لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: الشَّـــرْنَــقَة (آخر رد :خديجة قاسم)       :: رماد الذكريات (آخر رد :خديجة قاسم)       :: موتى (آخر رد :طارق المأمون محمد)       :: حـائر بين ربيـع وخريـف .. (آخر رد :محمد ذيب سليمان)       :: حديث قلب (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: توقفْ عن أنْ تقولَ : أُحبُّكِ (آخر رد :حنا حزبون)       :: ما هي تبعيات ذلك على حسابات العرب واستثماراتهم في البنك (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: حروف بلا أرصفة (آخر رد :يزن السقار)       :: قتل مع سبق التأويل / رافت ابو زنيمة (آخر رد :رافت ابو زنيمة)       :: أنتِ هكذا أحلى (آخر رد :عبد الغني ماضي)       :: على متن الهزيع (آخر رد :يزن السقار)       :: قلب وحروف (آخر رد :نوال البردويل)       :: أوقاتٌ مجهولة الهويّة .. (آخر رد :ازدهار السلمان)       :: حذرت جميع الانبياء السابقة شعوبها الا وهو المسيح الدجال (آخر رد :نجيب بنشريفة)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > 🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘

🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-09-2012, 12:58 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سلطان الزيادنة
مدير عام
أكاديميّة الفينيق للأدب العربي
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الأردن

الصورة الرمزية سلطان الزيادنة

افتراضي




سلام الله

تعودنا أن نضع نصاً تحت الضوء
ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربةٍ فذّة
سنستميح الفينيق علي أحمد باكثير
لنضعه تحت الضوء،إذ به يليق الضوء








من هو :

هو علي بن أحمد بن محمد باكثير الكندي، ولد في 15 ذي الحجة1328 هـ الموافق 21 ديسمبر1910م، في جزيرة سوروبايا بإندونيسيا لأبوين يمنيين من منطقة حضرموت. وحين بلغ العاشرة من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته لأبيه فوصل مدينة سيئون بحضرموت في 15 رجب سنة 1338هـ الموافق 5 أبريل1920م. وهناك تلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية ودرس علوم العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي محمد بن محمد باكثير كما تلقى علوم الدين أيضا على يد الفقيه محمد بن هادي السقاف وكان من أقران علي باكثير حينها الفقيه واللغوي محمد بن عبد اللاه السقاف. ظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتولى التدريس في مدرسة النهضة العلمية وتولى إدراتها وهو دون العشرين من عمره.

زواجه:

تزوج باكثير مبكراً عام 1346 هـ ولكنه فجع بوفاة زوجته وهي في غضارة الشباب ونضارة الصبا فغادر حضرموت حوالي عام 1931م وتوجه إلى عدن ومنها إلى الصومال والحبشة واستقر زمناً في الحجاز، وفي الحجاز نظم مطولته نظام البردة كما كتب أول عمل مسرحي شعري له وهو همام أو في بلاد الأحقاف وطبعهما في مصر أول قدومه إليها.
سفره إلى مصر:

وصل باكثير إلى مصر سنة 1352 هـ، الموافق 1934 م، والتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) حيث حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الأنجليزية عام 1359 هـ / 1939م، وقد ترجم عام 1936 م أثناء دراسته في الجامعة مسرحية(روميو وجولييت) لشكسبير بالشعر المرسل، وبعدها بعامين -أي عام 1938م - ألف مسرحيته (أخناتون ونفرتيتي) بالشعر الحر ليكون بذلك رائد هذا النوع من النظم في الأدب العربي. التحق باكثير بعد تخرجه في الجامعة بمعهد التربية للمعلمين وحصل منه على الدبلوم عام 1940م وعمل مدرسا للغة الإنجليزية لمدة أربعة عشر عاما. سافر باكثير إلى فرنسا عام 1954م في بعثة دراسية حرة.
بعد انتهاء الدراسة فضل الإقامة في مصر حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه فتزوج من عائلة مصرية محافظة، وأصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد وتوفيق الحكيم والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت وغيرهم. وقد قال باكثير في مقابلة مع إذاعة عدن عام 1968 أنه يصنف كثاني كاتب مسرح عربي بعد توفيق الحكيم.
اشتغل باكثير بالتدريس خمسة عشر عاماً منها عشرة أعوام بالمنصورة ثم نقل إلى القاهرة. وفي سنة 1955م انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون وقت إنشائها، ثم انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية وظل يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته.
زواجه الثاني وحصوله على الجنسية المصرية:

تزوج باكثير في مصر عام 1943م من سيدة مصرية لها ابنة من زوج سابق، وقد تربت الابنة في كنف باكثير الذي لم يرزق بأطفال. وحصل باكثير على الجنسية المصرية بموجب مرسوم ملكي في عام 1371 هـ / 22 أغسطس1951 م.
ملحمة عمر وغزو نابليون لمصر:

حصل باكثير على منحة تفرغ لمدة عامين (1961-1963) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءاً، وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً، وكان باكثير أول أديب يمنح هذا التفرغ في مصر. كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان، أحلام نابليون، مأساة زينب) طبعت الأولى في حياته والأخرىين بعد وفاته.
إجادته لعدة لغات:

كان باكثير يجيد من اللغات الإنجليزيةوالفرنسيةوالملايوية بالإضافة إلى لغته الأم العربية.
إنتاجه الأدبي:

تنوع أنتاج باكثير الأدبي بين الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، ومن أشهر أعماله الروائية (وا إسلاماه) و(الثائر الأحمر) ومن أشهر أعماله المسرحية (سر الحاكم بأمر الله) و(سر شهر زاد) التي ترجمت إلى الفرنسية و(مأساة أوديب) التي ترجمت إلى الإنجليزية.
كما كتب باكثير العديد من المسرحيات السياسية والتاريخية ذات الفصل الواحد وكان ينشرها في الصحف والمجلات السائدة آنذاك، وقد أصدر منها في حياته ثلاث مجموعات وما زالت البقية لم تنشر في كتاب حتى الآن.
أما شعره فلم ينشر باكثير أي ديوان في حياته وتوفي وشعره إما مخطوط وإما متناثر في الصحف والمجلات التي كان ينشره فيها. وقد أصدر الدكتور محمد أبو بكر حميد عام 1987 ديوان باكثير الأول (أزهار الربى في أشعار الصبا) ويحوي القصائد التي نظمها باكثير في حضرموت قبل رحيله عنها ثم صدر مؤخراً (2008) ديوان باكثير الثاني (سحر عدن وفخر اليمن) صدر عن مكتبة كنوز المعرفة بجدة يضم شعر باكثير سنة 1932 - 1933 وهي السنة التي أمضاها في عدن بعد مغادرته حضرموت ويعد حالياً ديوان باكثير الثالث (صبا نجد وأنفاس الحجاز) الذي نظمه سنة 1934 في السنة التي أمضاها في المملكة العربية السعودية قبيل هجرته النهائية إلى مصر.
أسفاره وزياراته للعديد من دول العالم:

زار باكثير العديد من الدول مثل فرنسا وبريطانيا والإتحاد السوفيتي ورومانيا، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان والكويت التي طبع فيها ملحمة عمر. كذلك زار تركيا حيث كان ينوي كتابة ملحمة مسرحية عن فتح القسطنطينية ولكن المنية عاجلته قبل أن يشرع في كتابتها.وفي المحرم من عام 1388 هـ الموافق أبريل 1968م زار باكثير حضرموت قبل عام من وفاته.
وفاته:

توفي باكثير في مصر في غرة رمضان عام 1389 هـ الموافق 10 نوفمبر1969 م، إثر أزمة قلبية حادة ودفن بمدافن الإمام الشافعي في مقبرة عائلة زوجته المصرية.




آثاره وإنجازاته:


شارك في كثير من المؤتمرات الأدبية والثقافية واختير عضوًا في لجنة الشعر والقصة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كما كان عضوًا في نادي القصة وحصل على منحة تفرغ لتأليف ملحمة تاريخية عن عمر بن الخطاب.
ترك لنا إنتاجًا أدبيًا وفيرًا حيث ألف أكثر من ستين قصة ورواية، بين مسرحية شعرية ونثرية تناولت التراجيديا، والكوميديا.
حصل باكثير على الكثير من الجوائز وقد شارك نجيب محفوظ جائزة الدولة التقديرية الأولى مناصفة، وكان الموسم المسرحي في مصر يفتتح سنوياً بمسرحيته مسمار جحا التي تنبأ فيها باحتلال فلسطين، كان رائداً عبقرياً فذاً، لكنهم حاربوه بسبب توجهاته الإسلامية حتى أنهم كانوا يطلقون عليه علي إسلامستان. مثلت رائعته واإسلاماه في فيلم سينمائي شهير كان بطله المصري أحمد مظهر.











أهم مسرحياته:
  • السلسلة والغفران التي نالت جائزة وزارة المعارف لسنة 1949
  • مسرح السياسة.
  • ليلة النهر.
  • التوراة الضائعة.
  • إمبراطورية في المزاد.
  • عودة الفردوس.
  • مأساة زينب.
  • سر الحاكم بأمر الله.
  • هكذا لقى الله عمر.
  • من فوق سبع سماوات.
  • إله إسرائيل.
  • هاروت وماروت.
  • سر شهرزاد.
  • قطط وفيران.
  • الدنيا فوضى.
  • مسمار جحا.
  • أبو دلامة.
  • جلفدان هانم.
  • قصر الهودج.
  • مأساة أوديب.
  • فاوست الجديد.
  • الوطن الأكبر.
  • دار ابن لقمان.
  • إبراهيم باشا.
  • حرب البسوس.
  • ملحمة عمر.
  • الشيماء شادية الإسلام.
  • الشاعر والربيع.
  • هُمام في بلاد الاحقاف.
  • روميو وجولييت.
  • إخناتون ونفرتيتى.
  • عاشق من حضرموت.
  • الدوده والثعبان.
  • الفرعون الموعود.
  • الفلاح الفصيح.
  • اوزيريس.
  • حازم.
  • حبل الغسيل.
  • شيلوك الجديد.











أهم رواياته:
  • الثائر الأحمر.
  • سلامة القس.
  • سيرة شجاع.
  • واإسلاماه.
  • الفارس الجميل
  • ليلة النهر
  • عودة المشتاق


من أشعاره:

أمي وأمها/على لسان صديق


لا أراهـا إلا كإغفـاءة العـا=شقِ في الفجـرِ هـدَّه الإعيـاءُ
أو كما حام طائرٌ فـوق مـاءٍ=راعـه صائـدٌ فعـزَّ الـمـاءُ
كعبتي (لنـدن) وكعبتـه (بـا=ريس) يا ليت كعبتينـا سـواءُ
بيد أنَّا إن افترقنا ففـي الضَّـا=دِ هوانـا ومجدنـا واللـقـاءُ
لغةً نوغينا بهـا فـوق مهـدي=نـا لنغفـو إذا أظـلَّ المسـاءُ
رنَّمتها أمـي الحنـونُ وللمـه=دِ اهتـزازٌ وأمُّهـا الـزهـراءُ
فتلاقى الأُنغيتَّـانِ علـى الـليـ=لِ إذا ردَّدتهمـا الأجــواءُ
وبعينَـيَّ خفقـةٌ مـن شعـاعٍ=فاتَ أمِّي فـي فهمهـا أشيـاءُ
وبعينَـيْ حبيبتـي سـجـواتٍ=تزدهـي أمَّهـا بهـا الخيـلاءُ
ما درت أمُّها ولـم تـدرِ أمُّـي=ما قضت في مستقليْنا السَّمـاءُ
آهِ لو كانتـا عليميْـنِ بالغـيـ=ـبِ لهـزَّت قلبيْهمـا الـسَّـرَّاءُ
بكتا فـي فراقنـا فليكـن فـي=ملتقانـا سلواهمـا والـعـزاءُ
***
ذاك مـا منَّـتِ الـفـؤادَ رؤاهُ=وفـؤادي سماحـةً وصـفـاءُ
لم يُفِدْ من درسِ الزمانِ سوى ما=تمسك الماءَ صخـرةٌ ملسـاءُ
كلما شام خُلَّبـاً خـال جهـلاً=أن ستتلـوه ديمـةٌ وطـفـاءُ
وإذا ما رأى السَّرابَ جلا المـا=ءَ لعينيـه لهـفُـهُ والظَّـمـاءُ
***
يا حبيبي: أقولُها لـك رغمـي=إنَّمـا أنـت محنـةٌ وعـنـاءُ
كم تجنَّـى علـى فـؤادٍ كريـمٍ=كـلـه أريحـيـةٌ ووفـــاءُ
من حذارٍ عليك أن يهذي الـوا=شي بسوءٍ أو يبهـت الرقبـاءُ
كتم العهـدَ مثلمـا تكتُـم القـا=ئـمَ لله فـي الدُّجـى الظلمـاءُ
يبرح المضجعَ الوثيرَ انسـلالاً=أن تُحِـسَّ الحليلـةُ الحسـنـاءُ
جاهداً يكظم النشيجَ وقـد سـا=لَ دموعاً واخضلَّ منه الـرداءُ
فتدلَّـلْ مـا شـئـتَ إنَّ دلالاً=منك حُلـواً لمهجتـي إغـراءُ
غير أنَّي أعيذُ مجديَ أن تُـصْ=غِـرَهُ مـن مُقَّـرطٍ كبريـاءُ
لستَ خيراً مني بحـالٍ ولكـن=فيـك بُخـلٌ وإنَّنـي مِعطـاءُ
سوف تدري إذا بُليتَ بغيـري=أنَّ مثلـي فـي حُبِّـهِ العنقـاءُ





۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

العبرات الخمس



يا فؤادي لا تشكُ –ويحك- ناراً=بين جنبيـك تستطيـرُ لظاهـا
جاهداً ما ترومُ إطفاءَها بالمـاءِ=والثَّلـجِ – ضِلَّـةً وسفـاهـا
لا عصيرُ الليمونِ يفثـأ منهـا=لا ولا الدندرومُ يشفي صداهـا
اصطبر –أيها الفـؤادُ- عليهـا=فهي لا شيءَ في سبيلِ هواهـا
إنَّ أولى منهـا بشكـواك نـارٌ=لا رعاها المولـى ولا بيَّاهـا
جَرؤتْ أن تمسَّ أختاً لها عصـ=ماءَ تأسو جُرحَ الأنـامِ يداهـا
كندى الفجرِ في النقاءِ وفي الطُّ=هرِ دهاها من لفحِها ما دهاهـا
وَيْكِ يا نارُ يا وقـاحَ التجـا=عيدِ أتدرين من قصـدتِ أذاهـا؟
يا زفيرَ الشيطانِ ما أنتِ والرو=ضةَ أفسـدتِ ظِلَّهـا وشذاهـا
لم تُراعي حقَّ المروءةِ والأخـ=ـلاقِ فيها وما رحمـتِ صِباهـا
كم مريضٍ أوى إلى ظلِّها السَّمـ=ـحِ فسرََّت عن نفسِهِ ما عناهـا
وشفت جسمَـهُ بطِـبٍّ حكيـمٍ=مـن نُهاهـا وروحَـه بتقاهـا
خُلِقـتْ رحمـةً لكـلِّ تعيـسٍ=ويكِ يا نارُ هل حسدتِ نداهـا؟
لو سألتِ النَّوالَ منهـا لمـا ردَّتـ=ـكِ من سَيْبِها ومـن حُسناهـا
***
ليت شِعري وللمقاديـرِ أحكـا=مٌ تحارُ العقـولُ فـي مغزاهـا
لِمَ لَمْ يأكـلِ اللهيـبُ عظامـاً=بقيت بين أضلعـي فطواهـا؟
فسلوتُ الهوى الذي لـم تبـارِكْـ=ـهُ حياتي ولم يفُـزْ برِضاهـا
أعرَضتْ عنه بغضـةً أو دلالاً=ليس تدري نفسي فمـا أشقاهـا
لم تشأ أن أرى الحيـاةَ فهـلاَّ=ساقتِ الموتَ نحوهـا فشفاهـا
إنَّ موتـاً أموتُـهُ كـلَّ يـوم=ٍلَعـذابٌ للنَّفـسِ فـوق قُواهـا
ليت شِعري وللمقاديـرِ أحكـا=مٌ تحارُ العقـولُ فـي مغزاهـا
لِمَ لمَْ يأكـلِ اللهيـبُ عظامـاً=بقيت بين أضلعـي فطواهـا؟
وتحامَيْ أختَ التي كـلُّ أخـتٍ=لي فِدى أختِها ونفسـي فِداهـا
جاءني خطبُها فزلـزلَ نفسـي=زفراتٍ حبيسـةً فـي طُواهـا
واجهَتْ منديلي فحـار رمـاداً=باقياً من نقوشِـهِ مـا حواهـا
وسألتُ العينَ القريحـةَ دمعـاً=فيه للنفسِ راحةٌ مـن جواهـا
حارتِ العينُ بُرهةً ثم بضَّـت=بعد لأيٍ بفضل ما فـي إناهـا
قطراتٍ خمسٍ قوانيَ لـم تـطْـ=فـُـرْ لكيمـا تسُرَّنـي بسواهـا
عَصَرتْها من حبَّةِ الكبِدِ الحـ=ـرَّى ومن صُلبِ مهجتي وذَماهـا
ليت لم تنزفِ الحبيبـةُ دمعـي=بنواهـا وهجرِهـا وقِـلاهـا
لجَرَتْ يوم أختِها أدمعي سح=حـاً وسالـت شـؤونُـهُ أقـواهـا
***
ليت شِعري تدري الحبيبةُ يوماً=أنَّ قلبـي بكـى لمـا أبكاهـا
كان يبكـي لهجرِهـا ونواهـا=عاد يبكـي لخطبِهـا وأساهـا
يُتِّمتْ في الصِّبا كذاك اللآلـي=يُتمُهـا عنـد أهلِهـا أغلاهـا
كلما طالعـتُ ابتسامـةَ فيهـا=راقَ قلبي اطمئنانُها ورِضاهـا
أقتَلُ الحُـبِّ أن تُحِـبَّ لعوبـاًً=أنت تبكـي لحُزنِهـا وقِلاهـا
قاسياً قلبُهـا عليـك ولا تـسـ=ـطيعُ إلا عطفـاً علـى بلواهـا
***
رحماتِ السماءِ عَطفـاً علـى آ=سيةِ الأرضِ عجِّلـي بِشِفاهـا
اجعلي نارَهـا سلامـاً وبـرداً=مثل نارِ الخليلِ وانفـي أذاهـا
فهي طِبُّ الأجسامِ إن كان إبرا=هيمُ طِبَّ الأرواحِ فيما بلاهـا
واملأي بالسُّرورِ قلبَ التي سـا=مَـتْ فـؤادي عذابَـه بِنواهـا
إن أساءتْ إلـيَّ فالقلـبُ غفًّـ=ـارٌ ذنوباً يعِدُّهـا مـن حُلاهـا
خلِّدي الابتسـامَ فـي شفتيهـا=ليتنـي بسمـةٌ تحـلُّ الشِّفاهـا
جنِّبيهـا العبـوسَ إلا عبوسـاً=مـن دلالٍ مُحبَّـبٍ يغشـاهـا
سامحيها عنِّـي فغايـةُ سؤلـي=أن أراهـا قريـرةٌ يُمنـاهـا
أن أراهـا سعيـدةً وبِحسبـي=من قريبٍ أو من بعيـدٍ أراهـا

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

القبس



أيُّها الكوثرُ الذي يقذف الشـ=رَ دَفوقاً ويرسلُ الإلهاما
ما ترى لاهفاً يلوبُ على ثغر=رِك يشكو إلى لماك الأُواما؟
يتلوَّى من الصدى وحرامٌ=أن يكون السُّقيا عليه حراما
إنَّه شاعرٌ يعبُّ من الحوضِ=فيهمي على الوجودِ غماما
ما لـهُ مـن وُرودِهِ النَّبـعَ إلا=زفـرةٌ إثـرَ زفـرةٍ تترامـى
***
شاردَ الطرفِ كلما طالع البـد=رَ رأى فيه وجهَـك البسَّامـا
أنتِ مصباحُه إذا أظلـم الليـلُ=يشقُ الدُّجى ويجلـو الظلامـا
طائفٌ منك ليس يبرحـه الـدَّ=هرَ تعـود وضجعـةً ونيامـا
ما أحيلاهُ حين يخطُرُ في بـر=دِكِ ينمـاثُ رقَّـةً وانسجامـا
حين يحكيـك خفَّـةً واعتـدالاً=وعبوسـاً وحيـرةً وابتسامـا
ألفته روحـي وقلبـي وعينـا=ي مذاقـاً ومنظـراً ومُقـامـا
فإذا مـا أراك أحسـب طيفـاً=منه قد جاءني يـزور لمامـا
هو أحنى علـيَّ منـك فهـلاَّ=كنته او اتخـذت منـه إمامـا
ربما جاءنـي فمـجَّ بثغـري=من ثنايـاه شُهـدةً أو مُدامـا
فإذا ما صحوتُ مِتُّ من الحس=رةِ أن كان ما شهـدتُ منامـا
***
في يديك اعتماد تحقيق ما رمتُ=وما رمـتُ باطـلاً أو أثامـا
إنَّما رمـتُ أن أخلِّـد معنـىً=جلَّ عن زائلِ الدُّنـا وتسامـى
خطَّه في لسانِ باريسَ (روسو)=فانقليه للضـادِ أبهـى نظامـا
لا تقولي: ما شانُ هذا وشأني؟=فكبيـرٌ أن تجحـدي الإلهامـا
إن (روسو) لم يقبس النورَ إلا=من عيونٍ كناظريكِ ضرامـا
وإذا ما أنسـت منـه نسيمـاً=بارداً يمـلأ النفـوسَ سلامـا
فهو من بسمةٍ طغت فوق ثغـرٍ=ربَّما كان دون فيـكِ ابتسامـا
فأعيدي لحنَ الخلودِ علـى أس=ماعِ قومٍ أعلى وأسمـى مقامـا
أنـتِ عـزَّافٌ ومـا أنـا إلا=مِزهرٌ وقِّعـي بـه الأنغامـا
فـي بيـانٍ مسلسـلٍ عربـيٍ=لم يكـن أعجمـاً ولا تمتامـا
يطرب النيلَ والفراتين والـزر=قاءَ شجواه وزمزماً والمقامـا
ويغني نجـداً ويُثمـلُ صنعـا=ءَ ويحيي فاساً ويُشجي الشآمـا
***
هذه خمـرةُ الجمـالِ حـلالاً=إن تكن خمرةُ الكرومِ حرامـا
أنتِ أنتِ السَّاقي ومـا أنـا إلا=خـادمٌ واقـفٌ يُعِـدُّ الجامـا
فاجتليها على بني العُربِ صِرفاً=تُذهبِ الهـمَّ عنهـمُ والسآمـا
فمن الظلمِ أن يذاد بنـو عمِّـكِ=عنهـا وتُمـتـع الأقـوامـا
سكِرَ العالمون منهـا سواهـم=فاجعليهـم للشاربيـن ندامـى


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

واقفة بالباب


قولي بعذبِ لماكِ وهـو أليَّتـي=ماذا وقوفكِ في الصباحِ أمامـي؟
هلا تركتِ فتى يعالـج درسَـه=يبغي الصعودَ إلى المقامِ السامي؟
مازال مجتمعَ الخواطرِ ماضيـاً=في حلِّ كـلِّ عويصـةٍ بسـلامِ
حتى وقفتِ لـه ببابـكِ والتقـى=نظراكما فهـوى بغيـرِ حسـامِ
لما رمتنـي مقلتـاكِ فأصمتـا=حوقلتُ ثمَّت قلتُ: أفدي الرامـي
ووضعتُ كفي فوق خِلبي شاكيـاً=نوعـاً ألـذُّ بــه مــن الآلامِ
هلا عرضـتِ وللعُـرامِ بقيَّـةٌ=أيـام يهـزأ بالوقـارِ عُرامـي
للهوتُ ثم لهوتُ ثـم لهـوتُ لا=أخشـى لديـكِ ملامـةَ اللـوامِ
ولنلتِ أنتِ ونلتُ من شتَّى المُنى=أقصى مُرامكِ في الهوى ومُرامي
ولقد تناسيـتُ الغـرامَ فجـدَّدت=عيناكِ يا ابنةَ مصرَ نهجَ غرامي
وخطرتِ لي في حُلَّةٍ من سُنـدسٍ=حمراءَ مثلَ حجابِ قلبي الدامـي
أنَسلتِ من شفقِ المغيبِ خيوطَها=أم في دمي ضرَّجتها لحِمامـي؟
وسمت نهودُكِ تحتها في متنهـا=صوراً ترِّفُّ به مـن الأحـلامِ
متوثِّبـاتٍ لـو توانـى نحرُهـا=لوثبـن خارجـةً مـن الأكمـامِ
***
مَن كان تلهمُهُ الريـاضُ فإنَّنـي=عيـنُ الفتـاةِِ ونهدُهـا إلهامـي
ومَن اغتدى وابن الكرومِ مُدامُـه=فالخمر في لُعسِ الشفـاهِ مُدامـي
***
يا آيةَ الحسنِ التي عـزَّت علـى=شعرِ البيلـغِ وريشـةِ الرسَّـامِ
يرنو إليها الفـنُّ مذهوبـاً بهـا=ويظـلُّ يخطـب ودَّهـا بهيـامِ
ما أنتِ غيـرُ قصيـدةٍ عُلويـةٍ=وحُلاكِ غير شجٍ مـن الأنغـامِ
غنَّتكما قبل الحيـاةُ ولـم تـزل=تشـدو بلحنِكمـا علـى الأيـامِ
النورُ والروضُ المنوَّرُ والضحى=لكِ يا مليحةُ من ذوي الأرحـامِ
أبدي لعين (الفنِّ) حسنَـكِ كلَّـه=تتقدمـي (بالفـنِّ) ألفـي عـامِ
فالفنُّ من عشَّاقِ حسنِـكِ يقتفـي=باللثم منـكِ مواطـيءَ الأقـدامِ
لو شفَّ عنكِ رداءُ جسمِكِ مـرَّةً=لشفيـتُـهُ مــن غـلَّـةٍ وأوامِ


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

وحي سمراء


على عينيكِ يا سمـرا=ءُ مصداقُ النبـؤآتِ
أقامـا لـوجـود الله=آيــاتٍ وآيـــاتِ
ترقرق فيهمـا نـورٌ=كخمرٍ في زجاجـاتِ
هما نفذا إلـى قلبـي=فذابت فيهمـا ذاتـي
هما اتخـذاه محرابـاً=لتسبيـحٍ وإخـبـاتِ
كصوفيَّين في المحرا=بِ لجَّا في المناجـاةِ
***
وفي ثغرِكِ يا سمـرا=ءُ أصنافُ الحلاواتِ
يعبُّ القلبُ من سلسـا=له بالوهـمِ كاسـاتِ
كأحلامِ عذارى النـي=لِ في روحِ العشيَّاتِ
***
وفي صوتِكِ يا سمرا=ءُ تحنـانُ الربابـاتِ
ولحنُ الحلم الماضـي=وتغريـد الحمامـاتِ
***
وفي جسمكِ يا سمرا=ءُ أنداءُ الصُّبيحـاتِ
كأنَّ اللبـنَ الخالـصَ=قـد شُـجَّ بشُكـلاتِ
كضوءِ البدرِ إذ ينسا=بُ في وكنِ الخميلاتِ
***
وفي رِدفِكِ يا سمـرا=ءُ ألـوانُ اهتـزازاتِ
كقلبـي حيـن يهتـزُّ=بإعصارٍ الصبابـاتِ
***
وفي خصركِ يا سمرا=ءُ داعٍ للـمـواسـاةِ
من الأسفلِ والأعلـى=جديـرٌ بالشكـايـاتِ
***
وفي نهديكِ يا سمـرا=ءُ ما يقضي بإسكاتي
فلا أسطيع قولاً غير=أنَّــاتٍ وآهــاتِ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

جنة ونار


تلبسُ الأحمرَ يوماً ويومـاً=تلبسُ الأخضرَ يا ويح قلبي
هي نارُ الله في حـالِ بُعـدٍ=وهي الجنةُ في حالِ قـرُبِ
في كلا البُردين تسبي فؤادي=في كلا البُردين تسلب لبِّـي
عجباً تهفو إلى النارِ نفسـي=عجباً تُحـرقُ جنـةُ ربِّـي
جنةٌ ترتـع فيهـا عيونـي=وجحيمٌ بين جنبـي وجنبـي
***
ما تذكرتكِ يا نـورَ عينـي=قطُ إلا ويدي فـوق خِلبـي
إن تَرَيْ حبِّي لحُسنِكِ ذنبـاً=فاشرحي لي كيف يُغفر ذنبي
أو فرِقِّـي لغريـبٍ وحيـدٍ=مستهامٍ حائرِ النفسِ صـبِّ
شاعرٍ أيقظه منـكِ طـرفٌ=ناعسٌ يدعو وليـس يلبِّـي
أنتِ إلهامي ونبعُ شعـوري=ومِن الدنيا رضاؤكِ حسبي
ألهميني الوحيَ من بَسمـاتٍ=حُوَّمٍ حولَ فمٍ منـكِ عـذبِ
حولَ نونينِ بخديَّكِ -ويلـي=منهـا - يأتمـران بلُـبِّـي
خلِّديني في كتـابِ الليالـي=واخلُدي أنتِ بشعري وحُبِّي
إنَّ في وسعِكِ أن ترفعينـي=فوق (لامرتين) و(المُتنبِّـي)



۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

في الأزبكية - النظرة المفسرة


فـي (الأزبكيـة) والنسيـمُ عليـلُ=والجـو وضـاح الجبيـن صقيـلُ
ينسـاب حلـمٌ العيـد فـي أثنائـه=وكـأن خفـق نسيـمـه تهلـيـلُ
وكـأنـه خــدٌ أسـيـلٌ ريِّــقٌ=نضـرٌ، ورجـع نسيمـه تقبـيـلُ
وكـأن حاليـة العـذارى أمَّـلـتْ=ورنـت إليـه، فزانـه التأمـيـلُ
مـن حسنهـا ودلالهـا وأريجهـا=صـورٌ تـرف خلالـه وشكـولُ
والزهر فوق المـاء مثـل أوانـسٍ=في المـاء عاريـة عليـه تجـولُ
يبدو جمـال الطهـر فـي تكوينـه=مـا تـم إغــراءٌ ولا تضلـيـلُ
وعلـى حفافيـه الزهـورُ كأنهـا=متفرجون علـى الضفـاف مثـولُ
والمـاء تكنفـه الغصـون كأنـه=طفـلٌ بأيـدي الحانيـات علـيـلُ
سرحتُ طرفـي والفـؤاد مـوزعٌ=رانـت عليـه بـلادةٌ وذهــولُ
ووقفتُ أبحثُ عن معاني مـا أرى=والشك يطغـى، واليقيـن ضئيـلُ
أترى الجمـال حقيقـة فيمـا أرى=أم ذاك وهـم العيـن والتخييـلُ ؟!
***
حتـى بـدا متمايـلاً فـي مشيـهِ=مَلـكٌ تُــدلله الحـيـاةُ جمـيـلُ
متخايلاً كتخايـل الطـاووس، فـي=زهـوٍ يداعـب عطفـه فيمـيـلُ
محض الأنوثة في معاطـف قـده=وعلـى حُـلاه ترجُّـلٌ معـسـولُ
في كل جارحةٍ له يدعـو الـورى=للحـب للفـن الجميـل رســولُ
يمشي (مـلاك الفـن) فـي آثـاره=متلمظـاً منـه اللـعـابُ يسـيـلُ
ففهمتُ ما أرَجُ تلزهـور وحسنهـا=زعـلام تلعـب بالغصـون قبـولُ
فكأنمـا سـر الطبيعـة مشـكـلٌ=وكـأنـه التفسـيـرُ والتعـلـيـلُ
***
يا أنتِ يا من لستُ أدري ما اسمهـا=غالت فؤادي مـن فتونـكِ غـولُ
فسَّرتِ لي معنـى الحيـاة بنظـرةٍ=ثنِّي يبـنْ لـي غيبُهـا المجهـولُ
لو جئتُ مصرَ لها فحسبُ لقد كفـى=نظرٌ إلـى سـرِّ الوجـود عجـولُ
ماذا بمصرَ ؟ وفي محاجركِ انطوت=أهرامهـا فـي قدسهـا والنيـلُ !
***
ويلي على شفتيك ! لـو لـي لثمـةٌ=ينجاب عنها الوجـدُ وهـو قتيـلُ
أحيـا شجاعـاً لا أبالـي بعـدهـا=سيَّـان تقصـرُ مدتـي وتـطـولُ
تبقى حلاوتُهـا علـى شفتـي، إذا=أخذت عظامي في التـراب تحـولُ
وإذا صليتُ لظـىً –ولاأصليتُهـا-=هدأت بهاالنيـران وهـي تصـولُ
وإذا احتوتنـي الخلـدُ زاد نعيمَهـا=بـردٌ علـى شفتـي ليـس يـزولُ
تترشفُ الحـورُ الحسـانُ مكانها=منـي، ولا يشفـى لهـن غلـيـلُ
***
أواه للـفـنَّـانِ عَــــفَّ إزارُهُ=كـم ذا يـذوب فـؤادُه المتـبـولُ
ظمـآن ، والمـاء المثلَّـجُ دونـه=ملء الكؤوس ، ومـا إليـه سبيـلُ
تتبـع التقـوى خُـطـى أقـدامـه=وكأنمـا هـو وحـده المسـئـولُ
وتراقب الأخـلاقُ لحـظَ جفونـه=وحسابها عند (الضميـر) طويـلُ !


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

حواء


قلبي يحن إلـى عهـودك=وإلى رضائك أو صدودك
وإلـى محـيَّـا سـاهـمٍ=فيه القضاء إلى عميـدك
***
فـيـه شكايـاتـي وأح=زاني وآلامـي وياسـي
وضناي فيـه ووحدتـي=من غير آسٍ أو مـواسِ
***
يرثـي لـه قلبـي فـلا=يرثـي لغيـر مصابـه
فكأنـه الـمـرآة يُــبْ=صر فيه قلبـيَ مـا بـه
***
حتى إذا مـا افتـرَّ ثـغ=ركِ عن ثناياكِ العِـذاب
وهفا الضياء علـى لمـا=كِ كأنه العسـل المـذاب
***
وتـلألأت عينـاك وان=بثـق الشُعـاع الحـالـمُ
خطرت لي الدنيـا بقـي=كِ فكـل شـيء بـاسـمُ
***
خطرت كوجه الأمِّ يـب=سـم للوليـد الـراضـعِ
يسـري بعينيهـا علـى=نَهَـر النعيـم الـواسـعِ
***
عقـل ابتسامتـهـا لأول=مـرة فــي عـمـره
فرنا بطـرفٍ فيـه أولُ=خفقـةٍ عــن فـكـره
***
عقل الحقيقـة كالخيـال=هناك في تلـك الدقيقـة
ولطالما مـن قبـل كـا=ن له الخيال هو الحقيقـة
***
أو كالوجود بـدت لعـي=نـيْ شاعـرٍ أســرارُه
في لحظة من وحيـه ان=هتكـت لـه أسـتـارُه
***
فكأنـه لــم يــدرِ أو=يَرَ قبلها في الكون شيـا
أو كـان صخـراً مسـه=سـر الإلـه فقـام حيـا
***
يا نظـرةً كنـتُ الولـي=دُ بها وكنـتُ الشاعـرا
والأمَّ كنـتِ بهـا وكـن=تِ بها الوجود الساحـرا
***
ما كان ثمة غيـر عـي=ن الله ترعانـا حنـانـا
وكأنـه مــن عطـفـه=إذ ذاك لم يَخلُـقْ سوانـا
***
يا ليت شعري هل أحـسَّ=بمثـل مـا أحسسـتُ آدمْ
لمـا بــدوتِ لعيـنـه=حواءَ في عهـدٍ تقـادمْ؟
***
فهفا إليـكِ كمـا هفـوتُ=ومـا لــه أمٌ ســواكِ
فرحمته وجـرت علـى=أطـراف جُمَّتِـهِ يـداكِ
***
أخرجـتِ آدم مـن جنـا=ن الخلد لكن كُنتِهـا لـه
أنقذتـه بهـواكِ مــن=تلـك السآمـة والملالـة
***
فأحسَّ في الدنيـا الشقـا=ءَ وكابد الألـم الكبيـرا
فـازداد بالـسـراءِ وال=نعماءِ في الدنيا شعـورا
***
ما بـال آدمـكِ الجـدي=د تركتِـهِ فـي شقوتـه؟
لـم ترحمـي بـلـواه إذ=أخرجتِـهِ مـن جنـتـه
***
قد كان يأمـل إذ عصـى=مولاه فيكِ مزيد عطفِـكْ
ويـح الشقـيِّ حرمـتـه=من لطف مولاه ولطفِـكْ
***
أهبطتِـهِ مـن جنتـيـهِ=فهام فـي الدنيـا شريـدا
يبكيكِ في المأوى ويـب=كي عهدكِ العهدَ السعيـدا
***
كيف السبيل إلى الرجـو=عِ إلى نعيمـي السالـفِ؟
وشفاءِ حَـرَى مهجتـي=وسكون قلبـي الواجـفِ
***
وبأي وجه بعـد عـص=يانيهِ ألقى وجـه ربـي؟
ولئن جرؤتُ فمن لقلبـي=في يمينكِ مـن لقلبـي؟
***
أأجيئه من غيـر قلـبٍ؟=كيف كيف يكـون ذاكِ؟
رُدِّيهِ لي أطلـبْ رضـا=هُ حين لم أدركْ رضـاكِ
***
حـواءُ ذاتَ العـدلِ فيـم=عدلتِ إلا فـي وحـدي؟
وعلامَ يا حواءُ حافظةَ ال=عهـودِ نسيـتِ عهـدي؟
***
لـم تنصفينـي إذ بـرر=تِ بآدمٍ وقطعـتِ حبلـي
وهو الذي مـا أن حمـل=تِ به ولم تضعيه مثلـي
***
أنا منـكِ يـا حـواءُ أج=درُ بالحنانِ وليس منـكِ
إن كنتِ منه فتلـك بـع=دُ مزيَّـةٌ تقصيـه عنـكِ
***
إن الحيـاةُ تعـقُّ بنـتـاً=دأبَـهـا وتـبـرُّ أمَّــا
هـلا سلكـتِ سبيلَـهـا=فقسمتِ لي بالبؤسِ نعمى
***
أم شئتِ أن تلغي الوجـو=دَ لتبدئي في الخلقِ طورا
لم تغفرِ الأولـى أأجنـي=فيكِ يا حـواءُ أخـرى؟


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


غرور الفنان وعقابه


فيم يا زهرة الجمـال تنكـرتِ=لقلبـي فارتـدَّ عنـكِ كسيـرا؟
أولستُ الذي غرستُك فـي قـل=بي وأسقيتُك الـزلالَ النميـرا؟
وقضيتُ النهار والليـل أرعـا=كِ أقيكِ الهجيـر والزمهريـرا
أنت حُلمي إذا أويتُ إلـى النـو=مِ وشغلي إذا برحـتُ السريـرا
تتلاشى روحي عليـكِ حنانـاً=وارتقابـاً ولوعـةً وحـبـورا
موقداً ذوب مهجتي لـك شمسـاً=يطرد الرَّوعَ عنكِ والديجـورا
ضارباً كلَّـةً عليـكِ مـن الأح=لامِ تنفي عنكِ الأذى والشرورا
جاعلاً من شوقي إليكِ صـلاةً=محرقاً من دمي عليـكِ بخـورا
***
في طريقي إليكِ تخطبنـي الأز=هارُ شتى يعبقن عطراً ونـورا
يتمايلـن معرضـاتٍ مـريـدا=تٍ وللثـم يرتعشـن ثـغـورا
فتكبَّـرتُ أن أجـود عليـهـنَّ=بطرفي بله الهـوى والشعـورا
وتحمَّلتُ من مـلام ضميـري=في أذاهن مـا يهـدُّ الضميـرا
لا أبالي إذا رضيتِ رضى النـا=سِ جميعـاً وودَّهـم والنفـورا
ولتضع من يديَّ الحظوظُ فحسبي=أن طرفي يرنو إليـكِ قريـرا
لا تخافي مني اقتطافاً فحسبـي=أن أنال الرضاء منكِ اليسيـرا
هو رجواي في الحيـاة فـإن أُدْ=ركه أدرك خُلداً وملكـاً كبيـرا
***
أنـا قلَّدتُـكِ الجمـالَ وصـوَّرْ=تُكِ ما شاءت المنـى تصويـرا
وبفنِّي خلَّدتُ حسنكِ فـي الكـو=نِ وأسجدتُ في ثـراكِ الحـورا
وجعلتُ الزمان يشـدو بلحنـي=كِ فيحيي الأسى ويُحيي السرورا
أفترضيـن بعـد هـذا لقلبـي=أن يكـون المُـرزَّأ المهجـورا
أنتِ خَلْقي ... وارحمتاه لـربٍّ=صار يومـاً بخلقـه مستجيـرا
أردديني خلقـاً وكونـي إلهـاً=تشملي بالحنان قلبـي الكسيـرا
وتريْ ما به... فمن يـكُ ربّـاً=يـكُ طَبّـاً بخلقـه وخبـيـرا
لا أبالـي إذا غـدوتِ لقلـبـي=وحده كنـتُ آسـراً أو أسيـرا
فـإذا مـا أبيـتِ إلا شقـائـي=فامسحي من لوح الوجود الزورا
أعدمينـي فـلا أطيـق عــذا=بين خلوداً قدَّرتِ لـي وسعيـرا
***
كنتِ في خاطري وكنتُ سعيـداً=قبل أن تظهري لعيني ظهـورا
آهِ، يـا ليتنـي كتمتُـكِ سـراً=حيث كنتِ الدهورَ ثم الدهـورا
لكفيـتُ الأسـى إذاً والتـبـار=يحَ ودمـتُ المنعـمَّ الموفـورا
***
مـا توقعـتُ إذ جبلتُـكِ طينـاً=في يديَّ أن أصير هذا المصيرا
إنَّ هذا جـزاءُ مـن نـازع الله=عُـلاه يلقـى العـذابَ الكبيـرا

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

يوم البحيرة

إن رأيتِ الصبح يبدي لك سحـره
فاذكريني واذكري يـوم البحيـرة
***
يوم أقبلتِ وفـي يمنـاكِ زهـرة
قد حكت في وجهك الوضاح ثغرة
ونسيم الصبح يهدي لـك سحـره
والندى يكسو وجوه الزهر نضره
فاذكريني .. واذكري يوم البحيرة
***
لـم أعـد أذكـر إلا أن نظـرة
أشعلت في قلبي الولهـان جمـره
وأثارت في حنايا الصدر زفـرة
وأسالت من سواد العيـن عبـره
فاذكريني ... واذكري يوم البحيرة
***
فاذكري إذ قلتِ هذا اليـوم غـره
في جبين العمر فنان فيه بشـرى
وانثري في شعرك الفتان عطـره
وانثري فـي خـدك الفنـان دره
فــاذكــريـــنـــي ....

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


ما هو الكون ؟


خـلـق الله للجـمـال قـلـوبـاً=اجتباهـا مـن صفـوة الشعـراءِ
سكب النـور فـي قلوبهـم السـو=دِ فعـادت تمـوج بـالأضـواءِ
واستحالت مرائيـاً يعكـس الكـو=نُ عليها مـا عنـده مـن مـراءِ
واقفـاً ناظـراً محـيـاه فيـهـا=فـي غـرورٍ كوقفـة الحسـنـاءِ
***

ما هو الكون غير ذاك الضعيف ال=حول يسطو به علـى الأقويـاءِ؟
ما هو الكون غير ذاك الذي يـش=فى به الداء وهـو عيـن الـداءِ ؟
غيـر ذاك الـذي عليـه تلاقـى=ضربـات السـراء والـضـراءِ
غير ذاك الذي بـه تعثـر الـدن=يا علـى مرطهـا مـن الخيـلاءِ
غير ذاك الذي بـه الحـب والبـغ=ضاءُ بيـن الأحبـاب والأعـداءِ
غير ذاك الذي بـه امتحـن الـل=ه قلـوب العـصـاةِ والأتقـيـاءِ
غير ذاك الذي بـه يلـوذ النـس=لُ ويغـرَى الآبــاءُ بالأبـنـاءِ
غير ذاك الذي بـه يصيـر الكـو=نُ نسيمـاً علـى بسـاطِ اللـقـاءِ
غيـر ذاك الـذي تجمـع فـيـه=ما وعـى حسنـه مـن الأسمـاءِ
غيـر ذاك الـذي إليـه و مـنـه=كل ما في الوجـود مـن أشيـاءِ
ما هو الكـون غيـر فتنـة حـوا=ءَ وما في حـواءَ مـن إغـراءِ ؟
ليت شعري أكـان للكـون معنـى=لـو أتـى آدمٌ بــلا حــواءِ ؟
***
عظمت دولـة الجمـال وعـزت=وتعالـى مـا فيـه مـن أسمـاءِ
بعض أسمائه يضيـع بـه الـده=ـرُ فنـاء ومـا لـه مـن فنـاءِ
نفذت مـن أعماقـه حكمـة البـا=ري وضاعت وسـاوس الحكمـاءِ
والسعيد السعيـد مـن شـم منـه=أرجـاً مــن حديـقـةٍ غـنـاءِ
والسعيد السعيـد مـن شهـد الـلـ=ـه علـى لـوحِ نـوره الوضـاءِ
***
رب غاوٍ يلومنـي فـي نشيـدي=وهـو لا ينتهـي عـن الفحشـاءِ
خاشع الطرف مطرق الرأسِ يمشي=بيـن خليـن سمـعـةٍ وريــاءِ
يظهر الفكر وهو في السر يغشـى=مـا تنـدى لـه جبيـنُ الحيـاءِ
وأنا الطاهـرُ السراويـل والبُـر=دِ نقـيُّ القميـصِ عـفُّ الـرداءِ
ليس منى الفسوقُ تأباه فـي جـس=مـي دمـاءُ الأجـدادِ والآبــاءِ
ينهل الحسن من غرامـي ولكـن=هو صديانُ يلتظـي مـن إبائـي
كل حبي طهـرٌ وقـدسٌ وتسبـي=حٌ لربـي وصيغـةٌ مـن دعـاءِ
أنا عبد الجمال حررتُ فـي مـع=بـدهِ مهجتـي بــلا استثـنـاءِ
مهرقاً فـي محرابـه ذوب قلبـي=ما تراه مضرجـاً مـن دمائـي؟
أعبـد اللهَ فيـه: أقــرأُ فـيـه=آيــة الاقـتـدارِ والإنـشــاءِ
إن يكن في الحدود جسمي فروحي=تتهـادى فـي العالـم اللانهائـي


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


البعث - 1936


مات الغرامُ ومـا بكيتُـه=ورثيتُه مـا قـد رثيتُـه
كفَّـنـتُـه ودفـنـتُـه=وبدمعي القانـي رويتُـه
وأتى الزمانُ يصُورنـي=عن ذكره حتـى سلوتُـه
ياليت شعري، كيف عـا=دَ إلى الحياةِ اليومَ ميتُه ؟
***
أحببتُـه عـفَّ اللـحـا=ظِ سمعتُ عنه وما رأيتُه
كالخلدِ يرجوها أخـو ال=تقوى ولم يرها – رجوتُه
فكـرتُ فيـه فشاقـنـي=وثوى الفؤادَ وما دعوتُـه
وطفقـتُ أعبـدُ طيفَـه=وأنا الذي بيـدي بريتُـه
بفمي اسمُـه، أروي بـه=ظمأ الفؤادِ ومـا شفيتُـه
كالثلـج فيـه، وكلـمـا=أمسستُـه قلبـي كويتُـه
بينـي الزمـانُ وبينـه=وتجـاورا بيتـي وبيتُـه
سمَّيتُـه (لـولا) مـخـا=فةُ أن يساءَ ومـا كنيتُـه
***
أوحـى إلـيَّ ومـا درى=وكتبتُ عنه ومـا نويتُـه
ماذا عليـه لـو صغـا=وعلـى مسامعِـه تلوتُـه
وهمى على عينـي سنـا=هُ ، وسال في أذنيَّ صوتُه

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

من وحي الماضي


خلعنـا الجاذبيـة فانطلقـنـا=نحلّق في الفضاء كما نشـاءُ
ورحنا واليقيـن لنـا دليـل=أمينٌ، والدعـاءُ لنـا حُـداءُ
فجاوزنا الكواكبَ وهي حيرى=تساءلُ: من أولاء؟ أأنبيـاءُ ؟
وجزنا السدرة العليـا فكنـا=ولا بدءٌ هنـاك ولا انتهـاءُ
رأينا الله في سبحـات نـورٍ=تحفُّ بـه الجلالـة والبهـاءُ
فطأطأنا الرؤوس وقد تجلـى=لنـا والكبريـاء لــه رداءُ
إلى أن ضمنـا منـه حنـانٌ=(كأهل البيتِ) ضمهم الكسـاءُ
وشعَّ فذاب جسمانـا ضيـاءً=وأوحى الله فامتزج الضيـاءُ
وقال: تميّـزا، فتميّـزا فـي=كيانيْنا كمـا انشـق القَبـاءُ
هناك وعت جوارحنا جميعـاً=كلاماً ما بـه ألـفٌ ويـاءُ:
"خلقتكمـا بحبـي فلتعيـشـا=وبينكمـا المحبـةُ والوفـاءُ
ولا يفتنكما في الأرض مـالٌ=ولا مجـدٌ فمـا لهمـا بقـاءُ
ودونكما جنانـي فادخلاهـا=تحوطُكما السعـادةُ والهنـاءُ"
****
وأدخلنا الجنـانَ فلـم يفتنـا=بها أنسٌ ولم يقصـرْ رجـاءُ
فأنهارٌ من العسـلِ المصفـى=وأنهارٌ يسيـل بهـا الطِـلاءُ
تحيينا الملائكُ حيـن نغـدو=وترعانـا إذا كـان المسـاءُ
نطوّف ما نطوّف في رباهـا=فلا تعبٌ هنـاك ولا عيـاءُ
ونقتعد الأرائكَ مـن حريـرٍ=يطرّبنا مـن الحـورِ الغنـاءُ
وأنتَ هناك مغتبـطٌ بقربـي=قريرَ العينِ يعمُرك الصفـاءُ
ولكن في جوانحيَ اضطرابٌ=أكتّمـه وفـي جفنـي بكـاءُ
ذكرتُ (العربَ) أبناء الدراري=تذلُ ومـن خلائقهـا الإبـاءُ
وسوّاسي الممالك مـن قديـمٍ=تُساسُ كأنهـا نَعـمٌ وشـاءُ
فعذبني ضميري: كيف أحيـا=سعيداً حين يبلوها الشقـاءُ ؟
وكيف أغيبُ لم يعظمُ بجهدي=لها شأنٌ، ولم يشمخْ بنـاءُ ؟
ونالنيَ القضاءُ..فعدتُ وحدي=لأرضي حين ضمتكَ السَّماءُ
****
حبيبي مُرْ شعاعَك فليُحِطنـي=فلي بشعاعِك الدهـرَ اهتـداءُ
إذا ما اليأس طمَّ على فـؤادي=تولانـي فبـدّده الـرخـاءُ
يسددُ من خطاي إلى المعالـي=فأمضي مثلما يمضي الضياءُ
أرومُ المستحيلَ علـى هُـداه=فيسلسُ لي كما ينسـاغُ مـاءُ
وكم ألهمتني مـن معجـزاتٍ=بها قامت لي الحججُ الوِضاءُ
****
حبيبي، في اثنتين أرى عزائي=وما للقلبِ غيرهمـا عـزاءُ
لقاؤك، وهو كالإيمـانِ حـقٌ=سيجمعنا -كما فصلَ- القضاءُ
ونهضةُ (يعربٍ) حتى أراهـا=يُظِـلُّ الخافقيـنِ لهـا لِـواءُ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

رثاء الزوجة


حبيبـيَ مالـي فـي رثائِـكَ مِقـوَلٌ=كـأنَّ فمـي شُكَّـتْ برمـحٍ لهـاتُـهُ
رثـاؤكَ فـي قلبـي يهـدُّ أضالعـي=وتدفـعُ فـي أحنائِـهـا ضربـاتُـهُ
ولا يستطيعُ الشعـرُ وصفـاً لهولِـهِ=وتقصـرُ عـن تصويـرِهِ خطواتُـهُ
على أنَّه الشعرُ الـذي الشعـرُ دونَـه=سرت في الورى مسرى الضُّحى بيِّناتُهُ
وإنًّ قريضـاً أنـتَ مصـدرُ وحيِـهِ=لتسـجـدُ عُــزَّاهُ لــه ومنـاتُـهُ
يميل بعِطـفِ الكـونِ قدسـيُّ لحنِـهِ=وتعـذُبُ فـي سمـعِ الدُّنـى نغماتُـهُ
تقطًّـعُ أعنـاقُ البـلاغـةِ دونَــه=وتُزهـى بـه بيـن الأنـامِ رواتُـهُ
تغـصُّ بـه حُسَّـادُهُ وهـو سائـغٌ=وأقتَـلُ مــاءٍ للحـسـودِ فُـراتُـهُ
ولكنَّه الخطبُ الـذي الخطـبُ دونَـهُ=تلقَّـاهُ قـلـبٌ لا تلـيـنُ صفـاتُـهُ
ولو غيرُهُ أضحى بـع بعـضُ ثُقلِـهِ=لقامـت عليـه فـي المسـاءِ نُعاتُـهُ
فها هـو ذا قلبـي كسيـراً محطَّمـاً=تفيـضُ دمــاً ثجَّـاجـةً جنبـاتُـهُ
لِمـنْ أطلـبُ العليـاءَ بعـدَكَ؟ إنَّمـا=حدتنـي إليهـا مـن سنـاكَ حُداتُـهُ
وأيـن سبيـلُ المجـدِ بعـدَكَ؟ إنَّمـا=بنـورِ محيًّـاكَ انجـلـت ظُلُمـاتُـهُ
فأنت الـذي علَّمـتَ نفسـي ركوبَـهُ=ولـولاكَ مـا ذلَّـت لـه صهواتُـهُ
ولقَّنتَهـا حـبَّ الـهُـدى وجـهـادِهِ=ولولاكَ مـا اجتيـزت لهـا عقباتُـهُ
أتمضي وما جفَّتْ رياحيـنُ عُرسِنـا=ومـا برحـت بسَّامـةً زهـراتُـهُ؟
أتمضي ولمَّـا يشـفِ قلبـي أوامَـهُ=ومـا شقَّقـتْ أكمامُهـا صبـواتُـهُ
سلامٌ علـى قبـرِ الحبيـبِ ورحمـةٌ=وغيثُ رضىً مـا تنتهـي قطراتُـهُ
لئن كان أنسـي فـي الحيـاةِ لقـاؤهُ=فأنسـي وهمِّـي بـعـدَهُ ذكريـاتُـهُ
كأنِّيَ بالثغـرِ الجميـلِ علـى فمـي=تـرفُّ بـه فـي نـشـوةٍ قُبُـلاتُـهُ
كأنِّـيَ بالفـرعِ الجميـلِ بمنكـبـي=تداعبنـي فـي عرفِهـا خُصُـلاتُـهُ
كأنِّـي بيمنـاهُ تـجـولُ بمفـرقـي=فتلثمُهـا فــي نـشـوةٍ شعـراتُـهُ
لئـن حالـت الأيـامُ بينـي وبينـه=وقُـدِّرَ للشَّمـلِ الجمـيـعِ شتـاتُـهُ
ففي جنَّةِ المأوى غـداً سـوف نلتقـي=بفضـلِ كريـمٍ لا تُـحَـدُّ هِبـاتُـهُ
وإنَّ عـزاءَ القلـبِ إيمـانُـهُ بــه=وقـد فارقتـهُ فـي الحيـاةِ حياتُـهُ


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

فلسطين المجاهدة


بني يعـربٍ مـاذا دهاكـم؟ أجيبونـي=ألـم تشهـدوا أشلاءَكـم بفلسطـيـنِ؟
تُراقُ علـى الأرضِ الحـرامِ دماؤكـم=لإرضـاءِ منبـوذِ الخلائـقِ مأفـونِ
كرامتُكـم فيهـا تُــداسُ وشعبُـكـم=يُسـام الرزايـا باضطهـادٍ أفانـيـنِ
فقتـلٌ وتشريـدٌ وسـجـنٌ ومـغـرمٌ=وتفتيـشُ أبكـارِ الحرائـرِ والعـونِ
***
إذا ما ظـلامُ الليـلِ أرخـى سدولَـه=تجاوب نـوحُ الثاكـلاتِ مـن الـدورِ
فكـم منـزلٍ أودى بكاسِبِـهِ الـرَّدى=ولم يبقَ فيـه مـن طعـامٍ ولا نـورِ
ترى الأمَّ حيرى فيه ما بيـن صبيـةٍ=تصيـحُ وشيـخٍ كالحنيَّـةِ مـذعـورِ
وقـد شُغلـت عـن ثكلِهـا وبكائِهـا=بجوعِ بنيهـا مـن فطيـمٍ وموجـورِ
***
ألا ليت شعري كيف تصبـرُ يعـرُبُ=علـى حالـةٍ فيهـا المنيـةُ تعـذبُ؟
وكيف (بلادُ الضـادِ) تغفـو جفونُهـا=وجفـنُ "فلسطـيـنِ" دمٌ يتصـبـبُ؟
وكيف يسيـغ العُـربُ بـردَ شرابِهـم=ومليـونُ نفـسٍ منهـمُ ثَـمَّ تُنكـبُ؟
أيرضى بنو الإسلامِ مسرى رسولِهـم=لأهونِ من فـوقِ البسيطـةِ يوهـب؟
***
فويـحَ فلسطيـنَ تـواثِـبُ قَـسـوَراً=يُقِـلُّ علـى أكتافِـه شــرَّ تنِّـيـنِ
فينفـثُ هـذا السـمَّ وهـو بمـأمـنٍ=وينشـبُ هـذا مثـلَ حـدِّ السكاكيـنِ
ولو زحف التنِّينُ فـي الأرض وحـدَه=لقُطِّعَ أوصـالاً وديـسَ علـى الطيـنِ
فلا يغتـررْ (بالليـثِ) فهـو يحوطُـه=لأمـرٍ ولا يبقيـهِ إلا إلــى حـيـنِ
***
وقـد حدَّثونـا أنَّ (للَّـيـثِ) حكـمـةً=وأنَّ لـه طرفـاً إلـى الغيـبِ ينظـرُ
فهل شاخ عقلُ الليـثِ أم كـلَّ طرفُـه=فأصبـح فـي أخطـائِـهِ يتعـثَّـرُ؟
أيـعـزبُ عـنـه عـالـمٌ متحـفـزُ=يـردد فــي أنحـائـه: الله أكـبـرُ
يزمجر في "مصـرٍ" ويكظـم غيظـه="بفاسٍ" وفي "الصحراءِ" ينهى ويأمـرُ
***
ويذهب يبني (للعناكـبِ) فـي الهـوا=بيوتـاً تقيـه مـا يخـاف ويـحـذرُ
سيدري غـداً أن الـذي ظـن باطـلٌ=وأن الذي لـم يولـه الـرأي أخطـرُ
وأن ليس يغدو دهرَه "القـطُ" ضيغمـاً=وفي "الشبلِ" ما في أصله حيـن يكبـرُ
فهل يعقـل "الليـث الحكيـمُ" صوابـه=(وهل يستحي أو يرعـوي أو يفكـرُ؟)
***
بني العُـربِ والإسـلامِ أيـن غياثُكـم=لإخوانكم في الجنسِ والضادِ والديـنِ؟
أيعطـي الملاييـنَ الأقـلُّ عـدوُّكـم=ولاتنفقوا –في كثرةٍ-نصـفَ مليـونِ
فلـيـس بـإسـلامٍ ولا جاهـلـيـةٍ=تخاذلكـم والشـحُّ فـي الله بـالـدونِ
وهل يعرف (الإسـلامُ) شُحـاً وذلـةً؟=وهل تعرف الأخرى الحياةَ على الهون؟
**
لعـارٌ بكـم أن تستطيعـوا غياثَـهـا=فـلا تهبـوا أرواحَـكـم لفلسطـيـنِ
فمـا ظنكـم بالـمـالِ لا تبذلـونـه=لغـوثِ حمـاةِ المكرمـاتِ المياميـنِ
فلسطينُ برهـانٌ لكـم فـي جهادِكـم=أليـس لديكـم قيـمـةٌ للبراهـيـنِ؟
ولو لم يمن في موتهـا مـوتُ أمركـم=لأودت ولـم تفتـح فمـاً بأغيثـونـي
***
وقل لبنـي قمـلِ الشعـوب: رويدكـم=فأحلامكـم بالملـكِ أحـلامُ مجنـونِ
فلن تملكـوا شبـراً "بـأرضِ محمـدٍ"=وتنكـر هـذا روحُ موسـى وهـرونِ
لأمـرٍ قلاكـم "هتلـرٌ" عـن بـلادِه=وطاردكـم منهـا طـراد الشياطيـنِ
حـرامٌ علينـا أن نعيـش بأرضـنـا=إذا لم تطهَّرْ من نجاسـاتِ "صهيـونِ"
***
وأنـتِ فلسطيـنُ اثبتـي وتجـلـدي=فما الصبرُ إلا عندما الصدمة الأولـى
وأدري الورى أن "العروبةَ" لـم تمـت=وأنَّ لها في المكرمـاتِ اليـدَ الطولـى
وأنَّا الألى لا نرهـبُ المـوتَ كالحـاً=ولا النارَ شؤبوباً ولا السيفَ مسلـولا
وأنَّـا أردنـا أن نعيـشَ ومـن يُـرِدْ=حيـاةً يجـدْ طعـمَ المنيَّـةِ معسـولا



۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


على لسان شهيد


فيم إحتشادكـمُ هـذا لتأبينـي؟=أنتم أحق بتأبينِ الـورى دونـي
فما الشهـادة إلا ميتـة كرمـت=عن ميتة الداءِ أو عن ميتة الهونِ
إني نزلت بدار الخلد فـي رغـدٍ=بين الخمائل فيهـا والرياحيـنِ
في جنة ما بها خوفٌ ولا حـزنٌ=لولا رثاءٌ لحال العُربِ يشجينـي
قامت عليه شعوب الأرض قاطبة=من ثعلبـانٍ ومـن دبٍ وتنيـنِ
فما انتظاركـمُ والحـق حقكـمُ؟=يُعدى عليه ليُعطـى للملاعيـنِ
لا تطلبوه احتكاماً في مجامعهـم=بل استردوه قسراً في المياديـنِ
والمسملون جميعاً مـن ورائكـمُ=بأندنوسيا وباكستـان والصيـنِ
لا تندبوني فإني لم أمت جزعـاً=فإن علمتم علي الـذل فابكونـي
وإن تريدوا لأجل الدين تكرمتي=فابغوا الشهـادة للدنيـا وللديـنِ
فابن الوليد على اليرموك يرقبكم=وليث أيـوب يرعاكـم بحطيـنِ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

صوت المتنبي

من الملأ العلوي من عالم الخلدِ أهل عليكم بالتحيات والحمد
تقحمتُ حُجب الغيب حتى أتيتكم لأجزيكم عن بعض إحسانكم عندي
قطعتُ حدود (الأين) في متطاولٍ من اللوح يفنى البعد فيه من البعد
كأن الفضاء اللانهائي سائرٌ على كرةٍ لا حد فيها سوى حدي
إذا ما ركضت السير في فلواته تشابه ما قبلي عليّ وما بعدي
إلى أن تجاوزت النجوم جواذباً إليهن عطفي غير أن لسن من قصدي
يناشدني - والنور ثمّ - لسانها لأنشدها شعري وأصفيها ودي
ولو لم تكن (مصرٌ) و(جلّق) الهوى و(بغداد) لم أبخل عليها بما عندي
معانٍ قضى فيها الشباب مآربي وسلّت بها كبرى العزائم إفرندي
وأمليتُ فيها الدهر غرّ قصائدي فغنى بها الأجيال في السهل والنجد
******
قطعتُ حدود (الأين) حتى أتيتكم فمن (لمتى) ما بيننا قام كالسد
أجل، ألف عامٍ حال بيني وبينكم فلولا سبقتم أو تأخر بي عهدي
سعدتُ بلقياكم وفزتم برؤيتي لو أن يد المقدار ألغته في العدّ
ألا فتزحزح يا زمان لشاعرٍ يريد فلا تقوى الجبال على صدي
أغرّك أنّ الأرض قد شربت دمي؟ وأنّ عيون الشهب قد شهدت لحدي؟
رويدك قد خلدتُ في الشعر محضه ولم يبق منه للتراب سوى الدُردي
فها هو في الأجيال ينساب صافياً إلى ابنٍ .. إلى ابنٍ .. من أبيه .. من الجد
يزيد على الأيام كالخمر سورةً لو أن حُميا الخمر تهدي كما يهدي
أنا الخالد الساري بأعصاب شعبه وما شعبه بالنزر أو ضرِع الخدّ
******
بني مصر أنفاس الخلود عليكم ونشر الخزامى والرياحين والورد
سبقتم إلى تكريم ذكراي غيركم وقدماً سبقتم للمكارم والمجد
رأيت (بلاد الضاد) عقداً منظماً ولكن (مصراً) فيه واسطة العقد
قضيت لمصر بالإمامة بينها وهل لقضاء شئته أنا من ردّ؟
ومن غيركم أهدى إلى (الضاد) شاعراً كشوقي ومنطيقاً كجباركم سعدِ؟
أحبهما لا بل أقدس فيهما مشابه من عزمي وأصداء من وجدي
أعدتم إلى (الفصحى) الحياة فزحزحت بأيديكم كابوس تُبّت والصُغدِ
هي الضاد لن يذوي على الدهر عودها وقد خصها (الذكر) المقدسُ بالخلدِ
ستبدأ من حيث انتهت سائر اللغى خطاها إلى حدّ يجل عن الحدّ
ولا تعتبوها فهي بعد صغيرةٌ ولم يتنفس صدرها بعد عن نهدِ
علىأنها بالرغم من صغر سنها لناعسة الجفنين مياسة القدِ
يكاد يصيح الحب بين شفاهها "أنا الحب ما أخفيه فوق الذي أبدي"
******
تمنٍ يلذ المستهام بمثله" " وإن كان لا يغني فتيلاً ولا يجدي
وغيظٌ على الأيام كالنار في الحشا" " ولكنه غيظ الأسير على القِدّ
فلو عشتُ في هذا الزمان وأهله لغيرت من نهجي وضاعفتُ من جهدي
وكنتُ تنكبتُ الملوك ومدحها فليسوا بأكفائي وإن نالهم حمدي
وأتعس خلق الله من زاد همه" " وقصّر عما تشتهي النفس في الوُجدِ
******
يقول أناسٌ إنني قد هجوتكم فإما أرادوا الشرّ أو جهلوا قصدي
ولم أهجُ إلا حالةً غاظني بها وقوف بني الأحرار بين يدي عبدِ
ولستُ أبالي مادحاً لي وهاجياً فقد رويت نفسي من الصيت والمجدِ
ولي منهما ما لم ينله مملكٌ ولا شاعرٌ قبلي ولا شاعرٌ بعدي
ولكنني أصبحتُ رمزاً لمجدكم يضمكم روضي ويجمعكم وِردي
فمن نالني بالسوء نالكم به لذاك، ويعوي ضدكم من عوى ضدي
أبى الله إلا أن مجدي مجدكم وإن رغم الشاني ومجدكم مجدي
(أبوكم أبي يوم التنفاخر (يعربٌ وجدكم (فرعون) اضحى بكم جدي
تألّه و(التاريخ) طفلٌ وملكه تبسّمُ ذاك الطفل نوغي في المهد
تكلل بالريحان هامات ضيفه وتنضح أبهاء الندام بما وردِ
وقد أعلنت فيها المجامر وجدها فصعّدن أنفاساً من العود والندّ
تقوم عليهم في شفوفٍ رقيقةٍ جوارٍ كمثل اللولوء النثر والنضدِ
يطفن عليهم بابنة الكرم حرّةٍ وبالنُقلِ بعد اللحم والزُبد والشهدِ
فلا غرو في دعوى النبّوةِ مثلُه وليس له فوق البسيطة من ندّ
ويعجبني الجبار إذ هو قوةٌ يهيم بها قلبي وأعبدها جُهدي
كذا فلتكن فتيان يعرب إن ترد حياةً لها ما بين أعدائها اللُدّ
حرام عليكم أن يقوموا وتقعدوا وأن تهزلوا والقوم ماضون في الجدّ
كثيرٌ عليهم بعدُ أن تقفوهم بني اللؤمِ منكم موقف الندّ للندّ
فكيف بأن يعلوا عليكم ويضربوا على العُرب دون العزّ سداً على سدّ
******
رفعتم شباب النيل أمس لواءها فنفستمُ كربي وبرّدتمُ وجدي
وثرتم على الحامي العتيد وصحتمُ "نعيش كراماً أو نُغيّب في اللحدِ"
بنفسي دماءٌ أهرقت في جهادكم ( تحن إلى أسلافها قبل في (أحد
جريرتها أن كلفت حمل قيدها وما خلقت إلا قضاء على القيدِ
أضاء سناها (بالشآم) فروّعت عِداها وردتها إلى خطةٍ قصدِ
أرى الحق في الدنيا يُردّ لقاهرٍ ولم أره يوماً يُردّ لمستجدِ
فإن لم تُنلكم نَصف قومٍ مودةً" "أنال القنا والخوف خيرٌ من الودّ
ولن تبلغ الأعداءُ من مصر مطمعاً وقد زأرت فيها اللبوءُ مع الأسدِ
******
تناهت سلالاتٌ الجبابرة الألى بنو هيكل الدنيا إلى هيكل الفردِ
تقوم عليه أمةٌ عربيةٌ رسالتها هدي الشعوب إلى الرشدِ
على كاهل الدنيا استقلت بموطنٍ من (المغرب الأقصى) إلى (الشطّ) ممتدِ
إذا هتفت (مصر) بلحن جهادها (تعالى صداه في (العراق) وفي (نجد
وخفّ له في (حضرموتَ) مهللٌ وجلجل في آفاق (تونس) كالرّعدِ
رأيتُ (بلاد الضادِ) عقداً منظماً ولكنّ (مصراً) فيه واسطة العقدِ
قضيتُ (لمصر) بالإمامة بينها و ما لقضاءٍ شئتُه أنا من ردّ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

أمس واليوم

ياحبيبي برد العقد ولم يبرد على الرشف صداي
وانقضى أو أوشك الليل ولمَّا أقضِ من فيك مُناي

***
أه ما أحلاكَ في قلبي وعيني وذراعي ولساني
ليتني أفنى بعينيك فأحيا في نعيمٍ غير فانِ

***

لو عبرنا الدهر ضماً واعتناقاً لا أرى يُشفى غليلي
يا حياتي ساعةٌ تعدل منك الدهر ليست بالقليلِ

***
أنت دنياي وديني ومعادي وهداي
ليت شعري عنك يا روحي أنفسي أنت أم أنت سواي؟

***
يا حياة الروح هل صاغك ربي من فؤادي وهواه
أم براني الجسدَ الهامدَ مَن أودع لي فيك الحياه؟

***
ذاك أو هذا فإنّا مهجةٌ في جسدين
فإذا نحنُ اعتنقنا فمُصلٍّ ضم لله اليدين

***
واليوم
وانطوى العهدُ وأُفردتُ لأشقى عائشاً في نصفِ روحِ
ليته نصفٌ سليمٌ غير ممنيٍّ بأشتاتِ الجروحِ

***
فلأمتْ بعدكَ كي ألقاكَ أو فلأحيَ بالذكرى لحين
وعزائي في يقين أنني ألقاكَ في دار اليقينْ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

ربيع

يا من تفتَّح كالربيع لناظري فلمحتُ فيه شقائقاً وبهارا
والفُلَّ يشرقُ بالضياءِ وبالشَّذا والنرجسَ النعسان والنُّوَّارا
والوردَ مخموراً يتمتم : ويحكم هيا اغنموا مُتع الحياةِ قصارا
متباين الألوانِ ألَّفَ بينها ذوق يبلبلُ سرُّه الأفكارا
تلك المفاتنُ ينتهين لغايةٍ ولقد يريبك أنها تتبارى
أمثولةُ الحسنِ البديعِ مرامُها تطوى لها المضمارَ فالمضمارا
فكأنَّها أحزابُ شعبٍ راشدٍ كلٌّ يجمِّع حوله الأنصارا
يتنافسون، وإنَّما مرماهم تحقيق آمال البلادِ كبارا
ما للجمالِ وللسياسة؟ إنَّه أهدى إلى قصد السبيلِ منارا
هو عالم ننساب في أطيافه ونعانق الأنداء والأنوارا
من ضلَّ في ساحاته كمن اهتدى وكمن صحا من لا يفيق خُمارا
***** *****
يا من تفتَّح كالرَّبيع لناظري أضرمتَ ما بين الجوانح نارا
أسكرتَ روحي بالسَّنا فذهلتُ عن نفسي، وخلتُ العالمين سكارى
وسهوتُ عن زمني فلستُ بمثبتٍ أسكرتُ ليلاً أم سكرتُ نهارا
رمتُ الكلامَ، فحار في شفتي كما تاه الجمالُ بناظريك وحارا
ماذا أقول وكلُّ لفظٍ شاردٌ عيناك أعظم أن تطيق حوارا
عيناك أقوى بالحياة وفيضِها زخراً وأعمق في الحياةِ قرارا
*****
لبصرتُ بالتُّفّاح يلعن نفسَه لما أبيتَ مساسه استكبارا
كم ودَّ لو يلقى الشهادةَ في فمٍ يهبُ الخلودَ وينهبُ الأعمارا
ما كان ضرَّك لو مسحتَ جبينَهُ فأحاله لهبُ الحياةِ نُضارا
أو لو قبلتَ فداءَه فجعلتَهُ معنى يحيطُ به الجمال إطارا
أم غِرتَ منه؟ فيا لقلبك قاسياً ماذا تركت لحسنه فتغارا؟
يكفيه في زيناتِه أن يكتسي شفقاً له من وجنتيك مُعارا
ما كان إلا خادماً لك طائعاً يقفو خُطاك يُقبِّلُ الآثارا
راجع فؤادك في أحقِّ مورَّدٍ برضىً وأكرمِ مُشبهيك نِجارا
تغفو وتصحو وهو في صلواته لخدودك الآصالَ والأسحارا
أما نثارُ الوردِ إذ بدَّدته فلو استطاع من السرور لطارا
ألأنَّه يحكي القلوب بشكله عبثت يداك بشمله استهتارا؟
إهنأ بظُلمك، فالقلوب تودُّ لو تُلقى لديك على البساط نثارا
ويح القلوب غلوتَ في بغضائها فمقتَّ من جرَّائِها الأشعارا
أتلوم أرضاً -يا غمامُ- بخيرها حفلت، وأنت فجرتها أنهارا
أهبطتَ شاكسبير من عليائِه وأزحت عن كرسيِّه مهيارا
ووقفت في وجه الخلودِ، فهل تُرى تطوي الخلودَ وقد طوى الأدهارا؟
لن تستطيع، فمن جمالك دونه سدٌّ يقيه سطوك الجبَّارا
*****
رفقاً بحبَّاتِ القلوبِ تسومُها سوءَ العذابِ وما جنت أوزارا
ألأنَّها تهفو لحسنك كلَّما لمحته أو هجست به تذكارا
يا لائمَ الأوتار في إرنانها مهلاً، بنانُك تضربُ الأوتارا
يا طاوي الأقدار تحت جفونه حتَّى لنخشاهُنَّ لا الأقدارا
لمَّا أبيتَ على مشاعرنا الهوى هلاَّ مسختَ قلوبَنا أحجارا

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

إما نكون أبدا أو لا نكون أبدا


غـداً بنـي قومـي ومـا أدنـى غــداً لــو تعلـمـون
إمــــا نــكــون أبـــــداً أو لا نــكـــون
إمــا نـكـون أمـــة مـــن أعـظــم الأمـــم
تـرهـبـنـا الـدنـيــا وتـرجـونــا الـقــيــم
ولا يُـــقـــال لـــلــــذي نـــريــــدُ لا
ولا يُــقــال لــلـــذي نــأبـــى نــعـــم
تـــدفـــعـــنـــا الــــهــــمـــــم
لــقـــمـــم بــــعــــد قــــمـــــم
أو يـا بنـي قـومـي نصـيـر قـصـة عــن الـعـدم
نُـحـكــى كــمــا تُـحـكــى أسـاطـيــر إرم
غــداً ومــا أدنـــى غـــداً لـــو تعـلـمـون
إمــــا نــكــون أبـــــداً أو لا نــكـــون
*****
قـــد وضـــح الـصـبـحُ لــــذي عـيـنـيـن
لــم يـبــقَ مـــن شـــكٍ ولا مـــن مـيــن
أيــــن الــخـــلاصُ أيـــــن أيـــــن ؟
إمـــــــا نـــحــــوزُ الـغـايــتــيــن
أونـــخــــســــر الــكــرامــتــيـــن
إمــــــــا نــــكــــون ابــــــــدا
أو لا نـــــكــــــون أبــــــــــــدا
غــداً ومــا أدنـــى غـــداً لـــو تعـلـمـون
إمــــا نــكــون ابـــــداً أو لا نــكـــون
*****
أفـــي سـبـيـل الـعـيـش نـمـضـي للـجـهـاد؟
كـــلا بـنــي قـومــي فــمــا ذا بـالـســداد
والعـيـش لا يثـبـت لـلـمـوت لـــدى الـجــلاد
لله فـــــــي الــمــبـــدأ والــمــعـــاد
بالله فــي القـلـب وفــي الـكـف وفــي الـزنــاد
نـنـتـزع الـحـيـاة مـــن جـــوف الــــردى
حــتــى نــنــال الـنـصــر أو نسـتـشـهـدا
إمــــــــا نــــكــــون أبــــــــدا
أو لا نـــــكــــــون أبــــــــــــدا
*****
ليـفـعـل الـيـهـود مـــا شــــاء الــحــرد
لــيــضــربــونـــا بــالـــعـــمـــد
وليشـربـوا مــن دمـنـا وليأكـلـوا مـنـا الـكـبـد
فلن نقول غير ما قال بلالٌ وهو في الرمضاء مضروبَ الجسد
أحـــــد أحـــــد .. أحـــــد أحــــــد
هـيــهــات أن نــخــضــعَ أو نــرتــعــدا
إمـــا نـكــون ابـــدا .. أو لا نـكــون أبـــدا
*****
لا صـلـحَ يـــا قـومــي وإن طـــال الـمــدى
وإن أغــــــار خـصـمــنــا وأنـــجـــدا
وإن بــغـــى وإن طــغـــى وإن عــــــدى
وروّع الــقـــدسَ وهــــــدّ الـمـســجــدا
وشــــاد مـكـانــه هـيـكـلــه الـمــمــردا
وشــرّد الألـــوف مـــن ديـارهــم وطـــرّدا
وذبـح الأطفـال والنسـاء والشـيـوخ ركـعـاً وسـجـدا
يـلـتـمـس الــعــدو صـلـحـنــا سُـــــدى
لا لـــــــن يـــكــــون ســــيــــدا
ولـــــــن نــــكــــون أعــــبــــدا
إمـــا نـكــون أبـــدا.. أو لا نـكــون أبـــدا
*****
هـيــهــات أن نــكــفــر بالله الــصــمــد
فنـقـبـل الـصـلـح مـــع الـخـصـم الألــــد
وإن وُعـــدنـــا بـــرخـــاء ورغــــــد
ومــــــــدد إثــــــــر مــــــــدد
مــن الطـعـام والـكـسـاء والـســلاح والـعــدد
فـــإن أمـريـكـا الــتــي تـعـطــي بــيــد
تسلـبـنـا أضـعــاف مـــا تـعـطــي بــيــد
وتمنح اليهـود مـن ثروتنـا مـا ليـس يُحصـى أو يعـد
هـيـهــات أن نـقـبــل سُــبـــة الأبـــــد
وذلـــــــــــــة الــــبــــلـــــد
وضــــيــــعــــة الــــــولــــــد
إن قــبــول الـصـلــح كــفــرٌ أو أشـــــد
يـــــا داعــيـــاً إلـــــى الــــــردى
ادعُ إلــــــى الــصــلـــح سُـــــــدى
إمـــا نـكــون ابـــدا .. أو لا نـكــون ابـــدا
*****
لا والــذي يـقـول كُــن لـمـا يـشـاء فـيـكـون
لمـثـلـمـا كــنـــا قـديــمــاً سـنــكــون
ومثـلـمـا أرادنـــا كتـابُـنـا ســـوف نـكــون
ومثـلـمـا أرادنـــا مـحـمـدٌ ســـوف نـكــون
أعـــــــــــزةً مـــنـــاضـــلـــون
وأقـــــويــــــاء عــــــادلــــــون
لا لـــن نـــذلّ أبــــداً ولــــن نــهــون
وإن تـــواطـــأ الــطــغــاةُ أجــمــعــون
فـلـيـسـمـعـوا هــــــل يـســمــعــون ؟
ولــيـــشـــهـــدنَّ الــعـــالـــمـــون
إنّ عــلـــيـــنـــا أن نـــــكــــــون
أعـــــــــــزّة أو لا نـــــكــــــون

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


اليتيم



يا ظـلامَ الليـلِ كـم تُسمعنـا=بيـن طياتِـك أنَّـاتِ اليتامـى
لا أرى أشقى وأشجـى منظـراً=مـن يتامـي تتولاهـم أيامـى
قُضي الأمـرُ علـى كاسبِهـم=فلقوا من بعـدُ أهـوالاً عظامـا
لـم يخلِّـفْ لهمـو إلا الأسـى=يتـولاهـم قـعـوداً وقيـامـا
مـن لبيـتٍ جثـم الفقـرُ بـه=وارتضى الثكلَ بأهليه المقامـا
مِن صبيٍّ عضَّه نـابُ الطـوى=وفتاةٍ تسكـبُ الدمـعَ انسجامـا
بـيـن أمٍّ ملكتـهـا حـيـرةٌ=فتَِّشت ما وجدت خبزاً ولا مـا
وأدارت مقلتيـهـا حـولـهـا=فـرأت جيرانَهـا الكـلَّ نيامـا
آهِ مَـن ذا أرتـجـي نجـدتَـه=وإلى ما الليلُ يمتـدُ إلـى مـا
أيها الفجـرُ أمـا مـن مطلـعٍ=علَّنا نفطرُ كـم نبقـى صيامـا
آهِ هب أنـك زحـزتَ الدجـى=هل نرى من حولنا إلا ظلامـا
آهِ لـو لـم يـكُ أطفالـي لقـد=كنتُ اسطيعُ على الصبرِ اعتزاما
هبنيَ اسطعـتُ فمـن يكفلهـم=لي أما أبصرُ في الناسِ هُمامـا

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

تحية لثورة اليمن 1948




ملـكٌ يمـوتُ وأمـةٌ تحيـا=بشرى تكـاد تكـذّبُ النعيـا
ما كـان أبعـد أن نصدقهـا=سبحان من أردى ومن أحيـا
اليـوم تُبعـثُ امـةٌ أنــفٌ=تبنـي ليعـربَ قبـةً علـيـا
مؤودةٌ ثـوت الثـرى زمنـاً=سبحان مخرجها إلـى الدنيـا
شعبٌ نضا الأكفان عنه وقـد=بليـت فأهداهـا إلـى يحيـى
أهداه أثمن مـا حـوت يـده=هل كان يملك غيرها شيـا ؟
قدرٌ رمـى يحيـى فأقصـده=هيهات تخطـئ كفـه الرميـا
كم لاح في الرؤيا يقـول لـه=الشعبُ أجدر منـك بالرُّعيـا
أنت امرؤ فانٍ فدعـه يعـش=لتعيـش فـي أجيالـه حيَّـا
فمضى يكذبهـا فمـا لبثـت=أن صيَّرتـه وملكـه رؤيـا
***
غفـر الإلـه لعاهـلٍ بطـلٍ=صان الحمى حراً ولـم يعيـا
ما ضرَّه لو قد أضـاف إلـى=حسناتـه التعميـر والإحيـا
لغدا إذن أعلى الرجـال يـداً=وأعزهـم وأسدَّهـم رأيــا
مـا خيـر دارٍ حـرَّةٍ لفتـى=يشكو الطوى والسقم والعريـا
***
يا أيها الشعبُ الطليـقُ، أتـى=عهد الحيـاة، فأحسـن اللقيـا
جدَّ الرفـاقُ وخلفـوك مـدى=متطاولاً فأطوِ المـدى طيَّـا
أنت ابن من شادوا حضارتنـا=من قبـل أن نتلقـن الوحيـا
هيا البِدارَ إلـى الفخـارِ فقـد=نادى المنادي من عـلٍ: هيَّـا
لا عذر بعد اليـوم إن ونيـت=منك الخُطى أو قصَّرتَ سعيـا
الآمر الناهي قضى ومضـى=وملكتَ أنت الأمـر والنهيـا
وأمامك الملك الجديـد علـى=عهدٍ من الشورى سمـا هديـا
راعٍ على (الميثـاق) مؤتمـنٌ=لا ميـل عنـه لـه ولا ليَّـا
هو خير من يرعى حماك ومن=يهدي لمجـد الديـن والدنيـا
***
قل للذي يبغي الرجـوعَ إلـى=عهدٍ طوته يـد البلـى طيَّـا
قد سل (سيف الحق) فانثلمـت=منه سيـوفٌ تعشـقُ البغيـا
إن يبغ أحمد أن يُـرى ملكـاً=فليبـغ قومـاً مثلـه عمـيـا
رحم المهيمن من بغى وطغـى=فرأى الجزاء فكفَّ واستحيـا

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

في ظلام السجن
تحية للمجاهد محمد علي الطاهر


بعد الدجنـةِ تطلـع الشمـسُ=والهـمُّ يكمـلُ بعـده الأُنـسُ
هذا (أبو حسـن) يعـود إلـى=ساحِ الجهـادِ يحفـه القُـدسُ
كابن الوليـد علـى مطارفـه=صدأ الحديـدِ كأنَّـه الـورسُ
فكأنمـا سـاح الجهـاد بــه=وهي المآتم - كلُّهـا عُـرْسُ
رجـلٌ بـراه الله مرحـمـةً=لسواه، وهـو لنفسـه تعـسُ
مـا انفـك يُجهدهـا بهمَّتـه=يقسو عليها شـدَّ مـا يقسـو
جـمُّ النشـاطِ كأنـه فـلـكٌ=فيه يـدور السَّعـدُ والنَّحـسُ
ربـانُ أسـطـولٍ سفائـنُـهُ=تطوي البحارَ الدَّهرَ لا ترسـو
تخذ اليراعَ سلاحَـه ومضـى=لا درعُ يحميـه ولا تِــرسُ
تخشى سُطـاه جبابـرٌ غُلـبٌ=وتعي صداه الثُّـوَّرُ الحُمْـسُ
يجدون فيـه نشيـدَ ثورتِهـم=يحلو له في سمعهـم جـرسُ
منذا يعي (الشورى) فيعظمـه=مـالٌ لنصـرِ الله أو نفـسُ؟
صحفٌ لوجهِ الحـقِّ كاتبُهـا=ويراعُها والحبـرُ والطِّـرسُ
كم نافحت عن يعربٍ وجلـتْ=ما دبَّـر الأعـداءُ أو دسُّـوا
فاسـأل فلسطينـاً بصاحبِهـا=فهـو ابنهـا المفـرد النَّـدسُ
ما زال ينفـح عـن قضيَّتهـا=حتى درتهـا الجـنُّ والإنـسُ
يا صاحبَ (الشُّورى) سلمتَ لنا=اليوم يومك وانطـوى أمـسُ
عُـدْ للكفـاحِ اجهـرْ بآيتِـهِ=فلقـد أمـات قلوبَنـا الهمـسُ
وأدِرْ لنا خمـرَ الجهـادِ كمـا=كنَّا بكفِّـك صفوهـا نحسـو
أبقـى الإلـه لنـا أباحـسـنٍ=حتى تنـالَ مرامَهـا النَّفـسُ
إذ تستعيـدُ العُـربُ عِزَّتهـا=طُراً ويبرحُ دارَهـا النَّحـسُ
الـدارُ مشرقُهـا ومغربُـهـا=سيَّـانَ مصـرٌ أو طرابلـسُ
فالمغـربُ العربـيُّ أجمعُـهُ=لبناءِ سُـؤدَدِ يعـربٍ أسُـسُ
أمـا بنـو مُضـرٍ فلحمهمـو=مـرٌّ المـذاقِ وبأسهـم بـأسُ
ماضيهمُ يأبـى الهـوانَ لهـم=أبـداً وليـس لنـوره طمـسُ
إن تحجُبُ الظَّلمـاءُ شمسَهمـو=فستنجلـي وستطلُـعُ الشَّمـسُ


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

نداء العروبة والدين




هبت بشائـر مجـد مـن مغانينـا=فأترعي يا سعاد الكـأس واسقينـا
هيت وقد كنت منهـا يائسـاً قنطـاً=يأسي المبرح من لقياك لـي حينـا
صحا بنو قومنا من طول رقدتهـم=وصحوهم يا حبيب القلـب ينشينـا
فلا تلومي إذا ما طرت من طـربٍ=فالقوم قومي ووادي القـوم وادينـا
مالوا إلى الصلح لم يلقـوا لشانئهـم=سمعاً كما لـم يُعـر أذنـاً للاحينـا
وقطعوا ألسـن الواشيـن أجمعهـا=كما ضربنـا بإرجافـات واشينـا
فأصبحوا عصبة في الديـن واحـدةً=وفـي العروبـة إخوانـاً ميامينـا
وأقبلوا نحو حبـل الديـن جامعهـم=يحيونـه بعـد إذ خلـوه عشرينـا
فاستغربوا كيف ضلوا عن مبادئـه=وكيف ظلوا لهـا دهـراً مجافينـا
وكيف غابت من التوحيـد حكمتـه=عنهم فأمست لهـم أهواؤهـم دينـا
هذا يقول "علـي خيـر صحبتـه"=وذا يقـول "بـل الصديـق" تلقينـا
وذا يصيح "ترضوا عـن معاويـة"=وذاك يشبعـه قـدحـاً وتهجيـنـا
كأنما الكـون قـد حلـت مشاكلـه=وقد وعوا ما بـه حفظـاً وتدوينـا
فاستمرؤا نبش أمواتٍ قد اضطجعوا=تحت الثرى برضى المولى محوطينا
**
يا فتية وحدوا في المجـد وجهتهـم=وحاربوا الخلـف لا يولونـه لينـا
وركزوا رايـة الإصـلاح خافقـةً=وأحدقـوا حولهـا شعثـاً ملبيـنـا
ووطأوا لاحتمال العـبء أنفسهـم=في رفع شعبهم المهضـوم توطينـا
يحدوهم الدين والإخلاص رائدهـم=والله مانحهـم صبـراً وتمكيـنـا
سيروا إلى النصر لا تلووا ولا تهنوا=وامضوا بمدئكـم داعيـن هادينـا
وأيقضوا شعبكم واجروا بهم قدمـاً=واعلوا بهم فوق هام النجـم تمدينـا
واقضوا على الجهل بالتعليم واقتطفوا=من المعـارف والعلـم الرياحينـا
وابنوا المدارس في أنحاء مهجركـم=تنتـج لكـم فتيـة بالعلـم شاكينـا
واسترشـدوا بكتـاب الله واتخـذوا=من حكمه –إن تنازعتـم- موازينـا
وبالعروبـة لا تبغـوا بهـا بـدلاً=حاشا لكم أن تروا للعـرب ناسينـا






قصائد ترجمها باكثير:


نجمان ظلا-للشاعر الفرنسي كاتول منديس


جاءني خادمي –وقد كنت أستـو=حي (أبولو) في لهفـةٍ واحتـراقِ
وعيوني إلى السمـاءِ وروحـي=قطراتٌ تجـري علـى أوراقـي
***
قـال بالبـاب زائـران غريبـا=ن يفيضـان بالسنـا الـوضـاءِ
يتحلـى كلاهـمـا بجناحـيـن=عظيميـن يرهـبـان الـرائـي
***
قلت مـن أنتمـا؟ فقـالا ملاكـا=ن تركنـا السمـاءَ منـذ سنينـا
وهبطنا للأرض نبحثُ عن نـج=مين ضلاَّ عنـا فهـل تهدينـا؟
***
كيف ضلاَّ؟ فقال "هيليالِ" إنـي=سأقـصُّ الحديـثَ فـي إيجـازِ
فاستمع لي وعِدْ بتحقيـقِ مـا رم=نـاه وعـداً محقـقَّ الإنـجـازِ
***
فعرتني هنـا قشعريـرةُ الخـو=فِ مُحِسّاً كأنَّ قلبـي سيُصعـقْ
قلت: إن استطعْ أساعدْكمـا، قـا=ل: إذن كل مـا أردنـا تحقَّـقْ
***
مع "جافال" كنـت ألعـبُ (بليـا=راً) على سجادِ السمـاءِ البهـيِّ
واتخذنـا مـن النجـومِ كـراتٍ=واتخذنـا أذنابَـهـا للعُـصـيِّ
***
بينما الانتصارُ مني علـى قُـر=بٍ أطحتُ اثنين منهـا بضربـه
وسقوط النجميـن أمـرٌ خطيـرٌ=قد وقعنـا منـه بأعظـمِ كُربـه
***
غضب (الحاكمُ الكبيـرُ) علينـا=ولحـانـا مـهــدداً إيًّـانــا
قـال: جيئـا بالكوكبـيـن وإلاَّ=نلتمـا مـن جنَّاتنـا الحرمانـا
***
فبحثنا عن كوكبيْنـا علـى الأر=ضِ زماناً نرود غربـاً وشرقـا
فمضى بحثنـا سـدىً وحَسِبنـا=أننا في المنفـى الأليـمِ سنبقـى
***
غير أنَّا مـن بعـدِ ذاك سمعنـا=أن عينيـن تشبهـان النجـومـا
وهمـا مقلتـا حبيبتِـك الحـس=نـاءَ فارددهمـا إلينـا كريمـا
***
فجثا الهمُّ فوق صـدري وأحـس=ستُ كأنَّ الحيـاةَ منـيَّ تُنـزعْ
كيف أسطيـع أن أفـارق عيـن=ين هما كلُّ ما أخـاف وأطمـعْ؟
***
غير أنَّي استعظمـتُ ردَّ سـؤالٍ=لملاكيـن بعـد سابـقِ وعــدِ
فدعوتُ "الحياة" نحوي فجـاءت=تحملُ الحسـنَ كلَّـه طـيَّ بُـردِ
***
وتهادت "ميانج" إذ وعـتِ القـو=لَ وقالـت: إليكـمـا جفنـيَّـا
فانظرا فيهما فإن تريـا القصـدَ=أقــدِّمْ إليـكـمـا عيـنـيًّـا
***
وقفا ينظران في لهفـةِ الراجـي=وفـي خشيـةٍ مـن الإشـفـاقِ
وفـؤادي فـي رهبـةٍ وحياتـي=في احتضارٍ ومهجتي في احتراقِ
***
ثم قالا: هاتان أسنى مـن النجـم=يـن نـوراً وفتـنـةً وبريـقـا
خرجـا آسفيـن لكـنَّ قلـبـي=جامـعٌ غبطـةً وحزنـاً عميقـا

ورأيتُ اندفاع "ميانج" في الضح=كِ وقالت: لقـد أجـدتُ احتيـالا
ما تراني خدعتُ ضيفَكَ في الأمرِ=فلـم يـدركـا لــديَّ مـنـالا
***
وبعينـيَّ مـا يريـدان لـكـن=لطَفَ (الحُبُّ) بالحبيبيـن لطفـا
ليت شِعري لو راحتا كنتَ تبقـى=لي محبّاً أم كنتَ تعطفُ عطفـا؟
***
خبّرتنـي أمِّـي بنجمـيْ سمـاءٍ=هويا في مسـاءِ يـومِ وجـودي
وأطافـا ببيتِنـا لحـظـةً ثــمَّ=استقـرا فـي جفنـيَ المولـودِ
***
أفتـدري مـاذا فعلـتُ لكـيـلا=يأخـذا كوكبيْهمـا مـن يديكـا؟
فهمـا كوكباهمـا قبـلُ لـكـن=يا حبيبي قـد أصبحـا كوكبيْكـا
***
قد أعدتُ إدِّكـارَ بِـدءَ حياتـي=حـيـن قبَّلتَـنـي لأوَّلِ مــرَّه
إذ أغانـي الحيـاةِ فـي شفتينـا=صادحاتٌ وجمجم الحـبُّ سـرَّه
***
وتأكَّـدتُ عندهـا أن سيُـزري=بنجومِ السَّمـاءِ نجمـاي نـورا
وهنـا ملـتُ نحوهـا فاعتنقنـا=وجرى دمعُها ودمعـي سـرورا


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

الطفل (مترجمة عن قطعة شعرية وردت كشاهد في كتاب لسوزان ليزاك 1374هـ/1954م )



رفع الطفل عن وسادته الرأس=ليحكـي لأمـه الأحـلامـا
كنتِ أمي معي هناك وما من=أحـدٍ بيننـا وقلـتِ كلامـا
واستبقنا نجري معاً فتخلفـتِ=ورائي وحزتُ فضلَ السباقِ
وكأني جرحتُ نفسي ولكنـكِ=جاوزتنـي بــلا إشـفـاقِ
وبلينـا بعُصبـةٍ هاجمونـا=فتوعدتِهـم فولَّـوا فــرارا
فإذا نحن وحدنا لم نجد فـي=هذه الأرض غيرنـا ديَّـارا
طول يومي أحاذر الهـمَّ وال=وهمَ فيطغى هذا وذاك عليَّـا
باذلاً طاقتي لأظهـر نفسـي=ليراني كمـا ارتضـاه لديَّـا
غير أني إذا الظلام طوانـي=يعلم الله وحده مـا سأصنـعْ
ننتشي أول المسـاءِ ونلهـو=وبتقبيـل بعضنـا نتمـتـعْ
بيد أني أدري إذا ما افترقنـا=للكرى في بشاشـة وابتسـامِ
أنني قد أذيب منه حجـابَ ال=قلبِ قبل انحسارِ ذاك الظلامِ


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


إلى الليل - للشاعر الإنجليزي: شيلي


أسحـبُ فــوق الـمـوج الغـربـي الـذيـلْ

أســـــرع يـــــا روح الـلــيــل

اخرج من كهف الشرق الـذي لا يـرى النـور

حـيـث تنـسـج طــول النـهـار وحـيـداً

أحــلام الـخــوف لـنــا والـســرورْ

حتـى جعلتـك مخيفـاً لنـا وحبيبـاً حمـيـداً

أســـــرع يـــــا روح الـلــيــلْ

*****
التحـف بقميـص الدجـى بالنجـوم مـوشَّـى

وأطـرف بغدائـر شعـرك عـيـن النـهـارْ

أوسعهـا لثـمـاً إلــى أن تـكـل وتعـشـى

ثم جُلْ هائماً في البلاد وفـوق الثـرى والبحـارْ

ماسحاً كـل شـئ فـي الدنيـا بمنيـم عصـاك

اقـبــلْ ! طـالـمـا شـاقـنـي لـقـيـاك

*****

ما قمـتُ طلـوع الفجـر فـلاح سنـاه لعينـي

إلا قــلــتُ: وا لـهـفــاه عـلــيــك

وإذا ما تعالى الضحى فمضى الطل عن كل غصنِ

وأناخ الظهر علـى الأزهـار بكلكلـه والشجـرْ

والنهـار اللاغـب مـال لمضجعـه والمـقـرْ

يتـلـوَّم مـثـل الضـيـف الثقـيـل لـديـك

صـحـتُ: يــا لـيـل وا شـوقـاه إلـيـك

****
صـــاح فـــي أذنــــي أخــــوك

إذ جـــاء وقــــال: ألا تبتـغـيـنـي؟

والنومُ وليـدُك ذاك الحلـو غضيـض الجفـون

قد وسوس في أذني كالنحلة في الظهر ذات الطنين

قائـلاً: هـل آوي بجنبـك؟ هــل تنفيـنـي؟

فأجـبـتـهـمـا: لا .. لا أرجـــــوك !

فالـمـوت سيـأتـي إذا مـــا قـضـيـتَ-

وشـيــكــاً جـــــدُّ وشـــيـــك

والــنــوم سـيـأتــي إذا ولــيــتَ -

[فـمــا أسـفــه الــنــوم فــيــك]

لــن أســأل أيهـمـا عـطـفـاً، إنـمــا

أمـلـي يــا حبيـبـي يــا لـيـل فيـكـا

فاعجـل بقدومـك .. إن حيـاتـي أن تقـدمـا

وهَـلُـمَّ .. هَـلُــمَّ.. وشـيـكـاً وشـيـكـا


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


لحظات التجلي- للشاعر الإنجليزي: جورج هربرت


ربــي .. كــم يـكـون ثنـائـي عـلـيـك

كم تحفر أشعاري أسمـاءك فـي الفـولاذ المتيـن

لو أن الذي يتجلى على روحـي مـن دنـوٍ إليـك

حيناً بعـد حيـن - دام لروحـي فـي كـل حيـن
*

لتكن سبع سمـاوات أو أربعـون سمـاء أو أكثـر

إني أحياناً أبلغهن جميعاً في مثل لمح الطرف أو أكثر

وأراني أحياناً أعيـا عـن نصـف مداهـن عيّـا

بل أراني أحياناً فـي قـاع جهنـم أهـوي هويّـا


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

تحت أشجار الحور (للشاعر الروماني: ميهائيل إييمنسكو )


كـم سـرتُ وحـيـداً فــي الــدرب
تحت أشجار الحور قائمـةً مثنـى مثنـى
جيـرانـك قــد عـرفــوا حـبــي
لكنك وحدك لـم تعرفـي أنـي مضنـى
وإلــى شبـابـك كـــم نـظــرت
عيناي لتقتبس من نـورك طيـف شعـاع
وبـســر طـوافــي الـنــاس درت
لكنك وحدك لم تـدري سـراً قـد شـاع
آه يــا طالـمـا انتـظـرت أذنـــي
أن تسمع من شفتيـك جوابـاً ولـو كلمـة
يـومـاً واحــداً يمـحـو شـجـنـي
ويعيد لقلبي الرغبـة فـي عيـشٍ سئمـه
بــل سـاعــة لـقـيـا واحـــدة
وليحن بعدهـا موتـي سألاقيـه جذلانـا
لـو أفضـت عـلـي شعـاعـاً مــن
عينيك – شعاعاً مليئاً بروح الرضا والسلام
لانـشـق ظــلام مصـيـري عــن
نجمٍ باهر في السماء يروع سنـاه الأنـام
وإذن لضمـنـتُ الـخـلـود النـبـيـل
إذ تعيشين نوراً يضئ الكون طوال الأبـد
لا كـمـا يخـلـد التمـثـال الجمـيـل
جسداً بارداً هامداً ثم لا شئ غيـر الحسـد
إنـي كنـتُ أهــواك يــا صنـمـي
بعيونٍ براهـا العـذاب .. عيـونٍ وثنيـة
قــد توارثـتـهـا مـنــذ الـقــدم
جيلاً بعد جيـل منـذ عصـور الهمجيـة
لكـنـي الـيـوم سـلــوتُ هـــواك
ماعدتُ أطـوفُ بـداركِ إلا فيمـا نـدر
يتلـفـتُ رأســكِ فـــي الـشـبـاك
بحثاً عني مهلاً دون مـا تشتهيـن القـدر
أنـت عنـدي اليـوم كبـاقـي النـسـاء
في المشية إذ تمشين وفـي هنـدام القـوام
وإذا صـادفـتــك ذات مــســـاء
أتبعتك عين فتى قد مات – بغيـر اهتمـام
كان في الوسـع بـل كـان حقـاً عليـك
أن تصوني سر الحب المقدس سـر الإلـه
ليـكـون سـلامـاً بـيــن يـديــك
وإذا مـتُّ خلفتـه للـورى ينبـوع حيـاة



دراسات ومقالات عن باكثير:


علي أحمد باكثير

رائد الرواية التاريخية الإسلامية في الأدب العربي-واإسلاماه نموذجا

د. محمد علي غلام نبي غوري – باكستان


تميَّزت فترة الأربعينيَّات من القرن العشرين بالذَّات بتوجُّه كُتَّاب الرواية في الأدب العربي إلى الاتجاه التاريخي؛ أمثال: عادل كامل، ونجيب محفوظ، وعبدالحميد جودة السحَّار، وعلي أحمد باكثير، ومحمد سعيد العريان، وعلي الجارم[1]، وهؤلاء الكُتَّاب تتلمَذُوا على كِبار الأدباء من الجيل الأوَّل أمثال: طه حسين، والعقاد، ومحمد حسين هيكل، ومحمد فريد أبي حديد، وتوفيق الحكيم، وتفرَّدوا بالاتجاه الصادق لإنتاج روايةٍ عربيَّة تستهدف إبراز ما في تاريخنا العريق من مُثُل عُليَا ينبغي أنْ تسير على هداها أمَّتنا في جُهودها من أجل الحريَّة والاستقلال ونُصرة قَضايا الحق، وتستنير بها في نِضالها لبناء مستقبلٍ زاهر يَلِيق بماضينا التَّلِيد؛ وذلك حين يُعلون من شأن قِيَمِنا الروحيَّة والأخلاقيَّة والحضاريَّة[2].
لا شكَّ أنَّ جورجي زيدان (1861-1914م) كان رائد الرواية التاريخيَّة في الأدب العربي الإسلامي، ولكنَّه لم يكن مدفوعًا بدافعٍ قومي أو إسلامي في الالتفات إلى التاريخ العربي الإسلامي، وفي اختياره موضوعاته الروائيَّة منه؛ ولذا تجنَّب صفحاته المشرقة وأمجاده العظيمة، ولجأ إلى تصوير مواقف الصِّراع السياسي على الحكم أو مواقف المغامرة والشغب[3]، فكان كمَن يدسُّ السمَّ في العسل.
ولا تُعنَى الرواية التاريخيَّة بتقديم التاريخ للقارئ بالدرجة الأولى؛ لأنَّ وثائق التاريخ كفيلة بأداء هذه المهمَّة، وإنما تكمن قيمتها في مَدَى براعة الكاتب في استغلال الحدث واعتماده إطارًا ينطلق منه لمعالجة قضيَّة حيَّة من قَضايا مجتمعه الراهنة[4].
ويُشِير جورج لوكاش مُنظِّر الواقعيَّة الاشتراكيَّة إلى أنَّ عظمة والتر سكوت تتمثَّل في قُدرته على منْح نماذجه الاجتماعيَّة التاريخيَّة تجسيدًا إنسانيًّا حيًّا[5].
فكاتب الرواية التاريخيَّة تكون عينه على التاريخ والعين الأخرى على واقعه، وخاصَّة الأديب الإسلامي الذي ينطَلِق من مُنطَلقات إسلاميَّة لا يغفل أبدًا عن واقعه، فهو إنما يستلهم التاريخ - ولا سيَّما التاريخ الإسلامي الناصع - ليُقدِّم للناس الحلول الناجعة المجرَّبة لمشاكلهم التي هم فيها غارقون؛ لعلَّهم يستَرشِدون بها في دُروبهم الحالكة، فقد كانت الظروف السياسيَّة والاجتماعيَّة أحد أهمِّ العوامل وراء كاتب الرواية التاريخيَّة في استمداده نماذجه الفنيَّة من بطون التاريخ؛ إذ كانت فترة الصِّراع بين الاحتلال الأجنبي والحكم الملكي الموالي له، فاندَفعُوا يحيون ماضِيَهم وأمجادهم التاريخيَّة، ويخلدونها في شكلٍ روائي[6].
"وقد ساعدت هذه الروايات على خلق عالَمٍ حالم بدلاً من الواقع المزري الذي كان يعيشُ فيه الناس، وربما كان ذلك استلهامًا للتاريخ لرفع مُعنويَّات الشعب المحطَّمة"[7].
إنَّ علم الاجتماع وعلم التاريخ - كما يقول الدكتور عبدالحميد بوزوينة - أثبَتَا أنَّ الأمَّة التي لا تاريخ لها ولا تراث مُهدَّدة بالذوبان في أُمَمٍ أخرى لها تاريخها وتُراثها، وبناءً على ذلك ظهرت مجهودات قصصيَّة هادفة تستَلهِم التاريخ، وتحاول أنْ تُعِيدَ لهذه الأجيال أمجادَ الماضي وبُطولات السلف الصالح؛ بغية غرس الصِّفات الإنسانيَّة الخالدة في النُّفوس لتَحصِينها من كُلِّ علل الانحِلال وأسباب الانقِياد الأعمى للآخَرين[8].
وهذا ما فعَلَه علي أحمد باكثير في جميع أعماله.

علي أحمد باكثير:
عاشَ علي أحمد باكثير زاهدًا في الأضواء، قليل الكلام عن نفسه، تاركًا أعمالَه وحدَها تتحدَّث عنه، والمعلومات المتوفِّرة عنه قليلة؛ حيث لم يُعرَف عنه إلا أنَّه من أصلٍ يمني وُلِدَ في إندونيسيا في مدينة سورابايا عام 1910م، وحين بلغ الثامنة من عمره أرسَلَه أبوه إلى اليمن ليتلقَّى تعليمَه الابتدائي، فعاش في إندونيسيا حتى أكمل مرحلة الثانوية، وفي عام 1933م سافَر إلى مصر والتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، ثم التحق بمعهد التربية للمعلمين، وبعد انتهاء الدراسة فضَّل البَقاء في مصر، وتزوَّج من عائلةٍ مصريَّة محافظة، ووثَّق صلتَه برجال الفِكر والأدب فيها أمثال: العقاد، والمازني، وشكري، ومحب الدين الخطيب، ونجيب محفوظ، وصالح جودت، وفي عام 1953م حصَل على الجنسيَّة المصريَّة، وقد تُوفِّي في عام 1969م.
لباكثير عدَّة مسرحيَّات تاريخيَّة، فجُلُّ أعماله مسرحيَّات؛ فقد كتب باكثير في المسرح التاريخي الشعري والمسرح التاريخي النثري والمسرح الاجتماعي والمسرح الأسطوري والمسرح السياسي والمسرح المترجم، وأمَّا رواياته فهي قليلةٌ بالنسبة إلى مسرحيَّاته، ورواياته هي: واإسلاماه (موضوع البحث) والثائر الأحمر وسلامة القس وليلة النهر (عن الموسيقار المصري فؤاد حلمي) وسيرة شجاع والفارس الجميل وعودة المشتاق، وكلها رواياتٌ تاريخيَّة عدا رواية ليلة النهر.
يُعتَبر علي أحمد باكثير واحدًا من بناة الأدب العربي الحديث في مُعظَم فنونه، وهو في مجال الرواية لا يقلُّ عن كبار كُتَّاب الرواية في الأدب العربي أمثال: نجيب محفوظ، ومحمد عبدالحليم، وعبدالحميد جودة السحَّار، وقد اتَّجه في كتاباته الروائيَّة والمسرحيَّة إلى التاريخ، يغترف منه الحوادث والظُّروف المشابهة لما مرَّت به الأمَّة الإسلاميَّة في العصر الحديث[9].
كلُّ كُتَّاب الرواية التاريخية في الأدب العربي تحوَّلوا عنها إلى ألوانٍ أخرى من الرواية، فلم يستمرَّ عادل كامل ولا نجيب محفوظ ولا السحَّار في هذا المجال طويلاً، فبعد عددٍ قليلٍ من الروايات التاريخيَّة تحوَّلوا إلى اتِّجاهاتٍ أخرى، أمَّا محمد فريد أبو حديد وعلي أحمد باكثير ومحمد سعيد العريان وعلي الجارم فيُوشِك إنتاجُهم الروائي أنْ يقف على هذا الجنس وحدَه دُون سواه[10].
وقد دفعتْ هؤلاء الكتاب إلى هذا الاتجاه دوافعُ شتَّى؛ فعادل كامل كتَب بدافع العِرق والنسب فالتفت إلى تاريخ مصر القديم، ونجيب محفوظ كان مشبَّعًا بالدعوة إلى الفرعونيَّة وإحياء أمجاد مصر القديمة، والسحَّار تذبذب في رواياته التاريخية بين تاريخ مصر القديم وتاريخ الأندلس وتاريخ مصر الحديث، ومحمد فريد أبو حديد آثَر تاريخ العرب قبل الإسلام ميدانًا لرواياته التاريخيَّة، على حِين شُغِفَ سعيد العريان بتاريخ مصر الإسلاميَّة، والجارم بحياة الأعلام في الشعر العربي، بينما نجد كاتبنا علي أحمد باكثير يصبُّ اهتمامَه على التاريخ الإسلامي في أوطانه المتعدِّدة بما احتوى من صِراعات سياسيَّة واجتماعيَّة[11].
وقد اتَّصف باكثير بعدَّة صِفات جعلَتْ منه رائدًا للرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة بحقٍّ؛ فهو أولاً أديبٌ ملتزم، وهو مُتعدِّد المواهب؛ فقد كان شاعرًا ومسرحيًّا وروائيًّا وكاتبًا مُفكِّرًا، وهو غزير الإنتاج؛ فقد ألَّف أكثر من تسعين كتابًا بين رواية ومسرحيَّة شعريَّة ومسرحيَّة نثريَّة ودراسة، وكان صاحب رسالة، وكان ملتزمًا بالقِيَم والمبادئ الإسلاميَّة مع المحافظة على النواحي الفنيَّة، فلم تطغَ الخطابيَّة ولا الوعظيَّة على أعماله، فقد جمَع بين الالتِزام والفن في مزيجٍ جميل بديع، وقد عدَّه الدكتور محمد أبو بكر حميد المتخصِّص في أعماله رائدًا للاتِّجاه الإسلامي في الرواية التاريخيَّة العربيَّة[12].
ويتميَّز باكثير في كتاباته بما يلي[13]:
1- عُمق الدراسة والإحاطة بالموضوع الذي يتناوَله، فهو لم يكن يكتب في موضوع إلا بعد أنْ يُحِيط بكلِّ جوانبه، ويقتله بحثًا ودراسة.
2- روح التفاؤل: وذلك على عكس أصحاب المذاهب الأدبيَّة الحديثة - كالمذهب الطبيعي - الذين ينظُرون إلى الحياة بنظَّارة سوداء، ويرَوْن أنَّ الأصل في الإنسان هو الشر، وليس الخير إلا قشرة رقيقة تُغلِّف ذلك الشرَّ الكثير.
3- وضع الحلول للمشاكل التي يتعرَّض لها: فهو لا يكتفي بعرض المشاكل على الناس، ويقول لهم ما يقوله أصحاب الروايات الحديثة: أيها الناس، هذه مشاكلكم وهذا واقعكم، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، وإنما كان يعرض أعوَصَ المشاكل ثم يُقدِّم الحلول الناجحة لها في أعماله، وبأسلوبٍ أدبي رفيع المستوى.
4- الرؤية المستقبليَّة: فهو دائمًا يستَشرِف المستقبل رغم أنَّ أغلب أعماله تاريخيَّة تَعُود إلى الزمن الماضي.
5- استخدام الفكاهة الجادَّة.
6- التميُّز بعُنصر التشويق وبَراعة الحوار بلغةٍ عربيَّة فُصحَى لا تشوبها أيَّة شائبة من شوائب العامِّيَّة.
رغم هذا كلِّه فكثيرٌ من النُّقَّاد السائرون في فلك الغرب يغمطون حقَّ هذا الكاتب العظيم والأديب البارع، بل بعضُهم لا يعدُّه أديبًا، "وكانوا يغمزون نحوَه في مجالس الأدب ومنتدياته، ويقولون عنه في سخرية: علي إسلامستان"!
وكان يضحَكُ في هُدوءٍ، ويبدو بريقُ السعادة والثقة في عينَيْه خلف نظارته الطبيَّة البيضاء ويقول: "إنَّه لَشرفٌ عظيم لي أنْ أُتَّهم بالإسلاميَّة فيما أُقدِّمه من أدب"[14].

رواية "واإسلاماه":
تعرَّض باكثير في روايته "واإسلاماه" للأحداث التي وقَعتْ في مصر وما حولها، والتي يطلُّ القارئ منها على المجتمع الإسلامي إبَّان غزو التتارِ العالَمَ الإسلامي في أهمِّ بلاده من نهر السند إلى نهر النيل.
يقول الدكتور نجيب الكيلاني: "أمَّا علي باكثير مؤلف "واإسلاماه" فقد بدَأ حياته دارسًا للإسلام والفقه والحديث والتاريخ، أراد أنْ يكون عالِمًا مجتهدًا من عُلَماء الإسلام، وشاء الله أنْ يُصبِح أديبًا من أُدَبائه، واستطاع باكثير أنْ يُصوِّر بعض صفحات التاريخ الإسلامي الخالد، ويُعبِّر عن نماذجه الفذَّة في قصَّته "واإسلاماه" حينما تعرَّض الإسلام للغزو الصليبي والتتري، وحينما اتَّخذ شخصيَّات "ابن تيميَّة" و"العز بن عبدالسلام" وغيرهما نماذج إنسانيَّة تشبَّعت برُوح العقيدة، وانتصرَتْ لها وبها"[15].

خلاصة الرواية:
نحن أمام رائعةٍ من روائع الأدب، لا أقول: الإسلامي فحسب، بل الأدب العالمي، ومن مُنطلقات إسلاميَّة واضحة المعالم وقعَتْ أحداث هذه الرواية فعلاً، وضَعَها الروائي المسرحي الإسلامي العظيم علي أحمد باكثير في قالبٍ قصصي جميل وشيق، وقد حبكها حبكة جيِّدة في نسيجٍ متماسك، وأدرج تطوُّر الأحداث فيها بهدوءٍ رزين[16].
تبدأ الرواية بنقاشٍ بين جلال الدِّين بن خوارزم شاه سُلطان الدولة الخوارزميَّة مع صِهره ممدود، يتَّضِح من خِلاله أسبابُ هزيمة خوارزم شاه أمام التتار، وأهمها تفرُّق وتشتُّت المسلمين وعدم نجدتهم بعضهم بعضًا، وتحالُفهم مع الأعداء ضد بعضهم، وتدور الحروب سجالاً بين المسلمين والتتار وفي النهاية ينتصر التتار، ويُهزَم جلال الدين إلى لهاور (وهي مدينة لاهور حاليًّا)، ويستعدُّ مرَّة أخرى لمواجهة التتار ويرسل في طلب النجدة من الممالك الإسلاميَّة المختلفة، وعلى رأسها عاصمة الدولة العباسيَّة في بغداد، ولكن لا حياة لِمَن تنادي.
تدور الرواية حول شخصيَّة رئيسيَّة هي شخصيَّة محمود بن ممدود ابن أخت جلال الدين، الذي يُباع هو وابنة خاله واسمها جهاد ابنة جلال الدين، بعد افتراق محمود وجهاد عن جلال الدين يجنُّ الأخير، ويدمن الخمر، وييئس من الحياة، فيُقتَل في نهاية المطاف على يد الكردي الذي خطَف ابنيه من قبل، يُباع محمود وجهاد في سوق النخاسة أولاً في دمشق ثم في مصر بعد أنْ تغيَّر اسماهما إلى قطز وجلنار، ويفترقان في هذه الفترة عن بعض وقد كبرا، وتحوَّلا من طفلين يلهوان في براءة إلى حبيبين لا يُطِيقان الفراق، يتدرَّج قطز سريعًا في ارتقاء المنازل، من مولى من موالي الأقطاي عز الدين أيبك أحد الأركان التي كان الملك الصالح أيوب سُلطان مصر يعتمد عليها إلى منصب نائب السلطان، إلى أنْ أصبح أخيرًا سُلطانًا على مصر لتعود دورة الحياة مرَّة أخرى لتضع قطز الذي يصبح الملك المظفَّر أمام أعدائه القُدامى ألا وهم التتار، وتدورُ بينهما المعركة الأخيرة، وهي معركة عين جالوت، التي ينتصر فيها المسلمون بعد أنْ تفدي السُّلطانة جلنار زوجها بحياتها، وتسقط شهيدة في ميدان المعركة، وأثناء العودة إلى مصر يقتُل الظاهر بيبرس صديقه القديم الملك المظفر مسيئًا الظن به، بينما كان الملك المظفر ينوي اعتزال الحكم، وتسليم زمام الحكم إلى صديقه بيبرس، ورغم ذلك يسامحه الملك المظفر، ويوصيه بالعمل لصالح الإسلام والمسلمين.

عناصر رواية "واإسلاماه" الفنية:
أولاً: الشخصيَّات:
البطل في الأدب الإسلامي هو القدوة، والنموذج الذي تتجسَّد فيه القيم الإسلامية[17]. بعكس البطل في الروايات التي تُكتَب في ظلِّ المذاهب الأدبية والنقدية الحديثة وخاصة النظريات الاشتراكية، التي تختار شخصيَّاتها من أكثر الناس انحرافًا وعلالة كالمذهب الطبيعي في الأدب، فالكاتب في ظلِّ هذه الاتجاهات هو ذلك الفنان الذي يبحث عن كلِّ المثيرات الكبيرة التي تعد شذوذًا، فكل ما يتمناه هؤلاء أن يخرجوا للناس ما تواضع المجتمع على تسميته الفضائح والخروج على العرف والانطلاق من التقاليد والاستهتار بالآداب والأخلاق العامَّة[18].
وحيث إنَّ الأدب الإسلامي واقعيٌّ فإنَّه يستخدم الشخصيَّات المنحرفة أيضًا؛ لأنَّ الحياة في واقِعها فيها الصالِحُ والطالِحُ، وفيها الخيِّر والشرير، وذلك من باب المقابلة والتضاد.
يقول الدكتور مصطفى عليان: "يلجَأُ الأديب الإسلامي في مجمُوعِه إلى أسلوب المقابلة والتضادِّ؛ لما يحمل من إثارةٍ وتأثيرٍ وإقناعٍ في الوجدان والعقل؛ إذ في الأضداد تميُّز يلفت إليه الوجدان وتفرُّد يجذب به العقل"[19]، ولكنَّه يذمُّ سُلوكها ويقبح فعالها وينتقدها.
تظهَر براعة علي أحمد باكثير في وصف الشخصيَّات، وخاصَّة شخصيَّة البطل محمود الذي أصبَح اسمه قطز، والذي تعهَّد خالُه جلال الدين بتربيته وتوجيهه وتعليمه الفروسيَّة وفنون القتال، وفي النهاية حين تولَّى زمام السُّلطة في مصر أصبح اسمه الملك المظفر، هذا البطل هو الذي تدورُ حوله رواية "واإسلاماه" منذ ولادته - وربما قبل ذلك، حيث تنبَّأ المنجِّم بأنْ سيُولَد في بيت السلطان ولدٌ يكون له شأنٌ في المستقبل[20] - وحتى تَولِّيه ملك مصر.
وقد وصَفَها الدكتور أحمد إبراهيم الهواري بالشخصيَّة المحوريَّة في الرواية، الشخصيَّة المحاطة بهالة نوارنيَّة، تستمدُّ نُورَها من حَرارة الفِكرة الإسلاميَّة عن الجهاد[21].
ويرى أنَّ (باكثير) "قد انطَلَق من تصوُّر نظري يُؤمِن بدور الفرد في التاريخ، الإيمان بدور الفرد بوَصفِه المحرِّك الفعَّال في دفْع الأحداث وترجيح كفَّة النصر"[22].
ورغم ذلك لا نَكادُ نعثر على أيِّ وصفٍ لِمَلامِحه الجسديَّة، فلا نعرف ما إذا كان طويلاً أو قصيرًا، وكيف لون جسمه، وما شكل عينَيْه، وكيف أنفه ومنكبَيْه، وما إلى ذلك، ولكنَّنا - ومن خِلال قراءتنا للرواية - نعرف الكثيرَ عن أخلاقه ورُوحه وأحاسيسه وعواطفه، وهذه من سِمات الروايات والقصص الإسلاميَّة التي يُعتَبر باكثير رائدًا لها في الأدب العربي، بعكس الروايات والقصص المعاصرة عمومًا؛ فهي تهتمُّ بأشكال أبطالهم كثيرًا، بل يتمادَى الكتاب في وصف ملامح أبطالهم الخارجية حتى إنَّنا نكاد نراهم.
شخصيَّة البطل في هذه الرواية شخصيَّة نامية، يستطيع القارئ أنْ يتتبَّع سير حياة البطل خطوةً خطوةً، ويلاحظ كيف نمتْ شخصيَّته من طفل صغيرٍ إلى عبدٍ يُباع في الأسواق، ثم إلى شخصٍ يدخُل دهاليز القُصور، ويتَّصل بأصحاب السُّلطة والنُّفوذ، ثم يتحوَّل إلى شخصٍ يكونُ له دورٌ في تسيير دفَّة الأمور في البلاد، ثم يسلُك سبيله إلى سدَّة الحكم، وأخيرًا يصبح سُلطانًا على البلاد، محققًا نبوءة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - واستطاع أنْ يهزم التتار بعد أنْ كان الظنُّ أنهم لا يهزمون.
بهذه الشخصيَّة أراد المؤلف أنْ يعلمنا أنَّ شخصًا واحدًا يمكن أنْ يكون له دور فعَّال ومهم في توجيه دفَّة الحياة السياسيَّة، وقلب الهزيمة إلى نصرٍ، ليمتلئ شبابنا أملاً ويقينًا بقدرتهم وبطاقاتهم وبأنفسهم.
كانت هذه رسالةً من الكاتب إلى شَباب الأمَّة الإسلاميَّة، أنهم يملكون طاقاتٍ هائلةً وقُدرات لا حُدود لها، فلينهَضُوا ويواجهوا أكبرَ المشاكل وأعصاها بهمَّةٍ عالية وإرادةٍ قويَّة، كهمَّة قطز وإرادته في هذه الرواية، كما سجَّل المؤلِّف تطوُّر العلاقات بين شخصيَّات الرواية، وخاصَّة العلاقة بين محمود وجلنار من طفلين يلعبان في رعاية مُتعهِّدهما جلال الدين، إلى حبيبين لا يُطِيقان الفراق، تربطهما علاقةٌ طاهرة عفيفة، وعزمٌ أكيد على الانتقام من عدوِّ الإسلام وعدوِّ أسرتهما، وأقصد بهم التتار.
ورغم أنَّ هذه الرواية تاريخيَّة تدورُ حول الحروب والمعارك فإنَّه لم يفت المؤلف أنْ يُدخِل العنصر النسائي فيها، فقد كان للنساء حضورٌ متميِّز في هذه الرواية، بدءًا بشخصيَّة جهاد، وهي الشخصيَّة الرئيسيَّة الثانية التي دارت حولها الرواية، والتي أصبح اسمها جلنار بعد أنْ أصبحت أمةً وبِيعت مع العبيد والإماء، وهي ابنة السُّلطان جلال الدين سلطان الدولة الخوارزميَّة، وهنا أيضًا لا نَكاد نعثر على أيَّة ملامح خارجيَّة لها، فلا نعرف ما لونها، ولا نعرف كيف كان وجهُها، وأين مواطنُ الجمال فيها، وما مَدَى نعومة جلدها، وكيف أنفها وأذنها وخدها، وهل هي طويلة أو قصيرة أو معتدلة القوام... إلى آخِر الكلام الذي تمتلئ به الروايات التي تملأ مكتباتنا، والتي تهتمُّ بها دور نشرنا!
وهناك شخصيَّةٌ نسائيَّة أخرى كان لها حُضور متميِّز في هذه الرواية، وهي شخصيَّة شجرة الدر التي لم يخرج في وصفها عن وصف التاريخ لها، فقد وصَفَها التاريخ بالطموح إلى السُّلطة، وكان هذا الطموح سببَ هلاكها، وإذا كان المؤلِّف قد تعمَّق في شخصيَّة قطز وجلنار بعض الشيء فإنَّه لم يتعمَّق في أغلب شخصيَّات الرواية، ومنها شخصيَّة شجرة الدر، فقد وصَفَها وصفًا خارجيًّا بما يخدم تطوُّر أحداث الرواية.
ولعلماء الدين دورُهم المشرق في هذه الرواية وأمثالها من الروايات الإسلاميَّة، وذلك من خلال شخصيَّة عز الدين بن عبدالسلام العالِم المعروف، الذي رفَض الصمت إزاءَ ما يجري في دمشق، والذي قام بواجبه كما يمليه عليه الشرع الحكيم في نُصح سلطانها الصالح إسماعيل؛ ممَّا عرَّضَه للسجن والنفي، ومع ذلك لم يتراجَعْ، ولم يتزلزل إيمانه.
ومن خلال المقارنة بينه وبين العلماء الذين آثَروا الصمت وتأييد السلطان إسماعيل، وفضَّلوا التخلِّي عن دورهم، تظهر شخصيَّة هذا العالِم قويَّة جسورة تُواجِه المِحَن بشجاعةٍ وثَبات، ولا تخشى في الله لومة لائم، وهذه الشخصيَّة من الشخصيَّات الجامدة؛ أي: الشخصيَّات التي لم تتغيَّر منذ أنْ ظهرت وحتى نهاية الرواية؛ لأنها تُمثِّل الثبات الذي يجب أنْ يتَّصف به عُلَماء الدِّين في مواقفهم في الشدَّة والرخاء، الذين لا يخافون في الله لومة لائم، كانت هذه رسالة من المؤلِّف إلى علماء السلطة الذين يوالونها في كلِّ شيء، ويفتُون لها بما تريد في كلِّ زمان ومكان.
وهناك شخصيَّة الظاهر بيبرس، الشخصية النامية في الرواية، والتي كان لها دورٌ بارز في الجهاد ضد التتار والصليبيين، ربما نسي المؤلف فضل بيبرس وهو في غمرة تمجيده لقطز، رغم أنَّ معركة فارسكور التي انتصَرَ فيها المسلمون على الصليبيين بقيادة الظاهر بيبرس لم تكن أقلَّ أهميَّةً من معركة عين جالوت التي انتصر فيها المسلمون بقيادة قطز، وقد ذكَر المؤلِّف ذلك بنفسه في بداية الرواية حين قال: "وشاءَ الله أنْ تحمِل مصر لواءَ الزعامة في هذا الجهاد الكبير، فتحمي تراث الإسلام المجيد بيومين من أيَّامها عظيمين كلاهما له ما بعده: يوم الصليبيين في فارسكور، ويوم التتار في عين جالوت"[23].
"يبدو من تصويره للبطلَيْن تعاطُفه مع قطز وتبريره له من واقع فعاله ومَواقفه، وإدانته لمواقف بيبرس"[24].
لم يتدخَّل المؤلِّف في تكوين شخصيَّاته في هذه الرواية، فقد ترَكَها تتصرَّف بوحيٍ من ضميرها، كلُّ شخصيَّة وفقًا لما يمليه عليها واقعُها والمسؤوليَّات الملقاة على عاتِقِها، وقد استَطاع عن طريق شخصيَّات روايته - ولا سيَّما الشخصيَّة الرئيسة فيها - أنْ يُطلِعنا على هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمَّتنا الإسلاميَّة، وتتبُّع الأحداث التي وقعت خِلالها، ليس هذا فحسب، بل يُبيِّن أسباب وعلل الأحداث والانتصارات والهزائم؛ كي نتَّعظ ونأخُذ العِبَر والدروس من تلك الأحداث.

ثانيًا: السرد:
تردَّد أسلوب المؤلِّف في هذه الرواية بين سرد الأحداث سردًا مباشرًا، وبيان أسبابها، وتقديم الحلول لها، دُون أنْ يُؤثِّر ذلك على تسلسُل الرواية، بل هو يسبر غورنا من معرفة تفاصيل تلك الأحداث وأسبابها المنطقيَّة، ويضَع أيدينا على مواضع الضعف والقوَّة في السُّلوك الفردي والجماعي؛ ليعرف الناس أين كان الخطأ وكيف يمكن تجنُّب ذلك، ثم يعودُ بالقارئ إلى تسلسُل الأحداث ومتابعتها، والمتابعة هنا تكونُ أنشط، ويكون طعمُها مختلفًا، حيث يكون القارئ قد سبر غور نفسه من معرفة خلفيَّات الأحداث ومُلابساتها.
أسلوب المؤلف في السرد واضح وبسيط، ولكنَّ هذا الوضوح وهذه البساطة لم يكونا في أيِّ حال من الأحوال ولا في أيِّ موضع من المواضع على حِساب الفنِّ والجمال، وهذه الخاصيَّة من خَصائص الأدب الإسلامي؛ لأنَّ الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل الدعوة الإسلاميَّة، يدعو إلى الخير والحق، ويقبح الشر والباطل، ويجمل الإسلام في أعين القُرَّاء دعوة لهم للتمسُّك بأهدابه، ويدافع عنه في مقابل الدعوات الهدَّامة الأخرى، وهكذا كان أسلوب المؤلف واضحًا لا يدَع مجالاً للغُموض والشك يُؤثِّران في سير الأحداث التاريخيَّة الواقعيَّة.
وأسلوب السرد بهذا الشكل مع استخدام ضمير الغائب، واستخدام الفعل الماضي، يتناسَب مع الروايات التاريخيَّة التي تنقلنا إلى جوِّ الماضي، وتجعلنا نعيش تلك الأحداث عبر هذه الروايات.

ثالثًا: الحوار:
استَخدَم المؤلف أسلوبَ الحوار بشكلٍ متميِّز، وبلغةٍ عربية فُصحَى قويَّة، تتناسَب مع شخصيات الرواية. ونسبة الحوار في هذه الرواية وروايات علي أحمد باكثير الأخرى نسبةٌ كبيرة، ربما لأنَّ المؤلف كاتبٌ مسرحيٌّ بالدرجة الأولى، وأعماله المسرحيَّة أكثر من أعماله الروائيَّة بكثيرٍ، والمسرح كما نعرف هو الحوار بالدرجة الأولى.
ثم إنَّ المؤلِّف استَطاع من خِلال حوار شخصيَّاته أن يُحقِّق أهدافًا عدَّة؛ أولها: توضيح الأحداث ومسارها، ثم التربية والتعليم بأسلوبٍ غير مباشر، وذلك بدلاً من الوعظ المباشر، وهو في هذه الرواية لم يكنْ مُبالِغًا؛ أي: إنَّ الوعظ والنصح جاء طبيعيَّين، لم يحسَّ القارئ أبدًا أنَّ الكاتب هو الذي يتكلَّم، فقد كانت الكلمات تخرُج من أفواه الشخصيَّات طبيعيَّةً، والمواقف التي وُضِعت فيها هذه الشخصيَّات كانت تفرض على بعضها أنْ يقفَ موقفَ الناصح الأمين، كما كانت مواقف الشيخ سلامة الهندي في نُصحِه للولدَيْن، وكما نصَح الشيوخ والعلماء وكبار السن في هذه الرواية، وعلى رأسهم الشيخ عز الدين بن عبدالسلام.

رابعًا: الوصف:
تظهر براعة المؤلف في هذه الرواية في الوصف؛ حيث أجادَ في وصف المعارك وتكنيكاتها، كما أجادَ القتال والفروسيَّة، ووصف الكرِّ والفرِّ في مختلف المعارك التي تعرَّض لها في رِوايته، كما ظهرت بَراعته في حُسن تصوير الأماكن مثل سوق النخاسة، وما يحدُث فيها من المناداة على العبيد والإماء، والقُصور ودهاليزها والحياة فيها، وكذلك وصف الشخصيَّات وسلوكها وحركاتها.
وهذه الأوصاف المختلفة تنقل القارئ إلى تلك الأماكن، وتجعَلُه يحسُّ كأنَّه هناك مع شخصيَّات الرواية، يشاركها في الأحداث.
هذا المجال أظهَرَ قُدرة الكاتب الفنية بشكلٍ واضح جدًّا، فامتازَ بدقَّة التصوير الفني الذي يتناسَب مع حال الموصوف، وفي نفس الوقت تميَّز بالبساطة وعدم التعقيد، الأمر الذي حدا بوزارات التعليم في كثيرٍ من البلاد العربية إلى أنْ تقرر هذه الرواية على طلاب المراحل الثانوية فيها، ولما تشتمل عليه من معانٍ تربوية سامية مُستَمَدَّة من أصول ديننا الحنيف.
وأمَّا عُقدة الرواية فقد ظهرت ملامحها في المقدمة، ومن خِلال الحديث الذي دارَ بين السُّلطان جلال الدين بن خوارزم شاه وابن عمه الأمير ممدود.
كشَف هذا الحديث اللثام عن هجوم التتار على أطراف الدولة الإسلاميَّة إثر تحرُّش جلال الدين بهم، فكانت النتيجة أنِ استَفحَل خطر التتار، وأخذوا يُشكِّلون تهديدًا حقيقيًّا للأمَّة الإسلاميَّة من شرقها إلى غربها، ولكنَّ الأمَّة الإسلاميَّة في تلك الآوِنة كان قد أصابَها الوهن، وأصبحت عاجزةً عن المحافظة على حُدودها، بل حتى عن عُقر دارها في بغداد.
رغم جديَّة الموضوع وجديَّة التناوُل من قِبَلِ الكاتب فإنَّه لم ينسَ الجانب الفني؛ فقد تمتَّع في عرضه لأحداث الرواية بأسلوبٍ فني رفيع المستوى.
من أهمِّ ما تتميَّز به هذه الرواية أنها خيرُ رواية تُمثِّل الأدب الإسلامي في صُورته الناصعة التي تجمَع بين الموضوع الجادِّ والمفيد والأسلوب الفني الجميل، وكان ذلك سببًا لفَوْزها بجائزة وزارة المعارف عام 1945م[25].
وممَّا يُميِّز المؤلف في هذه الرواية انطِلاقه من مُنطَلقات إسلاميَّة واضحة المعالم، وتأثُّره بمبادئ الإسلام، وبثه للمعاني الإسلاميَّة في مواطن كثيرة من هذه الرواية، وأهمها الجهاد في سبيل الله، فالمؤلف لا يفتأ يذكُر الجهاد على ألسنة أبطال الرواية حينًا، وخاصَّة قطز الذي لا يفتأ يذكر الجهاد ويحثُّ عليه، وينطلق منه في كل تصرفاته وسلوكه ومواقفه، وحينًا خلال السرد وهو يتحدَّث عن سير الأحداث، وأحداث الرواية كلُّها تدور حول المعارك التي قامَتْ بين المسلمين من ناحيةٍ والنصارى من ناحية أخرى.
ومن المعاني الإسلاميَّة التي حرص الكاتب على إبرازها قولُ كلمة الحق أمام سلطان جائر، وذلك من خِلال مواقف الشيخ عز الدين بن عبدالسلام، الذي كان رمزًا على رفعة وسموِّ علماء المسلمين، ومثالاً لهم؛ ليقتدوا به في كلِّ زمان ومكان، وهذا المعنى أيضًا ورَد كثيرًا على ألسنة أبطال الرواية.
في بداية الرواية ذكَر المؤلف نبوءة المنجم، النبوءة التي قام عليها أساس الرواية، والمعروف أنَّ المنجِّمين كاذبون ولو صدقوا، فقد عدل المؤلف مسار الرواية، وجعَلَها تقومُ على أساسٍ آخَر، وهو الرؤيا الصالحة، فقد جعل البطل قطز يرى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مَنامه يُبشِّره بما سبق وأخبر به المنجم أباه من قبل، وهكذا صحَّح المؤلف أساس الرواية بأنْ جعلها مبنية على حديث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي قال فيه: ((مَن رآني فقد رآني حقًّا؛ فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل بي))؛ (رواه البخاري).
و((رًؤيا المؤمن جزءُ من ستَّةِ وأربعين جزءًا من النبوَّة))؛ (رواه البخاري ومسلم).
ومن المعاني الإسلاميَّة في الرواية العدالة الاجتماعيَّة، وذلك حين تكلَّم في الفصل الرابع عن وُقوف أهالي البلاد الإسلاميَّة مع السُّلطان جلال الدين، وثورتهم على حكَّامهم الظالمين الذين عيَّنهم التتار، والذين لم يكونوا يعدلون فيهم، وكذلك حديثه عن الإمام العادل الذي مدَحَه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجعَلَه من السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، وأوَّل هؤلاء في الترتيب الإمام العادل، وذلك حين قارَن ابن الملك الصالح إسماعيل والملك الصالح أيوب.
وحتى في حديث الكاتب عن الحبِّ ولَواعِجه، وما كان بين قطز وجلنار بعد أنْ كبرا، لم يخرج عن الحدود التي يسمَح بها الشرع الحكيم، فهو يتحدَّث عن هذه المشاعر بأسلوبٍ راقٍ، لا يُثِير فينا الغرائز الهابطة كما تفعَل الروايات المعاصرة، بل يسمو بغرائزنا، ويُعمِّق فينا المشاعر والأحاسيس الطاهرة البريئة الفطريَّة في الإنسان، وهذه من خصائص الأدب الإسلامي الذي يُعطِي الأديب الحريَّة في اختيار موضوعاته، ولا يفرض عليه أيَّ حظرٍ في ولوج المداخل المختلفة، والحديث عن قَضايا الإنسان وأشواقه وأحاسيسه وعواطفه، وتقديم الأشكال الصحيحة لها.
يتوهَّم البعض "أن الأدب الإسلامي لا يستطيع أنْ ينطلق إلى آفاق الإبداع الواسع، ويَجُوب تصوُّر المستقبل؛ لالتزامه بقِيَمٍ ثابتة لها من القَداسة ما يجعَلُ الخروج عليها أمرًا مُستَعصِيًا، وترتَّب على هذه الأوهام والظُّنون نظرةً ظالمة إلى الأدب الإسلامي ودوره وطبيعته وتأثيره وقيمه الجماليَّة، فعزلوا هذا الأدب - جهلاً - عن واقع الحياة والمجتمع، وعن قضايا العصر ومشاكله، وعن أشواق الإنسان الجديد وأحلامه وآماله وآلامه"[26].
والالتزام لا يخرج الأديب في عمله الأدبي عن الحدود الأخلاقيَّة التي يفرضها الدِّين الإسلامي، ومع ذلك يعيش الواقع[27].
تقول الدكتور زينب محمد صبري بيره جكلي: "كنت منذ زمن بعيدٍ يُنيِّف عن ربع قرن أتطلَّع إلى قصص إسلامي يتحدَّث عن المرأة حديث عفَّة ونزاهة، حديثًا يحضها على الخير لا على الرذيلة، وكانت نفسي تَعافُ ما يكتُبه يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس وجورجي زيدان وأمثالهم ممَّن يُشوِّهون صورةَ المرأة المسلمة في التاريخ، ويُقدِّمون لبنات الجيل ما يقودُهنَّ إلى الانحِراف"[28].

وممَّا يميز هذه الرواية كثرةُ الاقتباسات من القرآن الكريم بالدرجة الأولى، ثم من الحديث النبوي الشريف، ثم من الشعر العربي القديم.

سأذكر فيما يلي طرفًا ممَّا اقتبَسَه المؤلف من القرآن الكريم[29]:
"سيكون لك من معونة الله وتوفيقه إذا أخلصت الجهاد في سبيله ما يشرح لك صدرك، ويضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك، ويرفع لك بهزيمة التتار عند الله وعند الناس ذكرك".
وحين بشر السلطان جلال الدين بجارية وعلم أن أخته ولدت ذكرًا قال المؤلف: "فقد تغير جلال الدين لَمَّا بُشِّرَ بالأنثى، وظلَّ وجهه مسودًّا وهو كظيم".
"فوقفوا في وجه العدو كأنهم البنيان المرصوص".
"ليشهدوا منافع لهم ويبيعوا ويبتاعوا".
"ما يكون لي أنْ أعتدي على ابن مولاي الذي أكرم مثواي وأحسن إليَّ".
"وأقبسه من أنواره، ونفث فيه من روحه".
"فلمَّا جاءت مراكب الفرنجة خرجت لها من مَكمَنها فنازلتها، وأخذتها أخذًا وبيلاً".
"وما أنِ انقَطَع المدَد من دمياط عن العدوِّ حتى أذاقهم الله لباسَ الجوع والخوف".
"فضاقت بهم أنفسهم، وبلغت القلوب الحناجر".
"ثم خرَّبوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين".
"وأظلمت الدنيا في عينيه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت".
"طغى الحزن الجبَّار على تلك النفس القويَّة، فوهنت... وعلى ذلك الرأيِ الجميعُ، انتقض غزله من بعد قوَّة أنكاثًا".
"فالله يعلم حيث يجعل ولاية المسلمين".

ومن أجمل ما اقتبَسَه من القُرآن الكريم قوله: "والتجأ الملك الخاسر إلى تلِّ المنية - منية عبدالله - قال: سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الموت، قال المسلمون: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مَن رحم، وتَمَّ بينه وبينهم الأمان فكان من المعتقلين، وقيل: يا أرض القتال ابلعي أشلاءك، ويا سماء الموت أقلعي، وغِيضَ الدم، وقُضِي الأمر، واستوت سفينةُ الإسلام على جُودِيِّ النصر، وقيل: بعدًا للقوم الظالمين"[30].

وفيما يلي أذكُر بعضَ ما اقتبسه من الحديث الشريف[31]:
"لقد فرَّجت كربي، فرَّج الله كربك يوم القيامة".
"فرقد اثنان، الحب ثالثهما"، مقتبس من قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأبي بكرٍ الصدِّيق - رضِي الله عنه - يوم غار ثور: ((ما ظنُّك باثنين، الله ثالثهما؟)).
"ما رأيك في الأمير بيبرس؟ قال أقطاي: ما المسؤول عنه بأعلم من السائل".

وممَّا اقتبسه من الشعر العربي القديم[32]:
"ولكن الواشي درى بأمر الحبيبين فما قرَّت بلابله"، وقوله: "ولبث دهرًا يكتفي من حبيبته بالنظرة العجلى، وبالأسبوع تنقضي أوائله وأواخره لا يراها إلا مرَّة أو مرَّتين".
والفقرتان مأخوذتان ممَّا قاله جميل بن معمر الملقب بجميل بثينة:
وَإِنِّي لأَرْضَى مِنْ بُثَيْنَةَ بِالَّذِي
لَوَ ابْصَرَهُ الوَاشِي لَقَرَّتْ بَلاَبِلُهْ

بِلاَ وَبِأَلاَّ أَسْتَطِيعَ وَبِالْمُنَى
وَبِالْوَعْدِ حَتَّى يَسْأَمَ الوَعْدَ آمِلُهْ

وَبِالنَّظْرَةِ العَجْلَى وَبِالْحَوْلِ تَنْقَضِي
أَوَاخِرُهُ لاَ نَلتَقِي وَأَوَائِلُهْ

وهذه الاقتباسات الكثيرة - كثرةً لافتة للنظَر - وخاصَّة من القرآن الكريم لَتُعَدُّ دليلاً واضحًا على تأثُّر المؤلف العميق به، واستِقائه المستمر من هذا النبع الصافي، وأنَّه من الذين يَتْلُون كتابَ الله آناء الليل وأطرافَ النهار، كما نستشفُّ تأثُّره بأصول الدين الحنيف من تعليقاته المتناثرة في سُطور هذه الرواية العظيمة، ونراه يبثُّ الحِكَمَ والمواعظ والنصائح عبرَها.
وممَّا يَدُلُّ على تشرُّب باكثير من القُرآن الكريم ربطه بين قصَّة قطز وقصَّة يوسف - عليه السلام - ربطًا لطيفًا بديعًا، فكلاهما من أسرةٍ كريمة؛ الأوَّل ابن السلاطين والآخَر ابن الأنبياء، وكلاهما استُرِقَّ ظُلمًا وعُدوانًا، وبِيع عبدًا في مصر، وكلاهما دخَل القصر من أوسع أبوابه بما وهَبَه الله من ذَكاءٍ وفِطنة، وبما قدَّر له من الشأن العظيم، وكلاهما أعزَّه الله بعد ذل، والأهم من ذلك كله كلاهما بُشِّرَ برؤيا صالحة بمصيره الذي ينتظره.

مَآخِذ على الرواية:
الخطأ والنُّقصان من خَصائص البشر، وكلُّ ابن آدم خطَّاء، وإذا التمَسْنا إنسانًا لا يخطئ فلن نجد، فكلُّ الناس يُخطِئون عدا المعصومين من الأنبياء والرسل؛ لأنهم قدوةٌ وأسوةٌ حسنة للناس إلى أبد الآبِدين.
وبِناءً على ذلك وجدت بعض المثالب في هذه الرواية، وهذه المثالب لا تُقلِّل من شأنها، كما لا تنزلها من مَصافِّ روايات الأدب الإسلامي العالمي، ولا تحطُّ من شأن مُؤلِّفها، فهو رائد الرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة في الأدب العربي بلا مُنازِع، ومثل هذه المثالب والمآخذ لا تخلو منها رواية.
أولى هذه المآخذ أنَّ المؤلف جعل الرواية كلها تدورُ حول شخصيَّةٍ واحدةٍ، وقد كان ذلك في مجال الحديث عن تاريخ أمَّةٍ في أحلك ظروف مرَّت بها، وذلك إبَّان مواجهة أكبر خطرين هدَّدا الأمَّة الإسلاميَّة في فترةٍ زمنيَّة حَرِجَةٍ، ولا مانع من ذلك؛ فقد عرفنا دور بعض الشخصيَّات في تغيير دفَّة حياة جماعات ودول، وخاصَّة من الذين كانوا يملكون زمامَ السلطة ومقاليد الأمور وقيادة الشعوب، ولكنَّ الكاتب هنا غضَّ من شأن شخصيَّات أخرى من أجل رفْع شأن هذه الشخصيَّة، كما فعل مع الظاهر بيبرس؛ فقد اعترف المؤلف بدوره العظيم في دحر خطر النصارى في معركة فارسكور، وكذلك بدوره العظيم في القضاء على التتار، وبدوره العظيم في إدارة أمور دولة المماليك في مصر بعد الملك المظفر قطز، وبدوره الذي لا يجهله أحدٌ في المحافظة على مصر، والدِّفاع عنها في مواجهة الأخطار التي كانت تحدق بها طوال فترة حكمه المديدة، وبدوره في استتباب الأمور في مصر وتطوُّرها، وخاصَّة في الناحية العلميَّة.
وأيضًا نسي المؤلِّف وهو في غمرة الحديث عن بُطولات وانتِصارات البطل قطز على جميع المستويات دور الشعب المصري الذي استَطاع أنْ يُواجِه التتار بعد أنْ عجزت البلاد الإسلاميَّة الأخرى والجيوش الإسلاميَّة فيها عن مُواجَهتهم.
لا ننكر هنا دور القيادة، ولكنَّ دورَ الشعب هو الأساس، "وإذا كان الحسُّ التاريخي عند نجيب الكيلاني قد أكَّد على دور الكفاح الشعبي في الحركة الاجتماعيَّة المتدافعة في الداخل، وفي صدِّ الموجات الصليبيَّة القادمة من الخارج، فإنَّ علي أحمد باكثير قد انطلق من تصوُّر نظري يؤمن بدور الفرد في التاريخ، الإيمان بدور الفرد بوصفه المحرك الفعَّال في دفع الأحداث وترجيح كفة النصر"[33].

وربما لم يكن من المناسب أنْ يتحدث سلطان المسلمين جلال الدين مع صهره ممدود عن قضايا الأمَّة الكبرى، وعن الخطر المحدق بها، وعن الجهاد - وهو ذروة سنام الإسلام - وهما يلعبان الشطرنج، فمثل هذه الأمور لا تتناسب مع شخصيَّة مَن سيبدأ الجهاد من غده، شخصيَّة من يعيشُ في جوِّ المعارك، والمسؤول الأوَّل عن حياة فئةٍ كبيرة من المسلمين، وهذه المسؤوليَّة الكبيرة لا يتناسَب معها لعب الشطرنج، والبذخ والترف اللذان يظهران جليًّا حين يطوي ممدود الشطرنج، ويضعه في صندوقٍ ذهبي مرصع بالجواهر، ثم يضعه في صندوقٍ آخر من الأبنوس المطعَّم بالعاج، والحديث عن السُّلَّم المرمري الذي انحدَر منه السلطان جلال الدين!

وأهم نقدٍ يمكن أنْ يُوجَّه إلى الكاتب في هذه الرواية أنَّه مرَّ على موقفٍ كبير يمكن أنْ يُزَلزل النُّفوس، ويترُك آثارًا عميقة فيها دون أنْ يقف عنده بما يُناسِب عظمته، وهو موقفه من إغراق نسائه أحياء بعد هزيمته أمامَ التتار، حتى لا يتعرَّضن لما تعرَّضَتْ له نساء أبيه خوارزم شاه من ذلِّ الأسر، إنَّ موقفًا كهذا الموقف الجلل الذي تهتزُّ له الجبال كان يحتاجُ إلى وقفةٍ أطول، وتفصيل أكثر، وتبرير أقوى، وتأثُّر من جانب جلال الدين أعمق.
ومن المواقف التي لم يُوفَّق فيها الكاتب موقفُ جنود جلال الدين واستِسلامهم للأمواج عند انقِطاع صوت جلال الدين، وقد كانوا من قبلُ يغالبونها، فهذا الموقف لا يتناسب مع الطبيعة البشريَّة وواقعها، فحبُّ البقاء والحياة كامنٌ في نفس كلِّ إنسان، فلا يعقل أنْ يستسلم الجنود للأمواج العاتية تسلب منهم أعزَّ ما يملكون وهو حياتهم لعِلمهم بموت قائدهم جلال الدين، مهما بلغ من حُبِّهم وإخلاصهم له.
لا شكَّ أنَّ رواية "واإسلاماه" من الروايات التاريخيَّة الإسلاميَّة العظيمة، فهي مَلحَمة إسلاميَّة بحقٍّ، سجَّلت وقائع تاريخيَّة حدثت بأسلوبٍ قصصي محبَّب إلى النُّفوس، وكاتبها الأستاذ علي أحمد باكثير بحقٍّ من كُتَّاب الأدب الإسلامي المتلزِم، ورائد الرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة.
ولا أدلَّ على إسلاميَّة هذه الرواية والاتِّجاه الإسلامي لكاتبها أنَّه اختار "واإسلاماه" اسمًا لها، وكانت "واإسلاماه" صرخةً أطلقَتْها البطلة في المرحلة الحاسمة من الرواية، ثم أسلمَتْ روحها إلى بارئها شهيدةً في سبيل الله والإسلام.

[1] "اتجاهات الرواية التاريخية العربية في مصر، منذ الحرب العالمية الثانية إلى سنة 1967م، دراسة نقدية"؛ د. شفيع السيد، دار الفكر، ط2، 1993م، القاهرة، ص27.
[2] "هل انتهت مرحلة الرواية التاريخية العربية" كتاب أصوات بلا صدى - د. محمد أبو بكر حميد، الدار السعودية للنشر، جدة 1998م، ص98.
[3] "اتجاهات الرواية التاريخية العربية في مصر"؛ د. شفيع السيد، ص27.
[4] "على هامش الحوار حول الأدب الإسلامي"؛ محمد حسن بريغش، مقال منشور ضمن كتاب "نحو أدب إسلامي معاصر"؛ للأستاذ أسامة يوسف شهاب، دار البشير، ط1، 1985م، عمَّان، ص30.
[5] "The Historical Novel by George Lukacs (Translated from German by Hannah and Stanly Mitchell), Fredic Jameson Books, 1962, pp340
[6] "اتجاهات الرواية التاريخية العربية في مصر"؛ د. شفيع السيد، ص22.
[7] "بانوراما الرواية العربية الحديثة"؛ د. سيد حامد النساج، دار المعارف، ط1، 1980م، ص45.
8] "نظرية الأدب في ضوء الإسلام" القسم الأول، د. عبدالحميد بوزوينة، ط1، 1990م، عمَّان، ص119.
[9] "من ملامح الرواية التاريخية عند باكثير الثائر الأحمر... وفشل المشروع القرمطي"؛ د. حلمي القاعود، مقال منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد 7، ربيع الآخر 1413هـ/أكتوبر 1992م، ص336، وص337.
[10] "اتجاهات الرواية التاريخية العربية في مصر"؛ د. شفيع السيد، ص28-29.
[11] المرجع السابق، ص29-30.
[12] "علي أحمد باكثير، النشأة الأدبية في حضرموت"؛ د. محمد أبو بكر حميد، مقال منشور في مجلة الأدب الإسلامي، العدد 29، المجلد الثامن، 1422هـ الموافق 2001م، ص14.
[13] "علي أحمد باكثير... الأديب المسلم"؛ الأستاذة سهاد، مقال منشور على الشبكة الدولية.
[14] "علي أحمد باكثير: شهيد الفكر الإسلامي... ورائد المسرح الإسلامي"؛ المستشار عبدالله العقيل، مقال منشور في مجلة المجتمع، العدد 1732، الصادر بتاريخ 23/12/2006م.
[15] "الإسلامية والمذاهب الأدبية"؛ د. نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة، ط4، 1985م، بيروت، ص106.
[16] "رواية واإسلاماه للكاتب الكبير علي أحمد باكثير، دراسة نقدية"؛ مقال لكاتب هذا البحث نشر في مجلة الدراسات الإسلامية، العدد الأول، المجلد 34، سنة 1999م، ص134.
[17] "مدخل إلى الأدب الإسلامي"؛ د. نجيب الكيلاني، ص55.
[18] "أشهر المذاهب المسرحية، ونماذج من أشهر المسرحيات"؛ الأستاذ دريني خشبة، مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز مصر، ص137.
[19] "مقدمة في دراسة الأدب الإسلامي"؛ د. مصطفى عليان، دار المنار، ط1، 1985م، جدة، ص18.
[20] قال المنجم للسلطان جلال الدين: "إنَّك يا مولاي ستهزم التتار ويهزمونك، وسيولد في أهل بيتك غلامٌ يكون ملكًا عظيمًا، ويهزم التتار هزيمة ساحقة"، رواية "واإسلاماه"؛ للأستاذ علي أحمد باكثير، دار مصر للطباعة، القاهرة، ص10.
[21] "الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث"؛ د. قاسم عبده قاسم ود. أحمد إبراهيم الهواري، دار المعارف، 1979م، القاهرة، ص92.
[22] المرجع السابق، ص92.
[23] رواية "واإسلاماه"؛ علي أحمد باكثير، ص3.
[24] "الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث"؛ د. قاسم عبده قاسم ود. أحمد إبراهيم الهواري، ص100.
[25] وقد ترجمت هذه الرواية إلى الإنجليزية عام 2006م، ترجمتها ديانا بيومي، وقد صدرت عن دار اللولو في الولايات المتحدة، وتحوَّلت إلى فيلم سينمائي باللغتين العربية والإنجليزية، انظر: "علي أحمد باكثير... الأديب المسلم"؛ الأستاذة سهاد، مقال منشور على الشبكة الدولية.
[26] "مدخل إلى الأدب الإسلامي"؛ د. نجيب الكيلاني، ص100.
[27] "مقدمة في دراسة الأدب الإسلامي"؛ د. مصطفى عليان، ص12.
[28] "صورة المرأة في القصة الإسلامية"؛ د. زينت محمد صبري، مقال ضمن كتاب "أدب المرأة، دراسة نقدية" من بحوث الملتقى الدولي الأول للأدبيات الإسلاميات، المنعقد في القاهرة عام 1999م، مكتبة العبيكان، ط1، 2007م، الرياض، ص119.
[29] رواية "واإسلاماه للكاتب الكبير علي أحمد باكثير، دراسة نقدية"، مقال لكاتب هذا البحث منشور في مجلة الدراسات الإسلامية، ص136، 137.
[30] رواية "واإسلاماه"؛ الأستاذ علي أحمد باكثير، ص135.
[31] المرجع السابق، ص137، 138.
[32] المرجع السابق، ص138.
[33] "الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث"؛ د. قاسم عبده قاسم ود. أحمد إبراهيم الهواري، ص92


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩۩ ۩ ۩ ۩ ۩



الظواهر العروضية في شعر باكثير


تميَّز علي أحمد باكثير - بشكل خاصٍّ - في المسرح والرواية، وكانت له فيهما ريادةٌ لا تخفى على أحدٍ، ويشهد على ذلك هذا الكمُّ الهائل من المسرحيَّات والروايات والقصص التي خلَّفَها باكثير - رحمه الله - فقد ترك قرابة سبعين مسرحيَّة، وست روايات، وعشرات التمثيليَّات والقصص، حسبما ذكَر د. محمد أبو بكر حميد الذي اهتمَّ بجمع تراثه[1].
كان باكثير شاعرًا مُكثِرًا، إلا أنَّه لم يُجمَع شعرُه في ديوان وهو حيٌّ، بل إنَّ كثيرًا ممَّا كتَبَه لم يُنشَر وبقي حبيسَ أوراقِه وأدراجه، حتى تهيَّأ له بعد موته مَن يخرجه إلى النور، وهو شاعرٌ غنائيٌّ بامتياز، حتى إنَّ القصيدة الغنائيَّة - كما يقول الدكتور عبده بدوي، رحمه الله - "قد تحكَّمت في أعماله المسرحيَّة والغنائيَّة، بل يمكن القول: إنها تحكَّمت في حياته، وأدخلتها في أكثر من منعطف[2].
ويتَّسم شعرُ باكثير - بشكلٍ عام - بالسلاسة والتدفُّق، وبالوضوح وقُرب المأتى، وقد تنقُصه أحيانًا الفنيَّة العالية، ويبدو بعضه أقرب إلى النظم منه إلى الشعر، ولكنَّنا لن ننسى أنَّ كثيرًا ممَّا بين أيدينا من شعر باكثير هو - كما ذكرنا - ممَّا جُمِعَ من مُسوَّداته وأوراقه التي حملت مشروعات لقصائد لم يتحْ للشاعر أنْ يُنضجها أو يُنقِّحها، فكثُر فيها التصحيف والتحريف والكسور، كما أنَّ (باكثير) شُغِلَ - على ما يبدو، ومنذ مطلع تجربته الشعريَّة - بالتجديد، ولا سيَّما التجديد العروضي الموسيقي، ولعلَّ هذا الاشتغالَ الواضح على التجديد والتجريب شغَلَه في بعض المواطن عن التحليق والإبهار.

دوافع التجديد عند باكثير:
تهيَّأت لباكثير مجموعةٌ من العَوامِل الذاتيَّة والخارجيَّة التي دفعَتْه في طريق التجديد العروضي، وأعانَتْه عليه، ومن ذلك:
1- تمكُّن الشاعر من أدواته العروضية تمكُّنًا قويًّا منذ بدايات حياته الشعرية كما سنرى بعد قليل عندما نعرض لتجربته الشعريَّة في دواوينه المطبوعة والمخطوطة؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الشاعر لم يلجْ عالم الشعر إلا بعد أنْ أتقن أدواته إتقانًا تامًّا، ومنها الوزن والقافية - بأشكالها المختلفة - وهما أساس الشعر.
يقول ابن رشيق -: "الوزن أكبر حد الشعر، وأولاها به خصوصيَّة، وهو مشتملٌ على القافية، وجالبٌ لها بالضرورة"[3].
2- اطِّلاع باكثير على الأدب الإنجليزي؛ فقد درسه وتخصَّص فيه، ممَّا أتاح له قراءة إنتاج شعرائه، وتعرَّف على تجاربهم، وما يتمتَّع به هذا الشعر من حريَّة في استعمال الوزن والقافيَّة، أو طرحهما والتخفُّف منهما، على نحوٍ لم تكن تعرفه القصيدة العربيَّة إلا نادرًا؛ إذ على الرغم من معرفة الشعر العربي - عبر رحلته الطويلة - ضُروبًا غير قليلة من التجديد الموسيقي، ظلَّت القصيدة التراثيَّة الموزونة المقفَّاة على قافية واحدة هي النموذج المهيمِن.
3- وفي أثناء دِراسة باكثير لهذا الأدب الإنجليزي الذي فتَح أمامَه آفاقًا جديدة، تعرَّض لتجربةٍ شخصيَّة شحذت عنده روح التحدِّي، وقوَّت عزيمته على التجديد والخروج على النمطيِّ السائد، تلك التجربة هي اصطِدامُه مع أستاذه الإنجليزي، الذي كان يُسفِّه تجربةَ الشعر العربيِّ، ويَزعُم أنَّ اللغة العربيَّة لا يمكن أنْ تتَّسع للشعر المرسل الذي يكتُبُه الشعراء الإنجليز، فأجابَه الطالب باكثير بأنَّه لا يوجد ما يَحُول دون إيجاد هذا الضرب من الشعر في اللغة العربية[4]، وعندما نهرَه الأستاذ الإنجليزي وسفَّه رأيَه، تيقَّظتْ في الطالب روح التحدِّي، وعكس ذلك في تطبيقٍ عمليٍّ؛ فراحَ يمارس ذلك بالترجمة أولاً، فترجم "روميو وجوليت"؛ لشكسبير عام (1936م) بالشعر المرسل أي: المتحرر من القافية ولكنه موزون، ومن نموذج ما جاء في هذه المسرحية:
روميو: قَسَمًا بغُرَّة ذلِك الوَجْهِ المُبارَكِ
إذْ يُتَوِّجُ بالسَّنا الفِضيِّ هامَاتِ الشَّجَرْ
جوليت: أَقسِمْ بِغَيْرِ البَدْرِ هذا الكائِنِ الجَمِّ التقلُّبْ
إني لأَخْشَى أنْ يَكُونَ هَواك مثلَهْ
مُتغيِّرًا في كلِّ شهرٍ ما لَهُ أبدًا على حالٍ ثَبات[5]

فمن الواضح أنَّ هذا المقطع قد بُنِي على تفعيلة الكامل "متفاعلن" ولم تتساوَ التفعيلات في جميع الأسطر، وتحرَّرت الأسطر الخمسة من القافية الموحدة، وهو نموذج أقرب إلى ما اصطُلِح على تسميته فيما بعدُ بالشعر الحر، وكان باكثير يُسمِّيه الشعر المرسل، وقد استخدم باكثير في ترجمة هذه المسرحيَّة تفعيلة المتدارك كذلك، ثم كتب في عام (1938م) مسرحيَّة "أخناتون ونفرتيتي"، واعتمد في كتابتها على تفعيلة بحر واحد هو المتدارك.

وهكذا بدَا باكثير مُتحدِّيًا، غيورًا على اللغة العربيَّة والشعر العربيِّ، مُعتزًّا بهما، مُوقنًا من قُدرتهما على مجاراة أيِّ جديد، والاستجابة لأيِّ مطلب من مطالب الفن، وقد مضى يثبت ذلك عمليًّا، وبإبداعه الخاص، فاندفع في تجاربه التجديدية ليبرهن على ذلك.
زِدْ على ذلك أنَّ الدعوات إلى التجديد - لأسبابٍ مختلفة ليس ها هنا مجال البحث فيها - قد بدَأتْ منذ مَطلَع القرن العشرين، وهي دعوات تقودُها طَوائفُ مُتخلِّفة، أفرادًا وجماعات؛ مدرسة المهجر، ومدرسة أبولو، ومدرسة الديوان، وطوائف أخرى.
وقد بدأت تظهَرُ محاولاتٌ في الشعر المرسل قام بها رزق الله حسون في سوريا، والزهاوي في العراق، وعبدالرحمن شكري وأحمد زكي أبو شادي في مصر، كما كانت هنالك محاولات في كتابة الشعر نثرًا، وهو ما أُطلِق عليه فيما بعد "الشعر المنثور"، ثم بدأت منذ العقد الثالث من القرن العشرين تجارب ما عُرف بعدَ ذلك بالشعر الحر، كالذي نشره أنور شاؤول عام (1929م)، وغير ذلك من محاولاتٍ سبقت في الكتابة على البحور القصيرة، والمزدوجة، والرباعية وغيرها[6].
4- وإلى جانب هذه التجارب التجديديَّة الكثيرة في عَروض الشعر ومُوسيقاه كانت تجربة الشاعر "محمد علي لقمان" صديق باكثير الحميم، وكان يعدُّه في مقام أستاذه، ولا يُستبعد تأثُّره به، وهو يُشِير في أبياتٍ كتبها على ما يبدو ردًّا على رسالةٍ وصلَتْه من صديقه إلى تجديده العروضي قائلاً:
رَأَيْتُ رَسَائِلَكَ الوَافِيَهْ
عُقُودًا مِنَ الدُّرَرِ الْغَالِيَهْ

فَشِعْرٌ رَقِيقٌ أَسِيرُ القَوَافِي
وَشِعْرٌ طَلِيقٌ بِلاَ قَافِيَهْ

أَفَادَتْ أَخَاكُمْ عُلُومَ الْحَيَاةِ
لَوَ انَّ لَهُ أُذُنًا وَاعِيَهْ[7]

وواضحٌ أنَّ (باكثير) يشير في هذه الأبيات إلى أنَّ لقمان يُجدِّد في العروض، وهو يكتب شعرًا "أسير القوافي" و"شعرًا طليقًا" متحررًا من القافية.

والخلاصة: أنَّ هذه المؤثِّرات الخارجيَّة الحافزة زيادةً على نبوغ باكثير، وموهبته الفذَّة، وتمكُّنه من العروض الخليلي، والإمكانات الهائلة الكامنة فيه، ونزوعه الذاتي إلى التجديد والابتكار - تَفاعَلتْ جميعُها لنجد باكثير ينزع إلى التجديد العَروضي، ويحمل لواءَه، ويكون واحدًا من أبرز رُوَّاده.

التجربة العروضيَّة في أزهار الربا:
علي أحمد باكثير شاعرٌ مُتمكِّن من عُلوم العربيَّة تمكُّنًا راسخًا؛ فقد تلقَّى تعليمَه في مدينة "سورابايا" في إندونيسيا؛ حيث وُلِدَ بعيدًا عن وطَنِه الأصلي حضرموت، ودرَس في إحدى المدارس العربيَّة الإسلاميَّة هناك، ثم أرسَلَه والده وهو في سنِّ العاشرة إلى مدينة "سيئون" بحضرموت وطنه، فأكمل هنالك تعليمَه حيث تعهَّده بالرعاية عمُّه العلامة الشيخ "محمد بن محمد باكثير"، ثم استكمَلَ دراستَه في مدرسة النهضة العلميَّة بـ"سيئون" وتخرَّج فيها بتفوُّقٍ جعَلَه أهلاً لأنْ يُعيَّن مديرًا لها عام (1345هـ/1926م)؛ أي: وهو ما يزال ابن ستة عشر ربيعًا، إذا صحَّ ما ذُكِرَ من أنَّ سنة ولادته كانت سنة (1910م).

وقد تألَّق الفتى "باكثير" في عُلوم العربيَّة؛ من نحو وصرف وعروض وأدب وبلاغة وغير ذلك، وبدَأ ينظم الشعر وهو ما يَزال فتًى في الثالثة عشرة من عمره[8]، وله قصيدةٌ في رثاء زوجة أبيه كتَبَها في هذه السن[9].
لقد قرأت ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" وهو يُمثِّل ما كتَبَه باكثير في حضرموت عندما عاد إليها من إندونيسيا، يُمثِّل الشعر الذي كتَبَه ما بين (1921م - 1932م)؛ أي: وهو صبيٌّ ما بين الحادية عشرة أو الثانية عشرة إلى العشرين أو الثانية والعشرين، وإنَّ الباحث لَيَأخُذه العجب، ويكنُّ تقديرًا عظيمًا لهذا الفتى الذي يشفُّ شعره - منذ هذه الفترة المبكِّرة جدًّا - عن نُبوغٍ واضح، وعن شاعريَّة فذَّة، وعن طبع مُتدفِّق سيَّال يقذف الشعرَ كما ينقذف الماء من قمَّة جبل عالٍ.
ولأنَّ هذا البحث مَعنِيٌّ بالوُقوف على الجانب العروضي الموسيقي في شِعر باكثير، فإنَّ ممَّا رصَدَه الباحث من ظواهرَ تتعلَّق بهذا الجانب يمكن تلخيصُها في النقاط التالية:
1- لا نكاد نجدُ في شعر هذه المرحلة ظواهرَ عروضيَّة خارجة على المألوف كما سيكونُ عليه الحال في المراحل القادمة من تجربة باكثير الشعريَّة؛ فهو يمشي على سنن العَروض الخليلي المُتوارَث، ويستخدم ما يجيزُه هذا العَروض من الزِّحَافَات والعلل، ومن البحر التام والمجزوء والمشطور، وما شاكَل، وهو يستخدم في جميع قصائد هذا الديوان ومُقطَّعاته القافية الموحَّدة، باستثناء قصيدة واحدة من الرَّجَز وردت بعنوان "الحكماء والسعادة"، وهي من مشطور الرَّجَز، وجاء كلُّ بيتين فيها على رَوِيٍّ واحد[10].
2- يُلاحَظ على قصائد هذه المرحلة غلَبَةُ استعمال البحور التامَّة، وقلَّة اللجوء إلى استِعمال المجزوء أو المنهوك أو المشطور منها، كما ستُبيِّن ذلك الإحصائية التي سنُورِدها بعد قليل.
3- يُلاحَظ غنى المادة العروضيَّة التي قام عليها شعرُ هذه المرحلة المبكِّرة من حياة الشاعر؛ فقد استخدم باكثير - كما ستُبيِّن الإحصائية - تسعة عشر شكلاً للبحور الشعريَّة، ما بين تام ومجزوء ومشطور، واحتلَّ بحر الكامل منها المرتبة الأولى في الاستعمال، تلاه الخفيف، فالطويل، فالوافر، فالبسيط، فالمتقارب، فالسريع، فالرمل، ثم المجتث والرَّجَز، فهذه عشرة بحورٍ استُعمِلت في شكلها التام، وأمَّا المجزوء منها فكان ترتيبها - من حيث الكثرة - على النحو التالي: مجزوء الكامل، فمجزوء الخفيف، فمجزوء الرمل، ثم كلٌّ من مجزوء الوافر والمتقارب والرَّجَز بنسبةٍ واحدة، ثم مشطور الرَّجَز، ومخلع البسيط، ومنهوك المتدارك.

وهذه إحصائيَّة بالمادة العروضيَّة المستعمَلة في ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا":

الكامل:24 مرة



الخفيف:23 مرة



الطويل:22 مرة


الوافر:17 مرة

مجزوء الكامل:15 مرة
مجزوء الخفيف:12 مرة
البسيط:11 مرة
المتقارب: 10 مرات
السريع: 8 مرات
الرمل: 5مرات
مجزوء الرمل:مرتان
المجتث:مرتان
الرَّجَز:مرة
مجزوء الوافر:مرة
مجزوء المتقارب:مرة
مجزوء الرَّجَز:مرة
مشطور الرَّجَز:مرة
مخلع البسيط:مرة
منهوك المتدارك:مرة









ويُلاحَظ أنَّ (باكثير) قد استَخدَم - وهو في هذه المرحلة المتقدِّمة جدًّا من تجربته الشعريَّة - أغلبَ بحور الشعر العربي، ما كان منها متداولاً وما كان منها قليل التداول، ولم تَغِبْ عن شِعره هذه المرحلة إلا بحور: المنسرح، والمقتضب، والمضارع، والهزج.

4- يُلاحَظ وجودُ كسورٍ غير قليلة في قَصائد هذه المرحلة، وقد يكون ذلك عائدًا إلى أكثر من سبب؛ منها: أنَّ (باكثير) - رحمه الله - لم يُصدِر ديوانًا شعريًّا في حياته؛ ممَّا يعني أنَّه لم يُتَحْ له مراجعة ما طبع أو تنقيحه، ومنها أنَّ كثيرًا من شعره لم يُنشر في حياته في صحف أو مجلات، بل جُمِعَ من مُسوَّدات الشاعر وأوراقه الكثيرة التي تركها؛ ممَّا يعني كذلك أنَّ هذه القصائد لَمَّا تكتمل بعد، وتأخُذ شكلها النهائي، ولم ينظُر الشاعر فيها أو ينقحها[11].
التجربة العروضيَّة في "سحر عدن":
يُمثِّل شعر هذا الديوان المرحلة الثانية من حياة باكثير، وهو شعرُه في عدن التي قدم إليها من حضرموت عام (1932م)، وأقام فيها حوالي عشرة أشهر، وقد أنتجَتْ هذه الفترة قصائد هذا الديوان "سحر عدن وفخر اليمن".
وباكثير ها هنا قد أصبح في الثانية والعشرين من عمره، إذا أخذنا برواية أنَّه ولد سنة (1910م)، وإنْ كان تاريخ الولادة هذا غير دقيق على ما يبدو؛ لأنَّ الشاعر نفسَه يشير في قصيدةٍ له كتبها في سنة (1926م) إلى أنَّه بلغ العشرين، والقصيدة عنوانها (أنا في سن العشرين) وفيها يقول:
انْظُرُونِي فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِي
إِذْ "عَلِيٌّ" فِي سِنِّهِ العِشْرِينَا[12]

ممَّا يعني أنَّه ولد في عام (1906م)[13].
وتبدو قصائدُ هذه المرحلة أكثر نُضجًا وفنيَّة من قصائد المرحلة السابقة، على الرغم من عدم افتقاد قصائد مرحلة حضرموت "أزهار الربا" إلى النُّضج كذلك، ولا سيَّما أنَّ الشاعر كان في تلك المرحلة فتى لَمَّا يبلغ العشرين بعدُ.
ولكن نبوغ باكثير بدَأ يتوهَّج، وراحَتْ شاعريَّته تتفتَّح يومًا بعد يوم؛ إذ إنَّ هذه الشاعريَّة قد قامت في الأصل على أسس راسخة مكينة، قوامها: موهبة عارمة، وثقافة عربيَّة أصيلة، واطِّلاع عميق على التراث، وخِبرة حياتية اكتسَبَها من سفره وترحُّله عبر البلدان، وما عانى من مُكابَدات وأشواق جعلت شعره مُتوقِّدًا بالعاطفة والمشاعر الجيَّاشة.
والتجربة الشعرية في "سحر عدن" بدَتْ لي - كما قلت - أعمق وأنضج وأكثر غنى بالتجارب والأفكار، وبدأت تتَّضِح فيها ملامحُ يسيرة للتجديد الموسيقي، والخروج قليلاً على العروض المألوف، وبدأ باكثير يتفنَّن أكثر من المرحلة السابقة في استثمار طاقات العَروض الخليلي، وتفتيق جوانب إيقاعيَّة فيه.
ففي قصيدةٍ نظَمَها في رسم صَدِيقه الحميم محمد علي لقمان[14] نجدُ تشكيلاً عَروضيًّا جديدًا، فهو يُنوِّع فيها في القوافي، ولا يلتزم فيها عددًا واحدًا من التفعيلات، ولا وزنًا واحدًا، وقد تبدو - لِمَن اعتادت أذنه الإيقاع العروضي المألوف - مضطربةَ الوزن، غير منسجمةِ التفعيلات، ولكنَّها - فيما يبدو - محاولةٌ للخروج على الأوزان المألوفة، تبدأ القصيدة بهذين البيتين:
أَيُّهَا الرَّسْمُ تَكَلَّمْ
مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ التَّكَلُّمَا

وَلِمَاذَا تَتَبَسَّمْ
وَيْكَ مَنْ عَلَّمَكَ التَّبَسُّمَا

ومن الواضح أنَّ الشطر الثاني في كلٍّ منهما أطول من الأول؛ فالشطر الأول مكوَّن من "فاعلاتن + فاعلاتن" ولكن الشطر الثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات هي "فاعلاتن + فاعلات + فاعلن"، وكذا البيت الثاني؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى القصيدة التفعيليَّة، والأدق - عندئذٍ - كتابتها على شكل سطور متتالية:
أيها الرسمُ تكلِّمْ
ما الذي يمنعُك التكلُّما
ولماذا تتبسَّمْ
وَيْكَ منْ علَّمك التبسُّما؟

وإذا كان باكثير قد بدأ قصيدته بتفعيلة الرمل (فاعلاتن) فإنه لا يلتزمها في جميع القصيدة، بل ينتقل إلى تفعيلاتٍ أخرى، فيقول باكثير:
قُلْ لِي أمَا تَتْعبُ؟
مِن أُلُوفِ البَسَمَاتِ
تجدُّ أمْ تَلعَبُ
إذْ تجيلُ النَّظَرَاتِ؟

أربعة أسطر، وقد نوَّع باكثير الوزنَ فيها؛ فالسطر الأوَّل قام على تفعيلتي: "مستفعلن + فاعلن"، ولكنَّه انتقل في الثاني إلى "فاعلاتن + فاعلاتن"، وجاء السطر الثالث كالأول، والرابع كالثاني، ولذلك فإنَّ من الخطأ كتابة هذا المقطع على شكل الشطرين؛ لأنَّ من غير المعقول أنْ يكتب الشاعر بيتًا شطره الأول من بحرٍ وشطره الثاني من بحرٍ آخَر، وتمضي القصيدة على هذه الشاكلة:
أَشرَقَ النَّادِي بِنُورِكْ فاعلاتن - فاعلاتن
فغَدَوْت البَدْرَ وَهْوَ الفلَكُ فعلاتن - فاعلاتن - فعلن
قُل لنا بُورِكت يا رَسْم وبُورِكْ فاعلاتن - فاعلاتن - فعلاتن
بَشَرٌ لاحَ لنا أَمْ مَلَكُ؟ فعلاتن - فعلاتن - فعلن
أَرَدتَ[15] أَنْ تَحكِي متفْعلن + فعْلن
فَخْرُنا لُقْمانُ مَنْ حازَ البَيانا فاعلاتن+فاعلاتن + فاعلاتن
فارْجِعْ إلى مَكِّي مستفعلن + فعلن
قلْ له هَبْ لِي شُعُورًا وَلِسَانا فاعلاتن + فاعلاتن + فعلاتن
أنت لا تَقدِرُ أنْ تخطُبْ فاعلاتن+ [فعلاتن+تن = (فعلاتان)]
فانزِلْ مِنَ المِنبَر مستفعلن + فعلن
أنتَ لا تُملِي ولا تَكتُبْ فاعلاتن+[فاعلاتن+تن= (فاعلاتان)]
ما المَنظَرُ المخْبِرْ[16] مستفعلن + فعلن

وهكذا تمضي هذه القصيدة على الطريقة التفعيليَّة، وقد مزَج فيها باكثير بين بحرين هما: الرمل والرَّجَز، ونوَّع فيها في القافية، وعلى الرغم من أنَّ هذا الانتقال من بحرٍ إلى بحر لم يبدُ في القصيدة مسوغًا، لا فنيًّا ولا موضوعيًّا، فإنَّه يُعدُّ محاولة مبكِّرة جدًّا للخروج على العروض الخليلي وكتابة قصيدة ممَّا أصبح يُعرَف فيما بعدُ بـ"الشعر الحر" أو "شعر التفعيلة".
وإذا عرفنا أنَّ هذه القصيدة قد كُتِبتْ سنة (1932م)؛ أي: قبل ما يُسجل لبدر شاكر السيَّاب ونازك الملائكة بخمسة عشر عامًا تقريبًا، فإنَّنا نستطيع أنْ نُسجِّل ريادةً واضحة لعلي أحمد باكثير في كتابة شعر التفعيلة.
والواقع أنَّ في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" هذا الذي كُتِب - كما عرفت - في مرحلةٍ مُبكِّرة جدًّا من حياة باكثير تعودُ إلى عام (1932م)، أكثر من قصيدة يبدو فيها التلاعُب العروضي ومحاولة النظم على ضرب من التشكيل العروضي الجديد؛ فقصيدة (الحب والموت)[17] بُنِيتْ على "فاعلن - فاعلاتن":
نَسَفَ اليَأْسُ نَفْسِي
بَعْدَ مَوْتِ حَبِيبِي

كُلَّ حِينٍ لِذِكْرَا
هُ لَظًى فِي جُنُوبِي

نَارُهَا فِي فُؤَادِي
دَائِمًا فِي شُبُوبِ

آهِ أَوَّاهُ يَا رَبْ
بَاهُ بَرِّدْ لَهِيبِي

رَبِّ فَرِّجْ هُمُومِي
رَبِّ وَاكْشِفْ كُرُوبِي

وهو - على ما يبدو - معكوس بحر المديد، وهو بحرٌ مُهمَل، وقد سمَّاه بعض العروضيين "الممتد" أو "الوسيم"[18]، وقد أتى به في هذه القصيدة منهوكًا.
وقد يستثمر تقانة التوشيح، كما في "نشيد يوم العقبة" حيث يبنيه على "مجزوء الرَّجَز" أو على مجزوء المشطور "مستفعلن"، فيقول في عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود:
أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ

هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ
صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ

مَاذَا تُجِنُّ السُّحُبُ
مَاذَا تُكِنُّ الْحُجُبُ

نَارُ وَغًى تَلْتَهِبُ
وَأُسْدُ حَرْبٍ تَثِبُ
لَهَا زَئِيرٌ وَأَزِيزْ

أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ

هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ
صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ

يَا بَارِقًا ذَا لَمَعَانْ
يَلْمَعُ فِي أُفْقِ (مَعَانْ)

كَمْ فِي سَنَاكَ مِنْ مَعَانْ
مُنْذِرُنَا بِمَعْمَعَانْ

هل ثَمَّ لِلْبَغْيِ مُجِيزْ؟

أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ

هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ

صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ[19]

وعلى الرغم من أنَّ شعر باكثير مغموسٌ بالروح الغنائيَّة، إلا أنَّه كثيرًا ما يمزجه بالنَّزعة الدراميَّة القصصيَّة، كما في قصيدة "مأساة يهوديَّة أسلمت في عدن" التي تحكي قصَّة جميلة عن يهوديَّة تركت دِينها، ودخلت في دين محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم ما تعرَّضت له من الغَدر والخذلان على يديْ مَن التَجأتْ إليه فِرارًا بدينها، ممَّا جعل اليهود يمسكون بها ثانية[20].

إحصائية بالمادة العروضية في ديوان سحر عدن:


م






الطويل: 9 مرات
مجزوء الكامل:7
الكامل التام:6
مجزوء الرَّجَز:4
مجزوء الرمل:3
الخفيف:3
المتقارب:3
السريع : 3
الوافر:2
الرمل التام:2
البسيط :2
مجزوء الخفيف :1
مجزوء الهزج:1
المنسرح:1
مشطور الرَّجَز: 1
الممتد "بحر مهمل":1


ومن الواضح من هذه الإحصائيَّة حول المادة العروضيَّة في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" غِنَى هذه المادَّة، واستيفاؤها مُعظَم بحور الشعر العربي، كما يُلاحَظ كثرة البحور المجزوءة، واستخدام بعض بحور العروض المهمَلة كما رأينا في استخدام "الممتد" وهو معكوس "المديد"، وفي ذلك كله مؤشرات على اشتداد نزعة التلاعُب العَروضي.

كما حضرت في هذا الديوان قصيدة (رسم محمد علي لقمان) التي يمكن عدها نموذجًا من الشعر الحر، أو شعر التفعيلة على نحو ما بينَّا قبل قليل.

التجربة العروضيَّة في "من وحي ضفاف النيل":
يُمثِّل ديوان "من وحي ضفاف النيل" ما كتَبَه باكثير من الشعر في مصر، حيث ذهَب إليها في رحلته الأخيرة عام (1934م)، وأقام فيها إقامته الدائمة إلى أنْ وافاه الأجل عام (1969م).
أقام باكثير في مصر واتَّخذها وطنًا ثانيًا له؛ فدرس في جامعة القاهرة، وتخرَّج في كلية الآداب - قسم اللغة الإنجليزيَّة، وقد اختار تخصُّص الأدب الإنجليزي عن وعيٍ وإدراك؛ حتى يُطعِّم ثقافته العربية بثقافة أجنبية، وحتى يُعمِّق تجربته الشعرية، وتتفتَّق له فيها آفاق جديدة من خلال اطِّلاعه على تجارب الشعراء الإنجليز.
نضجت تجربة باكثير في مصر نضجًا واضحًا، واتَّسعت أغراضها وطرائقها؛ فقد وجد الرجل في مصر الأمان والاستقرار، ووجد البيئة الثقافيَّة الغنيَّة، فاحتكَّ بكبار أدباء العربية يومذاك، واطَّلع على تجارب المدارس الأدبيَّة المختلفة، وعلى إبداع دُعاة التجديد الحاملين لواءَه من المتأثِّرين بالثقافات الأجنبيَّة، ولا سيَّما المدرسة الرومانسيَّة الثوريَّة التي تجلَّت تأثيراتها العميقة في أدباء المهجر، وفي مدرسة أبولو، ومدرسة الديوان، وغير هؤلاء وهؤلاء.
ونجدُ في ديوان "من وحي ضفاف النيل" - وهو شعر المرحلة المصريَّة - مادَّة عروضيَّة غنيَّة مُتنوِّعة كما في الإحصائية المرافقة.
إحصائية بالمادة العروضية في شعر باكثير المصري "من وحي ضفاف النيل"[21]:



الكامل:12 مرة
الخفيف:11
الطويل : 9
البسيط:6
الرمل:6
مجزوء الكامل :6
السريع:6
الرجز:4
الهزج:4
مجزوء الرجز:3
المنسرح:2
الوافر:مرة واحدة
مجزوء الوافر:مرة واحدة
المتقارب:مرة واحدة
المجتث:مرة واحدة

مجزوء المديد :مرة واحدة

مجزوء المتدارك: مرة واحدة

مخلع البسيط :مرة واحدة



شعر التفعيلة: مرة واحدة



ويبدو من الإحصائيَّة ما سبق أنْ عرَفناه من تمكُّن باكثير من عروض الشِّعر العربي، ووفرة المادة الموسيقيَّة التي يُجِيدها، كما يبدو واضحًا حِرصُ باكثير على التنويع الموسيقي، وعلى الابتِداع والتجديد، والتصرُّف في الإيقاع، والخروج على المألوف.

والجزء الثاني من هذا الديوان المجموع كله قصائد تتَّجِه إلى التحرُّر من ضغط القافية الموحَّدة؛ فنجد ظاهرة التنويع في هذه القافية، حيث تتحوَّل القصيدة أحيانًا إلى مقاطع ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية... من ذلك مثلاً قصيدة (أغنية النيل)[22] وهي من شعر المرحلة المبكرة (1934م) وقد بنيت على مجزوء الرَّجَز أو منهوكه، وهي ثنائية المقاطع:
يَا جِسْرَ إِسْمَاعِيلْ
بُورِكْتَ مِنْ جِسْرِ

أَنْتَ سُوَارُ النِّيلْ
رُصِّعَ بِالدُّرِّ

حَلاَّ بِهِ وَازْدَانْ
مِعْصَمُهُ النَّاعِمْ

كَأَنَّهُ وَسْنَانْ
بِالأَمَلِ الْحَالِمْ


... إلخ.

وقد يُبالِغ في الخروج على العروض المألوف؛ فهو مثلاً يبني قصيدة (طال انتظاري)[23] بناءً غنائيًّا شبيهًا ببناء الموشحة، وهو لا يكتفي فيها بالتنويع في القافية، بل يُنوِّع فيها في البحور، وفي عدد التفعيلات، يقول:
طَالَ انْتِظَارِي
عَزَّ اصْطِبَارِي

أَوَّاهُ يَا سَاعَةَ الْمَزَارِ
يَا حَرَّ نَارِي مِنِ انْتِظَارِكْ

هذا مقطع من أربعة أشطُر، ثلاثة أشطر منه على رَوِيِّ الراء المكسورة، ثم يُخْتَم المقطع بشطرٍ رابع يشبه القفلة، وهو من رَوِيٍّ آخَر (الكاف الساكنة)، ولكنَّ الملاحَظ عدم وحدة البحر فيها، فالشطران الأوَّلان من الرَّجَز، والشطران: الثالث والرابع من مخلَّع البسيط (مستفعلن/فاعلن/فعولن)، ولكن الشاعر لا يلتزم هذا النظام في المقطع الثاني من القصيدة، فهو يقول:
هَلْ وَقَفَ الدَّهْرُ عَنْ مَسِيرِهْ
فَلَمْ يَحِنْ مَوْعِدُ الْحَبِيبِ

فَمَا لِذَا الْمَاءِ فِي خَرِيرِهْ
يَجْرِي إِلَى حَقْلِهِ القَرِيبِ

فَيَشْتَفِي الْحَقْلُ مِنْهُ رَيَّا



هذا مقطعٌ ثانٍ من خمسة أشطر، كلُّها من مخلَّع البسيط، بما فيها الشطر الذي قفَل به المقطع، ولكنْ تنوَّع فيها الروي؛ فالشطران الأول والثالث على رَوِيٍّ، والثاني والرابع على رويٍّ آخر، والخامس القفلة على روي مختلف كذلك، وتمضي القصيدة المكوَّنة من ثلاثة عشر مقطعًا على هذا النظام، يُعاد بعد كلِّ مقطع المقطع الأول نفسه: "طال انتظاري...":
وَمَا لِهَذَا النَّسِيمِ طَلْقَا
يَسْرِي إِلَى الأَيْكِ وَالغُصُونِ

يَزُورُ أَحْبَابَهُ وَيَلْقَى
فَمَا وُقُوفُ الزَّمَانِ دُونِي؟

وَلَمْ يَعُقْ عَنْ سِوَايَ لُقْيَا

طَالْ انْتِظَارِي
عَزَّ اصْطِبَارِي

أَوَّاهُ يَا سَاعَةَ الْمَزَارِ
يَا حَرَّ نَارِي مِنِ انْتِظَارِكْ

ولكنَّ مَقاطِع القصيدة المكوَّنةَ من خمسَة أشطُر لا تمضي على نظامٍ واحد، فحينًا يأتي المقطع على النسق السابق؛ فيكون الشطر الأول والثالث على روي، والثاني والرابع على روي مختلف، والخامس على روي آخَر، وتارةً تأتي أربعة أشطُر من المقطع على روي واحد، والخامس على روي مختلف.

إنَّ (باكثير) - على الرغم من تمكُّنه العاتي من العروض التراثي - لا يخضع له خُضوعًا تامًّا، ولا يسلم نفسه لقياده، بل يخرُج عليه ضُروبًا من الخروج على نحو ما رأيت، ويُمارِس حريَّة واسعة في التعامُل مع موسيقا الشعر، وفي صِياغة تفعيلات البحر العروضي صِياغةً تقترب أحيانًا - حتى في تشكيل القصيدة العموديَّة - ممَّا عُرف فيما بعدُ بالشعر الحرِّ، أو شعر التفعيلة كما رأينا في النموذج السابق.

تجربة الشعر الحر:
لم يُمارِسْ باكثير كتابةَ الشعر الحرِّ في غير شِعره المسرحي إلا في قَصائد معدودة، ويبدو أنَّ نظام القصيدة الموزونة المقفَّاة بتصرُّفات باكثير الكثيرة، وتوسُّعه في حريَّة استعماله: مجزوءًا، ومنهوكًا، ومشطورًا، ولجوئه إلى المهمل أحيانًا، واعتماده على التنويع في القوافي، وعلى التشطير والتخميس، وغير ذلك من التصرُّف العروضي في نظام القصيدة العمودية - استطاع أنْ يُحقِّق لباكثير القدرةَ على التعبير عن تجاربه الكثيرة المتنوعة، واستجاب لمتطلَّبات فنِّه على النحو الذي يريد.
ولذلك لا نجدُ لقصيدة الشعر الحر - في غير شعره المسرحي - إلا حُضورًا يسيرًا لا يَكاد يُذكَر، ويبدو أنَّ (باكثير) لم يجدْ حاجة إلى استخدام نموذج الشعر الحر إلا عندما دفع إلى عالم المسرحية الشعرية: ترجمة أو تأليفًا.
في ديوان "من وحي ضفاف النيل" قصيدة تفعيليَّة، صنَّفَها الدكتور محمد أبو بكر حميد - جامع شِعرِه - في جزء الأناشيد، وهي بعنوان (اسلمي أرض الكنانة) وهي مبنيَّة على تفعيلة الرمل "فاعلاتن" منها:
اسْلَمِي أَرْضَ الكِنَانهْ
اسْلَمِي أَرْضَ الجُدُودْ
لك في الشَّرقِ وفي الغَرْبِ مَكانَهْ
ولكِ الأفْلاكُ تَجرِي بالسُّعودْ
مَوطنٌ قال لَهُ الرَّحمنُ كُنْ مَهْدَ الحضاراتِ فَكَانَهْ
وكُنِ المَثْوَى لشَعْبٍ ماجِدِ الآباء جَبَّارِ الجدُودْ
في الوجُودْ
همُّه أنْ يَسُودْ
للمَلِيك... لِلْوَطن... لِلِّواءْ
نَحْنُ جُندٌ للفِداءْ[24]

وهي قصيدةٌ لم يذكر تاريخها، ولكنها فيما يبدو تعودُ إلى ما قبل خمسينيَّات القرن العشرين، فهي تشيرُ إلى العهد الملكي في مصر.
ويشيرُ الدكتور عبده بدوي إلى أنَّه وجد بين أوراق باكثير الخاصَّة قصيدةً كتبها الشاعر يندِّد فيها بسياسة فرنسا تجاه سوريا ولبنان، وهي تعودُ إلى أربعينيَّات القرن العشرين (1945م)، وقد أرسلها من المنصورة التي كان يعمل فيها إلى صحيفة "أخبار اليوم" في القاهرة، وقال: إنها قصيدة من الشعر المرسل، وهي تقومُ على تفعيلة المتدارك، وتتنوَّع فيها القافية، وهي قصيدة نظميَّة ضعيفة، ومنها المقطع التالي:
اذْهَبِي عنَّا بثَقافَتِك الخانِعَهْ
إنَّ في الدُّنْيا غيرها لثَقافَات حُرَّة وَاسِعَهْ
وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ ثَقافَتِها بِالسِّلاح؟
فلنُحَطِّم ثَقافَتَها وَالسِّلاحَ مَعا!
وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ مَصالِحِها بالسِّلاح؟
فلنُحطِّم مَصالِحَها والسِّلاح مَعا!
يَا لُسخرِيَة الأَيَّام!
أَتُهدِّدُنا دَوْلَةٌ في عهد السَّلام
بالسِّلاحِ الَّذي لم تُقاتِل به الأَعْداء
بَلْ ألقَتْ به في الثَّرَى ساعَةَ الْهَيْجاء
لتَصُول بِهِ وتَجُول على مَن أحسَّ لَهَا بالرِّثاء
وأباح لَهَا في مِحنَتِها من مَعُونَته ما تَشَاء
فاشْهَدِي يَا أيَّتُها الدُّنيا هَذِه الدَّوْلَة الباغِيَه!
لَيْتَ شِعْرِي أقاتَلَت الدُّنيا طاغِيَهْ
ليَقُومَ عَلَى إِثْرِهِ طَاغِيَهْ[25]

وهناك قصيدةٌ تفعيليَّة طويلة عثر عليها الدكتور محمد أبو بكر حميد بين أوراق باكثير، وقد كُتِبتْ بعد هزيمة (1967م) وألقاها في أحد مؤتمرات الأدباء العرب وعنوانها (إما نكون أو لا نكون) وقد بنيت على تفعيلة الرَّجَز "مستفعلن" وهي أكثر نضجًا من القصيدة السابقة، ومنها:
غَدًا بني قَوْمِي وَمَا أَدْنَى غَدَا
إِمَّا نَكُونُ أَبَدَا
أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا
إمَّا نكونُ أمَّةً مِنْ أعظَمِ الأُمَم
تُرْهِبُنا الدُّنْيَا وَتَرْجُونا القِيَم
ولا يُقال لِلَّذِي نُرِيدُ: لا
ولا يُقال لِلَّذِي نَأبَى: نَعَمْ
تَدفَعُنا الهِمَمْ
لقِمَمٍ بَعْد قِمَمْ
أو يا بَنِي قَومِي نَصِيرُ قصَّةً عَنِ العَدَمْ
تُحكَى كَما تُحْكَى أساطِيرُ إِرَمْ
غَدًا وَمَا أَدْنَى غَدًا لَوْ تَعْلَمون
إِمَّا نَكُونُ أَبَدًا أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا[26]

وقد سبق أنْ أشرنا إلى قصيدة (رسم محمد علي لقمان) المنشورة في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن"[27] وقلنا: إنها أشبَهُ بشعر التفعيلة، وليست قصيدة عموديَّة كما أُثبِتتْ في الديوان، وهي تعودُ إلى عام (1932م)، وهي عندئذٍ - إذا نسبناها إلى نظام الشعر الحر أو المرسل كما كان يحلو لباكثير أنْ يسميه - تُعَدُّ أقدم محاولة في هذا النموذج من الشعر، وتُعَدُّ هي تجربته الأولى مع الشعر الحر، وإنْ كان باكثير نفسه لم يُلقِ إليها بالاً، ويعدُّ تجربته في "الشعر المرسل" أو الحر قد بدَأت مع المسرحيَّة الشعريَّة عام (1936م).

الشعر الحر في تجربة المسرح:
إنَّ تجربة باكثير في الشعر الحر قد تبَلوَرت في المسرح، وقد استخدَمَها في ترجمته مشهدًا من مسرحية "روميو وجوليت" لشكسبير عام (1936م)، وقد اعتمد في هذه الترجمة - كما تقول سلمى الخضراء الجيوسي - "على بضعة بحور، وبنى عمله - كما يقولُ في المقدمة - لا على وحدة البيت الشعري، بل على الجملة الكاملة التي يمكن أنْ يمتدَّ معناها فيشمل بيتين، أو ثلاثة، أو أكثر، تتيح للقارئ القراءة من دون توقُّف حتى ينتهي المعنى مع الجملة"[28].

ويصفُ باكثير تجربته هذه بأنها الأولى مع الشعر المرسل، فيقول: "كانت ترجماتي لروميو وجوليت هذه تجربتي الأولى مع قَرْضِ الشعر المرسل على هذا الوجه الذي تَراه في هذا الكتاب، وقد دفعني إلى انتهاجه روحُ شكسبير نفسه، ونمطه في التعبير؛ ممَّا جعلني أعتقد أنَّ ترجمته شعرًا على وَجْهٍ آخَر غير هذا الوجه لا يمكن أنْ تَفِي بهذا الغرَض... والنظم الذي تراه في هذا الكتاب هو مَزِيجٌ من النظم المرسل المنطلق والنظم الحر؛ فهو مرسل من القافية، وهو مرسلٌ لانسيابه بين السُّطور، فالبيت هنا ليس وحدةً، وإنما الوحدة هي الجملة التامَّة المعنى التي قد تستَغرِق بيتين أو ثلاثة أو أكثر، دون أنْ يقف القارئ إلا عند نهايتها، وهي - أي: النظم - حرٌّ كذلك لعدم التزام عددٍ معيَّن من التفعيلات في البيت الواحد"[29].

ريادة الشعر الحر:
لستُ من المتحمِّسين إلى اعتبار حركة الشعر الحر فتحًا ذا أهميَّة كُبرَى في تاريخ الشعر العربي، ولا هو ذلك الإنجاز العظيم الذي يستحقُّ المفاخرة والشرف؛ إذ إنَّ هذه الحركة - على الرغم من وُجود جوانب إيجابيَّة فيها لا تُجحَد - كانت في الوقت نفسه بداية إفسادٍ شديد في الشعر العربي؛ فقد رَكِبَها الكثيرون من ضُعَفاء المواهب أو مَعدُوميها، جرَّأهم على ذلك تسميةُ هذا الشعر "حرًّا"؛ ممَّا عنى عند كثيرين منهم انفلاته من أيِّ حدٍّ، وخُروجه على أيِّ قاعدة أو ضابط، فشهدت هذه الحركة إفسادًا لا نظيرَ له في العَروض، واللغة، والإيقاع، والصُّوَر، ناهيك عمَّا دخَلَه من الغموض، والرَّكاكة، والقِيَم الهجينة، والرُّموز الأجنبيَّة، والإسفاف، والفَوضَى في المصطلحات والحُدود والتعريفات[30].

وها هو ذا باكثير نفسُه يشيرُ في مقابلةٍ أجرتها معه "مجلة الرسالة" عام (1964م) إلى ما أصاب الشعر الحر من انحرافٍ في القِيَم والتصورات بقوله: "آسف لأنَّ هذا الشعر الحر قد اتَّخذه الشعوبيون والمنحَرِفون عن الخط العربي الإسلامي مَطِيَّة لهم، حتى كاد يصيرُ عنوانًا لهم، وكم أتمنَّى من أعماق قلبي أنْ يظهر "شاعر حر" يضرب على أوتار النفس العربيَّة، ولكني أتلفَّت فلا أجده..."[31].

وإذا تجاوَزْنا الكلامَ على أهميَّة هذه الحركة، والإضافة التي قدَّمتها إلى الشعر العربي، وتوقَّفنا عند قضيَّة الريادة، فإنَّ الحق الذي يبدو لنا أنَّ من الصعب إسنادَ الريادة في هذه الحركة إلى شخصٍ بعينه، لقد طال الجدَل حول أوَّل مَن كتب شِعرًا حُرًّا - شعر تفعيلة - وظلَّ شائعًا إلى عهدٍ قريب أنَّ السيَّاب ونازك الملائكة هما رائدا هذا الشعر، حيث نشرت في منتصف الأربعينيَّات من القرن العشرين (1947م) قصيدة (الكوليرا) لنازك، و(هل كان حبًّا؟) للسياب، وكان لهاتين القصيدتين تأثيرٌ كبير؛ إذ قلَّدهما كثيرون، وانطلقت حركة الشعر الحر بعد ذلك عنيفة ضارية تتحدَّى القصيدة التراثيَّة العربيَّة، وتحاول إزاحتها عن الدرب.

ولكنَّ البحث الأدبي بدأ يُعِيد النظر في هذه الريادة بعد أنِ اكتُشِفت تجارب تَعُود إلى أقدم من هذا التاريخ بكثير، لقد رأينا (باكثير) مثلاً يكتب في عام (1932م) قصيدة (رسم محمد علي لقمان) على نمط التفعيلة، حيث استعمل تفعيلتي الرمل، والرَّجَز "فاعلاتن/مستفعلن" وهي قصيدةٌ لم يلتفت إليها أحد، ولعلَّ (باكثير) نفسه لم يكن مهتمًّا بها.

ويذكُر الدارسون أنَّ أوَّل محاولةٍ لباكثير في الشعر المرسل أو الحر كما عُرِفَ فيما بعدُ، كانت عام (1936م)، حيث ترجم به مسرحية "روميو وجوليت"؛ لشكسبير، التي سبق أنْ توقَّفنا عندها، كما كتب باكثير عام (1938م) مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" ونشرت عام (1940م) واعتمد في كتابتها على تفعيلة المتدارك، كما نشر - كما يقول موريه[32] - في "مجلة الرسالة" (1945م) قصيدة بعنوان (نموذج من الشعر المرسل الحر) حمل فيها على فرنسا بسبب سِياستها تجاه العرب بعد الحرب العالمية الثانية، وهي - على ما يبدو - القصيدة التي توقَّفنا عندها، والتي أشار الدكتور عبده بدوي أنَّه وجدها بين أوراق باكثير، ومعها رسالةٌ إلى رئيس تحرير "أخبار اليوم" لينشُرها له، ولعلَّها قد نُشرت فيما بعدُ في "مجلة الرسالة" كما يقول موريه، وهذه القصيدة هي من بحر "المتدارك" كما ذكرنا قبل قليل، وليست من المتقارب كما يقول موريه[33].

وقد اعترف السيَّاب نفسُه لباكثير بهذه الأسبقيَّة؛ فذكر أنَّ (باكثير) أوَّل شاعر استخدم الشعر الحر "وهذا ينبئ أنَّ السيَّاب كان متأثرًا به لا شعوريًّا، على الرغم من أنَّ تكتيكه وأسلوبه مختلفان... وقد أشار باكثير في مقدمة الطبعة الثانية لمسرحية "أخناتون ونفرتيتي" إلى ما نسبه السيَّاب إليه، وأبدى اعتزازه بما يقوله عنه من أنَّه أوَّل شاعر استخدم هذا المنهج"[34].

ولكنَّ هذه الريادة لباكثير أيضًا غير ثابتة؛ فقد طرح الباحثون اسم أكثر من شاعر عرفت لهم تجارب سابقة في هذا النمط من الشعر الجديد؛ ذكَر الدكتور أحمد مطلوب مثلاً أنَّ هنالك نصًّا عنوانه (بعد موتي) منشورًا في "جريدة العراق" عام (1921م) لشاعرٍ رمَز لاسمه بحرفيِّ (ب.ن)، ويرى الدكتور مطلوب أنَّ هذا أقدم نصٍّ في الشعر الحر[35]، وذكر الدكتور يوسف عز الدين أنَّ للمازني قصيدةً من شعر التفعيلة نشرتها الصحافة في العراق عام (1924م) وهي بعنوان "محاورة" منها:
لم أُكلِّمْهُ وَلكِنْ نَظرَتِي
سأَلَتْه أَيْنَ أمُّك
وَهْوَ يَهذِي علَى عادَتِه
مُنذُ وَلَّتْ كلَّ يومٍ
كلَّ يومٍ...[36]

وذكَر موريه "أنَّ أوَّل شاعر عربي كتب شعرًا غير منتظم القافية، وغير منتظم في عدد تفعيلات أبياته هو نقولا فيَّاض سنة 1924م"[37].

وذكَر بعضُهم أنَّ الشاعر السوري علي الناصر أصدر ديوانه الأول "الظمأ" عام (1931م) وفيه عدد من قصائد التفعيلة، منها قصيدة (أم كلثوم) وغيرها[38].

وذكر دارسون آخرون أسماء أخرى سبقت (باكثير)، وسبقت غيره ممَّن ذُكِرَ إلى كتابة هذا النمط من الشعر الجديد، وفي جميع الأحوال فإنَّ (باكثير) إنْ لم يكن أوَّل مَن كتَبَه فهو - من غير شك - من روَّاده الأوائل الذي قلَّدهم فيه مَن جاء بعدهم من كبار شُعَراء هذا الاتجاه كالسيَّاب وغيره.

خاتمة


إنَّ تجربة باكثير العروضيَّة تجربة غنيَّة في جميع مَراحلها، وقد بدا فيها شاعرًا مُتمكِّنًا أصيلاً، مُتضلِّعًا من عَروض الشعر العربي وموسيقاه، وقد أتاحت له ثقافته العربيَّة والأجنبيَّة أنْ تكون له بصمات واضحة في التنويع العروضي، وفي التجديد والابتكار، وفي القدرة على تفتيق آفاق جديدة في موسيقا الشعر: وزنًا وقافية وإيقاعًا.

وقد استطاع الباحث أنْ يرصد ستة أشكال للقصيدة عند باكثير، هي:
1- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم فيها الشاعر وزنًا واحدًا وقافية واحدة.

2- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم الشاعر فيها وزنًا واحدًا، ولكن تتنوَّع قوافيها من مقطع إلى آخر.

وفي إطار هذين الشكلَيْن تتَّخذ القصيدة كذلك أحد النوعين التاليين:
أ- قصيدة البحور التامَّة.
ب- قصيدة البحور القصيرة: مجزوءة، أو مشطورة، أو منهوكة.

3- شكل القصيدة العموديَّة التي يتعدَّد فيها الوزن والقافية، كما في قصيدة (سلامة)؛ حيث نهضت هذه القصيدة على ثلاثة أوزان هي: الرَّجَز، والوافر، والطويل، وتعدَّد فيها رويُّ القافية[39].

4- شكل القصيدة التي تُشبِه الموشَّحة، حيث يتعدَّد فيها الوزن والقافية، وتقومُ على نظام يشبه نظام الموشحة من حيث القفل والخرجة، وما شاكَل ذلك، وقد مثَّلنا لها بقصيدة (طال انتظاري) التي توقَّفنا عندها طويلاً.

5- قصيدة النشيد: وقد جمَع الدكتور محمد أبو بكر حميد الأناشيدَ في جزءٍ خاص من ديوان "من وحي ضِفاف النيل"، مع أنَّ بعض أناشيد هذا الجزء موجود في دواوين باكثير الأخرى التي تعودُ إلى مرحلة سابقة.

وتتَّخذ قصيدة النشيد عند باكثير أشكالاً مختلفة: النشيد ذو الوزن الواحد والروي الواحد، النشيد ذو الوزن الواحد والروي المتعدِّد، النشيد ذو الوزن المتعدِّد والروي المتعدِّد، النشيد الذي تطول فيه بعض الأشطر وتقصر الأخرى ضمن الوزن الواحد، كما في نشيد (حرب الفداء)[40] مثلاً، حيث تأتي بدايته على الشكل التالي:
تَصَاعَدِي تَصَاعَدِي يا شُعلَةَ الفِداء
تَصَاعَدِي يا غَضْبَةَ السَّماء

فالسطر الأول مُكوَّن من أربع تفعيلات من الرَّجَز، والثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات فقط.
ومن أشكال النشيد كذلك نشيد قصيدة التفعيلة.

6- شكل قصيدة التفعيلة، وقد رأينا أنَّ حضورها - في غير الشعر المسرحي - كان قليلاً.

ولم نجدْ بين أيدينا منها - في المراحل المختلفة من شعر باكثير - إلا ثلاث قصائد، وأخرى شبيهة بها، وهي قصيدة (رسم محمد علي لقمان).

والواقع أنَّ (باكثير) واضحُ الجرأة على العَروض، لا يخضع لقوانينه - على تمكُّنه منها - دائمًا خُضوعًا تامًّا، بل هو كثير التصرُّف، قادرٌ على تفتيق الجديد، والتصرُّف في الإيقاع، ومحاولة التطويع والتحوير في الأوزان والقوافي من أجل استجابتها للفنِّ المسرحي بشكل خاص؛ ولذلك فإنَّ (باكثير) قد يقَع من أجل ذلك في بعض الكسور والتجاوزات العروضيَّة التي لم يكن يُجِيزُها القُدَماء.

[1] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص10، جمع وتحقيق د. محمد أبو بكر حميد - الدار اليمنية: 1408هـ/1987م.

[2] انظر: "علي أحمد باكثير: شاعرًا غنائيًّا"؛ د. عبده بدوي (حولية كلية الآداب - جامعة الكويت، الحولية الثانية: 1400هـ-1981م) ص7.

[3] "العمدة": 1/134.

[4] "أزهار الربا": ص15.

[5] نقلاً عن "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث"؛ لسلمى الخضراء الجيوسي، ص44.

[6] السابق: ص576، 584.

[7] انظر ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، تحقيق د. محمد أبو بكر حميد.

[8] السابق: ص19.

[9] انظر: الجزء المخطوط من ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص2.

[10] السابق: ص109.

[11] انظر بعض هذه الكسور في الصفحات: 74، 75، 86، 93، 108، 133، 171، 210، 214، 229، 246، 247، 232، وغيرها.

[12] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص105.

[13] شكَّ الدكتور محمد أبو بكر حميد كذلك في أنْ تكون ولادته (1910م).

[14] ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، ص107.

[15] في الأصل "أأردت".

[16] ضبطت في الأصل "المخبِّر"، ولا يقوم بها الوزن.

[17] انظر: "سحر عدن": ص60.

[18] انظر: "شرح تحفة الخليل في العروض والقافية"؛ لبعدالحميد الراضي "بغداد: 1388هـ/1968م"، ص24.

[19] "سحر عدن": ص76.

[20] السابق: ص156.

[21] تُمثِّل هذه الإحصائية ما ورد في الأجزاء (1، 2، 4) من ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط الذي جمعه وحققه الدكتور محمد أبو بكر حميد.

[22] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/197.

[23] السابق: 2/260.

[24] ديوان "من وحي ضفاف النيل" 3/305.

[25] نقلاً عن الدكتور عبده بدوي، بحث "علي أحمد باكثير شاعرًا غنائيًّا" ص41.

[26] القصيدة موجودة في دواوينه، وقد قدمها إليَّ الدكتور "محمد أبو بكر حميد" مشكورًا، وقد نُشِرَ جزءٌ منها في كتاب "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.

[27] ص107.

[28] انظر: "الاتجاهات والحركات في الشعر الحديث": ص582.

[29] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ لموريه: ص290، ترجمة شفيع السيد، وسعد مصلوح.

[30] انظر: "التجديد في الشعر الحديث"؛ ليوسف عز الدين: ص116.

[31] انظر: "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.

[32] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ س. موريه: ص397.

[33] انظر السابق.

[34] السابق: ص296.

[35] النقد الأدبي الحديث في العراق: ص77 مكتبة الخانجي، القاهرة: 1988م.

[36] انظر: "التجديد في الشعر الحديث" ص129.

[37] "الشعر العربي الحديث": ص296.

[38] انظر: فواز حجو، الأسبوع الأدبي، العدد (1160) تاريخ 25/7/2009م - ص8.

[39] انظر: ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/251.

[40] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط، الجزء الثالث "الأناشيد" ص331.

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


الشخصية اليهودية في أدب باكثير: رؤية تحليلية تداوليَّة

د. إدريس مقبول - المغرب[1]

يُعدُّ أدب علي أحمد باكثير - رحمة الله عليه - بحقٍّ من الأدب الإنساني العالمي الذي يَرقَى بشموخٍ إلى مصافِّ النُّجوم الخالدة والروائع الرائدة، وهو عندنا بمنزلة شكسبير للإنجليز غير أنَّه لم يوفَّ حظَّه من المتابعة النقديَّة، إنَّه باكثير الذي لم يستظلَّ بأدبه كما هي عِبارة المتقدِّمين من النُّقَّاد؛ بمعنى: أنَّه لم يتكسَّب به، باكثير الذي ناضَل بقلمه وفنه من أجل رِسالته في الحياة، مُنتَصِرًا لقِيَم الحقِّ والعدالة والجمال، ولعلَّ الأعمال الفنيَّة التي خلَّفها ما تزالُ ظَمأَى إلى مزيدٍ من الاجتهاد وبذْل الجهد في كشف مَكنُوناتها الفنيَّة وإماطة اللِّثام عن أفكارها ورُؤاها الأدبيَّة المتميِّزة.

ونحسب أنَّ موضوع "الشخصية اليهودية في أدب باكثير: رؤية تحليلية تداوليَّة" محاولةٌ ضمن هذا المشروع، ويمكن تلخيص دواعي اختيارنا لهذا الموضوع فيما يلي:

الكشف عن جانب من جوانب إبداع الأديب علي أحمد باكثير في التصوير الأدبي المتحيِّز لقضايا أمَّته، وإبراز الرؤية الفنيَّة والفكريَّة التي كانت ثاويَةً في تصوير باكثير للشخصيَّة اليهودية، وتجلية الرسالة الفنيَّة والإنسانيَّة في مُعالَجة باكثير لقضيَّة اليهود واليهوديَّة في أعماله، والجمع بين تجربتين: الأولى إبداعيَّة فنيَّة للراحل باكثير، والثانية منهجيَّة تحليليَّة نقديَّة للراحل عبدالوهاب المسيري.

وقد صدرت في موضوع القضيَّة الفلسطينيَّة في مسرح باكثير عدَّة دراسات، والواقع أنها كلُّها دراسات علميَّة جادَّة على جانبٍ من الأهمية في إثارة سُؤال اليهود في أعمال باكثير الأدبيَّة، غير أنَّ ما يغلب عليها هو انشِغالها بمسألة ريادة باكثير في طرْق موضوع القضيَّة الفلسطينيَّة حتى قبل قِيام الكيان الصِّهيَوْني - وهي مسألة مهمَّة بكلِّ تأكيد - كما انشغلت هذه الأعمال باستعراض جُلِّ أعمال الأديب الراحل التي تناوَلت الموضوع، والتمييز فيما بينها بين ما جاء موضوعه عن القضيَّة الفلسطينيَّة واليهود وما جاء فيها التعرُّض لليهود بطريقةٍ غير مباشرة أو رمزيَّة، وكذا عِناية باكثير - عليه رحمة الله - بعَرْضِ اليهود بصورةٍ موضوعيَّة غير متجنِّية ولا مُغرِضة؛ إذ لم يقتَصِر على تصوير الشخصيَّات اليهوديَّة التي تُمثِّل الجانب الشرِّير وحدَه، بل عرض للكثير من الشخصيَّات اليهوديَّة الإيجابيَّة التي ترفُض الحركة الصِّهيَوْنية، التي تقومُ على مبدأ التمييز العنصري وترفُض المقومات التي قامت عليها دولة إسرائيل.

تكمُن صُعوبات البحث في هذا الموضوع في أمرين أساسين:
الأول: ويتمثَّل في اتِّساع دائرة أعمال المرحوم الأديب الراحل، وتنوُّعها الأجناسي بين شِعرٍ ورواية ومسرح ومحاضرة وغيرها، وكلُّ أولئك يجعَلُ مهمَّة التتبُّع والاستقراء صعبةً في ورقةٍ علميَّة كهذه.
والثاني: يتمثَّل في غِياب مَراجِع أو دِراسات تحليليَّة سبقَتْ إلى تناول الموضوع من وجهة نظَر تداوليَّة تحليليَّة (النموذج التحليلي المركب).
ولعلَّ هذه الورقة تكونُ - بإذن الله - لبنة في هذا البناء.

النموذج المعرفي التحليلي المركَّب:
النموذج المعرفي التحليلي الذي اخترناه لِمُقارَبة الموضوع يعودُ الفضل في تأسيسه في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة المعاصرة إلى المفكِّر والناقد الكبير الدكتور الراحل عبدالوهاب المسيري - عليه رحمه الله - وهو ما ندعوه في بعض دراساتنا بالتداوليات التحليليَّة[2]، والمنهج هو وسيلةٌ لإدراك ما لا يمكن إدراكه بشكلٍ مباشر؛ نظرًا لتركيبيَّة الظواهر المدروسة باعتبارها مجازات مُتداخِلة.

إنَّ هذا المنهج يهدف إلى رصْد الظواهر في خُصوصيَّتها وعُموميَّتها، في سطحها وأعماقها، ورصد ما هو ظاهرٌ وقائم، وما وهو كامن وممكن، وهو منهجٌ تحليلي يحاول رصْد الظواهر لا بوصفها أجزاء مُتناثِرة، وإنما بوَصْفِها جزءًا من كلٍّ، أجزاء يَتفاعَل بعضها مع بعض.

إنَّه منهجٌ يعلمنا عبر إجراءاته وآليَّاته التفكيكيَّة عدم الخضوع لإمبرياليَّة المقولات وعدم تقبُّل رُؤَى الآخَر عن نفسه وعنَّا كما لو كانت حقائق طبيعية ونهائيَّة؛ إذ لا بُدَّ أنْ ننفض عن أنفسنا التبعيَّة الإدراكيَّة، ونتخلَّص من التبسيط الموقع في الاختزاليَّة[3].

أولاً: لماذا البحث في الشخصية اليهودية؟
البحث في الشخصيَّة اليهوديَّة هو بحثٌ في غور "الإنسان الماكر" بنصِّ الدين والأدب والتاريخ، واستِطلاع لكشف أعماقه التي يُسَيطِر عليها في بعض الأحيان النُّزوع الشيطاني المارد على الحقِّ والخير والجمال، الطالب للباطل المشيع لقِيَم القُبح والسوء.

إنَّ البحث في الشخصيَّة اليهوديَّة هو بحثٌ يَرمِي إلى التعرُّف عن قُرْبٍ كيف تُفكِّر وتُدبِّر هذه الشخصيَّة، وكيف تَبنِي منطقها بالمغالطة والالتِفاف على حُقوق الآخَرين، كيف تستَبِيح حُرمات الآخَرين، كيف تُتقِن بناء منظومة الكذب ببراعة، وكيف تحتمي بشرنقة المظلوميَّة لتعاود الإغارة على ضحاياها أصحاب الحق.

وعلى قدر ما تَنال هذه الشخصيَّة اليهوديَّة من الإدانة الإنسانيَّة بسبب مواقفها وسُلوكياتها، تَحظَى في الآن نفسه بنوعٍ من الجاذبية التي يفرضها مَنطِقُ التصوير الأدبي، وهنا تكمُن براعة الأديب وقُدرته الفنيَّة في الرصد والتصوير والنَّفاذ إلى الأعماق مع الحِفاظ على التوازُنات المطلوبة في الصِّراع الدرامي[4]، ولقد أجاد باكثير - رحمه الله - أيما إجادة في رسم الملامح الفنيَّة لهذه الشخصيَّة بما يَشِي بمعرفة دقيقة بها وبمكوناتها وتفاصيلها النفسيَّة من منطلق رسالي[5]، وهو ما ساعَدنا في تطبيق نموذجنا التحليلي المركب عليها؛ لأنها تمتلك من مقومات البناء ما يسمح بتوفير قدرٍ كبير من المعطيات التي يغتني بها النموذج التحليلي لهذه الشخصيَّات في الواقع والأدب على حدٍّ سواء، ولقد كان باكثير - رحمه الله - على وعيٍ كبير بِخُطورة رسم الشخصيَّة في أعماله، فهو يُعتَبر أنَّه "لكي يُوفِّق الكاتب في رسم شُخوصه ينبغي أنْ يتعرَّف إليهم واحدًا واحدًا، ويعيش معهم في ذهنه برهةً كافية حتى يُقرِّر أو يكتشف لكلِّ واحد منهم أبعاده الثلاثة: البعد الجسماني أو الشكلي، والبعد الاجتماعي، والبعد النفسي، فعلى معرفته الدقيقة بهذه الأبعاد يتوقَّف نجاحه في رسم شخصيَّاته"[6]، وقد أفلَح باكثير في مهمَّته التصويريَّة لشخصيَّاته عُمومًا، وشخصيَّاته اليهوديَّة على وجه الخصوص.

ثانيًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والجماعة الوظيفيَّة:
الجماعة الوظيفيَّة[7] مُصطَلحٌ قام بوَضعِه الدكتور عبدالوهاب المسيري؛ استنادًا إلى مصطلحات قريبةٍ في علم الاجتماع، لوصف مجموعاتٍ بشريَّة تستَجلِبها المجتمعات الإنسانيَّة، من خارِجها في مُعظَم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفُسهم من بين الأقلِّيات الإثنيَّة أو الدينيَّة، ويوكل لأعضاء هذه الجماعة القِيامَ بوظائف في الغالب هامشيَّة ومنحطة ودمويَّة وارتزاقيَّة، ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفيَّة الخبرات في مجال تخصُّصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها بل ويتوحَّدون بها؛ لينتهي الأمر باكتسابهم هويَّتهم ورؤيتهم لأنفسهم من خِلال هذه الوظيفة لا من خِلال إنسانيَّتهم الكاملة، فإنسان الجماعة الوظيفيَّة إنسانٌ اختُزِلتْ إنسانيَّته فصار كائنًا ذا بُعدٍ واحدٍ[8].

والجماعة الوظيفيَّة كما تكون أفرادًا يمكن أنْ تكون دولة بكاملها مثلما هي إسرائيل نفسها في الشرق العربي أو الأوسط؛ إذ أرادت أمريكا أنْ ترث الاستعمار القديم فاتَّخذت إسرائيل آلةً لإخضاع العرب من خِلال اليهود، ظانَّة بذلك أنها تخضع العرب لها إلى أمد بعيد" كما ورد على لسان كوهين في "التوراة الضائعة" لباكثير[9].

والظاهر أنَّ باكثير كان على وعيٍ بخصوصيَّة هذه الجماعة الوظيفيَّة في دائرة الصِّراع العربي الإسرائيلي، وقد أحسن توصيفها وتأطيرها دراميًّا من خِلال ما رسَمَه لها من ملامح وما رصَدَه لها من أدوار، وفي مسرحيَّة "شيلوك الجديد" على سبيل المثال نُصادِف نماذج للشخصيَّة اليهوديَّة كلها تُمارس أدوارًا ضِمنَ مفهوم الجماعة الوظيفيَّة؛ انطِلاقًا من شيلوك الذي يرمز للقائم على الاقتصاد الربوي في المنظومة الصِّهيَوْنية، إلى كوهين الذي يُمارِس المحاماة لانتزاع الحقوق من أصحابها لفائدة التوسُّع الصِّهيَوْني، إلى زيكناخ رمز الجماعات المسلَّحة الدمويَّة التي تُصفِّي المعترضين على المشروع الصِّهيَوْني والمقاومين لمخططاته، إلى راشيل التي تلعب دور المرأة الجسد في لعبة الصِّراع.

ولنأخُذ مثال "راشيل" (رمز الصِّهيَوْنيَّة الفاجرة) في مسرحيَّة "شيلوك الجديد"؛ إذ يصفها باكثير حين يُحدِّد سماتها في إطارٍ وظيفي أحادي البُعد، لا يخرج عن "التوظيف المادي الجسدي"، وكلُّ منظومتها السلوكيَّة لا تبتَعِد عن هذا التوظيف بما يستَتْبِع من (كذب وخيانة ومجون وعمالة وفساد...)، إنها نموذج الفتاة اليهوديَّة التي لا تردُّ يَدَ لامسٍ طبعًا من أجل غايات ووظائف محدَّدة، وتركيز باكثير منذ البداية على أنها "شقراء ممشوقة القد، ناضجة الأنوثة، كلُّها إغراء وفتنة، وترتدي فستانًا من الحرير سماوي اللون، محبوكًا على جسدها حتى ليكاد أنْ يتمزَّق"[10] يفتح أفق توقُّع القارئ على الوظيفة المرسومة لهذه الشخصيَّة ولأدوارها في المسرح والحياة، ومن جهةٍ أخرى يعطي الانطباع بأنَّ الكاتب كان واعيًا بالمفهوم الذي نُرسِي عليها تحليلنا؛ أي: "المجتمع الوظيفي" وما يتطلَّبه من "مهارةٍ وخبرةٍ وظيفيَّة" حتى يفعل "مفعوله".

ومعلوم أنَّ "الشخصيَّة اليهوديَّة تاريخيًّا "مثلت وظيفيًّا "الدعارة في سبيل العمالة" عالميًّا أخبثَ تمثيل وأكثرَه قدرة على التأثير والاختراق.

ولَمَّا كانت هذه الوظيفة تتوجَّه أكثر ما تتوجَّه لمخاطبة أحطِّ ما في الإنسان من مقومات، وهو جانبه الأضعف، فقد كان دائمًا العمل الاختراقي لجهاز العمالة لا يستغني عنه باعتباره "مكملاً وظيفيًّا رئيسًا"، وهو ما عبَّر عنه "خليل" حين بادَر بالجواب على راشيل: "لقد أدَّيت واجبي الذي أقدر عليه، أمَّا الباقي فعلى جمالك يا راشيل وفتنتك"[11].

إنَّ سائر المفاهيم التواصُليَّة من وجهة نظَر الجماعة الوظيفيَّة تأخُذ معناها من طبيعة المهمَّة المنوطة بالجماعة ذاتها حتى إنَّ مفهوم "المكافأة" الذي يُعتَبر مفهومًا تحفيزيًّا في أيِّ عمل إنساني من أجل المواصلة والتقدُّم، يصبح في تقاليد المجموعة الوظيفيَّة التي تنتمي إليها "راشيل" مفهومًا موسعًا يبتدئ بـ"المال الحرام" الذي يسيل له لُعابُ الضعفاء (خليل وأضرابه)، مُرورًا بـ"الجسد" الذي يتمُّ تسليعه وحوسلته على حدِّ تعبير الدكتور المسيري (أي: تحويله إلى وسيلة) من خلال علاقة تعاقديَّة نفعيَّة محايدة خالية من أيِّ بُعدٍ عاطفي وإنساني، فلا مجالَ للغيرة أو الحبِّ الحقيقي أو أيِّ بُعدٍ أخلاقي؛ إذ لا مجال للصِّدق أو الإخلاص، فيتمُّ التعامُل مع المنتمي لهذه الجماعة الوظيفيَّة "بوَصفِه مادَّة نافعة يتمُّ التعامُل معها بمقدار نَفعِها"[12]، وفي هذا المعنى يُورد باكثير على لسان شيلوك وراشيل الحوار الذي يُؤكِّد هذه الحقيقة:
"شيلوك: حاذري يا ابنتي أنْ تكوني جادَّة في هذا الأمر، إنَّنا إنما نلعب بهذا الشاب العربي لنقضي وطرنا منه، ومن مصلحتنا أنْ تتَّصل به فتيات أخر من أخواتك.
راشيل: صدِّقني يا عمي شيلوك إنِّي ما غرت عليه من أحد"[13].

إنَّه لا مجال للعواطف في عمل الشخصيَّات المنتمية لـ"الجماعة الوظيفيَّة"؛ لأنَّ الأخلاق والعواطف قِيَمٌ إنسانيَّة ترفَع من معدلات انتماء الشخصيَّة للمجتمع الإنساني وتزيد من تماسُكه وانسجامه، في حين لا يطلب من عضو الجماعة الوظيفيَّة إلا الالتزام الصارم بالوظيفيَّة المحدَّدة لها خالية من أيِّ قيمة، وهذا الفصل بين الفعل والقيمة صُلبُ الفلسفة العلمانيَّة الصِّهيَوْنيَّة[14].

"ويتجاوَز مفهوم الجماعة الوظيفيَّة الجوانب الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المباشرة ليصلَ إلى الجوانب المعرفيَّة وإلى رؤية الإنسان للكون"[15].

ومن ذلك أنَّ "راشيل" وإن اختُزِل وجودها في تحقيق طُموحات وغايات وظيفيَّة ماديَّة صِرفة، فإنها لا تخلو من وعيٍ يُمثِّل الحدَّ الأدنى من رؤيتها للعالم، هذه الرؤية التي لا تخلو في هندستها من مُعتقدٍ ديني يتراوَح في جدليَّة بين الخفاء والتجلِّي:
"راشيل: هذا الخاتم في إصبعك يشهَدُ إنَّك كاذب فيما تقول.
عبدالله: هذا الخاتم في إصبعي وليس في قلبي.
عبدالله: قد كان ذلك قبل أنْ أراك يا راشيل، ولكن حبك قد نسخه كما نُسخت شريعة موسى بشريعة محمد.
راشيل: ولكن شريعة موسى هي الباقية يا عبدالله.
عبدالله: دعي هذا البحث للشيخ والحاخام يتنازَعان القول فيه، أمَّا نحن فلنُوحِّد الشريعتين في هذه القبلة"[16].

إنَّ "راشيل" لا تني تردُّ في سُرعة بديهة بوثوقيَّة وجزم على عشيقها "عبدالله" حين أحرجَتْه بارتباطه بالمرأة المصريَّة من خلال الخاتم الذي يحمله في إصبعه، ردًّا يعكس جزءًا من العقيدة التوراتية التي تنفَلِت بين الفينة والأخرى لتفصح عن "المكنون" الذي لا يموتُ ولا يتلاشى وإن "استتر" لدواعٍ تداوليَّة سياقيَّة.

إنَّ جواب "راشيل" يَعكِس لحظةً من الوعي اليهودي بالهويَّة المستقلة، "واليقظة الصِّهيَوْنية" في مقابل "بوهيمية عربية" و"غفلة قومية" عن حساسية الموقف الوجودي حين يشهر "الآخر" سلاحه و"هويته"، فـ"راشيل" لم تقل بأنْ شريعة موسى باقية ولم تُنْسَخ كما ذكر "عبدالله" في معرض توظيفه الحجاجي، وإنما أكَّدت بأسلوبٍ غاية في التوكيد والحسم بأنَّ شريعة موسى "هي الباقية" بالتعريف المفيد القصر، وهذا جزءٌ من البرنامج الوظيفي للشخصيَّة، وما يفهم بالاقتضاء أنَّ سواها هو المنسوخ والفاني، إنها لحظة تواصليَّة ينكشف فيها "المستور" من خِلال الخطاب والحرب المستضمرة في الخطاب، ليستمرَّ شلل الذات العربيَّة أمام هذا التصريح، بل وليُؤكِّد "عبدالله" الذي لم يحفظ من الكلمات العبرية إلا كلمة "شالوم" أنَّه "تلميذ بليد كسول"[17]، إنَّه كذلك بالفعل لأنَّ مَن لم يعرف في الحياة إلا "السلام" كان فريسةً سهلة لأعدائه، ومَن يُراهِن على السلام وحدَه مع عدوٍّ لا يُؤمن إلا بمنطق العنف[18] والقوَّة لا يكون إلا بليدًا مُتأصِّل البلادة، وإنْ حصل على "الليسانس في الحقوق" كما جاء على لسان "عبدالله".

إنَّ من وظائف "راشيل" في مسار الأحداث أنْ تُسهِم في مَسار التطبيع مع "التضحية"، تطبيعًا يستهدف تحقيق أمرين:
الأول: أنْ تحطم الشخصيَّة الماديَّة والأخلاقيَّة للعربي "عبدالله" بإدخاله حالة السيولة، وهو الخطر الذي عبَّر عنه باكثير من خِلال تصوير الخطر المُحدِق بـ"السمعة"؛ أي: الشخصيَّة المعنوية أو الأخلاقيَّة و"الأملاك"[19] أو الشخصيَّة الماديَّة.
الثاني: أنْ تتحوَّل الدوالُّ عن مَدلولاتها الحقيقيَّة، فيَصِير العدوُّ صديقًا، ويتحوَّل الشرُّ إلى خيرٍ مُطلَق، ويستحيل المستعمِر إلى صاحب حقٍّ، وهي آليَّة ذاتُ خطرٍ كبير[20]، ولعلَّ أكبر خطرٍ يتهدَّد الوجود العربي والإسلامي هو خطر التطبيع الذي ينطلق لنسف مقوم الوجود من أساسه، وتظلُّ اللغة غير بريئة في هذا الاتِّصال النكد، ولنستمع إلى عبدالله يُبيِّن كيف سرى في جسمه الداء إلى أنْ أقعده:
"راشيل:... إنَّك تُبغِض العبرية كما يبغضها قومك.
عبدالله: أتريدين الحقَّ يا حبيبتي راشيل؟ كنت فيما مضى أكرَه العبرية وأعدُّها مزاحمةً للغتي القومية في فلسطين، ولكنِّي لما أحببت راشيل أحببت لغتها معها"[21].

إنَّ هذا المقطع يُبيِّن مَسار التحوُّل والذوبان الذي انتهى بالعربي من "دائرة التحيُّز" الواعي "كنت فيما مضى" إلى "مهاوي التطبيع" و"التماهي الذي يصل حدِّ الهيام بـ"العدو"، إنَّه خطاب ينوب في التعبير عن بعض النخب العربيَّة التي صارت إلى "حب أعدائها" والدِّفاع عن "مصالح الملك" أكثر من "الملك".

إنَّ الوظيفة التطبيعيَّة لعُضوِ الجماعة الوظيفيَّة "راشيل" تواصل سَيْطرتها إلى حدٍّ يقرُّ فيه العربي "عبدالله" القاصر بأنَّه لا يستطيع ردَّ كلمات مركز القوَّة (الوصي على عقله ومشاعره)، فيمضي مستسلمًا قائلاً: "أمرك مُطاعٌ يا راشيل، ولا رادَّ لمشيئتك"[22].

وحين تتورَّط راشيل في علاقتها مع العربي "عبدالله" إلى آخر حدٍّ لتَحْمِل منه، يكشف لنا باكثير جانبًا من المهام الأخرى للجماعة الوظيفيَّة لا تقف عند حدِّ الإلهاء والغواية والتضليل والاستغلال، بل تصل إلى حدِّ الإسهاة في حسم المعركة الديمغرافيَّة التي يستشعرها اليهود ويستشعرون معها التهديد الديمغرافي للعنصر الفلسطيني، جاء على لسان شيلوك: "أما تحبين يا راشيل أنْ تُسهِمي في حركة النسل اليهوديَّة؟ إنَّ العرب يتناسلون بكثْرةٍ مزعجة، فلا بُدَّ أنْ نباريهم إنْ شئنا أن تكون لنا الأكثرية"، "لا بُدَّ من التضحية يا جميلتي راشيل، إنَّ الدولة اليهوديَّة تقوم على سواعد أمثالك من المضحيات المخلصات، وإنَّ إعادة هيكل سليمان يا ابنتي ليست بالمطلب الهيِّن"[23]، فمن هذا المنطلق يتمُّ تصوير المهمة البيولوجية "الاأخلاقيَّة" بأنها مهمَّة مقدَّسة، وقَداستها من جنس قَداسة الحرب التي تشنُّها إسرائيل على العرب وعلى كلِّ أعدائها، إنَّه التزام بالمهمَّة السامية من أجل الغاية الكبرى "إعادة هيكل سليمان" المزعوم[24].

و"راشيل" في شيلوك الجديد "لا تختلف عنها في "شعب الله المختار"؛ إذ تمارس نفسَ الأدوار وتقومُ بنفس الوظائف، ودائمًا يرتفع شعار "في سبيل إسرائيل"[25] ليُغطِّي على الجرائم والحماقات والفضائح...

يخلص لنا الدكتور المسيري ما مرَّ بنا من مواصفات عضو الجماعات الوظيفيَّة بأنَّه "إنسان اقتصادي محض له بُعدٌ واحد (وظيفة محددة) مُتحرِّر من القِيَم الأخلاقيَّة السائدة، ويُكرِّس ذاته لمنفعته ولذَّته، ويؤمن بالنسبيَّة الأخلاقيَّة وبازدواجيَّة المعايير وبالحتميَّة، ويتَّسم بالحركيَّة، ومرجعيَّته النهائيَّة في علاقته بالمجتمع المضيف مرجعيَّة ماديَّة"[26].

ثالثًا: الشخصيَّة اليهوديَّة ومنطق السِّمات المميزة:
كتَب الدكتور المسيري كتابًا نُشِرَ سنة 1997م تحت عنوان "مَن هو اليهودي؟"[27] وقد عرَض فيه لقضيَّةٍ غاية في الحساسية تخصُّ هوية اليهودي في العالم، وهي قضيَّة تسائل الطروحات الصِّهيَوْنية التي تُقدِّم نفسها باعتبارها قوميَّة اليهود، وأنَّ اليهود شعبٌ واحد موحد[28]، وقد بيَّن فيه المسيري - رحمه الله - كيف أنَّ اليهود واقعٌ إثني وعرقي متنوع، وأنَّ الطروحات الصِّهيَوْنية هي طروحات اختزاليَّة كاذبة.

كان المسيري - رحمه الله - يتحدَّث عمَّا يمكن تسميته بالسمات المميزة إذا شئنا الدقَّة التي تُميِّز الجماعات اليهوديَّة، هذه السِّمات التي قد يقومُ بينها بعض التناقُض والتدافُع في الشخصيَّة اليهوديَّة، وهو سرُّ تميُّزها، ومن هذه السِّمات التي نرى حُضورها من خِلال أدب باكثير - رحمه الله - والتي استمدَّها من دون شكٍّ من خلال معرفته المباشرة بواقع حال هذه الشخصيَّة، وأيضًا - وهذا أمر غاية في الأهميَّة - من خلال اطِّلاعه الدقيق على تصوير القُرآن الكريم لهم[29]:

أ- السمة الأولى: العنصريَّة:
من آيات العنصريَّة التي يمكن أنْ نعثر عليها - وهي كثيرةٌ - ما عبَّرت عنه الشخصيَّة العربيَّة من مُعاناةٍ أثناء الاشتغال المشترك في دوائر الوظيفة مع اليهود، يقول ميخائيل المسيحي العربي في مسرحيَّة "شيلوك الجديد" مشتكيًا ومتألمًا: "آه يا كاظم لو كنت موظفًا مثلي لشهدت بعيني رأسك كيف يتغطرَسُ الموظفون اليهود على الموظفين العرب كأنهم أصحابُ البلاد، وكأنَّ العرب غرباء فيها، والويل للموظف العربي إذا كان رئيسًا في المصلحة، ففي هذه الحال يتوقَّح مرؤوسوه اليهود عليه ويربكون عمله، ويُدبِّرون الخطط لإيقاعه، في زلَّةٍ تقع تبعَتُها عليه، فإذا قاوَمهم واستَعمَل سُلطَته عليهم أو شَكاهم فلا يلبثْ أنْ يُنقَل من منصبه، ويستبدل به رئيس يهودي، بدعوى الرغبة في انسجام العمل"[30].

وتمتدُّ العنصريَّة اليهوديَّة في مشهدٍ آخَر لتأتي الشهادة هذه المرَّة على لسان اليهودي إبراهام (اليهودي غير الصِّهيَوْني)؛ حيث يتمُّ التفريق بين العامل العربي والعامل اليهودي في الأجر، بل إنَّ السياسية العنصريَّة تذهب أبعد لمنع العمَّال العرب من العمل واستبدال عمال يهود بهم[31]، وهي الفكرة التي جاء بها "جوردن" اليهودي الصِّهيَوْني المعروف صاحب فلسفة "دين العمل" التي انبثقت منها نظريَّة العمل العبري، حيث ينبغي أنْ يقوم اليهودي بكافَّة الأعمال، ويعني ذلك ضمنًا عدم تشغيل اليد العاملة العربيَّة[32].

ولقد نجح باكثير أدبيًّا في رصد سمة العنصريَّة بما هي سمة مُتجذِّرة في الشخصيَّة اليهوديَّة التي تحظى سياقيًّا بالقوَّة[33] من داخل المجتمع الصِّهيَوْني ذاته؛ إذ يُعانِي اليهود الشرقيون (السفارديم)[34] من الإحساس بالدونيَّة والتهميش جرَّاء معاملة اليهود الغربيين (الأشكيناز)، نقرأ ذلك من خِلال الحوار الذي دارَ بين كوهنسون وكوهينيم في مسرحيَّة شعب الله المختار:
كوهنسون: لا تنسَ يا موسيو كوهينوف أنَّنا دولة يهوديَّة فيجب علينا أن نحترم السبت.
كوهينوف: رجعيَّة سخيفة لا تليق بدولتنا المتحضِّرة.
كوهينسون: هذا لو كان يهود إسرائيل كلهم ملحدين مثلك، لكنَّ فيهم المؤمنين المحافظين.
كوهينوف: تعني أولئك الرجعيين المنحطِّين من يهود العراق ويهود المغرب ويهود اليمن، هؤلاء يجب أنْ يكونوا تبعًا لنا، لا أنْ نكون نحن تبعًا لهم.
كوهان: أنا على رأي مسيو كوهينوف - أنَّه من أسخف السخف أنْ يُفرَض علينا نحن يهود أوربا وأمريكا بأنْ ننحطَّ إلى مستوى يهود اليمن"[35].

من خِلال هذا الحوار استَطاع باكثير - رحمه الله - ببراعةٍ أن ينقل لنا حدَّة الانقسام أو التناقُض بين اليهود الشرقيين والغربيين، هذه الحدَّة التي دفعت بعض الباحثين الإسرائيليين إلى التخوُّف من ظُهور إسرائيل شرقيَّة وأخرى غربيَّة مُستقبَلاً، ورغم أنَّ الشرقيين هم الأكثر عددًا إلا أنَّ الغربيين هم المُسَيطِرون سياسيًّا وثقافيًّا، وهم - أي: الغربيون - ينظُرون إلى الشرقيين نظرةَ المُتَعالِي؛ فهم في نظرهم مفتقرون للعقلانيَّة والتخطيط ويتَّسمون بخرافيَّة التفكير والذاتيَّة والعاطفيَّة وسُرعة الإحباط، بل هم أقرب إلى العرب، وقد بلَغ بهم الشطط أنهم يعتقدون أنَّ "العرب واليهود السفارديم يعمَلون معًا في خطَّة واحدة لتدمير الحضارة الأشكنازية"[36].

ب- السمة الثانية: تجاوز الأخلاق:
من وجهة نظَر وظيفيَّة يُعتَبر التجاوز الأخلاقي خُصوصًا مع الآخرين في الفكر اليهودي عملاً مقدسًا[37]، وصاحِبُه مبارَك، ووجهة النظر هذه إنما هي انعكاسٌ للواحديَّة الكونيَّة من جهة بما هي اختزالٌ لسائر الأبعاد، ومن جهةٍ أخرى لفكرة "الجوييم" الآخرين الذين يحلُّ فعل أيِّ شيء بهم، "إنهم يعتقدون أنهم هم وحدَهم البشر، أمَّا غيرهم فحيوانات مُسخَّرة لخدمتهم، هكذا يقول كتابهم التلمود"[38].

يُعبِّر عن هذه السادية كوهين في "التوراة الضائعة"؛ إذ هو يدعَمُ إسرائيل بأمواله من أجل أنْ يُمتَّع عينَيْه برؤية أعدائه وهم مهزومون مَسحُوقون وعلى رؤوسهم أحذية الجنود الإسرائيليين، يريد أنْ يشفي غليله بالانتقام لكلِّ ما أصاب شعب الله المختار في تاريخه الطويل من اضطهادٍ وإهانات[39]، إحساس مُتجذِّر بالتشفِّي لا يترك مجالاً للأخلاق أو للتراحُم والتعاطُف الإنسانيَّيْن، حتى إنَّ منظر الوجوه المشويَّة بالنابالم، ومنظَر البيوت العربيَّة المخربة والجثث، وصورة لهفة الفارِّين من بُؤس الحرب وآلامها تصيرُ منظرًا من وجهة نظره رائعًا؛ لأنَّه أشبه برواية مسلية هزليَّة تبهج النفس وتريح الأعصاب[40]!

إنَّ هذه الزاوية من نظَر الشخصيَّة اليهوديَّة للعالم وللعرب تحديدا تَفُوقُ أيَّ مستوًى لمفهوم التجاوُز الأخلاقي المتعارَف عليه، وتُذكِّرنا بما قاله أحدُ الشعراء اليهود وهو هاينريش الألماني عن اليهوديَّة، فهي عنده "مصيبةٌ وليست دينًا"، وقد كتب مرَّة يقول: توجد أمراض ثلاثة شريرة: الفقر والألم واليهوديَّة.

إنَّ إضفاء القَداسة في الفكر اليهودي على الفعل الخبيث (الذي يرمز لنوعٍ من التجاوز الأخلاقي) أو أي فعلٍ إنساني منحطٍّ مهما تناهَى في انحطاطه يوضحه على سبيل المثال ما قاله شايلوك بشأن راشيل: "إنَّك فتاة مباركة يا راشيل"[41].

لقد كان باكثير - رحمه الله - حريصًا على تعرية الشخصيَّة اليهوديَّة في هذا الجانب، فأجاد في كشف مستوى الفساد والتردِّي الأخلاقي الذي انحطَّت إليه الشخصيَّة اليهوديَّة في "شعب الله المختار"، حتى وصلت إلى حدِّ أنَّ الزوجة (سارة) تُعاشِر أعضاء الكنيسيت (كوهينسون وكوهين وكوهينوف وكوهان) وتدفَع ابنتها "راشيل" إلى أحضانهم وأحضان الميليونير الإيطالي، والفتاة تغازل المستثمر الأمريكي علنًا، وخطيبها "سيموت" يرى كلَّ هذا ويقبَله، وصاحب الفندق (حائم) لا يغضبه أنْ يرى زوجته تنتقل بين الحجرات ليلاً بقدر ما يغضبه أنها تُخفِي عنه كم نالت من كلِّ واحد من زبانئها، ويوافق على تقلُّب ابنته بين الرجال، كلُّ هذا من أجل المال.

وفي مسرحيَّة "التوراة الضائعة" ترتَمِي "بربارة" وهي المسيحيَّة التي تحوَّلت إلى اليهوديَّة في مستنقع الفساد مع يهودي "واعظ" غير زوجها "على الأرض المقدسة"، وتوهَّم زوجها أنَّ الولد ولده، وهي على وَضاعة فعلتها لا ترى أنَّ جرمها يستَوجِب النار أو العِقاب، فهي ستَدخُل الجنة لأنَّ زوجها يعتقد ذلك، وينتهي الأمر بحالةٍ من السيولة المتمثِّلة في الوُقوع في الإلحاد، حيث إنكار وجود الإله بالمرَّة[42].

لعلَّ ما يُفسِّر هذا الجموح الذي رصَدَه باكثير في الشخصيَّة اليهوديَّة للتجاوز الأخلاقي خُصوصًا في مسألة الدعارة والجنس ما نجده في مُدوَّنات اليهود وشروحهم التلموديَّة للمسألة؛ إذ لا يعتبر التلمود الزنا بامرأةٍ من الأغيار (غير اليهود) - متزوجة أو غير متزوجة - محرَّمًا، أمَّا التحريم في العهد القديم فيقتصر على "زوجة الأخ" لا زوجة الغريب، وفي إحدى الفتاوى جاء أنَّ إناث الأغيار "زوناه" وجمعها "زونوت"؛ أي: عاهرات، حتى لو تهوَّدن

كما يُمكِن ملاحظة أنَّ العهد القديم مَلِيءٌ بالأحداث الجنسيَّة المنافية للقِيَم الدينيَّة، والمعبِّرة عن سمة التجاوز الأخلاقي بامتيازٍ، من ذلك (اعتداء أحد أبناء يعقوب على جارية أبيه، العلاقة بين يهودا وثامارا زوجة ابنه، داود وامرأة أوربا الحيثي، إبراهيم وزوجته في مصر... إلخ)[43].

ت- السمة الثالثة: الاستغلال:
لعلَّ ألمع مثالٍ يحضر في أعمال الراحل باكثير مؤشرًا على الاستغلال في الشخصيَّة اليهوديَّة هو "شيلوك"، وقد أبدَعَ باكثير في رسم ملامحه وتدقيقها بما جعَلَ منه وحشًا كاسرًا لا يهمُّه سوى المال، ينشر وُكلاءَه في كلِّ مكان ليغرقوا البُسَطاء والمحتاجين في ديون لا تنتَهِي بهم إلا تحت رحمته، أو بتعبير أدق "قسوته"، يُؤكِّد هذا الأمر حديث "ميخائيل" في حديثه للشاب "عبدالله" عن شَراهة اليهود وكيدهم بكلِّ السبل؛ استغلالاً لضعف الفلسطيني في جرِّه لبيع أرضه لوكالات السمسرة الصِّهيَوْنية، يقول: "... نحن نُجاهِد اليوم يا بُنيَّ لنمنَع ما بقي لنا من أرض الوطن أنْ يتسرَّب إلى أيدي اليهود، إنَّنا نقف اليوم يا بُنيَّ في وجه الذهب اليهودي الذي يتدفَّق على بلادنا من كلِّ الجمعيات الصِّهيَوْنية في العالم ويغزو مَكامِن الضعف فينا بأسلحته الفتَّاكة ووسائل إغرائه الجهنميَّة"[44].

إنَّ الاستغلال في الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير قد يأخُذ طابع القداسة من أجل إحداث حالةٍ من الرضا لإيقاع الظُّلم على الآخَرين بسلبهم ما يملكون أو تعريضهم للمتاعب والمصائب، كيف لا وموسى نفسُه فيما يدعونه "توراة" يأمُر أتباعه بسرقة حليِّ النساء المصريَّات ليلة الخروج، ألا يكون من الأتباع للموسوية نهج سبيله[45]، جاء في حوار "جيم" مع "جوزيف" في مسرحيَّة التوراة الضائعة:
"جوزيف: قال ميمانود: "إذا رَدَّ اليهودي إلى الأمي ماله المفقود فإنَّه يرتكب إثمًا كبيرًا، كَمِّل من عندك ألست تحفظ التلمود؟
جيم: (مكملاً) لأنَّه بعمله هذا يُقوِّي الكفار، ويعرب عن حبِّه للوثنيين، ومَن أحبَّهم فقد أبغَضَ الله"[46].

يبدو من تحليل هذا المقطع أنَّ أفظع أنواع الاستغلال وأشنعه ذلك الذي يعتَقِد فيه صاحبُه أنَّه يتعبَّد بهذا السلوك إلى ربه، ويتقرَّب به إلى مولاه؛ إذ هو يحرص أنْ يكون استغلاله للآخَرين (الأميين) على نحو مُتقدِّم وفي إبداعٍ وإتقان حتى يرتقي في مدارج القُرب من مولاه وربه، ويُكسب عمله وسُلوكه المادي الصرف غِلافًا مُقدَّسًا، وهذا الطابع أو السِّمة في الشخصيَّة اليهوديَّة ذكرها القرآن حين عبَّر عن تبريرهم بقوله: "ليس علينا في الأميين سبيل"، وقد كان باكثير - رحمه الله - متمثِّلاً هذه الآية تحديدًا في توصيفه لمنطق الشخصيَّة اليهوديَّة المستغلَّة، بل وأوردها على لسان صلاح الدين في حواره مع ريتشارد قلب الأسد: "يا عزيزي قلب الأسد، إنَّ لهؤلاء اليهود عذرهم فيما فعَلُوه، فهم يعتقدون أنْ ليس عليهم في الأميين سبيل"[47].

إنَّه ليس اعتذارًا لهم بقدر ما هو فضح وكشف لألاعِيبهم ومخطَّطاتهم ولنفسيَّاتهم المريضة، وقد كان باكثير في كثيرٍ ممَّا نقله عن الشخصيَّة اليهوديَّة موجهًا في تفسيره بروح القرآن الكريم ونصوصه التي رفعت الغطاء عن مَكنُوناتهم ودواخلهم، فصارت لِمَن يتأمَّل نصوص الوحي، التي هي بمنزلة المنظار الكاشف، واضحة في تفاصيلها المخزية والرديئة، والمعادية لكلِّ قيمةٍ إنسانيَّة سامية.

وقد أفلحت شخصيَّة "جيم" في التنبُّه إلى صُدور الشخصيَّة اليهوديَّة في الاستغلال عن نُصوصٍ مُقدَّسة ممَّا دَعاه للشك، كيف يكون دين سماوي من المفروض أنْ يدعو للتسامح والتعاون والرحمة نجدُه يدعو في المقابل لاغتنام كلِّ فرصة لنهب الآخرين وتضييع حقوقهم، أم كيف يجوز تصور موسى يتعبَّد الله بالاستغلال والعنصريَّة: "يا مستر جوزيف، إني قرأت عن الأديان كلها السماوية وغير السماوية، فوجدتها كلها تدعو إلى الإحسان والبر بالإنسان أيًّا كان جنسه ولونه ومعتقده، إلا هذا الدِّين اليهودي الذي أنتم عليه، فإنَّه لا يأمُر بالإحسان إلا لليهود وحدَهم، ولا ينهى عن ارتكاب الإثم إلا في حقِّ اليهود وحدهم، أمَّا غيرهم من بَنِي البشر فمُباح لليهودي أنْ يسرقهم أو يظلمهم أو يعتدي عليهم، بل واجبٌ عليه أنْ يفعل ذلك إذا أمن الوقوع تحت طائلة القانون"[48].

ث- السمة الرابعة: الطهرانية:
في الوقت الذي تُعلِن فيه "الشخصيَّة اليهوديَّة" أخذها بمبدأ التخلُّق في الممارسة العمليَّة، وانتهاجها سبل الاستقامة، تحرص في السر على خرق هذا الادعاء، بالارتماء في أتون الشهوة والفساد وهتك الحرمات، ولعلَّ السِّياق الاجتماعي في الواقع كما نقَلَه باكثير يرسخ هذا المعنى، من شواهد ذلك الحوار الذي جمع أمبرتو وكوهان:
أمبرتو: هل لك يا سيدي أنْ تخبرني عن هذه العادة الغريبة عندكم؟
كوهان: أي عادة يا سنيور؟
"أمبرتو: لقد طُفنا أنا وزوجتي يوم أمس بجميع فنادق المدينة فلم نجد فندقًا واحدًا يرضى أن يعطينا حجرة بسريرين أو سرير مزدوج.
كوهان: هذا ممنوعٌ هنا في تل أبيب.
أمبرتو: لكنَّها زوجتي.
كوهان: ولو، للرجال جناح وللنساء جناح.
أمبرتو: هذا أمرٌ لا نظير له في أيِّ بلد آخر، فما السر في ذلك؟
كوهان: السر واضح يا سنيور، رعاية للأخلاق ومحافظة على الشرف".
كلُّ هذا التبرير الطهراني ليكشف "أمبرتو" له في الأخير أنَّ "راشيل" عوَّضت زوجته ونابَتْ عنها تحقيقًا لشعار "أخلاقيَّة بدون أخلاق"، وحينها يتحوَّل الفندق الماخور إلى "أشرف فندق في العالم"[49].

إنَّ طبيعة "الشخصيَّة اليهوديَّة" طبيعة أبيقورية مُغرِقة في الأخْذ بمبدأ اللذَّة، حتى إنَّ أكثر الجماعات اليهوديَّة الصوفيَّة ادِّعاء للأخلاق والسمو والطهرانيَّة، وهي الحسيدية، تجد المنتمين إليها أكثر الناس تطرُّفًا في الشهوانيَّة والماديَّة.

هذه الطهرانيَّة - أي: طهرانيَّة العنصر اليهودي - جعلَتْه من أشدِّ الكائنات انغِماسًا في التناقُض بين الظاهر والباطن، وهو تطرُّف يُذكِّرنا بجماعات يهوديَّة مثل السكوبتسي والخليتسي التي تُحرِّم الجماع الشرعي من ناحية، ثم تُقِيم من ناحية أخرى احتفالات ذات طابع جنسي داعر، وقد تأثَّر يهود اليديشية بتلك الحركات، ولعلَّ كلَّ ذلك أدَّى إلى تهيئة الجوِّ لظهور شبتاي تسفي الذي نادَى بالترخيصيَّة وبإسقاط الأوامر والنواهي، وبدأ في ممارساتٍ جنسيَّة كانت تفسر تفسيرًا رمزيًّا من قِبَلِ أتباعه[50].

والطهرانيَّة التي سجلها أدب باكثير كسمةٍ للشخصيَّة اليهوديَّة كما تجدُ مستندها فيما ذكرنا، هي أيضًا ذاتُ طابع مُقدَّس؛ إذ كما تروي التوراة، فإنَّ نبيَّ الله هوشع أمره الله أنْ يتَّصِل بعاهرةٍ ويُنجِب منها أبناء، وقد فعل ذلك بحماسٍ أو بنشاط كما تحكي روايتهم "انطلق فاتَّخذ لك امرأة زنا وأولاد زنا، فإنَّ الأرض تزني عن الرب"[51]، وبذلك تُعبِّر هذه السمة عن حالة السيولة الشاملة التي بلغَتْها الشخصيَّة اليهوديَّة في التاريخ والثقافة.

ج- السمة الخامسة: اصطناع المظلوميَّة (الإحساس بالاضطهاد):
الإحساس بالاضطهاد مُكوِّن رئيس في الشخصيَّة اليهوديَّة[52]، وعليه يعيشُ اليهود في الدعاية الصِّهيَوْنية العالمية، يقول كوهين وهو أفضل مَن يُتقِن النواح والتعبير عن هذه السمة ضمن شخصيَّات باكثير: "أتعد قيام دولتنا واعتراف الأمم بكياننا القومي بعد ما قاسَيْناه من الاضطهاد الطويل لعنة علينا".

"مرحبًا بلعنةٍ تنصفنا وترفع عن ظهورنا سياط الاضطهاد"[53].

فاستمرار الوهم بالاضطهاد يخلق في الكائن اليهودي حالةً من عقدة الاضطهاد؛ إذ يتحوَّل العالم كله إلى شرٍّ يحيق باليهود واليهوديَّة، كما يتحوَّل معه أيُّ سلوك تواصلي في التأويل اليهودي إلى محاولةٍ للمحو من الوجود، وهكذا تصيرُ قاعدة التشكيك في النَّوايا واتِّهام الآخَرين بالظُّلم وإلقاء اللوم عليهم من الأسلحة النفسيَّة القريبة لكلِّ شخصيَّة يهوديَّة، كما يتحوَّل التبرير باعتباره آليَّة نفسيَّة مُؤقَّتة إلى سُلوكٍ يومي دائم، سُلوك للأخطاء ولتاريخ الحقد وتدشين لمجتمع الكراهية.

عقدة الاضطهاد لها منطقُها التفسيري الذي تواجه بها خُصومها المزعومين، وهي تعتبر أنَّ "بقاء اليهود على هذا الوضع المحزن مأساةٌ إنسانيَّة، ومن العار على بني الإنسان ولا سيَّما في هذا العصر الذي استيقظ فيه الضمير العالمي أنْ تستمرَّ هذه المأساة، إنَّ اليهود جنسٌ من البشر لا يختلف عنهم صورةً ولا يقلُّ عنهم ذكاء ومواهب، ولا يتخلَّف عنهم في رِكاب الثقافة والحضارة، ولا ينقص عنهم شعورًا بحقِّه في الحياة، ولكنَّ اليهودي ما برح منذ القدم ينظر إليه بعين الريبة والحذر في كلِّ بلدٍ يحلُّ به كأنَّه من طينةٍ أخرى غير طينة البشر، فإذا تمكَّن بالرغم من ذلك من النجاح في معترك الحياة بجدِّه وذكائه عُدَّ ذلك ذنبًا عليه، فكرهوه على الأقل إنْ لم يضطهدوه"[54].

وفي مسرحيَّة "التوراة الضائعة" نستَمِع للحوار الخيالي الذي دارَ بين زعيم النازيَّة هتلر وزعيم الصِّهيَوْنيَّة هرتزل فيما يُشبِه لقاءً في يومٍ من أيَّام القيامة على طريقة أبي العلاء في رسالة الغفران أو دانتي في الكوميديا الإلهية حيث جمعت الزبانية بين العدوَّيْن اللدودين جمعًا يكشف عن وعي هتلر بما تُظهِره "الشخصيَّة اليهوديَّة" من الاستضعاف المزيف من أجل الاستقواء فيما بعدُ على غيرها.

"هرتزل: اضربني لكي يرثوا لحالي فيعيدونا كما كنَّا.
هتلر: هيه! هذه طريقتكم تفتعلون الاضطهاد لاستدرار العطف"[55].

إنَّ هذا الحوار الذي تخيَّله باكثير وجمع فيه بين شخصيتين لم يجمعهما التاريخ حقيقةً، له ما يُبرِّره فنيًّا وفلسفيًّا؛ إذ إنَّ باكثير أراد من خلاله نقل رسالة للعالم بأنَّ الأيديولوجيَّة الصِّهيَوْنيَّة قامت على مُبرِّرات غير واقعيَّة ومُفتَعلة، وقد نجحَتْ في كسب التعاطُف بما صنعته من سيناريوهات صوَّرت اليهودي بأنه مُضطهَد مُطارَد بئيس صاحب حقٍّ ضائع، كما يُبيِّن من جهةٍ أخرى أنَّ النازية في حربها على اليهود كانت واعيةً بخطَرِهم الداهم على الحضارة، وهي مسألةٌ لم يكن هتلر ليُخفِيها في كتابه الشهير كفاحي؛ إذ اعتبرهم سوس الحضارة الإنسانيَّة وسبب خرابها.

ح- السمة السادسة: النبوءة:
استطاع باكثير - رحمه الله - تجسيد هذه السمة في الشخصيَّة اليهوديَّة من خِلال عدَّة ملامح أهمها قضيَّة "شعب الله المختار" التي كتب مسرحيَّة بعنوانها، وفي الوقت ذاته وببَراعة فنيَّة تمكَّن من تفنيد هذه النبوءة بفنيَّة من طريق نقل حالة الصِّراع التي تغلي بها إسرائيل خُصوصًا بين اليهود الشرقيين والغربيين، والتي عكست تشظِّي هذه النبوءة ذاتيًّا؛ إذ ينكر اليهود الشرقيون أنْ يكون خُصومهم الغربيون ممَّن يشملهم وصف "شعب الله المختار"، فهم في النهاية جماعة "مفاليك صعاليك" من نسلٍ مختلط لا يصح أن يرقوا إلى مرتبة الاصطِفاء.

عزرائيل: أنتم سبب الانحطاط يا إشكنازيم، ما دمتم في إسرائيل فلن يتمَّ لها مجدها الموعود أبدًا.
كوهين: أتستطيع يا عزرا أنْ تقول لنا لماذا؟
عزرا: لأنكم لستم من شعب الله المختار، أنتم دُخَلاء من نُطَفِ السلاف والصقالبة واللاتين والجرمان ومَن شئتم من الأمم!
كوهينسون: ومَن هم شعب الله المختار إذًا؟
كوهان: أنتم!
عزرا (محتدًّا): نعم نحن.
الأربعة (ساخرين): أنتم؟"[56].

يرد على لسان كوهين في مسرحيَّة شيلوك تأكيدٌ على أنَّ حق "اليهودي" وحق "إسرائيل" في الوجود والسِّيادة حقٌّ مُقدَّس جاءت به النُّبوءات القديمة: "إنَّ حقَّ اليهود في فلسطين ثابتٌ بالكتاب المقدَّس، وقد قامَتْ فيها مملكة إسرائيل العظيمة، وظهَر فيها أنبياء بني إسرائيل، ونحن وَرَثة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء والرسل"[57].

وهذا الذي ذكَرَه باكثير عن نبوءات "اليهودي" مستمدٌّ - من غير شكٍّ - من خِلال اطِّلاعه على نُصوص التوراة والتلمود التي تغرس الخرافات في أذهان وعقول اليهود عبر التاريخ، جاء في سفر التثنية على سبيل المثال: "لأنك شعبٌ مُقدَّس للرب إلهك، وإيَّاك اصطفي الربُّ أنْ تكون له أمَّة خاصَّة من جميع الأمم التي على الأرض"[58].

ومثله أيضًا ما جاء في سفر الأخبار: "أنا الرب إلهكم الذي فرزكم من بين الأمم، وقد ميَّزتكم لتكونوا لي"[59].

وإسرائيل كما هو معروفٌ - فيما يعتبرونه نبوءات - لا تقفُ عند حُدود بلاد فلسطين، "إنَّ إسرائيل لن تقفَ عند حُدودها الحاليَّة، ولن تهدَأ حتى تُهَيمِن على سائر أرض الميعاد من النيل إلى الفرات"[60]، وهذه النبوءات تسكن العقل الباطن للشخصيَّة اليهوديَّة وتُحرِّك سواكنه في لحظات الانفِعال سواء بالفَرح أو الغَضب.

"كوهان: لنرقُص جميعًا، لترقُص إسرائيل، لترقُص أرض الميعاد (ينطلق إلى أقصى اليسار) من الفرات (ثم ينطلق إلى أقصى اليمين) إلى النيل"[61].

إنَّ الحلم بـ"أرض الميعاد" حلمٌ بتهويد الجغرافيا والتاريخ واللسان والإنسان، حتى تصير العبرية في المستقبل "هي اللغة الرسمية في جميع أرض الميعاد"[62].

خ- السمة السابعة: الإحساس بالاغتراب:
يغلب الإحساس بالاغتراب على الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير وفي الواقع، ومردُّ ذلك إلى ازدواجية الولاء الذي يتنازع اليهودي المهاجر، أيكون ولاؤه لبلده الأصلي الذي ترعرع فيه ونشأ أم لبلده المضيف "إسرائيل"، وقد تكون نهاية هذا الشعور درامية (الانتحار) كما صوَّر باكثير في مسرحيَّة شعب الله المختار، حيث انتَحَر مردخاي بعد عودته إلى بلده رومانيا، وغطت الحادثة بثقلها أيضًا على سيمون صديقه حال زيارته لبلده مصر لتجرَّه للتفكير في نفس المصير نتيجة التمزُّق النفسي الذي يعانيه المهاجر اليهودي[63].

تمزُّق تعكسه اللغة نفسها التي يتكلَّمُها عددٌ من اليهود داخل إسرائيل؛ إذ "كثيرٌ من اليهود أنفسهم لا يعرفون العبريَّة، وإنما يتكلمون بلغات بلدانهم الأصليَّة"[64].

وإذا تأمَّلنا الشخصيَّات اليهوديَّة التي رسَمَها باكثير نجد أنها جميعها تحسُّ بازدواجيَّة الانتماء، وقد يتحوَّل في بعض الأحيان هذا الشعور إلى نوعٍ من التعالي (شعب الله المختار) والتظاهُر بمركب العظمة تفاديًا للوقوع في براثن الانتحار والضياع الهووي (من الهوية):
"كوهنسون: وأنا أمريكي مثلك.
أندرسون: (في سخرية خفيَّة) أقصد أنني أمريكي فقط أمَّا أنت فأمريكي وإسرائيلي في وقتٍ واحد.
كوهان: وأي عيب في ذلك؟ فأنا أيضًا إسرائيلي وفرنسي.
كوهين: وأنا إسرائيلي وإنجليزي.
كوهينوف: وأنا إسرائيلي وروسي.
كوهينسوف: هل ترى في ذلك عيبًا يا مستر أندرسون؟
أندرسون: أنا لا أعيب ولا أمدح، ولكن هذا وضع شاذ لا مثيل له في شُعوب العالم.
كوهان: وهل لنا نحن مثيل في شعوب العالم؟ نحن شعب الله المختار"[65].

هكذا يُسَيطِر الاغتراب باعتباره شُعورًا شاذًّا (وضع شاذ لا مثيلَ له في العالم) كما ورد في نصِّ الحوار، والشخصيَّة اليهوديَّة تُحاوِل تأويله لتُعطِي من الضعف والشَّتات والتلاشي معنى القوَّة والتميُّز والانتِخاب الطبيعي أو الإلهي (شعب الله المختار).

إنَّ الاغتراب قلقٌ في المكان والزمان، ومحاولة للانعتاق منهما بضرْب من التَّسامِي (الترونسوندونطالي) الذي يرى في فكرة العنصريَّة والعرقيَّة خلاصًا من عذابات الواقع الذي يجمع أفرادًا من البشر، أوَّل ما يقومون به هو (التنافي) نفي الصفة المميزة عن بعضهم البعض، فيقول السفارديم للأشكيناز: لستم على شيء، ويقول الأشكيناز للسفارديم: لستم على شيء، نفي يزيدُ من اغتراب الإنسان اليهودي حين تضيق به أرض ميعاده؛ لأنَّه ببساطة لا يجد فيها أمنًا كما وعدَتْه النبوءة المزعومة.

رابعًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والماشيحانيَّة:
في الفكر اليهودي تحيل "الماشيحانية" على عقيدة حلوليَّة تستضمر فكرة النيابة عن الله في تنفيذ مهمَّة خاصَّة يوكلها الإله إليه، وهي مهمَّة مقدَّسة بدون شكٍّ، وأصل الكلمة من "الماشيَّح" وهي كلمة عبرية تعني "المسيح المخلص"، ومنها "ماشيحوت"؛ أي: "الماشيحانية" أو الاعتقاد بمجيء "الماشيح" في آخِر الأيام، والكلمة مشتقَّة من الكلمة العبريَّة "مشح"؛ أي: "مسح" بالزيت المقدَّس، وكان اليهود على عادة الشعوب القديمة يمسَحون رأس الملك أو الكاهن بالزيت قبل تنصيبهما علامةً على المكانة الخاصَّة الجديدة، وعلامة على أنَّ الروح الإلهيَّة أصبحت تسري فيهما.

ويسمِّي الدكتور المسيري الرغبة في العودة إلى صِهيَوْن (أي: فلسطين) عند الشخصيَّة اليهوديَّة بـ"الحمى الماشيحانيَّة"، ومعلومٌ أنَّ الشريعة اليهوديَّة تُحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين، وعلى اليهودي أنْ ينتظر بصبرٍ وأناة إلى أنْ يشاء الإله ويرسل "الماشيح"، فيحقُّ حينئذ أنْ يعود، ويرى كثيرٌ من المؤرخين أنَّ حمَّى العودة ورفض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة، ووصلت إلى قمَّتها مع الحركة الصِّهيَوْنية التي حقَّقت نجاحًا كبيرًا؛ لأنها قامت على النزعة الاستعمارية، وتعاونت مع الغرب ووضعت نفسها تحت تصرُّفه[66].

في مسرحيَّة "التوراة الضائعة" يُصوِّر لنا باكثير - رحمة الله - شخصيَّة يهوديَّة ألمانيَّة ماشيحانيَّة (كوهين) غاية في السادية، عادَتْ من أمريكا مع أسرتها بعد أنْ جمعت أموالاً طائلة (بعد أنْ صار مليونيرًا)، عادت بجنون الماشيحانيَّة تحمل في ضميرها حقدًا لا نهاية له على الآخَرين (النازيين) و(العرب) وكل ما سوى اليهود، وهذه الشخصيَّة تتطلَّع لإسرائيل الكبرى التي تجمع يهود العالم بعد أنْ ينزحوا إليها من كلِّ حدب وصوب، ينزحون ليقتلوا كلَّ مَن يجدون أمامهم، مِصداقًا لنبوءة ميمانود في التلمود: "يجب قتل الأجنبي؛ لأنَّه من المحتمل أنْ يكون من نفس الشعوب السبعة التي كانت في أرض كنعان المطلوب من اليهود أنْ يقتلوها عن آخرها"[67].

وماشيحانيَّة كوهين ترتبط بإسرائيل وبلاد إسرائيل، الأرض التي كتَبَها الله لليهود قديمًا، وأعادها إليهم حديثًا، وجعلها لهم خاصَّة لا يشاركهم فيها أحد[68].

"كوهين: تذكري يا هذه أنَّ أجدادنا كانوا يهودًا، وقد جاءَتْ إلى أرض اليهود، فيجب أنْ تعود إلى دِينها القديم"[69].

فحمى العودة هي حمى ماشيحانيَّة يتحلَّل فيها اليهودي المهاجر خارج إسرائيل ليجدَ فيها دافِعًا قويًّا للنُّزوح المقدَّس إلى أرضٍ أعدَّها الله له ولأبنائه، أعدَّها لهم ليعودوا من جديدٍ على مسرح الأحداث العالميَّة فيقودوا زمام الحضارة، ويُعِيدوا الأوضاع إلى ما ينبغي أنْ تكون عليه؛ أي: إنَّ وظيفتهم تصحيحُ وضْع التاريخ المختلِّ بأنْ ينفذوا مشيئة الربِّ في أرضه باستِعباد ما سوى اليهود وتنحيتهم من دائرة الفاعليَّة إلى دائرة المفعوليَّة، ولعلَّ تصفية الإسلام والمسيحيَّة من جُملة الأهداف "النبيلة" في شريط هذه الملحمة المقدَّسة، يقول هرتزل زعيم الصِّهيَوْنيَّة مخاطِبًا هتلر منتشيًا في "التوراة الضائعة": فأبشِر؛ فقد سقط في أيدينا مهد المسيح وقبر المسيح... لقد اقترَبْنا من الهدف العظيم الذي نصبو إليه... القضاء على دين المسيح"[70].

إنَّ الذي جمَع هتلر وهرتزل في رؤية باكثير - رحمه الله - من وجهة نظر النموذج الإدراكي المركب هو انتماؤهما معا (النازية والصِّهيَوْنية) إلى نفس المنظومة الواحديَّة العنصريَّة، فرغم الصِّراع الذي كان تاريخيًّا بين الفكرتين، فإنَّ البنية التركيبيَّة لنسق كلٍّ من الصِّهيَوْنيَّة والنازيَّة واحدة؛ لأنَّ عُنصر البناء هو تمجيد الذات الصِّهيَوْنيَّة من خِلال الدِّين والأرض الموعودة، والنازيَّة من خِلال العرق الآري الجرماني، وكلاهما ينتهي لنفس النتيجة في علاقته بالآخَر؛ أي: النفي والإلغاء، كما أنَّ الصِّهيَوْنيَّة والنازيَّة تلتقيان أيضًا في نزعتهما الاستعماريَّة التوسُّعيَّة على حِساب الآخَرين.

خامسًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والحلوليَّة:
الحلوليَّة عقيدةٌ تقومُ على أنَّ مركز الكون ليس مفارقًا له، بل حالاًّ؛ إمَّا في الطبيعة أو في الإنسان، وإمَّا حالٌّ فيها جميعًا، حيث يشمَل الحلول الطبيعة وضمنها الإنسان، وفي مسرحيَّة "إله إسرائيل" يعكس باكثير كيف انتقلت الحلوليَّة إلى الفكر اليهودي وإلى الشخصيَّة اليهوديَّة؛ حيث ينتقل اليهود من عبادة إبليس الذي يعبدونه ويأتمرون بأمره لينتهوا بالحلول فيه، ففي "القسم الأول: الخروج"، يُصوِّر باكثير ما حصل من اضطهادٍ لليهود وخُروجهم إلى سيناء، حيث يبدأ الاتِّصال بربهم "إبليس"[71]، وتبدأ السيكولوجيا اليهوديَّة في التشكُّل من خِلال الأنانيَّة والمعصية والجدل العقيم والدمويَّة وعقيدة الشعب المختار.

وسعي "الشخصيَّة اليهوديَّة" إلى الحلول والاتِّحاد مع "إبليس" هو سعيٌ لتحقيق هدفين:
الأول: لإقامة مملكة الرب أو "مملكة إبليس" إله إسرائيل الحق.
الثاني: لإضفاء القَداسة على السُّلوك العدواني والشرِّير، ومنه الاستعمار والاغتصاب[72].

يذكر جاك مايلز وهو من الباحثين والدارسين للاهوت المسيحي واليهودي أنَّه "على مَدَى القُرون الطويلة التي شكَّل فيها إله اليهود والمسيحيين واقعَ الغرب الصميمي دون أنْ يهزَّه شيء، سعى الأوربيون رجالاً ونساء ومن بعدهم الأمريكيون إلى صَوْغ أنفُسِهم على غِرار هذا الإله، منصرفين إلى هذه المهمَّة بحميَّة وحماس، ومعتقدين أنَّ المحاولة المتكرِّرة سوف تُمكِّنهم من التوصُّل إلى صُوَرٍ يتزايَد اقترابها من الأصل الإلهي، فمُحاكاة الله Imitatio Dei، مقولة أساسيَّة في الإيمان اليهودي"[73].

وممَّا يُؤكِّد المنحى الحلولي للشخصيَّة اليهوديَّة ما يذهب إليه الصهاينة من أنَّ مركز الحياة اليهوديَّة في العالم بأسْره هو إسرائيل (فلسطين)، ويُعبِّرون عن موقفهم هذا من خِلال مصطلح "مركزيَّة إسرائيل في حياة الدياسبورا".

وهذه الرؤية لها جذورٌ في الطبقة الحلوليَّة في العقيدة اليهوديَّة؛ إذ يحلُّ الإله في الشعب والأرض ويربطهما برباط عضوي ويخلع عليهما القَداسة ويُضفِي على إرتس يسرائيل محورية خاصَّة، وقد قام الصهاينة بعَلمَنة هذه العقيدة فنادَوْا بضرورة أنْ تصبح الدولة الصِّهيَوْنيَّة الملجأ الوحيد لليهود، وبأنْ تقوم وحدَها بالدِّفاع عنهم، وأنْ تتحدَّث باسمهم، وقالوا: إنَّ الحروب التي يخوضُها المستوطِنُون الصهاينة إنما تهدف إلى الدِّفاع عن كلِّ يهود العالم، ويرى الصهاينة أنَّ الدولة الصِّهيَوْنيَّة هي التي تُساعِد يهود العالم في الحرب ضد خطر الاندِماج وفي الحِفاظ على الهويَّة اليهوديَّة، وأنها هي التي تضمَنُ استِمرار التراث اليهودي وتطورُّه، وتحسن صورة اليهود أمام الأغيار، فبدلاً من صُورة اليهودي التاجر والمرابي والجبان تأكَّدت صورة اليهودي باعتباره المُقاتِل الشَّرِس؛ وبذا يستعيد اليهودي احترامه لنفسه بعد أنْ فقَدَه بسبب آلاف السنين من النفي[74].

إنَّ الطبيعة الحلوليَّة للشخصيَّة اليهوديَّة تكمن أيضًا فيما تشتغل عليه التربية اليهوديَّة من ربطٍ صارم بين الإنسان والأرض وبالشعب وعقيدة الشعب باعتبارها تحيل على شيءٍ واحد ومرجع واحد تسقط فيه جميع المسافات، فإسرائيل هي الإله وهي نفسها الشعب والدين في نفس الآن، فيظهر من خِلال ذلك كيف تتألَّه الدولة وهي نفسُها الشعب والدِّين في نفس الآن، فيظهر من خِلال ذلك كيف تتألَّه الدولة ويتألَّه الشعب ويتألَّه الإنسان نفسه اليهودي؛ لأنَّ حياته لا تنفكُّ عن هذه الأيقونات المذكورة ورد في الكتاب السنوي الإسرائيلي لعام 1974م تصور لهدف التربية اليهوديَّة في الدياسبورا يُقرِّر أنَّ "واجب التربية اليهوديَّة في الدياسبورا أنْ تجعل الشاب يحلم بالوطن وبالصِّهيَوْنيَّة، وأنْ يعرف أنَّ في إسرائيل أعظم ثورة في التاريخ الإنساني، وبهذا يربط حَياته بحياة الشعب الإسرائيلي والدولة"[75].

خاتمة

بعد هذه الجولة السريعة في أدب الراحل باكثير من خلال المنهج الإدراكي المركب الذي سعَيْنا بواسطته إلى تحقيق قَدْرٍ أكبر من التفسيريَّة لطبيعة "الشخصيَّة اليهوديَّة"، نرجو أنْ نكون قد وُفِّقنا في الجمع بين عملاقين يُشرِّفان ثقافتنا العربيَّة والإسلاميَّة بما قدَّماه من رؤية إسلاميَّة في الإبداع والنقد لا شكَّ أنها تحمِل إضافات كبيرة لصَرْحِ الأدب والثقافة الإسلاميَّتَيْن من زاوية التحيُّز الإيجابي لقَضايانا ولهموم أمَّتنا، ويمكن إجمال نتائج هذا البحث في المضامين التالية:
التأكيد على أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير تنتمي نسقيًّا إلى مفهوم "الجماعة الوظيفيَّة" باعتباره مفهومًا تحليليًّا تداوليًّا ضمن النموذج الإدراكي المركَّب.
الاستدلال على أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير أحاديَّة البعد خاضعة للحتميَّات الماديَّة والغريزيَّة الاختزاليَّة.
بيان أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير هي عِبارة عن مجموعةٍ من السِّمات المميزة التي قد لا تخلو من تناقُض: العنصريَّة، الاستغلال، النبوة... إلخ.
بيان أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير شخصيَّة حلوليَّة وماشيحانيَّة.

ومن جملة ما نوصي به في النهاية:
تخصيص مزيدٍ من الدراسات الأكاديميَّة لإبداع الراحل علي أحمد باكثير، وتشجيع الباحثين الشباب في المؤسسات الجامعيَّة لتُهيِّئ أطروحات عن أعماله.
إعادة طبْع الأعمال الكاملة للراحل علي أحمد باكثير في مجاميع في نسخ اقتصاديَّة بهدف تشجيع انتشارها على أوسع نِطاقٍ بين الدارسين.
ترجمة أعمال باكثير - رحمه الله - أو ما لم يُتَرجَم منها إلى اللغات الحيَّة والتشجيع على ذلك بجوائز تُرصَد لهذا الغرض.
تنظيم حلقات دراسيَّة وندوات علميَّة دوليَّة بتنسيقٍ مع شُعوب الآداب للتعريف بإبداعاته وتسليط الأضواء على الجوانب القيميَّة والفنيَّة والأدبيَّة والفكريَّة في أعمال باكثير.
اغتنام مناسبات الاحتفال بيوم الأرض وانطِلاق الانتفاضة وغيرها للاحتفال بباكثير وأدبه باعتباره أديب القضيَّة بامتياز.

[1] د. إدريس مقبول، المركز التربوي الجهوي - جامعة المولى إسماعيل، مكناس، المغرب.

[2] يراجع كتابنا: الأسس الأبستمولوجية والتداولية، عالم الكتب الحديث، إربد، 2007م.

[3] يراجع: المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، ط1، 2006، ص385.

[4] يراجع: عصام بهي: الشخصية الشريرة في الأدب المسرحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م، ص113.

[5] يعتبر باكثير - رحمه الله - أنَّ من مهمات المبدع العربي أنْ يهتم بالمعركة المصيرية التي تخوضها أمَّته اليوم اهتمامًا يفضي إلى الوعي الصادق العميق الذي يدفعه للإسهام بالعمل في نصرة قومه، يراجع: باكثير: دور الأديب العربي في المعركة ضد الاستعمار والصِّهيَوْنيَّة، ضمن مجلة الآداب، ع5، 1969م، ص10.

[6] باكثير: فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، مكتبة مصر، ص74.

[7] يراجع: المسيري: الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد، القاهرة، دار الشروق، 2002م.

[8] المسيري: دفاع عن الإنسان، دراسات نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، دار الشروق، ط2، 2006، ص11.

[9] باكثير: التوراة الضائعة، ص97.

[10] باكثير: شايلوك الجديد، دار مصر للطباعة، ص10.

[11] باكثير: شيلوك الجديد، ص13.

[12] المسيري: دفاع عن الإنسان، ص22.

[13]باكثير: شيلوك، ص47.

[14]للمزيد يراجع: ملكين يعقوب: اليهودية العلمانيَّة، ترجمة وتعليق أحمد كامل راوي، مراجعة عبدالوهاب وهب الله، مركز الدراسات الشرقية، القاهرة، 2003م.

[15]المسيري: دفاع عن الإنسان، ص14.

[16]باكثير: شايلوك الجديد، ص19.

[17]باكثير: شايلوك الجديد، ص20.

[18] عن العنف والعدوان في الشخصية اليهودية يراجع: الشامي رشاد عبدالله: الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية، دار الزهراء، 1991م.

[19] باكثير: شيلوك الجديد، ص28.

[20] عن آليات التطبيع اللغوية في الخطاب الصهيوني المعاصر يراجع كتابنا: المخفي والمعلن في الخطاب الأمريكي، منشورات الزمن الدار البيضاء، 2007م.

[21] باكثير: شيلوك الجديد، ص20.

[22] باكثير: شيلوك الجديد، ص22.

[23] باكثير: شيلوك الجديد، ص51.

[24] جدير بالذكر أن إسرائيل مستعدة لتحمل الأبناء غير الشرعيين في هذه المعركة كما ورد في التوراة الضائعة لباكثير، 49.

[25] باكثير: شعب الله المختار، ص39.

[26] المسيري: دفاع عن الإنسان، ص24، المثال الآخر الذي يحضرني جامعًا لهذه الخواص هو شخصيَّة عزرا في شعب الله المختار الذي كان يعمَل في جمع القاذورات في اليمن ومنها راكم ثروة كبيرة وهاجر إلى إسرائيل لاستثمار، وأيضًا مثال كوهين في التوراة الضائعة حيث عمل حمالاً بعد فراره من ألمانيا إلى الولايات المتحدة قبل أنْ يتحول إلى مليونير، وجدير بالذكر أنَّ المنتمين عادة للجماعات الوظيفيَّة يقومون بأعمال وضيعة عادة.

[27] المسيري: من هو اليهودي؟ دار الشروق القاهرة، 1997م.

[28] يراجع: صابر طعيمة: التاريخ اليهودي العام، دار الجيل بيروت، ط2، 1992م، ج2، ص165.

[29] من ذلك ما نجده من إيراده لبعض الآيات التي تحدث فيها القرآن عن بني إسرائيل أو اليهود في أعماله، والتي تُؤكِّد تداخُل البعدين الواقعي الخارجي والقرآني النصي في تصوير باكثير لهذه الشخصيَّة وإدراكه لأبعادها السلوكيَّة والقيميَّة، فرؤيته للشخصيَّة اليهوديَّة رؤية فنيَّة إسلاميَّة قرآنيَّة (شيلوك الجديد: 3، التوراة الضائعة: 13، مأساة أوديب: 3).

[30] باكثير: شيلوك الجديد، ص38.

[31] باكثير: شيلوك الجديد، ص69.

[32] عطاري توفيق عادل، التربية اليهودية في فلسطين المحتلة والدياسبورا، مؤسسة الرسالة، ط1، 1980م، ص49 - 50.

[33] يراجع: قبعة كمال، الصهيونيَّة والفصل العنصري، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1992م، وسقاف أحمد: العنصرية الصهيونية في التوراة، شركة الربيعان، الكويت، 1984م.

[34] للتفصيل في هذه القضيَّة يراجع: جابر أحمد مصطفى: اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، 2004م.

[35]باكثير: شعب الله المختار، دار مصر للطباعة، ص17 - 18.

[36] Coben, Louise, Israel is Committing Sucide, TelAviv, 1974, P32

[37] باكثير: التوراة الضائعة، ص72.

[38] باكثير: التوراة الضائعة، ص13.

[39] باكثير: التوراة الضائعة، ص21.

[40] باكثير: التوراة الضائعة، ص22.

[41] باكثير: شايلوك الجديد، ص46.

[42] باكثير: التوراة الضائعة، ص56 - 58.

[43] المسيري: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1، 2002م، ص62.

[44] يراجع للمزيد: جوناثان كريتش: حكايات محرمة في التوراة، ترجمة نذير جزماتي، دار نينوي، ط1، 2005م.

[45] باكثير: شايلوك الجديد، ص33.

[46] باكثير: التوراة الضائعة، ص81.

[47] باكثير: التوراة الضائعة، ص79.

[48] باكثير: التوراة الضائعة، ص13

[49]باكثير: التوراة الضائعة، ص 80.

[50] باكثير: شعب الله المختار، ص49.

[51] المسيري: اللغة والمجاز، ص70 - 71.

[52] نبوءة هوشع: ص1 - 2.

[53] يراجع للمزيد: عطا زبيدة محمد: اليهود في العالم العربي: قراءة في خرافة الاضطهاد، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية القاهرة، 2004م.

[54] باكثير: شيلوك الجديد، ص68.

[55] باكثير: شيلوك الجديد، ص170.

[56] باكثير: التوراة الضائعة، مكتبة مصر، ص16.

[57] باكثير: شعب الله المختار، ص19.

[58] باكثير: شيلوك الجديد، ص167.

[59] التوراة: سفر تثنية الاشتراع، ص6 - 7.

[60] سفر الأخبار: ص20 - 24.

[61] باكثير: شعب الله المختار، ص16 - 17.

[62] باكثير: شعب الله المختار، ص31.

[63] باكثير: شعب الله المختار، ص35.

[64] باكثير: شعب الله المختار، ص27

[65] باكثير: شعب الله المختار، ص34.

[66] باكثير: شعب الله المختار، ص62.

[67] يراجع: المسيري: الإنسان والحضارة والنماذج المركبة: دراسات نظرية وتطبيقية، دار الهلال، 2002م، ص185.

[68] باكثير: التوراة الضائعة، ص27.

[69] باكثير: التوراة الضائعة، ص45.

[70]باكثير: التوراة الضائعة، ص110.

[71] عن تماهي الله بالشيطان في الفكر اليهودي، يراجع: جاك مايلز: سيرة الله، ترجمة ثائر ديب، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، ط1، 1998م، ص329.

[72] معلومٌ أنَّ عبادة الشيطان التي نشطت في العالم المعاصر عقيدة يهودية وضَعَها اليهودي الكاهن أنطون لافي سنة 1966م، وجميع طقوسها تقومُ على التجاوز الأخلاقي وانتهاك الحرمات بكلِّ السبل من التعرِّي وممارسة الجنس الجماعي وتعاطي المخدرات وما إليها.

[73]جاك مايلز: سيرة الله، ص17.

[74] المسيري: مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا وغزو الجماعات اليهودية وتصفيتها، ضمن جريدة الحياة الإماراتية، بتاريخ 5/4/2008.

[75] The Israeli Year book, Tel Aviv, 1974, Israeli Yearbook Publicqtion Ltd, p63


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


الوعي النقدي وحدود التجديد في شعر علي أحمد باكثير

د. عبدالمطلب جبر

لا تُذكَر قضيَّة التجديد والرِّيادة في الشعر العربي الحديث المعاصر إلا ويكون علي أحمد باكثير (1910-1969م) أحدَ الشُّعَراء الذين أسهَمُوا في هذا المسار؛ فهو عند طائفةٍ من الدارسين يُمثِّل الرِّيادة الفنيَّة، وعند آخَرين الرِّيادة التاريخيَّة، وبقدر ما يتداخَل هذان الخطَّان تتأرجَحُ مكانة باكثير في خطِّ تطوُّر التجديد في الشعر العربي، وعلى كثْرة الدراسات التي أُفرِدت للشاعر أو تناوَلَتْه في إطار تطوُّر الشعر العربي الحديث، فإنَّ هذه الدراسة تتَّجه إلى رصْد مَسار الوعي التجديدي وحُدود الإنجاز الشعري ومَدَى عكسه لهذا الوعي، وتتَّخذ الدراسة من الميراث الشعري الذي ترَكَه الشاعر وكِتاباته مصدرًا أساسًا دون أنْ تغفل الالتفات إلى كثيرٍ من الدراسات الجادَّة، وبين هذه وتلك نضَعُ رأيًا دون شَطَطٍ أو إجحاف، فقد عاش الرجل طول حياته مُتطلِّعًا إلى القِيَم العُليا، ولا أشكُّ أنَّ الحقيقة والإنصاف كانا جزءًا من هذه القِيَم والمُثُل، فهل نستطيع الإنصاف بأنْ نضع الشاعر في الموقع الذي يستحقُّه في إطار حركة التجديد في الشعر العربي الحديث؟ لن يتمَّ ذلك إلا من خِلال نظرةٍ فاحصةٍ إلى مِيراثه الشعري وناقدةٍ له، ومدى ما يشفُّ عنه من وعي نقدي تجديدي؛ "حتى لا يتحوَّل باكثير إلى مجرد ذكرى أدبيَّة أو سيرة ذاتيَّة، بل لا بُدَّ من أنْ نُصيِّره مدرسة فكريَّة نبني عليها صرحًا جديدًا"، فما حُدود التجديد في نِتاج باكثير الشعري؟[1]
إنَّ أهمَّ نصٍّ نقدي ترَكَه باكثير بين يدينا هو كتابه "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، الصادر أوَّل مرَّة عام 1958م، والكتاب مزيجٌ من السيرة الأدبية والآراء النقدية، خاصَّة ما يتعلَّق بالفن المسرحي كما يشير العنوان، وتكشف الصفحات الأولى من الكتاب عن طُمُوح الشاعر وحُلمِه في أنْ يُصبِح شاعرًا كبيرًا؛ لهذا لم يدعْ ديوانًا لشاعرٍ من الأقدمين والمحدَثين وقَع في يدَيْه إلا قرَأَه، ويشير بإعجابٍ إلى شاعرين: المتنبي وشوقي[2].

ويكشف نتاجه المبكِّر كما ظهر في ديوان "أزهار الربى في شعر الصبا"[3] الذي حقَّقه د. محمد أبو بكر حميد، وصدر بعد وفاته بما يقرب من عقدين عن استيعابٍ مذهل للشعر العربي القديم وشعر الإحياء، كما ينضَح عن ثقافةٍ أدبيَّة ربما تجاوَزت عمره آنذاك، وبالرغم من أنَّ الشاعر لم يخرج عن إطار الإدراك الوجداني وحُدود الرؤية الفنيَّة التي يعكسها الشعر العربي القديم، إلا أنَّنا نلحَظُ مقدرةً في سَيْطرته على اللغة ومُزاوجة بين المعجم التراثي ولغة العصر، وربما كان لافتًا لِمَن يقرأ الديوان غيابُ باب المديح من أبواب الشعر التي نظَم فيها، وقد كان حلمًا لبعض شعراء الإحياء ألاَّ يطرقوا هذا الباب بعد أنْ تراكمت عصورٌ ارتبط فيها المديح بالتكسُّب والمنفعة، نلحَظُ ذلك في مقدمة شوقي لديوانه، والانحِسار اللافت للنظَر لشعر المديح في دِيوان البارودي، وربما تسَلَّل شيءٌ من ذلك إلى روح باكثير، وفي قصيدةٍ تقدم مفهومًا لوظيفة الشعر يقول باكثير[4]:
وَأَعِنِّي عَلَى الْمَدِيحِ فَطَرْفِي
فِي الأَمَادِيحِ ظَالِعٌ مُتَوَانِي

لَيْسَ مَيْدَانِيَ الْمَدِيحُ وَلَكِنْ
وَصْفُ مَا بِي مِنَ الْهَوَى مَيْدَانِي

وربما عبَّر هذان البيتان عن رغبةٍ مُبكِّرة في الخروج من إسار الاجترار للمعاني التي تواتَرتْ في ديوان الشعر العربي القديم، ورغبة في الإفصاح عن الوجدان الخاص، وهو ما أدَّى به لاحِقًا إلى مَشارِف المنزع الرومانسي.

وإذا تجاوَزْنا قصيدته (لمن طلل)[5] التي تقتَفِي خُطَى الشاعر البدوي في الصحراء نستطيع القول باطمئنان: إنَّ شيئًا من رذاذ العصر يتناثَرُ على كثيرٍ من قصائد الديوان، وأقصَى ما يكون ذلك في الاقتراب من لغة الشعر الإحيائي المجدد كما يُمثِّله شعرُ حافظ وشوقي، وقد كان الاثنان أثيرَيْن لديه حيث قال[6]:
يَا لَيْتَ مِصْرَ تُوَافِينِي وَتُسْلِفُنِي
بَيَانَ (حَافِظِهَا) فِي شِعْرِ (شَوْقِيهَا)



أمَّا صحيفة "التهذيب"[7] التي أصدَرَها باكثير مع آخَرين في حدود عام 1931، فتُصوِّر المنزع التجديدي المستنير في الفكر والأدب لدى الطليعة من جيله، وقد جاء في مقدمة العدد الأول أنَّ الصحيفة تصدر (عن منهج تنويري)[8]، وتُبيِّن لنا بعضُ أعداد الصحيفة أنَّ القِراءات الشعريَّة كانت مصحوبةً بقراءات في التراث النقدي العربي، وربما كان عرضه لكتاب (الآمدي) في عددين متواليين[9] دليلاً يكشف لنا صورةً للوعي الذي تشكَّل في مراحل النشأة الأولى، خاصَّة أنَّ الكتاب يُوازِن بين شاعرين يختصران النظريَّة النقديَّة الأولى لعِيار الشعر عند العرب: العمود والخروج عليه.

تلك هي حُدود الوعي الشعري والنقدي كما بيَّنَتْها المصادر المشار إليها، ثم يأتي المنعطَف الأول في حياة الشاعر الأدبيَّة والفكريَّة إثْر رحيله عن حضرموت عام 1932م في هِجرته الطويلة إلى مصر مُرورًا ببعض المدن والأقطار، فأقام في الحجاز مدَّة عامين (1932-1934م)، قبل أنْ يستقرَّ في مصر بعد ذلك، وفي الحجاز قرَأ مسرحيَّات شوقي ولم يكن له قبل ذلك اطِّلاع على هذا اللون من الشعر، لقد هزَّتْه هذه المسرحيَّات من الأعماق كما يقول، وتحت هذا التأثير كتَب باكثير مسرحيَّته الشعريَّة الأولى "همام... أو في عاصمة الأحقاف"[10]، وبقدْر ما في هذه التجربة من دلالةٍ على الرغبة في الخروج من سَطوة الصوت الواحد، فإنها تدلُّ من جانبٍ آخر على انهيار قَداسة الشكل البيتي المغلَق ذي البناء التراكُمي والبُعد الغنائي الطاغي، وستتَّخِذ هذه التجربة بُعدًا آخَر في مسرحيَّاته وقصائده في زمنٍ لاحق، لقد تحدَّث باكثير عن تجربته الأولى هذه ووصَفَها بأنها لا تعدو أنْ تكون (قصائد ومقطوعات)[11]، وهو الرأي النقدي الذي خلص إليه الدارسون وهم يتناوَلون بالنقد مسرحيَّات شوقي الشعريَّة، حيث رأوا أنَّ شوقي عالَج الدراما بأدوات الشعر الغِنائي ووسائله، ولا يُخطِئ ذهن الدارس تلك المشابهة في الشخوص والأجواء والحوار في هذه المسرحيَّة وما يجدُه في مسرحيَّة "مجنون ليلى"؛ لشوقي، وكان باكثير قد أستَلهَم فَضاءَ البادية وشَواخصها في مسرحيَّته تلك[12].

لقد جاء حُكم باكثير وتقويمه لمسرحيَّته تلك في سنوات التدرُّج في التطوُّر الأدبي والنقدي بعد أنِ التحَقَ بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًّا)، حيث اتَّجه في دِراسته إلى الأدب الإنجليزي، ولم يكن له هذا الوعي الأدبي في الحجاز بعد فَراغه من كتاباتها، ومن نِتاج مرحلة الحجاز غير هذه المسرحيَّة، مجموعةٌ من القصائد أطلَقَ عليها باكثير عنوان (الحجازيات)[13] في إشارةٍ إلى مكان كتابتها لا موضوعاتها، وهذه القصائد تسجيلٌ لكثيرٍ من الأحداث الوطنية والقومية والإسلامية تُفصِح عن مواقف الشاعر تجاه هذه الأحداث، وبعض هذه القصائد من نوع المراسلات الشعريَّة مع أدباء الحجاز، وقد جمَع وحقَّق د. محمد أبو بكر حميد هذا الديوان وأظنُّه تحت الطبع[14]، ولم يطرأ أيُّ تحوُّل جوهري في كتابة القصيدة خِلال إقامته في الحجاز، ويمكن أن نعدَّ قصيدته (نظام البردة أو ذكرى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم) التي كتبها سنة (1933م) أقصى ما وصَلتْ إليه القصيدة البيتية في شعره إحكامًا وبناء، وهي تُفصِح عن مَزيجٍ من الشجن والسموِّ الروحي الرفيع... وهذه المطوَّلة تُجسِّد في نسيجها ثقافةً باكثير الشعريَّة ومثاله الفني وقراءاته الشعرية ومخزون ذاكرته من الموروث، وهي بعد ذلك معارضة لبردة البوصيري واستهلالها[15]:
يَا نَجْمَةَ الأَمَلِ المَغْشِيِّ بِالأَلَمِ
كُونِي دَلِيلِيَ فِي مُحْلَوْلِكِ الظُّلَمِ

فِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي القَرِّ حَالِكَةٍ
صَخَا بِهِ بِصَدَى الأَرْوَاحِ فِي الدِّيَمِ



وهذه الْمُطوَّلة يُمكِن النظَر إليها من زاوية النُّضج الفني، حيث استَوعَب الشاعر تقاليدَ بناء القصيدة على وفق المنهج التراثي الذي يمتدُّ من البواكير ويصلُ مرحلة الاستواء والترسُّخ، كما تُظهِره القصيدة، إنها خاتمة المرحلة الأولى، وفي مصر ستبدأ المرحلة الثانية بكلِّ تنوُّعها وخصبها، وربما كانت سنوات الإقامة والدراسة في مصر أهمَّ منعطف في حياة باكثير الأدبيَّة، لقد غيَّرت دِراسته للأدب الإنجليزي من نَظرته لمفهوم الأدب كله، وجعلَتْه يُعِيد النظر في المقاييس الأدبية[16] لقد انجذب إلى المسرحيَّة بصورتها الشكسبيريَّة.

وتعبيرًا عن هذه الفتنة بدأ نشاطًا أدبيًّا جديدًا في حَياته هو الترجمة الأدبيَّة والإبداع من خِلال هذه الترجمة ولشكسبير بالذات؛ لأنَّه يشبع نزوعًا في ذاته من حيث الجمع بين الفن القديم الأثير لديه والدراما: الفن الجديد، فكانت ترجمتُه لفُصولٍ من مسرحيَّته "الليلة الثانية عشرة" على طريقة الشعر المقفَّى ونشرها في "الرسالة"[17]، وتظهر المقاطع الأولى للترجمة مدى الجهد الذي بذَلَه للارتِقاء بنسيج النص، ويَظهر ذلك عند قِراءتنا للمشهد الأوَّل؛ حيث التخفُّف من جَهامة اللغة التي ألقَتْ بظِلالها على كثيرٍ من قصائده المبكِّرة، ويبدو أنَّ مُرور عامين على إقامته في مصر أحدث تخففًا من نمط التراكيب والقوالب الجاهزة وأصداء الزمن الشعري القديم، وربما كان فيما نشَرَه على صفحات "الرسالة" و"أبولو" دليلٌ على ما نقول ومن ذلك نُقدِّم هذا المقطع من قصيدة "البعث"[18]:
مَاتَ الغَرَامُ وَقَدْ بَكَيْتُهْ
وَرَثَيْتُهُ مَا قَدْ رَثَيْتُهْ

كَفَّنْتُهُ وَدَفَنْتُهُ
وَبِدَمْعِيَ القَانِي سَقَيْتُهْ

وَأَتَى الزَّمَانُ يَصُورُنِي
عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى سَلَوْتُهْ

يَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ عَا
دَ إِلَى الْحَيَاةِ اليَوْمَ مَيْتُهْ



وفي هذا العام (1936م) أكمَلَ ترجمتَه لفصول مسرحيَّة شكسبير "روميو وجوليت"، وقد وصَف باكثير الظروفَ التي أحاطت بهذه الترجمة ووصفها بالمحاولة الجديدة[19]، مقارنة بترجمته السابقة لمشهد من مسرحيَّة شكسبير التي أشَرْنا إليها، وكانت هذه الترجمة فاتحةً للمعركة الأدبية والنقدية التي أُثِيرت لاحقًا حول البدايات الأولى (للشعر الحر) وفق التسمية التي شاعَتْ لاحقًا، ويمكن أنْ نعدَّ مقدمة ترجمته لـ"روميو وجوليت" أقدم وثيقة نقدية تقدم تنظيرًا واعيًا للأساس العروضي والإيقاعي لهذا الشعر، الذي اتَّضحت صورته في نهاية الأربعينيَّات وبداية الخمسينيَّات؛ إذ أورد في هذه المقدمة هذا الأساس موضحًا: "والنظم الذي تراه في هذا الكتاب هو مزيجٌ من النظم المرسل المنطلق والنظم الحر، فهو مُرسَل من القافية، وهو منطلقٌ لانسيابه بين السطور، فالبيت هنا ليس وحدةً، وإنما الوحدة هي الجملة التامَّة المعنى التي تستغرق بيتين أو ثلاثة أو أكثر دون أنْ يقف القارئ إلا عند نهايتها، وهو - أعني النظم - حر كذلك لعدم التزام عدد معيَّن من التفعيلات في البيت الواحد[20]، ويبدو أنَّ هذا الوعي النقدي لبنية الشعر الدرامي قد كان تتويجًا لتجاربه الشعريَّة بين عامي (1934-1936م)؛ إذ نلحظ - تأكيدًا لما سبقت الإشارة إليه - تحوُّلاً واضحًا في النسيج الفني لقصائده خلال هذه الأعوام من إقامته في مصر، ورافَق ذلك شيءٌ من التغيير في البناء والمعمار والصور والتراكيب، تدلُّ على ذلك قصائده: (الشاعر وسريره)، (بين الهدى والهوى)، (أغنية النيل حواء)، (غرور الفنان وعقابه)، التي نُشِرتْ على صفحات "الرسالة" في هذه السنوات من الثلاثينيَّات، إذا قارنَّا هذه القصائد بتلك التي كتَبَها قبل هجرته[21].

ونقتطع من قصيدته (أغنية النيل) هذا المقطع[22]:
وَالزَّوْرَقُ النَّاعِسْ
يَغْفُو عَلَى الْمَاءِ

كَالْبَائِسِ الْيَائِسْ
فِي وَسْطِ نَعْمَاءِ



يُرَتِّلُ الشِّعْرَ
مِجْدَافُهُ اللاَّغِبْ

يُشَيِّعُ العُمُرَ
وَيَنْدُبُ الصَّاحِبْ



يَجْرِي فَيَرْعَاهُ
فِي أَلَمٍ بَالِي

يُهِيجُ مَسْرَاهُ
ذِكْرُ الْهَوَى الْخَالِي



غَنَّى بِهِ الْمَلاَّحْ
أُغْنِيَّةَ الْحُبِّ

يُكَرِّرُ التَّصْدَاحْ
بِالنَّغَمِ العَذْبِ



يَمُدُّهَا: يَا لَيْلْ
يَا لَيْلِي يَا عَيْنِي

مُنَادِيًا بِالْوَيْلْ
مِنْ أَلَمِ البَيْنِ



ومن الدارسين مَن لاحَظَ في شِعره خِلال هذه السنوات صِراعًا حادًّا بين المحافظة والتجديد بالمعنى الفكري والفني، وربما كان كما يقول د. السومحي "ذا شخصيَّتين منفصلتين: شخصيَّة أدبيَّة محافظة، وشخصيَّة أدبيَّة مُتطلِّعة إلى التجديد، فكان ينشر شعره الوطني والإسلامي في مجلة "الفتح" و"المسلمون"، وينشر شعره المتجدِّد في موضوعاته وألفاظه والشعر الغزلي في مجلتي "أبولو" و"الرسالة"[23].

ولم يكن الشكل الإيقاعي الذي تَوصَّل إلى التنظير له إلا صورةً من صور تطلُّعه إلى التجديد، وهو يبحَث عن الشكل الملائم للدراما الشعريَّة وإيجادها في الأدب العربي الحديث، وكان هذا (الشعر المرسل) اكتشافًا يقدم البديل الإيقاعي الذي يتيح للقصيدة العربيَّة التطوُّر والنماء والاستجابة لحركة الحياة وتجدُّدها، لقد قادَت المحاولة الأولى لترجمة بعض أعمال شكسبير إلى الدخول في تجربة التأليف المسرحي الشعري، فكتب مسرحيَّته "أخناتون ونفرتيتي" 1938م، وقد كان تأليفها على وفق مفهومه الذي قدَّمَه بين يدي ترجمته "روميو وجولييت"، مستخدمًا في تجربته هذه تفعيلة بحر (المتدارك) فقط في المسرحية كلها، بخلاف ما استخدمه في ترجمته من الجمع بين عدَّة أبحر وفقًا لما يتطلَّبه كلُّ موقف، وكانت نتيجة تجربته في التأليف مريرة؛ إذ لم تلقَ الاستجابة التي كان يحلم بها، وهذا ما جعَلَه يصرف النظر عن التفكير في التأليف المسرحي على النمط الشكسبيري وجعلَتْه تجاربه يقطع بأنَّ "النثر هو الأداة المُثلَى للمسرحيَّة... وأنَّ الشعر لا ينبغي أنْ يُكتَب به غير المسرحيَّة الغنائيَّة التي يُراد لها أنْ تُلحَّن وتُغنَّي؛ أي: (الأوبرا)[24] لكن (باكثير) حين يعرض لجماليَّة الشعر والنثر، وتوظيفهما في الدراما يلتَفِت إلى مسألةٍ أعمق ربما التفت إليها الشعراء اللاحقون في سِياق التمييز بين التعبير الشعري والتعبير النثري عن الموضوع الدرامي الواحد، ويتمثَّل ذلك في أنَّ الشعر في المسرح قد "يمنَحُه قوَّة في التعبير لا يمنحها له الكلام المنثور"[25].

كما أنَّه قد أدرك أيضًا اضطراب مفهوم (المرسل) في التجارب التي سبقَتْه، وكان هذا الاضطراب أو سوء الفهم هو ما اتَّضح في تجارب شكري والزهاوي بين عامي (1905م-1909م) قبل ذلك[26]؛ إذ جاءت قصائدهم التي أطلقوا عليها تسمية (الشعر المرسل) أقرَب إلى رُوح القصيدة البيتيَّة، في حين أدرك باكثير أهميَّة التعليق أو التضمين الذي أشار إليه العروضيُّون؛ لأنَّ تسميته لهذا الشكل الشعري قد حددت بقوله: (المرسل المنطلق) Running Blank verse، وقد أوضحه بقوله: "وهو منطلقٌ لانسيابه بين السطور"، وهذه الخاصيَّة هي التي جعَلتْ وحدة القصيدة تتمثَّل في الجملة بدلاً من البيت، ويمكن أنَّ نلتَقِط مَدَى استِيعاب الشاعر لذلك من خِلال هذا المقطع الذي أورَدَه على لسان (بنفوليو) صديق روميو[27]:
تُطْفَأُ النَّارُ بِنَارِ ويسرس
ألم وقع سواءه، وَالأَسَى يَمْحُو الأَسَى
مَنْ يَدُرْ يَشْكُ دُوَارًا فَإِذَا ما
دارَ عَكْسَ الدَّوْرَةِ الأُولَى صَحَا
خُذْ بعَيْنَيْك سمامًا رُبَّمَا يَقضِي على السمِّ القَدِيم

وقد لفت استيعاب باكثير لتدفُّق المعنى نظَر بعض الدارسين الذين رأوا أنَّ عدم انتِظام عدد التفعيلات واطِّراد التضمين وجعل الفقرة وليس البيت أساس وحدة المعنى يبين أنَّ باكثير "استطاع أنْ يخطو بالشعر المرسل خُطوة ثوريَّة إلى الأمام، وذلك بتطويره إلى الشعر غير المنتظم (Verse Irregler)، وهي الطريقة التي واصَل استخدامها الشعراء الشبَّان الذين بدَؤُوا الكتابة في خواتيم الأربعينيَّات"[28].

ولأنَّ هذه التجربة كانت فاتحةً لحركة شعريَّة أوسع فقد استفاض كثير من الدارسين في تناولها، خاصَّة حين يتعلَّق الأمر بالرِّيادة " [29].

أمَّا خارج إطار التأليف المسرحي شعرًا الذي حسَم باكثير أمره بعد أنِ اتَّجه إلى النثر، فنجدُ باكثير يستَلهِم تجربته في الشعر المرسل كما قدَّمه لتوظيفها في الشعر الغنائي، ولماذا لا يتَّجه إلى ذلك وقد أحسَّ بنُشوء التجربة وجسارتها، وربما حاول أنْ يُؤسِّس له تاريخًا في تطوير القصيدة العربيَّة من خِلال إثراء بنيتها الموسيقيَّة، بعد أنْ خذلته تجربة المسرحيَّة الشعريَّة وإحساسه بالمرارة لضعْف الاستقبال عند نشره لـ"أخناتون ونفرتيتي" كما يذكر، وكان مصطلح الشعر الحر قد شاعَ مع تجارب أبي شادي خاصَّة في ديوانه "الشفق الباكي" 1926م، ومع انتشار حركة الترجمة الأدبيَّة وشيوع التأثير الأوربي في الأدب العربي في الربع الأول من القرن العشرين، وفي هذا الإطار ينشر باكثير قصيدة بعنوان (نموذج من الشعر المرسل الحر) ومنها نقدم المقطع الآتي[30]:
عَجَبًا كَيْفَ لَمْ تَعْصفْ بِالدُّنَى زَلزَلة
كَيْفَ لَمْ تهوِ فَوْقَ الثَّرَى شُهُبٌ مُرسَلة
يَا لَهَا مَهْزَلَة
يَا لَهَا سَوْءَة مُخجِلة

وهي قصيدةٌ طويلة التزم فيها تفعيلة (المتدارك) مع تراوُح في عددها من سطرٍ إلى آخَر، والقصيدة من زاوية الموضوع تُعبِّر عن موقف باكثير الانفعالي من سياسة فرنسا في بلاد الشام، أمَّا من زاوية الوعي الفني فإنها تُعبِّر عن إدراكٍ واعٍ لتصدُّع الشكل الشعري القديم وإحلال السَّطر الشعري بدلاً من البيت، وإن لم تتحرَّر من مناخ (الخطابية) و(التقريرية) وتقصد (التقفية)، وغير ذلك ممَّا علق بالشعر القديم، فهو عبق من رُوحِه، كما يلحظ على القصيدة أنَّ وحدة السطر المعنويَّة تكاد تكون تامَّة، وبذلك انحسر مفهومُ التضمين الذي ألَحَّ عليه باكثير وأوضَحَه وهو يشرح مفهومه (للشعر المرسل) ووضع لفظه (المنطلق) تأكيدًا لتكنيك التدفُّق في هذا الشعر كما هو في نموذجه الوافد.

ويبدو أنَّ (باكثير) لم يعدْ منشغلاً أو مثقلاً بالهموم الفرديَّة التي تجد في البوح الغنائي منفذًا لها.

ويبدو أنَّ (باكثير) لم يعدْ يهتم بتطوُّر أدواته الشعريَّة، وربما كان قد اكتفى بإنجازه في تثبيت هذا الشكل الشعري وإدخاله إلى شِعرنا العربي - على اختلافٍ بين الدارسين - وربما وجَد الشعر قاصرًا عن التعبير عن قَضاياه وهُمومه فقد انشَغَل بالقضايا الكبرى: الوطن والأمَّة والإسلام وحال المسلمين والعدالة والتاريخ، وغيرها من المشكلات والقضايا الفكريَّة التي ظلَّت تُؤرِّقه؛ لهذا اتَّجه إلى أجناسٍ أدبيَّة أخرى مُتوسِّلاً بالنثر أداة في التعبير عن رُؤاه الفكريَّة والفنيَّة، ويتَّضح لنا أنَّ هذا التراجُع عن نظْم الشعر قد بدَأ عام 1936م[31] بعد أنْ قادَتْه الدراسة إلى مراجعة كلِّ المفاهيم والتصوُّرات الأدبيَّة، فإذا أضَفْنا إلى هذا العامل ما سبق أنْ أشرنا إليه من اشتغاله بالقضايا القومية والإسلامية والسياسية وغيرها، بدت لنا تلك القصيدة نافرة بين أصداء كتاباته المسرحيَّة والروائيَّة التي انصَرَف إليها، وإذا تجاوَزْنا شكلَها البنائي وإطارها الإيقاعي أدركنا أنَّ مفهوم باكثير للتجديد ربما عبَّر عن قُصورٍ في النظَر إلى الترابط بين التصوُّر والصورة، بين الرؤيا والتشكيل، فكان حدود التجديد الشعري - الذي ألَحَّ على أن يكون عنوان القصيدة رمزًا له - هو تداعي الشكل البيتي دُون تعميق هذه النظرة إلى ما يتَّصل بِحَداثة الرؤيا، أو بتصوُّر جديد للإنسان والكون والحياة، أو التفات إلى شعريَّة اللغة وتوظيفها جماليًّا، وقد شغلت هذه المسألة بعض الدارسين الذين عرضوا لقضيَّة الرِّيادة والتحديث في الشعر العربي وربما تمتدُّ هذه الملاحظة - حول ما يتَّصل بحداثة القصيدة وجدَّتها - إلى نازك الملائكة وتنظيرها النقدي في هذا المجال؛ إذ كانت نازك تعدُّ الشعر الحر - وهو المصطلح الذي أشاعَتْه - ظاهرة عروضيَّة قبل كلِّ شيء[32] و"إنَّه أسلوبٌ في ترتيب تفاعيل الخليل تدخل فيه بحور عديدة من البحور الستة عشر المعروفة"[33]، ويدخُل ضمن مفهومها النماذج التي قدَّمتها ويمكن أنْ يندرج في إطارها نصُّ باكثير السابق وشعر مسرحيَّاته.

إنَّ عدم التِفات نازك الملائكة الشاعرة والناقدة وربما غيرها إلى شعريَّة اللغة وحَداثة الرؤيا هو الذي أدَّى إلى "هذا الرُّكام الهائل من الدراسات الشعريَّة التي لا قيمةَ لها حول (شعر) ليس شعرًا"[34].
ولم يسأَلْ أحدُهم هل "هذا النص شعر حقًا"؟[35]؛ ولهذا ننظُر بتردُّد وحذَر حول مدى جدَّة النص الذي كتَبَه باكثير عام 1945، إذا ما تجاوزنا الإطار العروضي - على تجزيئيَّة هذا المِعيار وهو اضطرارٌ إجرائي.

لقد اتَّجهَتْ بعضُ الدراسات النقديَّة الجادَّة إلى وضْع مِعيار حاسم للنصِّ الجديد في شِعرنا العربي يتجاوَز مَسألة التجريب والرِّيادة التاريخيَّة إلى الرِّيادة الفنيَّة، وعلى اختلاف صيغ هذا المعيار إلا أنَّ مسألة البناء العروضي والإيقاعي ليست حاسمة ونهائيَّة في هذا التجديد، وإذا كان هذا المعيار قد ورد في إطارٍ إنشائي غائم[36] عند أدونيس، فإنَّه عند الدكتور إحسان عباس أكثر وضوحًا حين يُحدِّد مفهومَه للتجديد الذي يُؤرخ له بدءًا من التجارب الشعرية في الثلاثينيَّات والأربعينيَّات، وانتهاء بالبواكير الأولى للسيَّاب ونازك، فهو يرى أنَّ هذا الشعر "لم يعد تلبيةً لرغبة في التجديد الشكلي - كما بدأ - وإنما أصبح مع الزمن طريقةً في التعبير عن نفسيَّة الإنسان المعاصر وقضاياه ونزوعاته، فهو يتطوَّر في ذاته كلَّما تطوَّرت المداخل لفهْم تلك النفسيَّة والمبادئ المطروحة لحلِّ تلك القَضايا والوسائل الجديدة للكشف عن ضُروب اللقاء والصِّراع في مثل تلك النزوعات"[37]؛ ولهذا نجدُه يبدأ بالالتفات إلى النصوص التي يعدُّها تمثيلاً للرِّيادة الفنيَّة كما تمثَّلت في قصيدة (الخيط المشدود في شجرة السرد) 1948م لنازك الملائكة، و(في السوق القديم) للسياب 1948م[38]، وقد قُدِّرَ لهذا الخط أنْ يتطوَّر في العقد السادس من القرن العشرين، حيث أصبحت القصيدة الجديدة[39] تتَجاوَز - وربما تُزاحِم - القصيدة البيتيَّة وتكسب قطاعًا واسعًا في الحياة الثقافيَّة العربيَّة بما أدَّى إلى ترسيخ هذا الشكل الشعري.

إنَّ إحدى التجارب الأخيرة في حياة باكثير الشعريَّة لم تفصح عن استيعاب النضج الفني وتطور وسائل الأداء الشعري وتعدد تقلُّباته التعبيريَّة، فقد جاءت مطوَّلته الشعريَّة (إما نكون أو لا نكون) التي كتَبَها إثْر هزيمة حزيران 67، وقبل عامين من وفاته، تعبيرًا عن مَرارة النكسة ووقْعها على وجدانه، لقد توقَّف الشاعر عند حُدود الرفض والإدانة ولم يَصِلْ إلى الكشف والتعرية... وقد كان من نتائج النكسة ومَرارتها الوقوف للمُساءلة لماذا؟ وكانت هذه المسألة قد شغلت المفكِّرين والمثقَّفين العرب بمشاريعهم المختلفة.

ونُقدِّم هذا المقطع من القصيدة المشار إليها الذي يُعبِّر عن رفض الشاعر[40]:
لا صُلحَ يا قَومِي وإنْ طالَ المَدَى
وإنْ أغارَ خَصْمُنا وأنْجَدا
وإنْ بَغَى وإنْ طَغَى وإنْ عَدا
ورَوَّعَ القُدسَ وهَدَّ المَسْجِدَا
وشادَ في مَكانِهِ هَيْكَلَه المُمَرَّدا
وشرَّدَ الأُلُوفَ من دِيارِهِمْ وطَرَّدَا
وذبَح الأَطْفالَ والنِّساءَ والشُّيُوخَ رُكَّعًا وَسُجَّدَا
يلتَمِس العَدُوَّ صُلحَنا سُدَى
وَلَنْ نكُونَ أَعْبُدا
إمَّا نكونُ أبَدا أوْ لا نَكُونُ أبَدا

وهذه القصيدة تمثيلٌ للرؤية الشعريَّة السطريَّة شكلاً والبيتيَّة مناخًا ورؤية، إنَّ السطر يخضَعُ للوحدات التي خضَع لها البيت العربي: الدلاليَّة التركيبيَّة والإيقاعيَّة، وتراجع التدفُّق الذي ألَحَّ عليه باكثير وطغَتْ خِطابيَّة البيت القديم لاستِحضاره حماسة الشاعر القديم وبلاغته في مواقف الثأر، وتبرير هذه الخطابيَّة يُفسِّر أيضًا باتجاه انفِعاله ومَرارته إلى الخارج دون الداخل... مع طُغيان الرؤية الذهنيَّة في التناول الشعري.

لقد تخلَّف الإنجاز الشعري عن الوعي النقدي المتقدِّم الذي جسَّدَه نموذج باكثير فيما يتَّصل بثورة الشكل في القصيدة العربيَّة، ولم يتمكَّن الشاعر من تخطِّي المفهوم العروضي للشكل إلى الجوهر المتَّصل بالتصوُّر والرؤيا والموقف في إطار العصر، وربما أدركنا الهوَّة بوضوحٍ لو وضعنا النصَّ المشار إليه إلى جوار قَصائد الشعر الجديد التي عبَّرت عن هذا الموقف وما تلاه (أمل دنقل مثالاً)، وربما كانت طاقة باكثير الشعريَّة لا ترقى إلى قامته الروائية والمسرحية والفكرية عامَّة، ولو كان حظُّ باكثير من هذه الطاقة يَرقَى إلى طاقته الفكرية والروائية؛ "لأصبح رائدًا حقيقيًّا للمسرحية الشعرية والشعر الحر أيضًا، ولكنَّ آراءه الجديدة لم يدعمها شعرٌ عالٍ فتشيع بشُهرة صاحبها وترسخ رِيادته في النظريَّة والتطبيق[41].

ونخلص ممَّا سبق أنَّ الشعر المرسل كان إنجازًا تاريخيًّا قد أشاع الوعي والتساؤل حول مستقبل الشعر العربي... بنائه، تحديثه في العقود الأولى من القرن العشرين، ولقد قصر الشعر عن حمل القضايا الفكرية الكبيرة التي يَنُوء بها كاهل باكثير جزءًا من رسالة الأديب في هذه الأمَّة، فرأى النثر أكثرَ استجابةً؛ فكانت كتاباته الروائية والمسرحية، ولكنَّه لم يُدرِك ارتباط التغييرات الإيقاعية والبنائية في اتِّصالها بالرؤية والتصوُّر الجديد للحياة والكون والتاريخ، وهذا التصوُّر يتطلَّب وسائل وأدوات شعريَّة ملائمة، ولم تسعفه طاقته الفنيَّة لتحويل رُؤاه إلى شعر باستيعاب عناصر التشكيل واستجابتها لهذي الرُّؤَى؛ فتخلَّف الإنجاز الشعري عن وعي التجديد المتقدِّم.

المصدر: من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م.

[1] د. عبدالله الغذامي، مقدمة كتاب: علي أحمد باكثير، شعره الوطني والإسلامي؛ د. أحمد عبدالله السومحي، النادي الثقافي الأدبي، جدة 1982م، ص14.
[2] علي أحمد باكثير، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، ط2، معهد البحوث والدراسات العربية، دار المعرفة، مصر 1962م، ص6، 8.
[3] علي أحمد باكثير، أزهار الربى في شعر الصبا؛ تحقيق وتقديم: محمد أبو بكر حميد، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، بيروت 1987م، وهذا الديوان يُمثِّل نتاج الشاعر بين عامي (1921-1932م) ينظر: ص25.
[4] المصدر السابق، ص163.
[5] المصدر السابق، ص141.
[6] المصدر السابق، ص234.
[7] صحيفة التهذيب، صحيفة خطيَّة صدرت في سيئون عام 1349هـ (1931م)، ثم طُبِعت أعدادها العشرة مجموعةً وصدرت عام 1350هـ عن المطبعة السلفية ومكتبتها، مصر.
[8] المصدر السابق، العدد 1، شعبان 1349هـ، المقدمة، ص3، 4.
[9] المصدر السابق، العدد 3، 4، شوال، ذو القعدة 1349هـ.
[10] صدرت عام 1353هـ عن المطبعة السلفية ومكتبتها، مصر.
[11] علي أحمد باكثير، فن المسرحية، ص7.
[12] ينظر: مسرحية همام... ص59 وما بعدها، وموازنة ذلك بأجواء البادية وعواطف العاشق في مسرحية شوقي المشار إليها.
[13] الحجازيات، مجموعة قصائد مخطوطة للشاعر (بحوزتي صورة منها) وإني مدينٌ في الحصول على هذه الصورة وغيرها من القصائد المصورة للصديق الدكتور محمد أبي بكر حميد، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض؛ حيث كان مهتمًّا بحكم اختصاصه بقضايا المسرح عند باكثير، وأهداني هذه المصورات لقصائد الشاعر، وأتمنى من الله أن نجد الفرصة للقيام بدراستها.
[14] ينظر: علي أحمد باكثير في مرآة عصره، د. محمد أبو بكر حميد، مكتبة مصر، مصر 1991، الباب الأول، مقالات ص15، 20، 30.
[15] علي أحمد باكثير، نظم البردة أو ذكرى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - مطبعة الشباب، مصر 1991م، ص3.
[16] ينظر: فن المسرحية، ص7.
[17] مجلة الرسالة، العدد 137، السنة 4، المجلد الأول فبراير 1936م، ص266.
[18] مجلة الرسالة، العدد 135، فبراير 1936م، ص186.
[19] فن المسرحية، ص9.
[20] مسرحية روميو وجولييت؛ لشكسبير، مكتبة مصر، 1946م، المقدمة، ص3 ويذكر فيها أيضًا أنَّ الترجمة قد تمت قبل عشرة أعوام من عام النشر (1946م).
[21] أشرنا إلى هذا التحوُّل في رسالتنا: التجديد في شعر اليمن الحديث 1990-1995م، وهي أطروحة للماجستير مطبوعة بالآلة الكاتبة، معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد 1988م، ص175.
[22] الرسالة، عدد 57، أغسطس 1934م.
[23] علي أحمد باكثير... د. السومحي، ص67.
[24] فن المسرحية، ص12.
[25] فن المسرحية، ص31.
[26] باستثناء تجربة محمد فريد أبي حديد تأليفًا وترجمة بين عامي (1919-1923)، لولا أنَّ التأسيس العروضي والتنظير له أكثر ضبطًا عند باكثير؛ إذ كان أبو حديد يرى صلاحية بحور منوعة التفعيلات لهذا النوع؛ كالسريع والمنسرح والخفيف، ينظر: د. خاطر، مجلة الكاتب، السنة 71 العدد 201 ديسمبر 1977م، ص9.
[27] روميو وجولييت، ص21.
[28] ينظر: س. موريه، الشعر العربي الحديث 1800-1970م؛ ترجمة وتعليق: د. شفيع السيد، د. سعد مصلوح، دار الفكر العربي، مصر 1986م، ص213، ويرى المؤلف أنَّ مصطلح الشعر غير المنتظم في الإنجليزية أقرب إلى الدقة حين تصف التطوير الذي أحدَثَه باكثير وحاول محاكاته السيَّاب ونازك في نهاية الأربعينيَّات، وحول مفهوم الشعر غير المنتظم ينظر: ص213، 301، 472، من المصدر المشار إليه.
[29] ينظر على سبيل المثال: مجلة الآداب منذ ديسمبر 1953م وحتى أعداد 2، 4، 5، 6 عام 1954، ومجلة الكاتب الأعداد (201) 1977م، و(205) و(206) عام 1978م الكاتب للدكتور محمد عبدالمنعم خاطر ص77، 78، وينظر: مدخل إلى الشعر العربي الحديث، د. نذير العظمة، جدة 1988م، من ص137-159.
[30] الرسالة، العدد 25، يونيو، 1945.
[31] السومحي، ص67.
[32] نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ط6، دار العلم للملايين، بيروت 1981م، ص69.
[33] المصدر السابق، ص74.
[34] أدونيس، الثابت والمتحول، صدمة الحداثة، ط2، دار العودة، بيروت 1979، ص249.
[35] المصدر السابق، ص250.
[36] المصدر السابق، ص294-297.
[37] إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1978م، ص32.
[38] المصدر السابق ص35، 36، وينظر: س. موريه، الشعر العربي الحديث، ص302، 303.
[39] أطلقت تسميات عدَّة على هذا الشكل الشعري، وقد استخدمنا هذا المصطلح هنا لملاءمته منحى التجديد في الدراسة، وإن كان مصطلح شعر التفعيلة أكثر دقَّة ولتعدد تسميات هذا الشعر، ينظر: س. موريه الصفحات: 304-306.
[40] ينظر: السومحي، ص170، وبحوزتي صورة للنص كاملاً، وأنا مَدِين بالفضل في ذلك للصديق الدكتور محمد أبي بكر حميد الذي أهداني نسخة منه.
[41] د. جلال الخياط، الأصول الدرامية في الشعر العربي، دار الرشيد، بغداد 1982م، ص101.


۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩






  رد مع اقتباس
/
قديم 05-09-2012, 08:25 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سلطان الزيادنة
مدير عام
أكاديميّة الفينيق للأدب العربي
عضو التجمع العربي للأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديميّة للابداع الأدبي والعطاء
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الأردن

الصورة الرمزية سلطان الزيادنة

افتراضي

جماليات البناء الفني في مسرحيات باكثير السياسية

د. عبدالحميد سيف الحسامي

يحتلُّ المسرح أهميَّة كبيرة بين الفنون الإبداعيَّة، ومن خِلاله تمكَّن المبدِعون من تصوير الحياة وما يصطرعُ فيها من أفكارٍ، وما يدورُ فيها من أحداثٍ، وقد كان المبدِع علي أحمد باكثير من أكثر المبدِعين العرب إخْلاصًا للفن والقضيَّة، تميَّز بالجرأة المخلصة، والرؤية الثاقبة، والاحتِراف الإبداعي الخلاق، فاكتملتْ مُؤهِّلات الرِّيادة الإبداعيَّة والعَطاء الإيجابي المثمِر، وكانت المسرحيَّات السياسيَّة القصيرة شتلةً من شتلات إبداعه، لها فرادتها المتمثِّلة في القُدرة على مُواكبة الحدَث ورصدِه من الناحية المضمونيَّة، كما لها ميزة الاختزال والتكثيف بحكم المساحة النصيَّة الموجزة التي تحتَوِيها؛ أي: إنَّ قصرَها قد اقتضاه عاملا الزمن والمساحة النصيَّة المحدودة؛ ولذلك كانت هذه المسرحيَّات قمينة بالدراسة العلميَّة المتأمِّلة، وتأتي هذه الدِّراسة لتكون أوَّل دراسة للمسرحيَّات القصيرة، وتأمل أنْ تفتح كُوًى لدراسة تلك المسرحيَّات في تكامُلها، وتعدد زَوايا النظر إليها؛ حيث إنَّ هذه الدِّراسة ستقتصرُ على دِراسة عددٍ من جماليَّات البناء الفني وضِمن عيِّنة محدودة من المسرحيَّات؛ هي: "أضغاث أحلام"، "اهدمي بغداد"، "سأبقى في البيت الأبيض"، "السكرتير الأمين"، "السوق السوداء"، "في بلاد العم سام"، "في سبيل إسرائيل"، "ليلة 15 مايو معجزة إسرائيل"، "نشيد المارسليز".
وحسبُها أنْ تُثِير الأسئلةَ أمامَ الدَّارسين والمهتمِّين بأعمال باكثير.
وتجهدُ هذه الدراسة في تحقيق هدفٍ أساسٍ يتمحوَرُ في تناول جماليَّات البناء الفني في تواشُجها مع البنية المضمونيَّة، وقُدرتها على تحقيق الرؤية الإبداعيَّة للمبدع، وستقومُ على التحليل النصي والمحاورة الودود لنصوص المسرحيَّات؛ لاستكشاف تلك الجماليات.
وهناك دراساتٌ تناولت المسرح السياسي لباكثير أبرَزُها "أدب باكثير المسرحي، الجزء الأول المسرح السياسي"؛ أحمد السعدني، وتناول فيها ثماني مسرحيَّات طويلة، لكن دراستنا تتعلَّق بالمسرحيَّات السياسيَّة القصيرة فحسب، وهو ما لَم يسبقُ إليه دراسةٌ من قبل - على حدِّ علمي.
ولا شكَّ في أنَّ هذه المسرحيَّات فيها من الثَّراء الدلالي ما يجعل الباحث يُعاني صُعوبةً في الانتقاء أو التكثيف، لكنَّنا سنُحاول ذلك قدْر الممكن، وقبل أنْ أُغادر هذه المقدمة يستوجبُ عليَّ أنْ أسدي شكرًا جزيلاً للأستاذ الدكتور (محمد أبو بكر حميد) الذي كان له فضلٌ غامر في تدبير المادَّة العلميَّة وتوجيه البحث لتناول المسرحيَّات السياسيَّة.

جماليات البناء الفني:
"إنَّ رُؤية الفنان المرتبِطة بفِكره وموقفه يُقدِّمها الفنان من خِلال أعماله، ونحن من خِلال أدواته التي يستعملُها نستطيع أنْ نستشفَّ رؤيته ونحكُم عليها؛ ذلك لأنَّ الفنَّ تعبيرٌ في المقام الأوَّل بعد أنْ يتجاوز مرحلة إعادة الخلق"[1].

وقد تعدَّدت الأدوات الفنيَّة التي يُوظِّفها باكثير في مسرحيَّاته السياسيَّة، ومن تلك الأدوات الجمالية التي يتوسَّل بها للتعبير عن رُؤاه ومَواقفه الفكريَّة والسياسيَّة في مسرحيَّاته ما يأتي:
أولاً: تقنية الحلم:
يلجَأُ الأديب "إلى الحلمِ في محاولةٍ تعويضيَّة لما يصعُب تحقيقه في الواقع، ولتحقيق تناوُل رمزي يهدفُ إلى تحفيز وعي الناس وتفكيرهم بالحاجة بأهميَّة التغيير الاجتماعي"[2].

"وعلى الرغم من أنَّه لا يمكن أنْ نعيش التجربة والممارسة بالحلم، فإنَّنا يمكن أنْ نجعل منه مدخلاً للارتباط بالواقع المعيش لغةً وذاتًا ومجتمعًا، ولا معنى للحلم إنْ لم يكن منشبكًا بالتجربة والممارسة"[3].
وتسعى المسرحيَّة من خِلال تقنية الحلم أو الرؤيا المناميَّة إلى سبر أغوار الشخصيَّة بوصْف الحلم منطقة مُتمرِّدة على الرقابة الواعية في نظر المحلِّلين النفسانيين، كما تعدُّ الأحلام لديهم مِسبارًا لقراءة النوازع الكامنة في أعماق اللاوعي؛ حيث تبوحُ الشخصيَّات في أحلامها المناميَّة بما لم تتمكَّن من البوح به في الواقع الموضوعي.
ونجدُ في مسرحيَّة "أضغاب أحلام"[4] توظيفًا بارعًا لتقنية الحلم أو الرؤيا المناميَّة؛ إذ تتَّخذ المسرحيَّة حجرةَ نوم (المستر شرشل) مسرحًا لها، وفي منتصف ليلة من الليالي حيث تفزع ابنته الصغيرة (ماري) من نومها (تصيحُ على سريرها):
أدركوني! أدركوني! أمي.. أبي.
وكانت هذه الصيحة بداية للمسرحيَّة، فقد أخَذ الوالدان باستقصاء أسباب الفزع، فقالت الصغيرة:
لقد رأيت رؤيا مفزعة.
الأب: لا ينبغي لمثلك أنْ تخشى الرُّؤى والأحلام.
الأم: ماذا يا عزيزتي؟
البنت: (تمسح العرق عن جبينها، وتتنهَّد) إنها رُؤيا فظيعة.
الأب: بنت، الدماغ العابثُ اللاهي تجيءُ بها أباطيل الخيال، كما يقول شكسبير.
البنت: كلا يا أبي... لقد رأيت صَرعَى هيروشيما وهم يتعلَّقون بك، كلٌّ منهم يريدُ أنْ ينتقم منك!
الأب: ماذا أوصلك إلى ذلك البلد البعيد؟ لقد صدق شكسبير إذ يقول عن الحلم: "أرقُّ من صافي الهواء، وأشد ذبذبة من الريح التي بينا نراها في الشامل تُداعب الثلج الجميل إذ بها ترتدُّ مغضبة فتلثم في الجنوب فرائد الطل النثير".

إنَّ النصَّ يعتمدُ على الرؤيا المناميَّة سبيلاً لكشْف قضيَّةٍ خطيرة، فكانت سبيلاً لتصوير جِناية (شرشل) ودوره الآثِم فيما أصابَ هيروشيما، وبَيان كيفية أنَّ انتِقام الضحايا قد تحقَّق إن لم يكن في الواقع ففي الحلم.
لو رأيت يا أبي تلك الصورة المشوَّهة كما رأيتها لامتلأ قلبك رعبًا، لقد رأيت كلَّ واحدٍ منهم يوقع بك مثل ما أصابه من جرَّاء القنبلة الذريَّة، فهذا يُشوِّه وجهك تشويهًا فظيعًا، وهذا يسلخ جلدَك كما تُسلَخ البقرة، وآخَر يحفر في عينيك... آه، يا للفظاعة! (تغطي وجهها وتنتحبُ).
ونلحظ أنَّ المسرحيَّة تتَّجه نحوَ تصعيد الصِّراع بنوعٍ من التدرُّج، وهذا التدرُّج - كما يرى باكثير - من شُروط جودة الحوار، إلى جوار معرفة الكاتب بشخصيَّاته[5]، فالكاتب يسيرُ بالحوار مُتدرِّجًا بما يكفل متابعة القارئ دون الإحساس بأيِّ فَجوات، فضلاً عن امتِلاكه خبرة ودراية بدور الشخصيَّات، فهو يُجسِّد دور (شرشل) ويرسمه من خلال الحوار بكلِّ تفاصيله الفكريَّة والنفسيَّة، وقدَّمه بوعيٍ تامٍّ بموقفه في الحرب العالميَّة الثانية، فيكشف بالحوار هسهسة مشاعره، ونبضات فكره.. لحظات الانكسار أمام هتلر، والاهتزاز أمام الرؤيا، وومضات الضمير، وغلبة الجحود والصلف.
وتأتي مرحلةٌ جديدة من مراحل توظيف تقنية الحلم، فلم يقتصرِ الأمر على البنت الصغيرة، بل امتدَّت شرارة الحلم لتُشعِل النار في منطقةٍ أخرى هي أعماق (شرشل) نفسه، ويُعالج كابوسًا مخيفًا؛ إذ يدخُل في تفاصيل حلم ممتدٍّ يُقابل فيه شبحًا مرعبًا تجلَّى له في صورة (هتلر)، ويدورُ بينهما حوارٌ طويل تجلَّى فيه شرشل مستكينًا أمام هتلر يبكي ويتوسَّل:
"يرى شرشل في منامه كأنَّه وُضع في زنزانة، وبينما هو يُفكِّر فيما صار إليه حالُه من الذل والشقاء إذا بوحشٍ مخيف يظهر له... فلمَّا تأمَّله إذا به وجه هتلر".
ويُمثِّل (شرشل) - في حلمه - أمام المحكمة ليتعرَّض لمحاكمةٍ طويلةٍ أمام المدَّعِي العام في محكمة "نورمبرج" ويتكشَّف للقارئ من خِلال الحلم علاقة (شرشل) بالصَّهاينة، كما توضح المرافعة التُّهم المنسوبة إليه من قِبَل المدَّعِي العام الإنجليزي، وحينما يفزع من نومِه وهو يتصبَّب عرقًا، أخَذ يُردِّد: "أضغاث أحلام، لقد دَعاني (يهوذا).. كلا، لست أنا (ونستون شرشل) أنا رجل الإمبراطوريَّة الخالد.. أنا صِهيَوْني.
فالمرافعة تُؤكِّد التُّهمة، ويقومُ هو بالاعتراف، والاعتراف سيِّد الأدلة، ويقول:
كيف لي بالنوم الآن؟ إنَّني أخشى النوم، ويلك يا يهوذا! لا.. لا.. ويلك يا ونستون، نعم ويلك يا ونستون، أهذا ما يُسمُّونه عذاب الضمير؟ أخشى أنْ يصدق ما يقولون، كلا، لا بُدَّ أنْ أبحث عن سِرِّ هذا الكابوس المزعج".
إنَّه يعترفُ بأنَّه يهوذا خائن المسيح، يعترف ويستدركُ بما يُوحي بمدَى التذبذُب النفسي الذي يُعانيه، ومدى عَذاب الضمير الذي يفورُ في أعماقه.
إنَّ لجوء باكثير في هذه المسرحية إلى توظيف تقنية الحلم كشَف لنا عن حَجم المعاناة والقلق النفسي الذي يكتنفُ الشخصيَّة، وحقَّقت هذه التقنية قدرًا كبيرًا من الدَّهشة الفنيَّة، وعلى المستوى الدلالي نقَلت لنا عالمًا يسودُه التوتُّر الداخلي على الرغم من الاستقواء الظاهري، كما أنَّ الحلم جعَل شرشل يُعاين جزءًا من المصير المفترض أنْ يعيشه، وبذلك ينتصرُ من خِلاله للقيم الإيجابيَّة في الحياة، ويسهم الفن المسرحي لدى باكثير في معالجة القَضايا الكبرى في واقعنا، وينهض بمسؤوليَّةٍ جسيمة في تشكيل الوعي.
... إنَّ المثير للدَّهشة في هذا الحلم أنَّ شرشل في لحظتي الحلم - حلم ابنته وحلمه هو - أخَذ يبحث عن سِرِّ تلك الكوابيس، وقد عزا الحلم في المرَّة الأولى لكتابٍ كان موضوعًا على المنضدة عن هيروشيما، ولا شَكَّ في أنَّ لهذا الكتاب دلالته الرمزيَّة، يقول: "سأبين لك الآن سبب هذا الحلم" (يفتش في الكتب الموضوعة على المنضدة بقُرب السرير فيرفع من بينها كتابًا جديدًا عن هيروشيما) هذا هو السر.. هذا هو الضمير الذي تُؤمنين به.
وفي اللحظة الثانية من الحلم أخَذ يُقلِّب الأوراق في مكتبه، ثم استخرج جريدةً يوميَّة فينظُر ويبتسم: هاأنذا كشفت السر.. هذه مقالة برنارد شو عن مجرمي الحرب الألمان الذين شُنقوا أخيرًا.. ويلٌ لهذا الكاتب الأيرلندي اللعين! إنَّ أيرلندا لا يأتينا منها خيرٌ أبدًا... (ويرجع إلى سريره لينام) لا وجود للضمير.. إنَّ هذا صدى هذه المقالة اللعينة، وهكذا نلمسُ الصراع بين الأنا الأعلى والهو، الأنا الأعلى الذي يُمثِّل الضمير والرقيب على تصرُّفات الشخصيَّة، والهو الذي ينزعُ إلى إشباع رغبات الانتقام والهوى...
إنَّ البحث عن سِرِّ رُؤيا المناميَّة قد ارتبط بنزعة نكرانٍ لحقيقة الضمير، ومحاولة التهرُّب من المسؤوليَّة بَيْدَ أنَّ الكتاب والمقالة يعدَّان رمزين مهمَّيْن في سِياق إنتاج الدلالة العامَّة للمسرحيَّة؛ فهما نتاجُ الضمير الإنساني، وشاهِدَا عدلٍ على غِياب الضمير لدى (شرشل) وأضرابه ممَّن اقترفوا الجرائم في حقِّ الإنسانيَّة.
كما أنَّ اشتراك ابنته في الرؤيا يشيرُ إلى عُمق المأساة التي تسبَّب فيها شرشل حتى أضحَتْ همًّا يُؤرِّق الصِّغار قبلَ الكبار، فضلاً عن أنَّ رؤيا الطفلة كانت بوَّابة لاستثارة قلَق أبيها من تلك الصور التي رأتها ابنته في رُؤياها، وكانت مقدمة فنيَّة مثيرة فتَحتْ سلسلةً من التَّداعيات، وسوَّغت الانتقال بالمسرحيَّة من طورٍ إلى آخَر.
ثانيًا: المفارقة:
تتعدَّد تعريفات المفارقة وآراء النُّقَّاد فيها، فتُعرف بأنها: "بنية جمالية هدفها إحداث أبلغ الأثر، تعتمدُ على الانقلاب في الدَّلالة، وإحداث هوَّة بين المظهر والحقيقة، أو بين التوقُّع والحدث، أو بين ما يُقال وما يُنتظر قوله[6].
يقول د. سي. ميويك: إنَّ المفارقة الحقَّة تبدأ بتأمُّل مصير العالم بمعناه الواسع[7]، وقد توصَّل فريدريك شليكل إلى القول: "بأنَّ المفارقة تقوم على إدراك حقيقة أنَّ العالم في جوهره ينطَوِي على تضاد، وأنْ ليس غير موقف النقيضين ما يقوى على إدراك كليَّته المتضاربة[8].
"تظهر المفارقة اللفظية في أبسط تعريفاتها على أنها شكلٌ من أشكال القول، يُساق فيه معنى ظاهر في حين يُقصد معنًى خفيٌّ أو يُخالف غالبًا ذلك المعنى الظاهر"[9].
"يحاول صانع المفارقة أنْ يقدم لمتلقِّيه فهمًا خاصًّا للأشياء التي يتعامَلُ معها؛ أي: إنَّه يحاول بناء نسق ثقافي يُهَيمِنُ فيه على متعلقات المفارقة: لغة وحركة وشخوصًا وصورًا متشكِّلة بوصفها مفردات أساسيَّة تصوغ فلسفته الذاتيَّة"[10].
وقد تجلَّت المفارقة في بنية المسرحيَّات السياسيَّة في مظاهر مختلفة؛ منها ما يتعلَّق بالعَنْوَنة، ومنها ما يتعلَّق بالمضمون العام للمسرحيَّة، ومنها ما يتَّصل بمواقف الشخصيَّات... ومن ضِمن المسرحيَّات التي وظَّفت المفارقة على مستوى العنوان مسرحيَّة "السكرتير الأمين[11]؛ إذ إنَّ المسرحيَّة تُجسِّد موقف سكرتير الأمم المتحدة (المسيو تريجفي لي) الذي يفترض أنْ يقوم بدوره بصفته مسؤولاً أمميًّا يحرص على مصالح كلِّ الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وينبغي له أنْ يكون على قدرٍ كبير من المسؤوليَّة التي تتناغم وحجم منصبه الذي يشغله، بيد أنَّ المسرحيَّة تكشفُ عبر مشاهدها سُقوط هذا السكرتير في وحل الخيانة، حينما يستقبل الصِّهيَوْني (شرتوك) في غرفةٍ خاصَّة في بيته ليُساومه على المبلغ المطلوب لضَمان موقفه من الصهاينة، يقول (شرتوك):
هذا لطفٌ كبير منك، وإنِّي باسمي وباسم الوكالة اليهوديَّة وباسم المجمع الصَّهيَوْني العام أُقدِّم لك أخلصَ آيات الشكر والامتنان.
السكرتير: (يتنحنح) لعلك يا سيدي جئتني بشيء معك!
شرتوك: لا تعجل يا سيدي، فلم نتحدَّث فيما جئت من أجله بعدُ.
السكرتير: معذرة يا سيدي، حقًّا، ليس من اللياقة ولا الكياسة أنْ أبدأك بهذا، ولكن يشفع لي أنَّنا في هذه الحجرة (مشيرًا إلى الخزانة) انظُر! إنَّني قد أنتظر، ولكن هذه الملعونة لا تنتظر!
شرتوك: أعتقدُ أنها مدينة لنا بنصيبٍ كبير ممَّا تحتويه؛ وأنها لذلك تَثِقُ بنا أكثر ممَّا تَثِقُ بغيرنا، وأرجو ألا يكون صاحبها أقل ثقة بنا منها!
السكرتير: تأكَّد يا سيدي أنَّ ثقتي بك لا حَدَّ لها، أمَّا هذا فيُؤسفني أنَّك أطريتها أكثر ممَّا ينبغي، فهي لا تثقُ أبدًا إلا بالراتب الشهري الذي تضمنه سبع وخمسون دولة، أمَّا ما وراء ذلك فلا تَثِق منه إلا بما قد دخل إليها فعلاً، فهل لك يا سيدي أن تطمئنها أولاً؟
شرتوك: قبل أن نتحدث؟
السكرتير: لِمَ لا؟ سيكون لدينا بعد ذلك متَّسع من الوقت للحديث.. إنِّي قد فرغت لك نفسي كل الليلة وحدك.
شرتوك: حسنًا، يخرج ربطة من الأوراق ويسلمها له...".
إنَّ هذا الحوار يكشفُ بجلاءٍ مستوى التفكير لدَى السكرتير، ويرصد بتفوُّهاته الملامح النفسيَّة والطبائع الأخلاقيَّة التي تسمُه، فهو يَذُوب في المادَّة ويسقط في شرك الصِّهيَوْنية حتى إنَّه لَيعترفُ قائلاً:
واقلَّة حيلتاه! ماذا أستطيعُ أن أصنع ليرضى عنِّي هذا الشعب الحبيب؟
لقد صنعت كلَّ شيء في سبيلكم حتى ليُخيَّل إليَّ أحيانًا أنِّي لست سكرتير الأمم المتحدة، وإنما أنا سكرتير الوكالة اليهودية أو سكرتير الجمعيَّة الصِّهيَوْنية العامَّة، والله لولا خوفي علي مصلحة قضيَّتكم لجهرت بهذا الرأي على رُؤوس الأشهاد، وعلى رغم أنوف العرب، وإنْ كانت نقودهم تصلُ إلى يدي كلَّ شهر"، "أنا لا أقيم وزنًا إلا للمال".
إنَّ المفارقة تكمُن في موقف شخصيَّة السكرتير، فهو أمينٌ على كلِّ الدول بمقتضى موقعه، بَيْدَ أنه يظهر بوصفه أداة طيِّعة في يد أجهزة الصِّهيَوْنيَّة العالميَّة.
إنَّ قراءة العنوان في سِياق علاقته بالنصِّ يكشفُ عن مدى المفارقة بين التسمية وطبيعة الموقف.
وتتجلَّى المفارقة على مستوى الشخصية في مسرحية "سأبقى في البيت الأبيض"[12]، وهي تتضافر مع المسرحية السابقة في دلالتها على دور الأجهزة الصِّهيَوْنيَّة في استقطاب الشخصيَّات العالمية والمؤثِّرة في السياسة الدوليَّة لخِدمة مصالحها، لكنَّ هذه المسرحيَّة تتناول ذلك من خِلال شخصيَّة (تروفول) الرئيس الأمريكي الذي يدورُ بينه وبين بنيامين (الشخصية الصِّهيَوْنيَّة) حوار طويل يؤكِّد مدى تشبُّثه بالبيت الأبيض مهما كان الثمن، يقول بنيامين:
ليس لأحدٍ أن يبقى رئيسًا مدى الحياة.
فما بال فرنكلين روزفلت قد انتُخب ثلاث مرات؟ ولو لم يأخُذه الموت من طريقي لانتُخِب مرَّة رابعة، فخامسة، فسادسة.
ليس كل الرؤساء مثل روزفلت.
ماذا في روزفلت.. ذلك العاجز المشلول.
ذلك الشلل كان سرَّ قوته.
يبدو لي أنَّك على حقٍّ يا بنيامين، فما كان له من ميزة سوى ذلك، ليت شعري أمَا من سبيل لإصابتي بالشلل؟!
فكأنَّ بنيامين يرى أنَّ شلل روزفلت هو الذي كان يدفع الأمريكيين إلى التعاطُف معه؛ ومن ثَمَّ أعادوا انتخابه مرارًا، فالشلل إذًا سرُّ قوَّته - كما يرى - وفي رؤيته غضٌّ من شأن روزفلت، وتهوينٌ من قوَّته وقيامها على سماتٍ شخصيَّة فيه، وتروفل تبعًا لذلك يوافقه، ويتمنَّى لو وجد سبيلاً لإصابته بالشلل حتى يبقى رئيسًا في البيت الأبيض، وحينما أُصيب تروفل بشللٍ مُؤقَّت في ذراعه، وجاءه الطبيب قال:
نعم يا سيدي الرئيس، اطمئنَّ يا سيدي، سأعطيك علاجًا يزيلُ هذا الشلل كله خلال يومين.
كلا.. لا تزل هذا الشلل، أريد أنْ أبقى هكذا مشلولاً، لقد اطمأنَّ قلبي الآن سأبقى في البيت الأبيض مدى الحياة.
إنَّ المفارقة تجعَلُنا نقفُ على مستوى التفكير والتعبير لدى زُعَماء أمريكا، وكيف تغدو الإصابة بالشلل أمنية من خِلالها يتمُّ البقاء في البيت الأبيض، بل يغدو الشلل سرًّا من أسرار القوَّة، إنَّ شلل الرئيس الأمريكي مُعادل موضوعي لشلل القرار الأمريكي عُمومًا شلل في الإرادة والقرار المستقل، فالولاء للصِّهيَوْنيَّة العالمية ضرورةٌ تُقدَّم على كلِّ أولويَّات السياسة الأمريكيَّة، لقد كان لدى الرئيس الأمريكي (ترومان) موعد مع مجلس الوزراء لمناقشة أمور الدولة، بَيْدَ أنَّ (بنيامين) يَدعوه لحضور حفلةٍ في الجمعيَّة الصِّهيَوْنيَّة فقد إجابة تلك الدعوة على موعد مجلس الوزراء، يقول: (بنيامين):
الحفلة لبحث مسألة هامة ومستعجلة يتوقَّف عليها مصير الشعب اليهودي بأسْره، كما يتوقَّف عليها مصيرك في الانتخابات القادمة".
فالنَّجاح في الانتخابات القادمة لا يتوقَّف على مدى التصويت الشعبي الحقيقي، بل إنَّه يتحقَّق من خلال التبعيَّة الكاملة للُّوبي الصِّهيَوْني.
كما نجدُ مفارقةً أخرى في النصِّ إذ يتبرَّم الرئيس ترومان من دُخول أحد أعضاء مجلس الشيوخ لديه، بينما يفتح صدره وكلَّ جوارحه في الإنصات واستِقبال الصَّهاينة والقضاء معهم وقتًا طويلاً.
"ماذا تنتظر.. اذهب فقد مضى ربع ساعتك.. لقد أخذت من وقتي دهرًا".
ومن المسرحيَّات المبنيَّة على المفارقة مسرحيَّة "نشيد المارسيليز"[13]، فهي من عنوانها تشيرُ إلى نشيد فرنسا، رمز التحرُّر والعدل والمساواة، بَيْدَ أنَّ الإمعان في تفاصيل المسرحيَّة يكشفُ عن المفارقة المهولة؛ حيث إنَّ المسرحيَّة تقوم على فكرة دعوة أحد النُّوَّاب لزميله للمبارزة بسبب قِيامه بلطمه أمام الناس في المجلس النيابي، وحينما علم وزير المستعمرات بذلك فكَّر وقدَّر في مخرجٍ يَقِي هيبة فرنسا من السقوط أمام أبناء المستعمرات؛ فكلَّف جنديين أحدهما مغربي والآخَر هند صيني، على أنْ يدعيا باسمي النائبين (مارماريه) و(دي موتان)، ومَن قتل منهما فعلى سميِّه أنْ يتوارى عن مسرح الحياة في باريس... واعتقد أنَّ في ذاك مخرجًا مناسبًا، بَيْدَ أنَّ الجنديين أفشلا هذا المخطَّط حينما صاحَا في الميدان:
"في وسعكم أيها الفرنسيون الجبناء أنْ تقبضوا عليَّ وعلى أخي وزميلي هذا وتخمدوا أنفاسنا إذا شِئتم، ولكنَّكم لن تستطيعوا أنْ تخمدوا نيران الثورة التي تتأجَّج في صدور المغاربة والفيتناميين وغيرهم ممَّن تدعونهم عبيدًا وهم الأحرار وأنتم العبيد".
حينها لم يجد الوزير بُدًّا من أنْ يأمر النائبين:
هيا تقدَّما إلى الميدان وأنقذا سمعه فرنسا.
هتافات: يحيا أبناء فرنسا البواسل، تحيا فرنسا الباسلة، وحينها يُعطي الوزير إشارة البدء.
يغمض المتبارزان عيونهما ويطلقان في الهواء يترنحان ويسقطان مغشيًّا عليهما.
الوزير: أيها السادة، ترحَّموا على النائبين الفرنسيين الباسلين (مارماريه) و(دي موتان)، لقد سقطا شهيدين في ساحة الشرف، ولتحي فرنسا (يترنَّم الجميع بنشيد المارسليز).
إنَّ هذه المسرحية تقومُ على المفارقة من عدَّة نَواحٍ: الناحية الأولى تتمثَّل في مَدى الجبن الذي يتمتَّع به الفرنسيون في اللحظة التي يتظاهرون فيها بالشجاعة والإقدام، فحينما نزل النائبان إلى الميدان خرَّا مغشيًا عليهما، والناحية الثانية - وهي الأهمُّ - أنَّ فرنسا رائدة الحريَّة والعدل والمساواة تتجلَّى من خِلال المسرحيَّة بصورةٍ عكسيَّة؛ إذ تستعبدُ الشعوب وتُفرِّق بين البشر، بل تُقدم جنود المستعمرات للموت في سبيل الحِفاظ على ماء وجه فرنسا؛ لكيلا يراق أمام الناس، في مشهدٍ بئيس يُبرهِنُ على مدى الهوَّة السحيقة بين الشعارات المرفوعة والواقع العملي، والعجيب أنَّ الجميع يُردِّد نشيد المارسيليز في مشهدٍ مفارق وساخر في اللحظة التي يسقُط فيها النائبان.
ومن المسرحيَّات التي بُنِيت على المفارقة مسرحيَّة "السوق السوداء"[14]، وهي تدورُ في جوهرها حول العلاقة بين المستعمِر الفرنسي وأبناء المستعمَرات، تتمَحْوَرُ حول استِدعاء رئيس لجنة الإسعاف التونسية (مختار) ومحاكمته بتُهمة الاتِّجار بالحبوب، وتزوير أوراق رسميَّة، وابتزاز بعض الأموال التي جمعها من الأهالي باسم لجنة الإسعاف.. ولمن يكن مختار سوى رئيسٍ للجنة خيريَّة لإغاثة المنكوبين، وفي الواقع كان المستعمِرون الفرنسيُّون هم الذين يخزنون الحبوب ويبيعونها في السوق السوداء بأسعارٍ مضاعفة... بَيْدَ أنَّ المحكمة حكَمتْ على مختار بغَرامة قَدْرها مليونا فرنك وعشر سنوات سجن مع الأعمال الشاقة، وكان (الكعاك) رئيس الوزارة يهتفُ: تحيا فرنسا العادلة، تعيش أمُّ الحريَّات...
ويمكن أنْ نضيف إلى المسرحيَّات المبنيَّة على المفارقة مسرحيَّة "في سبيل إسرائيل"[15] التي تدورُ في قاعة المحكمة بلندن؛ حيث تنعقد المحكمة لمحاكمة المتَّهم الذي هتف بسُقوط بريطانيا، لكنَّ المرافعة تكشف عن أنَّ هتافه كان بسُقوط بريطانيا؛ لأنها سحَبتْ جنودها من القنال، بل إنَّ (اللورد دايمري) يقول:
يا حضرات المستشارين، لو أنَّ المتَّهم هتف بحياة بريطانيا وسقوط إسرائيل لكان في رأيي يستحقُّ عقوبة الإعدام".
وتختم المسرحية بالحكم على الشاهد بالإعدام شنقًا بتهمة الخيانة، وهل هناك مفارقةٌ أبلغ من هذه المفارقة؟ بل هل هناك أسلوب أقدر على التعبير عن هذه السياسة البريطانية المتحيزة للصهاينة حتى على حساب نفسها من هذا التعبير؟
إنَّ باكثير يقوم بتوظيف المفارقة لتجسيد الواقع الكائن ومحاكمة نقائصه، وتسجيل كلِّ مظاهر الانحِراف فيه لأنَّ المفارقة قادرةٌ على الإدهاش الفني من ناحية، وتضمرُ قدرًا من السخرية اللاذعة التي تنهض بأداء الدلالة من خلال المشهد العكسي.
ونجد أنَّ المفارقة جسَّدت طبيعة علاقة الدول - التي تدَّعي التحضُّر والتقدُّم - بالشعوب الأخرى، وشخصت علاقة الغرب "أمريكا - بريطانيا" بالصَّهايِنة.
ثالثًا: المشهد الغرائبي:
إنَّ التأمُّل في المسرحيَّات السياسيَّة القصيرة يُبرز مدى نُزوعها نحو الواقعيَّة والالتزام بتجسيد قضايا المجتمع، ويمكن تصنيفها ضِمن المسرح الواقعي، بَيْدَ أنَّ باكثير لا يتعامَلُ مع مسرحيَّاته تعامُل الراصد المسجِّل للحادثة التاريخيَّة الحريص على إيصال الفكرة الداعية لمبدأ أو قيمة مُعيَّنة دون العناية البليغة بفنيَّتها، فنحن نجدُ لديه وعيًا نقديًّا بمهمَّة المسرحي؛ إذ يقول: "هل يصلح أنْ يكون الكاتب المسرحي داعيةً لفكرة خاصَّة؟ وهل يمكن لمثْل هذا الكاتب المسرحي الذي يستوحي موضوعاته من حماسته المتوقِّدة لهذه الفكرة أنْ ينتج مسرحيات تُعتَبر أعمالاً فنيَّة؟ ويجيب عن هذا السؤال ويخلص إلى أنَّ "على هذا الكاتب أنْ يجعل الداعية فيه خادمًا للفنَّان المسرحي فيه لا سيِّدًا له، وإلا فليتَّخذ أداةً أخرى غير الكتابة المسرحيَّة؛ كالخطابة أو الصحافة"[16].
وحينما نقرأ المسرحيَّات السياسيَّة نجد أنها مخصبة بجماليَّات فنيَّة تضمَنُ لها قدرتها على الإثارة واستهواء القارئ وإيقاعه في شرك فِتنتها المغرية وإغرائها الفاتن، ومن المشاهد الغرائبيَّة التي وردت في مسرحيَّاته ذلك المشهد الذي ورَد في مسرحيَّة "أضغاث أحلام".
شرشل يرتعدُ ويصيحُ بعد أنْ نطق رئيس الجلسة بالحكم: كيف تحكمون عليَّ بالشَّنق قبل أنْ أُدافع عن نفسي؟
يتعالَى الضَّحِكُ هُنَيهة ثم ينقطعُ فجأةً؛ إذ ظهر من سقف القاعة شبحٌ نوراني يهبطُ رويدًا رويدًا حتى يقفَ قريبًا من المنصَّة.
أحد القسيسين (ينهضُ وينادي): هذا السيد المسيح قوموا لسيدكم المسيح.
ينهض الحضور جميعًا ويقفون صامتين وكأنَّ على رؤوسهم الطير.
الشبح بصوتٍ هادئ رزين.. "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة.. اجلسوا بارك الله فيكم (يجلسون).
شرشل: يصيحُ مشيرًا إلى الشبح: هذا مفتي فلسطين! هذا الذي يستحقُّ الشنق.
(الحاضرون يصيحون في وجهه): اسكت اسكت، ويلك! هذا السيد المسيح.
شرشل (صائحًا بأعلى صوته): كلا، أليست لكم أعين تُبصر؟! انظروا إلى وجهه هذا مفتى فلسطين، هذا عدوُّ اليهود وعدوُّ بريطانيا اللَّدود.
الشبح (يتهيَّأ للكلام فيسكت الجميع) أجلْ يا يهوذا، أنا حامي فلسطين، ما عاديت اليهود، وإنما اليهود هم الذين عادوني؛ لأنِّي أحمي فلسطين، وما عاديت بريطانيا، وإنما بريطانيا هي التي عادَتْني؛ لأنِّي نصرت شعبي، شعب فلسطين...".
إنَّ هذا المشهد الغرائبي تمكَّن من كسر رتابة المسار الحواري في المسرحيَّة، وحقَّق عددًا من الوظائف الفنيَّة أبرزها: تمكين المسرحيَّة من النموِّ والانتقال إلى مرحلةٍ جديدة من مراحل الصراع داخل النص، وإضافة شخصيَّة جديدة غيَّرت مسار المرافعة ضد (شرشل)، لقد كادت المسرحيَّة تستنفدُ طاقتها في الدلالة بإعلان الحكم على تشرشل، لكنَّ المشهد الجديد بعَناصره الفنيَّة فتَح كُوًى جديدة في مَسار السرد، كما أنَّ هذا المشهد قد حقَّق إدهاشًا تجسَّد في تعدُّد وجهات النظر في تفسير حقيقته، فهو السيد المسيح في نظر القسيس، وهو مُفتي فلسطين في نظر شرشل، وهذا التعدد حقَّق الإدهاش ومكَّن الدلالة من النماء؛ فهو المسيح في حقيقته، وهو المفتي في مظهره؛ وبذلك فإنَّ المسرحيَّة تستدرج الدلالة لتأكيد وحدة القضيَّة لدى الإسلام والمسيحيَّة، لقد كشف الشبح النوراني عن هويَّته:
"لقد صدق يهوذا.. إنَّ مفتي فلسطين هو أحد أبنائي البررة، وقد قضى زهرة شبابه في الجهاد لحماية وطني الأرض المقدَّسة من الدنس الصِّهيَوْني؛ ولهذا ظهرتُ لكم في صُورته تكريمًا له...".
وبذلك تُؤكِّد المسيحيَّة الحقَّة براءتها من تشرشل وكلِّ مَن هم في حكمه؛ إذ تلصق به صفة الخيانة حين يدعوه السيد المسيح بـ"يهوذا"، ويُعزِّز هذه الدلالة أنْ كان التصريح على لسان المسيح نفسه وأمام المحكمة التي أقرَّ فيها تكريمه لمفتي فلسطين الرامز لكلِّ المدافعين عن قداسة الأرض المقدسة، ويطلب السيد المسيح من المحكمة إطلاق سراح (شرشل) قائلاً:
أطلقوا سراح هذا المذنب؛ لعله يكفر بالذهب يومًا، ويؤمن بالله، إنَّ خير عقاب لمثله أنْ يُترَك حيًّا؛ لعله يحسُّ يومًا بتأنيب الضمير!".
وهكذا نلمَسُ مقدار الثَّراء الدلالي والرمزي الذي حقَّقه توظيف هذا المشهد الغرائبي الذي تمكَّن من خلاله من استدعاء شخصيَّة المسيح من الذاكرة التاريخيَّة لتمثل شاخصة بهيئتها أمام المحكمة لتكون شاهدًا على الحاضر المعيش.
وهناك مشهد غرائبي آخَر تَمَّ التوسُّل به في مسرحيَّة "معجزة إسرائيل"[17].
تدخُل جولدا ميرسون تحمل الطفل وقد كُسي ثوبًا عليه شارة إسرائيل، والطفل يضطرب كأنما يحاول التملُّص من يدها.
جواتيمالا: (تهتف) سلامٌ على المسيح المنتظر (يدنو منه ليقبله)، أهذا ابني من صلبي! لا شكَّ عندي في ذلك.
الطفل: (يلطمه لطمة قويَّة)، لا أقام الله صلبك، إليك عنِّي يا داعر!
جواتيمالا: (يتقهقر عنه) أسمعته يا مونسينور كيف نطق، إنَّه لطمني تدليلاً لي لأنِّي أبوه الحقيقي!
المندوب: يرسم علامة الصليب؟
العم سام: أنا أوَّل مَن اعترف به قبل الإنس والجن (يدنو منه ليُقبِّله).
الطفل: (يفقأ بإبهامه إحدى عينيه، لا تلمسني أيها الخنزير القذر).
إنَّ الطفل الذي قدَّمته راشيل على أنَّه مولودها؛ ليُباركها العم سام والمندوب السامي وجواتيمالا كان مُحيِّرًا لهم، حتى إنَّ الدب الأحمر فسَّر قُدرته على الكلام بقوله: ربما ركب في جهاز فوتوغرافي سري من صُنع أحد العلماء الأمان الذي استولى عليه جنبول".
بَيْدَ أنَّ الطفل يقول للمندوب:
أيها الأب الصالح، إنِّي لست ابن هذه اليهوديَّة العاهرة".
راشيل: (تصيح) احمله يا جولا، أبعِدْه من هنا.
المندوب: دعينا ويلك نسمعه.
الطفل: ولست مسيح اليهود الكاذب، ولست طفلاً صغيرًا يتكلَّم في المهد...
جواتيمالا: لقد بدأ الطفل يخرف.
الدب الحمر: اسكُت ويلك... دعه يتمُّ حديثه.. لقد أوشك سرُّ المعجزة أن ينكشف!
الطفل: ولدت منذ ثلاثين سنة من أبٍ عربي مسلم وأمٍّ عربيَّة مسيحيَّة فاختطفني...
جونبول مقاطعًا: أتُصدِّقون مثل هذا المحال؟ أين ذهبت عقولكم؟!
الدب الأحمر: اسكت.. اسكت...
الطفل: فاختطفني جونبول هذا بعدما قتل أبوي ثم قمطني فمنع جسمي من النمو فبقيت كما ترَوْن.. وجاء بهذه العاهرة ففتَح لها الماخور في هذه الأرض المقدَّسة أرض آبائي وأجدادي (يجهش باكيًا).
إنَّ هذا المشهد حافلٌ بالإثارة، يمزج فيه الفنان باكثير الخيالَ بالواقع، والصريحَ بالرمزي، والرُّؤية المؤدلجة بالمهارة الفنيَّة الحاذقة، لقد جعل هذا المشهد الغَرائبي المتلقِّي يعيشُ حالة من الترقب لإدراك حقيقة الطفل الذي يتكلَّم في المهد، ومثلما التبست في صُورة الشَّبح النوراني هيئة المسيح بالمفتي التبست هنا صُورة الطفل الموعود بصورة المسيح الذي تكلَّم في المهد.
وأثار هذا المشهد الغرائبي شهيَّة المتلقي لإدراك سرِّ الطفل، وجعَلَه يترقَّب لإدراك حقيقة الطفل الذي يتكلَّم ويقوم بتصرفات مختلفة؛ لطم جواتيمالا، وفقأ عين سام، وتكلم في المهد، إنَّه الطفل الرجل والرجل الطفل، لكنَّ الطفل يكشفُ عن عمليَّة التقميط التي قام بها المندوب، وهي تعبير رمزي عن اغتيال المشروع العربي الإسلامي للاستقلال، في فلسطين، وهي التي عاقت نموَّه، ولم يكتفِ المندوب بعمليَّة التقميط، بل أراد نسبة الطفل لراشيل ليكون هو المولود المزعوم.
لقد نجحَ الكاتب في إضفاء الالتباس والتداخُل في صورة الطفل، كما نجَح في فكِّ ذلك الالتباس بمهارةٍ فائقة، وكشَف عن حقيقته على لسانه كما كشَف عن حقيقة الشبح النوراني على لسانه أيضًا وجعَل كلاًّ منهما يظهرُ الحقيقة التي يرومُ الكاتب أنْ يبرزها في سياق مسرحيَّته، إنَّ المسرحيَّة تكشفُ عن ولادة إسرائيل في "ليلة 15 مايو"[18]، وقد نُشرت المسرحية في 13/6/1948م؛ أي: في فترة زمنيَّة وجيزة لا تتجاوز ثمانية وعشرين يومًا من إعلان دولة الكيان الصِّهيَوْني؛ ممَّا يعني مواكبة الكاتب للحدَث وقدرته على تجسيده في سياق فني ودلالي مُكثَّف ومتميز.
ونشير إلى أنَّ فكرة الطفل المقمط قد برزت وتبلورت ذواتها في مسرحيَّة "ليلة 15 مايو" التي نُشِرت في يوم 30/5/1948م؛ أي: قبل نشر مسرحيَّة معجزة إسرائيل بثلاثة عشر يومًا، بَيْدَ أنَّ باكثير لم يحرز نجاحًا في توظيفه كما أحرزه في مسرحية "معجزة إسرائيل"؛ إذ أفلت الرمز من يديه، وأسلم الحوار للحقيقة الواقعيَّة عاريًا من الترميز، وكأنَّ مسرحيَّة "معجزة إسرائيل" كانت استِدراكًا لما فاته في مسرحيَّة "ليلة 15 مايو"، وحِرصًا منه على استثمار الطاقة الدلاليَّة للرمز.
ويمكن الإشارة إلى أنَّ الطفل قد توسَّل للمندوب بألا يسلمه لراشيل ولا للدب الأحمر ولا للعم سام ولا لجنبول، قائلاً:
إيَّاك أنْ تسلمني لهذا الخائن المنافق، سلِّمني لأحد أعمامي، أتوسَّل إليك.
ويتنبَّأ الكاتب بنهاية إسرائيل بقوله على لسان المندوب:
إنِّي أشمُّ رائحة العذاب، بنجوريون يلهث من الحقد: لن ينزل العذاب إلا على أعداء إسرائيل، على مكة وروما، نحن شعب الله المختار، سيحمينا إله إسرائيل ويهلككم أجمعين، يسمع أزيز الطائرات ثم دوي القنابل.
راشيل: (تفيقُ من غيبوبتها): ما هذا يا جولدا؟ ما هذا يا بنجوريون؟
احملوني إلى المخبأ.. احملوا مجد إسرائيل (يحملان راشيل وابنها إلى المخبأ ويخرجان بهما).
رابعًا: التناص:
تحفل مسرحيَّات على أحمد باكثير بوفرة النصوص التي قام باستدعائها وتذويبها في مسرحيَّاته، وقد تنوَّعت تنوُّعًا كبيرًا بين نصوص مقدَّسة قرآنيَّة وإنجيليَّة، وبين نصوص أدبيَّة مسرحيَّة وشعريَّة وأمثال، وغير ذلك كما سنُبيِّن في إشارات سريعة:
التناص مع القُرآن: ومن ذلك ما ورد في عنوان مسرحية أضغاث أحلام فهو تناص مع قوله - تعالى - في سورة يوسف: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ [يوسف: 44].
وورد في الحوار الذي دار في الأمم المتحدة بخصوص إعلان دولة الكيان الصِّهيَوْني، على لسان تركيا:
"هذا الاتِّفاق لا يمكن أنْ يقوم؛ لأنَّه وقع على باطل صريح أملَتْه الغباوة من أحد الجانبين والخديعة من الجانب الآخَر، وسيصلي الغبي بنار صاحبه وشيكًا فيندم ولات ساعة مندم"[19].
فالتناص مع القرآن في قوله: وسيصلى الغبي بنار صاحبه، فهو تناص مع قوله تعالى: ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾[المسد: 3].
ومن التناص مع القُرآن ما ورد في مسرحيَّة "اهدمي بغداد"[20] التي تمحورت حول معاهدة بورتسموث ومظاهرة العراقيين ضدها، يقول قائد المتظاهرين: إنَّ الإنجليز عدوُّكم الأوَّل مهما تنوَّعت أساليبهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار، ويقول صالح جبر مخاطبًا نوري السعيد: ويلك! أتريد أنْ تكون مثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، وفي هذا تناص مع قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الحشر: 16].
وفي مسرحيَّة "سأبقى في البيت الأبيض" يقول على لسان بنيامين ردًّا على الرئيس الأمريكي حين قال:
لعنةُ الله على هتلر؛ أراد إبادة اليهود ولكن اللعين أخفق.
بنيامين (يتغيَّر وجهه) يؤسفني يا سيدي أنْ أجد في لحن قولك ما يشعر بأنَّك تود لو نجح"[21]، وهذا يتناص مع قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 30].
ومن التناص مع التراث المسيحي: قول الشبح الذي هبط بصورة السيد المسيح يقول: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة"، وهي مقولة دالَّة، ولا سيَّما في مسرحيَّة "أضغاث أحلام" التي تناولت الإشارة لأهوال الحرب العالميَّة الثانية، والفظائع التي تمخَّضت عنها، فهي تذكير بحقيقة المسيحيَّة، وأنها سلام ومحبَّة؛ ممَّا يتعالق تعالقًا ضديًّا مع مضمون المسرحيَّة.
التناص مع التاريخ:
إنَّ التاريخ عند باكثير "معرض للنقد، وهو ليس حريصًا على الصِّدق التاريخي في أعماله بقدْر حِرصه على الصدق، وهذا هو المطلوب من الفنَّان وليس حِرصه على التاريخ إلا بالقدر الذي يتيحُ له استخدام التاريخ استخدامًا دراميًّا"[22].
ومن التناص مع التاريخ الإسلامي يقتنصُ الكاتب في مسرحية "أنا أبو بصير"[23]، تلك اللحظة التاريخية في السيرة النبويَّة عقب صُلح الحديبية؛ إذ خرج أبو بصير وأبو جندل لمهاجمة القرشيين حينما ردَّهما الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - التِزامًا ببنود الصلح... وحاوَل باكثير إسقاط الشاهد التاريخي على الحادثة المعاصرة المتعلِّقة بمهاجمة البريطانيين".
والتاريخ عند باكثير منبعٌ يأخُذ منه، ولكنَّه قابلٌ للنَّقد"[24].
ومن توظيف الشعر قوله[25]: للناس فيما يعشقون مذاهب، وهو عجز بيت لأبي فراس الحمداني من قصيدة مطلعها:
أَبِيتُ كَأَنِّي لِلصَّبَابَةِ صَاحِبُ
وَلِلنَّوْمِ مُذْ بَانَ الخَلِيطُ مُجَانِبُ

يقول:
وَمِنْ مَذْهَبِي حُبُّ الدِّيَارِ لأَهْلِهَا
وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ

كما نجد تناصًّا مع مسرحيَّة شكسبير[26]: "يقول شرشل لابنته بعد أنْ قصَّت رؤياها:
الأب (يضحك) هيروشيما! ما الذي أوصلك إلى ذلك البلد البعيد؟ لقد صدق شكسبير إذ يقول عن الحلم: أرقُّ من صافي الهواء، وأشد ذبذبة من الريح التي بينا نراها في الشمال تداعب الثلج الجميل إذا بها ترتدُّ مغضبة فتلثم في الجنوب فرائد الطل"، وقبل ذلك يقول عن الرؤيا نفسها:
بنت الدماغ العابث اللاهي تجيءُ بها أباطيل الخيال" كما يقول شكسبير.
ونلحظ أنَّ الكاتب لا يقحم النص على سياق مسرحيَّته، بل يأتي به في اللحظة المناسبة ليُحقِّق دلالة كأنَّ السياق كان ينتظرها، وتتلاءم مع الشخصيَّة بشكلٍ دقيق.
كما يتناصُّ مع السينما العالميَّة في أحد حواراته؛ إذ يذكر (شرشل) في الحوار بين (تريفول) و(بنيامين)[27]:
إنَّ الناس يَعبُدونه هناك كما يَعبُدون شبيهًا له في المنظر والشكل يرَوْنه في الأفلام الأمريكيَّة.
مَن هو؟
الممثل الهزلي (هاردي).
هاردي؟ (يندفع في قهقهةٍ عصبيَّة) هاردي.
نعم؛ إنَّهم يضحكون عليه كما تضحك عليه الآن...
لقد خشي أنْ يقرنوه إلى (شرشل) فتكتمل الصورة الساخرة للممثِّلين الهزليين (لوريل وهاردي)، يقول:
أخشى أنْ يقرنوني إلى (شرشل).. لا أريد أنْ أكون لوريل.
إنَّ لجوء الكاتب إلى التناصِّ ليس لجوءًا اعتسافيًّا، بل تقتضيه دلالة السياق، ويكشفُ عن ثَراءٍ ثقافي لدَى الكاتب، ثراء في الثقافة التراثيَّة، وثَراء في الثقافة المعاصرة سياسيَّة وفنيَّة، وخبرة عميقة بثقافة شخصيَّاته؛ لأنَّه لا يكتب لنا نصًّا شعريًّا، بل يكتب نصًّا مسرحيًّا يتقمَّص شخصيَّاته، ويتناغم مع ثقافتها، وذلك ليس يسيرًا إلا على فنان مثقَّف، ومثقَّف فنان.

سادسًا: تنويع الحوار:
"يُعتبر الحوار من أهمِّ عناصر التأليف المسرحي؛ فهو الذي يُوضِّح الفكرة الأساسيَّة ويقيم بُرهانها، ويجلو الشخصيَّات، ويُفصح عنها، ويحمل عِبء الصِّراع الصاعد حتى النهاية، وهذه المهمَّة يجب أنْ يضطلع بها الحوار وحده، ولا يعتمد في شيء من ذلك على الشروح والتعليمات التي يضعها الكاتب بين الأقواس، فهذه إنما توضع لمساعدة المخرج على فهم ما يريد الكاتب ممَّا هو مستكنٌّ داخل الحوار، لا ممَّا هو خارجه"[28].
ومن خِلال النص السابق نجد أنَّ باكثير يمتلك وعيًا عميقًا بصَنعته؛ فهو يعرفُ متى يجعل الحوار خارجيًّا ومتى يجعله حوارًا نفسيًّا داخليًّا بما يكفل إيصال الفكرة وتحقيق الإثارة، يقول في مسرحية "معجزة إسرائيل"[29] عن حادثة ميلاد (راشيل) وأنَّ مولودها سيكون معجزة:
الدب الأحمر: آمنوا به إنْ شئتم، أمَّا أنا فلست خرافيًّا مثلكم.
بنجوريون: لقد شهدت المعجزة بعينك.
الدب الأحمر: سيكشفُ الفحص العلمي سرَّ ذلك عمَّا قريب.
فالحوار الخارجي يكشف عن الهوية الأيدلوجيَّة للشخصيَّة، ورؤيتها للحياة وتفسيرها للظواهر، فالاتحاد السوفيتي - المرموز له بالدب الأحمر - ينطلق في رؤيته للحياة من الرؤية الماديَّة؛ فيجحد الغيبيات، والحوار هنا يكشفُ عن هذا البعد؛ حيث يرى أنَّ الفحص العلمي - ولا شيء سواه - سيكشف سرَّ ذلك.
ولو تعقَّبنا الحوار الخارجي لوجدنا الشَّواهد ماثلةً في الدلالة على دقَّة توظيفه، لكنَّنا سنقف عند ظاهرتين من ظواهر الحوار الخارجي تكادان تُؤكِّدان حُضورهما في كثيرٍ من المسرحيَّات السياسيَّة هما: الحذف وأسلوب المرافعة، وسنقف عندهما بشيءٍ من التفصيل كما يأتي:
الحذف:
من الشواهد الدالَّة على الحذف ما ورد في مسرحيَّة "السكرتير الأمين"[30]، فقد ورد الحذف مِرارًا؛ مثل قول زوجة السكرتير تحدثه عن الصِّهيَوْني (موسيه شرتوك):
بل أخشى أنْ يكون همزة وصل؛ فإني أعرف هؤلاء اليهود...
فالحذف في النصِّ يُجسِّد حالة الحذر والتوجُّس من التحدُّث عن اليهود، ليس لدى سكرتير الأمم المتحدة بل لدى زوجته أيضًا، فالحذف يقولُ ما لا يقوله الكلام.. فلك أنْ تحمل الحوار ما تريد من الدلالات السلبيَّة عن اليهود، إنَّ الدلالة منفتحةٌ على آماد التأويل بسبب هذا الحذف، كما يستدعي هذا الحذف تعقيب السكرتير:
هس.. اخفِضي صوتك، آه لو علموا أنَّ زوجتي تحمل هذه الروح اللاساميَّة لقُضِي على مركزي ومستقبلي!
وحينما كان السكرتير مختليًا بشرتوك في حجرة خاصَّة تحرَّكت الستائر، فطَمأَنه السكرتير بأنَّ الحركة بسبب القطَّة كيتي، لكن (شرتوك) يقول:
ظننت أن...
السكرتير: كلا.. هذه حجرتي الخاصة.
فالحذف في نصِّ شرتوك يُشخِّص حالة العرب الصِّهيَوْني، ويُجسِّد مَدَى سريَّة الموضوع وخُطورته، فهنا في هذه الحجرة تتمُّ عمليَّة خيانة كبرى من قبل السكرتير، وتتمُّ عملية مساومة على موقف خطير للغاية.
وفي مسرحيَّة "أضغاث أحلام"[31] تقول البنت حاكية رؤياها المرعبة:
كلا، لا أنام الليلة وحدي أبدًا.
الأم: اطمئنِّي يا ماري... سأنام معك.
الأب: لكن..
الأم: نَمْ وحدك الليلة، أخائفٌ أنت؟!
فالحذف يقتنصُ لمحةً شاردة في نفسيَّة (شرشل) لتأثُّره بالصور المرعبة التي رأتها ابنته (ماري) على الرغم من تظاهره بالاستقواء ولا مبالاته بالرؤيا ما يشفُّ عن مَدَى هزيمته من أعماقه، وهكذا نجدُ أنَّ الحذف سمةٌ من سمات الحوار الخارجي يضطلعُ بإثراء دلالة النصِّ ويقول كثيرًا ممَّا لا يُقال.
أسلوب المرافعة:
من الأساليب التي يتَّسم بها الحوار لدى باكثير أسلوب المرافعة؛ إذ يلجأ - أحيانًا - إلى عقد جلسة محاكمة تتمُّ خلالها المرافعة في قضيَّةٍ ما، وهذا الأسلوب الحواري ورد في المسرحيَّات: "أضغاث أحلام"[32]، و"في سبيل إسرائيل"[33]، و"في بلاد العم سام"[34]، و"السوق السوداء"[35]، ويُعَدُّ أسلوبًا ناجحًا في تناول الموضوعات ذات العلاقات الشائكة التي تتعدَّد فيها وجهات النظَر، ويقتضي حسمها وجود جهة مستقلة يكون من شأنها النُّطق بالحكم.
لقد صوَّرت مسرحيَّة "أضغاث أحلام" جناية (شرشل) ودوره في الحرب العالمية الثانية وظُلمه للألمان، وكانت مسرحيَّة "في سبيل إسرائيل" مُتضمنة مدى المفارقة التي وقَع فيها النظام البريطاني في استماتَتِه في الدِّفاع عن إٍسرائيل ولو على حِساب المصالح البريطانيَّة، حتى إنَّ المرافعة تصلُ إلى حدِّ استصدار حُكم ضد الشاهد الذي شهد بما قاله المتَّهم الذي هتَف بموت بريطانيا؛ لأنها سحَبت جنودها من القنال ولم تعدْ تدافع عن إسرائيل، وتتناول مسرحيَّة "في بلاد العم سام" التهم الموجَّهة لـ(ترومان) من قِبَلِ المستر (هربرت برونل) في خِطابٍ ألقاه أمام الرأي العام من باب الدعاية الانتخابيَّة، مفادها: أنَّ الحكومة السابقة حُكومة ترومان كانت تسمَحُ بتسرُّب الشيوعيين والجواسيس إلى المناصب الخطيرة في الدولة. وتتناول مسرحيَّة "السوق السوداء" محاكمة أحد أبناء تونس (مختار) من قِبَلِ النظام الفرنسي بتُهمة الاتِّجار بالحبوب، وأخْذ الأموال من الأهالي باسم لجنة الإسعاف التونسيَّة؛ لإغاثة المنكوبين بالمجاعة وتحت لافتة العمل الخيري، في الوقت الذي كان المستعمِرون الفرنسيُّون هم مَن يحتكرُ الحبوب ويبيعها في السوق السوداء بأسعارٍ مُضاعَفة.
ولا شَكَّ في أنَّ أسلوب المرافعة يُعَدُّ أسلوبًا ناجحًا في تجسيد مثلِ هذه القضايا، كما أنَّه يُسهِم في توتُّر حدَّة الصراع في المسرحيَّة، ويجعل المتلقي على قدرٍ كبير من التركيز والاحتشاد لما سينجم عنه الحوار والترافع بين الأطراف المتباينة، فمن وظائف الحوار تطوير الحبكة... وتصوير الشخصيَّات في عواطفها وأفكارها والإمتاع الجمالي"[36].

الحوار الداخلي:
برز الحوار الداخلي في مسرحيَّات باكثير السياسيَّة في كثيرٍ من المواضيع، أبرزها في مسرحيَّة "نشيد المارسيليز"[37].
مارماريه: (يقف أمام المِرآة وحدَه).. قد تكون هذه تضحية قاسية.. لكن مَن يدري لعلَّه يقتلني في المبارزة فيستولي على مرغريت.. فهذا أهون الشرَّيْن على كلِّ حال.. مسكينة مرغريت.. إنها تحبني".
الوزير: عجبًا لي! كيف لا أعرف (مدام مارماريه) إلى اليوم، لقد ذهبت أيامك يا دون جوان!
الوزير (يتنفَّس الصعداء ويتمطَّى): رجعت أيامك يا دون جوان.. إنها الجمال كله يتبختر في فستان...
وفي مسرحيَّة "سأبقى في البيت الأبيض"[38] كثُرت المقاطع التي تُمثِّل النَّجوى الداخليَّة لدى الشخصيَّات؛ مثل قول (تروفول):
(يرفع رأسه عن المكتب) لقد كادت روحي تزهَقُ من هذه المقابلات والحفلات والجلسات.. أليس لها آخِر؟
وبعد أنْ يستدعي الحاجب يقول له:
إنِّي لا أريد أنْ أُقابل أحدًا الآن، (يُحدِّث نفسه): هؤلاء الجشعون، لقد أصبح مصيري تحت رحمتهم.. هؤلاء الدُّخَلاء المتحكمون الذين يصدرون أوامرهم إلينا من نيويورك.. لقد صدق من سماها جيو يورك.. كلا، لا أدعهم يتكاثرون في هذه البلاد، لتبتلعهم فلسطين، ولتأكلهم وحوش العرب... خمسة أشهر.. الانتخابات.. البيت الأبيض.. لا.. لا.. سأبقى في البيت الأبيض (يعود فيهوي برأسه على المكتب).
وتستمرُّ هذه المقاطع المونولوجيَّة تُصوِّر الحالة النفسيَّة لتروفول:
تروفول (يحدث نفسه): حائيم ليفي.. ليفي حائيم.. كوهين إيزاك.. إيزاك كوهين.. ليفي إيزاك.. إيزاك ليفي حائيم كوهين.. كوهين حائيم.. بنيامين إيزاك إيزاك بنيامين.. أوَّه! كم ينتج من ضرب هذه الأسماء بعضها في بعض! لعنة الله عليك يا هتلر..
إنَّ الشخصيَّة تُفصح من خلال الحوار الداخلي عن تمزق عنيف.. فما يضمره عكس ما يظهر؛ يُضمر بغضًا لليهود وحِقدًا عليهم ورغبةً في التخلُّص منهم، لكنَّه يُظهر الحفاوة والحِرص والتضحية من أجلهم، ويُسهِمُ الحوار الداخلي في الكشف عن المضمر النفسي ليبرز الصِّراع العميق في الشخصيَّة والتناقُض في الموقف، وبذلك تظهر لنا أهميَّة الحوار الداخلي الذي لولاه لما تمكَّن القارئ من الوقوف على مِثل هذا التناقُض.
ونلحَظُ في النصِّ وفرة الشخصيَّات اليهوديَّة، بل إنَّ باكثير يستحضرُ تاريخ اليهود ويُقدِّم الشخصية اليهوديَّة في رؤاها وطريقة تفكيرها؛ "وهذا يعني أنَّ باكثير كان في ذهنه حضورٌ دائم للتاريخ اليهودي وهو ينتج عمله، بما في هذا الحضور من تجارب وجدانية وتجارب مادية مارَسْناها مع اليهود، وبما أسفر عنه هذا الحضور وهذه التجارب من رسم أبعاد الشخصية اليهودية"[39].
ويقدم ذلك في أسلوب إبداعي يتخيَّر فيه القالب الفني الأنسب لحمل الدلالات المناسبة في تناغُم بين الرُّؤى الفكريَّة والقوالب الجماليَّة.

الخاتمة
ممَّا سبق نستنتجُ الآتي:
إنَّ المسرحيَّات السياسيَّة مُفعَمة بالرؤى الفكريَّة والمواقف السياسيَّة التي يُعبِّر عنها باكثير، وهي في معظمها تتعلَّق بفلسطين، ثم بعلاقة العرب جميعًا مع القوى الكبرى المهيمِنة في العالم.
إنَّ باكثير لم يقمْ بالتسجيل الواقعي للأحداث السياسيَّة، بل تمكَّن من المزج بين المحافظة على جوهر الموضوع، وحمله في قالب فني جميل يثيرُ القارئ ويجلب اهتمامه ويُؤثِّر فيه.
إنَّ باكثير تمكَّن من توظيف عدد من الجماليَّات الفنيَّة التي من شأنها الارتقاء بالعمل الفني المسرحي لديه؛ أبرزها: الحلم والتناص والمفارقة وتعدُّد أنماط الحوار، وفي الحوار نجح في تسخير أسلوبَيِ الحذف والمرافعة، وتمكَّن من خلالهما من تقديم مخصبات جديدة لمسرحيَّاته، كما تمكَّن من توظيف الحوار الداخلي ليتوسَّل به في استنباط المشاعر الدفينة في أعماق شخصيَّاته.
إنَّ المسرحيَّات السياسيَّة تتميَّز بحكم مساحتها النصيَّة بالتكثيف الرؤيوي والفني؛ ممَّا يجعلها قمينة بتخصيص دراساتٍ واسعة وعميقة في زَواياها المختلفة، نأمل أنْ يتحقق مستقبلاً.

والله الموفِّق.
المصادر والمراجع:
1- "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، مكتبة الطليعة أسيوط، 1980م.

2- "جماليات التحليل الثقافي، الشعر الجاهلي أنموذجًا"؛ يوسف عليمات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2004م.

3- "حداثة السؤال"؛ محمد بنيس، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1985م.

4- "الحداثة في الشعر اليمني المعاصر"؛ عبدالحميد الحسامي، وزارة الثقافة، صنعاء، ط1، 2004م.

5- "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 16/10/1946م.

6- "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م.

7- "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م.

8- "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م - 5.

9- "في بلاد العم سام"، الدعوة، 8 ربيع الآخر، 1373هـ.

10- "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، مكتبة مصر، ط3، 1985م.

11- "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

12- "ليلة 15مايو"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

13- "مدارات نقدية: في إشكالية النقد والحداثة والإبداع"؛ فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية بغداد، ط1، 1990م.

14- "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، 5.

15- "المفارقة في النص الروائي: نجيب محفوظ أنموذجًا"؛ حسن عماد، المجلس الأعلى للثقافة ط1، القاهرة، 2005م.

16- "المفارقة وصفاتها"؛ دي سيء ميويك، ترجمة: د. عبدالواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النقدي، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، بيروت، 1974م.

17- "نشيد المارسليز"، الإخوان المسلمون، 8/6/1948م - 5.

18- "النص المسرحي، الكلمة والفعل"؛ فرحان بلبل، 2003م، اتحاد الكتاب العرب دمشق، ط1.

من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م

[1] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، مكتبة الطليعة أسيوط، 1980م، ص303.

[2] "مدارات نقدية: في إشكالية النقد والحداثة والإبداع"؛ فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1990م، ص317.

[3] "حداثة السؤال"؛ محمد بنيس، الدار البيضاء، ط1، ص23.

[4] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون؛ 30/11/1946م، ص5.

[5] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، ص69.

[6] انظر: "الحداثة في الشعر اليمني المعاصر"؛ عبدالحميد الحسامي، وزارة الثقافة صنعاء، 2004م، ص112.

[7] "المفارقة وصفاتها"، ص34.

[8] "المفارقة وصفاتها"، ص34.

[9] "المفارقة في النص الروائي: نجيب محفوظ أنموذجًا"؛ حسن عماد، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، القاهرة 2005م، عن: "النص بين النظرية والتطبيق"، ص139.

[10] "جماليات التحليل الثقافي"، ص277.

[11] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمين"؛ 7/3/1948م، ص5.

[12] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م، ص5.

[13] "نشيد المارسيليز"، الإخوان المسلمون، 8/6/1947م، ص5.

[14] "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م، ص5.

[15] "في سبيل إسرائيل"، الدعوة، الثلاثاء 11 صفر 1373م، ص11.

[16] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، مكتبة مصر، ط3، 1985م، ص36.

[17] "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[18] "ليلة 15 مايو"، الإخوان المسلمون، 30/5/1948م، ص5.

[19] "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[20] "اهدمي بغداد"، الإخوان المسلمون، 29/2/1948م، ص5.

[21] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[22] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، 1980م، ص305.

[23] "أنا أبو بصير"، الإخوان المسلمون، 16/10/1946م، ص5.

[24] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي، ص307.

[25] "في سبيل إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 23/6/1948م، ص5.

[26] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.

[27] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1948م، ص5.

[28] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، ص69.

[29] "معجزة إسرائيل"، الإخوان المسلمون، 13/6/1948م، ص5.

[30] "السكرتير الأمين"، الإخوان المسلمون، 7/3/1948م، ص5.

[31] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.

[32] "أضغاث أحلام"، الإخوان المسلمون، 30/11/1946م، ص5.

[33] "في سبيل إسرائيل"، الدعوة الثلاثاء 11 صفر 1372م - ص11.

[34] "في بلاد العم سام"، الدعوة، 8 ربيع الآخر، 1373هـ.

[35] "السوق السوداء"، الإخوان المسلمون، 28/3/1948م، ص5.

[36] "النص المسرحي، الكلمة والفعل"؛ فرحان بلبل، 2003م اتحاد الكتاب العرب دمشق ط1، ص111 (بتصرف).

[37] "نشيد المارسليز"، الإخوان المسلمون، 8، 6، 1948م، ص5.

[38] "سأبقى في البيت الأبيض"، الإخوان المسلمون، 26/10/1946م - 5.

[39] "أدب باكثير المسرحي"، ج1، المسرح السياسي؛ د.أحمد السعدني، مكتبة الطليعة، أسيوط، 1980م، ص221.
۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


المحرِّكات الفكرية في رواية (ليلة النهر) لعلي أحمد باكثير
مجلة الرواية
د. غسان اسماعيل عبد الخالق/ الأردن(بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد علي أحمد باكثير)


مقدّمة :
إذا كان هناك من يسند ريادة الشعر العربي المرسل لعلي أحمد باكثير(1)، فإن ثمة امكانية كبيرة لتنصيبه رائداً لما يمكن تسميته (الرواية الفكرية)، استنادا إلى قراءة معمّقة في روايته (ليلة النهر) التي اشتملت على العديد من المحرّكات الفكرية والنقدية الفاعلة مثل: الحكاية الأسطورية، مدرسة فرويد في التحليل النفسي، نظرية كوليردج بخصوص الوهم والخيال في الشعر.
والحق أن أيّما قارىء متعمق في (ليلة النهر) التي كتبت وأصدرت في مستهل العقد الرابع من القرن العشرين، لا يملك إلا أن يشعر بدهشة كبيرة لسببين رئيسين: أما الأول فيتمثل في اتجاه علي أحمد باكثير لحشد كل هذه المحركات الفكرية معا في رواية واحدة، وأما الثاني فيتمثل في اتجاه علي أحمد باكثير لتفعيل هذه المحركات الفكرية من خلال رواية تتمحور حول حياة فنان معاصر لا تخلو سيرته من احتكاكات مباشرة مع حياة الليل واللهو والمجون، كما لا تخلو تجربته العاطفية من لقاءات غرامية يمكن أن تتعارض مع الوجهة الأخلاقية والدينية والتاريخية المحافظة التي ألزم باكثير نفسه بها في كل ما كتب، إلى الحد الذي جعله – كما يقول ناشر كتبه سعيد جودة السحّار في تذييل الرواية - ( هدفاً لحملات ظالمة أحيانا، ولإهمال متعمد أحيانا أخرى، من بعض من كانوا يتحكمون في النقد في الصحف والمجلات في تلك الأيام، أيام غياب الحرية، وتحكم الماركسيين في أقدار الكتّاب، فقد وجهت [إليه] تهمة أنه " يؤمن بالغيبيات" وأنه "غير تقدمي" كأنما الايمان بالله والتمسك بالقيم الروحية يحطان من قدر الكاتب ويزريان بأدبه)!(2) فما هي قصة (ليلة النهر)؟
ملخَّص(ليلة النهر):
تتلخص قصة (ليلة النهر) في أن فؤاد حلمي يفقد أباه وهو لما يزل طفلاً صغيراً، فيرعاه وأمه خاله الشيخ عبد الله البرقاوي، ويسكنهما بيتا متواضعا في حي المنيل، حيث يتعرف إلى إحسان ضياء الدين التي فقدت أباها أيضا وسكنت مع أمها في بيت خالها محمود ضياء الدين، وتلوح مخايل النبوغ الدراسي والغنائي على فؤاد منذ الصغر ومعها مخايل الحب المتبادل بينه وبين إحسان، في ظل والدتيهما اللتين تباركان هذا الحب وتخططان لتتويجه بالزاوج، لولا أن خال إحسان ينقل إلى الصعيد فتنتقل هي وأمها معه، فيما يتابع فؤاد مسيرته الدراسية والغنائية الظافرة حتى يتعرف إلى مراد سعيد، الموسيقار والمثقف الكبير والمجرّب، فيتعهده بالتدريب والتثقيف إلى الحد الذي يفقد معه اهتمامه بالدراسة ويتعثر فيها، فيغضب خاله وتحزن أمه، ويهيم فؤاد على وجهه في إحدى الليالي فيلمّ بناد ليلي يعج بالسكارى والمعربدين المعجبين براقصة شابة تشبه حبيبته إحسان، و يتوهم أنها هي ويخوض لأجلها عراكا، ثم يترصد حركاتها حتى تضطر لجرّه إلى المخفر فيتبين له أنها ليست حبيبته إحسان التي لا تلبث أن تعود مع أمها وخالها، فتعود بعودتها قصة الحب القديم وتتطور إلى ما يشبه الخطبة، لولا أن بطالة فؤاد تقف حائلا دون اتمام هذا الارتباط، فيضطر أستاذه ومعلمه مراد سعيد للتكفير عن خطيئته بأن يوظفه مترجما في صحيفة مسائية. ومع ذلك فإن علاقته التي حفلت في هذه الأثناء بالعديد من اللقاءات الغرامية الملتهبة تتحطم فجأة على صخرة تمسك خال إحسان بتزويجها لأحد أبناء الباشوات، لتأخذ هذه العلاقة بعد ذلك وجهة درامية متصاعدة حتى النهاية.
لقد اشتملت لقاءات الحبيبين على ظاهرة غريبة أثارت خوف فؤاد وارتعاده، إذ ما أن حاول أن يصدح بأول أغانيه وهو يجلس قبالة حبيبته في القارب النيلي، حتى طرق سمعه صوت شاعر وهو يتلو قصيدة كأنها قدّت على اللحن قدّا، وقد تكرر سماعه لهذا الهاتف القادم من البيت المهجور الذي طالما مرّ به مسرعا خشية أن يتعثر بالطَّيف الذي يسكنه كما سمع الناس يقولون ويرددون، حتى اضطر لإخبار أستاذه ولإخبار حبيبته التي سرعان ما خطبت لغيره وفارقته إلى بيت زوجها، فوجد نفسه مطالبا بإثبات ذاته فنيا، وانطلق في عالم الشعر والتلحين والغناء، حتى أصبح فنانا كبيرا وشاعرا شهيرا، لكنه مع ذلك معذّب بطيف الشاعر الذي انفلت من عقال قبره بعد مئات السنين كي يخفف بقول الشعر ما يرزح فوق صدره من هموم جرّاء إقدام حبيبته على الزواج من غيره، وهو معذّب أيضا بطيف إحسان التي بدا أنها فارقته إلى الأبد. وقريبا مما شاهدناه يحدث في الأفلام السينمائية الغنائية المصرية التي اضطلع بدور البطولة فيها فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وآخرون، يتدهور زواج إحسان بابن الباشا جراء إقدام الأخير على قتل الراقصة التي تشبه إحسان، ويقضي فؤاد نحبه جرّاء إصابته بالتهاب رئوي حاد في اليوم نفسه الذي كانت فيه إحسان على أهبة الذهاب إلى دار الأوبرا كي تستمع إلى رائعته التي حققت نجاحا كبيرا، وتسقط إحسان صريعة انهيار عصبي حاد سرعان ما يدفع بها إلى البيت المهجور لتلتقي بأسماء حبيبة الطَّيف الشاعر التي خرجت من قبرها بحثا عن المغفرة، ثم تلتقيان بطيفي الاثنين: الشاعر والمغني، فيعفوان عنهما.. لكن إحسان تطمح فوق ذلك إلى أن تحتضن حبيبها فؤاد، فيؤكد لها صعوبة ذلك.. فتصرخ وتصرخ حتى تستيقظ وتجد نفسها في المصحة العقلية!!

المحرك الأول: الطيف الهاتف
تمثل أسطورة الطّيف الهاتف المحرّك الأول في (ليلة النهر) وهي أسطورة تمور بها قصص العشاق في الموروث السردي العربي، بصياغات وألفاظ وتفاصيل متعددة ومتباينة. وسوف أكتفي بإيراد صيغتين لهذه الأسطورة – على سبيل المثال لا الحصر- إظهارا لمدى إفادة علي أحمد باكثير من الموروث السردي الأسطوري العربي(3) وتأكيدا لقدرته على تمويه هذه الإفادة.
*(حدّث أبو حمزة الكناني فقال: كان فتى من بني عذرة، وكانت له امرأة منهم، وكان شديد الحب لها، وكانت له مثل ذلك. فبينما هو ذات يوم ينظر وجهها إذ بكى، فنظرت إلى وجهه وبكت.
قالت: ما الذي أبكاك؟
قال: بالله، أتصدقينني إن صدقتك؟
قالت: نعم
قال لها: ذكرت حسنك وجمالك وشدة حبي، فقلت: "أموت فتتزوج زوجا غيري"!
فقالت: بالله.. بالله.. إن ذلك الذي أبكاك؟
فقال: نعم
قالت: وأنا ذكرت حسنك وجمالك وشدة حبي لك فقلت: "أموت فيتزوج امرأة غيري"!
قال: فإن النساء حرام عليّ بعدك.
قالت: فإن الرجال حرام عليّ بعدك.
فلبثا ما شاء الله، ثم إن الرجل توفي. فجزعت المرأة عليه جزعا شديدا. فخاف أهلها على عقلها أن يذهل، فأجمعوا رأيهم على أن يزوجوها- وهي كارهة- لعلها تتسلى عنه. فلما كانت الليلة التي تهدى فيها إلى بيت زوجها- وقد نام أهل البيت والماشطة تهيء شعرها – نامت نومة يسيرة، فرأت زوجها المتوفى داخلا عليها الباب، وهو يقول: "خنت يا فلانة عهدي، والله لا هنيت العيش بعدي"! فانتبهت مرعوبة وخرجت هاربة على وجهها، وطلبها أهلها فلم يقعوا لها على خبر).
*(حدث جبلة بن الأسود فقال: خرجت في طلب إبل لي ضلّت، فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدها، فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتا حسنا بعيدا وبكاء شديدا فشجاني، وما زلت أقرب إليه حتى هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنماً له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهـا إذا ما انقـضت أحدوثة لو تعـيدها

فدنوت منه فقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع يستجير بك، فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ومال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه. فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت، وإني لبين النائم واليقظان إذ سمعته يحدّث امرأة حتى الصبح ثم ودَّعته وسارت، فلما كانت الليلة التالية أبطأت عليه فقلق وبكى وقال: هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني بالأمس؟ فقلت: لقد رأيتها، فقال: تلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب وعاشق وهي أيضا محبة وعاشقة لي، وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي فصرت راعيا بسببها ثم أنشأ يقول:
ما بال ميـــة ؟ لا تأتي كعادتهــــا أعاقها طرب أم صدّهـا شُغُلُ
نفسـي فـداؤك، قـد أحللـت بي سقمـا تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل

ثم انطلق وغاب عني ساعة وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وشوّه خلقتها ثم قال: إني أعلم أن المنية قد حضرت لا محالة، فإذا مت فخذ عباءتي فكفِّني بها وضم ما تبقى من جسد ابنة عمي معي وادفنّا في قبر واحد، فغسّلته وكفّنته في عباءته وصلّيت عليه ودفنت ما تبقى من جسد ابنة عمه معه، وبت تلك الليلة باكيا حزينا.. فلما كان الفجر قمت وشددت فرسي فإذا بصوت هاتف يقول:

كنا على ظهرها والدهر يجمعنا والشمل مجتمع والدار والوطن!
فمزق الـدهر بالتفريق ألفتنـا وصار يجمعنا في بطنها الكفن!

هاتان الصيغتان اللتان أوردتهما (بتصرف)، تمثلان غيضاً من فيض قصص الحب المفجوع عند العرب. ولا ريب في أن علي أحمد باكثير قد تمثّلهما كما تمثّل غيرهما مما يعج به الموروث، فضلا عما مارت به كتب القدماء من أخبار تؤكد أن لكل شاعر رئيّا أي شيطانا يقول الشعر على لسانه(4)، إلى الحد الذي دفع بابن شهيد إلى انشاء رسالة أسند فيها أدوار البطولة لهؤلاء الشياطين. وقد وظف علي أحمد باكثير هذه الثقافة الشعرية في روايته فتوصل من خلال فؤاد حلمي إلى أن الشاعر الذي هتف بتلك الأبيات الرائعة التي ساوقت لحنه بعد أن تقصّى أخباره وسأل عجائز الحي وشيوخه المعمرين حتى جمع أخبارا وأساطير كثيرة عنـه (عاش في زمن قديم لا يعرفه على وجه التحديد، وأنه أحب ابنة عمه ونظم في حبها القصائد ولما زوجت من غيره يئس من حياته فقتل نفسه؛ قيل ذبح نفسه بسكين وقيل خنق نفسه بحبل علقه في سقف بيته وقيل رمى بنفسه من أعلى بيته فغرق في اليم فصار "عفريته" أي روحه يهيم إلى اليوم حول تلك الخرابة التي كانت بيته. وقد ضاعت قصائده فلم يحفظ منها شيء)(5).
ولا يفوت علي أحمد باكثير، أن يموِّه هذا الاستخلاص بظلال من الشك والقلق والخوف، لأن هذا التظليل أوقع في نفس القارئ من التسليم بصحة ما سمعه فؤاد حلمي وما رآه، ولذلك فإنه لا يتردد في إجراء هذا الحوار المحتدم بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد السعيد:
(انطلق فؤاد إلى بيت مراد السعيد وهو يردد الأبيات في سرِّه كي لا ينساها في الطريق فما كاد يقبل عليه حتى قال له: اكتب يا أستاذ..اكتب!
- ماذا أكتب؟
- سمعت الصوت مرة ثانية ودونك أبياتا جديدة...
- كلا لا تقل هذا الآن، لقد سمعت الصوت آتيا من قبل الخرابة فلم يبق لدي الآن شك في أنه صوت صاحبها الشاعر، وهذه القصيدة والتي قبلها من شعره.
- بل هما من شعرك، وما سماعك الصوت كأنه آت من قبل الخرابة إلا من أثر الوهم الذي قام في نفسك.
- لك يا أستاذي أن تثبت ما تشاء وتنفي ما تشاء. أما أنا فلا أستطيع أن أعد ما سمعته بأذنيّ هاتين وهما باطلا لأثبت لنفسي القدرة على قول الشعر)(6).

المحرك الثاني: نظرية كوليردج

في سياق محاولته تجسيد الفارق الدقيق بين الوهم والخيال في الشعر، كما نظَّر لهما كوليردج، يضرب إليوت المثال التالي: ولد صغير يبحث في تجمع صخري داخل مياه البحر فيرى شقائق النعمان لأول مرة. إن مثل هذه التجربة غير العادية ربما تظل نائمة في عقله عشرين عاما ثم تظهر وقد تحولت إلى محتوى شعري مفعم بانفعال خيالي عظيم. ويتابع قائلا: إن هنالك كثيرا من الذكريات تميز بن الخيال والوهم بحيث أنك إذا أردت أن تميز بينهما على طريقة كوليردج وجب عليك أن تميز الفرق بين الذاكرة في الخيال والذاكرة في الوهم. ولا يمكن أن تقول بأن واحدة فيهما تذيب وتنشر وتبدد الذكريات من أجل أن تقوم بعملية الابداع بينما الأخرى تتعامل مع الثوابت والمحدودات(7).
وفي سياق محاولة أخرى لتحديد الفارق الدقيق بين الوهم والخيال في الشعر، كما نظَّر لهما كوليردج، يؤكد الدكتور مصطفى ناصيف ...أن الفكر يستعمل كلا من قوة الوهم وقوة الخيال في الحالة الطبيعية في آن واحد، لكنه لا يلبث أن يستدرك قائلا: لا بد للخيال من مرحلة الوهم، لأن الخيال هو القوة الموحّدة المركّبة فيما أن الوهم هو القدرة على الحشد والجمع. إن الوهم يمثل مغناطيسا قادرا على استدعاء مجموعة من الصور المتباينة التي ينتظمها شبه ما، لكنها حتى حينما تتجمع تظل متفرقة. أما الأجزاء في الخيال فإنها تكيِّف بعضها بعضا. وباختصار فإن كوليردج يعد كلا من الوهم والخيال وسيلة لإدراك الحقيقة، إلا أن الشاعر الحقيقي لا يلبث أن يدرك أن الوهم يتطلب أن يجمع الشاعر جزئيات الحقيقة المدركة ويلفق منها كلاّ يشبه ما يكتبه تلميذ عن كيفية قضائه عطلته الصيفية، أما الخيال فإنه يبني لنا صورا بتأثير قوة الإدراك النافذ باتجاه صور جديدة تماما، استنادا إلى توظيف التجارب الماضية وليس استنادا إلى التجارب في حد ذاتها(8).
لقد حوّل علي أحمد باكثير رواية (ليلة النهر) إلى مختبر تجريبي لنظرية كوليردج في الشعر! لا نقول ذلك من باب الحدس أو الاستنتاج بل من باب القطع والتأكيد، فقد صرّح بهذا الاختبار ثلاث مرات في ثلاث صفحات متتالية من خلال الحوارات التي أقامها بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد سعيد..
- أترى هذا الذي يحدث لي حلما من الأحلام؟
- لا ليس حلما ولكنه شبيه به، إن هذا الذي وقع لك ليذكرني بما وقع لكوليردج الشاعر الانجليزي إذ نظم في منامه قصيدة من أروع قصائده، هي قصيدته "كوبلاي خان"
- كوبلاي خان...؟
- نعم سأبحث لك عنها غدا لنقرأها معا)(9).
كان هذا ما دار من حوار بين الفنان الشاعر وبين استاذه بعد ان استمع إلى صوت الهاتف وهو يردد قصيدته الأولى معه على أنغام لحنه الأول، وقد استكمل الاثنان الحوار على النحو التالي:
( لما ذهب "فؤاد حلمي" إلى بيت مراد بعد العصر ناقشه في أمر الصوت من جديد فأخذ مراد يشرح له النظرية بإسهاب وتبسيط ويضرب له مختلف الأمثلة وقام إلى مكتبته وأراه قصيدة كوليردج وقرأها عليه وشرح له معانيها. ثم قال له إن قصيدتك لا تعدو أن تكون كهذه. فراجعه فؤاد قائلا: " إن كوليردج هذا شاعر معروف قد قال الشعر من قبل وقاله من بعد فأمره يختلف عن أمري")(10).
إن انشغال علي أحمد باكثير بهذا المختبر الشعري لم يدفع به إلى اسباغ صفة الشعر على فؤاد حلمي إلى جانب صفة الموسيقى فحسب ، بل إنه أمعن في هذا الإسباغ حد الإقدام على تضمين الرواية قصائد شعرية مطولة، حرصا منه على تأثيث الرواية بمضمون شعري حقيقي ومقنع، فها هو طيف الشاعر يهتف:
يعز على الواشي طوافي بدارهـا وما ضره لو غض ناظره عنـي؟
أقبِّل من جدرانها فهل اشتكــتْ إليه الأذى يوما فينصفهـا منـي؟
و لو سئلت عما تحس إذا التقـتْ بثغري لبـاحت بالغرام ولـم تكن
قطعتم حبال الوصل بيني وبينـها فلا تحسدوني من وقوفٍ على ركن(11)

وها هي إحسان تستمع إلى أغنية "نجـوى النيـل" التي تبث عبر المذياع للفنـان الكبيـر فؤاد حلمي:
كنت ترعى مهدي وليدا وتنهـا ل علـى وجنتـيَّ بالقبــلات
تمسح الدمع إن بكيت وتغـري بفمـي زمــرة من البسمـات
وتوليتني صبيـا على شطِّــ ك ألـهو مـع الصغار لداتـي
نتبارى على صعـيدك وثبـا كفراش في الروض منطلقـات
نشتهي أن تضمنا بين حضنيك ونخشى موجـاتك المغرقــات
كـم دعـانا لذاك أنك سمـحٌ فنهـانا عـن ذاك أنك عـاتِ!(12)

المحرك الثالث: نظرية فرويد

مما يسترعي نظر الناقد المدقق في (ليلة النهر) اتجاه علي أحمد باكثير إلى توظيف مدرسة التحليل النفسي الفرويدية، إلى الحد الذي يمكننا القول معه بأن هذا التوظيف قد كاد يحجب توظيفه مقولات كوليردج بل قد يكون حجبه فعلا، على الرغم من المرجعية الجنسية الطاغية التي تثوي في صلب المقولات الفرويدية. إذ أن سيجموند فرويد يرى أن هناك صراعات عقلية قارة تعصف بالإنسان وتجعله موزعا بين الدافع اللاواعي نحو اللذة الجنسية وبين الدافع الذي يحاول الوعي أن يتكيف معه(13). ولم يفت علي أحمد باكثير أن يستثمر الجانب المتعلق بالأحلام في المقولة الفرويدية فوظفه أيضا دون تردد، وإن كان مزج في هذا الجانب بين مفهوم الحلم عند الامام ابن سيرين ومفهوم الحلم عند فرويد.
ولنتأمل في الكيفية التي عرض وفقها علي أحمد باكثير لمفهوم العقل الباطن والعقل الواعي من خلال هذا الحوار بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد السعيد بعد أن سمع الأول صوت الهاتف للمرة الأولى:
(- سبحان الله. ما هذا الكلام؟ أقول لك إنني سمعتها من هاتف لم أره وتقول لي أني شاعر!
- هذا الهاتف الذي سمعته إنما هو صوتك أنت!
- صوتي أنا؟
- نعم، صوت عقلك الباطن وقد استيقظ في ساعة من ساعات النشوة العارمة – حين استرخى عقلك الواعي وفقد سيطرته عليه- فانطلق يسمعك هذه الأبيات التي كانت مختمرة من قبل في أطواء نفسك مستكنة فيها....
- إن صح ما تقول فبم تعلّل وعيي للأبيات؟ أوعيتها أيضا بعقلي الباطن؟
- كلا، بل بعقلك الواعي حين استيقظ. أليس أحدنا يذكر في يقظته الحلم الذي رآه في منامه؟)(14)
وقد عاد لزيادة مفهوم العقل الباطن والعقل الواعي إيضاحا من خلال هذا الحوار الذي احتدم بين فؤاد وأستاذه مراد:
( - لماذا لا أسمع الصوت إلا في ذلك الموقع خاصة؟
- لأن للملابسات الزمانية والمكانية أثرا لا ينكر في تنبيه العقل الباطن. كما أن لحالتك النفسية وأنت منفرد ليلا في ذلك الموقع من النهر، يسبح بك الزورق حيال الخرابة التي كثرت عنها الأساطير المثيرة، أثرها الكبير)(15)

ومع أن مصداقية مدرسة التحليل النفسي قد تراجعت كثيرا في أوساط الطب النفسي لكنها ازدهرت في أوساط الأدب والنقد الأدبي، إلا أن علي أحمد باكثير لا يتردد في النظر إلى مقولة العقل الباطن والعقل الظاهر على أنها حقيقة علمية مؤكدة رغم عجزها عن تعريف ماهية الروح:
( - هذا الصوت الذي سمعته بإزاء الخرابة في النهر لا يقدر العلم ان يفسره إلا بنحو ما شرحته لك من قبل، فهو عاجز عن إثبات أن روح الميت قد تنطق بكلام يسمعه الحي. ولكن عجزه عن اثبات هذه الحقيقة لا يعني قدرته على نفيها إلا عند المغرورين بهذا العقل البشري المحدود.
- أتؤمن الآن أن الصوت الذي سمعته هو صوت الشاعر صاحب الخرابة.
- ليس عندي ما يمنع من صحة هذا. إن الوجود مملوء بالأسرار التي يجهلها الإنسان كل الجهل.
- فما الذي جعلك تصر قبلا على تفسير الحادث بالعقل الباطن؟
- إنما آثرت أن أفسره هذا التفسير العلمي لألقي في روعك أنك شاعر لعل هذه العقيدة أن أن تنطق لسانك يوما ما بالشعر)(16).
يؤكد الإمام ابن سيرين أنه لما رأى العلوم تتنوع أنواعا ما بين نافع في الدنيا دون الدين أو نافع في الدين دون الدنيا، فقد استخار الله في جمع جانب من علم الرؤيا الذي ينفع دينيا. والرؤيا الصحيحة عند الإمام ابن سيرين هي منبئة عن حقائق الأعمال منبّهة على عواقب الأمور، إذ أن منها الآمرات والزاجرات ومنها المبشِّرات والمنْذرات(17).
ويؤكد سيجموند فرويد أيضا أن الحلم موضوع رئيس في حقل التحليل النفسي، على الرغم من أن الاتجاه إلى دراسة الأحلام قد كان يعد مضيعة للوقت، كون الأحلام تقف على الطرف النقيض من العلم، وهو ما أدى إلى وصم المشتغلين في حقل الأحلام بالميل إلى التصوف والروحانيات(18).
وعلى نحو امتزج معه الحلم من منظور ابن سيرين والحلم من منظور سيجموند فرويد، نرى علي أحمد باكثير ينشىء هذا الحلم:
( في تلك الليلة رأى فؤاد فيما يرى النائم كأن رجلا طويل القامة نحيف الجسم يلوح على وجهه الألم والبؤس قد اقبل عليه يقول له: أما تعرفني يا فؤاد؟ فيقول له فؤاد: لا..فمن أنت؟
- أنا صديقك الشاعر صاحب الخرابة وإني في حاجة إلى عونك فلا تهجرني.
- أأنت الذي أسمعني صوته في النهر؟
- نعم فلا تغير عقيدتك فيّ.
- لماذا لم تسمعني صوتك وقد ترددت كثيرا على منزلك وترنمت هناك باللحن الجديد الذي وضعته في ذكراك؟ أيجب علي أن أركب الزورق لتسمعني؟
- كلا ولكنك لم تأتني في الساعة الموقوتة. ألا تذكر يا فؤاد ليلة مررت وحدك بالشارع فلما سمعت حسي ولّيت مني فرارا. أتذكر كم كانت الساعة إذ ذاك؟
- إحدى عشرة...
- في تلك الساعة يبدأ طوافي يا فؤاد... لا.. لا تخشى مني سوءا فإني رجل طيب لا أضر أحدا.. وإني بحاجة إلى عونك وصداقتك فلا تهجرني.
وانتبه فؤاد من نومه وقلبه يخفق والعرق يتصبب من جسمه فقص على أمه رؤياه)(19).

والطريف أن علي أحمد باكثير لا يجعل من فؤاد حلمي هدفا للأحلام فقط، بل يشرك معه في هذه الأحلام أستاذه مراد بفارق أن أحلام الأستاذ مراد تمثل حالة من الإنذار المبكر المفيد:
( وآوى مراد إلى سريره لينام ولكنه لم يكد يغفو حتى انتبه مذعورا من كابوس مزعج رأى فيه كأن رجلا يشير بيديه إلى جسر عباس ويصيح بأعلى صوته "أدرك صاحبك! أدرك صاحبك!" فهب من مرقده فزعا وارتدى ثيابه عجلا وصاح بخادمه أن ينتظره حتى يرجع، وخرج مهرولا وهو يسوي المعطف على صدره وانطلق صوب الروضة فطوى الشارع في دقائق ثم ركض ذات اليمين حتى دنا من جسر عباس فطامن من سيره عندما لمح في نور القمر شخصا واقفا على الحاجز الأيمن من الجسر.)(20)

عود على بدء

بعد أن توقفنا بإزاء هذه المحرّكات الفكرية الفاعلة في رواية (ليلة النهر)، فإن من الضروري التنبيه إلى أن هذه المحركات ينتظمها جميعا منطلق واحد رئيس مهيمن هو الإيمان المطلق بأن ثمة روحا خالدة يصعب حصرها أو وصفها أو تعيينها، وأن هذه الروح تنتمي إلى عالم ما وراء الطبيعة والحس ، وأن هذه الروح هي سر إلهي بحت. ولتأكيد هذا المنطلق فقد اعتنى علي أحمد باكثير بأن يستهل روايته بقوله تعالى: (ويسألونك عن الرّوح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، كعادته في جُلِّ أعماله. لكنه ومن باب الحرص على أن لا تنفلت عملية التلقي من عالم الواقع، فإنه لا يدخر وسعا لتقييد هذا التلقي بمقدمة خلط فيها الواقع بالخيال حينما قال في (مقدّمة) روايته بأنه قد استقى حوادثها وأخبارها من كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة (بالموسيقار المصري العظيم المرحوم الأستاذ فؤاد حلمي)، وأن معظمها قد تلقاه من معلمه وصديقه الأستاذ مراد سعيد الذي أعاره مذكرات التلميذ النجيب. والحق أن هذا التقديم قد اضطلع بدور إيهامي وتخييلي كبير، خلافا لما ذهب إليه بعض الدارسين الذين وإن أقروا بأن هذا التقديم من شأنه أن يجنب الرواية التأويلات المغلوطة والتفسيرات المشوشة، إلا أنهم قطعوا في الوقت نفسه بأنه (يحرم القارىء متعة الاستكشاف ويلزمه برؤية قبلية تصادر حق التفسير الخاص به ناهيك عن تقييد حريته في إعادة إنتاج النص وفق رؤيته الخاصة)(21). ولا أدري إذا كان هؤلاء الدارسون قد تنبهوا إلى حقيقة أن (الموسيقار المصري العظيم المرحوم الأستاذ فؤاد حلمي) لم يمت فعلا في مستهل العقد الرابع من القرن العشرين، لان ما هو متوفر لدينا من معلومات بخصوص هذا الموسيقار(22) يشير إلى أنه ولد في عام 1922 وأنه توفي في عام 2007!! أما مراد سعيد فهو على الأرجح ما أراد علي أحمد باكثير أن يكونه أو هو القناع الذي مارس علي أحمد باكثير من خلفه دوره في التنظير. ومما يرجح لدينا هذا الظن أوجه الشبه الكبيرة بين منحنى الحياة الشخصية لعلي أحمد باكثير ومنحنى الحياة الشخصية لمراد سعيد، وتحديدا فجيعة باكثير بموت زوجته الشابة في عام 1932 وفجيعة مراد سعيد بموت زوجته الشابة التي (سعد بها حينا من الدهر غير أن المنيّة لم تمهلها فاختطفتها منه وهي أتم ما تكون جمالا ونضرة وهو أشد ما يكون شغفا بها وهياما)(23).


هوامش البحث:
1- انظر على سبيل المثال: باكثير رائد الشعر المرسل، محمد عباس محمد عرابي، http://www.ibtesama.com.
2- رواية(ليلة النهر)، علي أحمد باكثير، مكتبة مصر،القاهرة،ص 186.
3- انظر: منزلة وراء الحب- قصص قصيرة من العهد الأموي والعباسي، د.محمود عبدالرحيم صالح، دار الينابيع، ط1، عمان، 1997،ص 33-42.
4- انظر: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، أبو القاسم حسين محمد بن الراغب الاصبهاني، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت، 2/360. تاريخ النقد الأدبي عند العرب، د.احسان عباس، دار الشروق،عمان، ط1 المنقحة،1983، ص 14-23، ص381-384.
5- رواية (ليلة النهر)، ص 94.
6- رواية (ليلة النهر)، ص 90-91.
7- فائدة الشعر وفائدة النقد، ت.س.اليوت، ترجمة: د.يوسف عوض، دار القلم، ط1، بيروت، 1982، ص 81.
8- الصورة الأدبية، د.مصطفى ناصف، دار الأندلس، ط2، 1981، ص 28-29.
9- رواية (ليلة النهر)، ص 85.
10-رواية (ليلة النهر)، ص 10.
11-رواية (ليلة النهر)، ص 124.
12-رواية (ليلة النهر)، ص 173.
13- انظر بتوسع: المعجم الفلسفي المختصر، توفيق سلّوم، دار التقدم، ط1، موسكو، 1986، ص 333-334.
14- رواية (ليلة النهر)، ص 85.
15- رواية (ليلة النهر)، ص 91.
16- رواية (ليلة النهر)، ص 97.
17- تفسير الأحلام، ابن سيرين، دار الفكر العربي، ط1، بيروت، 2000، ص 11،7 .
18- نظرية الأحلام، سيجموند فرويد، ترجمة:جورج طرابيشي، دار الطليعة، ط1،1980، ص 6.
19- رواية (ليلة النهر)، ص 98-99.
20- رواية (ليلة النهر)، ص 128.
21- الخطاب المقدّماتي في الرواية اليمنية، محمد يحيى الحصماني، نادي القصة اليمنية-10 اغسطس 2008،http://www.elmaqah.net
22- منتدى مقامات شرقية، محمد جبر، 24/7/2008،http://www.mqmats.net
23- رواية (ليلة النهر)، ص 27.
۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

مع باكثير في موارده الفكرية والمنهجية

الثائر الأحمر نموذجًا


إن القيمة الموضوعية لأي نص مهما كانت صورته ومرجعيته إنما تتأتى من جانبين:
الأول: الأفكار التي يتضمنها هذا النص، فكلما كانت الأفكار كثيرةً ومتنوعة، ساعدت في تحسين صورة النص، وعكست حجم الاطلاع الفكري والعلمي لصاحبه.
الثاني: توظيف هذه الأفكار في إطار منهجي جامع؛ بحيث يتسلسل صاحب النص وفق منهجيته المتبعة في تحقيق مقاصده وأغراضه من إنشاء نصه، وكلما كانت المنهجية بأبعادها النصية محكمة، كان النص آخذًا بتلابيب القارئ، بحيث يجعله أسيرًا لأسلوبه، مقيدًا بسلاسل أفكاره، وفارق كبير بين نص مفكك الروابط، ونص أفكاره مترابطة وسياقه متداخل محكم.
ولعلنا في مقامنا هذا - ليس عن شك - نلمس القيمة الموضوعية للنص الذي بين أيدينا، فقد استطاع باكثير أن يفرض على القارئ لنصه هذا أسلوبَه، وجعله متفاعلاً معه في سياقه بحيث لا يود مفارقته، ولا أخفي على قارئ هذه السطور حجم التأثر الذي أحسست به وأنا أقرأ هذه الرواية، فقد بلغ بي هذا الإحساس إلى درجة التصور والتخيل أني أعيش تلكم الأحداث والوقائع، وكأني أحد شخوصها وأطرافها؛ وما ذلك إلا بسبب الإحكام والإتقان الذي لمسته في صياغة هذا النص، ولست بطبيعة الحال بصدد أن أقف ناقدًا أو محللاً لنص باكثير من حيث قيمته الأدبية، إلا أني سأقف محاولاً تفكيك هذا النص؛ لمعرفة جذوره الفكرية والمنهجية بصورة تعكس منهج التلقي عند الكاتب.
ويمكن الوقوف على أبعاد أربعة تجلت في رواية باكثير:
الأول: البعد القرآني:
يتجلى هذا البعد في رواية باكثير في إطارين.
الأول: تأكيده على منهج الحوار، وهو أحد الأساليب القرآنية التي استخدمها القرآن في تحقيق مقاصده؛ إذ إن إقامة الحجة تقتضي التنزل مع الخصوم وفقًا لمنهجية التسليم الابتدائي؛ كما هو معلوم عند أهل الجدل، دون أن يقتضي ذلك الرضا بما يقوله الخصم أو يقرره، ولك أن تتأمل الآية الآتية؛ لتعرف أن هذا الأسلوب أصيل في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].

لقد كان تأثر باكثير بهذه المنهجية القرآنية واضحًا وظاهرًا؛ إذ يظهر ذلك من خلال غلبة أسلوب الحوارات على روايته هذه، ولا شك أن استخدام هذا الأسلوب يحقق جملةً من الأغراض والأهداف لا يمكن تحقيقها في منهج سواه، وأبرزها[1]:
تقديم الأدلة والبراهين على كون المنهج حقًّا.
الوقوف على حجج الخصوم، وهذا يساعد على جعل الحجة أقوى من كونها منفردة.
تيسير الإقناع والقبول بالحجج والأدلة.
ترتيب الحجج الإقناعية داخل النص.

لقد كان باكثير موفقًا في اتباعه هذه المنهجية، من أجل تحقيق مقاصد الرواية، ولعلك تتفق معي أننا بحاجة إلى الوقوف على نص ضمني للرواية، يظهر من خلاله أثر هذا المنهج؛ يقول - رحمه الله - وهو يصف موقف أبي البقاء أحد شخوص الرواية المؤثرين:
"ولم يكد أبو البقاء يخرج إلى أتباعه المستضعفين من مختلف الأصناف؛ ليزورهم ويتفقَّد نقاباتهم، وليبشرهم بالعهد الجديد الذي يوشك أن يدفع عنهم الحيف، ويبسط لهم الرخاء والعدل، حتى هاله ما رأى وسمع من آثار انبعاث فتنة الكرماني من جديد، وأن أبا البقاء لجالس يومًا بين أصحابه في حي من الأحياء الفقيرة في بغداد، وهو يعظهم في هذه الفتنة، إذ تصدى له نفر من أهل الحي، فشكوا إليه سوء حالهم، وسألوه: ما حُكم الله في ذلك؟ وكان أحدهم فقيرًا ذا عيال، والثاني فلاحًا، والثالث عاملاً من العمال، فأخذ يجيبهم واحدًا بعد واحد، فكان مما قاله للأول: إن الله قد فرض له حق الفقير، وهو أن يكون له ولمن يعولهم بيت صالح يأوون إليه بمتاعه وماعونه، وطعام طيب من أوسط ما يطعم الناس في غير أشر ولا بطرٍ، وكسوة للصيف، وأخرى للشتاء من أوسط ما يلبس الناس، بلا زهو ولا خُيلاء، وفضل نفقة للعيد يوسع بها على زوجه وعياله، ويصرف له ذلك من الزكاة ما وفت به، وإلا أخذ له ذلك من فضول أموال الأغنياء، فما الزكاة المفروضة إلا الحد الأدنى لما يؤخذ من مال الغني ليرد على الفقير، وهذه تؤخذ في وقتها المعلوم من نصابها المعلوم، ولو لم يوجد مَن يستحقها، فتودع حينئذ في بيت المال، أما الفضول فتُفرض عند الحاجة على قدر الحاجة، وقال للثاني: إن لك من ريع الأرض التي تعمل فيها ما يكافئ عملك لو استأجرتها من المالك، فعمِلت فيها لحسابك، ولمالكها القابع في داره من ريعها ما لا يزيد على أُجرة مثلها لو أجَّرها لك أو لغيرك، فإن لم يفِ ذلك بنفقتك ونفقة عيالك، كنت حينئذ مسكينًا، فتعطيك الدولة قدر ما ينقصك، حتى يكون عندك البيت الصالح، والطعام الطيب، وكسوة الصيف، والشتاء ونفقة العيد، وقال الثالث - وكان يعمل في إحدى معاصر الزيت: إن لك من ثمرة العمل ما يكافئ جهدك لو أن المعصرة كانت ملكًا لك، ولصاحبها ما يساوي أجر معصرته لو أجَّرها لغيره، وله فوق ذلك ما يكافئ جهده في حسن التدبير لها، والإشراف عليها، على أن يحط من ذلك كله ما يستهلك من آلة العمل ويتلف، فإن لم يقم هذا بكفايتك وكفاية مَن تعولهم، فلك على الدولة حق المسكين، فاقتنعوا جميعًا بأن فيما أفتاهم به غاية العدل، ولكنهم قالوا له: أين هذا يا أبا البقاء مما نحن فيه؟ فقال لهم: ذاك ما شرح الله صدر خليفتكم الجديد لإصلاحه من الفساد، فانتظروا ولن يطول انتظاركم - إن شاء الله - وقام أبو البقاء من مجلسه وقد وقر في نفسه أن الأمر جد، وأن القرامطة قد نفثوا سمومهم في الناس، وأن الناس معذورون في الاستجابة لهم، وأنه إذا كان هذا حالهم في قلب الدولة، فكيف حالهم في أجزائها وأطرافها؟".
وأما في الإطار الثاني، فنجد أن باكثير اقتبس بعض الآيات القرآنية بين يدي أسفاره الأربعة في محاولة منه - فيما يظهر - أن يربط بينه وبين أغراض روايته، وهنا يعرض تساؤل في غاية من الأهمية: هل كان الاستدلال بالآيات وفق منهج الاستظهار أو منهج الافتقار؟ والفارق بينهما أن الأول يحاول من خلاله صاحبه توظيف الآيات القرآنية لمصلحة نصه؛ مما يجعل كلامه حاكمًا على النص القرآني، وبذلك يفقد النص القرآني بُعده المطلق الذي قصده شارعه، أما منهج الافتقار، فإن المستدل به يجعله منطلقًا - بحكم كونه نصًّا مطلقًا - ينزله على نصه النسبي؛ وبذلك تكون البداية من القرآن بخلاف سابقه، ولا يمنع في هذا السياق أن نقرر أن القرآن بحاجة إلى قراءة بشرية اجتهادية، نستطيع من خلالها أن ننزل القرآن على الواقع بغية إصلاحه وتقويمه، فيكون القرآن فاعلاً ومؤثرًا في الحياة البشرية، وهذا هو المقصد من إنزاله، وبالمقابل يحتاج الواقع النسبي إلى الاسترشاد بالوحي، وبناءً على ذلك يحق لنا أن نرسم بالقول مقررين أن باكثير كان مستدلاًّ بهذه الآيات، وفقًا لمنهج الافتقار لا الاستظهار، وهاك برهان ذلك.

الآية الأولى في روايته هي قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16]، ومقتضى الآية كما يقول أهل التفسير: إن الله إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة، ويستأصلها بالعذاب - أمر مُترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا، ففسَقوا فيها، واشتد طغيانهم، فحقَّت عليهم كلمة العذاب التي لا مردَّ لها، فكان مصيرها الهلاك والتدمير، ولو تأمَّلنا نص باكثير هذا في سفره الأول، يمكننا معرفة الصورة البشعة التي كانت عليها بعض شخوص الرواية، الذين كان لهم أبرز الأثر في إفساد المجتمع، ولك أن تتصور وتتخيل ما شئت بعدما تقرأ النص الآتي الذي يصف حال كل مجتمع يسود فيه أمثال هؤلاء: "كان الحسين الحطيم - فيما يروي حمدان عن أبيه - يملك خمس ضياع متفرقة في تلك الناحية، يفصل بين بعضها وبعض ضياع صغيرة لغيره من صغار المُلاك والمزارعين، كان جدهم يعمل في أرضه بنفسه، ويستغلها لحسابه، فجعل الحطيم يستخدم ماله وجاهه عند السلطان في الإحاطة بأولئك الملاك الصغار، والتضييق عليهم بمختلف الوسائل وشتى الطرق، فحينًا يدفع الأشقياء إلى إتلاف القنوات التي تسقي تلك المزارع، وحينًا يغري اللصوص ليسطوا على ثمارها ليلاً، أو يفسدوا زرعها، أو يشعلوا النار في سنابلها قبيل الحصاد، وحينًا يرشو عامل القرية؛ ليوعز إلى جُباته الغلاظ أن يفرضوا على أولئك المساكين خراجًا أكبر مما تحتمله أرضهم، ويشتطوا في مطالبتهم بذلك؛ حتى يرهقوا كواهلهم، ويضطروهم إلى الاستدانة؛ إما من يهودي القرية بالربا، أو من أحد تجارها، على أن يستولي التاجر على غلات أرضهم أو ثمارها بالأسعار التي يقترحونها، فما لبث الملاك أن رهنوا أملاكهم، ثم ما لبثت الرهون أن أُغلقت، فيتقدم سماسرة الحطيم لشرائها واحدًا بعد واحد بأثمان مبخوسة، فما هي إلا أعوام معدودة حتى اتصلت ضياع الحطيم بعضها ببعض، وصارت تلك الناحية كلها ملكًا خالصًا له، وما ينس حمدان من الأشياء، فلن ينسى أن والده كان أحد أولئك الملاك الصغار الذين سقطت أملاكهم في يد ذلك المالك الكبير، ولو بَقِيت لوالده ضيعته الصغيرة، لورِثها عنه، فاستطاع أن يعيش فيها عيشة طيبة هو وأهله وعياله، ويتمتعوا بثمرات عملهم وكدِّهم، ولم يثبت للحطيم في ميدان الصراع على امتلاك أراضي تلك المنطقة، وانتزاعها من أيدي أهلها الصغار، إلا مالك كبير آخر هو أبو الهيصم ابن أبي السباع من وجهاء تلك القرية، ماله مثل مال الحطيم، وجاهه ونفوذه ومطامعه، وقد سلك مثل السبل التي سلكها منافسه، وتم له من الاستيلاء على أملاك جيرانه الضعفاء، قريب مما تم للحطيم، وهكذا أصبح هذان المالكان سيدَي القرية، يتنازعان النفوذ فيها لدى ذوي السلطان من عامل القرية إلى والي الكوفة إلى الوزراء ورجال البلاط في عاصمة الخلافة".

في مقدمة السفر الثاني جاء قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 175 - 176].

والآيتان مثل ضرَبه الله لمن عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله وترَكه، والصورة نفسها تناسبت ما بين استدلال باكثير بالآيتين، وبين صورة عبدان إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية، وخلاصتها أن عبدان "كان قد قضى عامين في واسط؛ حيث استقر به المقام عقب فراره من قريته متنكرًا في زي طلاب العلم، فاشتغل بطلب العلم محمولاً عليه في أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن لذَّ له ذلك، فلازم شيوخ العلم بها، وجد واجتهد في الدرس والمطالعة، يساعده في ذلك فرط ذكائه وتوقُّد ذهنه، وصفاء قريحته، فما تم له عامان حتى ظهر نبوغه وتقدُّمه على الأقران في كل ما اشتغل به من فروع العلم، ولا سيما في الفقه"، إلا أن فِقهه وعِلمه لم ينفعه؛ لسوء طويَّته، وفساد نيَّته، وخُبث مقاصده؛ حيث وقع في حبال الرجل الكرماني الذي كان داعيةً لمذهبه الفاسد، فكان عبدان صورة من صور الآيات التي استدل بها باكثير.

لقد أثبت باكثير من خلال مقدمات أسفاره، وما تضمنتها من أحداث ووقائع - حُسن توظيفه للآيات القرآنية؛ حيث عبرت عن قدرته في الغوص في معاني الآيات، وهذا يثبت بطبيعة الحال عِظَم الأثر الذي تركه القرآن في نفسيته، ويؤكد - بما لا مجال للشك فيه - أن الرجل كان يعيش مع القرآن، ويتفاعل معه، ويتأثَّر بنصوصه، وهو أمر لا يتأتَّى لأي إنسان ما لم يكن القرآن مرجعه وموئله، ينهل منه، ويتروَّى بمَعينه، والقرآن يعطي الإنسان بقدر اهتمامه به وعنايته له.
الثاني: البعد الفقهي:
لقد أثبت باكثير في ثنايا روايته عُمق اطلاعه على كثير من الأحكام الشرعية بصورة تظهر تنشئته العلمية في ظلال علوم الشريعة، وقد استطاع توظيف هذه الأحكام في تحقيق مقاصده وأغراضه الروائية، وهو أسلوب يعتبر - في ظني - سائغًا بل مبدعًا، بحكم محاولته تصوير هذه الأحكام في إطار حواري روائي، يخرجها من صورها المجردة التي اعتادت كتب الفقه إظهارها إلى الدرجة التي تصيب طالب العلم بشيء من المَلل إن لم يتجاوزها إلى صور أخرى، ولعل من المفيد أن نُنبه في هذا السياق إلى أن العلوم الشرعية بحاجة إلى وسائل متعددة، يتسنَّى لأربابها من خلالها نشْرها وتبليغها وتعليمها للناس، وتكاد تكون هذه الصورة التي يعرضها باكثير إحدى صورها؛ سواء كانت في إطار قصده أو عدمه، قال باكثير واصفًا شخصية عبدان ومظهرًا اهتمامه الفقهي والشرعي: "وإنه ليقرأ اليوم في باب الزكاة، أو باب المزارعة والمساقاة، أو باب الأجير، أو باب الجعالة، أو غير ذلك من الأبواب التي تبحث في معايش الناس ومعاملاتهم، وترشد إلى تنظيمها على وجه يكفل العدل والخير لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم، وقطْع دابر الظلم عنهم".

إن النص المتقدم يظهر باكثير من خلاله بعدًا آخر غير البعد الذي اعتاد عليه طلبة العلم والفقه في دراستهم للأحكام الشرعية العملية؛ حيث بيان الأحكام الشرعية والفتاوى لما يحدث للناس من قضايا، إنه ينبه في نصه هذا إلى الأثر الذي يحدثه طلب العلم والفقه في المجتمع الإسلامي، حيث يكونان وسيلةً من وسائل الإصلاح المجتمعي، ولا شك أن هذا يمثل انعكاسًا للمنهجية القرآنية التي تأثر بها باكثير، لا يمكن أن تتأتى لغيره ممن غاص في بطون الكتب الفقهية بعيدًا عن مرجعيتها القرآنية الكلية، لقد أدرك باكثير - فيما يظهر لي - أن المجتمع الإسلامي بحاجة إلى التوءَمة بين الجانب العلمي والجانب الأخلاقي والسلوكي، وهذا لا يمكن إلا بأن يجمع المرء بين التعليم والتزكية، كما جمع بينهما القرآن مبينًا وظيفة الأنبياء والرسل؛ قال تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151].

فالآية تظهر هي ومثيلاتها مدى أهمية التزكية والتربية إلى درجة جعلها مقصدًا من مقاصد القرآن العليا، فهل كان فقهاؤنا معبرين عن هذا المقصد، مستحضرين له تعليمًا وتأليفًا؟!

ثالثًا: البعد التاريخي:
لقد كان الزمن الذي جعله باكثير ظرفًا لروايته هو زمن الدولة العباسية التي مرت بمراحل متعددة قوة وضعفًا، تأثيرًا وتأثرًا، وحدة وتفرُّقًا، ولا أستطيع الجزم في بيان العلة وراء اختيار ذلكم الظرف الزمني؛ لجعله محضنًا لأحداث روايته، إلا أنه يبدو لي في إطار التكهن المباح أن باكثير أراد باختيار ظرفه الزمني هذا أن يبرز مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، أحاط بها الغموض؛ بحيث لم تكن محل اهتمام المؤرخين على وجه التفصيل والبيان، كغيرها من المراحل التاريخية، ومرجع ذلك - فيما يظهر- صعوبة الوقوف على معارف ومعلومات كافية للغوص في ثنايا تلكم المرحلة توصيفًا وتحليلاً، وقد أشار إليها الطبري إشارات عابرة في تاريخه، بخلاف مثيلتها في الفكر والمنهج والمعتقد - أعني دولة القرامطة في البحرين - حيث بيَّنت كتب التاريخ شأنهم وحوادثهم ووقائعهم المشينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر أن باكثير التمس جانبًا من جوانب المماثلة في هذه المرحلة التي تتناسب مع ما عايَشه من مراحل عصره في القرن العشرين؛ حيث تتشابه وتتقارب الرؤى والأفكار والمقاصد والأغراض، وهذا ليس من فراغ، وإنما مرجعه إدراكه لأهمية قراءة التاريخ، والخروج منه بالدروس والعِظات، مؤكدًا مرة أخرى تأثره بالمنهجية القرآنية، التي اتخذت من تاريخ الأمم سبيلاً لتحقيق العبر، إنه يشير - رحمه الله - إلى أهمية استغلال التاريخ وربْطه بالأفكار؛ ليتسنى لحمَلَة المنهج تقريبه للناس من خلال أمثلة واقعية، وليثبت لهم أن حوادث التاريخ، وإن كانت ليست متطابقة صورة، إلا أنها متقاربة فكرًا ومنهجًا، وليبين أهمية البحث في التاريخ عن وصفات علاجية تمثل وسائل معينة على تجاوز أدواء الحاضر ومشاكله، مع التنبيه على عدم كونه الوصفة الوحيدة، وإنما شأنها أن تكون وسيلة من الوسائل ومنهجًا من المناهج.

لقد أظهرت رواية الثائر الأحمر هذه حجم العمق الفكري التاريخي، الذي امتلكه باكثير، من خلال غوصه في كتب التاريخ وتوظيفها في كتاباته ومؤلفاته المتعددة، وأرسل رسالةً من خلالها لأمته الغافلة، مبينًا حجم الخلل الذي أصابها بسبب بعدها عن تاريخها وأمجادها، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن الاهتمام بالتاريخ لا يكون من جهة التباكي على أمجاد الماضي، وتذكر صفحاته المضيئة دون النظر إلى مقتضيات الحاضر، إنما هو من جهة تلمس الدروس والعظات، لقد حاول باكثير من خلال أحداث روايته، وسرد وقائعها، أن يبين أهمية النظر السُّنني الذي ينبغي أن يتبع في دراستنا لمراحل التاريخ، لقد أظهر حقيقة الصراع بين الحق والباطل في إطار سنة التدافع التي أكد عليها القرآن، إننا نلمس من خلال هذا النص حجم قوة الباطل في مواجهة الحق؛ حيث اجتمع على محاربته عدة جهات اختلفت صورها، لكن توحدت مقاصدها، إنها دفع الحق ومنهجه، وتسويد الباطل وأهله، ظهر ذلك في الرواية من خلال القرامطة بقيادة حمدان وعبدان، وغيرهما في الكوفة وغيرها، والزنج وثورتهم في البصرة، ومحاولات التجار الفجرة الذين كانوا يمارسون أعمالاً مخالفة؛ من أجل تحقيق مصلحتهم الشخصية، من خلال التقرب إلى السلطان بشتى الوسائل الممنوعة والمحظورة شرعًا، إلا أنه في ثنايا هذه الصورة السوداء يظهر الأمل، ويظهر النور في صورة رجلين يمثلان رمزًا لحملة دعوة الحق ومنهجه، الأول منهما: مثال العالم الرباني الذي جعل علمه في خدمة الدين الحق والدفاع عنه ضد أعدائه بشتى صورهم، تمثَّل في شخصية أبي البقاء البغدادي، والثاني: مثال الحاكم العادل الذي سلطه الله على الظالمين، واسترداد حقوق المظلومين، مثله الخليفة الموفق، لقد أدرك باكثير أن هذا المنهج لا يكون إلا بعلم نافع، وعمل صالح، وسلطان حاكم، وأرسل رسالةً إلى الجميع مضمونها أن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.

لقد أحسن باكثير ووفق كثيرًا في توصيفه لفرقة القرامطة؛ بحيث أظهرها بصورة غاية في البشاعة والشناعة، وليس ذلك عن مبالغة، بل كان توصيفًا من واقعهم وعقيدتهم ومنهجهم المنحرف، ولو قدر للمرء أن يقرأ عنهم في كتاب من كتب التاريخ، فلن يصل في آخر الأمر إلى الصورة التي انتهى إليها باكثير في توصيفه عنهم، وهذا دليل من أدلة الإحكام والإتقان، الأمر الذي ينبهنا إلى قضية تكاد تكون مغيبة أو قريبًا منها، وهي ما من فرقة من الفرق المنحرفة في تاريخ الإسلام، إلا وكان لها مآرب اجتماعية في صورها، إلا أنها في حقيقتها سياسية دينية مبطنة، والغرض منها الطعن في هذا الدين وحملته وعلمائه.

الرابع: البعد الواقعي:
على الرغم من الغوص في أحداث تاريخية بعيدة في الزمن عن عصره، فإن باكثير لم يغفل عن استحضار واقعه، ذلكم الواقع الذي كان حافلاً بكثير من المفاصل الفكرية والعلمية والمنهجية، وبكثير من المواقف الموافقة والمخالفة، لقد أدرك تأخُّر أمته، وتقدُّم غيرها من الأمم، وكان في خِضَم ذلك يرى كثيرًا من أقرانه ممن أحسن مهنة الكتابة الأدبية يشرِّق أو يغرِّب، منتحلاً هذا الفكر أو ذاك - إلا من رحم الله - إنه وعلى الرغم من ذلك، أبى باكثير إلا أن يحتفظ بإسلاميته، التي اعتز بها، وجعلها المرجع لما رقمه من كتابات ومؤلفات، وقد انبرى في روايته الماتعة هذه؛ ليشكل خط الدفاع الأول ضد الأفكار الوافدة، وينبه على أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، وقد لمسنا من خلال هذه الرواية أنه اتبع منهجًا يختلف عن منهج غيره من دعاة الإسلام، الذين كانت نبرة الدفاع عن الإسلام ودفع الشبهات تملك عليهم فكرهم ووقتهم، إلا أن باكثير - فيما يظهر لي - اتَّبع منهجية مغايرة، لقد أدرك أن الانشغال بالدفاع والرد على الشبهات، يُضعف موقف الراد؛ لذلك أحسن التعبير عن منهجه، من خلال تعرية الأفكار وتوصيفها بما فيها من عورات واختلالات، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن مراحل عصره الزمنية كانت تشهد صراعًا فكريًّا وإستراتيجيًا بين دولتين عُظميين: إحداهما تسوٍّق منهجها الاشتراكي الشيوعي، والثانية تعرض منهجها الرأسمالي الليبرالي، وما أكثر من انساق وراء الدعاية الشرقية والغربية لانتحال الفكرين والمنهجين على حساب دين الإسلام ودعوته، من خلال ذلك كله استطاع باكثير أن يعرض لنا هذين الفكرين بأسوأ صورة؛ حيث غاص في مآلات وعواقب تُبنى إحداها على كثير من الأصعدة، وانظر إلى صورة الرأسمالي البغيضة التي تجعل إنسانًا فردًا، لم يكن له أدنى جهد في جمع المال وتحصيله، كيف أنه يمتلك أموالاً طائلة وأراضي شاسعة، ليس من كسب حلال، وإنما هي ثمرة الظلم والاستبداد، وأكل أموال الناس بالباطل، وكل عام يمر تزداد ثروته وتتضخم، أما غيره فيزداد فقرًا على فقر، تلكم الصورة التي تتشدق بها دول الغرب، وتجنِّد كل وسائلها الإعلامية من أجل تحسينها، وتحاول أن توظف دعايتها من أجل تصدير فكرها إلى العالم الإسلامي، وفي المقابل نرى صورة الاستبداد الطبقي الذي يبدأ بالدفاع عن حقوق الفقراء والمساكين من العمال والفلاحين، ويزين لهم ثورته ضد الاستبداد الرأسمالي، حتى إذا حقَّق مراده منها، كشَّر عن أنيابه، وأظهر خُبثه ونَتنه، فازداد ظلمًا وتجبرًا، وهل يتناسى الناس الملايين الذين قضوا بسبب آلته وطغيانه وجبروته في دولته أو في غيرها، إن علينا أن نؤكد على أن الصراع الفكري بين الشرق والغرب كان صراعًا على الوسائل والمصالح، وإن كان في صورة صراع فكري، إلا أنهما كان يمثلان وجهين لعملة واحدة، هي المادية العلمانية، وهل يمكن أن نغفل - ونحن في إطار التوصيف الفكري - عن تلكم الوسيلة الرئيسة التي اتخذها أرباب الفكرين؛ لتحقيق أغراضهم في إفساد المجتمعات؟ إنها المرأة، لقد اتخذوها سبيلاً لقضاء شهواتهم، والوصول إلى مآربهم، فادعوا حرية المرأة، والدفاع عن حقوقها، ودعوتهم في حقيقتها إنما تصب في حرية الوصول إلى المرأة، في خِضَم ذلك كله يستعرض لنا باكثير هذين المنهجين في صورة تعبيرية باهرة في أسلوبها، بشعة في مضمونها، لا أظن أن أحدًا ممن لا يزال يحتفظ بفطرته السليمة يستمرئها، أو يتقبلها بخلاف من انطمست فطرته وجِبلَّته، وانظر إلى معسكر الفريقين المختلفين في ظاهرهما، كيف يكون همهم الاستغراق في الشهوات مع النساء وشرب الخمر وغيرها؟

وهي حال لم تختلف في الحاضر عن السابق، فإن ابن الحطيم، وأبا الهيصم، والكرماني، وعبدان، وحمدان قرمط، والولاة الفجرة كلهم ومن معهم، تكررت بشخوص غيرها، لكنها بقلوب وعقول فارغة إلا من أهوائها وشهواتها، لكن باكثير في مثل هذا البحر المتموج بالأحداث والوقائع، لم ينس بعدُ انقباض صدرونا أن يشرحها بمواقف أولي الأمر من العلماء والأمراء الأتقياء في الذود عن حِمى الإسلام أرضًا ومنهجًا، واستمع إليه وهو يقص علينا خبر أبي البقاء والمعتضد، فيقول: "وكان أبو البقاء البغدادي مقصًى عن العاصمة إذ ذاك بأمر الخليفة المعتمد؛ لميله إلى المعتضد ولي عهد المسلمين حينذاك، كما كان المعتضد مشغولاً بدسائس عمه المعتمد عن الالتفات لغيرها، فكان الجو مواتيًا لعبدان كل المواتاة، كما كان مواتيًا لحمدان أيضًا فيما يقوم به من النشاط الهائل بالسواد، ولم تتغير الحال عليهما إلا حينما توفي المعتمد، وبويع بالخلافة للمعتضد، ذلك أنه ما كاد المعتضد يتربع على كرسي بني العباس؛ حتى انتعشت الخلافة ودبَّت في أوصالها روح جديدة، شعر بها أولياؤها وخصومها على السواء، فما نسي الناس أنه ذلك البطل المغوار الذي خاض ميادين القتال منذ طر شاربه، واشترك مع أبيه الموفق العظيم في صراع ذلك الطاغية الخطير، طاغية الزنج، حتى قضيَا على فتنته العظمى، فأنقذا الخلافة من خطر ماحق، وكان أبو البقاء يحبه، ويتمنى على الله أن يجلسه على كرسي الخلافة يومًا ما، ليحقق في عهده كل ما رسمه من مناهج العدل، وطرائق الإصلاح، ولم يذكر أبو البقاء أنه فرح يومًا ما فرِح يوم أعيد من منفاه بدير العاقول، فهرع إلى مجلس المعتضد؛ ليقول له: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فتلقاه المعتضد بمزيد الحفاوة والتكريم، وأقبل عليه، وأدنى مجلسه، وأخلى له وجهه، ومن دونه الوزراء والكبراء وأصحاب الرياسات، ينظرون ويتعجبون، قال لأبي البقاء فيما قاله: "إن بابي لا يغلق دونك بليل أو نهار، وإني أعاهد الله ربي لا تدعوني إلى خطة فيها رضى الله ورسوله وخير الناس، إلا نفذتها لك ما استطعت"، فشكره أبو البقاء، وقال له: (حسبي وحسب الناس منك هذا، وإني لأرجو الله أن تكون من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة)، ثم روى الحديث بتمامه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنده، ولم يلبث أن تسامع أهل العاصمة بما دار في مجلس أمير المؤمنين بينه وبين أبي البقاء، فاستبشر عامة الناس من الفقراء والمساكين خيرًا، وقوي رجاء المظلومين من الأجراء والفعلة والصناع والأكرة أن يرفع عنهم الجور الواقع بهم وبذراريهم، وتوجَّس الأغنياء وأرباب الضياع الواسعة وكبار التجار شرًّا، فأمسوا خائفين يترقبون، ولم يكد أبو البقاء يخرج إلى أتباعه المستضعفين من مختلف الأصناف؛ ليزورهم ويتفقَّد نقاباتهم، وليبشرهم بالعهد الجديد الذي يوشك أن يدفع عنهم الحيف، ويبسط لهم الرخاء والعدل، حتى هاله ما رأى وسمع من آثار انبعاث فتنة الكرماني من جديد، وقام أبو البقاء من مجلسه وقد وقر في نفسه أن الأمر جد، وأن القرامطة قد نفثوا سمومهم في الناس، وأن الناس معذورون في الاستجابة لهم، وأنه إذا كان هذا حالهم في قلب الدولة، فكيف حالهم في أجزائها وأطرافها؟ واتصل بالخليفة المعتضد، فقص عليه ما رأى وما سمع، وقال له: "إن الدين في خطر، وإن الدولة في خطر، فإن كان لا يعنيك أن تحمي دين الله، فاحم ملكك وملك آبائك".

إن الذي يقرأ رواية (الثائر الأحمر) لباكثير، لا يشك مطلقًا في إسلامية فكره وقلمه، ويدرك أنه يرسم من خلال كتاباته منهجًا وسبيلاً يدعو من خلاله إلى الإسلام، ويقدم بذلك تعبيرًا صادقًا عن تحمُّل مسؤولية هذا الدين، وجعْله الهمَّ الأول؛ ليكون نموذجًا لكل مسلم يغار على دينه وأمته، فرحم الله باكثير، وجعل ما كتب، وسطر في ميزان حسناته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩
لقاء في بيروت مع الشاعر الحضرمي علي احمد باكثير

حديث أجراه :ابراهيم عبده الخوري
مجلة الجمهور 25/7/1968م -بيروت

- الجأ الى الاسطورة والتاريخ لاعالج من خلاله مشاكل عصرنا الحاضر .
- لا اؤمن بالفصل بين العاطفة والعقل حين نتحدث عن الاعمال الادبية.
- الشعر الحر سيستمر وجوده لانه يؤدي حاجة الى الانطلاق الشعري غير المحدود لايؤديها غيره.
- في التاريخ العربي الاسلامي مواقف عظيمة سيعيها الجيل الحاضر حين تصور في صورة درامية مؤثرة .
في حضرموت برز شعراء امدوا الخزانة الفكرية العربية بنتاجات متنوعة الابواب وفي مقدمتهم الشاعر علي احمد باكثير الذي يعيش حاليا في القاهرة . وقال الشاعر وهو يافع في حضرموت ومازال يغوص في بحوره حتى وضع قصائد عديدة في الوطنيات والعاطفيات لم يضمها ديوان حتى الان . وبعدما لمع نجمه في دولة القريض , انغمس في الفن المسرحي فكتب اول مسرحية شعرية في الحجاز تحت عنوان (همام) ونشرها بالقاهرة عام 1934م . ثم شرع يقذف بالمسرحية تلو الاخرى حتى بلغ عدد مسرحياته ستين مسرحية نشرت معظمها ومثلت في مصر , ومن بينها سر الحاكم بامر الله – مسمار جحا – سر شهرزاد – قطط وفئران – حبل الغسيل – مضحك الخليفة – فاوست الجديد – مأساة اوديب – هاروت وماروت , وقد ركز مسرحياته على مواضيع عميقة المعاني وانغمس الاستاذ باكثير في الفن الروائي , فعالج الرواية بتؤده , فوضع خمس روايات هي (سلامة القس) , (وا اسلاماه) , (ليلة النهر) , (الثائر الاحمر) , (سيرة شجاع) . كما وضع ملحمة نثرية عن عمر بن الخطاب في 19 جزء .
واثناء زيارته الاخيرة الى بيروت كان لي لقاء مع الشاعر الحضرمي في منزل المجاهد العربي الاستاذ محمد علي الطاهر وكان لقاء ادبيا ناعما .

س/ اعتنيت كثيرا بالمسرحية , ونلاحظ ان بعض مسرحياتك مأخوذة من باطن التاريخ العربي الغابر , فهل من سبب ؟

لان في التاريخ العربي الاسلامي مواقف عظيمة رائعة ينبغي ان يعيها الجيل العربي الحاضر حين تصور في صورة درامية مؤثرة . وشكسبير كتب الكثير من المسرحيات التاريخية التي استلم فيها تاريخ بلاده . والمعروف ان التاريخ يربط حاضر الامة بماضيها . ولا حياة لامة مبتورة الصلة بماضيها .

س/ ونلاحظ ايضا ان للاسطورة دورا في اعمالك ؟

هذه حقيقة واقعة . والاسطورة عندي اهم من التاريخ , لانها اقدم من التاريخ واشد امتلاء بالتراث القومي والشعبي من التاريخ . ولهذا الجأ الى الاسطورة كثيرا لاعالج من خلالها مشاكل عصرنا الحاضر .

س/ اية مشاكل تعني ؟

مشكلة السلام وعصر الفضاء في (هاروت وماروت) ومشكلة الطموح الانساني والقلق النفسي لدى الانسان المعاصر في (فاوست الجديده) , ومشكلة القضاء والقدر من وجهة النظر الاسلامية في (مأساة اوديب) .

س/ معنى كلامك هنا ان الانسان العربي يشارك العالم في قلقه النفسي ؟

هذه القضية . انا لااؤمن بالفصل بين العاطفة والعقل حين نتحدث عن الاعمال الادبية . فالعمل الادبي بالضرورة مزيج منهما معا , ولا يستطيع الاديب ذاته ان يتحكم في مقدار العاطفة او العقل في ادبه .

س/ من المؤسف استاذ باكثير ان معظم الاعمال الشعرية التي قيلت في قضية فلسطين قد ارتكزت على العاطفة !!

من الطبيعي جدا ان ترتكز هذه الاعمال الشعرية على العاطفة , لان أولئك الشعراء يصفون الجراح الغائرة التي في قلوبهم . ولا مكان حينئذ للعقل الا في جانب قليل . والرسالة التي يحملها أولئك الشعراء الى العربية هي ان يعمقوا احساس الامة بالمأساة , ويذكروها بانها قضية حياة او موت , قضية مصير , ولا يطلب منهم ان يحللوا ابعاد القضية واسبابها وكيف السبيل الى حلها .

س/ من الذي عليه ان يستند الى العقل والمنطق دون العاطفة ؟

المفكرون والكتاب السياسيون هم الذين عليهم ان يلتزموا العقل والمنطق فيما يكتبون عن هذه القضية وغيرها . ولكل طائفة مجالها وواجبها .

س/ يقال انك اول من كتب الشعر الحر , ثم انقطعت عنه فلماذا ؟

كتبت باديء ذي بدء في المجال المسرحي , وكتبت ترجمة لـ (روميو و جوليت) بالشعر الحر , ثم الفت مسرحية (اخناتون ونفرتيتي) ومسرحية (الوطن الاكبر) , وكان ذلك بين عامي 1936 و 1941م , وانقطعت عن الشعر حين صرت اكتب مسرحياتي النثرية .

س/ هل ترى ان الشعر الحر الذي طغى موجته على العالم العربي سيستمر وجوده ام سيضمحل ؟

اعتقد ان هذا الضرب من الشعر سيستمر وجوده لانه يؤدي حاجة الى الانطلاق الشعري غير المحدود لايؤديها غيره . ومادمت انا مؤمن بالحاجة الى وجوده فلاشك انني مؤمن بان وجوده سيستمر جنبا الى جنب مع الشعر الكلاسيكي .

س/ ولكن هناك معركة بين انصار الشعر الكلاسيكي وانصار الشعر الحر !!

هذه المعركة طبيعية لانها تقوم دائما بين كل جديد وكل قديم , وانا ارى ان هذه المعركة لن تسفر عن انتصار احد الفريقين على الآخر , لانهما يتعاركان في ميدانين مختلفين , لكل منهما ميدان وحتما ستنتهي هذه المعركة ويعيش النوعان من الشعر جنبا الى جنب في تعاون وسلام .

س/ يقال ان الشعر الحر مقتبس عن الغرب ؟

هذا صحيح لانه حدث لي انا نفسي , فلولا اطلاعي على الشعر المرسل عند شكسبير وغيره لما خطر لي ان اقوم بهذه التجربة في الشعر العربي ولكن ليس معنى ذلك انه تقليد اعمى للشعر الغربي دون حاجة حقيقية اليه في شعرنا العربي .

س/ وباعتباره شعرا جديدا, فهل هو مؤهل لان يعبر عن خلجات الامة العربية في المستقبل ؟

نعم لا اشك انه مؤهل لهذا الغرض في المستقبل , بل ان ما كتب منه قد استطاع ان يثبت وجوده في قدرته على التعبير عن تلك الخلجات .

وأردت ان احرج الشاعر علي احمد باكثير فقلت له:

س/ منذ مدة وانت منقطع عن قرض الشعر , فهل هذا من باب الكسل , ام ان المعين قد جف ؟

فقال ضاحكا :

انا اعترف لك بان ينابيع الشعر الفياضة قد جفت عندي ولم تعد كما كانت في عهد الشباب , وذلك عندي امر طبيعي لان الشعر في رأي هو لغة الشباب الاولى . ومعظم الشعراء العالميين اما ماتوا وهم شبان مثل كيتس وشيلي , او قالوا احسن شعرهم وهم شبان مثل وردزورث , وخاصة اذا كان للشاعر وهو يودع عهد الشباب وسيلة اخرى للتعبير عن نفسه غير الشعر , مثل القصة والمسرحية , اذ يكون هذا النوع الاخير من التعبير اوفق لمزاجه واقدر على استيعاب المجالات التي اتسعت امامه كلما نضج ذهنه وترامت آفاق رؤيته

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


بشهادة السياب وموريه.. باكثير رائد للشعر الحر

بقلم : محمد القصبي


حين يأتي الحديث علي نازك الملائكة أو بدر شاكر السياب تقفز الي الذهن مباشرة مسألة ريادة شعر التفعيلة ..حيث ينشطر الكثير من النقاد ما بين مؤيد لفكرة ريادة نازك لهذا النوع من القصيد ..بينما يبدي فريق آخر حماسا أشد للسياب باعتبار أنه الأسبق في هذا الشأن..الا أن ثمة أسماء أخري في الحقيقة يمكن أن تدخل مجال الجدل متكئة علي أسباب منطقية .. من هؤلاء الأديب الكبير علي أحمد باكثير الذي مضت ذكري رحيله الأربعون ..بل والذكري المئوية لميلاده دون أي محاولة جادة لتسليط الضوء علي دوره في اثراء الحركتين الشعرية والمسرحية خلال القرن العشرين ..خاصة أنه لايعدم بين النقاد ومؤرخي الحركة الأدبية العربية من يري أنه الرائد الأول لقصيدة التفعيلة..!لماذا هو؟ولد علي بن أحمد بن محمد باكثير الكندي في 21ديسمبر عام 1910 بأندونيسيا، لأبوين يمنيين من منطقة حضرموت..وتوفي بالقاهرة في العاشر من نوفمبر عام 1969.. وما بين الميلاد والرحيل رحلة متخمة بالعطاء المثيرفي كثير من الأحيان للجدل .. حين بلغ باكثير العاشرة من عمره سافر به والده إلي حضرموت لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته لأبيه.. وهناك بدأ في تلقي تعليمه في مدرسة النهضة العلمية ودرس علوم العربية والشريعة علي يد شيوخ أجلاء منهم عمه الشاعر القاضي محمد بن محمد باكثير ..وظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتولي التدريس في مدرسة النهضة العلمية وتولي إداراتها وهو دون العشرين من عمره ..وصل باكثير إلي مصر عام1934 م، حيث حصل علي ليسانس الآداب قسم اللغة الانجليزية من جامعة الملك فؤاد عام 1939، وقد ترجم عام 1936أثناء دراسته في الجامعة مسرحية روميو وجولييت لشكسبير بالشعر المرسل، وبعدها بعامين ألف مسرحيته اخناتون ونفرتيتي بالشعر الحر..لذلك يراه كثير من النقاد الأحق بأن يوصف بأنه رائد هذا النوع من القصيد.. ووراء اتجاهه للشعر الحر قصة لاتخلو من الجاذبية ..حيث يقال إن أستاذه البريطاني الذي كان يدرس له الأدب الانجليزي في جامعة الملك فؤاد " جامعة القاهرة حاليا " كان يردد علي مسامع طلابه المصريين والعرب في فخر ان اللغة الإنجليزية اختصت بالبراعة في الشعر المرسل وان الفرنسيين حاولوا محاكاته في لغتهم فكان نجاحهم محدوداً، وأن اللغة العربية لا يمكن أن ينجح فيها هذا اللون من الشعر،الا أن الطالب علي أحمد باكثير رد عليه قائلا: أما أنه لا وجود له في أدبنا العربي فهذا صحيح، لأن لكل أمة تقاليدها الفنية، وكان من تقاليد الشعر العربي التزام القافية، ولكن ليس ما يحول دون إيجاده في اللغة العربية، فهي لغة طيعة تتسع لكل شكل من أشكال الأدب والشعر" .فنهره أستاذه وقال له: - كلام فارغ. واشتعلت في دواخل باكثير روح التحدي فعاد الي النسخة الإنجليزية من مسرحية " روميو وجولييت " لشكسبير ..حيث تخير منها مشهداً فعالجه بالشعر المرسل ثم ترجم المسرحية كلها.. وهذه القصة رواها باكثير نفسه خلال حوار اذاعي أجراه معه الشاعر والاعلامي الكبير فاروق شوشة في برنامج فن وفكر بالتليفزيون الكويتي عام 1969م والذي أعيد نشره في مجلة " اليمن الجديد "ويقول بعض الراصدين للحركة الأدبية في هذه الفترة ومنهم الدكتور عبده بدوي في كتابه" علي أحمد باكثير شاعراً غنائياً " ان باكثير وجد أن هذا اللون من الشعر يصلح أكثر للشعر المسرحي أو المسرح الشعري، فكان اكتشافه لسر البناء بالتفعيلة بمعني أن تكون وحدة نغمية تتلاحق بتدفق دون نظرة إلي الحيز الذي تشغله .. ومن ثم فقد خضعت له تفعيلة المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعولن) أثناء الترجمة.. ويستند بعض الباحثين العرب للتأكيد علي ريادة باكثير للشعر الحر الي شهادتين مهمتين للغاية ..تلك التي وردت في كتاب س .موريه " حركات التجديد في موسيقي الشعر الحديث" ترجمة سعد مصلوح..وأخري جاءت علي لسان بدر شاكر السياب ..فموريه يري أن قصيدة باكثير التي نشرها في مجلة الرسالة عام 1945م بعنوان " نموذج من الشعر المرسل الحر " تعد إحدي تجربتين مهمتين لا يمكن إغفالهما، لأنهما دفعتا الشعر الحر خطوة إلي الأمام.. ويقول الشاعر أحمد فضل شبلول في مقال له بمجلة رابطة أدباء الشام التي تصدر من لندن ان القصيدة التي يقصدها س . موريه هي قصيدة " يا فرنسا اسمعي " المنشورة في 25 يونيو عام 1945م بمجلة الرسالة. شهادة السيابأما السياب فقد صرح قائلا : " إذا تحرينا الواقع وجدنا أن الأستاذ علي أحمد باكثير هو أول من كتب علي طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير " روميو وجولييت بعد أن ظلت تنتظر النشر عشر سنوات "والمدهش أن باكثير نفسه أسند فضل الريادة لغيره ..حين قال خلال لقائه التليفزيوني بفاروق شوشة " هناك محاولات من جميل الزهاوي الشاعر العراقي اقتصر فيها علي إرسال البيت من القافية، فالأبيات كما هي في الشعر العربي القديم، إلا أنه أطلقها من القافية وسماها بالشعر المرسل، ثم جاء بعد ذلك الأستاذ محمد فريد أبو حديد ونظم نظماً مختلفاً عن هذا لأنه أرسل البيت من القافية وزاد علي ذلك بأن اعتبر البيت الشطر بيتاً . لأنه انصرف عن الشعر> فلماذا لم يثبت باكثير في الذاكرة العربية كرائد للشعر الحر أو علي الأقل أحد رواده الأوائل ؟لأنه انصرف عن الشعر ..وانشغل في كتابة المسرحية النثرية .. حيث كان يري في النثر اللغة الأمثل للمسرحية مهما كان موضوعها شعرياً..!وبالتالي لم يثابر في تطوير ما بدأه..!
علي أية حال.. في ديسمبر من العام المقبل تهل الذكري المئوية لميلاد علي أحمد باكثير..أي مازال أمامنا أكثر من عام لنفكر وندبر كيف نحتفي بهذا الأديب الكبير الذي خلف وراءه بصمة قوية علي مسيرة الأدب العربي الحديث .. وأشد ما أخشاه أن يفاجئنا يوم الحادي والعشرين من ديسمبر 2010 دون أن نكون قدأعددنا شيئا للاحتفال بمئوية الرجل ..وليس مستبعدا أن يمر ذاك اليوم دون أن نتذكره..!

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩



باكثير وتاريخ الشعر والشعراء في حضرموت
الدكتور محمد أبو بكر حميد



** قد يعجب القارئ العربي ـ أن يكون لأديب العربية الكبير الشاعر علي أحمد باكثير، الذي أمضى حياته خالصة للإبداع الفني، كتاب في الدراسة الأدبية، ولكن من الحق أن نقول أن أديبنا قد بدأ حياته، في حضرموت، شاعراً وباحثاً أدبياً، ولقضية باكثير مع البحث الأدبي قصة لا يعلمها إلا قلة من الناس.
وقد كان من حظي أن حصلت على كتاب مخطوط بقلمه؛ بعنوان "شعراء حضرموت" ويبدو أن هذا الكتاب من عدة أجزاء في كراريس مدرسية، ولكن ما حصلت عليه كانوا ثلاثة أجزاء، فيها ترجمة لما يقرب من أربعين شاعراً، ولعل هذا الكتاب هو أقدم صورة للنثر الأدبي عند باكثير.
** وقد افتتحه بإهداء نفهم منه أن هذا أول كتاب عن "شعراء حضرموت" ثم بمقدمة تحدث فيها ـ إجمالاً ـ عن الحياة الأدبية، في حضرموت، منذ أقدم العصور، وبأن حضرموت في عصورها الأولى، قد أعطت للأدب العربي شعراء من الطراز الأول، يجيء في مقدمتهم أمرؤ القيس الكندي، ثم جاءت فترة هبط فيها الشعر الحضرمي إلى درك من الانحطاط، ضاع ـ في أثنائها ـ الجانب الجليل منه، ولم ينبغ ـ في خلال تلك العصور ـ إلا القلائل؛ مثل الشاعر العبقري أحمد بن عقبة الزيادي، والشاعر الكبير عبد الصمد باكثير، والشاعر المطبوع أحمد بن أبي بكر باذيب الشبامي، وغيرهم.
وتحت عنوان "الشعر الفصيح والشعر العامي" يتحدث علي أحمد باكثير عن أسباب ازدهار الشعر العامي، وانحطاط الشعر الفصيح في هذه الفترة؛ ذلك لأن العلماء، في حضرموت، قد حاربوا الشعر الفصيح، وعدوه ـ في كثير من الأحوال ـ مروقاً عن الدين، وجعلوا تعاطيه من المعاصي، ولما لم تكن هناك جسور بين هؤلاء العلماء وبين شعراء العامية ـ فقد انطلقوا يشدون على سجياتهم، وبكل ما يمور في نفوسهم، وتجيش به قلوبهم، ولم يكن العلماء ينظرون إلى شعر العامية نظرة جدية.
ومن هنا يطرح باكثير رأياً فنياً وتاريخياً هاماً؛ يقول فيه إن شعراء العامية، في حضرموت، أضعاف شعراء الفصيح، وإن الشعر العامي أغنى من الشعر الفصيح بمراحل، ولو لم تنجب حضرموت إلا أمثال " ابن زامل " و " أبو ريا " و" عبد الحق " لكفاها ذلك فخراً، وقد بلغ شعرهم مبلغاً كبيراً من الرقي الفني، وطرقوا الكثير من الأبواب المعروفة في الشعر العربي، وقد بلغ تفوقهم في ارتجال الروائع ـ بشكل " لا يوجد في شعر أمة أخرى " كما نص على ذلك باكثير.
وتحت عنوان " الشعراء المتقدمون والشعراء المتأخرون " يذكر بأنه يعني بالمتقدمين: أولئك الشعراء الذين قضوا نحبهم، قبل طلوع فجر الرابع الهجري، وبالمتأخرين: خلافهم، ويصعد تاريخ من ظفر به من المتقدمين إلى القرن التاسع الهجري، وقد ازدهر الشعر الحضرمي، في القرن الرابع عشر الهجري، على أيدي أدباء وشعراء؛ مثل أبي بكر بن شهاب، وعبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، وعلي بن حمد الحبشي، ومحمد بن هاشم ابن يحيى، وكثير من نجوم الحياة الأدبية، في هذه الفترة.
وتحت عنوان " المتأخرون " ـ يذكر بأنه يقصد بهم شعراء القرن الرابع عشر الهجري ، ويدخل فيهم المعاصرون ، ثم يشرح منهجه الأدبي في الحديث عن هؤلاء الشعراء ، و عن الصعوبات التي
واجهته في جمع هذه التراجم، وطريقته في انتقاء أشعارهم.
وتحت عنوان " نظرة إجمالية في شعرهم " يتحدث عن أحكامه الفنية على شعرهم، ويأسف بأن هذا الشعر لا يزال يسير في دروب الشعر القديم، ويترسم مواقع أقدام فحوله، ويبكي على الأطلال، ويتغزل في سعد، وزينب، ولعلى، والرباب، وسلك بعضهم مسلك أبي العتاهية في التزهيد في الدار الفانية، لكنه يذكر، بفخر، بعض الشعراء الذين ـ قفزوا بالشعر العربي، في حضرموت، قفزة راقية، حين اتصلوا ويتصلون بالفنون الأدبية الحديثة.
** المهم أننا نفهم، من هذه المقدمة، أن علي أحمد باكثير كان على عزم أن يكتب عن شعراء حضرموت، في عصورهم القديمة والحديثة، ونفهم ـ أيضاً ـ أنه قد كتب بالفعل عن الأقدمين، لكنه ـ في عبارة غامضة ـ يذكر بأن ما كتبه عن الأقدمين كان في أوراق " احتجبت " عنه، ولذلك اكتفى بالمحدثين، وبأربعة من الأقدمين، وقد ذكرناهم، وهذا كله يؤكد بأن باكثير أول من كتب عن " شعراء حضرموت " ولكن لماذا لم ينشر باكثير هذا الكتاب الفريد في موضوعه ؟
ومن الصعب ـ الآن ـ الإجابة على هذا السؤال، ولكن ظهور كتاب " تاريخ الشعراء الحضرميين " في خمسة أجزاء للأستاذ عبد الله السقاف ربما كان له علاقة في دفع باكثير إلى الإحجام عن نشر كتابه، إضافة إلى الأجزاء التي " احتجبت " عنه (!!) ولكلمة " الاحتجاب " قصة يعرفها الكثير من المقربين إلى باكثير وقتها.
** وبعد: فإذا كان كتاب السقاف قد قدم جهداً رائعاً وتاريخياً عن شعراء حضرموت ـ فإن كتاب باكثير ـ الأسبق منه ـ يقدم الجهد الأروع: لأنه يجمع بين النظرة الفنية والقيمة التاريخية معاً.
وحتى تتكامل الصورة ـ فإننا سنعمل على إعداد كتاب باكثير للنشر، ولكن هذا وحده لا يكفي؛ فشعراء حضرموت بحاجة إلى جهود، وبحاجة إلى أن يوضعوا في ميزان نقدي أكثر معاصرة.

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩





قالوا عن باكثير:

الدكتور نجيب الكيلاني :"وأرى أن باكثير مدرسة متميزة في معظم إنتاجه المسرحي تحمل الطابع الإسلامي، وهي مدرسة لم تأخذ حقها بعد من التحليل والدراسة."

الدكتور: مصري عبد الحميد حنورة :باكثير المبدع بين السلفية والمعاصرة،والواقع أن هذا الشاعر كما قدمنا ارتبط بالسلف الصالح من حيث المعاني والقوالب، وقد جدد في المعاني كما جدد في القوالب التي صب فيها خبراته، أما الأهداف فقد كانت دائماً جديدة ....
ومن هنا يمكن القول بأن علي أحمد باكثير، وإن ارتبط بالسلفية في بعض معانيه وقوالبه، إلا أن أهدافه كانت دائماً متجددة ومعاصرة.
...........
بإيجاز يمكن القول أن مسألة السلفية والمعاصرة ليست مما كان يشغل باكثير، لأنه تجاوزها بفهمه الواعي للعملية الإبداعية، فالإبداع تجديد، وهو ارتكاز على محاور أرس معالمها الأسلاف ومن ثم فقد كان الإبداع من منظور باكثير هو الجمع بين السلفية والمعصرة بحيث يصل في النهاية إلى شاطئ الأصالة، أي "إلى شاطئ الإبداع"
هل يمكن القول بعد ذلك أن باكثير كان شاعراً مسرحياً؟ نعم كان، وهل كان شاعراً سلفياً؟ أيضاً كان، وهل كان شاعراً مجدداً؟ بلا ريب كان، وكاتب رواية؟ نعم هو كذلك، وهل اعتمد على التراث؟ نعم وإلى حد بعيد.
هل يمكن بعد ذلك القول بأن ما أبدعه كان أصيلا؟ أجل نقولها دون تردد، وهو ما يدعونا إلى الإيجاز بالقول بأنه كان، وسيظل إلى أن يشاء الله، ظاهرة إبداعية متفردة، فهل يا ترى يجد باكثير من يرى في استكناه أسرار هذه الظاهرة الإبداعية عملاً له قيمته؟ لعل وعسى.

عبدالله الطنطاوي :

وهكذا نخلص إلى أن الرائد الأول للشعر الحر هو علي أحمد باكثير، لأنه أول من استخدم التفعيلة في البيت، واكتشف البحور الصافية وميزها من غيرها من البحور المزدوجة التفعيلة، كما اهتدى إلى صلاحية بعض البحور للنظم المسرحي دون بعض.

رفعت سلام :

ويبدو أن هذه المسرحية الشعرية الوحيدة في إنتاج باكثير المتراكم (مسرحية إخناتون ونفرتيتي) هي إنجازه التاريخي من وجهين أساسيين: الأول أنها الريادة الأولى في المسرح الشعري العربي في تطوره الجديد، بشكلها الشعري الجديد الذي حققته، والذي كا متجاوزاً للمناخ الثقافي الذي صدرت خلاله. والثاني أنها العمل المسرحي الشعري الأول الذي تحقق فيه –نسبياً بناء الشخصيات الداخلي.

بدر شاكر السياب :

وإذا تحرينا الواقع وجدنا أن علي أحمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير روميو وجولييت التي صدرت في كانون الثاني عام 1947م بعد أن ظلت تنتظر النشر عشر سنوات، كما يقول المترجم.


الدكتور نذير العظمة:

باكثير ... الرائد
لقد ألقى النقاد ضوءاً كافياً على إسهامات العراق وما يزال كثير من الدارسين يعتقد خطأ أن ظاهرة الشعر الحر هي من إنجاز المدرسة العراقية وحدها وهو بعض الحقيقة لا الحقيقة كلها، إلا أن ريادة هذا النوع الشعري ليست لنازك الملائكة ولا لبدر شاكر السياب كما يعترف هو نفسه في واحدة من مراسلاته لمجلة الآداب البيروتية 1954م، بل لعلي أحمد باكثير وهو شاعر مسرحي من حضرموت من الجزيرة العربية.



سيد قطب :

وأنا أحد الذين كانوا يزعمون لأنفسهم أنهم ممن يهتمون بقضية فلسطين ويتبعون خطواتها، ويهتفون بها هتاف المتحمسين لها، وقد تضمن ديواني الأول من أكثر من عشر سنوات تحية لأبطال فلسطين ... أنا الذي زعمت لنفسي يوم نظمت هذه القصيدة، وأيام تتبعت قضية فلسطين في مراحلها المختلفة أنني ممن يعرفون هذه القضية، أشهد أن رواية: شيلوك الجديد قد أطلعتني على أنني كنت واهماً فيما زعمت، مغالياً في حقيقة اهتمامي بهذه القضية المقدسة، فلقد كشف لي الأستاذ باكثير عن حقيقة وضع القضية، وحقيقة العوامل التي تتصارع فيها، بما لم يكشفه لي كل ما وصل إلي يدي عنها خلال خمسة عشر عاماً أو تزيد.







مراثٍ في باكثير:



محمد بن أحمد الشاطري:

هوى القمر المطل من الجنوبِ=على الدنيـا وآذن بالغـروبِ

علـي نجـلٍ لأحمـد باكثيـرٍ=أصيب وكان خير فتى مصيبِ
بسيـون الطويلـة نـشـأوه=فكان لها النجيب ابن النجيـبِ
وها هي في مكان القلب منهـا=تأبنـه فتـشـرق بالنحـيـبِ
وإن غمر الكنانـة منـه مـدٌ=فإن المد ليـس مـن الغريـبِ
فقد نادى الفقيد ببيـت شعـرٍ=وكـان لبيتـه أدنـى مجيـبِ
"ولو ثقفت يومـاً حضرميـاً=لجاءك آية" العجـب العجيـبِ
ومن إنتاجه فـي ربـع قـرنٍ=بلاد العرب في خصبٍ خصيبِ
فقل للشـرق والإسـلام عنـه=قفا فلنبكِ من ذكـرى حبيـبِ
ثقافتـه العميـقـة أورثـتـه=يقينـاً بالخلـود وبالغـيـوبِ
فلو كشف الغطا ما ازداد قـطٌ=يقيناً عن يقيـن "التلسكـوبِ"
ترى أدب الأديب عليه تاجـاً=يزين جماله حسـب الحسيـبِ
وجاء مهذباً من صنـع جيـلٍ=أخص صفاتـه نقـد العيـوبِ
فلم يك بالعميل ولا الشعوبـي=ولم يك بالهزيل ولا المعيـبِ
هو الأدب الذي خدم المبـادي=وجاهد قصد تحرير الشعـوبِ
بأقـلام إذا قـذفـت أتتـنـا=بأعظم من صواريخ الحـروبِ
فهذي فعلها فـي الجسـم بـادٍ=وتلكم في العقول وفي القلـوبِ
وكم من صفحةٍ كتبـت يـداه=بنـارِ فهـي تنـذر باللهيـبِ
فتقرأهـا العروبـة باعتـزازٍ=ويخشاها العـدو بتـل أبيـبِ
ليرحمـك الإلـه أبـا كثيـرٍ=فأنت حقيقـة البطـل الأديـبِ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


رعد أمان
باكثير


سمح الشعرُ حينما ضـنَّ عصـرُ=وهفا القلـبُ بعدمـا هـبَّ فكـرُ

واستفاقت أطيـافُ مـن شردتـه=غائـلاتُ الزمـانِ إذ ران دهـرُ
فمضـى تاركـاً بـلاداً وأهـلاً=يقطع السُّبْلَ جائبـاً وهـو غِـرُّ
الفيافـي تمتـد فـي ناظـريـه=وقفـارٌ مثـل الأمانـيِّ غُـبـرُ
زاده فـي مسـيـره ذكـريـاتٌ=هي في روحـه الرقيقـة جمـرُ
من ربى (حضرموت) أسرى شقياً=لؤه اليـأسُ والضنـى مسبطـرُ
أين (سيئـون) و(المكـلا) ووادي=(دوعنٍ) أينها (شبـامٌ) و(شِحـرُ)
و(تريـمٌ) كأنهـا مـن بـهـاءٍ=تتزيـا و(الغيـلُ) سعـدٌ وبشـرُ
ورأى بارقـاً يـشـعُ خـجـولاً=من كُـوىً خالهـا الشقـيُّ تفـرُّ
(عـدنٌ) هـذه تناديـه .. ماكـا=ن سواها رجاءَه .. هـل يمـرُّ؟
فـإذا بالجـوَّاب يُلقـي رحـالاً=أوهنته من بعدمـا انهـدَّ ظهـرُ
إنمـا الظافـرُ الـذي إن أماتـت=هُ الخطوبُ العظامُ أحيـاه صبـرُ
***
وكمن ضجَّ هاتـفٌ فـي حنايـا=هُ بأمـر الرحيـلِ منهـا يُسـرُّ
أعرض الشاعرُ الشريدُ يحـثُّ ال=خطو أين (الحجاز) بل أين (فِهرُ)
كلما جـاز موهنـاً ألـف قفـرٍ=مـن بعيـدٍ بـدا لعينيـه قـفـرُ
وإذا بالحجـاز بـعـد زمــانٍ=تتجلـى لــه هــوىً يفـتـرُّ
ريحهاالمسكُ فاح في كل صقـعٍ=تربها من ندىً طيـوبٌ وعطـرُ
هو حينٌ قضـاه فيهـا يصفـي=الروحَ، والروح ليس يكفيه وفـرُ
غازلته المنى فهبَّ إلى (مصـرَ)=وكانـت أمُّ الأمانـيِّ (مـصـرُ)
وإذا بالأديـب والشاعـر الـفـذِّ=هنـا فـي أكنافـهـا يستـقـرُّ
(باكثيرٌ) في مصرَ أعطى كثيـراً=وقليلٌ عليـك يـا مصـرُ كّثـرُ
أيها اليعربي من (حضرموت) ال=مجدِ قد سار في المدى لك ذكـرُ
أنا ما جئتُ أنشـد اليـوم شعـراً=لا وربي .. فأنـت كلـك شعـرُ
إنمـا جئـتُ كـي أراك عيانـاً=شاعراً عزَّ في الورى لـه نِظـرُ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩

سعيد محمد دحي
همام في بلاد الأحقاف

السندبـاد عـن بـلاده بعيـدْ
يعيـش فـي فردوسـه سعيـدْ
قـد طفحـت يـداه بالـذهـبْ
لكـنـه يـشـده الحـنـيـن
لبـؤرة السـهـاد والأنـيـن
لأرضــــه الـقـفــراء
لـلـطـوبـة الـغـبــراء
لنخلـة تمـوت كــل يــوم
تصـرع فـي عنـادٍ موتهـا
تـشـمـخ فـــي إبـــاءْ
*****
والـنـاس فــي الأحـقـافْ
هياكـل يقتاتـهـا السّـغـبْ
عـيـونـهـم صــفــراء
رؤوسهم جماجمٌ يسكنها الخواءْ
عـمــائــمٌ تــســـودْ
وجــبّـــة تـــــرودْ
تـفـتـح كـــل يـــوم
ستيـن صـنـدوق خـرافـة
الـسـنـدبــاد عـــــادْ
يـا فرحـة النجـوم والقمـرْ
وخفقـة الـرمـال والحـجـرْ
بـلاده لا تـعـرف الربـيـعْ
تكتحـل العـيـون بالمـطـرْ
قـطـراتـهـا يــاقــوتْ
وسـيـلـهــا نـــــدرْ
*****
همام في بلاده يمزق الأكفـانْ
ويحـرق التابـوت والأوهـامْ
هـمـام رائـــد جـديــدْ
يبـشّـــر بــالأمـــلْ
لـيـكـنـس الأحــــزانْ
****
همام في بلاده يصارع الأخطارْ
فنبتـت فـي رأسـه حقيـقـةْ
:فقالهـا صريـحـة طليـقـة
يـا سادتـي يـا أخـوتـي
آمـالــكــم كـبــيــرة
قلوبكـم تنـبـض بالحـيـاة
لكـنـكـم وا حـسـرتــاه
أحـقـادكــم كـثــيــرة
أرواحــكــم شــريــرة
تمشـون حاسـري الـرؤوسْ
تشدكم أقدامكـم إلـى الـوراءْ.
همام في بلاده يصارع الأخطارْ
يـسـمـع كـــل يـــومْ
صـــفـــارةالإنـــذارْ
تهولـه خـطـورة الطـريـقْ
فيمسـك السكـان والفـرامـلْ
ويــوقــف الـمـسـيـرْ
*****
السندبـاد عــاد للأسـفـارْ
لكنـه علـى مـدى قـريـبْ
يـرقـب مـــن بـعـيـدْ
وا أسفـا عليـك يـا هـمـامْ
وقفت في منتصـف الطريـقْ

*****
أوديب يستيقـظ مـن غفوتـه
أوديب قد كفّـر عـن غلطتـه
لــن يـشـرب الـرذيـلـة
لــن يحتـسـي الـهــوانْ
أوديب في بلادنا مفتح العينيـنْ

*****
الــهــرم الـمـقـلــوبْ
تعـود فيـه نبضـة الحـيـاة
فانـتـصـبـت قـامـتــه
كـالـمــارد الـجـبــارْ
ينزع عـن قرصانـه النهـارْ
يــمــزق الأكــفـــانْ
ويـكـنــس الأحــــزانْ
يصـنـع مـــن جـديــدْ
حـضــارة الإنــســانْ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


حسن بن عبدالرحمن بن عبيدالله
آية الفن

حنّ للغربة فانسـاب بهـا وهـو صغيـرْ

وفؤادٌ لم يـزل يهـوي بـه شـوقٌ كبيـرْ

وأزاهيـر مـن الآدابِ نــورٌ وعبـيـرْ
*****
عاش كالكوكب في الآفاقِ من بـرجٍ لبـرجِ

في طلاب الأمل المنشـود مـن فـجٍ لفـجِ

كلمـا عـادت أمانيـه بـه عـاد يرجـي
*****
قصرت من خطوهِ الريـحُ فـأولاه الخيـالا

حائماً في فلـواتِ العيـشِ يرتـادُ الكمـالا

وهـو بالنيـلِ كالنبـراسِ نـورٌ يـتـلالا
*****
قلـتُ للشاطـئ والنيـلُ يغنيـه بهـمـسِ

يا تراه ليس يـدري بالـذي نابـك أمـسِ

أفما يشجيه أن يمشي على أشيـاء خـرسِ ؟
*****
أيها النهر لقد ضاعت علـى الشاطـئ درّه

طالما أضفت على صفحته بالشعر نضـره

وأقامت فـي بهـاءِ العلـمِ للأعيـن قُـرّه
*****
أيـن منـا آيـة الفـنِ العلـي الباكثـيـرْ

ذلك المعدود فرداً وهو فـي النـاسِ كثيـرْ

كلُّ أرضٍ مثَلٌ مـن شعـره فيهـا يسيـرْ
*****
قد فقدناك علـى ضـوء تباشيـر الصبـاحْ

بعد ليـلٍ دامـسٍ خضـتَ دجـاه بالكفـاحْ

أشِر الدهرُ فلـم تبرحـه إلا وهـو صـاحْ
*****
أنت لم تجنِ مـن الدنيـا قطافـاً لجهـادكْ

فهو ذخرٌ لك عنـد الله فـي يـوم معـادِكْ

حيث ما مـن صـادقٍ إيمانُـه إلا هنالـكْ
*****
عالم الخلدِ الذي شدتَ به في الأرضِ شعـرا

قد حواك اليوم من طول ركوب الصبر ظهرا

فاهنأ اليوم بمن شدتَ بهم في الأرضِ ذكـرا
*****
أنت أحببتَ رسولَ اللهِ مـن فجـرِ شبابِـكْ

وتعشّقـتَ بـه سـرّ كمـالٍ مـن كمالِـكْ

كيف لا يأتي شفيعاً لك فـي يـومِ مآلِـكْ ؟
*****
إن تكن مِتَّ غريبـاً فلقـد عشـتَ غريبـا

كلما يمّمتَ أرضاً لـم تجـد فيهـا ضريبـا

ما صحبتَ العيشَ إلا شعلـةً تفنـى لهيبـا
*****
لكِ يا مصرُ مـن الأحقـافِ آيـاتُ الـودادِ

ضاقت الأقطـارُ إلاكِ علـى أهـلِ السـدادِ

فاكفلي منّا فتىً خرّ صريعـاً فـي الجهـادِ

۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


شعر: حسن عبدالله القرشي

راهب الفن


قف على الدرب زهواً وابتسامـا=إنـه عـرس شهيـد يتسـامـى
يحطـم القيـد إذا القيـد عـتـا=ويرد الموت مهزومـاً مضامـا
راهـبٌ للفـن علـوي الـرؤى=لـم يكـن يخفـر للفـن ذمامـا
عاشـق للخلـد قـد سـار إلـى=موكب الخلـد محبـاً مستهامـا
ملـك قـد عبـر الأرض فلـم=يلـق فيهـا لجناحيـه مـرامـا
وانطوى كيف انطوى عن عالـمٍ=لم يـزل فيـه صـداه يترامـى
لم تزل ازهاره تهـدي الشـذى=لم تزل أضواؤه تجلـو القتامـا
وشجاه مـن مـرارات الجـوى=ما يريب الحر فاستحلى الأوامـا
لم يعد في الكـون مـا يؤنسـه=بعـد أن عـاد يبابـاً وحطامـا
ليس يحيا بين جـدران الأسـى=زارع الحلم ومصبـاح اليتامـى
***


يا عريق الجرح كم صغت من ال=ـجرحِ للغادين غـاراً ووسامـا
بـورك الفكـر الـذي حملتـه=بين جنبيـك عطـاءً وضرامـا
بوركت أعمالك الكبـرى التـي=كم جلت ذكرى وكم أورت عراما
يـا (علـيٌ) والأمانـي خدعـةٌ=والسعيد الجد من عاف الزحامـا
يهـزم الآلام مهمـا عـربـدت=من يراها في الدنى حتماً لزامـا
قد تساوينا علـى هـذا الثـرى=في مدى الغربة شيخـاً وغلامـا
من يعش ألفاً وإن طـال الثـوى=لعبة الموت كمن قد عاش عامـا
غيـر أن الخلـد للذكـر وهـل=مثل طيب الذكر يستهوي العظاما
***


يـا فلسطيـن تـوارى عاشـقٌ=طالمـا غنـاك وجـداً وهيامـا
جرحـك القدسـي كـم قبّـلـه=باكياً لم يخش في الحـب ملامـا
فنـه كـان علـى الباغـي يـداً=تصرع البغي وتجتاح الظلامـا
واليراع الصلـب فـي قبضتـه=صار ما كان وثـأراً وانتقامـا
كـان فـذاَ عربـيـاً شامـخـاً=ما حنى يوماً عن الـذروة هامـا
باسمـاً والخطـبُ داجٍ حـولـه=زاهداً والناس يغشـون الحطامـا
فاذكريـه كـم شهيـدٍ فـكـره=ينفض الرمس ويستحيي العظاما
***


أيها الحب الـذي عـاش علـى=شرفة الشمس وبالأمجـاد هامـا
أيها الـروح الـذي كـان سنـا=عبقريـاً وصـفـاءً وسـلامـا
واعتناقـاً للـمـروءات فـمـن=فيضه الدافق نستسقـي الغمامـا
عش بـدار الخلـد فالـدار هنـا=لم تعـد إلا جحيمـاً وخصامـا
واصحب الأملاك فالنـاس كمـا=أبصرت عيناك ما زالوا سوامـا
لم يعـد يسعـد فـي دنياهمـو=نابغٌ فأقرأ على الأرض السلامـا




۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩ ۩


د. محمد عبده غانم

دمعة على باكثير



أعلمت بالنبأ الخطير يطغى علـى ثبـج الأثيـر ؟
ويقـول قـد أودى الـردى بعلـي أحمـد باكثيـر
أذهلت مثلـي للمصـاب ووقعـه العاتـي العسيـر
ارأيت كيف الخطب يكبـر حيـن يذهـب بالكبيـر
ويرد اقباس الحيـاة إلـى الغياهـب فـي القبـور
وإلى جمود الصامتين مـع الحجـارة فـي الحفيـر
فكأنهـا مـا كانـت النبـع المفـجـر للشـعـور
***
لم يمض منـذ رأيتـه إلا اليسيـر مـن الشهـور
فـي داره فـي ضفـة النيـل المصفـق بالنميـر
وهو الكثير فليس ينسـى الـود للماضـي الأثيـر
أيام كان العيش في شرخ الصبـا الغـض النضيـر
أيام تجمعنـا بـه (عـدنٌ) علـى الأمـل المنيـر
ايام كـان يزورنـا فـي حلقـة النـادي النضيـر
فيهـز أعمـاق النـدي بشعـره العـذب المثـيـر
ويجيبـه الإنشـاد فـي وهـج شجـي مستطـيـر
لحناً تردده الشبيبـة فـي العشـي وفـي البكـور
قد فاض بالألق الندي على الثرى وعلى الصخـور
***
للحضرمي مع النبـوغ مواقـف الشـرف الشهيـر
من عهد (دمّون) البعيد وشـأوه السامـي الخطيـر
ايام قـاد الشعـر قيثـار امـرئ القيـس الأميـر
أيـام (دارة جلجـل) والغيـد فـي شـط الغديـر
أيـام وافـاه النعـي بمـا دهــى رب العشـيـر
أيـام أطلـق كأسـه وارتـد عـن نهـج الفجـور
أيام أقسم أن يلاقـي المـوت مـن أجـل المصيـر
***
مجـد توارثـه البنـون يجـود بالغـدق الغفـيـر
فإذا علي في ربـى (حقُّـات) يهتـف فـي حبـور
لـي بعـد بالضليـل جـدي أســوة للمستنـيـر
وإذا (بهمّـام) بشـط النـيـل ينـعـم بالخـريـر
وإذا به يستاف مـن خضـر الربـى ألـق العبيـر
وإذا بنسـل الخالديـن يشـع بالفـيـض الوفـيـر
وإذا يراع الملهمين على الصحائـف فـي صريـر
وإذا (بإسلامـاه) تدعـو المسلميـن إلـى النفـيـر
للذود عن قـدس العروبـة والدفـاع عـن الثغـور
وإذا (بمسمار) الحمـاة يُـدق فـي نعـش المغيـر
وإذا بصهيـون تــدان بربـهـا رب الـشـرور
ب(إله إسرائيـل) حيـن يقـول بالعـرق الحقيـر
***
أنى لفضل الباكثير على العرويـة مـن نضيـر ؟
كم وقفة له فـي رحـاب الفـن والفكـر الهصـور
تدعـو إلـى نبـذ التوافـه والسفاسـف والقشـور
وتعالج الداء الخبيـث وقـد توغـل فـي الجـذور
(شيلوك) (شعب الله) و(الفرعون) تـدوي بالنكيـر
و(السر) و(القصران) تعكس للنهى عبـث القصـور
و(القس) تروي كيف قاضي الحب يقضي في الأمور
و(الجلفـدان) تحـذر المغـرور عاقبـة الغـرور
و(الحبل) ينشر في (الغسيل) تفاهة الـرأي الفطيـر
وتطيـح بالحسـد الحقيـر وبالسفـاه وبالقصـور
ولكم وكم من موقـفٍ جـلاه فـي الأدب الجسـور
يغني المشاعـر بالتجـارب والتجـارب بالشعـور
***
إن غاب عنـا الباكثيـر فذكـره مـلء الصـدور
وحديثـه يجلـو الحقيقـة للكبـيـر وللصغـيـر
فـي عالميـن مـن الروائـع للسميـع وللبصيـر
تدوي على خشب المسارح أو تجلجل في السطـور
أدباً أعيد لحضرموت بـه النبـوغ إلـى الظهـور
وأعيد للأحقاف ما قـد كـان مـن فيـض غزيـر
ولأمها اليمن السعيـدة مـا تألـق مـن عصـور







باكثير في مكتبتنا عمون:


1.رواية سلامة القس

تحميـــل


2.عودة المشتاق


تحميــــــــل


3.الثائر الأحمر


تحميــــــــل


4.اخناتون ونفرتيتي-مسرحية شعرية


تحميــــــــل


5.أبو دلامة


تحميـــــل


6.التوراة الضائعة -مسرحية بثلاثة فصول


تحميــل


7.مسرحية إبراهيم باشا ومسرحيتان أخريان


تحميــــل


8.ملهاة الدنيا فوضى


تحميـــل


9.مسرحية الدودة والثعبان


تحميـــل


10.السلسة والغفران


تحميــــل


11.همام في بلاد الأحقاف


تحميــــــل


12.وا إسلاماه


تحميـــل


13.هكذا لقي الله عمر


تحميـــل


14.من فوق سبع سماوات


تحميـــــــل


15.هاروت وماروت

تحميـــــــل


16.مسرحية سر شهرزاد

تحميـــــــل


17.الفرعون الموعود


تحميـــــــل


18.سر الحاكم بأمرالله أو لغز التاريخ


تحميـــــــل


19.مسرحية الدكتور حازم


تحميـــــــل


20.حرب البسوس

تحميـــــــل


21.مسرحية دار ابن لقمان


تحميـــــــل



22.ملهاة إمبراطورية في المزاد


تحميـــــــل


23.مسرحية جلفدان هانم


تحميـــــــل



24.مسمار جحا-مسرحية فكاهية


تحميـــــــل



25. مسرحية قضية أهل الربع

تحميـــل


26.قطط وفئران-مسرحية فكاهية إجتماعية

تحميـــل



27.مسرحية مأساة زينب


تحميـــل



28.كتاب فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية


تحميـــل



29.قصر الهودج-مسرحية غنائية


تحميـــل


30.فاوست الجديد



تحميــــل


31.شيلوك الجديد


تحميـــــل



32.عودة الفردوس


تحميـــــــــل


33.سيرة شجاع


تحميــــــل



34.الفلاح الفصيح

تحميـــــل


35.روميو وجولييت -ترجمة شعرية لمسرحية شكسيبر


تحميــــل


36.أوزيريس


تحميــــــــــل


37.مسرحية حبل الغسيل


تحميـــل


38.ملهاة شعب الله المختار


تحميـــل


39.أوبريت الشيماء شادية الإسلام


تحميـــل


40.يوميات علي أحمد باكثير -الجزء الأول


تحميــــل


41.يوميات علي أحمد باكثير -الجزء الثاني


تحميــــل


42.المختار من الشعر الحديث


تحميــــل


43.ديوان أزهار الربى في أشعار الصبا



تحميــــل


44.رواية ليلة النهر


تحميــــــــل


45.الوطن الأكبر


تحميـــــــــل








  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:17 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط