لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: لا لشروخ في جدار الوطن (آخر رد :نوال البردويل)       :: وزارة ! (آخر رد :نوال البردويل)       :: تَبَارِيحُ الوَلَعْ (آخر رد :نوال البردويل)       :: فاصلة حادة (آخر رد :سلطانة العلمي)       :: حرية بلا لون / رافت ابو زنيمة (آخر رد :نوال البردويل)       :: في ضيافة الشاعرة نفيسة التريكي (آخر رد :نفيسة التريكي)       :: مواطن من جمهورية البرتقال الأحمر (آخر رد :عبد الكريم محمد)       :: دورَة وتـبـريمـَـة (آخر رد :بنعيسى الحاجي)       :: حروف بلا أرصفة (آخر رد :يزن السقار)       :: نحن جيل دلال ،،لن يظلّ فينا أحدٌ حياً ، بعد عشرين عاما (آخر رد :عوض بديوي)       :: الحب في الله :: شعر :: صبري الصبري (آخر رد :عوض بديوي)       :: الغرفة (آخر رد :منية الحسين)       :: شهريـار .. 2 (آخر رد :عوض بديوي)       :: امرأة من كلمات .. (آخر رد :منية الحسين)       :: شفاه (آخر رد :سلطانة العلمي)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ▂ ⟰ ▆ ⟰ الديــــــوان ⟰ ▆ ⟰ ▂ > ۩ مـــداد ⋘

۩ مـــداد ⋘ غذاء الروح والذهن .... اشتعالات واشتغالات ...بعيدا عن الردود والتعقيبات (المشاركات في هذا الركن لا تدخل في عداد المشاركات)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-10-2015, 05:02 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

Post من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد






1.
مـــاقبــل الــرحيـــل دمعـــــة !

مــا قبــل الرحـــيل دمعة...

مَنْ يعبرُ بي إلى ضفة الاحتمالات الأخرى...
دون أن يلمس كبريائي المُثقل بجراحها بنغازي؟
يتذوقُ ملوحةَ دموعي كل أيامها، ويتناول قهوتي المرة عني، يعترف له في مرآته أنني مُصابة بهوس الكتابة، وجنون بُنِ صباحي، المُرتسم على سماء بحرها الحزيـــن في جذوع ذاكرتي ـ المُرساة في أصلاب عقلي، حيث قتلتُ عمداً بعضاً من ذكرياتي، وشنقتُ فوق مقصلة حزني المزيد والمزيد من مدوناتي، ونفدَّتُ أحكاماً غيبية عني، وارتديتُ تنورةً قصيرةً دون إذن أمي، وفتحتُ أزرار قميصي للريح، من وراء أبي، وسرَّحتُ شعري فوق موجة جليانية، مُعلنةً ذبحي من الوريد للوريد بيدي....

شهيــــــــــدة أنا.....
كم تركتُ للقدر فرصة أن يقدِّني من عفويتي، ويُخلي سبيل وجهي من حيائي، لعلني على يديه أُبعثُ من جديد، و دون اعتبار لعتاب وجهي بالمرآة أُطلقُ سراحي فيِّ، أتركه ينسابُ مني، ينخلع من أناتي، في ومضة فرح، وشهقة أمل ـ حطَّتْ روحي على نافذة الوجد، متسائلة عمن سيرحلُ بي من حيني...
مَنْ سيهتمُّ أنني كنتُ هنا؟، أغتسلُ من أوجاع الكلمات المقروءة، أترجم ُ الألم أملاً وراء أملٍ، أذهبُ بكعب الرجاءٍ، وأعودُ بخفِّي الخيبة...

أقرأُ مقالاتٍ، وأشعار، ومشاجرات، ومشاحناتٍ، ثم أعودُ ثكلى، من مستقبلنا المهترئ، بقدامة أفكارنا، وشره عقولنا للاختلاف، وهوِّة جهلنا، وبضراوة ٍ أُمسكُ قلمي ـ وتشرعُ يميني في خط جفن أوراقها البيضاء، يكحلها قلمي الأسود، من يأبهُ بأنْ أتألمُ لعبارة كتبها لي؟ أو تجاهلٍ تعمَّده؟ أو ألم تسبَّبه لقلبي المرهف، لا أحد سيقول أكثر من اسمي، إذا شعر أنه سيحدِّثُ العين في عينها، والزاي في زينها، والتاء في توريتها، لن ينتبهوا لغياب عطري، أو يتذكروا تاريخ مغادرتي، أو يتفقَّدوا قائمة الموتى، ليُعزوا قصائدي في غيابي...

غريبةُ الروح، والناس حولي....
مُقيدة بإسكفة حزني، وخلاخيل عزلةٍ تلفُ طوقها حولي، وحدها قصائدي تفهمني، وحدها تنفضُ عني غباري وحدها تعرف أين موضع الشوكة في قدمي، وكيف تشرأب من لوعة يقيني، لأجلها ألتحفتُ بُردة الهجران، سعيتُ بين صفا، ومروة كلماتي، طوَّفت عشقي على وريقاتي في ردهة بيتي، كتبتُها شوقاً على جداري، محفوفاً بفراقها الندي، وماء رحيلي لازال يغسلني لهذه اللحظة، ثم غادرتُ إلى نومي، حيث سيرتمي الليل بين أحضاني ـ طفلا فطامه عمري بأكمله، سأظل ـ ما حييت - أحتفي بشرعيته لي، طالما حرَّمت عيناي عشق النهار من بعدها!...

مَنْ يصدح بأغنيات الوطن، وقد هُجِّرت بلابله، وأُلجمتْ أفواهِ شعرائه، نتشدقُ بقمحنا، وشعيرنا، وما من خبز لنأكله، يمنحنا شعوراً بكفاف عيشنا، أو شكر ربنا أو حمد نعمتنا، قشِّات كثيرة قصمت ظهر بعيرنا، وأناخ به ساستنا عن جادة الصواب نتفنا شعرة معاوية، وتجردنا منا، وخلعنا عنا ثوبنا، فكشف مخيطنا ومحيطنا لأي درجة كنا عُراة من ضمائرنا، وصنو فطرتنا...

سأفتح يا حبيبي أيقونة الرحيل، و أشدُّ النجمات من أُّذن الليل، و أهرقُ ما تبقى من كياني، مُبددةً عمري في إحصاء تجاعيد وجهك، وقراءة معالم الشيخوخة على ملا محك التي أعتقها وجه النهار من ليلي الطويل، واعدة إياك أن أرجم حضورك الآني، من زمنك الفاني، لأكمل حياتي في كتابة اسمك على مدونات العتاب...

مَنْ يعيدُ لي هدوئي، وثمالة سكينتي، وأنا أنتفضُ من ريشي، قشعريرةٌ تستبدُ بجسد أنوثتي، تحيلني لكتلةٍ ذائبة من الوجع، تجرأ الأسى على نسغي، وفتت.... الرجاء في قلبي، وتواطأ الرحيل بأهلي مع دمعي الحِرير، فما ترك لي هدباً، إلا وتكحَّل بإثمد الغياب...

مَنْ يرحمني من حرقة قلب، صبَّته الصبابة في جوف روحي، و أبقته فوق جمرةٍ شكَّها عود عوسج، نما من روح صبَّارة في واحة ٍ اعتزلت سرابها، فيا ماءها، و يا عذوبة مذاقها، ويا ظلها النقي، ويا وجد روحها، أبلغي عني نخلاتك العصماء، أنَّ عمىً تكلل بعينِّيِّ لما مررتُ بها، وناء القلب بطرفه عنها، يسألُ عمن يسكنُ بها من الأحباب...

ما قبل رحيلي دمعة تحفَّها عيون الوجد مني، يا من تفننتَ في سحق جميل أمنياتي على صوت هديلك، طيَّرت اليمام من على كتفي، بعد أن رام رائحة عنقي، رحلَّتني لعزلتي من جديد، ما آليت عليك جهداً، إلاَّ وترجمت فيه أناي، ورفعتَ عني غطاي، وشممتْ جنائن عبيري، وتنسَّمت شذاي، ثم قلت أنَّ ضوء النهار من عزتها، واستعارتْ من روحها عبارتها، فعقلتُ روحي من هنا، وتوكلتُ عليك، في كتابة مخطوط جميل عن فراقي...

حينها سلِ الفراق لِمَ ترك للرحيل فرصة الرحيل، و لِمَ لمْ يتلكأْ كعادته، في حزم أمتعتي هذه المرة، حافيةُ القدمين دخلتُ بابك، ظننتُ أنه الحلم تهيأ لي في ومضة برق، صعقتَ ابتساماتي ببارق سناك، وأمطرتَ سحائب كِبرك عليَّ، صببتني لمَّا في وجعك، وجمعتني همَّاً في ألقِ التفكير بك ، أدركت ما أدركتَ من حزني، وكتبت ما جاز لك من عدد اسمي، ودون شعور منك قرأتَ الفاتحة على موتي، ونسيتَ البسمـــلة على روحـــي...

عزة رجب








الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:12 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



2
قبــــل أن يشــــيخ البــــحر
أتساقطُ كورقةٍ آيلة للإصفرار من دالية عنب، تكاثفتْ قربها عناقيد الشوق، فلم تقوَ على جبال حنينها، وما حان موعد نضجها، خضراء بطعمها اللاذع، كلما تذوقتُ شيئا من رطوبة حضورك، في مواسم الحر، لذعني فراقك بأقباس أسئلة التوق إليك، حبيبتك الجورية الذابلة تتساءلُ عنك في غمار الغياب، ويمِّ العذاب ـ اشتاقتْ إليك أيها الغالي المُطوق بأكاليل عتابي، جعلتك مترعا بأنيني، ومحملاً بأساي، حتى لوصلني منك الإعراض، وذهب عني إقبالك في إنزياح عجيب، مُثقلاً بخيبة أمل لعقتها منك بمرارة، وما أنا إلا تلك الحمالة لأنين الوجد، الذي مار بي في الأرجاء ـ إذ عدتُ من هنالك وفي قلبي وجل منك، من كم الشروخ التي أثقلت جراحي، ومن حمام نواحي، ومن هديلي المنطفيء، يا الله! حين يأسرني طيفك، يصفدني بين أحضانك، يذكرني بوطن ضاع مني منذ سنوات، الغربة فيه زاد الأقرباء، والعزلة وجه الحديث إلى الأصداء، والفراغ المحيق بنا يأكلنا، يلتهم أعمارنا في شراهة ونزق...

الليل ليل ٌ، مهما بيَّض وجهه الضوء، الظلمة هنا بللتْ قهري وصمتي، بماء وجهك الملائكي، وعبق مرورك الجبريلي، ياحبيبي هل سمعت به سابقاً في كتابات شاعر، أو كاتب، تحفَّك أجنحته حين تُلقي إلىِّ بقبضة من أثرك، أنتشي بها أوقات رحيلك عني، أتقوتُ منه أياماً يمررها لي الوجود في سخاء، لم أعهده منه قبلاً، وكسيدة تتصوف عشقك، أظلُّ على مسبحة العدِّ، أُحصي كم من الوقت بقي، كي أعلنك مليكي في بلاد من ندى، وأحملك قنديلاً أستضيء به آخر عمري، وأُسرج من كلماتك زيتاً، يشعل جذوة تعابيري، ويباركُ فتوحات قصائدي، ويلثمُ خد صباحاتي، كلما احتلني اليأس و أنزل مستعمراته بروحي...

لن يموت الحب، لازالتْ ذاكرتي ترفل بقصائد كثيرة ة، تهدلُ بأصوات المحبين لبلادنا، ولازال الخير معقوداً في نواصي الخيل، المُبكرة في طلعتها كل صباح، ولازالت أغنيتنا المُفضلة تصدحُ، من كل نافذة، ومن باب كل بيت، لازال الوطن يحتملُ، لازال يمكنه ألا يأبه لتلك الخدوش، التي تمزق جلده وتلك الرتوش، التي تجعل من السلام عالقاً، لازال الجدار قادراً عبر ثقب ما، أن يُحدث فجوة فنرى الجانب الآخر من الوطن، مهما كان حجبه عنا أمراً مستحيلاً...
روحك الراكضة في شراييني، تتذوق طعم النضج في دمي ـ تصولُ، وتجول أفياء قلبي ـ تدركُ أن كل أبوابي مغلقة إلا منك، وكل الزوايا يلفها الصمت، وتأنف الضجيج إلا في حضورك الهدوء ـ المُنساب كسرابٍ تطارده أحلام الفراشات، بين أوجاع الحقول، وأخابيب الصحراء، أتجردُ مني إلا منك، أتركُني مُنسابة كطفلةٍ، أبحثُ عن وطني الفقيد، بين قطعان المتاهات، منْ يفهم هذا التراب عدانا، نحن الذين غمسنا أقدامنا في وحل ترابه، و ألتحفنا نجومه رداء لأجسادنا العارية كلما أقبل علينا الليل، نتوسده حنيناً، وفي صباحاتنا البهيجة نسرده حلماً، من غيرنا تعفَّر بطيبة وجهه السموح، المعطاء، وقلبه الدافق دفئاً، من غيرنا لثم أخاديد الصغيرات الآمنات في شوراعنا الهادئة، وتناول قرب أحبائه أقداح قهوة المساء، الدائرة من بيت لبيت، حتى صارت تعرفنا، وتنتظر أن نحركها من لوعة سكونها، من غيرنا ياعزيزي سيهزُّ جنبات الكون، ويفتح أيقونة اللقاء، ويزرع أشجار الحب، ويترك للزيتون فرصة الحياة على ترابنا، من غيرنا سيكتب التاريخ الناصع البياض، ويكفُّ عن هزِّ الجهات للجهات، ويترك لغة العتاب للغياب الذي لن يأتي، من غيرنا سيعمر هذه الروح الجميلة التي لم تشخ فينا، مهما حاق بها من ألم، نعرفها، تعرفنا، يعرف الوطن أنها منه...
تعالْ، وحررني من أوهامي، قبل أنْ تهرم أشجار الصنوبر فوق جبالنا الخضراء ـ قبل أنْ يتجردَ البحر من ملوحته، وتتركه شواطئه للغرباء، قبل أنْ ينفذ الصبَّار من صبره، قبل أن تفور ثقوب أرضنا من الغليان، وتصلب فتيانها على قارعة الحرب التي ما تركت لمقاعد الدراسة طلاباً، قبل أن تنطفيء مشاعل العيون المتوقدة لهفة، قبل أن تخلو الديار من ساكنيها، تعالْ وازرعْ في قلبي بذور أمل تحفُّها روعة اللقاء، واحصدني حلماً تحقق لك أن تراه، تعال واجعل الشمس تدورُ بين شقي رحى، اخطفها لي من مرآة السماء، وزين محياي بقبس من نجوم تروم عشق القمر، واترك لي مكحلة ومرودها لألقاك بها، حين يهزمني الدمع من طول العتاب، تعالْ قبل أن يشيخ مُحيا البحر هذا الصيف، ستجدني قرب شواطئها حافية، الماء يُغرقني في يمِها، ويُنعش الوجود بالوجود، تسمعُ أغاني الأصداف المُلقاة برأسها على كتف الرمال الذهبية، تهمس لها بتاريخنا، وبذاكرة الوجوه المارة من هنا، ترفل بأكتافها الممتدة كلما طال بها الطريق المُمتد ....يُنشد لها إننا لن نخذلك...إننا لن نخذلك...







الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:15 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



3
من ملحها بعثني الله أُنثى!


• أنا لا أتكئ على تاريخي لأنسج ظلاً وصورةً جميلةً تتكلمُني، أنا أنحتُ في ديمومة اللحظة، وأغرز أسنان قلمي في جلد الزمن، لأنبش بأظافر حرفي معاقل الألم في بلادي، أمسك بزمام مشهدٍ هاربٍ من العتمة، أو تاريخ فرَّ من فزع الصيرورة، أو وجه ضاع من شتات الحرب، أطارد الأخبار المُرة، وأشواك الحديث الموخزة، لعل نحيب مدينتي يكفُ، فأشجُّ جمجمة الظلام بفأس حضوري، وأذرأُ عذابات ليلها ببياض ملحها، وبما أوتيتُ من قسوة ٍ أواري سوءة الوقت على وجهي، بابتسامات أهبها ليائسين خانهم عقرب التوقيت، أو ألاحق أرامل كفين قدورهن، وارتحلن بدموعهن إلى صمت المقبرة، أدفن جراحي بلا رحمة ٍ في ذروة الرماد لأبعث طائر عنقاء من روح ثكلى تنتحبُ ، وفي الليل أرفعُ دثار الصبر من على وجهي، وأسدُّ رمق السؤال بحجر الحقيقة، ألقمه شذرا، وأسلب من كينونته أقباس تمرد وتحدٍ وعنفوان!

• كعجوز هرمتْ من شيخوختها، أُقدد ـ في وضح النهارـ أحزان غيري، أنشرها على حبل غسيل من نقائي، أهب بياضي للقلوب المكلومة مثلي، المُتلظاة من سقر الساسة، أمنحهم أملاً، وأهدر دمعي كرمى لأعينهم، لم أقطف عناقيد اشتياقي بعد لبلد آمن، ولم أُعلق خيط طيارتي بأصابعي المحترقة وجعاً من كتابة أسماء الشهداء، ولم أطف بعينيِّ شوارعنا لأحصي عدداً وبدداً أعمار الراحلين من زواياها، والمغادرين لحاناتها، والمهاجرين من بيوتها، ولم أتفقد الورد البلدي النابت قرب جذوع نخلها، لأرويه بمغازل الدمع البنغازي المتواصل رواء، ماء ودماء، يغسله الملح، وتذيبه أنداء النهار الصامدة في شجاعة لا تخنع.

• كوردةٍ جورية أمنح الأشواك حق الامتياز على أغصاني، والحياة بين أحضاني، وحين يغمرني لوني الأحمر في الحب، لا أملك سوى قواميس وريقاتي أبعثها مهداة على صفيح الشوق، و أعبر بأحمري القاني مساحات القلوب الميتة من عجرفة الشعور، أخضبها محبة، وأملأ وجنة جفائها تراتيل من أقباس فردوسي، أُمدد في بقاء إنساني كلما طالني الظلام القادم نحوي، لا أنتظر أن يكافئني أحد على عطري، أو يمنح نفسه حق البقاء على غصني، فالورد مني، والشوك من منابتي وجدراني، وبكل سعادة يسرني منح حياتي، ولا أبالي إن كنتُ أطأ على معقل أحزاني، هكذا أنا، وهكذا بنغازي العجوز التي ربتني بحبٍ، ربيتُ فيها وعاداتها منبع إلهامي وعاداتي!

• كأيقونة عشق، يا كومة الملح، تبعثين الطعم، والمذاق، اللون، والحياة، حافية أنا في طرقاتك، أسير على تربة ذراتها من ذهب، أغمر وجهي في طينك الأحمر كل صباح، أطالع وجه برنيق كل صباح فيك، أغمس أشعاري في فناجين قهوتي، أتذوق بعنفوان مذاق الأحاديث الشهية الطعم، من بيت لبيت، مزيج الجنون، وعظمة التاريخ، وغموض الملامح، أراك في روحي، كحلم (بادٍ ويعجــز خاطري إدراكه * وفتنــتي بالظــاهر المُتـــواري) واحة ٍ ممتدة في قلبي، تتعرشين كشجرة صفصاف رابضة في قمة الجبل، أو كزيتونة يضيء زيتها، كلما أنطفأ بنا مصباح الطريق، أيتها البيضاء القلب، العميقة، الصامدة، الشابة، النابضة حياة، العابثة بألوان العشق، وأفنان الفرشاة، الناهضة من فورة الخيال، الراسمة حدود المحال، الشهية حين تلوحين، السلطانة حين تتكلمين.








الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:20 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



4
"أتعهدُ أسراره و أمضي به!"


* وحدي أسكنُ بئر الغرابة، أتكلمُ في صمتٍ تتحدثه عيون الأسئلة على شفتي، ثم أشقُّ جراب الوقت بالفضول، وأخيطهُ بوقائع يئن لها القلب، لكنها تضعني على أسنة رماح الوجد، ليُلقيني يقيني في عترة الطهر، فأنا لم أزيف يوماً شخصي بين أن أكون أو لا أكون، مليكة روحي، مليكة العرش فوق حواف صمتي، مليكة وحدتي، مليكة قلمي، لا أهبُّ للضوء جناحيَّ بسهولة، قبل أن تنتابني رعشات الحنين إليه، ولا أمنحُ حقوق التحليق بحلمي للسراب، وحين أغتربُ فوق لحاء أشجاري، أموتُ وأنا واقفة، بانتظار أن يُزيحني شموخي، ويُلقيني لظلي على أوراق الخريف الصفراء، أموتُ متكئة على منسأة فكري الحر، تتآكلني إرضة مواقفي، ويدفنني حب التسامح في تربة بلادي الرطبة، أقبلُ أن أعيش مضطهدة، أشتري خبزي في الصباح، وأُسلبُ من كل حقوقي، وأُجردُ من أغلى ما أملك، لكني آبى أن أُقبِّل الأيادي التي تشتري قلبي، حبي لوطني، ابتسامات أهلي، آبى أن أسرق الحلم من أعينهم مقابل أن أعيش على أنقاض فرحهم، آبى أن أغني ضد تيار الحياة، مقابل أن يُدفن عصفور في قفصه حياً.


* وحيداً أيُّها الليل مثلي، وحيداً لاظل لك، وحيداً لا يسمعك سوى بياضك الحزين، تشرأبُ لك أعناق الغرباء، منتظرين منك أن تُلقي بهم في جُبِّ اللقاء... وحيدا تكتسحُ ملوحة الأرواح، وتأبى أن تُجرد الدم من طعم الحنين، وحيداً تعيش أنت بين الصحاب والرفاق، وحيداً تسكنك الغصة، وتقيم في أعماقك حشرجة من أنين مُشبع برائحة حلم ميت، ما تحقق لك ذات أمل، وحيداً لا تتكلم عنك، ولا يحق لك سوى الصمت، تملك حسن الإصغاء، وتوميء لأشياء العتمة بالإيجاب، فيك شيء يبعث الحياة بداخلها، في داخلك روح تفيض بها هيبة السكون داخل أرواح الأشياء، بيتي، نافذتي، سريري، كتابي المُلقى على الأرض، أوراقي المبعثرة، كوبي المصدوم من عبوات البن التي أترعته حتى شهق الممات، كلنا نستمع إليك، في عشق يذوب ويتلاشى بين مَلَكَات المكان.



* أُقيم في عنق زجاجة ضيقة، أنتظرُ أن يبصقني الماء الراكد داخلها لخارج الحياة، هنا ليبيا تتكلمُ إلى العالم من ذلك القمقم ـ بعدما كانت مجرة الكون ! وكان الأنام يجددون دورة الحياة بين أحضانها الرحبة، هنا ليبيا أيُّها المُظلم الطويل، يلفها الضباب، ولم أسمع به يوماً يفعلها بها، يسلبها ملوحة البحر، وعفته وطهارته! يغتصب شواطئها في عنوة ودنس! هنا ليبيا والساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل، الكل في داخله مُحاصر بواقع مهتريء، ينتظرُ أن ينفضُ عنه فزع الليالي التي أقشعر لها عقله، وكيانه، لينطلق نحو ضوء النهار، بلا هوادة، الكلَّ هنا في علبة مربعة مسكونة بالضيق! مليئة مُضمخة بالعتاب ـ مُحملة بأشواق تأبى أن تُطلق سراحنا من أنين الرصاص المُخيم على قلوبنا، أُقيم كغيري بين فكرة وحلم، يتمددُ بي الوقت، ويموج متلاطماً بأمواج الشواطيء المُقابلة لنا، ماذا يريدون مني؟ وماذا يفيدهم أن يسلبوا مني حلمي، ودميتي، وساعة يدي؟ سوى أن يمضي بهم التيار إلى بيتي، فيعسكرون أشباحهم فوق سارية علمي.


* يمضي النهر للبحر، في طريقه نحو موجات آيلة للسقوط بين أحضان الشلال، وهنالك بين رحاب الملح العظيم يُلقيني في غياهب الماء، أحاول أن أصدق درجة حرارة رأسي، أحاول أن أتأكد أن الترمومتر ليس آخر أدوات العقل البشري ! لقياس علة التفكير في غمار أفكار كُتب لها أن تُولد ميتة ! يمضي بي الوقت كما نملة تحاول أن ترسم خطاً مستقيماً في طريقها نحو كهف عظيم! لكنها لا تريد التصديق أن للطريق احتمالات أخرى! يمضي بي الوقت كبطة تدرب صغارها على السباحة، ورفرفة الجناح، لكنها لا تتوقع رصاصة صياد يرقب من بعيد كيف يبدو لحمها مُغرياً!، يمضي بي الوقت وأنا أتسلل كفنان يرسم لوحة بلا ملامح! يجعلها موناليزا روحه، يهتف مع كل لون بفرشاة جديدة، تقوله بكل جوارح اللحظة، يحملها مبللة، ويتركها لتجف قرب دمع حبيبته، متساءلة عن قيمة حلم باللوحة بعد ضياع الوطن!


* يمضي بي الليل، كبضاعة كاسدة في ميناء مهجور، زكمت برائحة الحواريات، والمؤامرات التي تُحاك لها لتظل قابعة، عالقة في أعين المارة دون مساس، يمضي بي الليل، والليل ليل، بعد ليلك حبيبي، وحدة، وهجر، وقتلى، وجثتت مجهولة، ورؤوس مقطوعة، وأكتاف فاقدة للكبرياء، ووجوه شانها الشر، وأحذية عسكرية زائفة ترطن بخطابات الوطن، وتبيعه عند أول بيان لها، يمضي بي الليل، والوحدة وحدة، بعد وحدتك يا غريبي، تمزقني كنبته ظل تتسكع الزوايا، تستمع للغة العتمة، تغني طقوس عزلتها كلما زاد إصفرارها في غياب الضوء!



* يمضي بي العمر وكلانا كهل، والألمُ كهلٌ في بلادنا، كبر معنا وفينا، وصرنا نرافقه بعكاز الصبر عساه يصيب الطريق نحو جادة الأمل، هل خاننا الحلم أيُّها العابر نحوها ؟ إنها هنالك ما رفَّ لها جفن من يوم لامست يد الغدر طهر جسدها؟ فاعبر إليها ولا تتلكأ بربك في السير إليها! يمضي بي الحلم، وجفني ناعس، ووجهي غارق في ماء آسن، والسأم يخيم على عراء قلبي المفتوح لنغم الألم، أصابع الزمن تشتعل لوعة في حرمة صمتي المهيب، تتذوق لحم حرقتي الساخنة، تلتهم في نهم أمنياتي البتول ، لم أر ضوء الشمس ـ لم أر عصافيري تطير، لم أر ضوء في آخر نفق اليأس المحيق بي كدائرة لا قطر لها.


* يمضي بي، وأمضي به، لا ألوي على شيء، مرميةٌ في أحضان ليلٍ، أتعهدُ أسراره، ويتعهد صمتي المُتعبد في ظلمته، وسيمٌ، طويل القامة، عالي الكتفين، عريض المنكبين، واسع العينين، دقيق في أنف وقته، يسلبني هنائي، وأهبه العمر، أرجمه سنة وراء سنة، يرويني من ظمأ روحه للسهر، وأرويه من ندى فجري المبتسم، أجعلهُ يتذوق نسمات الصباح تعانقه، تعشق ياسمينه، تغمره بالضوء، تنجب له من رحم النهار ألف شعاع، وشعاع، فترتسم ابتساماتها من جديد، كلما آن له أن يقترب من عتمة مسائها، تعاود كرة توحده، لتبدأ ليلها كما ليلي فيه.









الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:23 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



5
أمـرضُ بك كل لحظة ٍ

لاشيء ينضجُ في داليتي سوى الحــزن، وغصـــن أشواقي يتدلى من ثقل العتـــاب!



رحلتُ، لملمتُ حزني المُعتق بأسئلة كينونتك، سكبتُ عليه زجاجة عطري لينسى رائحة صوتك، حملتُ روحي على أكفان صبري، ودفنت ُ شهقاتها الصغيرة في حفنة طين، مُحملة برطوبة حنيني إليك، لنترحم سواء على موتي بين أحضان صمتك الغريب! ولنقرأ الفاتحة على قلبك المنسي بين أضلاعك! فربما تنبتُ هنالك صبَّارة تُّذكرك بموعدٍ يُزهر فيه العوسج إذْ ماغاب عنه الماء!

يا سيد الكلمات، لقد بلَّلتَ وجه الأرض بمطر حضورك، ورميتَ بذور غربتك في مواسم طمى لم تكن لي، وغمرتَ في رحم الأرض دفء وجودك، لكنك نسيت أن تروي عيون الزهر بمحياك الرقيق، وتناسيت أنَّ للزهر عمراً قصيراً، وآليت أنْ تتجاهل وخزات الشوك على غصنه، إذ ما طال به البقاء، فاليباس سيأنَ آذناً لها بالرحيل.


يا سيد الكلمات، كيف نُؤذن ونُقيم صلوات الحب ـ والسلطة ماؤها أصفر، يبعثه صنبور غزاه صدأ، أفكارها، كيف نشربُ ملح الحياة، ونتذوقُ نكهة الجنون، من شفاه صباحاتنا الماطرة، وغيوم الأمل في بلادنا لا تحبل حلولاً بيضاء ؟ كيف نمشي بربك نحو شارة العبور، ونحن لا نمدُّ كفوفنا لبعض، وفينا الجريح، والغريق، والموجوع، والوحيد، والغريب؟ الحيرةُ تملأ أعماقنا حتى التخمة، والسأم يستغرقنا حتى السبات فيه، والألم يطحنُ قلوبنا بين شفاه الرحى، يُلقى بنا أجزاءً و أشلاء، في غيابات الحنين، وجُبِّ الاشتياق، لوطن كانتْ ضحكاته تملأ الأرجاء فرحاً بكسر قيده.


امنحني موسماً يُهديني مطراً، أنا والمجروحين مثلي، المغتربين بين أضلاعهم، المُثقلين بالهموم، المكسورة رجولتهم من الشجون، امنحني خيط أملٍ من لدن الرجاء، أُطيل به عمر طيارتي في السماء، أُمدد به خطوي، وركضي وراء طواحيني التي زرعتها بين رفَّات الهواء، ونحو سقف السماء، أريدُ موسماُ يهبني إياه القمح، يبعثُ حقولاً خضراء، وينعش التربة الطينية الحمراء، يروي السهول المُخضبة بحناء حبنا لهذه الأنحاء، فأنا لست أخطيء ظني، ولست نائمة على سفح سواقي قاحلة صفراء، أو خاوية جدباء، أنا من هذا العشب، وإن ـ زرعوا وجهه بالخطايا، ومن تلك الأرض ـ وإن شوهوا مُحياها، و داسوا أديمها بوجعٍ أظناها.



دعْ العالم ينام في سبات القسوة، فأنت من فجَّرت الطيبة، من ينابيع الأوطان، وأنت من تعفَّرتْ أغصان الياسمين بحنوه على الغرباء، وأنت من كتبت الحب، من ألف الله إلى رحم ياء الحياة، وسدنتْ به بيت الجفاء، لتسكو به القفار الجدباء، أشرقْ، بالله عليك أشرقْ، دعْ الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعيِّ اليأس، وفي الرمق الأخير من سكرات موته، سينبلج فجر النهار، وينبعثُ طائره من ذرات الرماد، ويتسربلُ خيط الشمس، ليفكَّ أسر أحلام الانتظار.

يا سيد الكلمات، ليلنا طفلٌ بلغ الفطام، فألفظْ أنفاسه قبل أن يطول به العمر، وابعثْهُ من صميم غربته روحاً، تزدهي بقدوم الفرح للحياة، وخُذ مني مواثيق حب، بأن ْ أغمرُ مُحيا النهار بقبلاتي، وأرجمه بسيل عشق كلماتي، وأغرقُ روحي في جسد االضوء، لأملأ بحضوره حياتي، لا تدعني دون اختلاجات اللقاء، ولا تحرمني من زهوة نصرٍ جذلى سعيدة أراها على وجهه!


لا تتركنى دون أنْ أمرض بك كل لحظة، والموت فيك حياة، اجعل مواتك يُسكرني كلما أحسستُ أنني في الرمق الأخير من سكرات عشقك، أمنحك بياض كلماتي، وتمنحني حزنك، ضعفك، غربتك، وحدتك، تشفيني من شعوري بأنني كل لحظة أخشى أن أفقدك، وأُشفيك من شعورك بأنك تشيخ إذا غاب عن أحضانك الأهل والأحباء.
يا سيد الكلمات، وجودك حياة، وطنٌ، وماء، وهواء.....










الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:26 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



6

التــــي فـــي البـــال...


يُلملم الوقت أشياءه مني، مثلما فعلها بي وجهك المُستغرق في حدة الغياب، المغمور في اضمحلال ماء ذاكرتي، المُنساب في بحر رمال منسية بين عيون لا تراك، أتساءلُ حينها: لِمَ يرفني رمشُ الوقت في غمضة حنين - حرَّك سكون قافيتها رويِّ انتظــارك، وأنا أقتفي أثرك كرحالةٍ حار به الدليل، هام وراء سرابك المُتدثر بوهم الظِّل، والمُشرأب بعطش الشوق إليك، الواقف على خط استواء درجته صفرٍ مُذ ضيعني أثرك، فضيَّع صيفي اللبــــن، إنني السهل المُمتنع، إذا راق لك الفهم ياحبيبي، وتوارى عنك دقيق المعنى...

وبرائحة خشب الصنـدل في غابات مروية بألق الأرواح العلوية، تقودني إليك نجمة الجوزاء، هأنذا أرتوي بصمتك الموجوع من حذاقةِ الساعةِ الواقفةِ على قدمِ اللهفة، أطفيء شموع عينيِّ، مُتواربةً خلف حجاب ظلي، وأنساك بين جفنيَّ، كاشفة لضوئك ألق الحضور، وحتى يردك الله لي رداً جميلاً، أترك نوافذ حلمي بك، مشرعة على مصراعيها، أمتطي سحابات الوجد البيضاء، فأهبطُ في عشِّ يمامةٍ تحتضنُ بيضها، تنتظرُ صباحها بفارغ صبرها، ليفقس ويضجِّ بالحياة، نسيتُ أصابعي، حين كتبتُ اسمك لأول مرة في حياتي، ووجدتني أعودُ إلى العش ِّ، فإذا بالحلم يزهرُ، وبصغار اليمامة تهدلُ أغنيتها "خذوا مني كل ريشي، واتركوا لي عشي بسلام"...
وهنالك دعاني منادٍ من السماء، أنزل صحفه المُنشَّرة، سقاها بماء الذهب، وعسجد قصائد الضوء، محق غيهب النكران في جُبِّ الاعتراف، أغرق نفسه في صنع الجميل، فغرس فسيلة نخل جنوبية في تربة شمالنا ثم طاف شرقها، وعاد بزيتونة غربية، زرعها في بستان مهجور، ثم أدار بصره، فجلب بنظرة منه شيئاً من زعترها، وبطومها، وغمر يداه في سروها، اغترف شيئاً من بلحها، رماه في حضن عروسها، وصاح بأعلى صوته:


سَلي جفونكِ يا سمــــــراءُ ما فعلتْ
بنــــــــــــازح غرَّه في دربكِ السفرُ
صادي الجوانحِ في محراب غربتهِ
ما هزّه الشوقُ إلا بــــــــات يستعر

كنتُ أعرفُ أنني أحبـــــــــــــــك...
إذْ سريتُ بروحي المُهاجرة في لظى شوقها، إلى روحك البيضاء المُغتربة عني، بعد نكوع الوصل، ونكوص الود بيني وبينك، دخلتُ محرابك، خلعتُ نعلي َّظناً مني أنه أنت، طوُّفتُ عشقي عليك سبعاً، وعدتُ فسعيتُ بين قلبك، وعينيك، قرأتُ سورة ُيوسف، كي لايصلبني حجر الجوع إليك مرتين، أغتسلتُ بملح برنيق، رجمتُ الظلام كلمة وراء كلمة، وعرِّيتُ وجه الشعر فيها ـ فطفق يخصفُ على نفسه أوراق القصيدة، وهو ينشدُ في زهوٍ:


وقف عليها الحب كرمى عينهــــــــــــــــا
تحلو منازلة الخطـــــــــــــــــوب حواسرا

أيُها الضوء القادم لي من عجماء السماء...
منْ يٌثقبُ عين الجدار؟، لتتضح الرؤية، وينبجسَ منها فجري المفقود، تتكحلَ شمسي بشروقها، دون أن يتكللَ مداها قفرٌ وفقرٌ، أو يصيب علوها قذىً وكدر، يسري بي في أفياء روحها، فيحملني على جناح نورس يحفني إلى مداك، ويُلقيني إلى حضن سماك، يغمسني كقطعة سكر في بنِ روحك الجميلة المذاق، يدورني في حناياه سبع مرات، يذوبني على مهلٍ في ماء حياته، يقولني بكلمات، يجردني ببساطة من سيناتي وتسويفاتي، يُسمعني الشعر، ويقتفي الأثر دون أن يحار فيه الدليل، فيهديني لحبه لي بيتا وأهديه لحبي له كل أشواقي، وهي تطعن مشط مفارقي الأعمى له، يتذكرُ أجمل ما قيل في حبيبته التي في البال:

هُـنا وَطَـنــــــــــــــــــــــــي
هُنا سـرِّى هــــــنا عَـلَــني
هنا عـرْشي وممْلكتــــــــي
هـنا الأشـواق تغــمرُنــــي
هنا الصَّوتُ الحنون العذبُ
في قـلْبــــــــِـي وفي أذنـي
هنا الـرُّوح الـتي عــــادتْ
كـَـما كـَـــــــانـتْ إلي البدنِ



عزة رجب







الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:28 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد


7

"سنعيشُ ســلامنا الخاص"




يُلقيني ظلي لأحضان عاصفة رملية تتيهأُ لمخاض الريح، هنالك يقبعُ سؤالي مُحتاراً في عيونٍ من ركام أسئلةٍ تتهيأ لملاقاتي، والزبدُ السائل من لعاب الإجابة يتلذذُ بحكمة الصمت، الغسيلُ الوسخُ الذي يحتفظ به بعضهم ضد بعضهم يمكنه أن يجتمعُ على حبل الود وتذهبُ حقوق الموتى للجحيم. طالما يستطيع النسيان وفق المسودات أن يجعلهم يتحررون من المبادئ على أوراق قابلة للاحتراق، ماذا تنتظر أكثر ؛ لتفهم حينها من هم؟.

إنها مبادئ وقتية تحكمها الساعات السويسرية الصنع، تسير وفق توقيت عالمي، وتمرير غير آدمي، لاينظر في أولويات إنساننا، وعليه ياعزيزي لاتستغرب إذا سمعت بي أنشيء جمعية للرفق بالإنسان، إسوة بتلك التي تنتشر للرفق بالحيوان.

ستقوم الريح ــ لا الرياح ــ القادمة من المتوسط، بعمل الواجب لتجفيف نخاع ذاكرتهم من رغوة الذنوب، وستُعفيهم من الملاحقة القانونية، وستتكفلُ مشدات المسودات الليونية باقتناص أجسادنا الهاربة من أرواحنا وتعيدهُا لنا برضا مُعمداً بطيب الخواطر، وبحجة أنه الوطن، سترتفع أصوات الدعوات بأن ننسى كل أوجاع الظهيرة، ومخاضات الليل، ووجوه من ماتوا، ومن دفعوا حياتهم ثمناً لأفراحنا، كي نصل لهذه اللحظة التاريخية من السلام، إنه، سلامٌ لايرى ياعزيزي، صنعوه ونسوا أن يضعوا له عينين تجعلنا نبصر بعضنا، تجاهلوا أنَّ عكازهم لايمكن أن يقود سوى عميانهم.

ونحن لسنا سوى شتلات انتظارٍ عمياء، مدَّت جذورها في يباس الطين، بعد سنوات الجفاف وطول الأمل، ظلتْ عطشى لغيوم حبلى تستمطر الغيث، ويأبى عليها النزول، تنشدهُ وئاماً روحياً داخلنا، وهدنة تصالحنا مع أنفسنا، وما أمطرتْ سماء الوطن سوى حجارةٍ تفننتْ أطراف الخصام في رميها علينا.

وجدتني ذات مساء أتجردُ من حزني، وأخرج من محراب عزلتي التي فرضتها على نفسي مُذ رحيل أمي، وبلا سيناتي وتسويفاتي أخترتُ بسرعة أنْ أرتدي فستاناً أبيض اللون، حين دعتني صديقتي لعقد قرانها، لم يكنْ يوماً للفرح لكنَّ بنغازي روحها تحتضر وتحتاجه مني، ليس هنالك أملٍ بأن ألقاها مبتسمة، أو أجد أحداً ــ في المجمع ــ يضحك ملء قلبه، فالحــزن استعمر أعماقنا، وارتجتْ له أنحائنا، والكل يخجل من الفرح في حضور دموع بنغازي الغالية، لعلنا شعرنا أنه لابد أن نفتح باب الفرح ونتركه موارباً، لتهبَّ نسائمه على أنحاء بيوتنا الباردة، التي جففها الرعب، وخضَّها الرهاب، وخلع لون بهجتها الإرهاب، فانتزع الدم من عروقها بلا رحمة، هي هكذا، وأنا هكذا، أفرح مثلها وإن كنتُ مجروحة، أُسعد غيري وإن كانت دمعتي لازالتْ ندية على خدي، أصالح العالم، وإن كان كله ضدي، بنغازي مدينة سلام، بيضاء القلب، لاتملك إلا أن تكون فيها إنساناً يعشق الحب، الحياة، الإنسانية.

تركتُ شعري حراً من مشابكه، أطلقتُ سراحه، المسكين طال به الصبر حتى جاوز كتفي، كحَلتُ عينيِّ بالأسود، اللائق بي وبحزني، وقلتُ لأحمر شفاهي : ألا سحقاً لكل الكلمات التي كتبتها على جدار غرفتي بك، تعاااالْ وأدِّ مهامك واختصاصك الأصيل، اكتبْ تاريخك على شفتيَّ المغرورقتين بطعم البن المرِّ، واجعل نداك طافحاً على حديثي اسمعني ضحكتي العميقة بطعم اللون فيك، فلن أقول سوى كلمات الهمس والحب، واليوم يومنا، سيخلق المُحبون سلامهم الخاص، ويبنون أعشاش الحياة غصباً، ولن يلتفتوا لنعيق الغربان التي حاصرتْ أنفاسنا، وخنقتْ فينا أرواحنا، اليوم ستطير ُيمامة من الفرح مع زوجها، وتسعد قلوباً رانها الأمل طوال سنين، أجَّلت مواعيده ولم تُحظ بلقاء أحبتها بعد، إنه الثأرٌ لسعادتنا الغائبة، ولأفراح أمهاتنا الثكالى، وآنساتنا اللاتي فقدنَ أحبائهن أثناء رد الاعتداء عن المدينة، إننا ياسيدي الفرح شعبٌ عاش طوال عقودٍ يروم منك التفاتةً حانيةً، وابتسامة ولو كانت مائلة، وفرحة يعتمرها قلب وطننا الجريح، إننا ياسيدي الفرح نعيش أيام القحط، وجفاف الطبع، وجفاء السريرة، وجفوة الكلمات، نريدك أن تبللنا بمطرك، أن تغمرنا بوجهك، أن تُغرقنا بطوفانك، أن تُلقينا لأحضانك المُحبة لروح الله دائماً، أن تبارك لنا هذا الخروج المحدود من الحزن، فنحن لم نرد شيئاً سوى الثورة على الظلم، والسعادة بالحرية، أما الأماكن والمفاتيح، فلم نقترب منها لتأخذنا بلعنة غيابك عن بلادنا.

ثم خرجتُ بسيارتي، أُسميها برنيس تيمناً ببنغازي، كانتْ عسلية اللون، كعينيِّ غير أنها مُدللة جداً، وكسولة في الخروج، والسير على الطرقات، أوصلتني مساء لبيت صديقتي الجميلة التي تألقت في ثوب زفافها الأبيض، لاقتني بحبٍ، مدت يدها لي، فوجدتني جالسة على كرسي قربها، أنظرُ لوجوه تحملقُ فينا، سأزرعها ابتسامات، وأبحثُ عن وجه فتاة حزينة فقدت خطيبها لأقول لها في نظرة عتاب ابتسمي، أبحثُ عن أمٍ فقأت عينيها من البكاء لأقول لها اطلقي سراح الحياة من قلبك، ورتبي لأعشاش اليمام، فقد آن الآوان ليخرج جسد الحزن من أرواحنا، وحان الوقت لتعيش المدينة بملح طيبتها، وماء حياتها، تعرفين ياسيدتي أنَّها مدينة لا تتوقف عند نبض أحدنا، وإنني والله لمثلك، لا أفرق عنك في حزنٍ، مُكللة بتاج الفقد، دون أبٍ يحميني ودون حضن أمٍ يأويني شر النائبات التي لن أخبرك عنها حين يُغرقني طوفانها العتيد، رممي ياسيدتي قدر ما تستطيعين كل الشروخ، التي صدَّعت جدار محبتنا ولم ترتقْ بعد ستار بيوتنا، قولي كل شيء عن الحب، عن السلام، لجارات الوصل، فنحن لن نعيش بأحقادٍ نعلم مُسبقاً أنها ستكون عناوين سواد تغرز أعلامها في روح المدينة، بسمونا، وبرقي إنساننا، ستعود مدينة البياض والملح، فاجعلي كفيك السخيتين تجودان بالدعاء لنا، بأن يجمعنا الرحمن على محبته، ويبعد بلادنا عن شر جناة الأرض، الذين يتوقون قبل آوان الرحيل رحيلنا.

وفي وجل ورعشة خوف تلمَّس كفي، كفَّ صديقتي منى التي كانتْ بنظراتها الساهمة ترقبُ الحضور، بنظرات مكسورة، إنَّ معالم الفقد أحدثت ندوباً على سيميائنا، الأعين الغائزة، والشفاه النافرة، والخدود المتهدلة، والابتسامات الممنوحة بتقسيطٍ مُريح، الأحاديث التي لابد أن يتخللها مذاق الفقد، أو الحرمان، أو الرجاء، آلمني أنها لم تضع شيئاً من حناء العروس، رفعتُ كفَّها لأنفي، في محاولة لفت نظر، ابتسمتُ وأنا أقول لها هامسة في عتاب "لِمَ لمْ تضعي حناء، ستحبطين زوجك، حين تلاقينه وهذا يومك أنت، كلنا نمنحه لك عن رضا ولن يغضب منك كائن من يكون"، وحين لم أحصل إلا على تنهيدة، ودمعة بدتْ لي محشورة في محجر عينيها الجميلتين، وقفتُ بلا تردد لأحدث والدتها التي قالت بكتفٍ مُتهدل، افعلي ما تريدين عبير، لن أرفض لك طلباً، تعرفين أن الفقد أكل أعمار الكثيرين، وصار من المُخجل وضع الحناء لأبنتي، مراعاة لمشاعر الناس وشدَّت على يدي في دعم منها، فوجدتني بعد حوالي نصف ساعة، أجلس مع "منى" في غرفتها، وأنبوب الحناء الذي أرسلت في طلبه جاهزاً ينقش حروف السعادة فوق معالم جلدها الطري، بلى خضبتها بالحناء رسوماً تتوشح بروح الحياة، وكانت سعيدة جدا، تحرر وجهها من العبوس، وتهللت معالمها من البشرى، قبلتني بعد انتهائي في امتنان، وخرجنا للحشد الذي عصفتْ به جرعة الأمل، واجتاحتْ أنوفه رائحة الحناء، وسلبت لبَّه بألوانه المُتدرجة، فيا سبحان الله الذي جعل الرحمة روحاً منه، سرعان ما علا للفرح صوت، و قطَّعتْ زغرودة جريئة أوصال السكون، ولوهلة كأنني رأيتُ روح الحزن الميت تخرج أخيرا من جثة المكان الهامدة.

سنعيش حياتنا، ونصنع سلامنا الخاص، الذي تجاهلته المسودات الليونية، وطمستْ بموجب ترضية حكامنا السياسيين حقوق إنساننا، وقهرت بناء على بنوده روح السلام فينا، فلم يأت إلا سطحياً على قدر المصالح، لا رتق ثوب الفراق، ولا رأب صدع الشقاق، ولا صنع لغةً أو طريقاً يفتح باباً للوفاق، ولاتسلل لقلوبنا التي كسرها الألم، وخنقها السواد بعبرات الفراق، كل همهم كسب ودِّ الأجندات وطلاب السلطة، الصالح والطالح منهم.

أما نحن ذلك الشعب المسالم، سنرمم قدر ما نستطيع الشروخ المفتوحة في قلوبنا، ونذرأ الكثير من الملح على جراحنا الفاغرة أفواهها من سعة تمزقها، سنطلب من كل فتى وفتاة أن ينجبوا لنا دستة أطفال، تعلو ضحكاتهم أرجاء الوطن، وتمتليء شوارعنا سعادة في وجودهم، وتزدهي حدائقنا الرمادية بألوان ورودهم، وتزدحم بطوابيرهم مدارسنا، سنكتب أيامنا للتاريخ، ولن نترك لحظة إلا واعتقلناها بأقلامنا الممنوحة لوطننا بكل حب ـ وسيعجز هؤلاء تماماً عن صناعة ابتسامة على شفاهنا، أو تعويضنا عمن جعلوه مُغيباً في سجوننا المظلمة، أو مقابرنا التي اتسعت رقعتها الجفرافية، بعدما سرقوا منا كل أسرار الحياة، لن يبقوا طويلاً، سيكونون رماداً في تاريخنا، فالشعوب باقية والمدن لاتموت.







الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:37 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



8

إليه وهو لا يدري!!


عندما قرأتُ حروفك النزارية تفتَّحتْ لأول مرةٍ براعم الياسمين الطرابلسي بين ناظريَّ، وشعرتُ أن الأرض بدأتْ تدور في الاتجاه الصحيح... أحسستُ بالنَّسـيم يعبرُ برقِّةٍ فوق سطــح رسالتي هذه، ويترنَّح بخفِّةٍ فوق تقاسيم وجهك التي تتراءى لي كسرابٍ يصعُب الإمساك به... يا الله ما أجمل ملامحك الطيبة!!

لو حاولتُ أنْ أسرد قصة الطيبة وأوجاع الأرض لما وصلتُ لخاتمةٍ أكتبها ـ إلا إذا قادني إحساسي لاستكشاف شيخوخة وجهك، وتعاريج خطَّتها أخاديد ألمٍ على مُحياك، وقصائد قالتها عيناك المتعبتان من ترحال النظرة إلى بعيد المسافة وقريب الحنين، لأعيد تأريخ طرابلس من رحلتك المُوجعة، ونحن لانُزور يوماً من عمرك، ولكن نستعيد حق عمرك الذي ضاع بعيداً عنها...


وقتها لا أعرف هل كنت ستقرأ بشغفٍ كما يحصل لك الآن؟ أم أنَّ الجنون الذي رأيته في عينيك يتجرأ بنهمٍ فيأكل جسد كلماتي بشراهة مُشتاق، وحيدٍ يائس يترجم وجعه بين أنامله المُتساقطة شوقاً، المُرتبكة في سيجارة تهاطلتْ حرقةً بتنهيدة مُحتدمة!... يكتبُ قصيدته فوق شفاه فنجان قهوته المُرة المذاق، تتسربُ إليه رائحة حنينها المُعتق برائحة الهيل الطرابلسي، يترك للأنين فرصة ترتيب أبجديته على قافيه شعره!

أليستْ طرابلس جميلة، هادئة، تضجُّ بالرقي، ضجيج روحها صامت مُتذمَّر، في وعي جميل يفوق دهشات اللقاء... حدثني صديق لي من هناك من مصابها الجلل في رسالة حزينةٍ مفادها أنَّ قيداً وُضع على معصم العروس، فشجَّ أحد عروقها فدمتْ حتى سال دمها نهراً في إحدى الطرقات، أغرورقت عيون المارة بكاء من النزف، وتساقطتْ من بعده العذراوات عمراً بعد عمرٍ، تجمَّع شعراء المدينة وكُتابها للبحث عن دواء، وإذْ أحدهم يُشير فيقول: احضروا لها الغـــزالة!!! لعلها تستيقظ من الإعياء وحالة شبه الإغماء التي تأخذها، فتطيب وتبتسم، تسترد عافيتها ـ ونعود للحياة، فسارع كثيرون بمحاولاتهم لجلب الغزالة، إلى العروس التي تنتفضُ في رعشة عذراء بريئة.

كانتْ الغزالة أسيرة لدى سربٍ من الغربان، قِيل أنَه تناول بعض الأسمدة الصناعية في الحقل، فتغيرتْ طبيعته السلوكية التي جُبل عليها، وأستأسدتْ الغربان، فصارت أحوالها مُخالفة لما عرفها به الناس، ثُمَّ جِيء بالغزالة بعد حيلة ومشقَّةٍ وفديةٍ، كانتْ صفراء من شدة المرض، وقد نقرتْ الغربان في جسدها ثقوباً أحدثتْ فراغاً مُريعا، قال بعضهم بأنَّ هذا افتراس لروح العروس الطرابلسية قد لايقتل الغزالة، ولكنه يشوهها، ويُشعر العالم بأنَّ ظاهرة حصلت في البلد غريبة عن أنماط سلوك أهلها المعهودة... فهل تفترس الغربان الغزالات يا شاعري؟؟


كان السؤال أيضاً في عينيك الجميلتين يأسرني، يحررني من حدود فكري، يجذبني هناك للعمق، وجدتُ أنَّ عشرات الأسئلة تقبع في صمتٍ، تتلكأ في انتظاري، لزمنٍ لي فيك، الحسرة تتصدرُ سحابة وجهك، وحاجبيك المعقودين يقطبان بعلامتي تعجبٍ... تقولان لي مالم تقله شفتاك، نعم أنت الآن تجيبني في قرارة نفسك بالإيماء، بلى تفترس الغربان الغزالات إذا تغيرتْ العقول والمعطيات، إذا رأيت أن ثلة من النواطير تدير حقولك، ستعرف أن هنالك غزو ليس بالآلات، بل بالتحديثات في أفكار الغزو!


آه، نعم صحيح أنَّ ترويض الأسود مسألة صعبة على البشر، غير أنهم لم يضعوا في الحسبان أن تأسيد الحيوانات الأليفة أكثر بشاعة من ترويض المتوحشة منها، ذلك أنك قلت لي ذات مرة أن الترويض يحدُّ من تزايد خصائص الشر ونزعة القتل والشراهة للدم... أما تأسيد الأليفة تلك فإنه يُفقدها صمام أمان عقلها، وألفتها، وجمالها، وروعة منظرها، وإحساسها بالأمان مع العالم والسلام بإنسانيته، إننا مهما حاولنا إعادة أطباعها لها سنعجز، لأن هرموناتها حصل بها خلل جسيم، بسبب شراهتها للقتل وتفننها فيه، والقتل ياعزيزي يختلف، فأن تقتل وأنت أسد على طبيعة يعرفها الناس فيك، غير أن تقتل بما لم يعرفه الناس في طبعك... إنك ستظل محط الدهشة والنبذ من عالمك!


كانت الغزالة أشبه بذبيحة تهذي في نحيبٍ يشجُّ القلب، قرأ الشعراء في عينيها رجاءً بالعودة لمكانها، فقالت العروس الرابضة على جنبها بوهنٍ شديد: أعيدوها لمكانها، لأعود لطبيعتي، وأُزهر، وأنطلق للحياة، يجب أن يعود الياسمين لحدائقي وتكفُّ العذراوات عن التساقط موتاً، احملوها لهناك، وأشارت لميدان جميل، تتوسطه بحيرة صغيرة، شفافة اللون صافية المحيا، وما إن أُعيدت الغزالة لمكانها حتى لملم الضباب روحه، وغادر العروس فزعاً من هول المفاجأة، ثم بدأ وجهها في الإشراق... فصرخ شاعر وقال: أنشدوا قصائدكم أيُّها الشعراء ليرحل عنا الظلام!... وصدح المكان بقصائد جميلة، تجمهر الناس في حبِ، سرى شريان الحياة في جسد العروس، توقف النزف من معصمها...


كانتْ تستفيق أكثر، تنتعش بالحياة، ولطالما كنت تقول لي: بالحب يحيا العالم، بالسلام تعمر الأرض، انظري طرابلس... الياسمين يزداد بياضا، البحر يشتدُ زرقة، النخيل يعلو في تسامٍ جميل، حماها الله من تجار الحرب، الذين كانوا طوال هذه السنوات (يرجمون فينوس، ويجلدون عشـــتار بتهمة الحب...)...


كانت حروفك النزارية تذوب في قرارة نفسي، تجد مرتعاً خصيبا من الحنين لرؤيتك من جديد، تتألق فرحاً، تبتسم كما يليق بك، تنشد مذاق الجنون في معانيها... وكان ماء الشعر ينساب بين يديك وأيدي الكثير من الشعراء، فبعدما أُعيدت الغزالة لمكانها، فاض ينبوع الحب من هناك، تحضرت المدينة، بدأ الكل في حزم أمتعة الشعر، وشحذ الهمم، وفُتحت القواميس، وأُشرعت أبواب التاريخ والحضارة، وعلا صوت الشعر داعيا للحياة، والحب، والسلام...
فصرخ منادٍ: ابتسمي أيتها المدن الحزينة، فقد شُفيت عروسنا من داء الغربان!! وقتها أومضت عبارتك في سماء خاطري: بالشعر فقط يموت القبح ويعيش الجمال، وتتقدم الحياة!!









الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:41 AM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



9

"الذي لا يمــــوت"


تفضحني العلاقة بيني وبين وجهي في المرآة، ساعة ألتقي به في تساؤلات لا تجد سوى الإيماءات المُفضية إلى باب الصبر، والانتظار، الطوابيرُ هنا ماضيةٌ بطولها اللا منته في شوارع "بنغازي"، طابور لشراء الخبز، طابور للبنزين، طابور لتوزيع الغاز، طابور للحصول على جرعة تطعيم أطفال، طابور للتبرع بالدم، طابور لتلقي العزاء، طابور أشواق للأمان، يصطفُ على أرصفة الوجع المُمل ليُترجم بكل لغات الكون كســـادنا الأخلاقي...

حين تصلك رسالتي هذه، سأكون في مأمنٍ أكثر ـ فقد خرجتُ من بيتنا وشوكة الفراق عالقة بقدمي، قلبي الصغير يدمي منها، في اعتراض لا يقبل التبرير...
مُرغمة على تغيير مكاني، قِيل لي ستفقدين بعض وسائل الاتصالات بمجرد الانتقال للمكان الآخر، حيث لايمكن أن تطلب أكثر من النجاة والشكر على نعمة الحياة...


فلا تسألني لماذا يُفضي بي الحزن دائماً لزاوية تقبع فيها نبته ظل صامتة مثلي، أضمها في وهن، أسقيها مافي جعبتي من دموع صبر، أحدثها عن إنساننا الذي يمضي ببطء نحو المجهول، فيكسر صمتها حاجز السؤال ليسيل لعاب إجابتها في جمل لامحل لها من العقلانية، تعتصر خاصرة الوقت الموجوع، وتترجم بلا هوادة سكون بنغازي المليء برائحة الحرمان...


هنا ......!!!
في داخل كل منا شرخ يتسع على قدر فوهة الجرح، يأخذ وقته للتمدد، كبقعة زيت دبقٍ فوق رقعة الماء، يجعلنا مفصولين بين الحياة ومضمونها، وحده الموت يجتهد في البقاء، وحده يتفننُ في ابتكار طرق جديدة لزحفه المقيت على أجسادنا، وحدة يختصرُ سنوات تعليمنا، وأحلامنا، وانتظارنا في رصاصة طائشة، أو قذيفة عمياء تُلخِّص ذكرياتنا، وعدد أفراد عائلاتنا، تلك رسائل قصيرة يرسلها طرف لآخر، حوار للبنادق، يبدو دائماً جاهزاً للكلام، للتعبير عن مكنون أرواحهم المليئة بمشاعر مُشوهة لغضب المكبوت، المختزلة طوال عقود بائنة، لقد أوجزوه في لغة الكره حتى شاهتْ البلد منه...


وأنا هنا وحيدة، كحفنة رماد تساقطتْ احتراقاً من جمرة لهب لاتنطفيء، تلسعني حرارة الحريق وما بعد الحريق، و(كأي ليبي) أعيش في جحيمٍ بالنار يستعر، الإنسان فيه يموت عشرات المرات يومياً، فأشبه حالنا بالطيور التي تغادر أعشاشها لتعود إليها بعد رحلة دفء تناشدها، هرباً من البرد ـ غير أنَّ المُفارقة أنَّ الناس هنا يغادرون هربا من الرصاص والحرب، في رحلة قهر، يعايشون فيها أقسى أنواع الحرمان المُمنهج في تفنن غريب ومُصادق عليه من حكوماتنا التي تمرره في غضِّ نظر عجيب بحجة غياب الإمكانيات، وطول أمد الحرب، لم أشهد لهم وقوفاً على أطلال الإنسان في أماكن النزوح، أو وقفة إنسانية تربت على الأكتاف الحزينة من ألم الفقد ـ وتعيد ابتسامات مسروقة منهم في ضوء النهار، يقولون هكذا الحرب!


وأي حرب أيُّها الموجوع مثلي حتى ثمالة الألم!
إنها حربنا فيما بيننا، تتكلمنا في شراهة للعنف ونهم لا يتوقف، استباحت كل أشيائنا الجميلات ـ سلبت أحلامنا بوطن يتسع لشعب ٍ يساوي في تعداده أحد أحياء القاهرة، فقل لي بربك أنني أحلم، وأنَّ شيئاً من الهذيان اجتاح عقلي، قل لي أنت ياعبير مخبولة وقلمك فقط يهذي، يقول أضغاث أحلام، والحلم كما تعلمين من الشيطان، لا أصدق أننا هم من يفعلون ذلك ببعضهم، وعلام نختلف ياعزيزي؟ هل على طفل يذهب للمدرسة أم لا؟ أم على توقيت الصلاة؟ أم على إخراج الناس من بيوتهم؟ أم على تقسيم البلد؟ هل نختلف عمن يجلس على ذلك الكرسي اللعين أم نختلف على تحقيق حلم لجاهل يحلم بأن يلبس كرافتته ويشير بإصبعه فيخرج كل الشعب تحت إمرته، ولا يهمُّ إن قضت كل ليبيا نحبها في سبيل حلمه...

كل هؤلاء الناس المسالمين لاعلاقة لهم بما يحصل، يحزنني حالهم، يقطعني أشلاء، يفقدون كل يوم شعورهم بالحياة، يتخلون عن آمالهم يوماً بعد يوم، يتنازلون عن أجسادهم رغماً عنهم حين ترسلهم أطراف النزاع كرسائل نصية لبعضها في إحراق جسد ـ أو فصل رأس عنه، أو تهجير عن مكانهم، أو إقصاء، أو خطف.. أو.. أو.. أو...
وتسألني عن حالي....!
وأنا المنكوبة بعقول خانها وفاضها، وقوم لم يحترموا يوماً المسافة بين شعرة معاوية وأبعاد نتفها!.... وأنا المكلومة ببعدك هناك والموبوءة بأناس خانتهم فجأة مشاعرهم الإنسانية، ونمت أظافرهم في وحشية خدشت الروح البشرية في جشع لايمكن مضاهاته!.... وأنا تلك الطفلة المُتساءلة في زاوية فصلٍ بمدرستها عن النقلة الكبيرة التي حولت المدرسة لبيت ألعابها، وأحلامها، وملابسها، وحقيبتها، وكتبها.... وأنا اليتيمة تلك التي أرسلوا لها هداياهم في قذيفة وجع أفقدتها أبويها وقالت لهم "ما من (م هـ ر ب) لكم مني".... وأنا ذلك الطابور اللا منتهٍ يكتب يومياً كل رحلات البكاء منذ ساعة شروقه وحتى مغيب دمعته!.... وأنا الراكضة في حقول النار، وشوراع من الأسى الحارق، طليق سراحي بين حاراتها وشوارعها لأتبين ملامح قاتلي!.... وأنا تلك الأم الباكية التي اختصرتْ رصاصة فارغة من معانيها كل رحلات جسدها وحملها في صوتها الطائش!.... وأنا التي تدور بين سبخات الملح، تتساءل أين العقلاء، أين الوجهاء، أين الذين كانوا يقفون على المنابر، أين من قالوا نحن السلطة والديمقرطية والأمان وصمام الحياة!.... وأنا ذلك المكان الشاغر في كل بيت، وتلك الذكرى الراحلة غصباً من كل عتبة!.... وأنا ذلك الشاب الحالم الذي اقتنصت أحلامه رصاصة غريب فوق داره!.... وأنا ذلك الوطن المجروح الذي فتح جيرانه الباب لأعدائه حتى يغتالوه بسكاكينهم الناعمة!.... وأنا هذا العش الذي توافدت عليه الغربان للإقامة فيه دون وجه حق!.... وأنا تلك السيجارة الذائبة قلقاً بين أصابعك، أُهدر عمرها في طلقةٌ واقعة بين تنهيدة وحلم وعش يمامة مسالمة!.... وأنا تلك المُنطفئة، تقولني أوجاع الأمهات من فوهة كل بندقية، تشرحنا في خواء عقلي مثير للشفقة!.... وأنا ابتسامة تساقطتْ من شفاه يائسة منحتها بتقسيط مُريح، لتخبر عن أحوال طقسها اليومي في مرارة تقطر ملح روحها!.... وأنا بنغازي، التي تسألك ياوطنها، ياحبيبها، لماذا كل هذا الوجع لايموت!







الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 25-10-2015, 05:43 AM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



يتبـــــــــــع باقــــــــي الأجــــــــــزاء ال 30










الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
قديم 27-10-2015, 12:45 AM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
الدكتورة عزة رجب
عضو أدكاديمية الفينيق
تحمل لقب عنقاء عام 2015
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
ليبيا

الصورة الرمزية الدكتورة عزة رجب

افتراضي رد: من رســائل الحب والحــرب / عبير الورد



10
هذيــــــان


الليلُ هنا صاحب المزاد، يبدأ في رفع أسعارنا وفق ما يبعثه لنا من أجسام طائرة، يهبُ أحلامنا لأجندة الخيبة، وبلغة من حديد، تترجم خواء عقولنا، في أبجدية مرتبة تسير وفق نصوص يومية، عن سماء مفتوحة لكل العالم، من يملك أن يعترض؟ والأطراف تجتهد في جعل بنغازي ملعب بيسبول يديره التحكيم دولي، برعاية محلية، تُرى هل سيهتمُ بابا سام، ويبعد الأطفال من الجمهور، لئلا يصيبهم رصاص القرار؟
النهار هنا يتسع لقافلة أحلام، يمكنك أن تحشر نفسك في زاوية مليئة بالأوجاع، كي تستوعبك لحظة إبداعك، أو تنظر من النافذة المُطلة على الشارع لترى أماً تحاول جرَ طفلها داخل المنزل، أو تراقب جمعاً من الرجال الذين يجمعهم فنجان القهوة الصباحي على عادات بنغازي، بانتظار أن يصيح أحدهم قائلاً: "تفرقوا، قبل أن تصيبكم العشوائيات"؟
يمكنك أن تمسك بيدك مسبحة تقتل بها شيطانك، من طول الوقت الممل، أو تفكر في كتابة رواية اسمها (أحلام العتمة) لتشارك شعبك شعوره بانقطاع الكهرباء، يمكنك أن تخترع مصباحاً على طريقة (توماس أديسون) في أقسى الظروف جاهلية، لأنك تعيش ألماً له مذاق خاص ـ ألمٌ يفرق عن كل ما عاشته البشرية، ألمٌ يرتقي بك لذروة القهر ـ ونبل الحرمان، يجعل من الزهد مقياسا لريختر ـ في التنازل عن أحلامك حلماً تلو حلم.
تهيأتْ لي العشوائيات كسلاح قادم من الفضاء، شاهدته في أحد أفلام هوليود، حين تساقطت كالشهب على مدينة، فتلاشى تاريخها في ومضة حلم... هرب الناس للمجهول ـ وتركوا بيوتهم، ورأيتُ الحكومة، تبذل جهدها لحمايتهم، فيما كان الرئيس يقسم بأن يبذل حياته لئلا يمس كائن شعبه.
بدتْ لي أحلام النهار مناسبة للتعايش، واكتساب القوة للاستمرار، أجلسُ تحت الدرج، دفتري المرقط في يدي، قلمي الأزرق بين أناملي، أتمددُ على الأرض كطفلة تود الرسم، أبدأُ في سرحاني، وهذياني اليومي، أسمعُ من هنالك صوتاً قادماً من الباب: عبير، لا تستغرقي كثيرا في الكتابة، ثمةُ ما يجعلك دائماً جاهزة للخروج من البيت... يتسمَّر قلمي بكاء يجهزُ على دمعه، إذا... كيف أكتب؟؟ وهل في عمري متسعٌ لأن أكتب عن أحلامي، عن أحبائي، عن قصائدي؟ هل يمكن أن يذهب كل شيء بهذه البساطة؟ أغمضُ عيني حين أتذكر ملابسي، بنطلون، قميص غطاء على رأسي، حسناً سأموت مستورة بعون الله.
أتجهزُ يومياً لطقوس الموت، كي تقول عني الغاسلة أنها فتاة طاهرة، وجسدها نقي، ونظيف، على عادة ما تفعله الغاسلات عندنا حين يتحدثن عن حسنات وغرائب الموتى، أنتفضُ وأتذكرُ... وهل ستطال الغاسلة جسدي؟؟ قد يأتي جسدي من جراء قذيفة عشوائية مفتتاً، أو مقطوعاً أجزاءً، آآه، قشعريرة تنتابني، الخوف من هذا المشهد يروعني يشعرني أنني أحتاج لأن أندس بين يدي إنسان لأبكي من كل هذا الرعب، الذي تختزله روحي يوماً بعد يوم، وتمارسُ عليه أصوات الرصاص مناهج التكثيف النثري للنص، فترسله لي كل ليلة، مشبعاً بقفلات نصية ممتازة، وومضات موت محكمة.
ليس هذا حلمي، ليس نهاري، ليس يوماً من أيام بنغازي الصابرة، إنه كابوس، نعيشه كل يوم، كل لحظة، رغم تصبرنا، ومحاكاتنا الحياة، ندحرُ الخوف بالتعايش، نرد الغبن بالدعاء، نتآزر بالتواصل، نكفكفُ دمع الجار الذي يبحث عن ابنه المفقود والأطفال الخائفين بالتواصل... نفعل قدر ما نفعل، لنرد الظلام، ونعضَّ يد اليأس، ونقطعُ عنق الجوع، ونواجه الغياب بلغة الحضور، نظلُّ كذلك حتى يأتي الليل، ويبدأ في تحفيظنا مناهج البؤس العمياء، فيدخنُ سيجارته أمام رئاتنا المليئة بالوجع... وينفثُ حقده بدخانه الضبابي، تكتنزهُ صدورنا في حقد دفين، مررنا به قبلاً على مراحل، في أحكام شنقٍ، حقنات إيدز، قتل شباب طالبوا بحقوقهم، رجال خرجوا للتنديد ضد قمع الإعلام... حتى نجده ينتجُ ثورةً، ثانية، وثالثة، ورابعة... فنصرخُ من جديد / نوضي نوضي يا بنغازي... وهذه المرة لن (تنوض) بنغازي... لأنها فاقدة للوعي تماماً، في إعياء عام، وتغييب تام، وموات لا يفرق بين الكبير والصغير، ورهاب ما عاشته مدينة في القرن الواحد والعشرين، وتاريخ تمَّ محقه بأبشع الطرق، وحضارةٍ سوَّاها حديث السلاح بالأرض، وباركتها الشركات الأجنبية، المُتخصصة في إحياء المدن بعد تدميرها، وأمضتها عقود الحكومة الجاهزة، للتوافق مقابل التغاضي، ومررتها دول الجوار للتنفيس عن عطالتها وبطالتها، مقابل ادعاء حكمتها في التروي والصبر والحوار، والحوار، بدلاً من الخوار، فيما آلة القتل العمياء تحصد من تحصد يوميا، إنها لا تبقي ولا تذر.







الملكــات هُن الملكــات ....دائمــاً راقيات


(ويأتي الشتاء و أزداد اغتراباً على لحاء أشجاري!)



  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:37 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط