لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: رفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة وفي حاجة إلى من يقف جانبها (آخر رد :نجيب بنشريفة)       :: مخلوق ضد الكسر .. (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: يا أحلى خلگ الله (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: زماني وفارس هواه (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: رماد الذكريات (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: أمات الطفل ..؟ (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: قصة / الذبيح _عليه السلام _ (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: هيهـات (آخر رد :نزهان الكنعاني)       :: من وحي الخيال (آخر رد :جهاد بدران)       :: طَالَت لِيـالَي الْهَجْر .. (آخر رد :محمد طرزان العيق)       :: أمة علامة جرها التطبيع (آخر رد :جمال عمران)       :: يا حلمَ ليلةِ صيفٍ انقضت وبقي الحلمُ عالقاً لم ينته (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: ندى الحرف (آخر رد :خديجة قاسم)       :: يا قدس ..!!! (آخر رد :علي الاحمد الخزاعلة)       :: قلب وحروف (آخر رد :أمل الزعبي)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ⚑ ⚐ هنـا الأعـلامُ والظّفَـرُ ⚑ ⚐ > 🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘

🌿 فينيقيو بيــــديا ⋘ موسوعات .. بجهود فينيقية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-10-2013, 09:46 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد السعودي
عميد أكاديمية الفينيق للأدب العربي
مدير عام دار العنقاء للنشر والتوزيع
رئيس التجمع العربي للأدب والإبداع
عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو تجمع أدباء الرسالة
عضو الهيئة التاسيسية للمنظمة العربية للاعلام الثقافي الالكتروني
الاردن

الصورة الرمزية زياد السعودي

افتراضي سلسلة ضوء فدوى كنعان على نصوص فينيقية

سلسلة ضوء فدوى كنعان على نصوص فينيقية


النص : قصة الموت بالثلاث
الناص : سلطان الزيادنة
قراءة : فدوى كنعان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


النص
ـــــــــــــــــــ

ماتت فأية حياة لي أبقت؟! هم الأحبة يرحلون عنا ويتركوننا خلفهم نشرب حسرة من كان في الروح الروح وفي العين إنسانا ، لماذا نحب وما من حب إلاّ أتعسنا وأشقانا؟! ولماذا عندما نحب نتفانى حتى يصبح الحب فينا هذيانا ؟! لا اسم على ألسنتنا إلا لمن كانوا بالأمس أحباباً وخلاّنا, لا درب نسلكه إلا ويقول ممشاهم ممشانا...لا فكرة ولا خَطرة إلا و تَرشف ما تبقَّى مِنْ ملامِح ذكراهم في ذكرانا، لاسعادة لنا إلا معهم وبهم ولهم... فويلنا من بعدهم ما أشقانا!...
حبيبتي كانت الاستثناء من بين كل النساء, تركضُ مثلَ غزالة تلاحق ولهانة أفراس القلب, ذكية كخاطر شاعر ملهم ,حميمية كضمة أم , في صوتها شجن يمامة.. وفي بريق عينيها شغف أمنية ،كنت شاباً قد مرَغته الحياة فأحكمت تعليمه, تركتُ تحنان الأغاريد لأقراني وانكفأت على القراءة والرسم وكل جادٍ من المسالك , دائماً كنت أرى في الأنثى خطراً قادماً وموجاً لو سمحت له أن يقترب فسيضرب دون رحمة كل مدني , وهذا الإقصاء ما كان إلا من بعد أول طوفان اجتاحني وتركني في غيبوبة أشكو الخذلان، بعدها أدركت أن كل النساء هوالك .
ثم كان مساء، دعيت فيه لألقي خرفي وشذوذي في أمسية شعرية، كان صوتي أسودَ كنهارات كربلاء، لا أدري ما الذي اقترفته هناك لكني بكيت وأبكيت كل من في القاعة -أو هكذا قال لي غروري-، فقامت من بين الحضور امرأة بقامة نخلة بصراوية ،أعطتني منديلها وهي تنشج بأنفة كقمر شفيفِ في سماءِ متكدرة،ثم غادرت .
بعد أيام قلائل لست أدري عددها , فقد توقفت ساعتي منذ آخر طوفان ،جاءتني منها رسالة بالبريد تطمئنّ علي وتدعوني بود ظاهر لشرب فنجان من القهوة في مقهى أعرفه على ناصية شارع الحب، ترددت كثيراً وليس قليلاً، وقررت ألاّ أذهب فمثلي لا يحتمل لعبة الاحتمالات المحسومة سلفاً.فات الموعد وبعده بيومين كنت في المكتب فإذا بها تقتحمه بكل فتنتها ، دخلت ..صدقوني فخرج الهواء.
قالت: يأخذني إليك هديل روحك!!هل يلفظني قلبك؟! أم انك لاتطيق شذا وردة أسرتها منذ الغيب يا قيدوم؟
قلت : أخافك فأنت امرأة ستسلمني لا محالة للبحر و كوابيسه.
قالت :أحبك وألقي بروحي على راحتيك .. فاكتب عهدي إليك، ألاّ أشقيك و لا أبكيك ..أكتبه وسأوقع عليه بعمري وماء حياتي.
كان في أعماقي صوت قوي يريد تصديقها ويدعوني إليها فخضعت له ولعهدها ورميت تحت قدميها خمسة وثلاثين عاما تعذبت بتجميعها .. ثمّ همنا حباً..مطراً ، وموسيقى .
واليوم عتمتي هنا وشمسها هناك , كيف ؟ لا أدري .. ولعلني لاأريد أن أدري،كنا قد تواعدنا على لقاء في الحديقة العامة الساعة الثامنة مساء بعد أن استعادت ساعتي نشاط عقاربها ,انتظرتها لكنها لم تأت ، حادث سير أنهى بدولاب واحد حياتين،داستها سيارة وهي تقطع الشارع في طريقها للقائي ،ملعونة كل السيارات،وملعونٌ أنا منذ صرخت صرختي الأولى .
كل ما أتذكره منذ صاعقة موتها هو ما أخبرنيه صديقي الغراب عن دفنها تحت السنديانة الوحيدة في المقبرة ، و ما عدت بعدها أجدني، سرت أركض خلفي وأمامي بحث عن لحظة وجود نأت وأوغلت في الغيمِ المسافر، رحلت ملاكي وعلى الملائكة أن تعود دائما للسماء! وجدتني في المقبرة أخيراً،كنت متعباً وحزيناً و وحيداً والليل قد أغرق الدنيا بسواده والقمر غاب هذه الليلة كأنه يعلن حداده،كنت قد قررت أنه حتى الموت بكل جبروته لن يستطيع أن يفرقني عنها وسأدفنني معها وفي قبرها....
سأنتظر ساعة أو ساعتين حتى أضمن ألاّ يراني أحد وأنا أنبش قبرها فيعترضني، كان ذلك من يقين أنّه عندما يريد عاشقان أن يجتمعا في قبر فلن يعدما وشاية عاذل،مضت ساعة وربما أكثر والعتمة اشتد ساعدها وكنت قد انتبذت مكاناً قصياً ..سكونٌ يحكي وحشة المكان، كل حركة لورقة تسقط من شجرة أو نمنمة نملة على الأرض كانت تحدث جلبة في هذا الهدوء الجنائزي فأفزع ، ويملؤني الخوف ...تسربلت أخيراً فالوقت يمضي وقد تأخرت عن حبيبتي، لكن أينه قبرها؟!
الشواهد لا تبين في العتمة وأنا بالكاد أرى في رابعة النهار، بدأت أتلمس خطاي بين القبور أهرب من دوس قبر فأدوس قبور، وحده الدود يرى طريقه في لجج الموتى، ثم خلتني أسمع نشازاً غامضاً وضجيجاً يشبه نحيب ثكلى ...أهو آتٍ من ضجيج في داخلي أم أني لست وحدي هنا؟
تساءلت ... تتبعت الصوت فإذا بشاب لم تستطع العتمة أن تطغى على بهاء وجهه وقد حفر الدمع أخاديدَ على خديه من كثرة البكاء يجثو على الأرض كأعمى أضاع بصيرته بعد أن أضاع عصاه،أشفقت عليه وربما أشفقت علي من خلاله، فضممته إلى صدري بتلقائية وبكيت معه ما شاء لنا الحزن أن نبكي,ثم سألته:
- ما يقعدك في مقبرة في مثل هذا الوقت؟
-قال: مات الملاك ورحل إلى البعيد، حبيبتي انطفأت يا أنت كحلم أبى الصحو إتمامه.يا الله لست وحدي الذي يلفه الحريق! رجل يحب كل هذا الحب لا بد أن حبيبته استحقت جذوة روحه بجدارة، وفَرضٌ عليّ أن اصلي على قبرها وأسال السماء أن تتلطف بهما وبي.
رجوته أن يأخذني إلى قبرها و أن يخبرني كيف ماتت إن كان سيجد في الحديث بعض تسرية ، قال وهو بالكاد يلتقط أنفاسه:
-كنا في مقهى نحتسي القليل من القهوة والكثير من الحب، وكان عليها أن تتركني عند الساعة الثامنة مساء لتذهب للحديقة العامة لتقابل صديقتها التي عادت من سفر طويل... ليتني لم أدعها تخرج لكانت الآن حية أتنفس عبيرها، لكنها ألحت فقد كانت تحب صديقتها جداً جداً ولا تستطيع وهي الملاك الذي يمشي على قدمين أن تخلف موعدها .. صافحتني وخرجت لتدوسها سيارة فلتت من عقالها وهي تقطع الشارع،اللعنة علي .. أنا قتلتها لمّا وافقتها.
قطعنا في المشي طويل وقت وقليل مسافة فسألته أخيرا:
-هل تستطيع فعلا أن تجد قبرها مع كل هذه العتمة التي تغرق المكان ؟.
قال واثقا كنبي للتو تلقى وحيه:
- وصلنا.. فالليل بكل سواده لا يستطيع أن يطوي سنديانة بجلبابه.
قالها وما عدت بعدها أرى ، فقد انطفأت آخر شمعة في كوّة روحي.


القراءة
ـــــــــــــــــــ

الأديب والشاعر المتميز

سلطان الحرف المتألق وجعا وإبداعا


أتدري سيدي ؟
كنت أهرول خلف عيني وهما تركضان وراء سطورك و كان نبضي يتلاحق ربما فضولا مني لمعرفة النهاية ....
قصة رائعة بامتياز وإن كانت تتضمن وجعا وألما ....
بناء سردي محكم غاية في الإتقان والاحتراف وكل كلمة في النص كانت توحي بقصص أخرى لم يتسع المجال لذكرها أو أنكم تعمدتم ترك تأويلها للمتلقي ....

تضمنت قصتكم عنصر التشويق بمهارة فائقة وطبيعية أيضا دون أي افتعال مسبق ....
النص الذي يستطيع أن يجعل القارئ جزءً من الحدث لهو النص الجدير بأن يوصف بالإبداع على كل مستويات الفنون القولية .... وما أثبت لي حين قراءتي أنني كنت كنت جزء من القصة أنني والله عندما وصلت لذكرك ذلك الشاب الذي كان يبكي ملاكه الراحل العائد إلى السماء توقعت أن تكون تلك المرأة نفسها هي سبب نحيبه وعويله وكم كانت دهشتي عظيمة حين وصلت نهاية السطور وكان ما توقعت ....

لغة النص كانت غاية في الدقة وإيحاءات الكلمات كانت بمثابة الخلفية المتحركة للنص .....
أتعرف سيدي ؟
عندما وصلت لآخر حرف في آخر كلمة لا أدري لم قفزت إلى ذهني قصة ( العقد ) للأديب المعروف الملقب بإبي القصة القصيرة ( جي دي موبسان ) شعرت أن هناك خيطا ما بين الموت بالثلاث والعقد فقد تبين أن سبب الشقاء في القصتين ما هو إلا الزيف .........

قرأت الموت بالثلاث قبل ذهابي لعملي كان موضوع الدرس المفترض أن أشرحه للطالبات ( عناصر الأدب ) وجدتني أروي لهن الموت بالثلاث واستخدمها كشاهد في الواقع كانت القصة ترافقني فطغت على موضوع الدرس وكنت أراقب وجوه طالباتي وانفعالات الدهشة التي تعلوها ... دق الجرس وانتهت الحصة لكن الطالبات رجونني البقاء لمتابعة مناقشة القصة ............

انحناءة تقدير وإعجاب لسمو إبداعك أستاذي القدير

دمت بكل الود وكل التفرد

فدوى كنعان



النص : همومُ الذي لا بلاد لأبنائهِ
الناص : أحمد بشير العيلة/فلسطين
قراءة : فدوى كنعان
ـــــــــــــــــ
النص:
ــــــــــــــــــ


همومُ الذي لا بلاد لأبنائهِ

أجُرُّ الحقولَ بخيطٍ رفيعٍ كأن الحقولَ نسيمٌ
كأني الفراشةُ تسحبُ ظلاً على غزلٍ عربيّ
لتمضي فتاةٌ بكامل زينتها في البلاغة
تزيحُ المكانَ بكلتا يديها
أحوّطها بالكلام المعطّر من زيزفونٍ عتيق
تقولُ كفاني
فقد يستبدُّ البريقُ بطقمِ كريستال حول غروري
كفاني
سترفعني الريح إن لاحقتني الحكايا
سألمسُ زرقةَ أسمائكم إن علوْت
وأحسبكم سرب نحلٍ حواليّ
إني المليكةُ
هذا المجازُ زفافٌ ملوكيُّ للنحلةِ الأم
فإيّاكَ من غزلٍ آخرٍ
ليس لي قدرةٌ لأطيرَ سوى ما يعادل خمسةَ أشبارِ فوق القصيدة
وإياكَ من غزلٍ آخرٍ
قد تلمّ العرائشُ أفرعها خلف موكبِ هذا الثناءِ المحلى بقطر الكنافة
وتبقى العجائزُ في الشمسِ يفتحنَ ما قد تمشّطَ من شعرهن
يُطأطئنَ أفلاكَهن لتشربَ من ذكرياتٍ تموءُ بأحضانِهن
يخلخلن بعضَ الهواء الرتيبِ
ويتركن أعينَهُن حساءً لشمس الظهيرة
هنَّ العجائزُ يسكنَّ فوق الظلال
ويأكلنَ من سيرةِ السروِ
لا حُلْمَ يسكنهنّ
فهنَّ احتمالُ الخميرةِ في الخبزِ
أو حقنةُ الأنسولين لبعض الخلايا العتيقة
شيئاً ستأكلهُ الريحُ
لا حُلمَ يسكنهن، فكم قد تساقط وردٌ كثيرٌ قُبيلَ الوصول
لهذي العرائش
وكم قد تكسّر ضوءٌ أمامَ انحناء الظهورِ
وهنَّ الرسائلُ للغيبِ
املأْ مشاعرَهنَّ بماء الترجي
هنالكَ، في اللاهناكَ، سيسقين صبّارةً قرب عرش الإله
همومُ الذي لا بلاد لأبنائهِ عوسجٌ في الطريقِ
إلى سدرةِ المنتهى
ولما انتهى
بعثروهُ على خطوِ من يعبرون
تعثر خلقٌ كثيرٌ بتلك السماوات
زادت همومُ الذي لا بلاد لأبنائهِ
فلموا العجائزَ من تحت شمسِ الظهيرةِ
كي ينزعوا الشوكَ من طرقات السماء
تقول الحكايا
ذهبنَ إلى رحلةِ الموتِ مجموعةً واحدة
قطيعاً من البجعِ الساحليّ
وكنَّ على عجلٍ فنسينَ رجائيَ في البيتِ
كان المكانُ مَجازاً
وكنتُ أفككُ لغزَ انتمائي لبيتٍ من الشعر
كنتُ أحلل شخصيةً في روايةِ ماركيزَ
ثم أقودُ النهارَ إلى عسلٍ جبليّ
وكان المكانُ مَجازاً
لا ماءَ تحتي لأعلنَ نفسي مسيحاً
ولا ريحَ تحتي لأفتحَ هذا القلق
ولا نارَ تحتي لأهتفَ إني خليلٌ
ولا رملَ تحتي لأمسحَ دهنَ الغسق
لا شوكَ تحتي لأزحفَ نحو مصيري
ولا طينَ يقرأُ في الهمِّ آيَ الفلق
وقلبي احترق
أين العجائزُ يوصفن عشباً لقلبٍ كسيرٍ
أين العجائز
تردُّ الرياح؛ ذهبنَ ليبحثنَ في اللاهنالك عن عشبتين لتشفى
وتضحكُ مني البلاغةُ:
"سوف يعُدنَ بُعيدَ رحيلكَ ،
ويسألنَ عنكَ حبيباتِكَ المُتعَباتِ من الانتظار".

كأن المكانَ مجازٌ
وأنتَ استعاراته الهادئة.

تعود العجائزُ
خمسونَ خدشٍ بأبصارهن
همومُ الذي لا بلادَ لأبنائهِ عمّقتْ جرحَهن
ولما وصلنَ ليعجنَّ ضوءاً لبعض الملائكةِ المُتْعَبين
سمعنَ كلاماً عصياً عن الفهم حولَك
فهل كنتَ تفعلُ شيئاً على الأرض حينئذٍ
وتقسمُ أنكَ كنتَ تنام على جسمكَ المنتهي
لا طيورَ بأعشاش روحك
كل الحواس تغادر منفىً رؤوكَ تموت عليه
وأنتَ الذي أغلق الباب دون اقتراب المعاني
وأنتَ البلاغةُ في موت سربٍ من الطير
أنتَ التفاهةُ في هيكلٍ مرمريّ
فكن شاعرياً لتُرْضِى النساء
وكن آدمياً ليختاركَ الموتُ منفىً
وكن فيلسوفاً ليختارك الحزنُ وهماً
وكن فوضوياً ليختاركَ الله نثراً.



القراءة
ــــــــــــــــــــــ

وليمة عامرة بشتى صنوف الوجع المدعوون فيها هو ذلك الإنسان الباحث عن مكان بين الأمكنة حيث لا تستقيم الحياة إلا بثنائيتي المكان والزمان ... كان الزمان حاضرا في حياته منذ الأزل ... زمان أعرج الخطى ضلت قدمه المعافاة كل الدروب التي تقود إلى المكان فظل الزمان بلا مكان ... لكن تلك الروح النزاعة إلى التشبث بجذورها تقوقعت حول ذاتها وصنعت من المجاز مكانا سكبت فيه كل احتراقات أحلامها وفقيرات أمانيها ...
(أجُرُّ الحقول ) يا لها من صورة ضاربة في عمق الألم ...الذات الشاعرة هنا عصبت رأسها وربما عينيها لتستغرق في الحلم فجمعت الحقول ( الأرض ) لتسحبها نحو الداخل وتستنشقها نسيما ثم لا تزفره ... تستبقيه في رئتيها فجرتها بخيط رفيع كذلك الخيط الرفيع الواهي الذي يفصل ما بين الأرض والسماء لا وجود مادي له لكنه حاضر بحِس أمني فائق وكأنه هو الذي يحول دون اختلاط الأرض والسماء ... كان هذا الخيط الواهي الذي يجر به ذلك المذبوح حتى العظم حقول أمكنته المترامية المدى على امتداد روحه ..مع أن النص بكامله ينتمي للشعر الحديث شكلا ومضمونا لكن الشاعر استخدم لبـِنة أساسية من لبِنات القصيدة العربية القديمة ( الغزل ) لكنه وشح هذا الغزل بالحداثوية المطلقة ( لتمضي فتاةٌ بكامل زينتها في البلاغة تزيحُ المكانَ بكلتا يديها *** أحوّطها بالكلام المعطّر من زيزفونٍ عتيق ) ولا يخلو هذا الغزل الحداثوي من التلميح إلى الفضاء المكاني الذي يقطنه الشاعر ( المجاز ـــ البلاغة ) الفتاة هنا أشفقت على نفسها من الاستغراق في هذا الغزل اللامكاني فخشيت أن تكون كمن يكذب الكذبة ثم يصدقها فقالت ( كفاني )... ( ليس لي قدرة أن أطير سوى ما يعادل خمسة أشبار فوق القصيدة ) ...
يعود الشاعر لتهويمات الغربة الجاثمة على صدره يحاول أن يشكلها بكل الأشكال لعله يجد متنفسا أو منفذا ينفث فيه همومه فيستعير صور العجائز اللواتي يلاحقن آخر أحلامهن المصابة بهشاشة العظام ومرايا الذاكرة التي لا تنعكس فيها سوى رغبة جارفة لزمن الصبا الذي تبعثر على حواف الرجاء ... وهنّ الآن لسن سوى رسائل للغيب أرادت الذات الشاعرة استخدامهن كساعي بريد لإيصال رسائل شكواه وهمومه المتناسلة فوق جسده المعلق ما بين الزمان والزمان حيث اللامكان ... ( هموم الذي لا بلاد لأبنائه عوسج في الطريق ) استوقفني اختيار الشاعر للعوسج - بالذات – كثيرا ... وهنا لا تخفى الدلالة الإيحائية لهذه النبتة الشائكة ، تلك الإشارة إلى مكان بعينه تنبت فيه دون غيره ( وطن الشاعر فلسطين )
كان يعلم أن الطريق إلى السماء شائكة ملغومة بأحلام ناسفة وكان مـصًرا على أن تصل استغاثاته عبر رسائل الغيب .... تتناسل همومه تتضخم وكأنها ريح عقيم تطفئ شمعة حاول إشعالها .... ( فلموا العجائز من تحت شمس الظهيرة *** كي ينزعوا الشوك من طرقات السماء )
يلجأ الشاعر إلى إحالة السردي الشعري إلى الحكايا ( تقول الحكايا ) ولم يكن ذلك عشوائيا فلا يخفى أن الحكايا كل الحكايا ذات جذور متشعبة ممتدة في الماضي موصولة بالحاضر ... فكانت رحلة العجائز تلك رحلة موت جماعي وأثناء اجتلابهن ( مرغمات ) لهذه الرحلة نسين رجاءه ونداءات الاستغاثة إلى ذلك العالم الذي عقد عليه الآمال بعدما عجز عن إيصالها إلى عالم المكان المفقود ... إن الذات الشاعرة لا تحتاج فقط لحيز جغرافي تنتمي إليه بل هي بحاجة إلى رقعة مكانية تضرب فيها بجذورها وتاريخها بالعمق الإنساني وهنا مكمن الوجع ( الفقد المكاني )
يعود المجاز مرة أخرى حاضرا في أبجدية الشاعر مذكرا إياه باللاجدوى ....
( كان المكان مجازا وكنت أفكك لغز انتمائي لبيت من الشعر ) مرهقة هذه الروح ومتعبة بانتمائها ولا مكان ... فأخذت تتماهى في بيت من الشعر افترشته والتحفت سماءه ....
( أقود النهار إلى عسل جبلي ) جذوة الأمل لم تنطفئ حاول أن يدهن زرقته الباهتة بأحلام لم يكن لها من حلاوة العسل إلا التصاقها بذاكرته وأيضا كان المكان مجازا ....
( ولا ريح تحتي لأفتح هذا القلق *** ولا نار تحتي لأهتف أني الخليل .... إلى قوله : ولا طين يقرأ في الهم أي الفلق ) هنا يغوص الشاعر إلى أعماقه المسكونة بألوان الوجع محاولا إيجاد مخرج وآنى له .... ؟ ولم يكن بانتظاره إلا الاحتراق بنار مجوسية لا تخمد في وعيه ولا وعيه ....
( أين العجائز يوصفن عشبا لقلب كسير ) وعودة للعجائز مرة أخرى ولكن هذه المرة يستغيث بخبرتهن في الحياة ناشدا إياهن وصفة علها تداوي انكسارات روحه .... فتجيبه الرياح بأن العجائز ذهبن إلى اللاهناك يبحثن عن عشبة الشفاء ... فكرة المكان المفقود تسيطر بكل تهويماتها على نفس الشاعر فتقتنص ضعفا ما في قشرتها لتفور كزلزال غاضب ... لا أمل في عشبة تشفي انكسارات الروح ....
( وتضحك مني البلاغة " سوف يعدن بعد رحيلك ويسألن عنك حبيباتك المتعبات من الانتظار )
حتى المتنفس الوحيد الذي لجأت إليه الروح المذبوحة بمدية الاغتراب حتى النخاع ( الأبجدية – البلاغة ) التي تذرو فيها رماد احتراقاتها أيضا تشهر ابتسامتها الصفراء وتنثر رمال صحراء اللامكان في أفق تلك الروح الموجوعة ....
ثم تنتقل عدوى اللاشيء والتلاشي في فضاء مكاني مفقود إلى نفس الشاعر ليصبح مجرد استعارات هادئة ... والاستعارة هنا تعني اللاحقيقة التي تغرق فيها الذات الشاعرة ( كأن المكان مجاز وأنت استعاراته الهادئة ) ....
( تعود العجائز خمسونَ خدشٍ بأبصارهن )
يرد إليه الغيب رسائل استغاثاته وقد خدشتها الهموم ونكأت جراحها ( هموم الذي لا بلاد لأبنائه ) كانت عودتهن محملة باللوم والعتب فحين كن في محاولاتهن لنزع أشواك الدروب أين كنت أيها الموجوع ... ؟ كنت تفترش جسدك المنهك وقد غادرتك الحواس وهجرت الطيور أعشاش روحك ... واكتفيت بإغلاق نوافذ روحك على وجعك ... ولا ملاذ ولا ملجأ لا مكان لا مكان ...
يختم الشاعر قصيدته بنداءات لم تخلُ من فلسفة التهكم والسخرية من واقع بات مدبب الحواف أنى توجه كان نصلها يخترق خاصرة روحه ....
هل هي دعوة للتسليم والاستسلام ... ؟ هل هو رضوخ لوجع لا شفاء منه .... ؟
فكرة النص كانت تدور منذ البداية وحتى الخاتمة حول المكان المفقود ( الوطن ) حيث هو فقط دواء لكل تلك الجراح ... هو ملاذ الروح التي قددت الغربة ملامحها ورشتها بملح خشن ..........


لم تكن قراءتي لهذا النص سوى استجابة لكل المؤثرات النفسية الباذخة الحزن التي كانت تلقي بظلالها على روح تائهة منذ الأزل في اللامكان .......

الشاعر القدير

أحمــــــــــد بشير العيلة

انتهت القراءة وظل الوجع يتسكع في أروقة الروح التي يحاصرها اللامكان ....

لا فـُض فوك

دمت بكل التألق والتوهج الذي هو أنت

مودتي والتقدير

فدوى كنعان


النص : سقط صفر
الناص : سلطان الزيادنة
قراءة : فدوى كنعان
ـــــــــــ


النص
ــــــــــــــــــ

"سَقطَ صِفر"

أستَجدي
من دَفاتِرِ الأيَّامِ لُطفَ الرَّبِّ
بَعدَ مَوتِ الحُبِّ
وأنا الّذي حَسِبتهُ
دُنْيا بلا آخــِـرة

رمَقَتْني شَزِرَة
لِتَحفرَ بالعشَرَة
في أوَلِ السَّطر
على ما أبْقَت خَناجِرُ الأحِبَّةِ
من مَساحَةٍ في الظَّهر
لعنَتُكَ يا عاني
لَعنَةُ كُلِّ ذاتٍ شاعِرة
نَزفٌ دائمٌ في الرّؤى
و ألمٌ يَخِزُّ محيطَ الرّوحِ
كحِرابٍ تنهشُ في خاصِرة.

أصرُخُ أنايَ
كم تُراها تَحْتَمِلُ أجْسادُنا
وقعَ سِياطِ أرواحِنا
أجِبْني
فالأسئلَةُ السَّوداء
تَنْعَبُ في رأسي
كَما بومَةٍ تَجْتَرُّ الضِّحِكَ
في بَيْتِ عَزاء
أترانا لا نَملِكُ أناً ثائِرةْ
أمْ هِيَ أنانا
مَليكَةٌ مُستَبِدَّةٌ قاهِرةْ
لا تَستَصرِخُ فينا
غيرَ حُزنِنا الآثِم
و أوجاعنا الكافِرةْ
قُلْ لي يا انايَ
هَلْ أنا خَطٌّ مُستَقيمٌ
أم هِيَ الحَياةُ
مَحضُ دائِرةْ
وجْهُ قِدِّيسةٍ
وفَرجُ عاهِرَةْ!

قُلْ لي يا أنايَ
كَمْ مِنْ مَسيحٍ
و قِدِّيسٍ ذَبيحٍ
يَلزَمُها الأرضُ لِتغْدو
نِصفَ طاهِرةْ؟!.

-قال: يا أنتَ
اعْرِضْ عَن هذا
عبثاً تَبحَثُ في نَشازِ المَنافي
عن نَغَمةِ وَطَنٍ ساحِرةْ
ما السَّعادةُ إلاّ سَرابُ مِغْناجٍ
تُخاتِلُ
بِأرْدافِها الظَّمآنَ
في لَهيبِ الهاجِرةْ
هذي المآسيُ
لَصْقَ خُطانا
وخُطانا
مِنْ قَديمِ السَّير ِ
عاثِرة‏ْ..

-عُدْ يا أناي
لحَضرَةِ ساجِديك
فَقَلبي شيخٌ كئيبٌ
جاوزَ
ألفَهُ العَاشِرةْ
فَبَينَ استِرسالِ التَنازُلاتِ
وثِقَلِ الرَغَبات ِ
انْكَشَفَت سَوأةُ المُنى
وقَضَيتُ أنا
سَقط َصِفرٍ في مُعادَلةٍ ساخِرةْ
قد غاضَ صَوتي
لَمْ يَبقَ
ما اقبِضهُ إلاّ صَمْتي
وَصَمتي لَيالٍ
أقْمَارُهُا مِنْ سَرمَد ٍ غادِرةْ.
والآن
لكَ يا أناي َ في جُبِّكَ
أنْ تَستَريحْ
فلَيسَ في العَّرضِ فُرجَة
غابَت الحَسناءُ
وحَضَرَ القَبيحْ.


القراءة
ــــــــــــــ



أستَجدي
من دَفاتِرِ الأيَّامِ لُطفَ الرَّبِّ
بَعدَ مَوتِ الحُبِّ
وأنا الّذي حَسِبتهُ
دُنْيا بلا آخــِـرة

أستجدي يا لإيحاءات هذه الكلمة وما تحمله من تداعيات الروح الموجوعة الفاقدة !! هي لا تطلب ولا تسأل بل ترجو وتأمل أن تــُمنح ما تتنمناه رغم شكها في إمكانية الاستجابة لهذا الطلب .... هو طلب مُلح
لا يقبل التأجيل والسبب ذلك الألم والفقد والنتيجة التي أديا إليها ....... ثم مِن مَن تستجدي من دفاتر الأيام التي ضنت على النفس بالسكينة والطمأنينة فلجأت النفس إلى لطف الرب بعد أن أيقنت باللا جدوى وقد مات الحب .... وهل بعد موت الحب حياة ؟ الحب بمعناه الواسع الفضفاض لا بجزئياته الضيقة المقاس ... حين نفتقده نغدو كمن لا يفرق بين طعم التفاح وطعم الحنظل .. تتساوى الاشياء ... تختلط الالوان ... تحترق أجنحة الفراشات .... وربما تكف الارض عن الدوران ......


رمَقَتْني شَزِرَة
لِتَحفرَ بالعشَرَة
في أوَلِ السَّطر
على ما أبْقَت خَناجِرُ الأحِبَّةِ
من مَساحَةٍ في الظَّهر
لعنَتُكَ يا عاني
لَعنَةُ كُلِّ ذاتٍ شاعِرة
نَزفٌ دائمٌ في الرّؤى
و ألمٌ يَخِزُّ محيطَ الرّوحِ
كحِرابٍ تنهشُ في خاصِرة.
***

وما كان من الأيام إلا أن رمقته شزرا ولا يخفي مدلول هذه الكلمة وما توحي به من حقد وشراسة
مخفيا ومعلنا ... وهل لحاقد أن يمنح إلا وجعا وجرحا وبصمت بأصابعها العشرة من أعلى السطر وحتى أخر مساحة بالظهر
أقصد المساحات الشاغرة من طعنات من كانوا ذات يوم أحبة ويا لها من طعنات قاسية شرسة غاصت حتى النخاع ... ***!!
لم يكن نزيف الجرح في مساحات الطعنات فقط بل تعداه إلى الاحلام والرؤى فباتت تنزف قهرا وحرمانا ووجعا ...
كحراب تنهش في خاصرة في هذه الصورة وحدها ألم يفوق الوصف لأن الحراب من عملها أن تغوص في اللحم مرة واحدة وينتهي الأمر لكن الحراب هنا لم تكن لتغوص فقط بل كانت تنهش كسباع مفترسة
ومع كل نهشة يتجدد الوجع ....

أصرُخُ أنايَ
كم تُراها تَحْتَمِلُ أجْسادُنا
وقعَ سِياطِ أرواحِنا
أجِبْني
فالأسئلَةُ السَّوداء
تَنْعَبُ في رأسي
كَما بومَةٍ تَجْتَرُّ الضِّحِكَ
في بَيْتِ عَزاء
أترانا لا نَملِكُ أناً ثائِرةْ
أمْ هِيَ أنانا
مَليكَةٌ مُستَبِدَّةٌ قاهِرةْ
لا تَستَصرِخُ فينا
غيرَ حُزنِنا الآثِم
و أوجاعنا الكافِرةْ
قُلْ لي يا انايَ
هَلْ أنا خَطٌّ مُستَقيمٌ
أم هِيَ الحَياةُ
مَحضُ دائِرةْ
وجْهُ قِدِّيسةٍ
وفَرجُ عاهِرَةْ!

قُلْ لي يا أنايَ
كَمْ مِنْ مَسيحٍ
و قِدِّيسٍ ذَبيحٍ
يَلزَمُها الأرضُ لِتغْدو
نِصفَ طاهِرةْ؟!.




هنا يتحول الحوار بين الأنا والأنا .... الأنا الموجوعة الفاقدة التي لم يفقدها الألم الرغبة في النهوض من تحت الرماد
والركض نحو الأفق الرحيب في محاولة لرتق ما فتقته الايام ونهشته حراب الأحبة ( من كانوا ذات يوم أحبة ) ... وتلك الأنا المستسلمة الراقدة في جوف الوهن تتجرع الدمع وتنوح على الايام الخوالي وقد فقدت كل إرادة وعزيمة تمنكنها من نفض الغبار ولعق الجراح .... وتصرخ الأجساد من لسعات سياط الروح الهائمة بحثا عن وتد يقين تشد إليه خيمة حقيقة أو خيبة حلم ......... ويعلو صوت المونولوج الداخلي لكنه يهدأ بعد حين ... تسأل الذات الشاعرة أناها الحائرة المعذبة هل أنا خط مستقيم أم هي الحياة محض دائرة كلما حاولنا الإمساك بأحد أطرافها عدنا للمنتصف حيث نواة الوجع هل العيب فينا أم في هذه الحياة التي لا تكف عن سفك دماء مشاعرنا والعبث بها ... هل نحن من تعثرت خطانا ولم تستطع اللحاق بإيقاع الحياة المادي المتسارع ...... ؟ ما الذي تريده الحياة ؟ كم يلزمها من تضحيات وقرابين تـُقدم لها على مذبحها حتى تعيد النظر فينا وتغدو نصف طاهرة ***.... ؟

-قال: يا أنتَ
اعْرِضْ عَن هذا
عبثاً تَبحَثُ في نَشازِ المَنافي
عن نَغَمةِ وَطَنٍ ساحِرةْ
ما السَّعادةُ إلاّ سَرابُ مِغْناجٍ
تُخاتِلُ
بِأرْدافِها الظَّمآنَ
في لَهيبِ الهاجِرةْ
هذي المآسيُ
لَصْقَ خُطانا
وخُطانا
مِنْ قَديمِ السَّير ِ
عاثِرة‏ْ..


ترد الأنا الخائرة القوى وقد تمكن منها اليأس بأن لا جدوى ... لا جدوى .... ( وأعرض عن هذا ) فمتى كانت المنافي تمنح ثغرا يبتسم أو تمنح طيفا لحلم ... هو الاغتراب والتشظي والشتات والسعادة فيها ما هي إلا امرأة مغناج لا تمنح إلا وهما زائفا زائلا .... فلا تتعب نفسك أيها الغريب ...... فقدرك خطى عاثرة ودربك مسدود وأحلامك كسيحة بتر الزمان أقدامها
........

-عُدْ يا أناي
لحَضرَةِ ساجِديك
فَقَلبي شيخٌ كئيبٌ
جاوزَ
ألفَهُ العَاشِرةْ
فَبَينَ استِرسالِ التَنازُلاتِ
وثِقَلِ الرَغَبات ِ
انْكَشَفَت سَوأةُ المُنى
وقَضَيتُ أنا
سَقط َصِفرٍ في مُعادَلةٍ ساخِرةْ
قد غاضَ صَوتي
لَمْ يَبقَ
ما اقبِضهُ إلاّ صَمْتي
وَصَمتي لَيالٍ
أقْمَارُهُا مِنْ سَرمَد ٍ غادِرةْ.
والآن
لكَ يا أناي َ في جُبِّكَ
أنْ تَستَريحْ
فلَيسَ في العَّرضِ فُرجَة
غابَت الحَسناءُ
وحَضَرَ القَبيحْ.


عُد يا أناي ..... منتهى الاستسلام واليأس من الأنا الفاقدة لكل أمل وكل سلام مع الحياة وقد شاخ القلب وأقامت بين تجاعيده رفات رؤى مؤودة ... لم يبق إلا بقايا صوت غاص إلى دهاليز معتمة ضل عنها النور طريقه
الأنا هنا تدعو الذات الشاعرة ( الأنا ) المتفائلة إلى النكوص واليأس فلقد انتهى العرض ( الحسناء والقبيح ) رحلت الحسناء ولم يبق إلا القبيح فلم التعب ولم المزيد من أحلام ومنى محكوم عليها سلفا بالإعدام ....... ؟

الشاعر القدير

سلطان

أتدري أنني حين أنتهي من قراءة نصوصكم أشعر وكأني كنت أركض في فضاء لا يحده أفق ...... ؟ وأحيانا أجدني أغوص إلى أعماق الأنسان المتكور في داخلنا ذلك الانسان المصلوب على جذع الأيام الخاوية ... لا ظل ولا ماء ولا شجر ..... ؟
كم يلزمك من أحراق أعصابك حتى تخرج بهذا الوجع الباذخ .... ؟
لا أملك إلا أن أردد كالمعتاد : لله دَرّك من شاعر يقيم دوما على خيوط أعصابه ليمنح المتلقي لحظات خلوة مع نفسه يعيد فيها النظر ........

دمت بكل الألق دام بك الإبداع

مودتي والتقدير

فدوى كنعان



النص : لا ديَّـةَ لَهْ
الناص : زياد السعودي
قراءة : فدوى كنعان


النص :
ـــــــــــــــ

لا ديَّـةَ لَهْ

اغْروْرَقَ
طَرفُ الليلِ بفيضٍ
حينَ نعاهُ أنينُ الناي
بشهقةِ موتٍ
بحرقةِ ثكلٍ
لمّا نالت منهُ الآهُ

قد أرْهَقهُ الصمتُ الـ يَغْفو
في حنجرتهْ
قد جَرَّحهُ سيفُ الخَيبهْ
مُذ صالَ وجالَ النصلُ
يَجُزُّ سنابلَ نجواهُ

من أوّلِ شهقة ميلادِهْ
مكتوبٌ في لوحِ الأقْدارِ
بأنْ لا ديَّـةَ لَهْ
موسومٌ بالأوجاعِ
وكأس البينِ حميماً أسقاهُ

ترويهِ قُيوظُ الهَمّ بدجنِ الغَمِّ
أُواماً
يركضُ في شريانِ توجُّسِهِ
أوجاعاً
ترقصُ رقصتَها الغجريَّـةَ
تُذكي بَلْواهُ

وصقيعُ الوحدةِ لا يرحمْ
يَسْتَشْري بردُ تمدُّدِهِ
في غربةِ روحهِ
كيما يطرد
وهمَ الدفءِ الكامنِ فوقَ
خرائطِ منفاهُ

ما أدركَ جمرَ توجُّعهِ أحدٌ
مذ أرجأ صرخَتَهُ
وتكوّر في "صيوان" الفقدِ
بقايا إنسانٍ تركتهُ
يتيماً دنياهُ

في الليلِ الأخرسِ
في جُبِّ العتمهْ
وعناكبُ وِحدته
تلوي بخيوط قتامتها عُنُقَهْ
خرجت من جوفه آهات حرّى
غَرَسَتْها ذاتَ رصيفٍ أوّاهُ



فعِلُن



القراءة
ـــــــــــــــــــ

لا دية له

قبل الولوج إلى روح النص يقدم الشاعر صورة رائعة الحسن لكنه وضعها في برواز محطم الزجاج وكأني به يحذر كل من أمعن النظر في هذه الصورة من أن تـُجرح يداه أو عيناه إذا ما تناولها ...........
أغرورق
طرف الليل بفيض
حين نعاه الناي
بشهقة موت
بحرقة ثكل
لما نالت منه الآآآآه ....
كثيرا ما يحزن الليل ويسهر ويبكي ويئن لكنه هنا اغرورق بفيض الدمع المالح حد المرار ... حين أبلغه الناعي ( أنين الناي ) بفقد لا هو موت فيُدفن ثم يـُبكى ... ولا هو حياة قد تقبل وقد تدبر .... وماذا بعد أن يكون الناعي أنين الناي وكأني بهذا الناعي لم يكتفِ بتداعيات الحزن التي يستحضرها بلحنه النازف آهات مذبوحة فمزجها بنعي موت لا لَحدَ له سوى مآقي خددها الدمع والملح ..... فاستشرست الآه وسكنت في زمان الذات الشاعرة ومكانها حد الاستيطان ........


قد أرهقه الصمت الـ يغفو
في حنجرته
قد جرَّحه سيف الخيبة
مذ صال وجال النصل
يجر سنابل نجواه

وآه من صمت عالق في حنجرة ما كانت إلا لتردد نداءات الروح : أن تعال .... لكن الصمت ابتلع النداء ونام وترك رجع الصوت يتردد في أقبية الروح ودهاليز العمر المحشوة برؤى ضبابية الملامح ....
( قد جرحه ) هنا لي وقفة ومكوث حيث استخدم الشاعر حرف التحقيق " قد " هذا الحرف الذي يفيد تحقق الفعل وانقضاؤه حتما إن دخل على الفعل الماضي اما إن دخل على الفعل المضارع فإنه يفيد إمكانية التحقيق وربما عدم التحقيق
وهنا قد دخل على الفعل الماضي وكأني بالشاعر يُجزم ويُقر بذاك الجرح الذي كان من سيف الخيبات المثلوم ....
ثم إن الشاعر لم يكتفِ بذلك الإقرار بل تجاوز الحد في تفعيل الألم حين استخدم الفعل ( جرَّحه***) أي فعَّله بمعنى أن التجريح لم يكن مرة واحدة وينتهى الأمر بل كثير التكرار إمعانا في تعذيب القلب المكلوم بذاك الفقد وتلك الخيبة ..... وقد صال وجال ذاك السيف مُتفرعنا متجبرا وحين اكتشف سنابل النجوى - التي كانت تهدهد روح بمناجاتها - اقتادها أسيرة وكأنه ( يسحلها ) عقوبة لها على مغافلتها الوجع ومحاولاتها تبديد وحشة الفقد .......

من أول شهقة ميلاده
مكتوب في لوح الاقدار
بأن لا دية له

وهنا بعد أن فقدت الذات الموجوعة كل أمل لها باتت تراجع سجلات حياتها مذ كانت شهقة الميلاد لتكتشف سر عبث الزمان بها وتفننه في إيلامها فوجد أنه منذ البدء كان بلا دية أي مستباح للهم والغم والحزن والفقد ولن يكون هناك مـُطالِب له بتبرير فعلته النكراء أي الزمان ........ فما كان منه إلا أن كشر عن أنيابه وأظافره وبكل هدوء المطمئن غرزها في الجسد المتمزق و شظايا الروح المنثورة في فيافي الحياة ........ وقد وشم على جدارن عمره كل ألوان الوجع بجمر أحمر وربما موت أحمر ......
وكان البين قد أعد كؤوس الحميم لتكون المشروب الراعي لذلك الاحتفال الوثني بطقوس العذاب ....

ترويه قيوظ الهم بدجن الغم
أواما
يركض في شريان توجسه
أوجاعا
ترقص رقصته الغجرية
تذكي بلواه
يتناول الشاعر هنا مراسم الاحتفال الوثني الهمجي حيث يُدجن الهم صنوف الوجع ويزفها للغم لتتناسل فوق مساحات هواجسا وريبا وظنون تتقافز في شرايين الروح وترقص رقصات غجرية تكشف ما استتر من أنواء قادمة ........

وصقيع الوحدة لا يرحم
يستشري بردد تمدده
في غربة روحه
كيما يطرد
وهم الدفء الكامن
فوق خرائط منفاه
ما أدرك جمر توجعه أحد
مذ أرجأ صرخته
وتكور في صيوان الفقد
بقايا إنسان تركته يتيما دنياه
يعود الشاعر إلى ذاته المتهالكة فوق صقيع الوحدة الذي لا يكل من التسلل إلى نسغ العظم يستلقي على امتداد الخرائط المنزوعة الحدود لاغتراب الروح يطارد أي بارقة دفء قد تراوده ولو وهما وخيالا .... ثم تنظر الذات الملتاعة إلى نفسها بعد أن صرخت وكانت تظن أن رجع صراخها المكتوم قد بلغ المدى فإذ بها تكتشف أنها وحيدة في " صيوان العزاء " متكورة على ذاتها واضعة رأسها بين كفيها وقد جلست على رصيف الحياة كيتيم تنكر له الأهل .... وكأني أراه يجلس القرفصاء على رصيف عمره المهدور ( أصفر الوجه صفر اليدين ) ....
في الليل الأخرس
في جب العتمة
وعناكب وحدته
تلوي بخيوط قتامتها عنقه
خرجت من جوفه أهات حرَّى
غرستها ذات رصيف أوااااه

يعود الشاعر لما بدأ به قصيدة الوجع ( الليل ) الذي كان في بداية النص يبكي مغرورقا بفيض دمعه وقد أصبح أخرسا ولم يكن أخرسا فقط بل قابعا في قاع جب العتمة حيث لا أمل ولا بصيص شعاع من نور يبدد تلك العتمة ....
لم يكن إلا عناكب ماهرة في غزل خيوط المشنقة لتلفها حول عنق روحه تلك التي استعارت صرختها الأخيرة أهات حارقة
كانت هي كل رصيدها من جنى المحصول المتبعثر على رصيف العمر ( أوااااه )

العميد الباذخ الوجع

الزيــــــــــاد

أحتاج الآن لبضع دقائق التقط فيها أنفاسي المكتومة ودهشتي الـ تنزُّ ألما وانبهارا معا

نص أقل ما يقال في حقه إنه مــُوجع حد الإغماء ...........

لله درك كيف تصطاد من أدغال الابجدية هذه الأيائل وتقودها طائعة مختارة لتزين بها خِباء مضارب الفينيق

دمت سيدي بكل الألق وكل التوهج ودام بك الإبداع طاغيا ....

مودتي والتقدير

فدوى كنعان




النص : لأجلهِ يُضيءُ سَوادي
الناص : سلطان الزيادنة
قراءة : فدوى كنعان


النص
ـــــــــــــــــــــــــ


لأجلهِ يُضيءُ سَوادي


لَكَم حاصَرتنا العيونُ
بضيقِ المَرايا
لكَم أوقعتنا الأماني
بَوهمِ الحياهْ
تُراها لِمنْ؟!
وليسَ سِوى البؤسِ مِنها
وفيض ظلامٍ
يشجّرُ أشباحَهُ في مَدانا
يناهضُ لونَ رؤانا
ويمطِرُنا في النهايةِ
غُسلَ عَماهْ
أشدُّ نياطَ الكلامِ
لعلَّ القصيدةَ تنسى
ولكِنْ
بعيدٌ هو الدربُ للأغنياتِ
قريبٌ لصيقٌُ
نزيفُ الشِّفاهْ
وبالرغمِ عني
يَقولونَ غَنِّ!
فكيفَ أغني
وما عدتُ أملكُ ناياً يقولُ بلادي
ولا عادَ لي
في سفوحِ الجبالِ شِياهْ؟!
نَستنا عَناوينُنا
ومواويلنا
وحادي الجِراحِ
على نَغمِ المِلح ِ
خطّ خُطاهْ
لنخرُجْ إذَن
من إطارِ النُّكوصِ
نشاكسُ نسيانَنا المترامي
ونقرأُ آخرَ سطرٍ نَساهْ
لقد بيعَ تاريخُنا في المَزادِ
تُراباً كوَتهُ الهَزائمُ
حتّى سَماهْ
وسادِنُ مَعبَدِنا
يتلفعُ بُردَةَ طُهرهِ جَهراً
ويَعرى
إذا ما خَلا بِخباءٍ
وهاتِفُ خَصرٍ دَعاهْ
عزيزُ البِلادِ
على وَقعِ إنْ كانَ قَدْ قُدَّ مِن دُبُرٍ
تَهلّلَ وَجهُ تُقاهْ
و في نَشوَةِ الزَّهوِ
عاقبَ زوجَهُ صُبحاً
وراودَ ليلاًً فتاهْ
فيا وطناً يَحزنُ مِن أجلِ حُزني
وحينَ أجيءُ إليهِ قتيلاً
يغطّي دَمي بِدماهْ
إذا حَرموكَ السواقيَ غِلاً
وحثّوا الغمامَ ليمنعَ عنكَ الهُطولا
ففَجِرْ بُروقكَ
واضرِبْ برِجلِكَ أرضَ اليَبابِ
تفورُ نخيلا
وإن أطفأوا في سمائكِ كُلَّ النجومِ
فهذي عيوني سأُشعِلهنَّ
لقنديلكَ المُنطَفي والكئيبِ فَتيلا
وإنْ نامَ طيرُ الأسى في أمانيكَ
واستعذَبَ اليأسُ فيكَ المَقيلا
فحاذرْ
ولا تذبَحنَّ خيولَ الإيابِ
ولو أعدَموها الصَّهيلا
فمِنْ شاهدي
سَيقومُ النَّهارُ
ويَرسمُ فوقَ ذراعيكَ
مَرجاً مِن الأغنياتِ
ويُهدي حَماماتِك الصّامتاتِ
الهَديلا
فقطْ
عِشْ
وَدعني أموتُ قليلا
فقطْ عِشْ
وَدعني
أموتُ
قليلا...


فعولن وبناتها



القراءة
ــــــــــــــــــــــ

الجرعة الأولى :
لكــم حاصرتنا العيون بضيق المرايا ........
كم الخبرية التي توحي بالكثرة المفرطة الوجع وليتها توقفت عند هذا بل هو وجع معكوس في المرايا التي ضاقت عن كل بارقة سوى الألم .... وكأني بالحصار مضعـَّـف
الجرعة الثانية :
لكَم أوقعتنا الأماني
بَوهمِ الحياهْ
تُراها لِمنْ؟!
وليسَ سِوى البؤسِ مِنها
وفيض ظلامٍ

أواااه من أماني لا تربو إلا في حضن الوهم تكبر وتكبر وتتناسل كفقاعات ملونة تسر الحالمين وقبل انفراج الشفاه عن شبه ابتسامة تتلاشى الألوان الجميلة مخلفة عتمة وألوان توحدت في القتامة ....
الجرعة الثالثة :
أشدُّ نياطَ الكلامِ
لعلَّ القصيدةَ تنسى
ولكِنْ
بعيدٌ هو الدربُ للأغنياتِ
قريبٌ لصيقٌُ
نزيفُ الشِّفاهْ
وبالرغمِ عني
يَقولونَ غَنِّ!

وكغريق يتعلق بغصن شجرة انحنى يوشوش الموج ... ينجو الغريق ليجد نفسه وحيدا على جزيرة نائية تحت شجرة متوحشة تمتص رحيق الحياة .... ثم تقول للغريق غنِِ ....
الجرعة الرابعة :
***فكيفَ أغني
وما عدتُ أملكُ ناياً يقولُ بلادي
ولا عادَ لي
في سفوحِ الجبالِ شِياهْ؟!
نَستنا عَناوينُنا
ومواويلنا
وحادي الجِراحِ
على نَغمِ المِلح ِ
خطّ خُطاهْ
وهل يغني من بـِيع نايه في مزادات الغدر والخيانات ورُشت جراحه بملح خشن ؟
الجرعة الخامسة :
لنخرُجْ إذَن
من إطارِ النُّكوصِ
نشاكسُ نسيانَنا المترامي
ونقرأُ آخرَ سطرٍ نَساهْ
لقد بيعَ تاريخُنا في المَزادِ
تُراباً كوَتهُ الهَزائمُ
حتّى سَماهْ
وسادِنُ مَعبَدِنا
يتلفعُ بُردَةَ طُهرهِ جَهراً
ويَعرى
إذا ما خَلا بِخباءٍ
وهاتِفُ خَصرٍ دَعاهْ
عزيزُ البِلادِ
على وَقعِ إنْ كانَ قَدْ قُدَّ مِن دُبُرٍ
تَهلّلَ وَجهُ تُقاهْ
و في نَشوَةِ الزَّهوِ
عاقبَ زوجَهُ صُبحاً
وراودَ ليلاًً فتاهْ

للأسف هذه الجرعة خلت من المُسَكنات وكأني بها منبهات عودة لمربط الفرس وبيت القصيد ونبش وتشخيص لحالة مستعصية فجاءت النتائج عارية من كل ستر وما حمله التناص من النص القرآني في سورة يوسف عليه السلام لما حِـيك في الظلام وراء الأبواب المغلقة يشير إلى تلك المزادات التي بيع فيها الناي والحب والوطن وكان الثمن دراهم بخس ....
أُنفقت في ملاهي الليل الماجن وبعض عباءات وجاهة وزيوت مرطبة لتمشيط اللحى الوقورة .....
الجرعة الأخيرة :
فيا وطناً يَحزنُ مِن أجلِ حُزني
وحينَ أجيءُ إليهِ قتيلاً
يغطّي دَمي بِدماهْ
إذا حَرموكَ السواقيَ غِلاً
وحثّوا الغمامَ ليمنعَ عنكَ الهُطولا
ففَجِرْ بُروقكَ
واضرِبْ برِجلِكَ أرضَ اليَبابِ
تفورُ نخيلا
وإن أطفأوا في سمائكِ كُلَّ النجومِ
فهذي عيوني سأُشعِلهنَّ
لقنديلكَ المُنطَفي والكئيبِ فَتيلا
وإنْ نامَ طيرُ الأسى في أمانيكَ
واستعذَبَ اليأسُ فيكَ المَقيلا
فحاذرْ
ولا تذبَحنَّ خيولَ الإيابِ
ولو أعدَموها الصَّهيلا
فمِنْ شاهدي
سَيقومُ النَّهارُ
ويَرسمُ فوقَ ذراعيكَ
مَرجاً مِن الأغنياتِ
ويُهدي حَماماتِك الصّامتاتِ
الهَديلا
فقطْ
عِشْ
وَدعني أموتُ قليلا
فقطْ عِشْ
وَدعني
أموتُ
قليلا...


صحوة رغم الألم والوجع وتضحيات ذات ما استعذبت الحياة المريرة فقدمت روحها قربانا متقبلا على مذبح القيم والمبادئ النبيلة .... نموت نموت ويحيا الوطن ..........
سلطان الشعر والألق ولازالت الجرعة مستمرة البوح ولا زلت أعجز عن إيجاد وصف يليق

مبدع أنت سيدي لا فض فوك

مودتي والتقدير

فدوى كنعان



الناص : عدنان حماد
قراءة : فدوى كنعان

النص :

لا لن أكون محايدا حين اقتناص الرعد للتمثال في لجج الظلام


لا لن أكون محايدا حين انزياح البرق عن لغة الإمام


فالفعل يطلب فاعلا زهد النجاة


لا تَبن للمجهول أشياء الصلاة


****


مرٌ كدمع نسائنا هذا النزيف الفوضويْ


من أين ابدأ بالكلام


والحزم يطلب فارسا


حمل الثقاب بكفه


ليقول لا


أتضيع من شفتيك لا



فتجفّ في حلقي اللغة


ويتوه عن شفتي المجاز


ماذا تبقى من نواميس العروبة غير ذرات الرمال ونخلة أو خيمة وأبي رغال





ماذا تبقى وابن حربٍ صار يعتمر العقال


لا شيء إلا صوت نائلةٍ يموسقه إساف


والنفط خلف النطف يجتنب العفاف





*******


بردٌ كعيد صغارنا هذا النشيج الوحدوي


لا لست أعرف غير أمٍ واحدة


أمي تثاقل قيدها


أمي تغطرس ليلها والسوط يلهب ظهرها


لكن أمي لا تبيع ولاءها


أمي تجود بابنها وبابنها


وبابنها للا نهاية في العطاء وفي العدد


أنا أميّ العذراء يحفظها الخباء وتحفظه


وتقول لا


قديسة أمي وأمي لا يباح بساطها للسابلين


قديسة أمي وأمي الشاهده


أمي الشهادة والشهيد


أمي تكاد فروعها تصل السما


نورا وما مست بنار


لا تيأسي ما زلت سيدة المجرة


لا تيأسي ما زلت سيدة البسيطة


ودعي ابن جهور لابن جهور


لا خالتي لا عمتي لا جدتي


أنت البصيرة والبصر





**


عما سأبحث في رغاء النفط والصحراء والغاز المُسالْ


عمّا سأبحث في غبار الغابرين





عن نخلة أم خيمة ونويقة أم مملكه


وإمارة أمّارة بالأمركه


**


عما سأبحث في الهواء المر


عن سُنبله أم قنبله


أم عن أضابير الطغاة المهمله


أم لعبة الألغاز في فتوى الإمام المذهله


**


عما سأبحث في رمال الخائرين


عن منحة أم معجزه


والدين كالدولار يحسب صرفه حسب اقتضاء المرحله


عهر منابرهم


كذب مآثرهم


تاريخهم كذب
ما أهون العرب
ما أهون العرب


***


لمي فروعك وانثري في الكون هالات الضيا


وتبوئي فينا أحاديث الفدا


وتشكلي من صوت كنعان الفخار أو الوسام أو السما


وحذار من كذب الملوك وحاذري سقط القمم


أنت القصيدة والعقيدة والقيم


**


لا حج هذا العام إلا أن يحاججك الملوك ليقنعوك بلا جُناح إذا جنحت إلى السلام فحاذري


ان يسقطوك وحاذري هذا البعير الأطلسي وحاذري تلك الأكف ببطنها ربضت قُريضه


دُسُرا تُعدُّ وتقتفي أثر المسيح

تغتال من تغتال في الوطن الجريح





تفعيلة متفاعلن واخواتها





الرؤية الذاتية :


لا لن أكون محايدا حين اقتناص الرعد للتمثال في لجج الظلام
لا لن أكون محايدا حين انزياح البرق عن لغة الإمام
فالفعل يطلب فاعلا زهد النجاة
لا تَبن للمجهول أشياء الصلاة

من أول حرفين ... أول كلمة ( لا ) و( لن ) النافيتان وكأني بالناص يـُظهر من أول الكلام تمرده و ثورته بشكل قاطع لا يقبل الجدل أو التأويل .... إذن هي نفس حرة أبية لا تقبل التشييء
ولا أن تكون تابعة تصفق إن صفق القوم وتبكي إن بكوا وتبصم على صكوك غفرانهم .......... إنه رفض الحياد والوقوف في الظل أو إغلاق الباب الذي تأتي منه الريح حرصا على السلامة ... ( لن أكون محايدا حين اقتناص الرعد للتمثال في لجج الظلام ) صورة قوية لها صوت مدوي أوحت به كلمة ( الرعد ) إذن فالنص يبدأ بإدراك سمعي قوي يآزره التضاد المعنوي في إيحاء كلمة ( التمثال ) التي توحي بالصمت والعجز ... إذن : صمت و دوي أوليس هذا واقع التناقضات التي تتقاذفنا ؟ ثم اللون ( الظلام ) العتمة السواد وما تشي به هذه الكلمات من خوف ورهبة ومع ذلك فإن الشاعر يتصدى لكل هذه المخاوف التي يراها استلابا للإنسانية
فيردف بالنفي الصريح ذاته ( لا لن أكون محايدا حين انزياح البرق عن لغة الإمام ) قمة التمرد والثورة هنا حين تعلن الذات الشاعرة خروجها عن الولاء المهين للحكام حين يغمضون أعينهم عن شمس الحقيقة المغيبة قسرا أو طوعا ...... فللشاعر رؤاه المشرقة التي لا تؤول بمنطق التبعية ....
( فالفعل يطلب فاعلا زهد النجاة *** لا تبن للمجهول أشياء الصلاة )
هذا البيت تحديدا يـُظهر المقدرة اللغوية الفارهة لدى الشاعر حيث تمكن من توظيف قاعدة نحوية للتدليل على فكرة يؤمن بها
الفعل في اللغة لابد له من فاعل وإن لم يـُذكر الفاعل فلابد من وجود نائب عنه ..... لكن فعل الوجود ... فعل الكرامة والحرية والعزة والإباء لا بد له من فاعل يحمل روحه على كفيه ويزهد في الحياة ... في النجاة ...... وفي مثل هذه الأحوال لا يبن الفعل للمجهول كما الصلاة لا بد لها من مصلٍ بذاته لا ينوب عنه أي كان ......
مر كدمع نسائنا هذا النزيف الفوضوي
من أين أبدأ بالكلام
والحزم يطلب فارسا
حمل الثقاب بكفه
ليقول لا ......
أتضيع من شفتيك لا ؟
فتجف في حلقي اللغة
ويتوه من شفتي المجاز

ويا لمرارة هذا النزيف ..... !! وليته كان مجرد نزيف بل اعترته الفوضى والمرار... هي أمتنا
أمنا التي تنزف دمعها ودماءها حد الفوضى المهلكة ...... ضاع الكلام لكثرة الكلام ( من أين أبدأ بالكلام ) هذه الحيرة التي انتابت الذات الشاعرة الرافضة لم تكن عن عجز أو قصور في اللغة بل لأن البوح يطلب فارسا يحمل بيديه جذوة تمزق عتمة الصمت الرهيب .... الخنوع لدرجة فقد الإحساس فما عاد للألم فعل أو ردة فعل .....
( أتضيع من شفتيك لا ؟ فتجف في حلقي اللغة ويتوه من شفتي المجاز ) الاستفهام الذي يحمل الاستنكار والتحسر وكأن اللغة لا تستقيم ولا تكتسب شرعية وجودها إلا بوجود هذه الـ ( لا )
فإن ضاعت جفت اللغة على عروشها وجفت في الحلق وتصلبت .... ويغدو المجاز تائها لا مأوى ولا ملاذ ...... إذن هذه الـ ( لا ) حتمية بها تكتمل دورة اللغة ... الحياة ... الإباء ....
(ماذا تبقى من نواميس العروبة غير ذرات الرمال ونخلة أو خيمة وأبي رغال ؟ ) استفهام آخر يحمل كل التحسر والأسى فماذا تبقى لعروبتنا غير ماضٍ هو كل رصيدنا الذي ندخل به
مزادات التفاخر والتباهي واستعراض تحفنا الأثرية .......

ماذا تبقى وابن حرب صار يعتمر العقال
لا شيء إلا صوت نائلة يموسقه إساف
والنفط خلف النطف يجتنب العفاف ؟

العودة هنا لمواصلة الاستفهامات المتحولة إلى أصابع اتهام وإدانة ... في هذا المقطع تظهر استقراءات الشاعر للتاريخ وعرض شريحة صغيرة من شرائح تكوينه ذلك بالتعريج على ذكر آلهة قديمة كان العرب يجلونها ويقدسونها مع علمهم التام بأنها لاتملك لنفسها ضرا ولا نفعا ... إذن ما الذي حدث ؟ هل هو التعامي عن الحقيقة المكممة الفم المقيدة بأصفاد التخاذل والاستسلام
هذا ما تبقى من ذلك الرصيد .... لكن يستدرك الشاعر الأمر ويضيف إلى هذا الرصيد التليد
رصيدا حاضرا جديدا غطى على كل القيم والمبادئ ( النفط ) ذاك الزيت الأسود اللزج الذي يمتهن تدنيس العفاف ليتدفق أكثر وأكثر .... استخدام الشاعر لكلمتي ( النفط ) و( النطف ) موفق جدا حيث الجناس الناقص الذي أضفى على المعنى عمقا وحضورا ومنح الأسلوب قوة
حيث جاء هذا المحسن البديعي طبيعيا جدا بدون أي تعمل أو تكلف ....
برد كعيد صغارنا هذا النشيج الوحدوي
لا لست أعرف غير أم واحدة
أمي تثاقل قيدها
أمي تغطرس ليلها
والسوط يلهب ظهرها لكن أمي لا تبيع ولاءها
أمي تجود بابنها وبابنها
وبابنها للانهاية في العطاء وفي العدد
أنا أمي العذراء يحفظها الخباء وتحفظه
وتقول لا
قديسة أمي وأمي شاهدة
أمي الشهادة والشهيد
أمي تكاد فروعها تصل السما
نورا وما مست بنار
لا تيأسي مازلت سيدة المجرة
لا تيأسي مازلت سيدة البسيطة
ودعي ابن جهور لابن جهور
لا خالتي لا عمتي
أنت البصيرة والبصر

في هذا الجزء الموغل في العاطفة والشهامة والنخوة يخاطب الشاعر الوطن ... الأم ... مبتدئاً بذكر أول متعلقات الأم وهو الصغار الذين تجمدوا من برد التخاذل والانكسارات والخيبات تلو الخيبات .... ومثل بردهم ذاك كان هذا النشيج ... النزيف .... والشاعر لا يستبدل هذه الأم الوطن ولا يعرف غيرها مهما اشتد وجع الفقد ومرارة القيد .... لكنه بدأ بتشخيص الوجع ليطرح في نهاية النص الدواء المناسب
( أمي تغطرس ليلها والسوط يلهب ظهرها ) تضافرت الآلام واجتمع العذاب حزمات من سياط قرّحت الجسد الطاهر ومع ذلك كله فإن روح الإصرار والمقاومة مازالت باقية إلى آخر المدى
لا للتنازل لا للتفاوض لا لأنصاف الحلول فإما أن نكون أو لا نكون .... لا لعهر السلام وأرصدة باليورو والدولار ... ومازلت الأرض الأم تجود وتجود بعطاء بلا حدود ... تقدم أبناءها الواحد تلو الآخر تشيعهم إلى الجنة مزغردة وقد تخضبت كفاها بدمائهم الزكية
أيعادل هذا الخضاب نفط قميء أو موائد قمار ومعاطف من فراء أطفالنا الذين أكلتهم الثعالب والذئاب ......... ؟
يواصل الشاعر الحديث عن الأم القديسة تلك التي احتمت بمضاربها وقالت لا وألف لا لن تركع ولن تستسلم ولن تشترى فهي الشاهدة وهي الشهيدة هي القديسة والطاهرة والصديقة
هي شجرة زيتون في بلادي لامست فروعها عنان السماء واشتعلت نورا لا نار تضيء بقبسها
درب الكفاح مدى الحياة ولآخر المشوار ....
فلا تيأسي يا أم مهما تكالبت المصالح والمطامع وصفقات السلام الموبوءة في أقبية الفجور والتنازلات الرخيصة .......... ستبقى يا وطني سيد الموقف وترابك الطاهر تاج الرؤوس التي لم ولن تنحني يوما ............ فأنت النور وأنت البصيرة والبصر .....
عما سأبحث في رغاء النفط والصحراء والغاز المسال
عما سأبحث في غبار الغابرين
عن نخلة أم خيمة ونويقة أم مملكه وإمارة أمارة بالأمركة
عما سأبحث في الهواء المر
عن سنبله أم قنبله
أم عن أضابير الطغاة المهمله
أم لعبة الألغاز في فتوى الإمام المذهلة
عما سأبحث في رمال الخائرين
عن منحة أم معجزة
والدين كالدولار يحسب صرفه حسب اقتضاء المرحله
عهر منابرهم
كذب مآثرهم
تاريخهم كذبا ما أهون العرب
ما أهون العرب

تعود تهويمات الانكسارات والهزائم النفسية قبل الحربية والشعور بالخواء والفراغ لتسيطر على جو النص فتعلوه مرارة وغصة بالحلق تقف .... عن أي شيء يا ترى سنبحث في هذا الحاضر ؟ الأرض وقد اكتظت بالمستعمرات والمستوطنات !! حتى الهواء قد أصبح مرا بطعم الحنظل لم تعد السنابل تنحني امتلاءً بالخير والرغد فقد اسْتـُبْدِلَت السنبلة بالقنبلة المحشوة بأشلاء
الأطفال وأرحام النساء .... عن أي شيء سنبحث في رمال الخيبات ؟ عن معجزة تنتشلنا من وَحْل المذلات ... ؟
فالدين الذي كان عاصمنا وناصرنا ذات زمن قد أصبحت فتاويه الآن حسب ما تتطلبه المرحلة
ويقتضيه الولاء لأسياد البيت الأبيض لكي ننال الرضا ونحوز القبول ... ماذا بعد أن أصبحت إمارتنا تأتمر بالأمركة ... ؟ والتقرير هنا بالنتيجة المرّة ( عهر منابرهم ) كذب مآثرهم ما أهون العرب ......... الجناس أيضا هنا كان رائعا مؤديا الغرض باحتراف وبراعة : (إمارة – أمّارة – أمركة )
لمي فروعك وانثري في الكون هالات الضيا
وتبوئي فينا أحاديث الفضا
وتشكلي من صوت كنعان الفخار أو الوسام أو السما
وحذار من كذب الملوك وحاذري سقط القمم
أنت القصيدة والعقيدة والقيم
لا حج هذا العام إلا أن يحاججك الملوك ليقنعوك
جناح إذا جنحت إلى السلام فحاذري
أن يسقطوك وحاذري هذا البعير الأطلسي وحاذري تلك
الأكف ببطنها ربضت قريضه
دسرا تعد وتقتفي أثر المسيح
تغتال من تغتال في الوطن الجريح

روح المقاومة تنبعث من جديد .... تنهض الذات الشاعرة من تحت الرماد تنبعث فحيح نار غاضبة ويقين من أن أمتنا كانت خير أمة أخرجت للناس وستبقى فلنا في رصيد التاريخ الفخار وأوسمة الضياء .... تتوالى تحذيرات الشاعر للأم الوطن من كذب الملوك وكأني به يردد في الخفاء قولة بلقيس إن الملوك إذا دخلوا قرية جعلوا أعزتها أذلاء فلا للملوك ولا لبروقهم الواعدة الـ تقطر تخاذلا وانحدارا نحو سحيق المهانة ...... الوطن الجريح مازال مطمعا لمن استتروا خلف تضحيات المسيح فأعدوا سرا ألف مُدية تسافر في جرح الوطن فحذار ثم حذار يا أمة الصمود والنضال ........

الرؤية الفنية للنص :
اللغة
كانت اللغة في النص من ذلك النوع السهل الممتنع الذي لا يحتاج لمعاجم أو قواميس لفك تشفيرها لكنها في معظمها كانت تحمل المستوى الثاني أو الثالث الفكرة المطروحة
( فالفعل يطلب فاعلا زهد النجاة --- لا تَبن للمجهول أشياء الصلاة ) (لا شيء إلا صوت نائلة يموسقه إساف -- والنفط خلف النطف يجتنب العفاف ؟ ) (لا خالتي لا عمتي -- أنت البصيرة والبصر ) (والدين كالدولار يحسب صرفه حسب اقتضاء المرحله ) (فحاذري أن يسقطوك وحاذري هذا البعير الأطلسي ) مع ملاحظة أن الألفاظ وقد تنوعت في دلالتها وإيحاءاتها كانت بمثابة خلفية عاطفية متحركة للمتلقي تحمله من عاطفة إلى أخرى الغضب – الأسى – الرفض – الثورة – وأخيرا الإيمان بأن أمتنا هي خير أمة أخرجت للناس وهنا كانت العاطفة المتوازنة التي أوصلتنا إليها المدلولات المختلفة للألفاظ
الصور :
تعتبر الصور من أهم عناصر الأسلوب الأدبي إذ إن الأديب يلجأ عادة إلى تغليف أفكاره وتثبيتها عن طريق الصور كما أنها توقظ العواطف فهي لغتها التصويرية
وقد ركز الشاعر على الاستعارات أكثر من التشبيهات لأن الاستعارة لها من قوة الإيحاء والتصوير أكثر وهي قادرة على إبراز الأشياء المألوفة في صورة فنية مغايرة لما تعارف عليه الناس (حين اقتناص الرعد للتمثال في لجج الظلام -- حين انزياح البرق عن لغة الإمام ---
أتضيع من شفتيك لا ؟ -- فتجف في حلقي اللغة -- ويتوه من شفتي المجاز -- والسوط يلهب ظهرها لكن أمي لا تبيع ولاءها -- أمي تكاد فروعها تصل السما -- نورا وما مست بنار –
لمي فروعك وانثري في الكون هالات الضيا )

جاءت الصور منسجمة تماما مع فكرة القصيدة واستطاع الشاعر يجعل المتلقي يتأثر بمعاناته وأن يعيش معه أجواء النص المفعمة بالغضب والحزن والرفض والتحدي من خلال هذا التصوير البانورامي والثلاثي الأبعاد
العاطفة
الدافع وراء عاطفة هذه القصيدة هو دافع وجداني ذاتي وجماعي في آن فهو يعبر عن عاطفة إنسانية فالحب للوطن والحرص على الوطن والخوف على الوطن ( الأم – الوطن )
لذلك لم يكن هناك أدنى مجال للتشكيك في صدقها لأنها تعبر عن حالات من الألم والغضب والرفض التي كانت تسيطر على جو النص
الأسلوب
استطاع الشاعر أن يوظف إمكانات اللغة في سبيل إيصال فكرته إلى المتلقي التي تمثل ماضي جدير به أن يـُـخلد ليظل رصيدا وإرثا تتعاقب عليه الأجيال .. وحاضر تمثل في وَرَثة هذا الإرث الديني والثقافي وقد بددوا هذه الثروة على موائد القمار والتنازلات الرخيصة في ملاهي صهيو أمريكية الليل .....
الموسيقى
كانت الموسيقى جلية واضحة في النص من خلال تفعيلة الكامل ( متفاعلن ) ذات الصوت الموسيقي الرزين الحزين والصلب أيضا وقد اقترنت هذه التفعيلة بصبغة الحزن والأنين حتى يكاد المتلقي يشعر بنغمة الصراخ في تنبعث في القصيدة منذ مطلعها ( لا لن أكون محايدا )
كما كانت هناك موسيقى أخرى تسللت للنص بشكل تلقائي جدا لكنها أحدثت نغما قويا واضحا ذلك من خلال الجناس التام والناقص في بعض الأبيات ( النطف والنفط , إمارة وأمارة ، نورا و نار , الوسام والسما , الضيا والفضا , القصيدة والعقيدة , حج ويحاججك )

الشاعر القدير المبدع
العدناني العربي حامل هموم الوطن في جعبة حروفه وسني عمره
كنت قد وقفت بهذا العمل الإبداعي القمة أكثر من مرة وفي كل مرة كنت أشعر أنني لم أوفه حقه من التأمل ولم أوفِ عيني حقها من التمتع .........
بقدر الألم المنبعث من خلف السطور كانت ثقتي أن أمة بها أصوات صادحة بالحق كصوتكم لا تخشى في الله لومة لائم فلن يخذلها الله أبدا ........

دمت أستاذي القدير بكل الود ودام بك الإبداع ساطعا
هي قراءة ذات موجوعة كان حرفكم ينبش في هشيمها فاشتعلت
آمل أن أكون قد لامست بعضا من سحر هذا النص الباذخ الألق
مودتي والتقدير

فدوى كنعان




النص : الهبــوطُ إلى سـِــــدرةِ النـَــــوْح
الشاعر : محمد العموش
قراءة : فدوى كنعان



النص
ـــــــــــــــــ


لا مــرفــأٌ في لجـَّــةِ الكلمـــاتِ
وأنـا الفتــى المصـلوبُ فوقَ ..دواتـي
أشــدو .. لأبعثَ في شــراعِ عزيمتـي
أمـلاً .. وتضحكُ خيبــةً .. مرســاتي
مارستُ وجهيَ ، وانتصرتُ لذاتي
وشفيتُ ضعفي من دمِ اللذاتِ
عرَّيتُ روحي والرياشُ تحوطني
ولبستُ طهري في احتفالِ عـُـراةِ
ثم انكفأتُ إلى الأمام مصليَّـاً
بجماعةٍ من أطهـرِ الشهقاتِ
وتلوتُ سورةَ لثغتي مترنحاً
وعرجتُ في جمعٍ من الأنـّـاتِ
في الطينِ ذيلي ، حين كانت جبهتي
تسـتقبلُ الأنوارَ بالسجداتِ
عـامـانِ محبـوسٌ.. ولا متَـنَـفَّسٌ
لا شــيءَ أعكسُـهُ سـوى مأسـاتي
يــا آخــرَ امــرأةٍ أُولـِّـي شطـرها
وجــهَ القصيــدةِ فاقبلـــي صــلواتي
البحــرُ .. مــرآةُ السمــاءِ يشـِفُّ عن
ألقِ النجــومِ .. وأنتِ لــي .. مــرآتي
والريــحُ .. ممحــاةُ الرمــالِ تُـعيدُها
صفــواً من الآثــارِ ... والخـُـطـواتِ
أنـا .. لوحــةُ الجـرحِ المعتـَّـقِ ليس لي
إلا يـــداكِ ... جعلتـُـهــا .. ممحـاتي
أنــا خــاتمُ الأوجــاعِ .. آخـرُ شهـقةٍ
مكبوتةٍ ... وُلِــدتْ من المـأســـاةِ
هــذا أنـا ... كقصيــدةٍ .. لـم تكتــملْ
إلا بوجـهـــكِ ... أجمــلِ الأبيـــاتِ





القراءة
ــــــــــــــــــــ


الشاعر القدير

محمد العموش

أولا أرحب بعودتك إلى بيتك الفينيق والعود أحمد ثم إنه ......... قرأت هنا شعرا

يغوي باقتراف الكتابة والتنقيب والبحث ولكنني وجدت قصيدكم هذا وكأنه برقية مستعجلة لمن يهمه الأمر ففتح ذلك شهية الفضول لدي كمتلقي ..........

ففي البدء كانت التوطئة التي تمسك بتلابيب فضول القارئ لمعرفة سر هذا المطلع اليائس مع الإشارة والتنويه لما تمتلكه الذات الشاعرة من ترف لغوي( أشــدو ) .. لأبعثَ في شــراعِ عزيمتـي أمـلاً .. وتضحكُ خيبــةً .. مرســاتي هنا تؤكد الذات الشاعرة حبها للحياة يتضح ذلك من الفعل ( أشدو )
الفعل المضارع الذي يدل على استمرارية الحدوث ويوحي برغبة في خلق أجواء من الوئام والتوافق مع الحياة مع اشتداد مرارها .... الذات الشاعرة هنا تدرك تماما الواقع الذي يكتنفها لكنها تمتلك من الإرادة ما يدفعها لتشدو ولو ألماً .........
( مارست وجهيَ ، وانتصرتُ لذاتي وشفيتُ ضعفي من دمِ اللذاتِ ) ( مارست وجهي ( وهنا المزيد من التأكيد على مزاولة الذات الشاعرة لحياتها كإنسان خـُلق من طين ولم يكن اختيار لفظ الوجه هنا عشوائيا بل لأن الوجه هو مقدم الإنسان ومرآة روحه ودواخله وقد تمكنت بذلك من استئصال أدران الضعف البشري التي تنمو على جلد الواقع الخشن أو ربما سطحه الأملس كحجر صوان لا يحتفظ بقطرة مزن ......
عرَّيتُ روحي والرياشُ تحوطني ولبستُ طهري في احتفالِ عـُـراةِ
في هذا البيت ينتاب الذات الشاعرة بعض من غرور هي حقينة به لا لشيء إلا بعودتها لـِكـُنهِ الروح الحقيقية وكأن الشاعر يشير بهذا البيت إلى قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير....
ثم انكفأتُ إلى الأمام مصليَّـاً بجماعةٍ من أطهـرِ الشهقاتِ … وتلوتُ سورةَ لثغتي مترنحاً وعرجتُ في جمعٍ من الأنـّـاتِ
تتلو الذات الشاعرة في هذه الأبيات صلواتها في محراب الوجع والأنين رغم ما اكتنفها من مشاق الترتيل توحي بتلك المشاق لفظة ( لثغتي ) ولا يخفى مدلول ذلك من تحدي وإصرار على مجابهة الوجع ولو بالوجع ........
في الطينِ ذيلي ، حين كانت جبهتي تسـتقبلُ الأنوارَ بالسجداتِ
استوقفني هذا البيت طويلا الذي جمع بين نقيضين ( ذيلي - جبهتي ) ولا يخفى الأثر الجمالي الذي يحدثه التضاد في المعنى والقوة التي يـُكسبها له وكذلك في قوله ( الطين - الأنوار ) في الطين ذيلي إنها البشرية والآدمية التي لا يتنصل منها إلا من تنكر لإنسانيته فلكلمة الطين مدلول بشري محض يقود المتلقي ليسافر في هذه النفس ويحاول تخمين رؤاها ومعطيات واقعها وحاضرها ... إلا أن هذه النفس المخلوقة من الطين لم تنس أن بها نفحة من روح الله سبحانه وتعالى فحين كان الطين يشده للخلف كانت جبهته - وهي مقدم رأس الإنسان ورمز علوه - كانت تسجد في نفحات نورانية ......... لقد اختزل هذا البيت تقلبات النفس البشرية واختلاف أمزجتها وظروفها المحيطة بها .....

عـامـانِ محبـوسٌ.. ولا متَـنَـفَّسٌ لا شــيءَ أعكسُـهُ سـوى مأسـاتي
يــا آخــرَ امــرأةٍ أُولـِّـي شطـرها وجــهَ القصيــدةِ فاقبلـــي صــلواتي
البحــرُ .. مــرآةُ السمــاءِ يشـِفُّ عن ألقِ النجــومِ .. وأنتِ لــي .. مــرآتي
والريــحُ .. ممحــاةُ الرمــالِ تُـعيدُها صفــواً من الآثــارِ ... والخـُـطـواتِ
أنـا .. لوحــةُ الجـرحِ المعتـَّـقِ ليس لي إلا يـــديكِ ... جعلتـُـهــا .. ممحـاتي
أنــا خــاتمُ الأوجــاعِ .. آخـرُ شهـقةٍ مكبوتةٍ ... وُلِــدتْ من المـأســـاةِ
هــذا أنـا ... كقصيــدةٍ .. لـم تكتــملْ إلا بوجـهـــكِ ... أجمل الأبيات

في المقطع الأخير من القصيدة تترنح الذات الشاعرة بين اليأس والأمل واليقين ، ذلك اليأس الذي مهدت له في البيت الأول ......... (عامان محبوس ).... ترى أي حبس ذاك التي كانت تعاني منه تلك الذات التي لم تجد متنفسا ألا ترديد مأساتها وكأني به حبس الروح داخل زنزانة الجسد أو زنزانة الغياب والفقد وشى بذلك ما تلا هذا البيت من أبيات فقد وجه الحديث مباشرة لامرأة ما هي آخر النساء التي يقولها وينشدها ويرتلها تميمة يتمنى أن تصلها صلواته يوحي هذا البيت ربما بمرافئ قديمة كانت بلا منارات فتاهت عنها زوارق القصيد وغرقت في لجج التيه والفقد .... يختم الشاعر قصيده بقوله : أنــا خــاتمُ الأوجــاعِ .. آخـرُ شهـقةٍ .... مكبوتةٍ ... وُلِــدتْ من المـأســـاةِ هنا تعود الذات الشاعرة لتلك التوطئة التي قدمت لها في البيت الأول .... إلى ذلك اليأس والوجع لكنها أيضا تحمل في جنباتها شيئا من تضحية ربما كانت تشير إلى تقمصها دور المسيح فتحمل كل خطايا البشر لتطهرهم فقبلت الذات الشاعرة أن تكون هي خاتمة الأوجاع التي تولد من رحم المأساة ..........
الشاعر القديرمحمد العموش :-

لن أجاملك كثيرا وأمتدح النص بما ليس فيه لكني سأصدقك القول وأحدثك عن الأثر الذي أحدثته هذه الكلمات في نفسي لأنها فعلا ولدت من خاصرة الوجع ....... فالحزن هو الوجه الحقيقي لصورتنا البشرية وهو الإحساس الأصدق الذي يعترينا أما الفرح فما هو إلا عارض طارئ أو زائر خفيف الظل لا يطيل المكوث وقد لا نشعر بقدومه إلا بعد أن يغادر لقد قرأت هنا صورا إنسانية متعددة لملامح واحدة تكفلت بترك كثير من الدهشة في نفسي وكل ما ذكرته آنفا ما هو إلا بعض انعكاسات لتلك الصور التي حفرتها الكلمات في أعماقي كمتذوقة ومُحبة للحرف الجميل أبدعت وتألقت أيها القدير كثير شكر لهذا الجمال الباذخ الذي كان من حظي أن وقفت به .......

مودتي وتقديري

فدوى كنعان



النص:لا ضِفافَ للغَريب.
الناص:سلطان الزيادنة


قالَ الشَّتاتُ
وَهوَ يوجِزُ الَّذي اعتراني
-من أسكنَ الأوطانَ في شِريانه
لا بدَّ أنْ يُعاني
-من أرفأ الحنينَ قلبَهُ
انتَهى في أطلَسي
بحراً بِلا مَواني.
وها أنا
وقَد مَحتْ مَكائدُ الظِّلِّ كَياني
أُغمِضُ عيني كَي أراني
بعدَ أن صِرتُ مجازاً متُعثِّراً
له طعمُ السَّرابِ
في فَم المَعاني
أنظرُ في الحاضر ِ
لا أرى سِوى
ما أتلَفَتْهُ الرّيحُ
في وجوهِ مَن تشرَّبوا الأحلامَ
والخيامَ
والأماني
وها أنا
أعودُ من جديدْ
أجمعُ من أظنُه أنا
ولكنْ لا نواحَ أستَطيعهُ ولا نَشيدْ
ويسألُ الغريبُ
- والغريبُ
آخِرُ الَّذينَ أرَّخوا للحلمِ
والرَّصيفِ والموتِ البليدْ-
كيفَ يُتوجُ الوصولُ دربَه
وقد رمى لَيلُ المنافي بالعَمى
بوصَلةَ الخَطوِ السَّديدْ؟!
وكيفَ يستَطيعُ أن يَرسوَ
في عينِ البعيدْ
ونهرهُ بلا زوارقٍ
وَبحرُ القاتلينِ
مِن جَليدْ؟...
مِن زحمة الظلال
قامَ قائلٌ
باسم السَّلامِ والسَّكينه
يا أيُّها الصوتُ الَّذي يجري لمستُحيلِه
بِلا خَرائطٍ ولا سَفينه
الأملُ الخدّاعُ أكذَبُ الرّؤى
وأميلُ الألوانِ للسَّوادِ
في العينِ الأمينه
قُم مُت ْ
فأولُ اغترابٍ كانَ
بعدما أطاع َ آدمُ الإنسانُ طينَه ْ
قم مُتْ
فبالموتِ فقط
يوقِفُ إنسانُك -إن تُرِد-
حَنينَهْ.




القراء : فدوى كنعان




لا ضفاف للغريب


الضفاف جمع ضفة والضفة هي ذلك الطرف من الماء الذي ينتهي على اليابس ،، إذن ومن البداية ( لا ضفاف ) أي لا أمن ولا بر أمان ولكن من هو الذي ينشد الأمن ؟ إنه الغريب ذلك الغريب الذي تشرد في المنافي و أدميت قدماه الحافيتين ... حيث كان يهرول جيئة وذهابا بين المرافئ ملوحا بمنديله الأبيض لزورق لن يرسو في مينائه ............. عرفت العرب منذ القديم العناوين المركبة تركيبا إضافيا وعنونت به جل مؤلفاتها ومصنفاتها ولا يخفى ما لذلك التركيب من قوة في التأثير والتعريف وقوة في لفت الأنظار .... والعنوان هو الذي يشي بمضمون النص ويقدم انطباعا أوليا عن الجو النفسي الذي يكتنف الموضوع ..... ( لا ضفاف للغريب ) العنوان وحده هنا قصة كاملة تناولت فضاء مكانيا وشخصية وحوارا مفروغا من أمره ثم خاتمة حتمية كانت الخاتمة في أول كلمة وهي ( لا )


قالَ الشَّتاتُ
وَهوَ يوجِزُ الَّذي اعتراني
-من أسكنَ الأوطانَ في شِريانه
لا بدَّ أنْ يُعاني

الراوي للنص هو الشتات أي البعثرة و التجزؤ وهنا تصبح الغربة معلما أو ربما شامتا يختزل ما اعترى الذات الشاعرة من ألم ومعاناة بكلماته ( من أسكن الأوطان في شريانه لابد أن يعاني ) الشعور بالاغتراب يلاحق الذات الشاعرة بل ويحتل كل مساحاتها الذهنية والنفسية حيث لا وطن حقيقي تعيش عليه بل وطن يسكن في الشريان و للوطن عدة دلالات أهمها الاستقرار والسكينة والطمأنينة والمرأة مكلومة هي الروح التي تعاني الفقد والغياب والاغتراب ....


-من أرفأ الحنينَ قلبَهُ
انتَهى في أطلَسي
بحراً بِلا مَواني.


ولا زال الشتات يردد أن من جعل( قلبه مرفأ للحنين انتهى في أطلسي بلا مواني ) هو الضياع والتشتت هو انكفاء القلب على وجعه واجترار الذكرى ....... جرار الماضي ملأى بالآهات المحترقة ... يتصاعد دخان القلب ورائحة الحريق تملأ رئة الروح .......


وقَد مَحتْ مَكائدُ الظِّلِّ كَياني
أُغمِضُ عيني كَي أراني

مكائد الظل ........ يا لهذا التعبير من وجع لم يكتفِ الفقد بتدبير المكائد التي من شانها سلخ الروح عن الجسد ، بل أن هذه المكائد قد دُبرت في الظل في الخفاء لتكون مباغتة ولا تخطئ هدفها فتصيب كبد الروح بخنجر ثم يتوه نصله فيها ، دلالة اللفظ هنا توحي بمقدار القتامة التي تسيطر على الذات الشاعرة فالمكائد دبرت في غياب الشمس والحقيقة واليقين وتركت النفس تسبح في موج يعلوه موج لُجي تعلوها ظلمة حالكة ويبدو أن النفس قد اعتادت على العتمة فلم يعد بإمكانها رؤية ذاتها في مرايا الحياة إلا إذا أغمضت عينيها ( أغمض عيني كي أراني ) نفس اعتادت العتمة فلم تعد تبصر إلا فيها وبها ........ بفقدهم تعلن الشمس حدادها وتتوشح بالغيوم القاتمة العقيمة فلا مطرا أمطرت ولا شمسا أشرقت .....

[SIZE=5]بعدَ أن صِرتُ مجازاً متُعثِّراً[red/SIZE]
له طعمُ السَّرابِ
في فَم المَعاني
أنظرُ في الحاضر ِ
لا أرى سِوى
ما أتلَفَتْهُ الرّيحُ
في وجوهِ مَن تشرَّبوا الأحلامَ
والخيامَ
والأماني

وقد أصبحت الذات هنا مجازا أي أنها غادرت عالم اليقين لتستغرق في عوالم الوهم وتحيا حياة مجازية وأيضا مبعثرة
فأين هو اليقين ولا شمس تشرق في وضح النهار فاختفت الحقيقة حاملة معها مسوغات الحياة
وبعد ذلك تنظر هذه النفس الملتاعة في الوجوه التي لا تزال تشرق بالأماني وترتشف من سرابها حد الثمالة وكأنها تشفق عليهم من المصير المحتوم الذي ينتظرهم على حين غرة ....... الحاضر لا يتمثل أمامها إلا نثار ريح أتلفت زرع القلب وتركته يابسا على عوده ...........


وها أنا
أعودُ من جديدْ
أجمعُ من أظنُه أنا
ولكنْ لا نواحَ أستَطيعهُ ولا نَشيدْ

وها أنا أعود من جديد وكأني بالذات الشاعرة هنا وقد حاولت جمع شتات روحها ... حاولت رتق أشرعتها لتبحر من جديد لربما رست هذه المرة في مينائها المفقود ولكن ....... لا نشيد لا أمل ولا طمأنينة ولا سلام بل حتى النواح ما استطاعت له سبيلا ..........


ويسألُ الغريبُ
- والغريبُ
آخِرُ الَّذينَ أرَّخوا للحلمِ
والرَّصيفِ والموتِ البليدْ-
كيفَ يُتوجُ الوصولُ دربَه
وقد رمى لَيلُ المنافي بالعَمى
بوصَلةَ الخَطوِ السَّديدْ؟!

لا تزال تهويمات الاغتراب تسيطر على الجو النفسي للنص بالكامل فهذا الغريب الذي كان قد استأنس للأحلام ذات أمنية براقة هذا الغريب لا يزال يسأل عن نقطة الوصول حين مغادرة المنفى ولكن أنى له ذلك وقد أصيبت بوصلته بالعمى وأُقفلت في وجه الدروب محطات الوصول ؟ إذن لا مناص ... لا فرار ... لا انتهاء لرحلة الاغتراب والتشظي والشتات .....


وكيفَ يستَطيعُ أن يَرسوَ
في عينِ البعيدْ
ونهرهُ بلا زوارقٍ
وَبحرُ القاتلينِ
مِن جَليدْ؟...

كيف لهذا الغريب أن يرسو في مرفأ الطمأنينة والسكينة والسلام وقد تحطمت زوارقه وأصبح نهر الوصول يجري فارغا من حمولة الغائبين ؟ وكان قلب القتلة من جليد ............

مِن زحمة الظلال
قامَ قائلٌ
باسم السَّلامِ والسَّكينه
يا أيُّها الصوتُ الَّذي يجري لمستُحيلِه
بِلا خَرائطٍ ولا سَفينه
الأملُ الخدّاعُ أكذَبُ الرّؤى
وأميلُ الألوانِ للسَّوادِ
في العينِ الأمينه
قُم مُت ْ
فأولُ اغترابٍ كانَ
بعدما أطاع َ آدمُ الإنسانُ طينَه ْ
قم مُتْ
فبالموتِ فقط
يوقِفُ إنسانُك -إن تُرِد-
حَنينَهْ.

في المقطع الأخير من النص يظهر على السطح شيء من الاستسلام فقد أدركت الذات الشاعرة أن لا أمل لها بالوصول إلى مينائها المرجو وكأن صوتا قادما من المجهول يدعي النصح والإرشاد قد أقنعه باللاجدوى من محاولات الوصول اليائسة فالأماني ما هي إلا شرك تقع فيه الروح ويعلق جناحاها فلا هي تطير ولا هي تهدأ ،، ويعلق ذلك الصوت القادم باسم الطمأنينة والسكينة والهدأة - يعلق المأساة كلها في أن آدم ذات يوم أطاع نوازع طينه فكتب عليه الشقاء ومعاناة الاغتراب .... لا تجد الذات الشاعرة حلا جذريا يوقف مجزرة الحنين سوى الموت ..........
القارئ لنصوص السلطان بصفة عامة يجدها على تنوعها تحوم حول نقطتين رئيسيتين هما الاغتراب والفقد وإن كنت أرى أن الغياب والفقد والاغتراب ما هي إلا صورا متعددة لوجه واحد ، هذه الصور كلها من ذلك النوع المسيل للدموع ، الذي يسفك المشاعر بخنجر مثلوم الحدين ، وتتسع مساحة الجراح في جسد القصيدة لتصبح القصيدة عبارة عن جرح ناطق .... في أعماق كل منا ذات غريبة وكأنها تحمل جزء من الإنسان الأول من آدم حين هبط من الجنة ليجد نفسه غريبا على هذه الأرض وحيدا لا رفيق ولا أنيس يبدو أن اغتراب آدم كان حدثا جللا حملته جينات أبنائه من بعده فأورثوها لنا جيلا بعد جيل .... لم يعرف الإنسان الأول الاستقرار فكان يتنقل من مكان لآخر بحثا عن الماء والكلأ والمكان الآمن ربما لهذا السبب في أعماق كل منا غريب يتشرد من منفى لآخر ومن رصيف لرصيف ..... ؟
الحزن والوجع هما في الأصل شعور دخيل على الإنسان لكن يبدو أنهما أصبحا رفيقه الدائم في حين أصبحت الطمأنينة والفرح مجرد عابر سبيل قد يأتي وقد لا يأتي ..........
للسلطان معجم خاص به ينتقي منه المفردات التي تناسب مقاس وجعه ومقاس جرح القصيدة وفي هذا النص كان اللون المسيطر على القصيدة هو القاتم المعتم بعيدا عن أي بصيص مشرق أو شعاع أمل ( ظل / أغمض عيني / سراب / ليل المنافي / العمى / زحمة الظلال / أميل الألوان للسواد / ) هذه المفردات والمعاني ما كانت إلا لتخدم فكرة النص ولكن بطريقة السلطان في العرض والتناول والتصوير حيث لم يكثر من استخدام الصور الخيالية بشكل مباشر بل جاءت كلها في مكانها وكأنه لو استخدم غيرها لما استقام المعنى .... بداية من العنوان ( لا ضفاف للغريب ) ثم ( قال الشتات ) ( أسكن الأوطان في شريانه ) ( مكائد الظل ) ( طعم السراب ) ( أجمع من أظنه أنا ) ( بحر القاتلين من جليد ) ( زحمة الظلال ) ........... جميع هذه الصور كانت قريبة من المتلقي ملتصقة به بعيدة كل البعد عن التعمل والتكلف الذي من شأنه أن ينفر القارئ ويشعره بمسافة فاصلة بينه وبين النص ....... ثم إن لغة النص إجمالا كانت وكأنها اللغة اليومية التي نستعملها في حياتنا وأشدد على قولي : وكأنها لأنها ليست كذلك تماما بل هي لغة شعرية دافقة لكن الذي جعلها أليفة قريبة هو دفء العاطفة والصدق الذي التزمت به من بداية النص وحتى آخر نقطة فيه .....
الخيال في النص كان من ذلك النوع الذي يشعرنا وكأننا اخترقناه وولجنا دهاليزه في حين أننا لا نزال واقفين على باب المغارة ، مغارة السحر والألق التي يمنحنا السلطان تذاكر مجانية لزيارتها والتمتع بمحاسنها حين نقف بهذا النص الباذخ الوجع ونتأمله مليا ثم نرتشفه حد الثمالة ..........

الشاعر القدير المبدع

سلطان الزيادنة

لا املك أمام هذا الترف والبذخ اللغوي الأدبي الرائع إلا انحناءة إعجاب وتقدير

ماتعة هي القراءة لك حد الوجع ........

لآمل أن أكون قد وفقت لقراءة بعض جوانب النص بالشكل الصحيح وأن أكون قد أوفيته بعضا من حقه فإن أصبت فهو فضل من المولى عز وجل وإن أخفقت فلقصور بذائقتي المتواضعة ........

دمتم سيدي ودام بكم الإبداع

مودتي وتقديري

فدوى كنعان

رابط النص:

http://www.fonxe.net/vb/showthread.php?t=38502






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط