أسميك
إختاري أنت أسماءك
كما تختار النقطة مكانها على السطر
وكما يختار المشط مكانه في طيات الشعر
وإلى أن تختاري إسمك الجديد
إسمحي لي أن أناديك:
"يا حبيبتي".

مراهقتي
--------

تخيف أبي مراهقتي
يدق لها
طبول الذعر والخطر
يقاومها
يقاوم رغوة الخلجان
يلعن جرأة المطر
يقاوم دونما جدوى
مرور النسغ في الزهر
أبي يشقى
إذا سالت رياح الصيف عن شعري
ويشقى إن رأى نهدي
يرتفعان في كبر
ويغتسلان كالأطفال
تحت أشعة القمر
فما ذنبي وذنبهما
هما مني هما قدري
سماء مدينتي تمطر
ونفسي مثلها تمطر
وتاريخي معي. طفلٌ
نحيل الوجه، لا يبصر
أنا حزني رمادي
كهذا الشارع المقفر
أنا نوع من الصبير
لا يعطي ولا يثمر
حياتي مركبٌ ثملٌ
تحطم قبل أن يبحر
وأيامي مكررةٌ
كصوت الساعة المضجر
وكيف أنوثتي ماتت
أنا ما عدت أستفكر
فلا صيفي أنا صيفٌ
ولا زهري أنا يزهر
بمن أهتم هل شيءٌ
بنفسي – بعد – ما دمر
أبالعفن الذي حولي
أم القيم التي أنكر
حياتي كلها عبثٌ
فلا خبزٌ أعيش له
ولا مخبر
للا أحدٍ أعيش أنا
ولا لا شيء أستنظر

عقدة المطر
--------------

أخاف أن تمطر الدنيا، و لست معي
فمنذ رحت و عندي عقدة المطر
كان الشتاء يغطيني بمعطفه
فلا أفكر في برد و لا ضجر
و كانت الريح تعوي خلف نافذتي
فتهمسين: تمسك ها هنا شعري
و الآن أجلس و الأمطار تجلدني
على ذراعي. على وجهي. على ظهري
فمن يدافع عني يا مسافرة
مثل اليمامة، بين العين و البصر
وكيف أمحوك من أوراق ذاكرتي
و أنت في القلب مثل النقش في الحجر
أنا أحبك يا من تسكنين دمي
إنت إن كنت في الصين، أو إن كنت في القمر
ففيك شيء من المجهول أدخله
و فيك شيء من التاريخ و القدر
أعنف حب عشته
تلومني الدنيا إذا أحببته
كأني أنا خلقت الحب واخترعته
كأنني على خدود الورد قد رسمته
كأنني أنا التي
للطير في السماء قد علمته
وفي حقول القمح قد زرعته
وفي مياه البحر قد ذوبته
كأنني أنا التي
كالقمر الجميل في السماء قد علقته
تلومني الدنيا إذا
سميت من أحب أو ذكرته
كأنني أنا الهوى
وأمه وأخته
من حيث ما انتظرته
مختلف عن كل ما عرفته
مختلف عن كل ما قرأته
وكل ما سمعته
لو كنت أدري
أنه نوع من الإدمان ما أدمنته
لو كنت أدري أنه
باب كثير الريح ، ما فتحته
لو كنت أدري أنه
عود من الكبريت ، ما أشعلته
هذا الهوى . أعنف حب عشته
فليتني حين أتاني فاتحا
يديه لي رددته
وليتني من قبل أن يقتلني
قتلته
هذا الهوى الذي أراه في الليل
أراه في ثوبي
وفي عطري وفي أساوري
أراه مرسوما على وجه يدي
أراه منقوشا على مشاعري
لو أخبروني أنه
طفل كثير اللهو والضوضاء ما أدخلته
وأنه سيكسر الزجاج في قلبي
لما تركته
لو اخبروني أنه
سيضرم النيران في دقائق
ويقلب الأشياء في دقائق
ويصبغ الجدران بالأحمر والأزرق في دقائق
لكنت قد طردته
يا أيها الغالي الذي
أرضيت عني الله إذ أحببته
أروع حب عشته
فليتني حين أتاني زائرا
بالورد قد طوقته
وليتني حين أتاني باكيا
فتحت أبوابي له وبسته
وبسته
وبسته
فتحت أبوابي له وبسته
وبسته
وبسته




كيف؟
-------

كيف؟
أي المفاتيح تفتح أبواب مملكتك؟
أي القصائد تدخلني إلى قاعة العرش؟
أي نوعٍ من النبيذ..
أقدمه لرشوة حراسك؟
طبقت عليك علوم الأولين والآخرين
وحكمة الفلاسفة.. وجنون المجانين..
لم أترك كتاباً من كتب العشق.. إلا تعاطيتها..
ولا رياضةً هنديةً للتغلب على النفس..
إلا مارستها..
فلا الأعشاب الصينية نفعتني..
ولا الطقوس البوذية نفعتني..
ولا مؤلفات العشق.. نفعتني..
أيتها المرأة التي لم تكتبها الكتب..
2
التي يستعملها الرجال عادةً لاستمالة النساء
إلى مستحضري الأرواح.. ففشلت..
حاولت أن أعاقبك بالذهاب مع امرأةٍ أخرى..
عاقبت نفسي..
دليني على طريقةٍ أنتصر فيها عليك...
فكلما ضربت نهديك بالسياط..
تفجر الدم من جسدي..
3
أيتها المرأة الموجودة في كل شيء..
والقادرة على كل شيء..
لا ينفع هجرٌ ولا خيانه..
كلما دخلت إلى بيت امرأه.
خرجت إلي من وراء الستائر..
كلما مارست الحب مع امرأةٍ أخرى..
حبلت أنت!!...
كل الخيانات هي في مصلحتك..
كلما دخلت إلى بيت امرأه.
خرجت إلي من وراء الستائر..
كلما مارست الحب مع امرأةٍ أخرى..
حبلت أنت!!...



صَبَاحُكِ سُكّر
---------------

إذا مر يومٌ. ولم أتذكر
به أن أقول: صباحك سكر.
ورحت أخط كطفلٍ صغير
كلاماً غريباً على وجه دفتر
فلا تضجري من ذهولي وصمتي
ولا تحسبي أن شيئاً تغير
فحين أنا . لا أقول: أحب
فمعناه أني أحبك أكثر.
إذا جئتني ذات يوم بثوبٍ
كعشب البحيرات أخضر أخضر
وشعرك ملقىً على كتفيك
كبحرٍ كأبعاد ليلٍ مبعثر
ونهدك تحت ارتفاف القميص
شهي شهي كطعنة خنجر
ورحت أعب دخاني بعمقٍ
وأرشف حبر دواتي وأسكر
فلا تنعتيني بموت الشعور
ولا تحسبي أن قلبي تحجر
فبالوهم أخلق منك إلهاً
وأجعل نهدك قطعة جوهر
وبالوهم أزرع شعرك دفلى
وقمحاً ولوزاً وغابات زعتر
إذا ما جلست طويلاً أمامي
كمملكةٍ من عبيرٍ ومرمر
وأغمضت عن طيباتك عيني
وأهملت شكوى القميص المعطر
فلا تحسبي أنني لا أراك
فبعض المواضيع بالذهن يبصر
ففي الظل يغدو لعطرك صوتٌ
وتصبح أبعاد عينيك أكبر
أحبك فوق المحبة لكن
دعيني أراك كما أتصور
ثمن قصَائدي


"لقد أحبت شاعرا"
--------------------

وتمضغ النساء في المدينة القديمه
قصتنا العظيمه
ويرفع الرجال في الهواء
قبضاتهم وتشحذ الفؤوس
وتقرع الكؤوس بالكؤوس
كأنها كأنها جريمه
بأن تحبي شاعرا.
فراشي
يا ليت باستطاعتي
أن لا أكون شاعرا
يا ليتني
أقدر أن أكون شيئاً آخرا
مرابياً، أو سارقاً
أو قاتلاً
أو تاجراً
يا ليتني أكون يا صديقتي الحزينه
لصاً على سفينه
فربما تقبلني المدينه
مدينة القصدير والصفيح، والحجر.
تلك التي سماؤها لا تعرف المطر
وخبزها اليومي
حقدٌ وضجر
تلك التي تطارد الحرف
وتغتال القمر
يا ليت باستطاعتي
يا نجمتي،
يا كرمتي،
يا غابتي،
أن لا أكون شاعرا
لكنما الشعر قدر
فكيف، يا لؤلؤتي وراحتي
أهرب من ها القدر؟.
الناس في بلادنا السعيده
لا يفهمون الشاعرا
يرونه مهرجاً يحرك المشاعرا
يرون قرصاناً به
يقتنص الكنوز والنساء والحرائرا
يرون فيه ساحرا
يحول النحاس في دقيقةٍ
إلى ذهب
ما أصعب الأدب!
فالشعر لا يقرأ في بلادنا لذاته
لجرسه
أو عمقه
أو محتوى لفظاته
فكل ما يهمنا
من شعر هذا الشاعر
ما عدد النساء في حياته؟
وهل له صديقةٌ جديده؟
فالناس
يقرأون في بلادنا القصيده
ويذبحون صاحب القصيده
أعطيت هذا الشرق من قصائدي بيادرا
علقت في سمائه النجوم والجواهرا
ملأت يا حبيبتي
بحبه الدفاترا
ورغم ما كتبته
ورغم ما نشرته
ترفضني المدينة الكئيبه
تلك التي سماؤها لا تعرف المطر
وخبزها اليومي حقدٌ وضجر
ترفضني المدينة الرهيبه
لأنني بالشعر يا حبيبه
غيرت تاريخ القمر

صديقتي وسجائري
--------------------

واصل تدخينك يغريني
رجلٌ في لحظةتدخين
ما أشهى تبغك والدنيا
تستقبل أول تشرين
والقهوة والصحف الكسلى
ورؤىً وحطام فناجين
دخن لا أروع من رجلٍ
يفنى في الركن ويفنيني
رجلٌ تنضم أصابعه
وتفكر من غير جبين
أشعل واحدةً من أخرى
أشعلها من جمر عيوني
ورمادك ضعه على كفي
نيرانك ليست تؤذيني
فأنا كامرأةٍ يرضيني
أن ألقي نفسي في مقعد
ساعاتٍ في هذا المعبد
أتأمل في الوجه المجهد
وأعد أعد عروق اليد
فعروق يديك تسليني
وخيوط الشيب هنا وهنا
تنهي أعصابي تنهيني
دخن لا أروع من رجلٍ
يفنى في الركن ويفنيني
احرقني إحرق بي بيتي
وتصرف فيه كمجنون
فأنا كامرأةٍ يكفيني
أن أشعر أنك تحميني
أن أشعر أن هناك يداً
تتسلل من خلف المقعد
كي تمسح رأسي وجبيني
تتسلل من خلف المقعد
لتداعب أذني بسكون
ولتترك في شعري الأسود
عقداً من زهر الليمون
دخن لا أروع من رجلٍ
يفنى في الركن ويفنيني

القصيدَة البحريّة
----------------

في مرفأ عينيك الأزرق
أمطارٌ من ضوءٍ مسموع
وشموسٌ دائخةٌ وقلوع
ترسم رحلتها للمطلق
في مرفأ عينيك الأزرق
شباكٌ بحري مفتوح
وطيورٌ في الأبعاد تلوح
تبحث عن جزرٍ لم تخلق
في مرفأ عينيك الأزرق
يتساقط ثلجٌ في تموز
ومراكب حبلى بالفيروز
أغرقت البحر ولم تغرق
في مرفأ عينيك الأزرق
أركض كالطفل على الصخر
أستنشق رائحة البحر
وأعود كعصفورٍ مرهق
في مرفأ عينيك الأزرق
أحلم بالبحر وبالابحار
وأصيد ملايين الأقمار
وعقود اللؤلؤ والزنبق
في مرفأ عينيك الأزرق
تتكلم في الليل الأحجار
في دفتر عينيك المغلق
من خبأ آلاف الأشعار؟
لو أني لو أني بحار
لو أحدٌ يمنحني زورق
أرسيت قلوعي كل مساء
في مرفأ عينيك الأزرق



قصيدة حبّ 1980
----------------------

1

يصبح دمي بنفسجياً
تهجم كريات العشق على بقية الكريات
وتأكلها
تهجم الكلمة الأنثى على بقية الكلمات
وتطردها.
ويكتشفون من تخطيط قلبي
أنه قلب عصفور
أو قلب سمكه
وأن مياه عينيك الدافئه
هي بيئتي الطبيعيه
والشرط الضروري لاستمرار حياتي

2

عندما تصبح المكتبات
ويصبح مكتب البريد
حقلاً من النجوم والأزهار. والحروف المقصبه
أقع في إشكالٍ لغويٍ كبير
أسقط من فوق حصان الكلمات
كرجلٍ لم ير الخيل في حياته
ولم ير النساء
آخذ صفراً في الأدب
آخذ صفراً في الإلقاء
أرسب في مادة الغزل
لأنني لم أستطع أن أقول بجملةٍ مفيده
كم أنت رائعه
وكم أنا مقصرٌ في مذاكرة وجهك الجميل
وفي قراءة الجزء العاشر بعد الألف
من شعرك الطويل.

3

إشتغلت عاماً كاملاً
على قصيدةٍ تلبسينها عام 1980
إلا هدايا القلب
إلا أساور حناني.
إثني عشر شهراً وأنا أشتغل
كدودة الحرير أشتغل
مرةً بخيطٍ وردي
ومرةً بخيطٍ برتقالي
حيناً بأسلاك الذهب
وحيناً بأسلاك الفضه
لأفاجئك بأغنيه
تضعينها على كتفيك كشال الكشمير
ليلة رأس السنه
وتثيرين بها مخيلة الرجال وغيرة النساء

4

إثني عشر شهراً
وأنا أعمل كصائغٍ من آسيا
في تركيب قصيدةٍ
تليق بمجد عينيك
والياقوتة بالياقوته
وأصنع منها حبلاً طويلاً طويلاً من الكلمات
أضعه حول عنقك وأنا أبكي.
إثني عشر شهراً
وأنا أعمل كنساجي الشام
وفلورنسا والصين وبلاد فارس
في حياكة عباءةٍ من العشق
لا يعرف مثلها تاريخ العباءات
ولا تاريخ الرجال

5

إثني عشر شهراً
وأنا في أكاديمية الفنون الجميله
أرسم خيولاً بالحبر الصيني
تشبه انفلات شعرك
وأعجن بالسيراميك أشكالاً لولبيه
تشبه استدارة نهديك
وعلى الزجاج رسمت
صنعت الأصوات التي لها رائحه
والرائحة التي لها صوت
ورسمت حول خصرك ريحاً بالقلم الأخضر
حتى لا يخطر بباله أن يصبح فراشةً ويطير
إثني عشر شهراً
وأنا أكسر اللغة إلى نصفين
والقمر إلى قمرين
قمرٍ تستلمينه الآن
وقمرٍ تستلمينه في بريد عام 1980
صنعت الأصوات التي لها رائحه
والرائحة التي لها صوت
ورسمت حول خصرك ريحاً بالقلم الأخضر
حتى لا يخطر بباله أن يصبح فراشةً ويطير
إثني عشر شهراً
وأنا أكسر اللغة إلى نصفين
والقمر إلى قمرين
قمرٍ تستلمينه الآن
وقمرٍ تستلمينه في بريد عام 1980


الحَسْناءُ والدّفْتر
----------------


قالت: أتسمح أن تزين دفتري
بعبارة، أو بيت شعرٍ واحد
بيتٍ أخبئه بليل ضفائري
وأريحه كالطفل فوق وسائدي
قل ما تشاء، فإن شعرك شاعري
أغلى وأروع من جميع قلائدي
ذات المفكرة الصغيرة أعذري
ما عاد ماردك القديم بمارد
من أين؟ أحلى القارئات أتيتني
أنا لست أكثر من سراجٍ خامد
أشعاري الأولى. أنا أحرقتها
ورميت كل مزاهري وموائدي
أنت الربيع بدفئه وشموسه
ماذا سأصنع بالربيع العائد؟.
لا تبحثي عني خلال كتابتي
شتان ما بيني وبين قصائدي
أنا أهدم الدنيا ببيتٍ شاردٍ
وأعمر الدنيا ببيتٍ شارد
بيدي صنعت جمال كل جميلةٍ
وأثرت نخوة كل نهدٍ ناهد
أشعلت في حطب النجوم حرائقاً
وأنا أمامك كالجدار البارد
كتبي التي أحببتها وقرأتها
ليست سوى ورقٍ وحبرٍ جامد
لا تخدعي ببروقها ورعودها
فالنار ميتةٌ بجوف مواقدي
سيفي أنا خشبٌ فلا تتعجبي
إن لم يضمك، يا جميلة، ساعدي.
إني أحارب بالحروف وبالرؤى
ومن الدخان صنعت كل مشاهدي
شيدت للحب الأنيق معابداً
وسقطت مقتولاً أمام معابدي
قزحية العينين تلك حقيقتي
هل بعد هذا تقرأين قصائدي؟
قدرٌ أنت بشكل امرأة
قدرٌ أنت بشكل امرأة
وأنا مقتنعٌ جداً بهذا القدر
إنني بعضك، يا سيدتي
مثلما الآه امتداد الوتر
مطر يغسلني أنت فلا
تحرميني من سقوط المطر
بصري أنت. وهل يمكنها
أن ترى العينان دون البصر؟
سَاعَة الصِّفر
أنت لا تحتملين!!
كل أطوارك فوضى
كل أفكارك طين
صوتك المبحوح وحشي، غريزي الرنين
خنجر يأكل من لحمي. فلا تسكتين
يا صداعاً عاش في رأسي
سنيناً وسنين
يا صداعي.
كيف لم أقتلك من خمس سنين؟
إننا في ساعة الصفر
فما تقترحين؟.
أصبحت أعصابنا فحماً
فما تقترحين؟
علب التبغ رميناها
وأحرقنا السفين
وقتلنا الحب في أعماقنا
وهو جنين
سبع ساعاتٍ
تكلمت عن الحب الذي لا تعرفين
وأنا أمضغ أحزاني
كعصفورٍ حزين
سبع ساعاتٍ
كسنجابٍ لئيم تكذبين
وأنا أصغي إلى الصوت الذي أدمنته
خمس سنين
ألعن الصوت الذي أدمنته
خمس سنين
معطفي هاتيه.
ما تنتظرين؟
فمع الأمطار والفجر الحزين
أنتهي منك. ومني تنتهين
إنني أتركك الآن لزيف الزائفين
ونفاق المعجبين
فاجعلي من بيتك الحالم مأوى التافهين
واخطري جاريةً بين كؤوس الشاربين
كيف أبقى؟
عابراً بين ألوف العابرين؟
كيف أرضى؟
أن تكوني في ذراعي
وذراعي الآخرين.
كيف يا ملكي وملك الآخرين
كيف لم أقتلك
من خمس سنين؟.
أبعدي الوجه الذي أكرهه
أنت عندي
في عداد الميتين
المجدُ للضفائر الطويلة
وكان في بغداد يا حبيبتي، في سالف الزمان
خليفةٌ له ابنةٌ جميله
عيونها.
طيران أخضران
وشعرها قصيدةٌ طويله
سعى لها الملوك والقياصره
وقدموا مهراً لها
قوافل العبيد والذهب
وقدموا تيجانهم
على صحافٍ من ذهب
ومن بلاد الهند جاءها أمير
ومن بلاد الصين جاءها الحرير
لكنما الأميرة الجميله
لم تقبل الملوك والقصور والجواهرا
كانت تحب شاعرا
يلقي على شرفتها
كل مساءٍ وردةً جميله
وكلمةً جميله
تقول شهرزاد:
وانتقم الخليفة السفاح من ضفائر الأميره
فقصها
ضفيرةً ضفيره
وأعلنت بغداد – يا حبيبتي- الحداد
عامين
أعلنت بغداد – يا حبيبتي – الحداد
حزناً على السنابل الصفراء كالذهب
وجاعت البلاد
فلم تعد تهتز في البيادر
سنبلةٌ واحدةٌ
أو حبةٌ من العنب
وأعلن الخليفة الحقود
هذا الذي أفكاره من الخشب
وقلبه من الخشب
عن ألف دينارٍ لمن يأتي برأس الشاعر.
وأطلق الجنود
ليحرقوا
جميع ما في القصر من ورود
وكل ما في مدن العراق من ضفائر.
سيمسح الزمان، يا حبيبتي
خليفة الزمان
وتنتهي حياته
كأي بهلوان
فالمجد يا أميرتي الجميله
يا من بعينها، غفا طيران أخضران
يظل للضفائر الطويله
والكلمة الجميله
إمرأة من زجاج
عيناك كلهما تحدي
ولقد قبلت أنا التحدي!!
يا أجبن الجبناء إقتربي
فبرقك دون رعد
هاتي سلاحك واضربي
سترين كيف يكون ردي
إن كان حقدك قطرةً
فالحقد كالطوفان عندي
أنا لست أغفر كالمسيح
ولن أدير إليك خدي
السوط أصبح في يدي
فتمزقي بسياط حقدي
يا آخر امرأةٍ تحاول
أن تسد طريق مجدي
جدران بيتك من زجاجٍ
فاحذري أن تستبدي!
سنرى غداً سنرى غداً
من أنت بعد ذبول وردي
أتهددين بحبك الثاني
وزندٍ غير زندي؟
إني لأعرف، يا رخيصة،
أنني ما عدت وحدي
هذا الذي يسعى إليك الآن.
لا أرضاه عبدي
فليمضغ النهد الذي
خلفته أنقاض نهد
يكفيه ذلاً . أنه
قد جاء ماء البئر بعدي
دمُوع شهريَار
ما قيمة الحوار؟
ما قيمة الحوار؟
ما دمت، يا صديقتي، قانعةً
بأنني وريث شهريار
أذبح، كالدجاج، كل ليلةٍ
ألفاً من الجواري
أدحرج النهود كالثمار
أذيب في الأحماض كل امرأةٍ
تنام في جواري
لا أحد يفهمني
لا أحدٌ يفهم ما مأساة شهريار
حين يصير الجنس في حياتنا
نوعاً من الفرار
مخدراً نشمه في الليل والنهار
ضريبةً ندفعها
بغير ما اختيار
حين يصير نهدك المعجون بالبهار
مقصلتي
وصخرة انتحاري
صديقتي،
مللت من تجارة الجواري
مللت من مراكبي
مللت من بحاري
لو تعرفين مرةً
بشاعة الإحساس بالدوار
حين يعود المرء من حريمه
منكمشاً كدودة المحار
وتافهاً كذرة الغبار
حين الشفاه كلها
تصير من وفرتها
كالشوك في البراري
حين النهود كلها
تدق في رتابةٍ
كساعة الجدار.
لن تفهميني أبداً
لن تفهمي أحزان شهريار
فحين ألف امرأةٍ
ينمن في جواري
أحس أن لا أحدٌ
ينام في جواري
إلاّ مَعي
ستذكرين دائماً أصابعي
لو ألف عام عشت يا عزيزتي
ستذكرين دائماً
أصابعي
فضاجعي من شئت أن تضاجعي
ومارسي الحب
على أرصفة الشوارع
نامي مع الحوذي، واللوطي،
والإسكاف والمزارع
نامي مع الملوك، واللصوص،
والنساك في الصوامع
نامي مع النساء – لا فرق-
مع الريح، مع الزوابع
فلن تكوني امرأةً
إلا معي
إلا معي.
إكبري عشرين عاماً
إكبري عشرين عاماً ثم عودي
إن هذا الحب لا يرضي ضميري
حاجز العمر خطيرٌ وأنا
أتحاشى حاجز العمر الخطير
نحن عصران فلا تستعجلي
القفز، يا زنبقتي، فوق العصور
أنت في أول سطر في الهوى
وأنا أصبحت في السطر الأخير
في الحُبِّ البحري
مواقفي منك، كمواقف البحر
وذاكرتي مائيةٌ كذاكرته
لا هو يعرف أسماء مرافئه
ولا أنا أتذكر أسماء زائراتي
كل سمكة تدخل إلى مياهي الإقليمية، تذوب
كل امرأةٍ تستحم بدمي، تذوب.
كل نهدٍ، يسقط كالليرة الذهبيه
على رمال جسدي يذوب
فلتكن لك حكمة السفن الفينيقيه
وواقعية المرافئ التي لا تتزوج أحدا.

2

كلما شم البحر رائحة جسمك الحليبي
صهل كحصانٍ أزرق
وشاركته الصهيل
هكذا خلقني الله.
رجلاً على صورة بحر
بحراً على صورة رجل
فلا تناقشيني بمنطق زارعي العنب والحنطه
ودكاترة الطب النفسي
بل ناقشيني بمنطق البحر
حيث الأزرق يلغي الأزرق
والأشرعة تلغي الأفق
والقبلة تلغي الشفه
والقصيدة تلغي ورقة الكتابه.

3

إحساسي بك متناقضٌ، كإحساس البحر
ففي النهار، أغمرك بمياه حناني
وأغطيك بالغيم الأبيض، وأجنحة الحمائم
وفي الليل
أجتاحك كقبيلةٍ من البرابره
لا أستطيع، أيتها المرأة ، أن أكون بحراً محايداً
ولا تستطيعين أن تكوني سفينةً من ورق
لا أنت انديرا غاندي
ولا أنا مقتنعٌ بجدوى الحياد الإيجابي
ففي الحب لا توجد مصالحاتٌ نهائيه
بين الطوفان، وبين المدن المفتوحه
بين الصواعق، ورؤوس الشجر
بين الطعنة، وبين الجرح
بين أصابعي، وبين شعرك
بين قصائد الحب وسيوف قريش
بين ليبرالية نهديك
وتحالف أحزاب اليمين!!

4

أيتها الخارجة من خرائط العطش والغبار
تخلصي من عاداتك البريه
فالعواصف البرية تعبر عن نفسها
بإيقاع واحدٍ ووتيرةٍ واحدة
أما الحب في البحر فمختلفٌ مختلفٌ
مختلف
فهو غير خاضع لجاذبية الأرض
وغير ملتزم بالفصول الزراعيه
وغير ملتزم بقواعد الحب العربي
حيث أجساد الرجال تنفجر من التخمه
ونهود النساء تتثاءب من البطاله

5

أدخلي بحري كسيفٍ من النحاس المصقول
ولا تقرأي نشرات الطقس
ونبوءات مصلحة الأرصاد الجويه
فهي لا تعرف شيئاً عن مزاج سمك القرش
ولا تعرف شيئاً عن مزاجي
لا أريد أن أعطيك ضماناتٍ كاذبه
ولا أرغب أن أشتغل حارساً لجواهر التاج
إن نهديك لا يدخلان في حدود مسؤولياتي
فأنا لا أستطيع أن أضمن مستقبلهما
كما لا يستطيع البرق أن يضمن مستقبلً غابه

6

لماذا تبحثين عن الثبات؟
حين يكون بوسعنا أن نحتفظ بعلاقاتنا البحريه
تلك التي تتراوح بين المد والجزر
بين التراجع والاقتحام
بين الحنان الشامل، والدمار الشامل
لماذا تبحثين عن الثبات؟
فالسمكة أرقى من الشجره
والسنجاب أهم من الغصن
والسحابة أهم من نيويورك

7

أريدك أن تتكلمي لغة البحر
أريدك أن تلعبي معه
وتتقلبي على الرمل معه
وتمارسي الحب معه
فالبحر هو سيد التعدد والإخصاب والتحولات
وأنوثتك هي امتدادٌ طبيعي له
نامي مع البحر، يا سيدتي
فليس من مصلحتك أن تكوني من فصيلة الشجر
ولا من مصلحتي أن أحولك إلى جريدةٍ مقروءه
أو إلى ربطة عنقٍ معلقةٍ في خزانتي
منذ أن كنت طالباً في الجامعه
ليس من مصلحتك أن تتزوجيني
ولا من مصلحتي أن أكون حاجباً على باب المحكمة
الشرعيه
أتقاضى الرشوات من الداخلين
وأتقاضى اللعنات من الخارجين

8

أنا بحرك يا سيدتي
فلا تسأليني عن تفاصيل الرحلة
ووقت الإقلاع والوصول
كل ما هو مطلوبٌ منك
أن تنسي غرائزك البريه
وتطيعي قوانين البحر
وتخترقيني كسمكةٍ مجنونه
تشطر السفينة إلى نصفين
والأفق إلى نصفين
وحياتي إلى نصفين.


حُبٌ إستثنائي لامرأةٍ إستثنائية
---------------------------

1

أكثر ما يعذبني في حبك
أنني لا أستطيع أن أحبك أكثر
وأكثر ما يضايقني في حواسي الخمس
أنها بقيت خمساً لا أكثر
إن امرأةً إستثنائيةً مثلك
تحتاج إلى أحاسيس إستثنائيه
وأشواقٍ إستثنائيه
ودموعٍ إستثنايه
وديانةٍ رابعه
لها تعاليمها ، وطقوسها، وجنتها، ونارها.

إن امرأةً إستثنائيةً مثلك
تحتاج إلى كتبٍ تكتب لها وحدها
وحزنٍ خاصٍ بها وحدها
وموتٍ خاصٍ بها وحدها
وزمنٍ بملايين الغرف
تسكن فيه وحدها
لكنني واأسفاه
لا أستطيع أن أعجن الثواني
على شكل خواتم أضعها في أصابعك
فالسنة محكومةٌ بشهورها
والشهور محكومةٌ بأسابيعها
والأسابيع محكومةٌ بأيامها
وأيامي محكومةٌ بتعاقب الليل والنهار
في عينيك البنفسجيتين.

2

أكثر ما يعذبني في اللغة أنها لا تكفيك.
وأكثر ما يضايقني في الكتابة أنها لا تكتبك
أنت امرأةٌ صعبه
كلماتي تلهث كالخيول على مرتفعاتك
ومفرداتي لا تكفي لاجتياز مسافاتك الضوئيه
معك لا توجد مشكلة
إن مشكلتي هي مع الأبجديه
مع ثمانٍ وعشرين حرفاً، لا تكفيني لتغطية بوصة
واحدةٍ من مساحات أنوثتك
ولا تكفيني لإقامة صلاة شكرٍ واحدةٍ لوجهك
الجميل.
إن ما يحزنني في علاقتي معك
أنك امرأةٌ متعدده
واللغة واحده
فماذا تقترحين أن أفعل؟
كي أتصالح مع لغتي
وأزيل هذه الغربه
بين الخزف، وبين الأصابع
بين سطوحك المصقوله
وعرباتي المدفونة في الثلج
بين محيط خصرك
وطموح مراكبي
لاكتشاف كروية الأرض

3
ربما كنت راضيةً عني
أنني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال
ورسمتك كالملائكة على سقوف الكنائس
ولكني لست راضياً عن نفسي
فقد كان بإمكاني أن أرسمك بطريقة أفضل.
وأوزع الورد والذهب حول إليتيك بشكلٍ أفضل.
ولكن الوقت فاجأني.
وأنا معلقٌ بين النحاس وبين الحليب
بين النعاس وبين البحر
بين أظافر الشهوة ولحم المرايا
بين الخطوط المنحنية والخطوط المستقيمه
ربما كنت قانعةً، مثل كل النساء،
بأية قصيدة حبٍ . تقال لك
أما أنا فغير قانعٍ بقناعاتك
فهناك مئاتٌ من الكلمات تطلب مقابلتي
ولا أقابلها
وهناك مئاتٌ من القصائد
تجلس ساعات في غرفة الإنتظار
فأعتذر لها
إنني لا أبحث عن قصيدةٍ ما
لإمرأةٍ ما
ولكنني أبحث عن "قصيدتك" أنت

4

إنني عاتبٌ على جسدي
لأنه لم يستطع ارتداءك بشكل أفضل
وعاتبٌ على مسامات جلدي
لأنها لم تستطع أن تمتصك بشكل أفضل
وعاتبٌ على فمي
لأنه لم يلتقط حبات اللؤلؤ المتناثرة على امتداد
شواطئك بشكلٍ أفضل
وعاتبٌ على خيالي
لأنه لم يتخيل كيف يمكن أن تنفجر البروق،
وأقواس قزح
من نهدين لم يحتفلا بعيد ميلادهما الثامن عشر

بصورة رسميه.
ولكن ماذا ينفع العتب الآن
بعد أن أصبحت علاقتنا كبرتقالةٍ شاحبة،
سقطت في البحر
لقد كان جسدك مليئاً باحتمالات المطر
وكان ميزان الزلازل
تحت سرتك المستديرة كفم طفل
يتنبأ باهتزاز الأرض
ويعطي علامات يوم القيامه
ولكنني لم أكن ذكياً بما فيه الكفايه
لألتقط إشاراتك
ولم أكن مثقفاً بما فيه الكفايه.
لأقرأ أفكار الموج والزبد
وأسمع إيقاع دورتك الدمويه

5

أكثر ما يعذبني في تاريخي معك
أنني عاملتك على طريقة بيدبا الفيلسوف
ولم أعاملك على طريقة رامبو وزوربا
وفان كوخ وديك الجن وسائر المجانين
عاملتك كأستاذ جامعي
يخاف أن يحب طالبته الجميله
حتى لا يخسر شرفه الأكاديمي
لهذا أشعر برغبةٍ طاغية في الإعتذار إليك
عن جميع أشعار التصوف التي أسمعتك إياها
يوم كنت تأتين إلي
مليئةً كالسنبله
وطازجةً كالسمكة الخارجة من البحر

6

أعتذر إليك
بالنيابة عن ابن الفارض، وجلال الدين الرومي،
ومحي الدين بن عربي
عن كل التنظيرات والتهويمات والرموز
والأقنعة التي كنت أضعها على وجهي، في
غرفة الحب
يوم كان المطلوب مني
أن أكون قاطعاً كالشفرة
وهجومياً كفهدٍ إفريقي
أشعر برغبة في الإعتذار إليك
عن غبائي الذي لا مثيل له
وجبني الذي لا مثيل له
وعن كل الحكم المأثورة
التي كنت أحفظها عن ظهر قلب
وتلوتها على نهديك الصغيرين
فبكيا كطفلين معاقبين وناما دون عشاء

7

أعترف لك يا سيدتي
أنك كنت امرأةً إستثنائيه
وأن غبائي كان استثنائياً.
فاسمحي لي أن أتلو أمامك فعل الندامه
عن كل مواقف الحكمة التي صدرت عني
فقد تأكد لي
بعدما خسرت السباق
وخسرت نقودي
وخيولي
أن الحكمة هي أسوأ طبقٍ نقدمه
لامرأةٍ نحبها



نزار في مكتبة عمون:

1.القصائد السياسية

تحميـــــل

2.الأعمال الكاملة

تحميـــــل

3.طفولة نهد

تحميــــل

4.بلقيس

تحميـــــل




قصائد صوتية نزارية:
-----------------------

1.قارئة الفنجان

سماع وتحميل

2.لو كنت

سماع وتحميل

3.محاولات لقتل إمرأة لا تُقتَل


سماع وتحميل

4.عيناكِ

سماع وتحميل

5.إني خيرتك فاختاري

سماع وتحميل

6.سئمت الانتظار

سماع وتحميل

7.درس في الحب لتلميذة لا تقرأ

سماع وتحميل

8.أحبك

سماع وتحميل

9.أشكوك للسماء

سماع وتحميل

10.أنا رجل

سماع وتحميل

11.أنا لست مهتما


سماع وتحميل

12.التلميذ

سماع وتحميل

13.القرار

سماع وتحميل

14.إياكِ

سماع وتحميل

15 .أنا الدمشقي


مشاهدة وتحميل

16.بيروت والحب


سماع وتحميل

17 . متى ستعرف




18 .إلى امرأة لا تكتب ولا تقرأ





19.تبكين

سماع وتحميل

20.وفقدتَ يا وطني البكارة


سماع وتحميل

21. من يوميات عاشق متخلف



22. زيديني عشقا ً




23. أشهد





24.أنا يا صديقة متعب بعروبتي




25 . متى يعلنون وفاة العرب (1)




26. متى يعلنون وفاة العرب (2)






قصائد نزارية مغناة
---------------------

1. قولي أحبك / كاظم الساهر

2. صباحك سكر / كاظم الساهر


3. زيديني عشقا ً / كاظم الساهر


4.كل عام وانت ِ حبيبتي / كاظم الساهر


.حبيبتي والمطر /كاظم الساهر

6. علمني حبك / كاظم الساهر


7.هل عندك شك / كاظم الساهر




وغنّت له نجاة

ايظن

http://egyptian2.salmiya.net/songs/n...am/najat32.ram

وغني له عبد الحليم حافظ

رائعة رسالة من تحت الماء

http://egyptian.salmiya.net/songs/ab...elhaleem38.ram






اعداد :
هبة الشايب / الاردن
سلطان الزيادنة / الاردن
عبير محمد / مصر
زياد السعودي / الاردن









  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:45 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.