لِنَعْكِسَ بّياضَنا


« تَحْــليقٌ حَيٌّ وَمُثـــابِر »
         :: شيرين تستحقين أكثر من قصيدة (آخر رد :هادي زاهر)       :: واجب الأدباء والقدرة على الاستيعاب (آخر رد :هادي زاهر)       :: الفادية بعد الفادي (آخر رد :هادي زاهر)       :: خِلْفة..//فاتي الزروالي (آخر رد :فاطمة الزهراء العلوي)       :: شيرين ابو عاقلة / مناظير البؤس (آخر رد :ابراهيم شحدة)       :: مرايا (آخر رد :عدنان حماد)       :: لستُ أنســـاكِ (آخر رد :جوتيار تمر)       :: في شأن أعرف (آخر رد :جوتيار تمر)       :: سقف الحكمة (آخر رد :جوتيار تمر)       :: ارتجاف المسير (آخر رد :جوتيار تمر)       :: تباشير ندى (آخر رد :فاتي الزروالي)       :: ،، نهرُ الأحلام ،، (آخر رد :فاتي الزروالي)       :: كأني أعرفك (آخر رد :فاتي الزروالي)       :: أيها الشعر ! (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)       :: اقرأ علينا الفاتحة .. (آخر رد :الشاعر عبدالهادي القادود)      


العودة   ۩ أكاديمية الفينيق ۩ > ▂ ⚜ ▆ ⚜ فينيقكم بكم أكبـر ⚜ ▆ ⚜ ▂ > ⊱ المدينة الحالمة ⊰

⊱ المدينة الحالمة ⊰ مدينة تحكي فيها القصة القصيرة اشياء الزمان المكان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-05-2020, 10:22 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي حائك السيدة / عبير هلال


منحني الظهر، يسابق الزمن، علّهُ ينهي حياكة الأقمشة الدانتيل بأسرع وقت ممكن و إلا سيخسر زبونته الثرية . كانَ الطقس حاراً للغاية على غير العادة في ذلك اليوم ، والأدهى تعطل المروحة . عرقه تصبب داخل عينيه حتى كاد يعميه و رغم ذلك شعرَ بأنه البركان الموشك على نفث حممه . مسح عينيه المرة تلو الأخرى بمنديله القماشي . لم يكن يريد أن يضيع وقته الثمين بغسلهما بالماء والصابون . عليه صعود خمسة وعشرون درجة ليصل إلى مطبخه ، ثم الهبوط مجدداً وهذا ليس في صالحه . هل ستكون ملابسها على مقاسات أحلامها وتطلعاتها أم أنها فقاعات تنتظر السماح لها بالانفجار والهرولة نحوَ العدم ؟
ابتدأ العد التنازلي ، في آخر النهار سيحضر سائق السيدة ويستلم منه الملابس ويسلمه الفلوس و سيوصل كعادته تحياته القلبية لها وأمنياته أن تكون رحلتها موفقة مرفقة بدعواته لها أن تفوز هذا العام بلقب أفضل روائية في العالم – لقب لا زالت تكافح للحصول عليه. الخبرة كفيلة بالتسلق إلى قمة سلم المجد.
حاول ابنه مراراً مساعدته، لكنه أصر على الرفض لأن السيدة تستحق الأفضل ولا يود خسارتها كزبونة . اشتعلت نيران الحزن في قلب ابنه لأنه شعر أنه خذل والده بطريقة ما ، أعرب عن أسفه وغادر بينما كانت أفكار والده تسارع جمر التحدي بالتفوق على نفسه حتى يبهر السيدة بما صنعته يداه .
رفع رأسه قليلا ليسحب نفساً عميقاً فتفاجأ بأنه يتأرجح على أحد كفيّ الذاكرة. في شبابه كان جاراً للسيدة الفاتنة التي كانت تستدير الرؤوس حين تمر أمامها . لكن لم يكن أحد يتجرأ على التعليق عليها بكلمة .كان قد قرر السفر إلى الخارج بعد نجاحه الباهر في التوجيهي ليصبح طبيبا، لكن وضع والديه المالي الصعب منعه من ذلك . شعر بحنق كبير على والديه وصب جام غضبه على ظروفه كما أقنع نفسه أن والديه اتخذا من فقرهما ذريعة لهدم سقف أمنياته.
جلس ذات ليلة يلتقط أنفاسه تحت شجرة السرو و يندب حظه التعس، بعد أن رمى كل ما استطاع من حجارة على الحائط الفاصل بين بيته وبيت السيدة .سمع صوتا دافئا يقول له: ضع كل الحجارة التي رميتها داخل كيس ثم ادفنها. سيأتي يوم تعلم فيه أنك سعيد الحظ .
رفع رأسه يومها كما رفع رأسه حالياً، وسألها بتحد: كيف استطعت الوصول لحديقتنا ؟
أجابته بلطف بعد أن غمزته و ابتسمت كقطة التهمت لتوها فأراً : قفزت عن الحائط .. لم أستطع النوم فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟
نظر إلى لبسها الرياضي وقال لها : غيري حائكك . لاحظي الأخطاء التي ارتكبها . فانفجرت في الضحك وشعر أن خديها بطتان تتسارعان على العوم في شواطيء السكينة .
غمزته ُقائلة : أعدك أن أكون زبونة دائمة لديك إن تعلمت الخياطة .
وها هو الآن بعد مرور عشرين عاماً، يخيط لها اثواباً خاصة لرحلتها الهامة . لم يبق لديه وقت فهل سيلثم الوقت عقارب الساعة علها تبطيء سرعتها الجنونية ؟ عليه تسليم الملابس لها وبعدها سيتنفس الصعداء إلى أن تعود من رحلتها وتطلبه مجدداً.
تفاجأ هذه المرة بأنها شخصيا نزلت لتسلمه نقوده فشعر أن القمر هبط من عليائه ليهديه رضاه.رحب بها بحرارة وطلب منها أن تجلس لترتاح لكنها رفضت .قالت له بصوتها الحنون الذي تعاهد مع الزمن ألا يشاكسه : جئت لأشكرك شخصياً؛ لكونك بذلت جهوداً جبارة لحياكة ملابسي بهذا الاتقان .كانت تخاطبه وهي تتفحص كل قطعة حاكها لها كأنها در نفيس. سلمته نقوده وانصرفت فغيبت معها شعلة نشاطه ولكنها أشعرته أن للحياة نكهة فريدة إن توجت الجهود ببسمة مطعمة بجزيل الامتنان
. جلس على كرسيه ليرتاح قليلاً، لأول مرة في حياته يتمنى الرقص .السيدة شخصيا زارته وأثنت على عمله .إنه يعجب كيف سيدة بكل هذا الجمال والأناقة لم تتزوج .
عد النقود التي استلمها منها فإذ بها ضعف ما طلبه منها ثمناً لملابسها .لحق بها إلى الشارع لكنه لم يجدها بل سمع صوت سيارتها تنطلق مبتعدة كالصاروخ .غداً للأسف لن يستطيع رؤيتها لانها ستسافر فقرر أنه سيعيد الزيادة لها ما أن تعود ، اعتقد أنها أخطات لأنه لاحظ انشغال بالها وهي تسلمه النقود وتستلم الملابس .
صعد درج بيته بتثاقل، همس لنفسه : الروماتيزم اللعين لا يتركني وشأني .
فتح الباب ثم توجه إلى غرفة نومه مباشرة، ولم يهمه من يسمعه حين قال : الرجاء ألا يوقظني أحد إلا صباحاً . أنا مرهق .
سمعتهُ زوجته وقالت له بعدَ أن انهت شرب المياه من كأس أكل الدهر عليه وشرب: أتمنى أن تكون السيدة قد أكرمتك هذه المرة بضعف المبلغ. لقد انتحرت وأنت تخيط لها كل تلك الملابس التي أوصتك بعملها بوقت قياسي !
أجابها ببرود : هذا كل ما يهمك، الأموال .
- ولمَ لا ؟ لقد تسبب لنا هذا البيت الكئيب المليء بالرطوبة بالأمراض . لا أريد هذا لأبننا ، إنه شاب وأتمنى له حياة مختلفة عن حياتنا.
تراءت له السيدة بقمة أناقتها ورقتها وقارن بينها وبين زوجته التي تزوجها بعمر كبير نظراً لوضعه المادي الصعب. كان حينها يصرف على والديه المسنين المريضين . نزولاً عند رغبة والديه تزوج ابنة عمه . حين توفي والده أسكن والدته معه في بيته ولم يبال لتبرم زوجته وتذمرها الدائمين. حذرها إن ضايقت والدته بأنه سيطلقها . ليت السيدة كانت زوجته ..! لعن الظروف لأنه بسببها لم يتجرأ حتى التفكير بالسيدة .
أغمض عينيه بعد أن اقتنع تماماً أن الأعاصير لا تفتك بالبيوت الأمنة . استمرت زوجته بالتذمر والتخطيط بما ستفعله بكل الأموال المدخرة وهتفت قائلة : أخيراً بامكاننا أن نبني بيتاَ ونغادر هذا المكان اللعين . متأكدة أن السيدة قد أغدقت عليك بكرمها هذه المرة. فتح عينيه ونظر لزوجته بريبة : هل تحدثت مع السيدة ؟
تلعثمت وقالت له : صراحة نعم . استغليت فرصة انهماكك بالعمل وذهبت لمقابلتها .فعلاً هي سيدة لطيفة . سمعتني وأخبرتني أنك بالفعل تستحق المكافاة.
قفز من مكانه ونظر إليها كالمصعوق : كرري لي ماذا فعلت؟
في اليوم التالي كانت السيدة تغلق باب بيتها حين سمعت صوتاً منكسراً يقول لها : سيدتي ، قبل أن تسافري لك عندي أمانة .
استدارت السيدة ووقفت تتأمله مطولاً بينما امتزجت دموعهما : آسفة، سمير . لم أود أن أجرح كرامتك سامحني .
أخرجت منديلاً من حقيبة يدها ومسحت عينيها، وقالت: تمنى لي الفوز .
لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .
- اعذرني سأتأخر عن الطائرة. معك حق . ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات .بالتوفيق لك . استدارت واتجهت نحو سيارتها لا تلوي على شيء.







  رد مع اقتباس
/
قديم 31-05-2020, 10:29 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خديجة قاسم
(إكليل الغار)
فريق العمل
عضو تجمع الأدب والإبداع
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
تحمل لقب عنقاء العام 2020
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
الأردن

الصورة الرمزية خديجة قاسم

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

بعض مفاصل الحياة تتطلب خطوة جريئة نخشى المغامرة للوصول إليها ظنّا أنها بعيدة عن متناول اليد، ولا تكون الحواجز حينها سوى أوهامنا ومخاوفنا التي حالت بيننا وبينها
قصة ممتعة وجميلة
سلم المداد عزيزتي عبير ودام العطاء
كل التقدير







  رد مع اقتباس
/
قديم 01-06-2020, 12:57 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خديجة قاسم مشاهدة المشاركة
بعض مفاصل الحياة تتطلب خطوة جريئة نخشى المغامرة للوصول إليها ظنّا أنها بعيدة عن متناول اليد، ولا تكون الحواجز حينها سوى أوهامنا ومخاوفنا التي حالت بيننا وبينها
قصة ممتعة وجميلة
سلم المداد عزيزتي عبير ودام العطاء
كل التقدير

الغالية خديجة وتفسير جميل لفحوى النص راق لي للغاية ..


وردي وعميق شكري


همسة : شرفتني جدا بهالطلة الساحرة .






  رد مع اقتباس
/
قديم 01-06-2020, 03:02 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
محمد خالد بديوي
عضو أكاديمية الفينيق
عضو تجمع الأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / عمون
الاردن

الصورة الرمزية محمد خالد بديوي

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

تكريما للنص ..وللمبدعة عبير هلال وعودتها الميمونة
إلى رحاب الفينيق أثـــبـــت النص.



تــثــبـيـت


ولى عودة بإذن الله تعالى لقراءة أخرى للنص ومحاولة
تفكيكه للوصول إلى غايته ومراده.



الأديبة المبدعة عبير هلال

بوركتم وبورك نبض قلبكم الناصع
احترامي وتقديري






قبل هذا ما كنت أميز..

لأنك كنت تملأ هذا الفراغ


صار للفراغ حــيــــز ..!!
  رد مع اقتباس
/
قديم 02-06-2020, 03:28 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
قصي المحمود
فريق العمل
عضو تجمع أدباء الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
العراق

الصورة الرمزية قصي المحمود

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

نص جميل متماسك الفكرة سلس القراءة وهذا من وجهة نظري النص المقروء
عادة هناك كلمة محجوبة عند الناص يوجد المرادف لها في النص
وهذا النص الجميل كان مفتاح كلمته الخاتمة (ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات )
نص ممتع
تحياتي أديبتنا الفاضلة أ. عبير






  رد مع اقتباس
/
قديم 02-06-2020, 01:38 PM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
محمد خالد بديوي
عضو أكاديمية الفينيق
عضو تجمع الأدب والإبداع
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / عمون
الاردن

الصورة الرمزية محمد خالد بديوي

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة

منحني الظهر، يسابق الزمن، علّهُ ينهي حياكة الأقمشة الدانتيل بأسرع وقت ممكن و إلا سيخسر زبونته الثرية . كانَ الطقس حاراً للغاية على غير العادة في ذلك اليوم ، والأدهى تعطل المروحة . عرقه تصبب داخل عينيه حتى كاد يعميه و رغم ذلك شعرَ بأنه البركان الموشك على نفث حممه . مسح عينيه المرة تلو الأخرى بمنديله القماشي . لم يكن يريد أن يضيع وقته الثمين بغسلهما بالماء والصابون . عليه صعود خمسة وعشرون درجة ليصل إلى مطبخه ، ثم الهبوط مجدداً وهذا ليس في صالحه . هل ستكون ملابسها على مقاسات أحلامها وتطلعاتها أم أنها فقاعات تنتظر السماح لها بالانفجار والهرولة نحوَ العدم ؟
ابتدأ العد التنازلي ، في آخر النهار سيحضر سائق السيدة ويستلم منه الملابس ويسلمه الفلوس و سيوصل كعادته تحياته القلبية لها وأمنياته أن تكون رحلتها موفقة مرفقة بدعواته لها أن تفوز هذا العام بلقب أفضل روائية في العالم – لقب لا زالت تكافح للحصول عليه. الخبرة كفيلة بالتسلق إلى قمة سلم المجد.
حاول ابنه مراراً مساعدته، لكنه أصر على الرفض لأن السيدة تستحق الأفضل ولا يود خسارتها كزبونة . اشتعلت نيران الحزن في قلب ابنه لأنه شعر أنه خذل والده بطريقة ما ، أعرب عن أسفه وغادر بينما كانت أفكار والده تسارع جمر التحدي بالتفوق على نفسه حتى يبهر السيدة بما صنعته يداه .
رفع رأسه قليلا ليسحب نفساً عميقاً فتفاجأ بأنه يتأرجح على أحد كفيّ الذاكرة. في شبابه كان جاراً للسيدة الفاتنة التي كانت تستدير الرؤوس حين تمر أمامها . لكن لم يكن أحد يتجرأ على التعليق عليها بكلمة .كان قد قرر السفر إلى الخارج بعد نجاحه الباهر في التوجيهي ليصبح طبيبا، لكن وضع والديه المالي الصعب منعه من ذلك . شعر بحنق كبير على والديه وصب جام غضبه على ظروفه كما أقنع نفسه أن والديه اتخذا من فقرهما ذريعة لهدم سقف أمنياته.
جلس ذات ليلة يلتقط أنفاسه تحت شجرة السرو و يندب حظه التعس، بعد أن رمى كل ما استطاع من حجارة على الحائط الفاصل بين بيته وبيت السيدة .سمع صوتا دافئا يقول له: ضع كل الحجارة التي رميتها داخل كيس ثم ادفنها. سيأتي يوم تعلم فيه أنك سعيد الحظ .
رفع رأسه يومها كما رفع رأسه حالياً، وسألها بتحد: كيف استطعت الوصول لحديقتنا ؟
أجابته بلطف بعد أن غمزته و ابتسمت كقطة التهمت لتوها فأراً : قفزت عن الحائط .. لم أستطع النوم فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟
نظر إلى لبسها الرياضي وقال لها : غيري حائكك . لاحظي الأخطاء التي ارتكبها . فانفجرت في الضحك وشعر أن خديها بطتان تتسارعان على العوم في شواطيء السكينة .
غمزته ُقائلة : أعدك أن أكون زبونة دائمة لديك إن تعلمت الخياطة .
وها هو الآن بعد مرور عشرين عاماً، يخيط لها اثواباً خاصة لرحلتها الهامة . لم يبق لديه وقت فهل سيلثم الوقت عقارب الساعة علها تبطيء سرعتها الجنونية ؟ عليه تسليم الملابس لها وبعدها سيتنفس الصعداء إلى أن تعود من رحلتها وتطلبه مجدداً.
تفاجأ هذه المرة بأنها شخصيا نزلت لتسلمه نقوده فشعر أن القمر هبط من عليائه ليهديه رضاه.رحب بها بحرارة وطلب منها أن تجلس لترتاح لكنها رفضت .قالت له بصوتها الحنون الذي تعاهد مع الزمن ألا يشاكسه : جئت لأشكرك شخصياً؛ لكونك بذلت جهوداً جبارة لحياكة ملابسي بهذا الاتقان .كانت تخاطبه وهي تتفحص كل قطعة حاكها لها كأنها در نفيس. سلمته نقوده وانصرفت فغيبت معها شعلة نشاطه ولكنها أشعرته أن للحياة نكهة فريدة إن توجت الجهود ببسمة مطعمة بجزيل الامتنان
. جلس على كرسيه ليرتاح قليلاً، لأول مرة في حياته يتمنى الرقص .السيدة شخصيا زارته وأثنت على عمله .إنه يعجب كيف سيدة بكل هذا الجمال والأناقة لم تتزوج .
عد النقود التي استلمها منها فإذ بها ضعف ما طلبه منها ثمناً لملابسها .لحق بها إلى الشارع لكنه لم يجدها بل سمع صوت سيارتها تنطلق مبتعدة كالصاروخ .غداً للأسف لن يستطيع رؤيتها لانها ستسافر فقرر أنه سيعيد الزيادة لها ما أن تعود ، اعتقد أنها أخطات لأنه لاحظ انشغال بالها وهي تسلمه النقود وتستلم الملابس .
صعد درج بيته بتثاقل، همس لنفسه : الروماتيزم اللعين لا يتركني وشأني .
فتح الباب ثم توجه إلى غرفة نومه مباشرة، ولم يهمه من يسمعه حين قال : الرجاء ألا يوقظني أحد إلا صباحاً . أنا مرهق .
سمعتهُ زوجته وقالت له بعدَ أن انهت شرب المياه من كأس أكل الدهر عليه وشرب: أتمنى أن تكون السيدة قد أكرمتك هذه المرة بضعف المبلغ. لقد انتحرت وأنت تخيط لها كل تلك الملابس التي أوصتك بعملها بوقت قياسي !
أجابها ببرود : هذا كل ما يهمك، الأموال .
- ولمَ لا ؟ لقد تسبب لنا هذا البيت الكئيب المليء بالرطوبة بالأمراض . لا أريد هذا لأبننا ، إنه شاب وأتمنى له حياة مختلفة عن حياتنا.
تراءت له السيدة بقمة أناقتها ورقتها وقارن بينها وبين زوجته التي تزوجها بعمر كبير نظراً لوضعه المادي الصعب. كان حينها يصرف على والديه المسنين المريضين . نزولاً عند رغبة والديه تزوج ابنة عمه . حين توفي والده أسكن والدته معه في بيته ولم يبال لتبرم زوجته وتذمرها الدائمين. حذرها إن ضايقت والدته بأنه سيطلقها . ليت السيدة كانت زوجته ..! لعن الظروف لأنه بسببها لم يتجرأ حتى التفكير بالسيدة .
أغمض عينيه بعد أن اقتنع تماماً أن الأعاصير لا تفتك بالبيوت الأمنة . استمرت زوجته بالتذمر والتخطيط بما ستفعله بكل الأموال المدخرة وهتفت قائلة : أخيراً بامكاننا أن نبني بيتاَ ونغادر هذا المكان اللعين . متأكدة أن السيدة قد أغدقت عليك بكرمها هذه المرة. فتح عينيه ونظر لزوجته بريبة : هل تحدثت مع السيدة ؟
تلعثمت وقالت له : صراحة نعم . استغليت فرصة انهماكك بالعمل وذهبت لمقابلتها .فعلاً هي سيدة لطيفة . سمعتني وأخبرتني أنك بالفعل تستحق المكافاة.
قفز من مكانه ونظر إليها كالمصعوق : كرري لي ماذا فعلت؟
في اليوم التالي كانت السيدة تغلق باب بيتها حين سمعت صوتاً منكسراً يقول لها : سيدتي ، قبل أن تسافري لك عندي أمانة .
استدارت السيدة ووقفت تتأمله مطولاً بينما امتزجت دموعهما : آسفة، سمير . لم أود أن أجرح كرامتك سامحني .
أخرجت منديلاً من حقيبة يدها ومسحت عينيها، وقالت: تمنى لي الفوز .
لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .
- اعذرني سأتأخر عن الطائرة. معك حق . ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات .بالتوفيق لك . استدارت واتجهت نحو سيارتها لا تلوي على شيء.





قصة قصيرة متكاملة الأركان، فكرتها الأساسية فشل الإرتباط
رغم وجود الحب وقوة تأثيره على حياة الحائك والسيدة وقد
لاحظت أن السيدة كانت الأقوى في تقبل الواقع المُر أكثر من
الحائك. فشل الحب لا شك أنه كفكرة (مستهلكة) في الكتابة الأدبية
وبكل أجناسه. لكن هذا النص نسف فكرة الإستهلاك حين عملت
الناصة على خلق (حوارات رائعة) كما أنها ركزت على السرد ليكون
إنموذجا..فجاء آسرا لا يتمكن من تورط به التوقف عن القراءة
قبل نهاية النص..إذن نجحت الناصة من تخطي عقبة الفكرة
المستهلكة ..بسرد متقن يشد المتلقي بقوة.
ويلاحظ قوة اللغة واختيار جمل كل جملة تشكل نصا منفردا لو
أمعنا القراءة
..

{{هل ستكون ملابسها على مقاسات أحلامها وتطلعاتها أم أنها
فقاعات تنتظر السماح لها بالانفجار والهرولة نحوَ العدم ؟}}


يتساءل وهو يعلم أن أمر القياسات بيده هو، وأنه يبذل جهدا
مضاعفا لصنع ملابسها ..فما الهدف من السؤال وخصوصا أنها
المرأة التي ما زال يحبها رغم تقدمه في السن وزواجه .!! ويخبرنا
أنها ستسافر متمنيا لها بأن تفوز بلقب أفضل روائية لهذا العام
إذا هي كاتبة ولها محاولات سابقة فهل كان قوله (فقاعات) و
(هرولة نحو العدم) ردة فعل نفسية يريد أن يطفئ بها احتراق قلبه
وفشله في أن يكون قريبا من مستواها الاجتماعي عندما أراد دراسة
الطب لكن ظروفه المادية منعته من تحقيق أحلامه.. هل للحب ردة فعل
تقلبه إلى الكراهية.!! لا أظن الأمر كذلك ، وقد تكون مجرد كلمات يخفف
من خلالها أوجاعه.


{{ لقب لا زالت تكافح للحصول عليه. الخبرة كفيلة بالتسلق إلى قمة سلم المجد.}}


هذا جزء من حواره مع نفسه فيه حكمة وعبرة (الخبرة كفيلة) يفلسف فشلها في تحقيق
اللقب ، ويعود إلى الثقة بإمكانية تحقيق حلمها .
وينقل لنا النص بعض ذكرياته مع السيدة ، وكيف أنهما كانا على تواصل...



{{ جلس ذات ليلة يلتقط أنفاسه تحت شجرة السرو و يندب حظه التعس، بعد أن رمى كل ما استطاع من حجارة على الحائط الفاصل بين بيته وبيت السيدة .سمع صوتا دافئا يقول له: ضع كل الحجارة التي رميتها داخل كيس ثم ادفنها. سيأتي يوم تعلم فيه أنك سعيد الحظ .
رفع رأسه يومها كما رفع رأسه حالياً، وسألها بتحد: كيف استطعت الوصول لحديقتنا ؟
أجابته بلطف بعد أن غمزته و ابتسمت كقطة التهمت لتوها فأراً : قفزت عن الحائط .. لم أستطع النوم فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟}}

ما استغربته خلال القراءة أنها كانت حين تكلمه تحاول إحداث
توازن في كلامها، بمعنى أنها تتحدث برقة ولطف مصحوبان بابتسامة
وتقسو في
كلماتها حين يستدعي الموقف تلك القسوة فالجملة الأخيرة


{{ فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟}}

ربما لأنها كانت تدرك مدى حبه لها وأن ظروفه الصعبة تشكل عائقا
لتحقيق حلمه ..

ما يلفت الانتباه أيضا متانة الحبك.. وسلاسة تسلسل الأحداث
حتى تلك التي استخدمت فيها (الفلاش باك) لم تفقد سيطرتها
على النص وإن كان ليس كما القص الأقل حروفا ..ظل النص
متماسكا في كل مراحله ينسجم سرده مع اللغة والحبك لتحافظ
على استمرارها بطرح الفكرة دون أن تتأثر بعامل الاستهلاك كما
قلت سابقا...


الانتقال إلى المرحلة الثانية تم ببراعة فقد انتقلت بنا دون أن
ينقطع خيط السرد..وكما كنا معه في مكان عمله كنا معه نصعد
السلم ..نرى جدران بيته المهترئة وأحوال معيشته السيئة ونتعرف
على ابنة عمه (زوجته) التي أُجبر على ان يتزوجها لتعزز متانة
السور الذي يفصل بيته عن بيت السيدة ..حبيبته وجارته..وزبونته
في مرحلة وجوده في البيت يكتشف أن زوجته هي من طلب من السيدة
مضاعفة أجره ..وكأنها كتبت ورقة طلاقها بيدها ، فهي لا تعلم عن تلك
العلاقة هذا غير ان الرجل عادة لا يستسغ هذا الأسلوب مهما كان فقره.


بعد هذا السرد الجميل والحبك الرائع تأتي القفلة ..والتي حملت حوارا
من الواضح أنه أتعب الناصة حتى اكتمل وخرج بحلة رائعة ومؤثرة



{{في اليوم التالي كانت السيدة تغلق باب بيتها حين سمعت صوتاً منكسراً يقول لها : سيدتي ، قبل أن تسافري لك عندي أمانة .
استدارت السيدة ووقفت تتأمله مطولاً بينما امتزجت دموعهما : آسفة، سمير . لم أود أن أجرح كرامتك سامحني .
أخرجت منديلاً من حقيبة يدها ومسحت عينيها، وقالت: تمنى لي الفوز .
لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .
- اعذرني سأتأخر عن الطائرة. معك حق . ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات .بالتوفيق لك . استدارت واتجهت نحو سيارتها لا تلوي على شيء.}}



ما أعمق الألم الذي كان يفور من هذا الحوار وخصوصا في الجزء الذي
قال ((لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .))

موجع قوله طلقتها واشتريت سعادتي ..عن أي سعادة كان يتحدث
وهو يعلم أن ان الحائط سيبقى ما بينهما ..ثم لماذا تأخر قلبها في
الطرب حتى اللحظة وقد كان بإمكانها ان تردمه في مرحلة ما وخصوصا
أنها تعيش كما تريد هي ورغم هذه الحرية ورفاهية العيش لم تتزوج أبدا.

وقولها في آخر الحوار كان بمثابة رسالة هامة وقوية ..كأنها تقولها لنفسها
وشعرت أنها لم تكن المرة الأولى التي تقول فيها هذه الرسالة :

{{ ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات }}



الأديبة المبدعة عبير هلال

قد يقال أن القصة بسيطة (وهي كذلك) لكن يجب إدراك أن هذه
البساطة والسلاسة أخذت كثير جهد واشتغال ..كما أنها تفوقت
على مقولة الفكرة المستهلكة (وهي كذلك) لأنه تم العناية بسطوة السرد
ومتانة الحبك وتوجت كل ذلك بقفلة مؤثرة وموجعة . نص مكتمل جميل
وممتع إلى أبعد حد.

بوركتم وبورك نبض قلبكم الناصع
احترامي وتقديري






قبل هذا ما كنت أميز..

لأنك كنت تملأ هذا الفراغ


صار للفراغ حــيــــز ..!!
  رد مع اقتباس
/
قديم 02-06-2020, 11:13 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جمال عمران مشاهدة المشاركة
مرحبا 🌹ست عبير
القصة بسيطة وسلسة بعيدة عن التكلف ولذلك هى جميلة..
لست ادرى لماذا أفضل روائية؟؟
كانت أقوى لو أفضل طبيبة اوخبيرة أو عالمة.. وهذا رأى شخصي.
مودتي

الكاتب جمال عمران

اجابة على سؤالك هل ستفرق إن كانت طبيبة أو مهندسة الخ.. ؟؟؟ هل سيؤثر هذا على مجريات القصة ؟؟

كل التقدير لك

لا.. لافرق ولن يؤثر على مجريات الحدث.. وانا قلت (أفضل).. وذلك لأن العالم يحتفى بالعلماء والأطباء أكثر... ولأن الأدباء حظهم قليل..
وجهة نظر لا أكثر...
مودتي






  رد مع اقتباس
/
قديم 02-06-2020, 11:22 PM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد خالد بديوي مشاهدة المشاركة
تكريما للنص ..وللمبدعة عبير هلال وعودتها الميمونة
إلى رحاب الفينيق أثـــبـــت النص.



تــثــبـيـت


ولى عودة بإذن الله تعالى لقراءة أخرى للنص ومحاولة
تفكيكه للوصول إلى غايته ومراده.



الأديبة المبدعة عبير هلال

بوركتم وبورك نبض قلبكم الناصع
احترامي وتقديري

المبدع الراقي محمد خالد


وهل أجد أجمل من هذا الترحيب والتكريم بتثبيت نصي كوسام رفيع المستوى في سماء قسم القصة.!.

عميق شكري لا ولن تفيك حقك .


دمت ودام نشاطك الدؤوب .






  رد مع اقتباس
/
قديم 06-06-2020, 05:02 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قصي المحمود مشاهدة المشاركة
نص جميل متماسك الفكرة سلس القراءة وهذا من وجهة نظري النص المقروء
عادة هناك كلمة محجوبة عند الناص يوجد المرادف لها في النص
وهذا النص الجميل كان مفتاح كلمته الخاتمة (ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات )
نص ممتع
تحياتي أديبتنا الفاضلة أ. عبير


المبدع قصي المحمود


طلة بهية وتعليق مميز يلامس الروح..


سعدت جدا بطيب هذه الطلة وبأريجها ..


مساؤك بركة






  رد مع اقتباس
/
قديم 07-06-2020, 12:24 AM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
بختي ضيف الله
عضو أكاديميّة الفينيق

الصورة الرمزية بختي ضيف الله

إحصائية العضو







آخر مواضيعي

بختي ضيف الله غير متواجد حالياً


افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

رائعة..سردا وتكثيفا..ومفارقة...أبدعت...






  رد مع اقتباس
/
قديم 11-06-2020, 06:24 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد خالد بديوي مشاهدة المشاركة

قصة قصيرة متكاملة الأركان، فكرتها الأساسية فشل الإرتباط
رغم وجود الحب وقوة تأثيره على حياة الحائك والسيدة وقد
لاحظت أن السيدة كانت الأقوى في تقبل الواقع المُر أكثر من
الحائك. فشل الحب لا شك أنه كفكرة (مستهلكة) في الكتابة الأدبية
وبكل أجناسه. لكن هذا النص نسف فكرة الإستهلاك حين عملت
الناصة على خلق (حوارات رائعة) كما أنها ركزت على السرد ليكون
إنموذجا..فجاء آسرا لا يتمكن من تورط به التوقف عن القراءة
قبل نهاية النص..إذن نجحت الناصة من تخطي عقبة الفكرة
المستهلكة ..بسرد متقن يشد المتلقي بقوة.
ويلاحظ قوة اللغة واختيار جمل كل جملة تشكل نصا منفردا لو
أمعنا القراءة
..

{{هل ستكون ملابسها على مقاسات أحلامها وتطلعاتها أم أنها
فقاعات تنتظر السماح لها بالانفجار والهرولة نحوَ العدم ؟}}


يتساءل وهو يعلم أن أمر القياسات بيده هو، وأنه يبذل جهدا
مضاعفا لصنع ملابسها ..فما الهدف من السؤال وخصوصا أنها
المرأة التي ما زال يحبها رغم تقدمه في السن وزواجه .!! ويخبرنا
أنها ستسافر متمنيا لها بأن تفوز بلقب أفضل روائية لهذا العام
إذا هي كاتبة ولها محاولات سابقة فهل كان قوله (فقاعات) و
(هرولة نحو العدم) ردة فعل نفسية يريد أن يطفئ بها احتراق قلبه
وفشله في أن يكون قريبا من مستواها الاجتماعي عندما أراد دراسة
الطب لكن ظروفه المادية منعته من تحقيق أحلامه.. هل للحب ردة فعل
تقلبه إلى الكراهية.!! لا أظن الأمر كذلك ، وقد تكون مجرد كلمات يخفف
من خلالها أوجاعه.


{{ لقب لا زالت تكافح للحصول عليه. الخبرة كفيلة بالتسلق إلى قمة سلم المجد.}}


هذا جزء من حواره مع نفسه فيه حكمة وعبرة (الخبرة كفيلة) يفلسف فشلها في تحقيق
اللقب ، ويعود إلى الثقة بإمكانية تحقيق حلمها .
وينقل لنا النص بعض ذكرياته مع السيدة ، وكيف أنهما كانا على تواصل...



{{ جلس ذات ليلة يلتقط أنفاسه تحت شجرة السرو و يندب حظه التعس، بعد أن رمى كل ما استطاع من حجارة على الحائط الفاصل بين بيته وبيت السيدة .سمع صوتا دافئا يقول له: ضع كل الحجارة التي رميتها داخل كيس ثم ادفنها. سيأتي يوم تعلم فيه أنك سعيد الحظ .
رفع رأسه يومها كما رفع رأسه حالياً، وسألها بتحد: كيف استطعت الوصول لحديقتنا ؟
أجابته بلطف بعد أن غمزته و ابتسمت كقطة التهمت لتوها فأراً : قفزت عن الحائط .. لم أستطع النوم فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟}}

ما استغربته خلال القراءة أنها كانت حين تكلمه تحاول إحداث
توازن في كلامها، بمعنى أنها تتحدث برقة ولطف مصحوبان بابتسامة
وتقسو في
كلماتها حين يستدعي الموقف تلك القسوة فالجملة الأخيرة


{{ فثورتك الغضبية هذه زعزعت أركان بيتي ..ما ذنبي أنا ؟ هل يجب أن يتسلل فراغ روحك ليسلب كل أفراح من حولك ؟}}

ربما لأنها كانت تدرك مدى حبه لها وأن ظروفه الصعبة تشكل عائقا
لتحقيق حلمه ..

ما يلفت الانتباه أيضا متانة الحبك.. وسلاسة تسلسل الأحداث
حتى تلك التي استخدمت فيها (الفلاش باك) لم تفقد سيطرتها
على النص وإن كان ليس كما القص الأقل حروفا ..ظل النص
متماسكا في كل مراحله ينسجم سرده مع اللغة والحبك لتحافظ
على استمرارها بطرح الفكرة دون أن تتأثر بعامل الاستهلاك كما
قلت سابقا...


الانتقال إلى المرحلة الثانية تم ببراعة فقد انتقلت بنا دون أن
ينقطع خيط السرد..وكما كنا معه في مكان عمله كنا معه نصعد
السلم ..نرى جدران بيته المهترئة وأحوال معيشته السيئة ونتعرف
على ابنة عمه (زوجته) التي أُجبر على ان يتزوجها لتعزز متانة
السور الذي يفصل بيته عن بيت السيدة ..حبيبته وجارته..وزبونته
في مرحلة وجوده في البيت يكتشف أن زوجته هي من طلب من السيدة
مضاعفة أجره ..وكأنها كتبت ورقة طلاقها بيدها ، فهي لا تعلم عن تلك
العلاقة هذا غير ان الرجل عادة لا يستسغ هذا الأسلوب مهما كان فقره.


بعد هذا السرد الجميل والحبك الرائع تأتي القفلة ..والتي حملت حوارا
من الواضح أنه أتعب الناصة حتى اكتمل وخرج بحلة رائعة ومؤثرة



{{في اليوم التالي كانت السيدة تغلق باب بيتها حين سمعت صوتاً منكسراً يقول لها : سيدتي ، قبل أن تسافري لك عندي أمانة .
استدارت السيدة ووقفت تتأمله مطولاً بينما امتزجت دموعهما : آسفة، سمير . لم أود أن أجرح كرامتك سامحني .
أخرجت منديلاً من حقيبة يدها ومسحت عينيها، وقالت: تمنى لي الفوز .
لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .
- اعذرني سأتأخر عن الطائرة. معك حق . ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات .بالتوفيق لك . استدارت واتجهت نحو سيارتها لا تلوي على شيء.}}



ما أعمق الألم الذي كان يفور من هذا الحوار وخصوصا في الجزء الذي
قال ((لم تعلم هل صعقت أم طرب فؤادها، حين أخبرها وهو يمسح دموعه بكم قميصه باهت الألوان: طلقتها واشتريت سعادتي.
ولكن أنا وأنت سيبقى ذلك الحائط بيننا .))

موجع قوله طلقتها واشتريت سعادتي ..عن أي سعادة كان يتحدث
وهو يعلم أن ان الحائط سيبقى ما بينهما ..ثم لماذا تأخر قلبها في
الطرب حتى اللحظة وقد كان بإمكانها ان تردمه في مرحلة ما وخصوصا
أنها تعيش كما تريد هي ورغم هذه الحرية ورفاهية العيش لم تتزوج أبدا.

وقولها في آخر الحوار كان بمثابة رسالة هامة وقوية ..كأنها تقولها لنفسها
وشعرت أنها لم تكن المرة الأولى التي تقول فيها هذه الرسالة :

{{ ابن بيتك على صخر قاس حتى لا تتداعى الأساسات }}



الأديبة المبدعة عبير هلال

قد يقال أن القصة بسيطة (وهي كذلك) لكن يجب إدراك أن هذه
البساطة والسلاسة أخذت كثير جهد واشتغال ..كما أنها تفوقت
على مقولة الفكرة المستهلكة (وهي كذلك) لأنه تم العناية بسطوة السرد
ومتانة الحبك وتوجت كل ذلك بقفلة مؤثرة وموجعة . نص مكتمل جميل
وممتع إلى أبعد حد.

بوركتم وبورك نبض قلبكم الناصع
احترامي وتقديري



تحليل أكثر من رائع قرأته عدة مرات ..أشكرك من صميم قلبي
للمجهود الكبير الذي بذلته في تحليله ، وفي جعله مرآة تعكس ما لا بد
أن تراه العين وتسمعه الأذن ..
فرحتي لا حدود لها لإعجابك بنصي ، هذا ما عهدته منك جمال
ذائقتك الأدبية ..أعطيت نصي حقه وزيادة.

دامت لك أبهة قلمك ورونقه






  رد مع اقتباس
/
قديم 02-07-2020, 09:21 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة

الكاتب جمال عمران

اجابة على سؤالك هل ستفرق إن كانت طبيبة أو مهندسة الخ.. ؟؟؟ هل سيؤثر هذا على مجريات القصة ؟؟

كل التقدير لك

لا.. لافرق ولن يؤثر على مجريات الحدث.. وانا قلت (أفضل).. وذلك لأن العالم يحتفى بالعلماء والأطباء أكثر... ولأن الأدباء حظهم قليل..
وجهة نظر لا أكثر...
مودتي




التركيز ليس على وظيفتها أو موهبتها في نصي ، ولكن على أحداث اردتها أن تكون في بؤرة الحدث..
هي روائية ويبدو أن لها حظ كبير ربما لكونها ثرية غير عن موهبتها في الكتابة ..


دمت بخير وسعادة






  رد مع اقتباس
/
قديم 02-07-2020, 09:25 PM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
عبير هلال
عضو أكاديميّة الفينيق
عضو تجمع أدباء الرسالة
تحمل أوسمة الاكاديمية للابداع والعطاء
رابطة الفينيق / القدس
فلسطين

الصورة الرمزية عبير هلال

افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بختي ضيف الله مشاهدة المشاركة
رائعة..سردا وتكثيفا..ومفارقة...أبدعت...

سعدت جدا بتعليقك المبهج المحفز لي بكتابة المزيد..


بوركت






  رد مع اقتباس
/
قديم 23-12-2021, 06:46 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
فاطمة الزهراء العلوي
عضو أكاديميّة الفينيق
نورسة حرة
تحمل أوسمة الأكاديمية للعطاء والإبداع
عضو لجان تحكيم مسابقات الأكاديمية
المغرب
افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

قصة رائعة ومدهشة
تحيتي عبير الفاضلة






  رد مع اقتباس
/
قديم 15-03-2022, 04:08 AM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
إيمان سالم
عضو أكاديميّة الفينيق
تحمل أوسمة الاكاديمية للإبداع والعطاء
تونس
إحصائية العضو







آخر مواضيعي

إيمان سالم غير متواجد حالياً


افتراضي رد: حائك السيدة / عبير هلال

قصة ممتعة سرحت مع القراءة و السرد الجميل و السلس

أهنئك أديبتنا المبدعة عبير هلال

يسعدني أن رحلتي في الحالمة ساقتني إلى نصك الرائع

جزيل الشكر و التقدير

كل الود و أحلى باقة ورد..






  رد مع اقتباس
/
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة نصوص جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية الفينيق للأدب العربي
يرجى الإشارة إلى الأكاديمية في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط